لكن عن الإمام أحمد - وقال الموفق: وهو الأشبه بأصول المذهب -: أن تكون الطهارة من الجنابة شرط في صحتها، لأن قراءة آية في الخطبة فرض، ولا تصح ولا يجزئ أن يقرأها وهو جنب، وهذا القول بناءً على أن الجنب لا يجوز له أن يقرأ القرآن وعلى القول بأن الآية فرض أن تقرأ في الخطبة.
والصحيح: في هاتين المسألتين كلتيهما أنه لا يجب أن يقرأ آية في الخطبة وأن قراءة القرآن للجنب جائزة كما تقدم ترجيحه في باب الغسل.
إذن: الصحيح ما ذهب إليه أهل القول الأول: وأن الطهارة من الجنابة ومن الحدث الأصغر ليس بشرط في الخطبة، وإن كان المستحب له ألا يفصل بين خطبته وصلاته بطهارة.
قال: (ولا أن يتولاهما من يتولى الصلاة)
هذا المشهور في المذهب، وأنه لا يشترط أن يتولى الصلاة من تولى الخطبة، فلو خطب خطيب وصلى آخر فلا بأس؛ لأن الواجب هو إقامة الخطبة والصلاة من غير شرط أن يكون ذلك من إمام واحد، وإن كان المستحب والأولى أن يتولاهما إمام واحد كما كان ذلك في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وفي عصر الخلفاء الراشدين.
لكن لو خطب خطيب وتولى الصلاة آخر فإنه لا بأس بذلك لأنه لا دليل على اشتراط أن يتولاهما واحد، لأنهما كالصلاتين المختلفتين، فكما لو جمعت الصلاتان فصلى أحدهما إمام والأخرى إمام آخر فلا بأس بذلك.
قال: (ومن سننهما أن يخطب على منبر أو موضع عال)
" أن يخطب على منبر " إجماعاً؛ لفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو مشهور عنه ومن ذلك ما ثبت في البخاري عن عمر قال: (سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوم الجمعة على المنبر يقول: " من جاء إلى الجمعة فليغتسل) .
" أو موضع عال " فلا بأس أن يخطب على موضع عال وإن كان الأولى له أن يخطب على منبر، فإن لم يجد المنبر فإنه يخطب على موضع عال لحصول المقصود به.
وعليه: فلو خطب على الأرض فلا بأس وخطبته صحيحة لأنه قال: " ومن سننهما " وهذا بالإجماع، فالمنبر سنة فيها، والموضع العالي يجزئ فيها، وإن خطب على الأرض فإن ذلك لا بأس وإن كان خلافاً للسنة.
قال: (ويسلم على المأمومين إذا أقبل عليهم)
يستحب له إذا ارتقى على المنبر أن يستقبل المأمومين بوجهه ويسلم عليهم، لما ثبت في ابن ماجه وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف قال: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا صعد على المنبر سلم) وله شاهد عند الطبراني في الأوسط بإسناد ضعيف، فعلى ذلك الحديث حسن.
ولو قال: " السلام عليكم " أجزأه، فإن السلام يصدق على قوله: " السلام عليكم "، والمستحب زيادة: " وبركاته ".
قال: (ثم يجلس إلى فراغ الأذان)
فإذا سلم جلس إلى فراغ الأذان، لقول ابن عمر كما في سنن أبي داود قال: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم -[يخطب خطبتين، كان] يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ قال الراوي: " أراه قال "المؤذن " أي حتى يفرغ المؤذن ثم يقوم فيخطب ثم يجلس فلا يتكلم - وهي الجلسة بين الخطبتين-[ثم يقوم فيخطب] ) 1 ، وثبت في البخاري من حديث السائب بن يزيد قال: (كان النداء يوم الجمعة حين يجلس الإمام على المنبر) .
قال: (ويجلس بين الخطبتين)
لحديث ابن عمر المتقدم، وهي مستحبة وليست بواجبة فلو لم يجلس فلا بأس، لكن الغرض أن يسكت سكوتاً يفصل به بين الخطبتين، فإذا انتهى من الخطبة الأولى استحب له أن يجلس، فإن لم يجلس ففرض أن يسكت سكوتاً يفصل به بين الخطبتين؛ لأن الواجب فيها خطبتان ولا يتم الواجب إلا بأن يفصل بينهما بسكوت.
قال: (ويخطب قائماً)
هذا هو المستحب، فخطب جالساً فلا بأس لكن المستحب هو القيام، لحديث ابن عمر المتقدم، وفيه النبي - صلى الله عليه وسلم -: (كان يخطب خطبتين وهو قائم) فهذا هو المستحب؛ لأنه فعل والفعل لا يدل على الوجوب، وهو فعل الخلفاء الراشدين.
وأول من جلس على المنبر – وهو محمول على العذر – هو معاوية رضي الله عنه، فقد ثبت في سنن سعيد بن منصور أن أول من جلس في الخطبة معاوية رضي الله عنه، وذلك لعله لعذر فيه، وأما النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفاؤه الراشدين فلم يصح عن أحد منهم خلاف السنة.
قال: (ويعتمد على سيف أو قوس أو عصا)
لما ثبت في سنن أبي داود عن الحكم بن حَزْن الكُلَفي قال: (وفدت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[سابع سبعة أو تاسع تسعة، فدخلنا عليه قلنا: يا رسول الله، زرناك فادع الله لنا بخير، فأمر بنا أو أمر لنا بشيء من التمر والشَّانُ إذ ذاك دونٌ] فأقمنا [بها] أياماً فشهدنا [فيها الجمعة] مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقام متوكئاً على عصا أو قوس فحمد الله وأثنى [عليه] كلمات خفيفات مباركات) 1 ، ففيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خطب على قوس أو عصا.
وأما السيف فلم يصح ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، كما قال ذلك ابن القيم، لأن الاتكاء على القوس لا يراد منه إظهار شيء سوى استعانة الخطيب به، فالاتكاء ليس المقصود منه إظهار قوة الإسلام أو نحو ذلك وأن الإسلام قام بالسيف – كما قال ذلك الحنابلة –، فإن ذلك ليس بصحيح إذ لم يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه اتكأ على سيف مطلقاً.
ولأن الإسلام قد قام بالدعوة والبيان، وإنما احتيج إلى السيف عند امتناع من امتنع عن قبوله، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتكأ على عصا كما تقدم، فالمقصود هو ذات الاتكاء، وما يستعين الخطيب من ذلك تقوية نفسه أو نحو ذلك، وليس المقصود إظهار شيء مما ذكره بعض الحنابلة كما رد على ذلك ابن القيم أو غيره.
قال: (ويقصد تلقاء وجهه)
فالمستحب للخطيب في خطبته أن يقصد تلقاء وجهه، فلا يأخذ يميناً وشمالاً أي لا يلتفت أثناء الخطبة إلى ميمنة المسجد أو ميسرته، وهذا باتفاق العلماء، وذلك لأن هذا أسمع لكلامه فإنه إذا أخذ تلقاء وجهه استوى أهل المسجد في سماع كلامه، بخلاف ما إذا أخذ يمنة فإنه يخفي شيء من كلامه على أهل ميسرة المسجد، وهكذا إذا أخذ ذات اليسار فإنه يخفي شيء من كلامه على أهل ميمنة المسجد، فكان المستحب أن يكون تلقاء وجهه ليكون ذلك أسمع لكلامه وليكون أعدل بينهم.
قال الموفق: " وهو فعل النبي صلى الله عليه وسلم "، ولم أر ما يدل عليه نصاً، وإن كان اتفاق أهل العلم على ذلك والمصلحة تقتضي أن هذا هو فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
- والمستحب للمأمومين أن يقبلوا بوجوههم على الإمام حتى من كان في ميمنة المسجد أو ميسرته، وقد وردت في ذلك حديث وآثار.
أما الحديث فهو ما رواه ابن ماجه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (كان إذا خطب استقبله أصحابه بوجوههم) لكن الحديث ضعيف مرسل.
وقد قال الترمذي: " ولا يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الباب شيء، لكن ذلك ثابت عن أصحابه، قال البخاري: " واستقبل ابن عمر وأنس الإمام وهو يخطب " ولا يعلم لهما مخالف.
لذا قال الترمذي: " والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وغيرهم يستحبون أن يستقبل الناس الإمام بوجوههم " وليس المقصود بالنظر بالأعين، وإنما المقصود أن يعطيه وجهه، فيستقبل الخطيب بوجهه.
قال: (ويقصر الخطبة)
هذا هو المستحب، لما ثبت في مسلم عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنَّةٌ من فقهه)
فقصر الخطبة وطول الصلاة مئنَّة الفقه، فالمستحب قصر الخطبة وهو فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وقوله، أما فعله فقد تقدم في قول الصحابي: (فحمد الله وأثنى عليه كلمات خفيفات مباركات) ، وأما قوله فهذا الحديث.
فالمستحب للخطيب أن يقصر خطبته، ويورد على السامعين جوامع الكلم، والألفاظ المشتملة على المعاني الكبيرة، ويقصر ذلك لئلا يضجرهم ويوقع الملل في نفوسهم ولئلا ينسي الكلام بعضه بعضاً، والعلم إنما يلقى شيئاً فشيئاً كما قال ابن عباس في قوله: " كونوا ربانيين، قال: الذين يعلمون صغار المسائل قبل كبارها " فالخطباء الربانيون هم الذين يعلمون الناس الشيء اليسير حتى يتدرجون معهم إلى الشيء الكبير ويعلمونهم الأساس والأصل قبل أن يعلمونهم الفرع.
قال: (ويدعو للمسلمين)
فيستحب له أن يدعو للمسلمين، قال في الإنصاف: " بلا نزاع " واستدلوا: بمثل استسقاء النبي - صلى الله عليه وسلم - في الخطبة فهذا يدل على جواز الدعاء فيها، ولعموم الأدلة الدالة على مشروعية الدعاء واستحبابه.
ولما ثبت في مسلم عن عمار بن رؤيبة 1 : أنه رأى بشر بن مروان وهو يخطب رافعاً يديه فقال: (قبَّح الله هاتين اليدين ما رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يزيد على أن يشير بأصبعه) وأشار بأصبعه السباحة " وفي رواية لأحمد: " يدعو على المنبر "، وهذا هو الشاهد.
وأما رفع اليدين فإنه بدعة كما صرح بذلك المجد ابن تيمية وقد قال شيخ الإسلام: " ويكره للخطيب أن يرفع يديه عند الدعاء في الخطبة والمشروع له أن يشير بإصبعه السبابة ".
فإذن: يكره للخطيب وغيره من المستمعين أن يرفعوا أيديهم أثناء خطبة الإمام إذا دعا والمستجيب أن يشيروا بأصابعهم.
فإن دعا لولي أمر المسلمين: فاستحسن ذلك الإمام أحمد وعدد من أهل العلم، ولا شك أن صلاح الإمام صلاح للمسلمين عامة؛ لكونه أولى بتخصيص الدعاء من عامة المسلمين، لما في إجابة الدعوة من الله فيه من المصلحة له ولغيره من المسلمين ممن هم رعية له وتحت ولايته.
وأنكر ذلك بعض أهل العلم وقال: هو محدث كعطاء بن أبي رباح.
لكن الأظهر هو جوازه، لكن لا يكون ذلك على سبيل المداومة فلا يتخذ ذلك سنة في كل خطبة، وإنما يفعل ذلك أحياناً؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفاءه لم يثبت عن أحد منهم المداومة على ذلك واتخاذه سنة.
أما فعل ذلك أحياناً فلا بأس، فإن الخطبة موضع إجابة بدليل استسقاء النبي - صلى الله عليه وسلم - في الخطبة.
وفيها اجتماع المسلمين فيرجى أن تجاب الدعوة، فإذا خصص بذلك إمام المسلمين والطائفة المجاهدة، أو نحو ذلك فلا بأس، وأما اتخاذ ذلك سنة فإنه في الحقيقة ليس بسنة، كما أنكر ذلك وأدخله في البدع صاحب الاعتصام وأن الاستمرار في الدعاء للمرابطين والمجاهدين أن ذلك بدعة – وهو كما قال – فغنه لم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الاستمرار في الدعاء للمجاهدين والمرابطين ونحو ذلك.
أما إذا احتاج المسلمون إلى ذلك فإنه يفعل لكن لا يكون على سبيل الدوام، ومثل ذلك الدعاء لولي أمر المسلمين فلا بأس به لكن لا يكون ذلك على سبيل الدوام، والله أعلم.
والحمد لله رب العالمين.
فصل
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (الجمعة ركعتان)
وهذا بإجماع العلماء، وقد تقدم من الأحاديث ما يدل على ذلك كقول ابن عباس: (فرض الله على لسان نبيه صلى الله عليه وآله وسلم الجمعة ركعتان) رواه مسلم.
وفي النسائي قال عمر: (والجمعة ركعتان … تمام غير قصر على لسان النبي صلى الله عليه وآله وسلم)
فلا تصح بأربع، وإنما اختلفوا هل هي ظهر مقصورة أم صلاة مستقلة تامة، وقد تقدم أن الراجح أنها صلاة مستقلة تامة.
قال: (يسن أن يقرأ جهراً في الأولى بالجمعة، وفي الثانية بالمنافقين)
كما ثبت في مسلم عن ابن عباس قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة " ألم تنزيل السجدة، وهل أتى على الإنسان حين من الدهر، ويقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة وبالمنافقين)
واختلف الحنابلة: هل المستحب أن يداوم عليها أم لا؟
أى قراءة السجدة والإنسان في صلاة الفجر يوم الجمعة:
فالمشهور عندهم: كراهية ذلك؛ لئلا يظن وجوبها ولئلا يعتقد فضيلة السجدة وأنها إنما شرعت للسجدة فيها، ولذا نص شيخ الإسلام على كراهية تحري آيات أو سور فيها سجدة وقراءتها في صلاة الفجر يوم الجمعة، لأن هذا عن عقيدة أن المستحب هو اختيار سورة فيها سجدة وليس المراد ذلك، وإنما لما فيها من المعاني الشرعية المناسبة لذلك اليوم الذي هو يوم النفخة والصعقة ويوم البعث، وما تضمنه تلك السورة من المعاني المناسبة لذلك.
والقول الثاني – وهو الراجح –: أن المستحب له أن يداوم على ذلك، وقد ورد في الطبراني: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يداوم عليها، والحديث المتقدم شاهد له، فإن لفظة " كان " في الأصل تدل على المداومة ما لم يرد ما ينافي ذلك، وهنا كذلك.
أما ما ذكروه من أن ذلك يؤدي إلى اعتقاد وجوب قراءتها فإن هذا يدفع بتركها أحياناً مع كونه مداوماً عليها إلا الشيء اليسير، ولعل هذا مراد أهل القول الأول.
ثم إن هذه المظنة قد تندفع حيث تبينت السنة، فإذا كان أهل البلدة أو أهل المسجد يعلمون أنها سنة وليست بواجب، وأن السجدة ليست هي المقصودة، بل المعاني التي فيها، فإنهم يستحب لهم أن يداوموا عليها مطلقاً، لأن هذا المظنة مدفوعة عنهم.
إذن: المستحب أن يداوم على ذلك، لكن إن خشي اعتقاد الوجوب فإنه يتركها أحياناً لئلا يعتقد ذلك.
أما تحري آية أو سورة من القرآن فيها سجدة محلها، فإن هذا ليس من السنة بل هو من البدعة، لأن هذا تابع عن اعتقاد أن هذه السورة إنما خصت لما فيها من السجدة، وليس الأمر كذلك، فهي إنما خصت لما فيها من المعاني التي هي مناسبة ليوم الجمعة الذي هو اليوم الذي يبعث فيه العباد وفيه النفخة والصعقة وفيه خلق الله آدم وهذه السورة متضمنة لهذه المعاني كلها.
ويستحب أن يقرأ في الجمعة بسبح والغاشية، لما ثبت في مسلم من حديث النعمان بن بشير قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في العيدين وفي الجمعة بسبح اسم ربك الأعلى، وبهل أتاك حديث الغاشية)
وهاتان السورتان فيهما من المعاني المتقدمة ما هو ظاهر وواضح، فإنه يستحب: أن يقرأ في الجمعة بسبح والغاشية أو الجمعة والمنافقون.
فسبح والغاشية: فيهما ما هو ظاهر من ذكر اليوم الآخر وما فيه من الأهوال، وفيهما ما فيهما من الكلام عن الذكرى والتذكير، وأنه إنما يستحب إلى التذكير من هو متصف بالتقوى بخلاف الآخر فهو أشقى، ومعلوم أن الجمعة فيها من التذكير والوعظ والدعوة إلى الله ما يوجب التنبيه لذلك.
وأما سورة الجمعة والمنافقون:
أما سورة الجمعة: فإن فيها بيان حكم الجمعة ووجوب السعي إليها ووجوب العلم والقيام به.
وأما سورة المنافقون: ففيها من التحذير من النفاق، ومعلوم أن اجتماع الناس الكثير مظنة وجود المنافقين.
فلهذه اختيرت هذه السور لمناسبتها لهذا الموقف العظيم.
قال: (وتحرم إقامتها في أكثر من موضع من البلد إلا لحاجة)
هذه مسألة كبيرة والناس يقعون – كما هو معلوم – في مخالفتها وهي: أنه لا يجوز أن يقام في المدينة – وإن كبرت – أو القرية أن يقام فيها جمعتان، وهذا قد اتفقت عليه المذاهب الأربعة وأنه يحرم ذلك وليس بمشروع بل هو بالإجماع ليس بمشروع.
قالوا: لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أنه كان يقام في المدينة جماعات كثيرة كما كان في مسجد قباء ومسجد بني سلمة وغيرهما فإنها كانت تقام فيها الجماعة، وأما الجمعة فلم تكن تقام في غير مسجده - صلى الله عليه وسلم -، فدل على أن إقامتها إنما تشرع في مسجد واحد، فلا يقام في أكثر من مسجد؛ لفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفعل خلفائه الراشدين وهكذا كان الأمر في عصر الخلفاء الراشدين الأربعة، فلم تكن تقم في البلدة إلا جمعة واحدة.
وكانت المدينة بريداً - × - في بريد، أي ما يقارب 18كم × 18كم، كانوا جميعاً يحضرون جمعته، ولم تقم في المدينة سواها.
واستثنى الحنابلة الحاجة، فإذا كان هناك حاجة إلى إقامة جمعة أخرى فإنه لا بأس بذلك، لأن الشريعة قد أتت برفع الحرج.
فإذا كانت المدينة كبيرة كما يكون هذا في العواصم ويشق على الناس أن يأتوا من أقطارها المتباعدة، أو يكون المسجد لا يسعهم فتزدحم شوارعه ونحو ذلك فإن هذا حرج يقتضي إباحتها وهو اختيار شيخ الإسلام وهو القول الراجح.
- وقال الجمهور: لا يجوز ذلك مطلقاً حتى للحاجة فلا تقام إلا في مسجد واحد.
وعليه: فإن الناس يصلون ظهراً.
فمثلاً: إذا ازدحم المسجد أو كان في الحضور مشقة فإنهم يصلون في مساجدهم ظهراً ولا يقيمون جمعة أخرى؛ لأنه لم يقم في مدينته - صلى الله عليه وسلم – مع كونها متباعدة الأطراف إلا جمعة واحدة.
وأجاب عنهم الحنابلة: بأن الحاجة لم تثبت في عصر النبي صلى الله عليه وسلم لأن المدينة وإن كان في أطرافها تباعد لكنها سهلة السُبل فلم يكن هناك ازدحام شديد وكان المسجد يسعهم.
ثم لو أثبتنا الحاجة لهم فإنهم إنما لم يقيموها لكونهم يؤثرون جمعته ولا يرغبون بخطبة بغير خطبته صلى الله عليه وسلم مع سهولة حضورها وإن كان يلحقهم شيء من الحرج، بخلاف الصلوات المتكررة فإنهم يشق عليهم أن يرتادوا مسجده مع تباعد محالهم، وهذا جواب ظاهر.
فما ذهب إليه الحنابلة – وهو اختيار شيخ الإسلام – ظاهر وهو استثناء الحاجة، كأن تكون المدينة كبيرة متباعدة الأطراف أو أن يكون المسجد لا يسعهم، أو أن يكون هناك عداوات تقتضي إقامة الجمعة أكثر من موضع لئلا تقع الفتنة بين الناس.
ومثل ذلك صلاة العيد عندهم فإنها لا يجوز أن تقام إلا في مصلى واحد إلا أن يحتاج الناس إلى مصليات أخر، فإنها تقام فيها بقدر الحاجة إلى ذلك.
قال: (فإن فعلوا فالصحيحة ما باشرها الإمام أو أذن فيها فإن استويا في إذن الإمام أو عدمه فالثانية باطلة وإن وقعتا معاً أو جهلت الأولى بطلتا)
فإن فعلوا: فأقيمت جمعة أخرى ولا حاجة لذلك ففي مسألة الصحة والبطلان تفصيل وهو:
أنه إذا تميزت أحد هذه الجمعات بميزة كأن تكون هي جمعة الإمام أي التي يصلي فيها الأمير أو الحاكم أو تميزت بأن لها إذن الإمام، وأما غيرها من الجمعات فلا إذن له، أو تميزت بأنها في وسط البلد كما يكون هذا في الجوامع الكبيرة، فإذا تميزت جمعة بأحد هذه الميزات فإنها هي الصحيحة وما سواها فجمعة باطلة، وعليهم حينئذٍ أن يعيدوا صلاتهم ظهراً.
" فإن استويا في إذن الإمام أو عدمه ": يعني كلاهما مأذون فيه أو كلاهما ليس بمأذون فيه، أو كان كلاهما له ميزة يتميز بها عن الآخر فالثانية باطلة، فالسابقة هي الصحيحة؛ لأن لها السبق ولأنها صليت حيث شرع ذلك ولا مزاحم لها فكانت هي الجمعة الصحيحة.
أما الجمعة الأخرى فإنها باطلة لأنها مسبوقة بجمعة مجزئة فتكون باطلة.
واعتبار ذلك في المشهور من المذهب بتكبيرة الإحرام، فإذا كبر تكبيرة الإحرام إحدى الطائفتين قبل الأولى فصلاتهم هي الصحيحة، ومن كبرت بعدها فصلاتها هي الباطلة.
وقال بعض الحنابلة: بل بالشروع في الخطبة، فإذا شرع أحد المسجدين بالخطبة قبل الآخر وإن شرع بعده بتكبيرة الإحرام فإن جمعته هي الصحيحة.
وهذا القول أرجح، لأن الجمعة شاملة للخطبة والصلاة فوقعت شيء منها صحيحاً مجزئاً فلا يصح بعد ذلك إبطاله.
" وإن وقعتا معاً " سواء قلنا إن ذلك بتكبيرة الإحرام أو بالشروع في الخطبة فإنهما تبطلان جميعاً، لأنه لا ميزة لإحداهما على الأخرى، لأنه لابد وأن نبطل إحداهما، وتصحيح إحداهما دون الأخرى تحكم لا دليل عليه فوجب أن يبطلا جميعاً.
وقبل ذلك أيضاً: إذا جهلت الأولى، فمثلاً: صلت طائفة في طرف البلد وصلت طائفة أخرى في طرفه الآخر ولا يعلم أيهما السابق، ولابد أن تكون إحداهما باطلة، والحكم لأحداهما بالصحة دون الأخرى تحكم.
ويحتمل في كل واحدة فيهما أن تكون مسبوقة – فحينئذٍ كان الحكم بإبطالهما جميعاً.
وما ذكره المؤلف هنا من التصحيح والبطلان هو مذهب جماهير العلماء من الحنابلة والمالكية والشافعية والأحناف.
- وعن الإمام أحمد، وهو مذهب عطاء بن أبي رباح وهو اختيار الشوكاني كما في السيل الجرار، قالوا: إن الجمعة الأخرى تصح.
قالوا: لأن فعل النبي صلى الله عليه وسلم إنما يدل على المشروعية، ولا بدل على اشتراط ذلك، نعم الصلاة في أكثر من مسجد مع عدم الحاجة لا يشرع ذلك، أما أن يكون ذلك شرط في صحتها فلا، وهذا القول – فيما يظهر عندي – فيه نظر.
ذلك لأن الجمعة شاملة للاجتماع لها وإقامة الخطبة ونحو ذلك وحيث إنها وقعت على غير سنة النبي صلى الله عليه وسلم فإن ذلك اجتماع غير مشروع، وحيث كان اجتماعاً غير مشروع فهو اجتماع محدث، وكل محدث فهو بدعة وضلالة ورد على أصحابه كما في الحديث: (كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد) ، فالنهي هنا المتضمن للتبديع، لأن السنة لم تكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن تقام الجمعة في مسجد واحد، وهذا يقتضي أن تكون الجمعة الأخرى غير مشروعة، وهذا شامل للاجتماع إليها وإقامة الخطبة فيها، فحينئذٍ يكون النهي قد عاد إلى ذات الجمعة، فكان حينئذ الاجتماع على هذا الصورة غير مقبول وحينئذٍ يكون العمل مردوداً على أصحابه.
فإذن: أصح المذاهب ما ذهب إليه الحنابلة في المشهور عندهم: وهو أن يقال: إن أقيمت جمعة أخرى في بلدة فيها جمعة ولم تكن حاجة لإقامتها فإنها باطلة ويجب عليهم أن يستأنفوا ظهراً وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.
قال: (وأقل السنة بعد الجمعة ركعتان، وأكثرها ست)
هذا في السنة يوم الجعة:
وما ذكره المؤلف في السنة البعدية، فقال: " وأقل السنة بعد الجمعة ركعتان وأكثرها ست " وهو ما نص عليه الإمام أحمد فقال: " إن شاء صلى ركعتين وإن شاء صلى أربعاً وإن شاء صلى ستاً ".
أما الصلاة ركعتين فدليله ما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر قال: " حفظت من النبي - صلى الله عليه وسلم - ... إلى أن قال: (وركعتين بعد الجمعة في بيته)
وأما الأربع: فما ثبت في مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من صلى بعد الجمعة فليصل أربعاً)
وأما الست: فدليله ثبوت آثار عن الصحابة رضي الله عنهم فقد ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح أن ابن عمر: (كان إذا صلى بمكة الجمعة تقدم فصلى ركعتين ثم تقدم فصلى أربعاً، وإذا صلى بالمدينة أتى أهله فصلى ركعتين، وكان يخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله) .
وهو ثابت عن علي بن أبي طالب، فقد ثبت في مصنف عبد الرزاق بإسناد صحيح عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: (كان عبد الله: أي ابن مسعود " يأمرنا أن نصلي قبل الجمعة أربعاً وبعدها أربعاً ثم جاء علي فأمرنا أن نصلي بعدها ركعتين ثم أربع) .
وقال شيخ الإسلام: إن صلى في بيته صلى ركعتين، وإن صلى في المسجد صلى أربعاً، وفيه قوة، وذلك لأن حديث أبي هريرة المتقدم: (من صلى بعد الجمعة فليصل أربعاً) مطلق، وأما حديث ابن عمر ففيه: (أنه كان يصلي في بيته ركعتين) ولا شك أن صلاة السر أفضل من صلاة الجهر، فضوعفت في صلاة الجهر، فكانت في المسجد أربعاً أو ستاً، وأما الصلاة في البيت فكانت ركعتين، هذا اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم.
وأما السنة القبلية:
فقد تقدم عن ابن مسعود أنه كان يأمر الناس أن يصلوا قبلها أربعاً.
وروى ابن المنذر عن ابن عمر: (أنه كان يصلي قبلها اثنتي عشر ركعة) ، وعن ابن عباس: (أنه كان يصلي قبلها ثماني ركعات) ، وثبت في مصنف ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن أبي مالك القرظي قال (أدركت عمر وعثمان " وهو العصر الذي كان فيه الصحابة في المدينة متكاثرون من المهاجرين والأنصار " فكان الإمام إذا خرج تركنا الصلاة وإذا تكلم تركنا الكلام) وفيه أنهم كانوا يصلون حتى يخرج الإمام.
فالسلف لهم في الصلاة قبل الجمعة طريقتان:
الأولى: أن بعضهم يصلي ما كتب له، أربعاً أو ستاً أو غيرها ثم يجلس يقرأ القرآن ويذكر الله حتى يخرج الإمام.
الثاني: أن منهم من كان يصلي حتى يخرج الإمام كما في أثر أبي مالك القرظي، وقد ثبت في مسلم حديث وفيه: (ثم صلى ما كتب له)
إذن: ليس للجمعة سنة قبلية مؤقتة، وإنما يصلي المسلم ما كتب له.
فذهب بعض علماء الحنابلة إلى أنها مقيسة على صلاة الظهر فيستحب أن يصلي فيها ركعتين، وقد تقدم أن راتبة الطهر عندهم ركعتان.
وهذا القياس قياس مع الفارق لثبوت الفوارق الكثيرة المتقدمة بين صلاة الجمعة وصلاة الظهر، على أن النبي صلى الله عليه وسلم صح 1 عنه ذلك، فلم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الجمعة إلا أنه كان يصلي بعدها ركعتين في بيته وأمر أن يصلى بعدها أربعاً.
بخلاف الظهر فإنه ثبتت سنته بصلاة أربع قبلها، وأما الجمعة فقال: (ثم صلى ما كتب له) فهذا القياس يخالف ظاهر السنة.
واستدلوا: بما رواه ابن ماجه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسليك الغطفاني: (أصليت ركعتين قبل أن تجيء) وهذه قد أخطأ بها بعض الرواة كما قرر هذا شيخ الإسلام والحافظ أبو الحجاج المزي، فقرروا أن هذا اللفظ خطأ، وأن الصواب: (أصليت ركعتين قبل أن تجلس) وهما تحية المسجد وليست ركعتي الجمعة القبلية.
مسألة:
ولم يذكر المؤلف – هنا – مسألة ذكرها صاحب المقنع وهي:
فيما إذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد فصليت العيد فهل يجزئ عن الجمعة أم يجب على المسلمين أن يصلوا الجمعة؟
لم يتعرض لها المؤلف هنا، وذكرها صاحب المقنع – وهذا الكتاب اختصار له، فالأولى ذكرها فيه -.
- والمسألة عند الحنابلة: أن العيد إذا صليت في يوم الجمعة فإنها تجزئ عن الجمعة ويجب على الناس أن يصلوا الظهر فلا يسقط عنهم الظهر.
ويستثنى من ذلك الإمام فتجب عليه الجمعة – هذا عند الحنابلة – خلافاً لجمهور الفقهاء.
واستدل الحنابلة: بأحاديث ثبتت بمجموعها هذه السنة.
فقد روى الخمسة إلا الترمذي عن زيد بن أرقم قال: (إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى العيد ثم رخص في الجمعة وقال: من شاء أن يصلي فليصل) ، لكن الراوي عن زيد: إياس بن أبي أرملة، قال فيه ابن خزيمة: " لا أعلم فيه جرحاً ولا تعديلاً "، لكن يشهد له ما رواه أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اجتمع في يومكم هذا عيدان فمن شاء أجزأه ذلك عن الجمعة وإنا مجمعون) ، ويشهد له ما رواه أبو داود بإسناد صحيح عن عطاء بن أبي رباح قال: (صلى بنا عبد الله بن الزبير في يوم عيد في يوم جمعة أول النهار ثم رحنا إلى الجمعة فلم يخرج إلينا، فصلينا وحدانا، وكان ابن عباس في الطائف فلما جاء سألناه فقال: أصاب السنة) ، وفي النسائي بإسناد صحيح: أن ذلك بلغ عبد الله بن الزبير فقال: (رأيت عمر بن الخطاب لما اجتمع عيدان صنع مثل ما صنعت) .
فهذه الأحاديث حجة على جمهور الفقهاء، فهي أحاديث بعض أسانيدها صحيح وبعضه حسن، وبعضه قابل للتحسين وبمجموعها ثابتة لا شك في ثبوتها عن النبي صلى الله عليه وسلم.
فإذن: إذا اجتمع في يوم واحد عيد وجمعة، فإن العيد يجزئ عن الجمعة لهذه الأحاديث، والمعنى يقتضي ذلك، فإن يوم العيد يوم سرور وفرح فلم يناسب أن يجتمع فيه موعظتان أو خطبتان، فرخص في إحداهما وأقيمت الأخرى.
قال الحنابلة: ويستثنى من ذلك الإمام فيجب عليه أن يصلي الجمعة.
وذهب بعض الحنابلة، كالمجد بن تيمية وهو رواية عن الإمام أحمد: إلى أن الإمام كذلك، فلو لم يقمها الإمام فلم تصح 1 في البلدة جمعة فلا بأس، ودليله: أثر ابن الزبير المتقدم فإنه لم يخرج إليهم وصلوا وحدانا وقال ابن عباس: (أصاب السنة) ، وقال ابن الزبير: (رأيت عمر بن الخطاب لما اجتمع عيدان صنع مثل ما صنعت) فظاهره أن عمر لم يخرج إلى الناس فيقيم فيهم الجمعة.
إذن الراجح: أن الإمام لا يجب عليه أن يقيم الجمعة، هذه الألفاظ في بعضها ما يدل على أن الواجب عليهم أن يصلوا ظهراً، وهو قول عطاء: (فصلينا وحدانا) ولم ينكر ذلك عليهم ابن عباس ولا ابن الزبير.
واختار الشوكاني سقوط الظهر أيضاً، لكن هذا ضعيف، ولا دليل على إسقاطها وهي الأصل فإذا سقطت الجمعة للمعاني المتقدمة بقيت الظهر واجباً إقامتها.
وهل يجزئ الجمعة عن العيد؟
فمثلاً: لو صلوا الجمعة في أول النهار، فهل تجزئ عن العيد.
أو صليت بعد الزوال وتركت العيد واكتفوا بالجمعة، فهل يجزئ ذلك؟
المشهور في المذهب: أن الجمعة تجزئ عن العيد، والمعنى يقتضي ذلك، وهو المعنى المتقدم بل أولى، فإذا كانت العيد قد أجزأت عن الجمعة، فأولى من ذلك أن يجزئ الجمعة عن العيد.
واختار الموفق وأبو الخطاب من الحنابلة: أنها إنما تجزئهم إذا صلوا في أول النهار، لكن هذا تفريق لا دليل عليه، لأن العيد تصح عندهم بعد زوال الشمس، فلو أخرها الناس في يوم العيد إلى أن زالت الشمس فهي وإن خالفت السنة فهي عند أهل العلم صحيحة، وإذا أجزأت العيد عن الجمعة، فأولى أن تجزئ الجمعة– لأنها فرض - عن العيد - وهي مختلف في وجوبها -، سواء كان ذلك في أول النهار أو بعد الزوال.
والحمد لله رب العالمين
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويسن أن يغتسل لها وتقدم)
أي: يسن له أن يغتسل يوم الجمعة قبل رواحه إليها، وقد تقدم البحث في هذا وبيان فضيلته وأنه سنة كما هو مذهب جمهور العلماء في حكم الاغتسال في باب الغسل.
وأن هذا على وجه الاستحباب إلا إذا كانت هناك روائح كريهة يُتأذى منها فهو واجب كما هو اختيار شيخ الإسلام، وتقدمت الأدلة على ذلك.
لذا قال المؤلف هنا: (وتقدم) .
قال: (ويتنظف ويتطيب)
أي يستحب له أن يتنظف ويتطيب، فقد ثبت في البخاري عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر - أي يتنظف من استطاع من التنظيف من تقليم أظفار وحلق عانة وغير ذلك من إزالة الأوساخ التي يكون بها التنظيف - ويدهن من دهنه - أي يذهب شعث رأسه بالدهن - أو يمس من طيب بيته - وفي أبي داود من حديث ابن عمرو: أو يمس من طيب امرأته، وفي مسلم من حديث أبي سعيد: ولو من طيب المرأة 1 - ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين ثم يصلي ما كتب له ثم ينصت إذا تكلم الإمام غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى) ففيه فضيلة التنظف والتطيب.
وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم وأن يستن وأن يمس طيباً أن وجد) ، وفي رواية مسلم: (ولو من طيب امرأته) ، وفيه أيضاً فضيلة الاستياك فيه.
- ويستحب تطييب المسجد، فقد روى سعيد بن منصور في سننه عن نعيم المجمر قال: (كان عمر يجمر المسجد يوم الجمعة إذا انتصف النهار) . قال: (ويلبس أحسن ثيابه)
كما في أبي داود من حديث عبد الله بن عمرو وفيه: (ويلبس من أحسن ثيابه) ، وفي أبي داود: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما على أحدكم إن وجد، أو ما على أحدكم إن وجدتم أن يتخذ ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته) 1 أي سوى الثياب التي يمتهن بها ويعمل فيها.
وفي الصحيحين: (أن عمر رأى حلة سيراء – أي من حرير – عند باب المسجد فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: لو اشتريتها فلبستها يوم الجمعة وللوفد إذا قدم عليك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما يلبسها من لا خلاق له في الآخرة) والشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم أقر عمر على التزين يوم الجمعة.
قال: (ويبكِّر إليها ماشياً)
فيستحب له أن يبكِّر فيذهب إليها مبكراً، وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من اغتسل يوم الجمعة كغسل الجنابة، ثم راح - في موطأ مالك: " في الساعة الأولى " - فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر) ، وفي مسلم: (إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الأول فالأول، فإذا جلس الإمام طووا الصحف وجاؤا يستمعون الذكر، ومَثَل المهجِّر كمثل من يهدي بدنة ثم من يهدي البقرة ثم من يهدي الكبش ثم من يهدي الدجاجة، ثم من يهدي البيضة) .
وقد ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وغسَّل يوم الجمعة - وفي أبي داود: من غسل رأسه - واغتسل، وبكر وابتكر " الابتكار هو أدراك الشيء في أوله، أي أدرك الجمعة في أولها ولم يفته من الخطبة شيء - ومشى ولم يركب ودنا من الإمام ولم يلغ كان له بكل خطوة يخطوها أجر سنة قيامها وصيامها) الحديث إسناده صحيح وحسنه الترمذي في سننه.
وقوله " بكر وابتكر " أي بكر في الذهاب، وابتكر في الوصول.
- وقد اختلف أهل العلم في وقت التهجير أو الرواح إليها على قولين:
1- فقال الإمام مالك: وقت التبكير من زوال الشمس، وقد تقدم أن مذهب مالك أن وقت الجمعة إذا زالت الشمس إلى أن يجلس الإمام، فتكون الساعات ساعات لطيفة جداً هي شبيهة باللحظات تكون خلال هذا الوقت البسيط، فيكون الوقت من زوال الشمس إلى جلوس الخطيب.
واستدل: بلفظة (راح وهجر) فقال: الرواح يكون إذا زالت الشمس كما أن الغدو يكون قبل زوالها.
قال: والتهجير هو الذهاب إذا انتصف النهار واشتد الحر، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (ومثل المهجر كمثل من يهدي بدنة) . 2- وقال جمهور العلماء: بل يكون ذلك من أول النهار وهو طلوع الفجر الصادق، فالساعة الأول هي التي يكون فيها أذان الفجر وما بين الأذان والإقامة وصلاة الفجر وما يكفيه للتهيؤ والرواح فهذه الساعة الأولى وبعدها الساعات الباقية.
واستدلوا: بالحديث المتقدم، فإنه قال: (ومن راح في الساعة الأولى) وحديث النبي صلى الله عليه وسلم يفسر بعضه بعضاً، فقد ثبت في النسائي وأبي داود من حديث جابر بإسناد صحيح قال: (الجمعة اثنتا عشرة ساعة) الحديث وسيأتي تمامه.
وهكذا سائر الأيام وهو التوقيت الثابت الذي لا يختلف صيفاً ولا شتاءً، فقبل زوال الشمس ست ساعات وبعد زوالها ست ساعات يختلف طولاً وقصراً صيفاً وشتاءً.
فمثلاً إذا أذن الفجر في الساعة الخامسة، وكان زوال الشمس في الساعة الثانية عشرة فهذه سبع ساعات، فتكون كل ساعة من الساعات الثانية ساعة وعشرة دقائق وهكذا.
واستدلوا: بالحديث المتقدم، وهو حديث ظاهر على ما ذكروه.
ويبقى الجواب على ما ذكره الإمام مالك، قالوا الجواب عليه: أن ما ذكره من جعل الساعات ما بين زوال الشمس وجلوس الإمام لا يعقل أن يعلق الشرع فيه هذا التفضيل الكثير ما بين البدنة والبيضة في وقت لا يتجاوز أربع دقائق أو خمس دقائق، فهذا التعريف غير مؤثر.
أما ما ذكره من الرواح والتهجير:
فأما الرواح: فهو في لغة الحجاز هو الذهاب مطلقاً سواء كان ذلك قبل الزوال أو بعده، وقد ذكر الأزهري في تهذيبه ذكر على ذلك شواهد.
قالوا: وإنما يراد به الذهاب بعد زوال الشمس إذا قوبل بالغدو، فإذا قيل: غدا أو راح، فيراد بالرواح ما بعد زوال الشمس، أما إذا أطلق فيقال: راح في أول النهار وراح في آخره، وهنا الحديث قد أطلق.
وأما التهجير فالمراد به في لغة الحجاز ومن حولها من قيس - المراد بها عندهم -: التبكير في أول الوقت، فالتبكير لأول الوقت يسمى تهجيراً.
قال الخليل بن أحمد: " التهجير هو التبكير إلى الشيء في أول وقته "، فالتهجير هو أدراك الشيء في أوله في لغة الحجاز ومن حولها من قيس.
فالتهجير ليس مختصاً بوقت الهاجرة أي عند اشتداد الحر وهو منتصف النهار، بل يطلق على التبكير إلى الشيء فإنه يسمى تهجيراً.
إذن الراجح: ما ذهب إليه جماهير العلماء من أن الرواح يكون من أول النهار.
وتقدم أنه عندهم: يكون من طلوع الفجر الصادق.
وقال بعض العلماء من المالكية والشافعية واختيار بعض الحنابلة: يكون من طلوع الشمس، وهذا القول فيه قوة، وذلك لاستبعاد إمكان الرواح قبل طلوع الشمس، فإن الساعة الأولى قد تذهب للاستعداد لصلاة الفجر والذهاب إليها، ولا سيما مع المحافظة على الذكر كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل إلا أنه يمكن أن تكون صلاة الفجر في المسجد الجامع – ومن هنا الاحتياط لمن أراد إصابة الثواب أن يكون حسابه من طلوع الفجر الصادق.
وقد أنكر الأئمة على الإمام مالك قوله عدم مشروعية الرواح إليها إلا بعد الزوال.
فإنه يرى أن الرواح إليها لا يشرع قبل زوال الشمس، فأنكر عليه الأئمة كأحمد وغيره، بل قد أنكر عليه بعض أصحابه كابن حبيب المالكي والسنة حجة عليه كما تقدم.
قال: (ويدنو من الإمام)
تقدم هذا في حديث أبي داود: (من غسل يوم الجمعة واغتسل وبكر وابتكر ومشى ولم يركب ودنا من الإمام ولم يلغ كان له بكل خطوة يخطوها أجر سنة قيامها وصيامها) وفي ذلك مصلحة سماع الخطبة وتمام ذلك، وفضيلة القرب من الإمام ثابتة للصلوات مطلقاً، كما قال صلى الله عليه وسلم: (ليليني منكم أولو الأحلام والنهى) .
قال: (ويقرأ سورة الكهف في يومها)
يستحب أن يقرأ سورة الكهف في يوم الجمعة، ويكون ذلك من طلوع الفجر الصادق إلى أذان المغرب، فهذا كله وقت لقراءتها، فليس ذلك مختصاً قبل الصلاة بل هو مطلق في اليوم كله لإطلاق ذلك في الأثر الوارد في الباب.
والأثر الوارد فيه: ما ثبت في سنن سعيد بن منصور بإسناد جيد عن أبي سعيد الخدري موقوفاً قال: (من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور فيما بينه وبين البيت العتيق) ، وهذا الأثر ليس للعقل فيه محل فيكون له حكم الرفع، فهو مرفوع حكماً.
وقد روي مرفوعاً عن أبي سعيد الخدري نحو الأثر لكن الحديث فيه: نعيم بن حماد وله مناكير برواية الحاكم في مستدركه، ورواه ابن مردويه في تفسيره – كما في الترغيب والترهيب لكن في سنده سعيد بن أبي مريم وهو مجهول الحال.
قال ابن القيم: " وهو الأشبه " ا. هـ أي الوقف.
إذن: هذه السنة التي أقر بها أهل العلم أصلها هذا الأثر الصحيح عن أبي سعيد.
وفي قوله: (وقرأ سورة الكهف في يوم الجمعة) هذا عام في اليوم كله فيكون ذلك من أوله إلى آخره.
قال: (ويكثر الدعاء)
ليصيب ساعة الإجابة.
فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم – كما في الصحيحين – وقد ذكر يوم الجمعة قال: (فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه وأشار بيده يقللها) أي يقلل زمنها، ويدل على أن المراد تقليل زمنها وأنه زمن يسير، قوله في رواية مسلم: (وهي ساعة خفيفة) فهي ساعة خفيفة تكون في يوم الجمعة من دعا الله فيها بشيء من أمر الدنيا أو الآخرة أعطاه الله عز وجل إياه.
ويحتمل أن يكون مراده: " يقللها " أي يزهد هذا الفعل اليسير من الدعاء الذي ينال به العبد الثواب والأجر الكبير، والتفسير الأول أولى، لما تقدم ولأن الضمير في " يقللها " يعود إلى الساعة نفسها ولو كان المراد به ما تقدم، لقال: " يقلله " أي يقلل هذا العمل، وإن كان يحتمل أن يكون الضمير يعود إلى الدعوة، أي يقلل هذه الدعوة التي ينال بها هذا الثواب والأجر.
والاحتمال الأول أولى – كما تقدم –.
واختلف أهل العلم اختلافاً كثيراً في وقت هذه الساعة حتى ذكر الحافظ أن فيها أكثر من أربعين قولاً، وإن كان بعض هذه الأقوال يدخل بعضه في بعض فبعضه أعم أو أطلق من بعض.
وأصح هذه الأقوال قولان – كما قال ابن القيم -:
1- القول الأول: أنها ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة، فيكون الدعاء أثناء الخطبة من ساعة الإجابة وبين الخطبتين من ساعة الإجابة، وأثناء الصلاة من ساعة الإجابة، فهو ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة.
واستدلوا بحديث مرفوع رواه مسلم في صحيحه رواه مخرمة عن أبيه 1 عن أبي بردة 2 عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أن ساعة الإجابة يوم الجمعة: (هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تُقضى الصلاة) ، لكن هذا الحديث وإن كان ثابتاً في مسلم فهو مما انتقد عليه – رحمه الله – فقد انتقده الدارقطني وضعف هذا الحديث، وبيَّن أنه من قول أبي بردة التابعي، فيكون مقطوعاً، وليس بمرفوع ولا موقوف.
واستدل بأن بكير رواه عن أبي بردة عن أبي موسى مرفوعاً وبكير مدني ثقة، فرواه عنه كوفي وهو أبو بردة مرفوعاً، ورواه الثقات الكوفيون عن أبي بردة رووه مقطوعاً من قول أبي بردة كمعاوية بن قرة 3 وواصل الأحدب، وأبي إسحاق السبيعي فهؤلاء ثقات يحصل بمجموعهم ترجيح روايتهم على رواية بكير على أنهم كوفيون فهم أعلم بحديث الكوفيين من بكير وهو من أهل الحجاز.
فعلى ذلك: ما ذكره الدارقطني من تضعيف رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأن الصواب أنه مقطوع على أبي بردة – راجح ظاهر -.
2- القول الثاني: أنها آخر ساعة من يوم الجمعة بعد العصر واستدلوا بأدلة منها:
ما ثبت في سنن أبي داود والنسائي بإسناد صحيح عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الجمعة اثنتا عشرة ساعة لا يوجد عبد مسلم يسأل الله فيها شيئاً إلا آتاه الله إياه، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر) ، وثبت في ابن ماجه بإسناد صحيح: أن عبد الله بن سلام كان من علماء أهل الكتاب وأسلم – قال: (إنا نجد في كتاب الله – يعني التوراة – في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يسأل الله فيها شيئاً إلا قضى الله حاجته) ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أو بعض ساعة فقال: صدقت أو بعض ساعة، ثم سأل النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن سلام قال: أي ساعة هي؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: هي آخر ساعة من ساعات النهار) .
وهنا إشكال وهو أن يقال: إن ما بعد العصر ليس بوقت صلاة وقد قال: (لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي) فاستشكل ذلك عبد الله فقال: (إنها ليست ساعة صلاة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إن العبد المؤمن إذا صلى ثم جلس لا يجلسه إلا الصلاة فهو في صلاة) .
وهو مذهب جمهور الصحابة، فقد روى سعيد بن منصور في سننه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن: (أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم اجتمعوا فتذاكروا الساعة التي في يوم الجمعة فما افترقوا إلا وقد اجتمعوا على أنها آخر ساعة بعد العصر) فهذا هو مذهب جمهور الصحابة، وهو نص الإمام أحمد ومذهب جمهور التابعين.
إذن: هي ساعة خفيفة تكون بعد العصر من يوم الجمعة وهذا في آخر النهار.
قال: (والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم)
أي يستحب له في يوم الجمعة أن يكثر الصلاة عليه، بل ذلك مستحب في يوم الجمعة وليلته، فقد ثبت في البيهقي بإسناد حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة وليلته) .
والحمد لله رب العالمين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ولا يتخطى رقاب الناس إلا أن يكون إماماً أو إلى فرجة)
أي ينهى الذاهب إلى الجمعة أن يتخطى رقاب الناس، لما ثبت في ابن ماجه بإسناد صحيح من حديث جابر: (أن رجلاً دخل المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فجعل يتخطى الناس فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اجلس فقد آذيت وآنيت) أي أبطات المجيء.
وروى الترمذي بإسناد ضعيف فيه رشدين بن سعد وهو ضعيف – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من تخطى الرقاب يوم الجمعة فقد اتخذ جسراً إلى جهنم) لكن الحديث إسناده ضعيف.
والمشهور عند الحنابلة – وهو مذهب الجمهور أن النهي للكراهية.
وذهب ابن المنذر وهو اختيار شيخ الإسلام ومذهب طائفة من الحنابلة: إلى أن التخطي محرم.
واستدلوا بالحديث المتقدم فإن فيه الأمر في قوله (اجلس) وظاهر الأمر الوجوب، وفيه قوله " فقد آذيت " وأذية المسلم محرمة، فيستدل بهذا الحديث على تحريم التخطي من وجهين:
1- الأمر بالجلوس.
2- والأذية في قوله " فقد آذيت ".
وقد قال صلى الله عليه وسلم – كما في أبي داود وابن خزيمة بإسناد حسن: (ومن لغى أو تخطى رقاب الناس كانت جمعته ظهراً) أي لم يصب ثواب الجمعة وإن كان قد أصاب الصلاة صحيحة، فيثاب ثواب الظهر لا الجمعة.
واستثنى المؤلف فقال: (إلا أن يكون إماماً) فالإمام يجوز له ذلك إذا لم يكن له طريق يسلكه فاحتاج إلى تخطي رقاب الناس للرقي على منبره فلا بأس للحاجة.
(أو إلى فرجة) : أي يجوز للقادم إلى المسجد إن رأى فرجة في صف يحتاج إلى الوصول إليها إلى أن يتخطى رقاب الناس فيجوز له التخطي حتى يصل إلى هذه الفرجة.
قالوا: لأنهم بتركهم الفرجة لم يصح له حرمة في مسألة تخطي الرقاب، فهم الذين فتحوا هذا الباب على أنفسهم، فإنهم قد تركوا فرجة لا يشرع لهم تركها فلم يكن له حرمة من هذا الباب.
وعن الإمام أحمد: أنه ليس له ذلك مطلقاً وإن كانت هناك فرجة، وبيَّن الموفَّق أن هذه الرواية لا تحمل على هذا المذكور وهو أنه ينهى مطلقاً، قال: بل يحمل على ما إذا كان هناك في الصف سعة يمكنه مع ازدحام أهل الصف بعضهم ببعض أن يكون له فرجة يدخل فيها، فحينئذ يكره ذلك.
أي يكون في الصف سعة يسيرة لا تسع المصلي، ويمكنه أن يأتي إليها ويتراص الناس فيكون له فرجة، فقال الإمام أحمد في رواية عنه: إنه يكره له التخطي – وحمله الموفق على ذلك – وهذا لا شك أنه أولى، فحمل روايات الإمام أحمد أو غيره من الأئمة على مواضع مختلفة أولى من حملها على موضع واحد يختلف فيه.
فحينئذ: الظاهر أن يقال: أن مذهب الإمام أحمد: أنه إذا كانت هناك فرجة تسعه من غير أن يحتاج إلى الناس لتوسعة هذا الموضع ليصلي فيه، فإذا كان الوضع كذلك فإنه يتخطى رقاب الناس إليها، وأما إن لم يكن له فرجة إلا مثل ما يصلي فإنه ليس له أن يتخطى الرقاب، ومن أمامه من المصلين ليس منهم تفريط فإن المصلي عندما يجلس في الموضع قد يحتاج أن يكون الموضع متسعاً له لسماع الخطبة، فإذا أتى أحد من المصلين وسع له وإن كان يحتاج إليه فلم يكن فيه تفريط في هذا.
إذن: عن الإمام أحمد روايتان:
الأولى: أنه لا يكره أن يتخطى الرقاب إلى فرجة.
الثانية: أنه يكره ذلك، وحملها الموفق على الوفاق لا على الخلاف فقال: المراد من ذلك إذا كانت هناك سعة لا يمكنه أن يصلي فيها إلا بأن يزدحم الناس فإنه لا يتخطى الرقاب لكن، هذه الرواية – وهي مذهب الشافعية -: استثنوا فيها تخطي الواحد والاثنين فقالوا: إذا كان هناك موضع يمكنه أن يصلي فيه وهو يحتاج إلى توسيع وتراخي المصلين بعضهم ببعض، فإذا كان يمكنه أن يصل إليه بتخطي رقبة اثنين أو واحد فلا بأس بذلك لأن هذا شيء يسير معفى عنه.
والظاهر أنه النهي مطلق، وأنه لا يعفى عن الواحد والاثنين إلا أن يكون فرجة أو تكون هناك توسعة محتاج إليها.
وصورة السعة المحتاج إليها:أن يأتي والمسجد ممتلئ بأهله وليس له موضع يصلي فيه إلا في موضع مشقة كأن يكون في برد أو حر أو نحو ذلك فإنه يجوز له أن يتخطى الرقاب ليصلي إلى صف يزدحم أهله فيكون له فيه فرجة – هذا إذا احتاج إلى ذلك كأن يزدحم المسجد بأهله، أو يكون هناك مواضع لكنه يشق عليه أن يصلي فيها إما لحر شديد أو برد شديد أو نحو ذلك.
قال: (وحرم أن يقيم غيره ويجلس مكانه)
وذلك لما ثبت في الصحيحين في حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقيم الرجل الرجل من مقعده ثم يجلس فيه ولكن تفسحوا وتوسعوا) ؛ وذلك لأنه بسبقه إليه كان أحق به، فلا يجوز أن ينزع هذا الحق منه وقد سبقه إليه غيره.
واستثنى من ذلك فقال:
(إلا من قدم من صاحباً له أو غلاماً له في موضع بحفظه له)
فمثلاً: جلس الابن في موضع مسبق لأبيه، أو سبق أحد من الناس لأحد من أهل الفضل فإذا أتى قام له، قالوا: فيجوز ذلك لأنه قام باختياره، والنهي المتقدم إنما هو نهي أن يقيم غيره من موضع فيقوم من غير رضى.
وهذا إنما ينبني على المشهور في المذهب من جواز وضع فراش ونحوه مما تحجز به المواضع، وسيأتي بيان أن هذا لا يجوز وحينئذ: تكون هذه المسألة كذلك، فلا يجوز له أن يقدم صاحباً له أو غير ذلك، فإن الجالس في الموضع إنما يجلس فيه ليستمع وليكون هذا المحل له، أما إذا ذهب بهذا الغرض فإنه – حينئذ – غير ما قاصد الجلوس بنفسه فلا يجوز له ذلك ويكون بالحجز بالفرش ونحوها.
فعليه لا يجوز ذلك، لأن هذا حجز لهذا الموضع بغير حق.
قالوا: وكذلك يجوز لأحد من الناس أن يقوم أو يقام له من مجلس، قالوا: فلا بأس بذلك ويجوز له أن يجلس فيه.
قالوا: لأنه قام باختياره، والنهي إنما هو أن يقام.
قالوا: لكن يكره لأنه إيثار في القرب فهو في مكان فاضل فآثر به غيره، وهذا نوع زهد عن العمل الصالح فتكون مكروها.
واحتمل الموفق: أنه لا كراهية في ذلك؛ لأنه من باب تقديم الفاضل، وتقديم الفاضل إلى القربة وإيثاره بالقربة لا بأس به لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (ليليني منكم أولو الأحلام والنهى) .
وما ذكره الموفق ظاهر: إن كان المقوم له من أهل الفضل.
ويدل على ذلك: أن عائشة آثرت عمر بن الخطاب في موضعها من بيتها، وقد وضعت لها وموضعاً تقبر فيه، فاستأذنها عمر أن يقبر عند صاحبيه فأذنت له وآثرته في هذه القربة رضي الله عنهما، فهذا من باب الإيثار لمن كان أحق بالشيء وأولى به.
قالوا: وأهل الفضل أولى بالدنو من الإمام والقرب منه فكان الإيثار لهم جائزاً.
وأما إطلاق ذلك فلا، فإن فيه إيثاراً بالقربة.
قال: (وحرم رفع مصلى مفروش ما لم تحضر الصلاة)
فإذا حضرت الصلاة فيجوز أن يرفع هذا المصلى، هذا أحد الوجهين في مذهب الحنابلة، وأنه من وضع فراشاً أو نحوه فلا يجوز رفعه إلا أن تحضر الصلاة.
قالوا: لأنه قد سبق بوضع هذا الفراش أو غيره إلى هذا الموضع، ولما يترتب على رفعه من الخصومة أو العداوة والبغضاء.
والوجه الثاني: قالوا: بل له رفعه، وقالوا: لأن تركه ذريعة إلى تخطي الرقاب فيتأخر صاحب هذا الموضع الذي حجزه بهذا الشيء ويتعدى أو يتجاوز رقاب الناس.
قالوا: ولأن السبق إنما هو بالأبدان ولا بغيرها من الفراش ونحو ذلك فهذا الموضع موضع مباح من سبق إليه فهو أحق به، والسبق المشروع إنما يكون بالبدن، فإذا ذهب إلى المسجد وتكلف الذهاب في أول الوقت وفوت على نفسه شيئاً من مصالحه أو مراداته أو نحو ذلك وتقدم واشتغل بالعبادة، فكان هذا الموضع على هذه الصفة هو أحق به من غيره.
أما إن لم يكن الأمر كذلك بل قدم إليه شيئاً أو حجزه فإنه ليس أحق به – وهذا القول هو الراجح -.
وشدد شيخ الإسلام فأصاب بهذه المسألة وأنكرها وبيَّن أن ذلك منه اغتصاب لهذا الموضع وأن ذلك محرم؛ لأن هذا الموضع لمن سبق إليه وكونه يحوطه بشيء أو يحجزه هذا أمر محرم لأنه [لا] يملك هذا الموضع واغتصبه بغير حق والحق أن يسبق إليه ببدنه وإنما سبق إليه بغير بدنه، ومثل ذلك المسألة السابقة فيمن قدم أحداً من الناس لا يقصد هذا الموضع بل يقصد حجزه فالحكم كذلك.
إذن لا يجوز حجز المواضع ومن وضع فراشاً فلغيره رفعه بل يجب كما قال شيخ الإسلام رفعه لأنه من باب إنكار المنكر إلا أن يترتب مفسدة أعظم من ذلك فإنه يترك.
قال: (ومن قام من موضعه لعارض لحقه ثم عاد إليه قريباً فهو أحق به)
كأن يقوم ليتوضأ أو يأتي بحاجة له قريبة، فإذا رجع فهو أحق بهذا الموضع فله أن يقيم غيره من الناس لأنه أحق به.
ودليل ذلك: ما ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قام من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به) وقال – كما في الترمذي وصححه وهو كما قال -: (الرجل أحق بمجلسه وإن خرج لحاجته ثم عاد فهو أحق بمجلسه) والمراد بالحاجة التي لا تعتبر قاطعة - في العرف – الجلوس، فهي حاجة قريبة كوضوء ونحوه.
قال: (ومن دخل والإمام يخطب لا يجلس حتى يصلي ركعتين يوجز فيهما)
وهي تحية المسجد، لقوله صلى الله عليه وسلم – لما دخل رجل المسجد وهو يخطب الناس قال: (أصليت ركعتين؟ قال: لا، قال: قم فصل ركعتين) ، وثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دخل أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فلا يجلس حتى يركع ركعتين وليتجوز فيهما) أي ليخففهما.
إذن: يشرع – والراجح كما تقدم: يجب - على الداخل إلى المسجد أن يصلي تحية المسجد وإن كان الإمام يخطب، وإن كان الإمام يخطب فليتجوز فيهما.
قال: (ولا يجوز الكلام والإمام يخطب)
لا يجوز لأحد من الناس أن يتكلم والإمام يخطب لقوله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين: (إذ قلت لصاحبك: انصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت) ، وقال - كما في مسند أحمد بإسناد فيه مجالد بن سعيد وهو ضعيف -: (الذي يتكلم يوم الجمعة والإمام يخطب كمثل الحمار يحمل أسفاراً، ومن قال له أنصت فليست له جمعة) لكن الحديث ضعيف، لكنه ثابت بهذا اللفظ عن ابن عمر – كما روى ذلك حماد بن سلمة بإسناد قوي – كما قال ذلك الحافظ في الفتح.
وأما كونه ليست له جمعة فقد دلت عليه الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فقد قال صلى الله عليه وسلم – كما في المسند من حديث علي – وهو شاهد: (ومن لغا فليست له جمعة) ، وقال في حديث آخر – رواه أبو داود وابن خزيمة: (ومن لغا أو تخطى الرقاب كانت جمعته ظهراً) .
إذن: يجب الإنصات للخطيب يوم الجمعة، والإنصات هو ترك الكلام والسكوت، بخلاف الاستماع فإنه هو الإصغاء إليه.
فالإصغاء إليه مستحب مشروع، وأما الإنصات وهو ترك الكلام فهو فرض وواجب.
أما دليل فرضية الإنصات فقد تقدم.
وأما دليل استحباب الاستماع فهو ما ثبت في سنن أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يحضر الجمعة ثلاثة نفر، رجل حضرها يلغو فهو حظه منها، ورجل حضرها يدعو فهو رجل دعا الله إن شاء أعطاه، وإن شاء منعه، ورجل حضرها بإنصات وسكوت ولم يتخط رقبة ولم يؤذ أحداً فهي له كفارة إلى الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام، وذلك لأن الله يقول: ﴿ومن جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ ) .
والشاهد قوله: (ورجل حضرها يدعو فهو رجل دعا الله إن شاء أعطاه وإن شاء منعه) فدل على أن من لم يستمع إلى الخطبة واشتغل بدعاء أو صلاة أو نحو ذلك ولم يؤذ أحداً برفع صوته فإن الجمعة تصح منه لكنه تارك للمستحب.
وأما الكلام فهو مضاد للإنصات قال تعالى: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ " استمعوا " أي أصغوا إليه بآذانكم " وأنصتوا " أي كونوا ساكتين غير متكلمين غير مشتغلين مما يمنع الاستماع.
قال: (إلا له أو لمن يكلمه)
أي يجوز للخطيب أن يخاطب الناس بما هو خارج عن خطبته لما تقدم من قول النبي صلى الله عليه وسلم لسليك الغطفاني، وقد دخل يوم الجمعة وهو يخطب قال: (أصليت ركعتين؟ قال: لا، قال: قم فصل ركعتين) فقد خاطب النبي صلى الله عليه وسلم غيره من المصلين.
ومثل ذلك: الكلام مع الخطيب، فإنه لا يؤثر ولا ينافي الإنصات المتقدم، كما ثبت في الصحيحين عن أنس: (أن رجلاً دخل المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم قائم يخطب فاستقبله وهو قائم قال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السُبل فادع الله يغثنا فقال النبي صلى الله عليه وسلم وقد رفع يديه: (اللهم أغثنا ثلاثاً) وقد تقدم ما دار بين عثمان وعمر لما تأخر عن الجمعة، فكلام الخطيب والكلام معه لا يفسد الجمعة.
قال: (ويجوز قبل الخطبة وبعدها)
فقبل الخطبة يجوز الكلام، كأن يتكلم الناس وهو صاعد على المنبر لا بأس بذلك.
ودليل ذلك: ما تقدم من أثر أبي مالك القرظي وفيه: (وإذا تكلم تركنا الكلام) .
وكذلك بعد الخطبة وهذا باتفاق أهل العلم، ولأن الأحاديث الواردة قد قيدها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله " والإمام يخطب ".
ومثل ذلك جلوسه بين الخطبتين فيجوز لأحد أن يكلم غيره أثناء ذلك، لأن النهي إنما ورد في حال كونه يخطب، وأما بين الخطبتين فلا بأس بذلك.
وهنا مسائل لم يذكرها المؤلف:
الأولى: النهي عن العبث، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم – في مسلم: (من مس الحصى فقد لغا) ، وقد تقدم أن من لغا كانت جمعته ظهراً.
الثانية: النهي عن الحبوة وهي أن يجلس على أليتيه ناصباً ساقيه وقد وضع على ذلك خيطاً أو يديه.
وقد ورد ما يدل على كراهيتها وهو ما ثبت في الترمذي وحسنه وهو كما قال أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى عن الحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب) .
فإذاً: قبل الخطبة وبعدها وبين الخطبتين لا بأس بالاحتباء أما أثناء الخطبة فإنه ينهى عن ذلك.
وإلى ذلك ذهب ابن المنذر واختاره المجد ابن تيمية والموفق ابن قدامة.
وأما المشهور عند الحنابلة وغيرهم فهو مذهب الجمهور: أنه لا بأس بالاحتباء، واستدلوا: بما رواه أبو داود عن يعلى بن شداد قال: (شهدت مع معاوية بيت المقدس فجمع بنا فإذا جُل من في المسجد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فرأيتهم محتبين والإمام يخطب) لكن الحديث فيه سليمان بن الزبرقان 1 وهو ضعيف.
قالوا: وثبت الأثر عن ابن عمر: (أنه كان يحتبي والإمام يخطب) والسند إليه صحيح، لكن هذا الأثر مخالف بالسنة الصحيحة المتقدمة في كراهية الاحتباء.
فإذن الاحتباء يوم الجمعة والإمام يخطب مكروهة.
الثالثة – وهي داخلة في الكلام –: هل يجوز له أن ينبه من يخشى عليه هلكة كضرير متعرض لحريق أو نحو ذلك – والإمام يخطب؟
الجواب: يجب عليه ذلك لوجوبه في الصلاة مع أنه مفسد لها، فهو مفسد للصلاة غير مفسد للجمعة، فإذا وجب مع كونه مفسداً للصلاة فيجب من باب أولى مع كونه غير مفسد للجمعة.
الرابعة: وهل يجب تشميت العاطس ورد السلام؟
روايتان عن الإمام أحمد:
الرواية الأولى: أنه يجوز قياساً على المسألة السابقة.
قالوا: فكما أنه يجب عليه أن يتكلم بالكلام الواجب من إنقاذ ضرير ونحوه فكذلك يجب عليه تشميت العاطس ورد السلام؛ لأن تشميت العاطس واجب وكذلك رد السلام.
الرواية الثانية وهي مذهب جمهور أهل العلم: أنه ينهى عن ذلك.
قالوا: وعندنا قياس أصح من قياسكم، وهو أنه يقاس على النهي عن إنكار المنكر المتصل بالخطبة الذي يفوت إنكاره بتركه، وهو ما إذا تكلم أحد من الناس أثناء الخطبة فإنه ينهى عن أن يقول له أنصت، وهذا من باب إنكار المنكر وهو واجب فكذلك تشميت العاطس ورد السلام.
وأما ما ذكرتموه من القياس على المسألة السابقة فبينهما ما هو من الفرق ظاهر فإن هذا واجب هو من الكماليات وإن كان واجباً في الشريعة.
أما ذاك فإنه به تحفظ النفوس فلو ضاعت الخطبة على أن ينقذ مسلم لكان ذلك واجباً.
أما تشميت العاطس ورد السلام فإنه من المعلوم أنه يترك، فالرجل وهو يبول لا يجب عليه تشميت العاطس ولا يرد السلام كما تقدم في حديث أبي داود: (إني كرهت أن أذكر الله على غير طهر) .
الراجح: أنه لا يشرع له أن يشمت عاطساً ولا أن يرد سلاماً.
وهل يشرع أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم مع الإمام؟
الجواب: نعم وهو نص الإمام أحمد.
وفرق بينه وبين المسألة السابقة، فإنه إن صلى على النبي صلى الله عليه وسلم فهو خطاب للرب، وأما تشميت العاطس ورد السلام فهو خطاب للآدمي، ولأن الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - مع الخطيب لا تؤثر لا في الإنصات الواجب ولا في الاستماع المستحب، وقد تقدم حديث: (ورجل حضرها يدعو فهو رجل دعا الله إن شاء أعطاه وإن شاء منعه) فكذلك الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بل هي أولى من ذلك لأنها لا تقتضي انشغالاً عن سماع الخطبة أو الإنصات إليها.
ومثل ذلك: التأمين على دعوة الإمام فهو كلام لله عز وجل، ولا يشغله عن الإنصات ولا عن الاستماع المستحب فكان لا بأس به.
الخامسة: أن من تكلم يوم الجمعة، فلا بأس أن يشار إليه باليد ونحوها ليسكت.
وذلك لما ثبت في حديث معاوية بن الحكم في إشارة الصحابة له عندما تكلم، وإذا ثبت هذا في الصلاة فأولى منه أن يثبت في الخطبة، ولأنه لا يؤثر فيها، ولا في ترك الإنصات الواجب ولا في ترك الاستماع المستحب.
وبهذا ننتهي من الكلام على أحكام الجمعة.
والحمد لله رب العالمين.
انتهى باب صلاة الجمعة.
باب صلاة العيدين
العيدان: مثنى عيد، من العود وهو التكرار، فكونه يعود ويتكرر في أوقاته السنوية المعلومة سمى عيداً لذلك.
وعيدا المسلمين: عيد الفطر وعيد الأضحى.
قال المؤلف رحمه الله: (وهي فرض كفاية)
وهي: أي صلاة العيدين صلاة عيد الأضحى وصلاة عيد الفطر فرض كفاية، فإذا قام بها بعض المسلمين ممن يظهر بهم هذه الشعيرة فإنه يسقط الإثم عن الباقين مع أنها مستحبة لكل مكلف ومباحة للنساء.
هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة.
وذهب الشافعية والمالكية: إلى أنها سنة مؤكدة، ودليلهم على سنيتها هو مواظبة النبي صلى الله عليه وسلم عليها، ومواظبة الصحابة من الخلفاء الراشدين وغيرهم عليها، فلذلك هي مشروعة مؤكدة، ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تركها منذ شرعت فكانت مؤكدة بذلك.
وأما الحنابلة فدليلهم على فرضيتها فرض كفاية، لأنها شعيرة من شعائر الإسلام الظاهرة والقاعدة في الشعيرة الظاهرة كالأذان وغيره أنها واجبة كالجمعة، فهذه أشياء ظاهرة واجبة على المكلفين لكنها ليست واجبة على الأعيان بل على الكفاية عندهم لأن دليلهم فحسب هو أنها شعيرة ظاهرة والشعائر الظاهرة متى قام بها من يكفي في إظهارها وإبرازها، فإن الحكم يسقط عن الباقين فيبقى في حقهم على الاستحباب.
وذهب الأحناف وهو رواية عن الإمام أحمد واختيار شيخ الإسلام: إلى أنها فرض على كل مكلف من الذكور البالغين دون الإناث.
واستدلوا على فرضيتها بما ثبت في الصحيحين أن أم عطية حدثت عن النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: (أمرنا أن نخرج العواتق والحيض وذوات الخدور في العيدين ليشهدن الخير ودعوة المسلمين.
قالت: قلت يا رسول الله: إن إحدانا لا يكون لها جلباباً؟ فقال: لتلبسها أختها من جلبابها) وهذا الدليل – في الحقيقة – لو استدل به الأحناف، فإنه إنما يصح دليلاً على الذكور والإناث جميعاً.
ولعل دليلهم قوله تعالى: ﴿فصل لربك وانحر﴾ فإن هذه الآية قد فسرت عند طائفة من المفسرين بأن المراد بها صلاة العيد وهذا في صلاة عيد الأضحى، ومثله الفطر.
لكن الصحيح أن هذه الآية: آية فيها أمر من الله بالصلاة أي بإقامتها، وبالنحر أي بأن يكون الذبح لله سواء بالأضاحي أو غيرها، بدليل أن هذه الآية مكية، وأن صلاة العيد لم تشرع إلا في المدينة.
لكن ما ذكره الأحناف من الدليل المتقدم يصح أن يستدل به على ما ذهب إليه طائفة من العلماء: من أن صلاة العيد فرض على كل مكلف ذكراً كان أو أنثى، فالنبي صلى الله عليه وسلم قد أمر العواتق والحيض وذوات الخدور – في العيدين – أن يشهد الخير ودعوة المسلمين، وبالغ في ذلك حتى أمر من ليس لها جلباب أن تلبسها أختها من جلبابها، وظاهر أمره الإيجاب.
ويؤيده ما ثبت في مسند أحمد بإسناد لا بأس به أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (واجب على كل ذات نطاق الخروج إلى العيدين) .
ويشهد لهذا الحديث أثر موقوف ثابت عن أبي بكر الصديق، فقد ثبت في مصنف ابن أبي شيبة بإسناد صحيح أنه قال: (حق على كل ذات نطاق الخروج إلى العيدين) .
وإلى ذلك ذهب طائفة من العلماء، وهو مذهب ابن حزم والصنعاني والشوكاني، واحتمل هذا القول شيخ الإسلام فقال: " وقد يقال بوجوبها على النساء وغيرهم " 1 ، وهذه الأدلة ظاهرة فيما ذكره شيخ الإسلام من هذا القول المحتمل.
فالراجح ما ذهب إليه طائفة من السلف وذهب إليه من تقدم ذكرهم واحتمله شيخ الإسلام فهو أظهرها، لأمر النبي صلى الله عليه وسلم النساء بذلك، وإذا ثبت هذا في حكم النساء فهو في حكم الرجال أولى.
قال: (إذا تركها أهل بلدٍ قاتلهم الإمام)
إذا ترك أهل بلد صلاة العيد فلم يقيموها في بلدتهم وهجروا هذه الشعيرة فإنهم يقاتلون، لدخولهم في القاعدة المتقدم ذكرها من أن القرية أو المدينة التي تخالف شعيرة من شعائر الإسلام الظاهرة، فإنها تقاتل، كمن ترك الأذان ونحوه، وقد تقدم الكلام على هذا في باب الأذان.
فإذن يقاتلهم الإمام لاجتماعهم على ترك هذه الشعيرة، والجهاد قد أقيم لإقامة الدين أو بعضه، فكما يقاتل من ترك الدين فكذلك يقاتل من أصر على ترك شيء من شعائره الظاهرة.
قال: (ووقتها كصلاة الضحى وآخره الزوال)
باتفاق أهل العلم، وأن وقتها كوقت صلاة الضحى ويكون ذلك من طلوع الشمس بارتفاعها قيد رمح إلى زوال الشمس – هذا وقت صلاة العيد -.
ودليل هذا: ما ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح أن عبد الله بن بُسْر – صاحب النبي صلى الله عليه وسلم – خرج مع الناس في يوم فطر أو أضحى [فأنكر] إبطاء الإمام فقال: (إن كنا- يعني مع النبي صلى الله عليه وسلم – قد فرغنا ساعتنا هذه وذلك حين التسبيح) 1 ، وعند الطبراني وصححه ابن حجر: (وذلك حين تسبيح الضحى) أي حين صلاة الضحى.
ومما يدل على أنها ينتهي وقتها بزوال الشمس ما ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح عن أبي عمير بن أنس بن مالك عن عمومة له من الأنصار قال: (جاء ركب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فشهدوا أنهم رأوا الهلال بالأمس – أي هلال شوال – فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يفطروا وإذا أصبحوا أن يغدوا إلى مصلاهم) 2 عند الطحاوي: (وذلك بعد زوال الشمس) أي كان إتيانهم وقد زالت الشمس، فلم يصل النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العيد بل أخرها إلى الغد.
إذن وقتها بالاتفاق من طلوع الشمس وارتفاعها قيد رمح حتى زوال الشمس.
قال: (فإن لم يعلم بالعيد إلا بعده صلوا من الغد)
بعده: أي بعد الزوال، ودليله الحديث المتقدم وفيه: (وإذا أصبحوا أن يغدو إلى مصلاهم) .
ومثل ذلك لو علموا قبيل الزوال بحيث لا يمكنهم الاجتماع وعلموا أنهم لو اجتمعوا فإن الصلاة لا يمكن أداؤها إلا وقد زالت الشمس – فإنهم يؤمرون بالخروج من الغد.
قال: (وتسن في صحراء)
أي يستحب أن تصلي صلاة العيد في الصحراء، فلا يصلي في المساجد لا الجامعة ولا غيرها.
ودليله: ما ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى) 1
واستثنى الحنابلة من ذلك: مكة، فقالوا يستحب لهم أن يصلوا في المسجد المكي.
قال الشافعي: بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج يوم العيد إلى المصلى بالمدينة وكذلك من بعده وهكذا في سائر البلدان إلا مكة فلم يبلغنا أن أحداً من السلف ممن صلى بهم خرج بهم إلى المصلى.
قيل: لعظمة المكان.
وفي هذا نظر، والله أعلم.
والذي يظهر لي: أن ذلك لضيق أطرافها، وضيق ممراتها بالجبال بحيث أنه يشق عليهم الخروج إلى مكان يسعهم كما يكون هذا في المدينة ونحوها، وذلك لفضيلة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك فقد خرج عنه وصلى في الصحراء، ولأن المقصد هو إظهار هذه الشعيرة للناس فكان المستحب أن يكون في الصحراء سواء في مكة وفي غيرها، وإنما استثنيت مكة لضيق أطرافها فإن ممراتها ضيقة بالجبال فلما كان كذلك كان المستحب – حينئذ – أن يصلي في المسجد، والله اعلم.
قال: (وتقديم صلاة الأضحى وعكسه الفطر)
المستحب في صلاة الأضحى أن يبكر بها، فإذا طلعت الشمس وارتفعت قيد رمح صليت الأضحى.
وأما الفطر فبالعكس تؤخر شيئاً ما.
واستدلوا بتعليل، فقالوا: صلاة عيد الأضحى يعجل بها ويبكر ليتسع الوقت للأضاحي.
وبالعكس في صلاة عيد الفطر فأخرت ليتسع الوقت للناس لأداء صدقة الفطر، فإن المستحب في صدقة الفطر أن تخرج قبل صلاة العيد.
وهذه المسألة ورد فيها حديث رواه الشافعي ورواه عنه البيهقي وفيه إبراهيم بن يحيى وهو متروك، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كتب إلى عمرو بن حزم أن عجل صلاة الأضحى وأخر صلاة الفطر) لكن الحديث في إسناده متروك، ومع ذلك فإن المسألة لا خلاف بين أهل العلم فيها.
قال الموفق: " ولا أعلم فيها خلافاً " 1 .
وفي التعليل بأن الأضحى تقدم لأجل الأضاحي، نظر.
ولو قيل إنما يستحب تعجيلها لاستحباب تعجيل الصلاة والمبادرة بها، فيكون هذا التعليل لصلاة الأضحى.
وأما صلاة الفطر فهو ما ذكروه سابقاً.
إذن: ما ذكره أهل العلم ظاهر، أما صلاة الأضحى فتعجل في أول وقتها لاستحباب الصلاة في أول وقتها فإن أحب الأعمال إلى الله الصلاة في أول وقتها كما تقدم في الكلام في المواقيت، وإنما تؤخر صلاة الفطر ليتسع ذلك للمسلمين فيؤدوا صدقة فطرهم.
قال: (وأكله قبلها)
يستحب له أن يأكل قبلها أي قبل صلاة عيد الفطر، وقد ثبت ذلك في البخاري: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان إذا أراد أن يغدو إلى صلاة الفطر يأكل تمراً) 1 وعن رواية معلقة للبخاري: (يأكلهن وتراً) ووصلها الإمام أحمد بإسناد صحيح.
فإن أكل طعاماً آخر فإن ذلك يجزئ عنه لإدراك هذه السنة، لكن المستحب له أن يأكل تمراً.
وقد ثبت في الترمذي والحديث حسن وصححه ابن حبان عن بريد بن الحصيب قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم ولا يطعم يوم الأضحى حتى يصلي) 2
فيستحب للمسلم قبل أن يغدو إلى صلاة عيد الفطر أن يأكل شيئاً والمستحب أن يكون تمراً، والمستحب أن يكون وتراً.
وأما في يوم الأضحى فيستحب له أن يطعم بعد الصلاة؛ ليكون ذلك من أضحيته لذا قال:
قال: (وعكسه في الأضحى إن ضحى)