شرح زاد المستقنع للحمدصفحات 25-64
أهل الأثرالأرشيف العلمي

والجورب مثل الخف في الحكم تماماً فإنه لا فارق بينهما.
وأما العمائم فقالوا: قياساً على الخفاف والجوارب.
ووجَّه شيخ الإسلام عدم شرطية ذلك في العمائم، وأنه لا يشترط أن يكون لبسها على طهارة ومثل ذلك: ما تقدم من خمر النساء والقلانس ونحوه مما يلبس على الرأس.
فقد وجه شيخ الإسلام القول بعدم شرطية لبس العمائم على طهارة.
وما قاله قوي، وعلة ذلك: الفرق الواضح بين العمائم وبين الخفين، فإن العمائم يكثر خلعها ونزعها فلم يكن القياس له وجه.
فإذن: العمائم يكثر نزعها بخلاف الخفاف، لذا تقدم أنه يمسح على الخفاف في السفر ثلاثة أيام بلياليهن، وللمقيم يوماً وليله، بخلاف العمائم فإنها يكثر خلعها لذا وجه شيخ الإسلام عدم شرطية ذلك فيها.
ويدخل في قولهم: الجبائر، فعلى ذلك يشترط في الجبيرة أن يلبسها على طهارة كاملة.
فمثلاً: رجل أصيب بكسر أو جرح فعلى هذا القول: ينتظر به حتى يتطهر.
لكن هذا القول ضعيف وذلك لأن الجبيرة إنما تلبس للضرورة، وإذا ثبت هذا فإن تكليف المكلف الطهارة قبلها فيه حرج ومشقة.
لذا ذهب بعض فقهاء الحنابلة وهو الوجه الثاني عندهم: إلى عدم اشتراط ذلك، وهو الراجح.
فالراجح أنه لا يشترط أن يشدها على بدنه على طهارة لأن الجبيرة موضع ضرورة ويلحق المكلف الحرج في اشتراط ذلك.
فإذن: لا يجوز المسح على الخف والجورب إلا إذا لبس على طهارة.
أما العمائم فالأقوى أنه لا يشترط لبسها على طهارة ومثل ذلك الجبائر.
وفي قوله: (بعد كمال الطهارة) مسألة وهي: أنه لابد أن يكون هذا اللبس للخفين بعد أن تمت طهارته، فلو لبسهما وقد بعَّض 1 الطهارة ولم يتمها فإن هذا لا يجزؤه.
ومن صور هذه المسألة: لو أن رجلاً توضأ فلما غسل رجله اليمنى لبس الخف الأيمن ثم لما غسل رجله اليسرى لبس الخف الأيسر.
فإن هذا لا يجزؤه وهذا هو مذهب الشافعية.

واستدلوا: بما رواه ابن خزيمة وحسنه البخاري من حديث أبي بكرة الثقفي: أن النبي صلى الله عليه وسلم رخَّص للمسافر بثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يوماً وليلة إذا تطهر فلبس خفيه أن يمسح عليهما) . والشاهد قوله: (إذا تطهر فلبس خفيه) فجعل لبس الخفين بعد التطهر، وهو قبل أن يغسل قدمه اليسرى لم تتم له الطهارة بعد.
ومثله الحديث المتفق عليه (دعهما فإني أدخلتهما طاهرين) 1 أي أنه أدخل الخفين القدمين وهما – أي القدمان – طاهرتان.
وذهب أبو حنيفة وهو رواية عن الإمام أحمد واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية –: إلى أنه لا يشترط ذلك.
قالوا: لأنه يصدق عليه أنه لبس الخفين على طهارة.
وفيما يظهر القول الأول فيه قوة، فإن الطهارة لا تتم إلا بعد أن يغسل قدميه، والمسألة محل بحث ونظر.
إذن فهنا قولان: الجمهور قالوا: إنه يشترط أن يتم الطهارة كلها.
والقول الثاني: إنه لا يشترط ذلك، بل لو لبس الخف الأيمن ثم غسل الرجل اليسرى ثم لبس الخف الأيسر فإنه يجوز له بعد ذلك أن يمسح عليها.
وعلة هذا القول: أنه يصدق عليه أنه لبس الخفين طاهراً، لكن ظاهر الحديث المتقدم أن اللبس يكون بعد التطهر.
فإن قيل: إذا فعل ذلك بمعنى: غسل رجله اليمنى ثم لبس الخف الأيمن ثم غسل رجله اليسرى ثم لبس الخف فما المخرج؟ الجواب: يخلع الخف الأول ثم يلبسه، لأنه لا يشترط الترتيب في لبس الخفين فلو أن رجلاً مثلاً: غسل رجليه ثم لبس الخف الأيسر قبل الأيمن فلا بأس ولا حرج.
فإن قيل: فما الفائدة من هذا الخلع فإنه لا فرق بين الأمرين؟ فالجواب: أنه ثمت فرق بينهما، فإن الفرق أنه لبسه في المرة الأولى وهو لم يثبت طاهراً بعد، فإنه لا يثبت طاهراً من الحدث الأصغر أو الأكبر إلا إذا تمت له الطهارة أما لبسه الثاني فإنه قد فعله بعد تمام طهارته.

قوله: (ومن مسح في سفر ثم أقام أو عكس أو شك في ابتدائه فمسح مقيم) هنا ثلاث مسائل: المسألة الأولى: (من مسح في سفر ثم أقام) إذا مسح وهو مسافر بأن لبس خفه في سفر ومسح عليها لكنه قبل أن يتم المدة انتقل إلى الإقامة، فحينئذ يتم مسح مقيم، فينظر ما بقي له من مدة المقيم وهذا بإجماع أهل العلم كما حكاه ابن المنذر رحمه الله.
المسألة الثانية: عكس ذلك وهي أن يمسح في حال الإقامة ثم يسافر.
قالوا: يتم مسح مقيم، إذن: يتم ما كان قد بدأه فإذا مضى يوم وليلة فإنه يجب عليه أن يغسل قدمه هذا هو مذهب الحنابلة.
وتعليلهم: أنه قد اجتمع عندنا مانع ومبيح فرجحنا المانع على المبيح.
فالمبيح أن يمسح ثلاثة أيام ولياليهن هو السفر، والمانع هو كونه ابتدأه بالحضر، فيرجح الجانب المانع على المبيح تغليباً له، وهذا من باب الاحتياط وذهب أبو حنيفة وهو رواية عن الإمام أحمد، وذكر الخلال أن الإمام أحمد رجع إلى هذا القول: وأنه يمسح مسح مسافر.
وهذا هو الراجح، لأنه أصبح مسافراً فحينئذ جاز له أن يرخص برخص المسافرين ومن ذلك تمام المدة.
ثم أن العلة وهي رفع المشقة والحرج في المسافر ثابتة لمن ابتدأه في حال الإقامة كثبوتها فيمن ابتدأه في حال السفر، وهذا هو الراجح لأنه أصبح مسافراً ولا نظر إلى ابتدائه.
نعم يبني عليه ابتداء الوقت لكنه لا يمنع من أن يكون قد أتم المدة العليا وهي ثلاثة أيام بلياليها.
فالراجح أن المسافر إذا كان قد مسح وهو مقيم ثم سافر فإنه يتم مسح مسافر لأن الوصف الذي علق الشارع به هذا الحكم ثابت به وهو السفر وكذلك العلة ثابتة فيه وهي رفع الحرج المسألة الثالثة: (أوشك في ابتدائه فمسح مقيم) مثال: رجل مسافر قال: لا أدري هل ابتدأت المسح وأنا مسافر أو مقيم؟ قالوا: يمسح مسح مقيم تغليباً لجانب الحظر.

والراجح أنه يتم مسح مسافر لأن هذه المسألة أولى من المسألة السابقة، فإن المسألة السابقة التي تقدم ترجيحها قد تيقن أنه ابتدأه مقيماً ومع ذلك جاز له مسح مسافر، فهذه المسألة أولى لأنه يجهل هل ابتدأه مسافراً أم مقيماً، فإذا رجحنا في المسألة السابقة أنه يمسح مسح مسافر فأولى من ذلك إذا شككنا فيه.
فالراجح: بناءً على القول الراجح، أنه إذا شك في المسح وهو مسافر هل ابتدأه وهو مسافر أم مقيم فإنه يتم مسح مسافر.
مسألة: إذا شك في المدة يعني مدة المسح هل ما زالت باقية أم إنها انتهت فما الحكم؟ مثال: رجل مسافر وقال: لا أدري هل بقي من مدة المسح شيء أم لا؟ فإنه يبني على الأصل، والأصل هو الغسل، فالأصل أن القدمين يغسلان، والمسح إنما هو رخصة.
فعلى ذلك: تبني على الأصل وهو غسل القدمين – وهذا قد اتفق أهل العلم عليه – كما أنه هو الاحتياط في هذا الباب العظيم الذي هو مرتبط بهذا الباب العظيم وهو الصلاة.
قوله: (وإن أحدث ثم سافر قبل مسحه فمسح مسافر) هذا استثناء لما تقدم في المسألة السابقة.
تقدم أن المذهب أنه لو مسح مقيماً ثم سافر فإنه يتم مسح مقيم.
لكن إذا لبس رجل خفيه وأحدث ثم سافر ومسح عليهما وهو مسافر: قالوا: يتم مسح مسافر وهذا مما اتفق عليه أهل العلم حتى حكي إجماعاً وذلك لأنه مسافر، فالوصف الذي علق فيه الشارع الحكم ثابت فيه، والعلة وهي رفع الحرج ثابتة فيه.
وهذا مشكل على المذهب، فإنه قد تقدم أن مدة المسح تبدأ – عندهم – من الحدث وهو مذهب الجمهور، وهو هنا قد أحدث في حال الإقامة، وقد مضى من ذلك مدة ثم سافر، فهذا مشكل على المذهب وعلى غيره ممن قال بهذا القول.

  • لذا ذهب الإمام أحمد في رواية: إلى أنه يتم مسح مقيم، وهذه الرواية أصح بناء على القول المتقدم.

وهذا مما يدل على ضعف القول المتقدم الذي فيه أن الوقت يبدأ من الحدث، وقد قال الموفق في هذه المسألة – أي مسألة من لبس خفيه ثم أحدث ثم سافر ومسح وهو مسافر قال: (لا نعلم في ذلك خلافاً) حتى حكي ذلك إجماعاً، وإن كان فيه رواية عن الإمام أحمد بخلاف ذلك لكن المشهور عنه هو أنه يتم مسح مسافر وهذا من الاضطراب والاختلاف، فإن مما يدل على ضعف القول أن يضطرب فيه أو أن يختلف فيه.
فإذا رأيت القول يختلف فيه في الفروع أو المسائل فإن ذلك يدل على ضعفه.
فإذن على المذهب: رجل لبس خفيه ثم أحدث ثم سافر ومسح فإنه يمسح مسح مسافر.
ولو أنه لبس خفيه ثم أحدث ثم مسح مقيماً ثم سافر فإنه يتم مسح مقيم، فخالفوا بين أمرين لا فارق مؤثر بينهما، بل الواجب عليهم أن يتقيدوا بقولهم المتقدم فتكون المدة مبتدأة من الحدث.
فالراجح: أنه من سافر وقد بقيت مدة من مسحه وهو مقيم فإنه يمسح مسح مسافر لأن الوصف وهو السفر ثابت به، والعلة هي رفع الحرج ثابت فيه.

قوله: (ولا يمسح قلانس ولا لفافة ولا ما يسقط من القدم أو يرى فيه بعضه) قوله: (ولا يمسح قلانس) هذا هو المذهب وقد تقدم أن الراجح وهو رواية لأحمد جواز المسح عليها.
قوله: (ولا لفافة) اللفافة هي: ما يلف على الرجل حتى يكون كهيئة الخف أو الجورب.
والعلة أنها لم تثبت بنفسها بل تثبت بالربط والشد.
لكن هذا القول تقدم ضعفه وأنه لا يشترط في الخف والجورب أن يثبت بنفسه، بل لو ثبت بربط أو شد فإنه يثبت له الحكم كما يثبت له لو ثبت بنفسه.
بل – في الحقيقة – أن مسح اللفافة أولى من مسح الجورب أو الخف وذلك لأن مشقة النزع في اللفافة أشد منها في الخف والجورب، فإن خلع الخف والجورب أهون من خلع اللفافة، فهي أولى بهذا الحكم.
لذا اختار شيخ الإسلام وهو قول في المذهب: إن اللفافة يصح المسح عليها وهو اختيار كثير من المحققين كالشيخ السعدي – خلافاً للمشهور في المذهب –

قوله: (ولا ما يسقط من القدم) فالذي يسقط من القدم كذلك لا يجوز المسح عليه.
قالوا: لأنه لا يثبت بنفسه.
وقد تقدم تضعيف هذا التعليل وأنه إذا كان يسقط من القدم ثم شد بشيء أو ربط فيه بشيء فإنه يجوز المسح عليه.
ومثل ذلك: قوله: (أو يرى منه بعضه) : إذا كان فيه خرق بحيث أنه يرى من خلاله شيء من القدم، فإن المذهب أنه لا يجوز المسح عليه سواء كان الخرق يسيراً أو كثيراً.
وسواء كان ذلك لخرق أو كان لشفافيته وصفائه، فلو ظهر من القدم شيئاً لصفاء الخف فلا يجوز المسح عليه.
وتقدم ترجيح جواز المسح على الخف الصافي وكذلك المخروق.
والحمد لله رب العالمين.

الدرس السادس والعشرون (يوم الأربعاء: 16 / 11 / 1414 هـ)

تقدم شرح قول المؤلف: (إذا لبس ذلك بعد طهارة كاملة) واعلم أن مما يستثنى من الطهارة التيمم، فإن من تيمم ولبس خفيه فليس له أن يمسح عليهما لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح – وسيأتي تخريجه في موضعه – (فليتق الله وليمسه بشرته) أي عليه إذا وجد الماء أن يتقي الله وأن يمس الماء بشرته.
وهذا يدل على أن طهارة التيمم لا يجوز أن يبنى عليها مسح الخفين – وهذا هو المشهور في المذهب – واعلم أن لفظة (بعد كمال الطهارة) يدخل فيها من فيه حدث متجدد كسلس البول والاستحاضة ذلك لأن هذه الطهارة كمال في حقه.
فلو أن من به حدث متجدد وهو يجب عليه الوضوء لكل صلاة فلو توضأ فلبس خفيه فيجوز له أن يمسح عليهما لأن هذه هي الطهارة الكاملة في حقه.
واعلم أنه لا يشترط – كما هو والمشهور في المذهب – لا يشترط أن يبني المسح على الخفين علي طهارة خالية من المسح خلافاً لبعض الحنابلة.
فمثلاً: رجل توضأ فمسح على عمامته، فهذا الوضوء مستحل فيه مسح، ثم لبس خفيه، فهل يجوز أن يمسح عليهما؟

الجواب: نعم لأن هذا المسح منه في طهارة كاملة فهو قد بني هذا على طهارة ذات مسح، فإنه قد استبدل مسح رأسه بمسح عمامته ولكن هذا الوضوء مع ذلك وضوء كامل لأن هذا البدل قام مقام المبدل منه.

قال المؤلف رحمه الله: (فإن لبس خفاً على خف قبل الحدث فالحكم للفوقاني) رجل لبس خفاً على خف في كل رجل، أو جمع بين جوربين في كل رجل، فحينئذ ما حكم المسح على الفوقاني؟ هنا ثلاث صور: الصورة الأولى: وهي ما ذكره المؤلف: رجل توضأ فلبس خفيه ثم مباشرة وقبل أن يحدث لبس خفين آخرين.
إذن: ما زال عليه وضوؤه الأصلي فما زال وضوؤه ذا غسل للرجلين.
فالحكم: إنه يمسح على الفوقاني.
ولا شك أن له أن يمسح على التحتاني أيضاً؛ لأن التحتاني لم تثبت بدليته بعد عن القدم فإنه لم يمسح عليه بعد وهذا هو مذهب جمهور أهل العلم.
وحينئذ: يكون الخفاف كالخف الواحد – أي في الحكم – إذن: إذا لبس خفين ثم لبس فوقهما خفين فإنه يمسح على الفوقاني لأن هذا خف ساتر وقد لبسه على خف لم يمسح بعد ولم يثبت الحدث بعد.
الصورة الثانية: وهي مقابلة لهذه الصورة وهي: أن يلبس الخف الثاني بعد الحدث.
مثال: رجل لبس الخفين ثم أحدث ثم لبس خفين آخرين فهذا اللبس ليس مما يبنى عليه المسح؛ ذلك لأنه لبسه على غير طهارة بل على حدث.
ومعلوم أن اللبس على الحدث لا يجيز المسح على الخفين؛ لأنه ولابد أن يكون لبسه على طهارة، وهنا قد لبس الخفين على حدث ويخرج على قول شيخ الإسلام العمامة المسح عليه لكثرة نزعه.
الصورة الثالثة: أن يلبس الخفين ثم يحدث ثم يمسح عليهما ثم يلبس خفين آخرين.
فهل يجوز له أن يمسح على الخفين الآخرين أم لا يجوز بل يمسح على الخفين الأولين؟ قولان لأهل العلم: فالمشهور في المذهب: أنه لا يجوز أن يمسح على الفوقانين بل الحكم للتحتانين.

وعللوا ذلك: بأن الخفين الأوليين بدلان عن القدم فهما يمسحان مكان غسل القدم، والبدل لا يجوز أن يوضع عنه بدل، فهو بدل فكيف يكون له بدل آخر.
هذا هو المشهور في المذهب وهو أنه لا يجوز المسح على الفوقاني، لأن الخفين الأوليين بدل عن غسل القدم والبدل لا بدل له.
2- والقول الثاني، وهو مذهب ذهب إليه بعض الشافعية قالوا: بل يجوز أن يمسح عليهما – أي الفوقانيين؛ لأنه قد أدخل هذين الخفين على طهارة، وهذان الخفان يكون لهما حكم واحد فهما كالخف الواحد فكلاهما غطاء للقدم، فيكون حكمهما كالخف الواحد الذي له ظهارة 1 وبطانة، فهذا ظهارته وهذا بطانته.
فقالوا: يجوز المسح عليهما لأن الخفين في حكم واحد.
وهذا القول أظهر من القول الأول.
نعود إلى الصورة الأولى وهي: ما إذا لبس خفيه بعد الخفين الأولين مباشرة وليس بعد حدث، فقد تقدم أنه يجوز المسح على الخف الفوقاني – فإذا مسح عليه فالمشهور في المذهب أنه يثبت الحكم له دون التحتاني ويكون التحتاني كأنه جزء من القدم.
صورة ذلك: رجل لبس خفين وقبل أن يحدث فما زالت طهارته طهارة غسل القدمين، لبس خفين آخرين فمسح عليهما، فهذا المسح جائز له عند جمهور أهل العلم، فإذا ثبت هذا المسح فإنه – حينئذ – يكون للفوقاني.
فلو خلع الفوقاني فإنه يثبت ذلك الحكم للتحتاني فيكون كأنه قد خُلع – أي التحتاني – وحينئذ يجب عليه أن يغسل قدميه.
إذن: لو لبس الفوقاني فمسح عليه ثم أراد أن يخلع الفوقاني فيجب عليه أن يخلع التحتاني.
قالوا: لأن المسح ثابت له – أي الفوقاني – فإذا انكشف فقد انكشف محل المسح وبقي الغسل، وهو إنما ثبت للقدمين.

والقول الثاني، وهو رواية عن الإمام أحمد واختاره جماعة من أصحابه كالمجد وهو مذهب الجمهور: أنه لا يثبت الخلع للتحتاني بخلع الفوقاني قالوا: لأنه إذا خلع الفوقاني فإن القدم ما زالت مغطاة بخف قد لبس على طهارة وهي كخف واحد، وقد تقدم هذا التعليل – فكأن أحدهما ظهارته والآخر بطانته.
وهذا القول أظهر، وأنه إذا لبس الخفين الآخرين ومسح عليهما ثم نزعهما فإنه لا يجب عليه أن ينزع التحتاني ويغسل القدمين بل له أن يمسح على التحتاني ويبقى على المدة الأصلية للخفين أو الأربع خفاف.
واعلم أن الخفين - ونريد بالخفين الخف الأعلى والخف الأسفل - لهما أربع أحوال: الحالة الأولى: أن يكونا صحيحين، فهنا لا إشكال في المسألة المتقدمة؛ لأن كليهما يصح أن يمسح عليه منفرداً.
الحالة الثانية: أن يكونا كلاهما منخرقاً، فكلاهما فيه خرق: فالمشهور في المذهب: أنه لا يجوز له أن يمسح عليهما جميعاً؛ لأن القدم لم يثبت عليها خف صحيح.
والقول الثاني في المذهب: أنه يجوز أن يمسح عليهما لأنهما بمجموعهما يستران القدم.
وهذا أصح لأن القدم قد ثبت ساتر لها فجاز أن يمسح عليه.
الحالة الثالثة: أن يكون الأسفل منخرقاً والأعلى صحيحاً، فلا يجوز له أن ينفرد بمسح الأسفل دون الأعلى لأن الأسفل المباشر للرجل منخرق غير ساتر لها – وهذا على القول المرجوح –، خلافاً للراجح الذي تقدم.
وأما الأعلى فإنه يمسح عليه؛ لأنه إذا مسح عليه فيقع المسح على ساتر للقدم.
الحالة الرابعة: أن يكون الأسفل صحيحاً والأعلى منخرقاً فهل يجوز أن يمسح الأعلى أم لابد أن يمسح الأسفل؟ قولان في المذهب.
القول الأول: إنه لا يجوز له أن يمسح على الأعلى لأنه بمسحه على الأعلى يباشر المسح بما لا يجوز المسح عليه، وأما الأسفل فإنه خف صحيح فإذا مسح عليه فإنه يمسح على ساتر صحيح فوجب عليه أن يمسح على الأسفل دون الأعلى.

وهذا من حيث القواعد المذهبية أصح، وأما من حيث القول الراجح الذي تقدم - وأن المسح على الخفين – يجعلهما كالخف الواحد، فإنه يترجح القول الذي يقول بجواز المسح على الخف الأعلى وإن كان منخرقاً.
وكذلك من باب أولى على القول بأن الخف يجوز المسح عليه وإن كان منخرقاً فإنه لا أشكال في ترجيح هذا القول.
إذا كان أحدهما منخرقاً والآخر صحيحاً فيجوز على القول الراجح أن يمسح على الأعلى – في الصورتين كليهما –. وأما إذا تقيدنا بقاعدة المذهب من عدم جواز المسح على المنخرق إذا كان هو الأسفل فلا يجوز المسح عليه وإن كان هو الأعلى فكذلك لا يجوز المسح عليه بل يجب أن يباشر المسح بساتر صحيح.
قوله: (ويمسح أكثر العمامة) قياساً على الخف، فلا يجب عليه أن يمسح العمامة كلها، بل يجوز له قياساً على الخف – أن يمسح أكثرها فكلاهما بدل عن عضو، فهذا بدل عن القدمين، والخف يمسح ظاهره – كما سيأتي – فكذلك العمامة يكتفي بمسح أكثرها ولا يجب أن يستوفيها بالمسح.
وذكر الحنابلة أنه يختص المسح بدوائرها أي بكوْر العمامة دون وسطها، ولم أر دليلاً يدل على ذلك.
بل الأظهر أنه يمسح على الإطلاق عمامته، وأن يكتفي بمسح أكثرها من غير أن يحدد ذلك بكورها دون وسطها.
قوله: (وظاهر قدم الخف من أصابعه إلى ساقه دون أسفله وعقبه) (وظاهر قدم الخف) : أي فلا يمسح أسفله وإنما يمسح أعلاه أي أعلى الخف.

ودليل ذلك: ما روى أبو داود والترمذي من حديث علي قال: (لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى من أعلاه ولقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر خفيه) 1 ويدل عليه ما رواه أبو داود والترمذي من حديث المغيرة بن شعبة قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على الخفين على ظاهرهما) 2 ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح على أسفل الخف.

وأما ما رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من أن النبي صلى الله عليه وسلم: (مسح أعلى الخف وأسفله) 1 فالحديث إسناده منقطع، وقد ضعفه أحمد والبخاري وأبو زرعة وغيرهم من أئمة الحديث، فالحديث لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
إذن: المشروع له أن يمسح ظاهر خفيه.
فإن مسح أسفله دون ظاهره فلا يجزئه ذلك؛ لأن كل عمل ليس عليه أمر النبي صلى الله عليه وسلم فهو رد، وأمره إنما هو مسح ظاهر الخف دون أسفله.
فإذن: يجب أن يمسح ظاهر الخف دون أسفله ولا يشرع له أن يمسح أسفله، فإذا اكتفى بأسفله فإن المسح باطل؛ لأن ذلك خلاف أمر النبي صلى الله عليه وسلم.
وقوله: (من أصابعه إلى ساقه) :

لما روى البيهقي من حديث الحسن عن المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم: (مسح على خفيه فوضع اليمنى على خفه الأيمن واليسرى على خفه الأيسر ثم ذهب منهما إلى أعلاه مسحة واحدة) 1 لكن الحديث إسناده منقطع، فإن الحسن لم يسمع من المغيرة.
قال الإمام أحمد: (كيفما فعل أجزأه باليد الواحدة أو باليدين) سواء بدأ من الأسفل إلى الأعلى، أو من الأعلى إلي الأسفل، وسواء مسح ذلك على الصورة المتقدمة في الحديث: اليمنى على الأيمن واليسرى على الأيسر أو اليمنى على الأيسر، واليسرى على اليمنى، أو مسح باليمنى كليهما أو باليسرى كليهما، فكل ذلك جائز لا حرج فيه، والحديث الذي تقدم ذكره إسناده ضعيف قوله: (وعلى جميع الجبيرة) هذا هو مذهب جمهور أهل العلم وأنه يجب المسح على الجبيرة كلها، فلا يكتفي بمسح بعضها، ولو كان ذلك الممسوح أكثرها، بل يجب أن يعمها بالمسح؛ وذلك لأنها بدل عن العضو الواجب غسله وهي يجب مسحها من باب قوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ (2) . فإن قيل: ألا تقاس على الخفين؟ فالجواب: لا تقاس على الخفين للفوارق بينهما وقد تقدم ذكر بعضها.
منها إنها لا ترتبط بالمدة.
ومنها إنها لا يشترط فيها الطهارة.
ومنها أنها لا تختص بعضو من الأعضاء وإنما عامة في أي عضو – وغير ذلك من الفوارق الثابتة بينهما.
وكذلك، أنها يمسح عليها من الحدث الأكبر بخلاف الخف.

والفرق الخامس كونها تمسح جميعها.
فإذا ثبت الفارق فإنه لا يجوز القياس بل نبقى على الأصل، وهو أن البدل له حكم المبدل، والمبدل: يجب أن يعمم بالغسل ولكن الغسل غير ممكن فحينئذ ينتقل إلى المسح، ولا شك أن غسل الجبيرة يؤثر فيها إفساداً فناب المسح عنه.

قوله: (ومتى ظهر بعض محل الفرض بعد الحدث أو تمت مدته استأنف الطهارة) إذا طهر بعض محل الفرض فإنه يبطل وضوؤه.
صورة ذلك: رجل عليه خفان وكان منه مسح عليهما فخلعهما فإن الوضوء يبطل – وهذا هو مذهب جمهور الفقهاء –؛ قالوا: لأنه بخلع خفه قد أزال محل المسح ولأن النبي صلى الله عليه وسلم – وهذا في تمام المدة – قد وضع مدة محددة فمتى انتهت هذه المدة يبطل المسح.
إذن: إذا خلع أحد الخفين أو انكشف بعض القدم فإنه يبطل وضوؤه؛ ذلك لأن محل المسح قد زال فما دام قد زال فإنه يبطل الوضوء في القدم، وإذا بطل الوضوء في القدم فإنه يبطل الوضوء في سائر الأعضاء.
وكذلك تمام المدة، فإذا تمت المدة التي حدد النبي صلى الله عليه وسلم فيبطل هذا المسح وببطلان المسح تبطل طهارة القدم، وببطلان طهارة القدم تبطل الطهارة كلها.

  • وذهب الحسن وقتادة في المسألتين كلتيهما وهو – اختيار شيخ الإسلام ومذهب ابن حزم – ذهبوا: إلى أن الخلع وتمام المدة لا يبطلان الوضوء فإذا خلع خفيه فإن وضوءه باق وكذلك إذا تمت المدة فإن وضوءه باق.
    أما الخلع: فقالوا هو نظير حلق الرأس، فمن حلق رأسه فإن وضوءه يبقى.
    ثم إن خلع الخفين ليس من نواقض الوضوء فليس بحدث ينقض الوضوء، والأصل بقاء الطهارة وثبوتها ولا يمكن أن ينقض إلا بدليل، فما هو الدليل على النقض.
    وزوال الممسوح لا يدل على انتقاض الطهارة بدليل أن حلق الرأس لا ينقض الطهارة بالاتفاق.

وأما تمام المدة فقالوا إنما وضع النبي صلى الله عليه وسلم المدة لبيان الوقت الذي يجوز فيه المسح وقد تقدمت الأدلة التي ظاهرها هذا القول وأن هذه المدة إنما للمسح وليس في الأدلة أنه لا يجوز له أن يصلي بوضوء ثبت في وقت المسح.
فلو أنه مسح قبل ساعة من انتهاء مدة المسح فإذا تمت المدة فلا يجوز له أن يمسح، هذا هو ظاهر الأدلة، وليس في الأدلة أنه لا يجوز له أن يصلي بهذا الوضوء الذي قد انبنى على هذا المسح، والأصل بقاء الطهارة ولا دليل يدل على نقضها.
إذن: الراجح: ما ذهب إليه الحسن البصري وهو اختيار شيخ الإسلام من أن خلع الخفين وانتهاء مدة المسح لا ينقض الوضوء.
والحمد لله رب العالمين.

انتهى باب مسح الخفين

باب: نواقض الوضوء الدرس السابع والعشرون (يوم السبت: 19 / 11 / 1414 هـ)

نواقض: جمع ناقض وهو فاعل النقض.
والنقض: هو النكث وإفساد الشيء بعد إحكامه.
يقال: " نقض الشيء " أي أفسده بعد إحكامه فيكون المعنى: مفسدات الوضوء أو مبطلاته.
فعندما يقع النقض، فإن ذلك الوضوء الذي ثبت تصحيحه شرعاً يبطل.
والوضوء: تقدم تعريفه لغة واصطلاحاً، وهو هنا بالضم (الوُضوء) ؛ لأن المراد فعل الوضوء لا ماؤه.
قال المؤلف رحمه الله: (ينقض ما خرج من سبيل) السبيل في اللغة: الطريق، وهو هنا: مخرج البول والغائط.
(ما خرج من السبيل) : من بول أو غائط أو مذي أو ودي فكله يخرج من السبيل.
المذي: هو سائل لزج 1 يخرج بسبب تحرك الشهوة – وسيأتي الحكم عليه من حيث النجاسة وعدمها -. أما الودي: فهو سائل أبيض ثخين يخرج بعد البول.
والبول والغائط والمذي والودي والريح كلها مما يخرج من السبيل – وقد أجمع العلماء على نقضها للوضوء -. أما الودي فدليله الإجماع.

وأما المذي فدليله: ما تقدم مما ثبت في الصحيحين من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (يغسل ذكره ويتوضأ) 1 . وأما الريح فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) 2 متفق عليه.
وأما البول أو الغائط فدليله ما تقدم من حديث صفوان بن عسال وفيه: (ولكن من غائط وبول) 3 فهذه أشياء معتادة يثبت النقض بها إجماعاً.

  • فإن خرج منه شيء غير معتاد كالحيض والدم ونحو ذلك مم قد يخرج من السبيلين مما ليس بمعتاد، فهل ينقض الوضوء أم لا؟ قال الحنابلة - وهو مذهب جمهور أهل العلم –: ينقض الوضوء بخروجه، فلو خرج من السبيلين حيض أو نحوه مما ليس بمعتاد فإنه ينقض الوضوء به عند جمهور الفقهاء.

وخالف الإمام مالك فقال: بأن الوضوء لا ينتقض، لأن الشارع ذكر نواقضه كما في قوله (ولكن من غائط وبول ونوم) وغير ذلك من الأحاديث.
والراجح: ما ذهب إليه جمهور أهل العلم، وذلك لدليل من السنة وهو ما رواه أبو داود في سننه من حديث فاطمة بنت أبي حبيش رضي الله عنها – وكانت مستحاضة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لها: (إذا كان دم الحيضة وهو دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فتوضئ فإنما هو عرق) 1 أي دم عرق قد خرج من السبيلين فوجب فيه الوضوء، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم – من حديثها – كما في البخاري: (توضئي لكل صلاة) 2 قالوا: والدم هنا ليس بمعتاد وقد أوجب الشارع فيه الوضوء.
ثم أيضاً: الإجماع 3 على الودي، والودي ليس بمعتاد ومع ذلك يجب الوضوء عند خروجه – وهما غير معتادين – فغيرهما – مما قد يخرج وليس بمعتاد – مثل ذلك.

ثم إن هذا الغير معتاد يحمل – إلا في أحوال نادرة جداً، يحمل – شيئاً من البلل أي من بلَّة السبيلين وخروج هذه البلة ينقض الوضوء.
لذا لا يشترط أن يكون الخارج منه خرج هكذا بطبيعته بل لو أدخل شيئاً من الدهن ونحوه كأن يتطيب به فيخرج فإن ذلك ناقض للوضوء أيضاً.
ولو وضعت المرأة خرقة أو نحو ذلك فخروجها ناقض للوضوء؛ لأن هذا خارج من سبيل يحمل بلته فينتقض الوضوء منه.
وأطلق الحنابلة في كل خارج سواء كان فيه بلة أو لم يكن فيه بلة.
وذهب بعض فقهاء الحنابلة: إلى إنه إن لم يكن الخارج فيه بلة فلا ينتقض به الوضوء.
لذا قالوا في مسألة غريبة ذكرها الموفق وذكر أنها لا توجد أصلاً، ولكن هذا الذكر منه إنما هو لما بلغه من العلم وإلا فقد يبلغ غيره من العلم ما لم يبلغه –: وهو خروج الريح من القبل فإذا خرجت فعلى القول الأول ينتقض الوضوء.
وعلى القول الثاني لا ينتقض.
وهذه الريح لا تحمل بلة فعلى ذلك لا ينقض الوضوء على هذا القول، ولكن القول الأول أحوط، وأما الثاني ففيه – في الحقيقة – قوة، ولكن على القياس المتقدم مع الاحتياط المذكور يتقوى ما هو مشهور عند الحنابلة من وجوب الوضوء من ذلك.

قوله: (وخارج من بقية البدن إن كان بولاً أو غائطاً) إذا خرج من بقية البدن، كأن يكون في معدته خرق أو فتح فيخرج منه بول أو غائط، فإذا خرج منه بول أو غائط فإنه ينتقض وضوؤه؛ لأنه بول وغائط، وفي الحديث: (ولكن من غائط وبول) وهذا بول أو غائط، فينتقض الوضوء.
وظاهره سواء كان الخرق فوق المعدة أو تحتها.
وذهب بعض فقهاء الحنابلة والشافعية: إلى إن ذلك إذا كان تحت المعدة.
أما إذا كان من المعدة فأعلى فلا ينقض الوضوء.
قالوا: ودليلنا على ذلك: القيء فإنه لا ينقض الوضوء فإذا ثبت أنه لا ينقض الوضوء فمثله غيره، فالحكم عندهم منوط بما تحت المعدة.

لكن القول الأول أقوى؛ لأن هذا بول وغائط وقد خرج ولو كان من غير السبيلين فيثبت به الحكم المتقدم.

  • وهنا لم يذكروا الريح، فلو خرجت الريح من موضع غير السبيلين فظاهره أن الوضوء لا ينتقض وقد يقال: إن في هذا شيئاً من الاضطراب فكيف الريح إذا خرجت من القبل فإنها تنقض أما إذا خرجت من غير السبيلين فإنها لا تنقض؟ لذا ذهب بعض الحنابلة: إلى إنها تنقض إذا خرجت من غير السبيلين.
    فإذن: إذا خرجت الريح من موضع غير السبيلين فهل تنقض أم لا؟ قالوا: لا تنقض الوضوء، وهناك – أي عند خروجها من الدبر أو القبل – تنقض فما الفارق؟ الفارق: أنها عند خروجها من السبيلين هي رائحة ثبتت في مخرج طبيعي لها أو قريب من الطبيعي، وأما إذا خرجت من قريب من المعدة فهي أشبه بالجشاء وهو متفق أو مجمع على أنه ليس بناقض للوضوء.
    لذا يتوجه أن الريح إذا خرجت من المعدة إنها لا تنقض الوضوء 1 .

قوله: (أو كثيراً نجساً غيرهما) إذن: لا ينقض إلا البول أو الغائط أو الكثير النجس كالدم فالدم نجس، وكالقيء فإن القيء عندهم نجس، أو الصديد أو ماء الدم أو القيح ونحو ذلك، كل هذا إذا خرج منه شيء من البدن فإنه ينقض الوضوء.
إذن: إذا خرج النجس من شيء من البدن سواء كان من الفم أو الأنف وهو الرعاف أو أي موضع فإنه ناقض للوضوء من دم أو قيء وهو ما يخرج من المعدة ثم يخرج من الفم، ومثله القلس وهو أقل منه، ومقداره ملء الفم فما دون مما يخرج من المعدة، وأما القيء فهو ما زاد 2 على ذلك، فهذه كلها أشياء نجسة إذا خرجت من شيء من البدن فإن الوضوء ينتقض.
وهنا احترازان ذكرهما المؤلف:

الأول قوله: (كثيراً) فعلى ذلك إذا كان يسيراً من دم أو قيء فإنه لا ينقض الوضوء، فالكثير هو الناقض.
والمشهور في المذهب: أن الكثير لكل أحد بحسبه، فكل مكلف ينظر في الدم الذي خرج منه أهو قليل أم كثير.
ولكن هذا القول – في الحقيقة – لا ينضبط؛ لأن الناس يختلفون في النظر إلى القليل والكثير.

  • وذهب ابن عقيل من الحنابلة: إلى أن الكثير إنما ينظر فيه إلى أوساط الناس أي غير المتبذلين ولا الموسوسين.
    فالموسوسون قد يرون القليل كثيراً، والمتبذلون قد يرون الكثير قليلاً، فيكون النظر إلى أوساط الناس، فما كان كثيراً بالنظر إلى أوساط الناس فهو كثير، وما كان قليلاً فهو قليل.
    فعلي ذلك القطرات التي تخرج، هذه لا تنقض الوضوء.
    ومثلاً: رجل أدخل منديلاً في أنفه فخرج فيه شيء من الدم فإنه لا ينتقض وضوؤه في المذهب.
    أما إذا خرج كثير رعافاً فإنه ينتقض الوضوء.
    ومثلاً: خرج شيء يسير من معدته فلا ينتقض الوضوء، أما إذا كان يملأ الفم أو نحو ذلك فإنه ينتقض.
    وهذا القول أصح؛ لأن الضابط الأول – في الحقيقة – ليس بمنضبط؛ لأن الناس يتفاوتون في هذا الباب.
    الثاني: قوله: (نجساً) فلو كان هذا الخارج من البدن ليس نجساً بل هو طاهر فلا ينقض الوضوء، فلو خرج منه كالبصاق أو ماء العين أو نحو ذلك – هذه أشياء تخرج من البدن طاهرة وليست بنجسة فلا تنقض الوضوء.
    إذن: الناقض للوضوء هو النجس الكثير الخارج من البدن سواء من السبيلين أو غيرهما ينتقض به الوضوء.
    أما السبيلان فلا يشترط أن يكون قليلاً أو كثير، بل القليل ينقض الوضوء لإطلاقات الأحاديث، فإن البول أو الغائط أو نحو ذلك ليس فيه هذا التفريق المذكور في الدم ونحوه.

1- هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة واستدلوا بأدلة منها: ما رواه ابن ماجه من حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي فلينصرف فليتوضأ ثم ليبن على صلاته وهو في ذلك لا يتكلم) 1 وبما رواه الترمذي بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم: (قاء فتوضأ) 2 . 2- وذهب الشافعية والمالكية: إلى إن هذه لا ينتقض بها الوضوء، فلا ينتقض الوضوء بالدم والقيء قليلاً كان أو كثيراً واستدلوا:

بما رواه أحمد وأبو داود وذكره البخاري معلقاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان في غزوة ذات الرقاع فأصيب رجل من أصحابه (وهو من حراسه) فنزفه الدم فمضى في صلاته) 1

فهنا هذا الصحابي مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة ذات الرقاع وهو من حراسه – وهو كما في البيهقي عباد بن بشر وهو من عباد الصحابة وعلمائهم.
ومثل هذا يبعد أن يخفى على النبي صلى الله عليه وسلم – وهذا الأثر إسناده صحيح – فهو متضمن لإقرار النبي صلى الله عليه وسلم إذ يبعد أن يخفى على النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك وهو من حراسه في غزوة قد خرج فيها النبي صلى الله عليه وسلم.
وبما رواه مالك في موطئه أن عمر رضي الله عنه: (صلى وجرحه يثعب دماً) 1 وقال الحسن – كما في البخاري – معلقاً ووصله سعيد بن منصور -: (ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم) 2 قالوا: إن هذه مسألة تعم بها البلوى ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها حديث.
أما الحديث الأول الذي استدل به أهل القول الأول: (من أصابه قيء ... ..) إلى آخره.
قالوا: فهذا الحديث من حديث إسماعيل بن عياش عن ابن جريج وإسماعيل روايته عن الحجازيين ضعيفة، وابن جريج حجازي.
ورواه الحفاظ غير ابن جريج مرسلاً، فعلى ذلك الحديث ضعيف.
أما حديث الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم: (قاء فتوضأ) ، فالحديث صحيح لكنه فعل منه صلى الله عليه وسلم، ونحن نقول بمشروعية الوضوء من القيء – ولكنا لا نقول بوجوب ذلك – فإن الحديث ليس فيه ما يدل على الوجوب فهو فعل، والفعل لا يدل على الوجوب.

قالوا: ومعنا الأصل، فإن الأصل أن الوضوء ثابت لا نتزحزح إلى بطلانه إلا بدليل، وليس ثمت دليل صحيح صريح يدل على ذلك.
واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو الراجح.
فالراجح: أن الدم والقيء والصديد ونحوها كل ذلك لا ينتقض الوضوء بخروجها خلافاً للمشهور في مذهب الحنابلة.
إذن: الخارج من بقية البدن غير السبيلين: إن كان بولاً أو غائطاً فإنه ينقض الوضوء.

  • أما غير ذلك فالراجح أنه لا ينتقض الوضوء به - لعدم الدليل الدال على ذلك.
    والحمد لله رب العالمين الدرس الثامن والعشرون (يوم الأحد: 20 / 11 / 1414 هـ)

قال المؤلف رحمه الله: (وزوال العقل إلا يسير نوم من قاعد أو قائم) " وزوال العقل " أي ناقض للوضوء.
فزوال العقل بالجنون أو سكر أو إغماء أو نحو ذلك كله ناقض للوضوء بإجماع العلماء.
ومثل السكر – الأدوية التي يتعاطاها المتداوي فتزيل عقله فإنها في الحكم وما تقدم سواء، فهي ناقضة للوضوء بالإجماع قياساً على الأدلة الدالة على نقض الوضوء بالنوم ونقض الوضوء بما تقدم أولى.
قوله: " إلا يسير نوم من قاعد أو قائم " إذن: النوم ناقض للوضوء لأنه يثبت به زوال العقل فيدخل – حينئذ – فيما ذكره من قوله: (وزوال عقل) لكنه استثنى يسير النوم من قاعد وقائم.
إذن: نوم المضطجع والساجد والراكع نوم ناقض للوضوء مطلقاً لا فرق بين يسيره وكثيره.
وأما نوم القاعد المتمكن بخلاف المستند أو المتكئ أو المحتبئ، فنوم القاعد إن كان يسيراً فلا ينتقض به الوضوء ومثله القائم.
إذن: هناك من النوم ما ينقض الوضوء، ومنه ما لا ينقض.
أما نوم المضطجع وما شابهه فإنه ينتقض به الوضوء مطلقاً لا فرق بين يسيره وكثيره.
وأما نوم القاعد أو القائم فإنه لا ينتقض به الوضوء إلا إن كان كثيراً أما إن كان يسيراً فلا ينتقض به الوضوء.

واستدلوا: على ثبوت النقض بالنوم بحديث صفوان بن عسال وفيه: (ولكن من غائط وبول ونوم) 1 فدل على أن النوم ناقض للوضوء.
وأما كونهم فرقوا بين نوم القاعد والقائم وبين غيرهما، فجعلوا يسير نوم القاعد والقائم ليس بناقض، وأما يسير نوم المضطجع فإنه ناقض: استدلوا: بما رواه مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك قال: (كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ينامون ثم يصلون ولا يتوضئون) 2 وفي رواية لأبي داود: (حتى تخفق رؤوسهم) 3 أي حتى تضرب أذقانهم على صدورهم.
قالوا: هذا نوم قاعدين، فهم كانوا فيما يرى الحنابلة - ومن وافقهم – أنهم كانوا قاعدين، ولا شك أن رواية أبي داود تشير إلى هذا.
وأما القائم فيما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس قال: (فجعلت كلما أغفيت يأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بشحمة أذني يفتلها) 4

وهنا قد وقع منه الإغفاء ومع ذلك لم ينتقض وضوؤه.
كما أنه يقاس على نوم القاعد، فنوم القائم كنوم القاعد.
وأما غيرها فيبقونه على النقض بأصل النوم.
وقد روى أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم [قال] : (إنما الوضوء على من نام مضطجعاً) 1 لكن الحديث إسناده ضعيف.
إذن: هذا هو تقرير مذهب الحنابلة وهو مذهب أكثر الفقهاء وأن النوم ينقض مطلقاً يسيره وكثيره إلا نوم القاعد والقائم فلا ينتقض بيسيره وإنما ينتقض بكثيره.
فإن قيل: فما هو ضابط اليسير؟ قالوا: ضابطه: العرف، فما كان يسيراً عرفاً فإنه لا ينقض الوضوء.
فعندما ينام الرجل قاعداً أو قائماً ويسمع كلام الناس حوله وإن لم يفهمه فهذا في العرف يسير، بينما إذا سقط من قيامه، أو قعوده أو رأى رؤيا فهو في عرف الناس قد نام نوماً كثيراً فينتقض وضوؤه بذلك.
ولا شك إن هذا الضابط حسن، لأن مرجعه إلى العرف وبعبارة أخرى لك أن تقول: النوم المستغرق وغير المستغرق.
فالنوم المستغرق: هو الكثير الناقض للوضوء.
وأما غير المستغرق فهو الذي يحس الإنسان به في نفسه فلا ينتقض به الوضوء.
فإن قيل: فإن شك لا يدري أهو نوم يسير أم نوم كثير؟ فحينئذ: يبني على اليقين واليقين هو بقاء وضوئه فلا يزول هذا اليقين بشك.

وفي قوله: (إلا نوم) يخرج النعاس والسنة.
والنعاس: يكون في الرأس من غير أن يكون في القلب والعقل فهذا لا ينتقض به الوضوء، وقد قال تعالى: ﴿لا تأخذه سنة ولا نوم﴾ 1 ففارق بينهما 2 ، فالناقض للوضوء هو النوم، وأما النعاس وهو ما يكون في الرأس فهذا لا ينقض الوضوء.
هذا هو تقرير مذهب الحنابلة.
أما ما ذهبوا إليه من أن نوم القاعد والقائم اليسير لا ينقض الوضوء فهو قول قوي.
وأما قولهم إن نوم المضطجع ونحوه ينقض يسيره، فهذا قول ضعيف؛ ذلك لأنا إذا قلنا: [إنْ] كان مناط الأمر ومتعلقه هو النوم الكثير أو اليسير، أو النوم المستغرق أو غير المستغرق فإنه لا فرق بين مضطجع وغيره.
وفي رواية للبزار – من حديث أنس المتقدم – بإسناد صحيح: (يضعون جنوبهم) (3) أي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فعلى ذلك منهم من يخفق رأسه ومنهم من وضع جنبه على الأرض، وكلهم لم يثبت بهذا النوم نقض وضوئهم بإقرار النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا القول رواية عن الإمام أحمد وهو مذهب الأوزاعي وربيعة واختيار شيخ الإسلام – وهذا القول هو الراجح لما تقدم – فعلى ذلك: النوم المستغرق وهو النوم الكثير ناقض للوضوء.
أما غير المستغرق فإنه لا ينتقض به الوضوء.

ومما يدل على هذا أن النوم مظنة الحدث، لذا ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم (نام حتى نفخ ثم صلي ولم يتوضأ) فقيل له في ذلك فقال: (إن عيناي تنامان ولا ينام قلبي) 1 .

وفي رواية أبي داود – والحديث حسن – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (العين وكاء - أي باط 1 - السه - أي الدبر - فمن نام فليتوضأ) 2 . فهو مظنة للحدث، وإذا كان النوم يسيراً فإن هذه المظنة تكون يسيرة لأنه يشعر بنفسه ويحس بها، بخلاف ما إذا تمكن منه النوم فإن المظنة تكون قوية فيتعلق الحكم بها وينتقض الوضوء.
إذن: الراجح التفريق بين النوم المستغرق وغيره وهو ما اختاره الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله.

قوله: (ومس ذكر متصل أو قبل بظهر كفه أو بطنه، ولمسهما من خنثى مشكل ولمس ذكر ذكره أو أنثى قبلها لشهوة فيها) . قوله: " ذكره " المراد به عضو الرجل، والقبل: المراد به عضو المرأة.
(متصل) هنا قيد فيه غرابة، كيف يكون متصلاً؟ قالوا: ليخرج الذكر المقطوع، كأن يقطع لعلاج ونحوه فإنه لا يدخل في هذا الحكم لأنه ليس بمعنى الذكر المتصل.
قوله: (ومس ذكر) لم يقل (ذكره) لتعميم ذكره وذكر غيره، أو القبل من المرأة نفسها أو من غيرها فإذا لمست المرأة ذكر زوجها أو لمس الرجل قبل امرأته فإنه ينتقض الوضوء بذلك.

ودليل ذلك هذه المسألة: ما ثبت في الخمسة بإسناد صحيح من حديث بسرة بنت صفوان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من مس ذكره فليتوضأ) 1 وثبت في مسند أحمد – والحديث حسن – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره ليس دونها ستر فقد وجب عليه الوضوء) 2

وفي صحيح ابن حبان وصححه أحمد وأبو زرعة – وإسناده صحيح – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من مس فرجه فليتوضأ) 1 وفي مسند أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أيما رجل مس فرجه فليتوضأ وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ) 2 بل قد ثبت ذلك من حديث بضعة عشر صحابياً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أي في أن مس الذكر ناقض للوضوء وهذا هو مذهب جمهور الفقهاء، أن من مس ذكره فيجب عليه الوضوء.

  • وذهب الأحناف وهو رواية عن الإمام أحمد: إلى أن مس الذكر لا ينقض الوضوء واستدلوا: بما رواه طلق بن علي من حديث ابنه قيس عن أبيه طلق أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له في الرجل يمس ذكره في الصلاة أعليه الوضوء قال: (لا، إنما هو بضعة منك) 3 وقد صححه ابن حبان وابن حزم.
    قالوا: فهذا يدل على أن مس الذكر لا ينقض الوضوء.
    ومن أجوبة الجمهور على هذا الحديث ما يلي: أن الحديث ضعيف، فقد ضعفه الشافعي والدارقطني والبيهقي وغيرهم، بل قال النووي: " ضعيف باتفاق الحفاظ ".

وقيس بن طلق، قال فيه ابن معين وأبو حاتم وهما إمامان في الجرح والتعديل وقد قالا فيه: " لا يحتج بحديثه ". وقال البخاري: " سألنا عن قيس فلم نجد من يعرفه " أي هو مجهول.
وقد وثقه ابن حبان والعجلي، وكذلك ينبغي أن يكون موثقاً عند كل من صحح هذا الحديث، لكن تقدم أن الحديث ضعيف كما قال ذلك النووي.
قالوا: ولو قلنا بتحسينه فإنه لا يخالف به هذه الكثرة الكاثرة من الأحاديث الثابتة في هذا الباب فغايته – أي قيس بن طلق – أن يقبل حديثه ما لم يخالف، لذا قال الإمام أحمد في حديثه: " غيره أثبت منه ". كيف وقد روى النقض بمس الذكر – رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم - بضعة عشر صحابياً، هذا الوجه الأول.
والوجه الثاني: قالوا: كيف يكون المس في الصلاة، فإنه يستبعد أن يمس الرجل ذكره في الصلاة، فعلى ذلك المس هنا يخالف الظاهر، نعم الظاهر في لفظة المس أن تكون بلا حائل لكن هنا بحائل؛ لأنه يستبعد أن يكون ذلك في الصلاة.
وقالوا: أيضاً حديث طلق بن علي مبق على الأصل بينما حديث بسرة وغيرها ناقلة عن الأصل، والأحاديث الناقلة عن الأصل مقدمة على المبقية على الأصل.
قالوا: حديث طلق بن علي، وكان ممن أسلم والنبي صلى الله عليه وسلم يؤسس مسجده، بينما بسرة قد آمنت في عام الفتح وكذلك أبو هريرة قبل أن يتوفى النبي صلى الله عليه وسلم بأربع سنين قالوا: فهذه قرينة قوية تقوي القول بالنسخ، وإن كانت ليست نصاً على النسخ، كما أن كون حديثها ناقل عن الأصل كذلك يقوي القول بالنسخ بخلاف حديث طلق بن علي، ويقوي هذا ما رواه الطبراني لكن الحديث إسناده ضعيف فهو يتقوى لو صح لكن الحديث إسناده ضعيف خلافاً لتصحيح الطبراني له وهو من القائلين بالنسخ لحديث طلق بن علي – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من مس ذكره فليتوضأ) فعلى ذلك يكون قد روى كما روى غيره النقض بمس الذكر.

وأما حديثه الأول فهو حديث يوم إسلامه ثم بعد ذلك روى أحاديث النسخ كغيره.
وهذه الأوجه كلها تقوي ما ذهب إليه الجمهور من أن الراجح في هذه المسألة أن مس الذكر ناقض للوضوء.

  • واختار شيخ الإسلام الجمع بين الحديثين، أي بين حديث بسرة وغيرها وبين حديث طلق فحمل حديث بسرة وبقية الأحاديث على الاستحباب وحمل حديث طلق على نفي الوجوب.
    فعلى ذلك يكون المعنى في حديث طلق: الرجل يمس ذكره في الصلاة أعليه الوضوء " أي أيجب عليه الوضوء "، فقال: (لا، إنما هو بضعة منك) أي لا يجب عليك الوضوء، ولم ينف الاستحباب.
    بخلاف حديث بسرة فلفظه: (من مس ذكره فليتوضأ) فهذا يمكن أن يحمل على الاستحباب.
    لكن هذا القول فيه ضعف، لما تقدم من قوة الأحاديث الواردة في مسألة نقض الوضوء بمس الذكر، بخلاف حديث طلق وما تقدم من كلام أهل العلم فيه، فلا تترك ظواهر الأحاديث المتاكثرة لهذا الحديث الذي تقدم ذكر الأوجه في تضعيفه سنداً أو تضعيفه رواية.
    إذن: الراجح: أن مس الذكر ينتقض به الوضوء لكن الفقهاء انطلقوا من هذا الحديث الصحيح ففرعوا فروعاً كثيرة جداً وهي هذه القيود التي ذكرها المؤلف.
    فهنا قوله: (ومس) لفظة مس أي بلا حائل فإن كان من حائل فإنه لا يثبت به هذا الحكم، وهذا هو الذي تفيده لفظة (مس) وقد ورد مصرحاً في حديث الإمام أحمد الذي تقدم ذكره: (إذا أفضي أحدكم بيده إلى ذكره ليس دونها حجاب فقد وجب الوضوء) 1 فعلى ذلك إذا كان دونها حجاب فلا وضوء، وهذا باتفاق العلماء.
    قال: (ومس ذكر) : هنا أطلق سواء كان ذكر نفسه أو غيره قالوا: إذا ثبت هذا في ذكر نفسه مع الحاجة إلى لمسه فأولى منه غيره وهذا هو مذهب الجمهور.
    فإذا مست المرأة ذكر زوجها انتقض وضوؤها.
    وفي قوله: (مس ذكر) يشمل كذلك الصغير والكبير فالمرأة تغسل طفلها، فمست ذكره فينتقض الوضوء بذلك لأنه ذكر متصل – وهذا هو مذهب الجمهور -.
  • وذهب الأوزعي وهو رواية عن الإمام أحمد: إلى أن مس ذكر الصغير لا ينقض الوضوء – وهذا هو الراجح –؛ لأن ذكر الصبي ليس بمعنى ذكر الكبير المنصوص عليه، فإنه ليس محلاً للشهوة بمسه فبينهما فارق، ففرق بين مس الذكر [من] البالغ ومس ذكر الطفل الصغير.
  • وقيَّد المالكية مس فرج الصبية بألا تشتهى فالتي لا تشتهى – لاينقض الوضوء.
    فكذلك ينبغي أن يقيد به الصبي، فإذا مست المرأة أو الرجل فرج صبي أو صبية مما لا يشتهون أو مما لا يكونوا 1 محلاً للشهوة، كالأم تمس فرج طفلها فإن ذلك لا ينقض الوضوء، هذا مذهب الأوزعي ورواية عن الإمام أحمد وهو القول الراجح.
    وفي قوله: (ذكر) ينبغي أن يقيده لتتم هذه الفروع، بقوله: (ومس ذكر آدمي) لأنهم اتفقوا على أن مس ذكر الحيوان لا ينقض الوضوء.
    وفي قوله: (متصل) يخرج من ذلك المنقطع وهذا لا شك فيه، فلا ينقض بمسه الوضوء.
    قالوا: لأن المنقطع ليس في حكم المتصل.
    وفي قوله: (ذكر متصل) ظاهره ولو كان من ميت، وهذا هو مذهبهم.
    فلو أن امرأة مست ذكر زوجها الميت لتغسيله فإنه ينقض بذلك وضوؤه 2 – وهذا غريب – فإن ذكر الميت ليس بمعنى ذكر الحي بل هو شبيه بالمنقطع فكيف ينتقض الوضوء بمسه.
    إذن: الراجح وهو قول في المذهب أن الميت لا ينقض الوضوء بمس ذكره.
    قال: (أو قبل) أي قبل امرأة، للحديث المتقدم: (وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ) (3) . فالمرأة كذلك إذا مست فرجها أو مس أحد فرجها فإنه ينقض، وعلى الماس الوضوء.
    واعلم أن الوضوء إنما يجب على الماس دون الممسوس؛ لظواهر الأدلة المتقدمة، وهذا باتفاقهم.
    قال: (بظهر كفه أو بطنه) : الكف: من أطراف الأصابع إلى الرسغ، فإذا كان المس في شيء من اليد فإنه ينتقض به الوضوء.

قالوا: لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أفضى أحدكم بيده) قالوا: واليد إذا اطلقها الشارع فإنما يطلق الحكم بها إلى الرسغ، كما قال تعالى ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ 1 وإنما تقطع أيديهم من الرسغ لا من المرفق ولا من المنكب.
قالوا: وظاهر الحديث يدخل ذلك أي ظاهر الكف وباطنها.
وقال الجمهور 2 : بل إذا مس الذكر بظاهر الكف فإنه لا ينتقض بذلك الوضوء.
قالوا: لأن اليد إنما خصصت لأنها آلة اللمس وإنما موضع اللمس فيها باطنها بخلاف ظاهرها فإنه ليس آلة للمس.

وهذا هو القول الراجح؛ لأنه في الحقيقة لا يكون من فرق بين الذراع وبين ظاهر الكف، والشارع لا يفرق بين المتماثلات، لأنهم قد اتفقوا على أن من مس ذكره بذراعه 1 أو بعضده أو بفخذه أو نحو ذلك فإنه لا ينتقض بذلك الوضوء، ولا فارق بين هذه المواضع وظاهر الكف، أما باطن الكف فنعم لأنها آلة اللمس.
إذن الراجح: ما ذهب إليه الجمهور من أن باطن الكف هو المُعيَّن بالحكم دون ظاهره.
وهل يدخل في ذلك الظفر؟ قولان في المذهب: والمشهور أن الظفر لا يدخل قالوا: بل هو في حكم المنفصل.
ولا حاجة لنا وقد رجحنا أن الباطن هو الذي يثبت به الحكم – لا حاجة لنا للكلام في الظفر؛ لأن الظفر من ظاهر الكف وليس من باطنها.
وإن كان الأرجح بالنظر إلى المذهب دخول الظفر؛ لأنها داخلة في عموم اليد، فاليد من أطراف الأصابع إلى الرسغ ويدخل في ذلك الأظفار.
إذن: الراجح أن الحكم إنما يثبت للمس بباطن الكف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد حدد اليد بذلك، واليد في باطنها لها من المعنى ما ليس لغيرها لأنها هي آلة اللمس.
وظواهر الأدلة المتقدمة أنه لا فرق عامد وغيره فسواء مس ذكره عامداً أو ساهياً – وهذا هو مذهب الجمهور – وظواهر الأدلة تدل على ذلك.

  • وذهب الإمام أحمد في رواية عنه وهو مذهب طائفة من التابعين: إلى أنه إن مسه غير عامد فإن الوضوء لا ينتقض بذلك.
    قالوا: لأنه إذا مسه بغير عمد فإن الفعل منه يكون غير مقصود فحينئذ ليس له معنى مطلقاً.
    ولكن الراجح: دخول السهو وغيره في هذا الباب؛ لأنه وإن كان بغير قصد فقد يحصل القصد عند المس فيثبت حينئذ الحكم، أو يترتب المعنى بمجرد المس سواء كان بقصد أو لم يكن بقصد مع أن ظواهر الأدلة تدل على أنه لا فرق بين عامد وغيره.
    قال: (ولمسها من خنثى مشكل)

الخنثى المشكل: هو من له آلة ذكر وآلة أنثى ولم يتميز أهو ذكر أم أنثى لوجود آلتي التناسل فيه فلا يدرى أذكر هو أم أنثى ولم يتبين بعد.
أما إذا تبين فإنه يزول الإشكال.
وهي مسألة – حقيقة – في غاية الندرة وإذا وقعت ففي غاية الندرة أن تقع المسائل التي يفرع عليها الفقهاء.
وهنا قال: (ولمسها من خنثى مشكل) : أي هو ناقض.
" لمسهما " أي العضوان جميعاً.
أذن: إذا مس من الخنثى المشكل أحد العضوين فلا ينتقض الوضوء بذلك؛ لأنه لا يدرى هل هذا الممسوس أصلي أم زائد ومع الشك نبقى على اليقين المتقدم وهو ثبوت الوضوء.
فإذا لمسهما جميعاً فحينئذ يزول الشك ويتيقن إنه مس فرجاً أصلياً.
إذن: إذا لمسهما من خنثى مشكل فإنه ينتقض وضوؤه أما إذا مس أحدهما فلا ينتقض بذلك الوضوء.
قال: (ولمس ذكر ذكره أو أنثى قبلها لشهوة فيهما) " لمس الذكر " الماس ذكر.
" ذكره " الآلة المذكرة من الخنثى المشكل ولم يمس الآلة المؤنثة، بل مس الذكر ذكره ثم قال: (لشهوة) . إذا مس الرجل الآلة المذكرة للخنثى المشكل فحينئذ يثبت النقض، لأنه إذا كان ذكراً فقد مس عضوه الأصلي، وإذا كان أنثى فقد مس أنثى لكن لشهوة، لأن الأنثى – عندهم – لا ينتقض الوضوء بمسها إلا إذا كان بشهوة.
فإذن: هذا مفرع على القول بأن مس المرأة بشهوة ينقض الوضوء.
قال: (أو أنثى قبله بشهوة) أتت أنثى ومست قبله بشهوة وهذا غريب أنثى تمس أنثى ويكون ذلك للقبل ويكون بشهوة وهذا من غرائب العلم.
قالوا: ينقض الوضوء لأنها إن كانت أنثى حقيقة فقد مست قبلها وهو قبل أنثى أصلي فينتقض به الوضوء.
وإن كانت ذكراً فقد مست جزء رجل، ومس جزء الرجل ينتقض به الوضوء إن كان بشهوة فإذن: إذا مس عضوي الخنثى المشكل انتقض الوضوء.
وإذا مس الذكر ذكر الخنثى المشكل بشهوة انتقض أيضاً.
وإذا مست الأنثى قبل الخنثى المشكل بشهوة انتقض الوضوء بذلك.

وهل يقاس على مس الذكر مس الدبر أي حلقة الدبر؟ قال الحنابلة: نعم – وسيأتي ذكرها – والدليل قوله صلي الله عليه وسلم: (من مس فرجه) ، والفرج يدخل فيه القبل والدبر خلافاً لمذهب مالك ورواية عن الإمام أحمد لعموم الحديث المتقدم.
والحمد لله رب العالمين.

الدرس التاسع والعشرون (يوم الاثنين: 21 / 11 / 1414 هـ)

قال المؤلف رحمه الله: (ومسه امرأة بشهوة أو تمسه بها) هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة وأن من مس امرأة بشهوة فإن وضوءه ينتقض بذلك.
واستدلوا: بقوله تعالى: ﴿أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً﴾ 1 الآية.
قالوا: والملامسة هنا هي حقيقة المس، فإذا مس المرأة بشهوة فإنه ينتقض وضوؤه.
وقد دلت السنة على أن مطلق المس غير المصحوب بشهوة أنه لا ينقض الوضوء، دل على ذلك ما ثبت في الصحيحين عن عائشة قالت: (كنت أنام بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وكانت رجلاي في قبلته فإذا سجد غمزني فقبضتها) 2 وفي رواية للنسائي: (مسني برجله) 3

قالوا: فهذا الحديث فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قد مس عائشة برجله فلم ينتقض وضوؤه بل ثبت في صلاته ومضى فيها فهذا يدل على أن مطلق المس للمرأة، وهو المس غير المصحوب بالشهوة أنه لا ينقض الوضوء، والآية الكريمة دلت على أن المس ينقض الوضوء، فعلى ذلك تقيد الآية بمس الشهوة للحديث المتفق عليه – هذا هو مذهب الحنابلة -.

  • وذهب الشافعية - استدلالاً بالآية الكريمة –: إلى أن مس المرأة ناقض للوضوء مطلقاً بشهوة أو بغير شهوة.
    وأجابوا – عن الحديث المتفق عليه -: بأن هذا المس يحتمل أن يكون فيه بين النبي صلى الله عليه وسلم وبينها حائل، وإذا ثبت الحائل أو الحجاب فإنه لا يثبت الحكم، فحينئذ يبقى الحكم على ما هو عليه؛ لأن هذا هو المس الذي يتعلق به الحكم، فإن المس الذي يتعلق به الحكم الشرعي هو المس المباشر الذي لا يقع فيه الحجاب بين الماس والممسوس.
    لكن هذا الاحتمال ضعيف، لأن حقيقة المس أن يكون من غير حجاب، بدليل رواية النسائي فإن لفظة: (مسني برجله) . قال شيخ الإسلام – في هذا القول -: " وهذا أضعف الأقوال وليس له أصل في كتاب الله ولا سنة نبيه صلى الله عليه وسلم "، وهذا مما تعم به البلوى – أي مجرد مس المرأة – ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث عن وجوب الوضوء عند مس المرأة مطلقاً.
    ولكن القول بأن مس المرأة بشهوة ينقض الوضوء مع ما سيأتي من تضعيفه فإنه أقوى من القول بأنه ناقض مطلقاً.
    وذهب أبو حنيفة وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها بعض أصحابه كالآجرى – وهو اختيار شيخ الإسلام –: إلى أن مس المرأة لا ينقض مطلقاً لا بشهوة ولا بغيرها.
    وأجابوا – عن استدلالهم بالآية – بأن المس في الآية إنما هو الجماع.
    فقوله تعالى: ﴿أو لامستم النساء﴾ أي واقعتموهن جماعاً وليس المراد مطلق المس، وهذا هو قول ابن عباس وعلي بن أبي طالب في تفسير هذه الآية وهو اختيار ابن جرير.

بينما تفسيرها على القول المتقدم هو قول ابن مسعود.
قالوا: وسياق الآية يقرر هذا – أي أنه الجماع – فإن الله عز وجل ذكر الوضوء في قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلي الصلاة﴾ 1 إلى أن قال: ﴿وأن كنتم جنباً فاطهروا﴾ فذكر الطهارتين طهارة الوضوء وطهارة الغسل، ثم قال – سبحانه –: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً﴾ وهذا التيمم بدل عن الطهارتين، عن طهارة الغسل وطهارة الوضوء وذكر الله السبب الأول، في قوله: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾ فهذا حدث أصغر، فإذا فسرنا قوله تعالى ﴿أو لامستم النساء﴾ بالمس الموجب للوضوء فإنه يتعدد السبب لطهارة واحدة، أما الطهارة الأخرى فلا يذكر لها سبباً، والأليق ببلاغة القرآن أن يذكر لكل طهارة سبباً لبيان أن التيمم بدل عن طهارة الوضوء وطهارة الغسل كما دلت علي ذلك السنة.
وابن مسعود رضي الله عنه قد فسر الآية بالحدث الأصغر وهو مس المرأة الموجب للوضوء، وهو لم يكن يرى أن التيمم بدل عن الغسل، وإنما كان يرى أنه بدل عن الوضوء فحسب كما ذكر ذلك شيخ الإسلام، لذا فسر الآية بحدث أصغر ولم يفسره بحدث أكبر لأنه لا يعتقد أن الحدث الأكبر يجزئ فيه التيمم.
إذن: الراجح في تفسير هذه الآية وهو أصح قولي العلماء كما قال شيخ الإسلام وهو اختيار ابن جرير وقول ابن عباس أن قوله تعالى: ﴿أو لامستم النساء﴾ المراد به الجماع والقرآن يكني عن الجماع بالمس، كما في قوله تعالى ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن﴾ 2 وليس المراد إجماعاً مجرد المس، وإنما مراده الجماع الحقيقي.

فصول الكتاب · 11 فصل · 298 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للحمد · 298 صفحة
المقدمة
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب المناسك
كتاب الجهاد
كتاب الوصايا
كتاب الوصايا
كتاب الفرائض
كتاب الطلاق
كتاب الحدود
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل