قالوا: وإذا كبر أربعاً أجزأه ذلك، أما إذا كبر ثلاثاً فإن كان عمداً بطلت صلاته وإن كان سهواً كبر رابعة كما صح ذلك عن أنس في البخاري 1 .
إذن: الواجب أن يكبر أربعاً ولا يجزئه أقل من ذلك.
ولكن هل يشرع أن يكبر أكثر من أربع؟
1- المشهور في مذهب الحنابلة: أنه لا يشرع ذلك.
وهل يتابعه المأموم إن كبر أم لا؟
المشهور في المذهب أنه إن كبر خامسة تابعه، وإن كبر أكثر من خمس لم يتابعه.
وعن الإمام أحمد: أنه يتابعه إلى سبع، وهو اختيار طائفة من أصحابه، وهذا القول أرجح.
ودليل ذلك: أن الراجح خلاف ما ذهب إليه الحنابلة، فالراجح هو أن التكبير فوق الأربع مشروع؛ لما ثبت في مسلم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: (كان زيد بن أرقم يصلي على جنائزنا فيكبر أربعاً فصلى على جنازة فكبر خمساً فسئل عن ذلك فقال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يكبرها) 2
وثبت في سنن الدارقطني بإسناد صحيح: (أن علي بن أبي طالب صلى على سهل بن أبي حنيف فكبر ستاً وقال: إنه بدري) 1 ، وثبت عند الطحاوي بإسناد صحيح – أنه أي علي -: (صلى على أبي قتادة فكبر سبعاً وكان بدرياً) 2 . وكان من طريقته – أي علي – ما ثبت في الطحاوي بإسناد صحيح: (أنه كان يكبر على أهل بدر ستاً وعلى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خمساً وعلى سائر الناس أربعاً) 3 . فثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كبر أربعاً وخمساً، وأن علياً كبر ستاً وسبعاً ولم يثبت له مخالف من الصحابة، ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه أكثر من سبع.
إلا ما روى الطحاوي بإسناد حسن: (أن عبد الله بن الزبير قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم على حمزة فكبر عليه تسعاً) (1) لكن الحديث تقدم أنه منكر – كما أنكره الشافعي وابن القيم وغيرهما فالحديث منكر لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل على حمزة بل دفنه كسائر الشهداء كما في المتفق عليه.
وهناك أثر ثابت عن ابن مسعود رواه ابن حزم بإسناد صحيح أنه قال: (كبروا عليها ما كبر أئمتكم لا وقت ولا عدد) 1 لما ذكر له أن أهل الشام من أصحاب معاذ يكبرون على الجنائز خمساً.
والذي يقتضيه هذا الأثر أنه لو زاد على السبع فإنه لا بأس بذلك ونحن ليس عندنا في الزيادة على الخمس إلا أثر علي وهذا أثر عن ابن مسعود فيه أن التكبير للجنائز ليس له وقت ولا عدد فلو كبر تسعاً أو عشراً فلا بأس لكن المستحب له أن يكبر أربعاً أو خمساً وإن زاد على ذلك فلا يتجاوز السبع فإن ذلك هو صريح فعل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الخمس، وفعل أصحابه كعلي إلى السبع، لكن إن زاد على ذلك فلا حرج لقول ابن مسعود: (لا وقت ولا عدد) والله أعلم.
فعلى ذلك: السنة أن يكبر على الجنازة أربعاً، ويستحب له أحياناً أن يكبر خمساً فإن زاد ستاً أو سبعاً فلا بأس به.
قال: (والفاتحة)
الفاتحة ركن في صلاة الجنازة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب) 2 وصلاة الجنازة صلاة فهذا دليل ركنيتها.
وقد ثبت في البخاري ما تقدم عن ابن عباس أنه كان: يقرأ بفاتحة الكتاب ويقول: (ليعلموا أنها سنة) 3 وتقدم غير ما حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقرأ الفاتحة.
قال: (والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم)
تقدم ثبوتها في صلاة الجنازة، وهنا قال: هي واجب فيها، ولم أر دليلاً صريحاً يدل على إيجابها.
والوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب فعل، والفعل لا يدل على الوجوب كما هو مقرر في علم أصول الفقه.
ولذا قال المجد بن تيمية – في هذه المسألة كقول أهل العلم في مسألة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة " فإذا قلنا بوجوبها في الصلاة قلنا بوجوبها في الصلاة على الجنازة، وإن قلنا باستحبابها قلنا باستحبابها في الصلاة على الجنازة " (1) .
وقد تقدم ترجيح قول جمهور العلماء في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة وأنها ليست بواجبة فكذلك هنا، فهي ليست بواجبة بل سنة، وليس فيه إلا مجرد الفعل، والفعل لا يدل على الوجوب وهو مذهب طائفة من فقهاء الحنابلة.
فالراجح: أنه لا يجب عليه أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بل يستحب.
قال: (ودعوة للميت)
لا شك أنها ركن فهي مقصد الصلاة على الميت وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء) 1 وكان النبي صلى الله عليه وسلم يخلص الصلاة – أي الدعاء – على الجنائز في التكبيرات الثلاث كلها.
فالدعاء للميت فرض في الصلاة على الجنازة بل هو المقصود منها، وإنما شرعت الصلاة للدعاء للميت.
قال: (والسلام)
والسلام كما هو ركن في الصلاة فهو ركن في صلاة الجنازة فإنها من باب الصلاة، وفي الحديث: (مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم) 1 وصلاة الجنازة صلاة.
قال: (ومن فاته شيء من التكبير قضاه على صفته) .
فإذا سلم الإمام كبر ما فاته وقضاه.
لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) 2
وهل هذا على وجه الإيجاب أو الاستحباب؟
قولان لأهل العلم:
فالمشهور في مذهب الحنابلة أن ذلك على وجه الاستحباب، فلو فاته شيء فسلم مع الإمام فلا بأس ويجزئه ذلك.
واستدلوا: بما رواه ابن أبي شيبة أن ابن عمر: (وكان لا يقضي ما فاته من التكبير) (3) فيه محمد بن إسحاق وقد عنعن، فالحديث ضعيف.
والمشهور عند جمهور الفقهاء أنه يجب ذلك، ولا يجزئه إلا أن يكبرها؛ للحديث المتقدم: (فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا) .
والصحيح مذهب الجمهور وأنه يجب عليه أن يقضي التكبيرات الفوائت لعموم الحديث.
فإذن يشرع أن يأتي بما فاته اتفاقاً، لكن هل يجب ذلك؟
قولان والصحيح الوجوب.
قال: (ومن فاتته الصلاة عليه صلى على قبره)
ففيه مشروعية الصلاة على القبر، ودليل ذلك: ما ثبت في الصحيحين في قصة المرأة التي كانت تقم المسجد فسأل عنها النبي صلى الله عليه وسلم: (فقيل: ماتت فقال: أفلا كنتم آذنتموني فكأنهم صغروا أمرها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دلوني على قبرها فدلوه فصلى عليها) 1 .
وهنا قال المؤلف: (إلى شهر) .
وهذا عند الحنابلة ليس للتحديد وإنما للتقريب يعني شهر وما يقاربه.
فإذا دفن الميت فمر على دفنه شهر ونحوه فإنه لا يصلى عليه.
واستدلوا: بما رواه الترمذي من مراسيل سعيد بن المسيب رحمه الله: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (لما توفيت أم سعد بن عبادة وهو غائب صلى عليها وكان ذلك لشهر) 2
قالوا: فهذا يدل على أن أمد ذلك ومنتهاه إلى الشهر وما قاربه.
وقال ابن عقيل من الحنابلة: بل يصلي عليه أبداً، وهو اختيار ابن القيم حيث قال: " ولم يوقت النبي صلى الله عليه وسلم وقتاً " (3) .
والأثر المتقدم الذي رواه سعيد بن المسيب ليس فيه أنه لو كان ذلك بعد شهرين أو ستة لا يصلى عليها، بل فيه جواز الصلاة عليها لشهر وليس مانعاً أن نصلي عليها بعد شهرين أو ثلاثة أو أربعة أو أكثر من ذلك.
ويشهد له ما تقدم من أن النبي صلى الله عليه وسلم: (صلى على أهل أحد صلاته على الميت كالمودع للأحياء الأموات) 1 – كما رواه البخاري – على ظاهره في أن المقصود الصلاة على الميت كالصلاة على الجنازة وكان ذلك بعد ثماني سنوات ولا مانع من ذلك فإن المقصود من الصلاة هو الدعاء للميت، فسواء كان ذلك بعد شهر أو سنة أوسنتين أو أكثر من ذلك.
لكن بشرط:
1 - أن يكون ممن هو أهل للصلاة أثناء موته.
2- وأن يكون غير مفرط في ترك الصلاة عليه.
فمثلاً: رجل قدم من سفر فعلم بموت فلان ولم يكن مفرطاً لأنه كان مسافراً فله أن يصلي على قبره.
وكونه أهل للصلاة: بأن يكون مكلفاً، أو مميزاً تصح الصلاة منه.
وإلا فإنه لم يرد عن التابعين أو أتباعهم أنهم صلوا على أحد من الصحابة رضي الله عنهم، فيدل ذلك على أنه ليس مطلقاً بل هو حيث كان أهلاً للصلاة ولم يقع منه تفريط كما تقدم.
قال: (وعلى غائب بالنية إلى شهر)
والمراد بالغائب أن يكون في بلد أخرى، وليس المراد من كان في طرف البلد مما يتمكن أن يصلى عليه صلاة الغائب 2 .
فيشرع صلاة الغائب مطلقاً سواء صلي عليه في بلده أم لم يصل عليه كما هو المشهور في المذهب.
واستدلوا بحديث أبي هريرة المتفق عليه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه فخرج بهم إلى المصلى فصف بهم وكبر أربعاً) 3 .
واختار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وهو قول الخطابي وابن عبد القوي من الحنابلة وغيرهم: أنه لا يشرع ذلك إلا إذا لم يصل عليه في بلده.
فإذا لم يصل عليه في بلده شرع أن يصلى عليه في غير بلده ممن بلغه خبره من المسلمين.
وهذا القول هو الراجح، وذلك أنه لم يكن من هدي النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة على كل غائب، فقد مات أناس كثير من أصحابه خارج المدينة فلم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على أحد منهم.
والنجاشي لم يكن يظهر إسلامه، ولم يكن في بلده من يمكنه أن يصلي عليه فمات فلم يصل عليه، فصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم.
- وهل تشرع الصلاة على من مات ولم تبق جثته كأن يموت غريقاً في بحر لا يمكن أن يحضر جثته أو أن يموت مفترساً مأكولاً أو محترقاً لا يبقى منه شيء، فهل يشرع أن يصلى عليه كما يصلى على الغائب؟
المشهور في مذهب الحنابلة: أنه لا يصلى عليه.
وقال طائفة من الحنابلة: بل يصلى عليه.
وهذا القول هو الراجح؛ قياساً على الصلاة على الغائب فإن هذا الميت الغائب صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم لكونه لم يصل عليه، وهذا كذلك فإنه لا يمكن أن تحضر جثته فيصلى عليه فهو في حكم الغائب فكان المشروع أن يصلى عليه.
قال: (ولا يصلي الإمام على الغال) من غَلَّ شيئاً من الغنيمة فأخذها، فإنه لا يصلي عليه الإمام زجراً للناس عن هذه المعصية.
واستدلوا بما روى النسائي عن أبي عمرة عن زيد بن خالد الجهني قال: (توفي رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: صلوا على صاحبكم قال: فتغيرت وجوه الناس لذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنه قد غل في سبيل الله، قال: ففتشنا متاعه فوجدنا خرزاً من خرز يهود لا يساوي درهمين) 1 .
والأثر فيه أبو عمرة تابعي مجهول، وهو الراوي عن زيد بن خالد، لكن الحديث احتج به الإمام أحمد وغيره.
والنظر يقتضي أنه ليس بمنكر فإن النبي صلى الله عليه وسلم من سنته ترك الصلاة على بعض العصاة الذين في ترك الصلاة عليهم زجراً لغيرهم عن فعل هذه المعصية كما سيأتي.
وقد ترك النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة على المدين – كما تقدم في المتفق عليه – وقال: (صلوا على صاحبكم) 2 وذلك قبل أن تفتح الفتوح ويكثر المال في بيت المال، فلما كثر ذلك في عهده صلى على المدينين وقضى عنهم ديونهم.
قال: (ولا على قاتل نفسه) .
وثبت في مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (أتي برجل قد قتل نفسه بمشاقص " وهو نصل السهم " فلم يصل عليه) 3 .
وفي النسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أما أنا فلا أصلي عليه) 1 فلم يمنعهم من الصلاة عليه فإن قاتل نفسه مسلم وليس بكافر، فيصلي عليه طائفة من المسلمين، أما الأئمة في الدين ومن يقتدى بهم من أهل العلم والتقوى فإنهم يتركون الصلاة عليه زجراً له.
ومثل ذلك سائر المعاصي الظاهرة التي يحتاج إلى زجر الناس عنها بترك الصلاة عليهم أمواتاً، فليس مختصاً بقاتل النفس والغال، بل إذا ظهرت معصية وحدث فيها فساد عظيم فرجى أهل التقوى وأهل العلم أنهم إذا تركوا الصلاة عليهم أن يكون زجراً لغيرهم عن المعصية فإن ذلك يفعل كما كان من سنته.
ومن ذلك ترك الصلاة على المبتدعة كما هو المشهور في مذهب الإمام أحمد وهو مذهب السلف الصالح وذلك لزجر الناس عن فعلهم.
لكن كما قال شيخ الإسلام: من صلى عليهم وهو يرجو لهم الرحمة وليس في امتناعه عن الصلاة عليهم مصلحة فذلك حسن.
قال: (ولا بأس بالصلاة عليه في المسجد)
والسنة أن يصلي عليه في موضع خاص بالجنائز، كما ثبت في البخاري عن ابن عمر: (أن اليهود جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم برجل منهم وامرأة قد زنيا فأمر بهما فرجما قريباً من موضع الجنائز عند المسجد) 2 .
وتقدم حديث أبي هريرة في نعي النبي صلى الله عليه وسلم للنجاشي وفيه: (فخرج بهم إلى المصلى فصف بهم) 3 .
فالمستحب أن يصلي عليها في مصلى خاص بالجنائز.
لكن إن صلى عليها في المسجد مع أمن تلويث المسجد بها فلا بأس بذلك، ودليله: لما ثبت في مسلم عن عائشة قالت: (والله لقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابني بيضاء في المسجد) 1 .
أما ما رواه أبو داود في سننه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من صلى على الميت في المسجد فلا شيء له) 2 ، فالحديث من حديث صالح مولى التوأمة ويروى عنه عبد الله بن أبي ذئب.
وقد ضعف الإمام أحمد هذا الحديث بتفرد صالح مولى التوأمه وصالح هذا مختلط الحديث، لكن عبد الله بن أبي ذئب قد روى عنه قبل الاختلاط فحديثه حسن جيد، كما حسنه ابن القيم.
لكن الحديث – حينئذ – يكون منكراً؛ لأنه يكون مخالفاً لما ثبت في مسلم من صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - على ابني بيضاء.
ومثل صالح لا يخالف حديثه ما ثبت في مسلم وغيره.
لكن ذهب بعض العلماء إلى أن الصحيح فيه – كما قرر ذلك ابن عبد البر وابن القيم، الصحيح فيه -: (فلا شيء عليه) 3 كما ثبت ذلك في نسخة صحيحة لسنن أبي داود.
فعلى أن هذا اللفظ هو الصحيح لا نحتاج إلى تضعيف الحديث بتفرد صالح.
وأما إذا قلنا إنه على لفظه، فإن هذا لا يقبل منه مع مخالفته لما ثبت في مسلم.
- في مسألة الصلاة على القبر: قال بعض أهل العلم: هي خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم.
واستدلوا: بما ثبت في مسلم في حديث المرأة التي كانت تقم المسجد وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم) 1 .
قالوا: فهذا يدل على أن الصلاة على القبر خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، والحديث قد أعله بعض أهل العلم المتقدمين، ولكن الصحيح أن سنده صحيح وليس بمعل.
والجواب عنه أن يقال: إن هذا التخصيص إنما هو في الأثر لا في الفعل، فأثر صلاته في الأموات سواء كانوا في قبورهم أو قبل ذلك – أن تكون صلاته عليهم رحمة لهم.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم – كما في النسائي – لما صلى على جنازة رجل: (إن صلاتي عليه رحمة) (2) وقد صلى عليه قبل أن يدفن.
فمن خاصية صلاته على الأموات قبل دفنهم أو وهم في قبورهم – أن يكون ذلك رحمة لهم وإنارة لهم في قبورهم.
وأما أن يكون الحكم – وهو الفعل – خاصاً بالنبي صلى الله عليه وسلم فلا، كما أنه خلاف الأصل.
فالحديث ليس فيه إلا أن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم مختصة بأن تكون نوراً لأهل القبور، وليس فيه أن هذا الفعل خاص بالنبي صلى النبي صلى الله عليه وسلم، والله أعلم.
حكم الصلاة على الجنازة بين القبور – (انظر الكلام على هذه المسألة في الدرس الحادي والخمسين بعد المائة الذي سيأتي) -:
لا يجوز ذلك، وهو رواية عن الإمام أحمد؛ لما روى الضياء في المختارة والطبراني في الأوسط أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (نهى عن الصلاة على الجنائز بين القبور) (3) وإسناده حسن.
والمشهور في المذهب: جواز ذلك وتخصيص النهي بالصلوات ذوات الركوع والسجود.
لكن الصحيح النهي مطلقاً؛ للحديث الصحيح المتقدم وأحاديث الضياء أصح من أحاديث الحاكم – كما ذكر شيخ الإسلام – وقد اشترط فيها الصحة.
مسألة:
الأظهر أنه بعد التكبيرات فوق الأربع يشتغل بالدعاء؛ ذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يدعو بين هذه التكبيرات الأربع الثابتة عنه، والمقصود من الصلاة هو الدعاء للميت بل كان يدعو حتى بعد التكبيرة الرابعة، فالذي ينبغي أن يدعو بين هذه التكبيرات.
والحمد لله رب العالمين.
الدرس الخمسون بعد المئة (يوم الأحد: 23 / 7 / 1415هـ) فصل
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (يسن التربيع في حمله)
التربيع في حمل الجنازة: أن يأتي المتبع للجنازة فيحملها من مقدمة الجنازة من جانبها الأيسر واضعاً له على عاتقه الأيمن ثم ينتقل منه إلى جهته اليسرى المؤخرة فيضعها على عاتقه الأيمن ثم ينتقل إلى الجهة اليمنى من الجنازة فيضع مقدمتها الأيمن على عاتقه الأيسر ثم مؤخرها على عاتقه الأيسر – فهكذا يكون التربيع.
وذلك بالنظر إلى الميت فإنه وإن كان الأيسر بالنسبة إلى السرير المحمول إليه الميت فإنه هو الأيمن بالنسبة إلى الميت فبدأ بالجهة اليمنى من الميت.
ودليل ذلك: ما روى أحمد وابن ماجه عن أبي عبيدة بن مسعود عن ابن مسعود قال: (من اتبع الجنازة فليحمل بجوانب السرير كلها فإن ذلك السنة ثم إن شاء فليتطوع وإن شاء فليدع) 1 ، وأبو عبيده لم يسمع من أبيه فعلى ذلك الإسناد فيه انقطاع.
لكن يشهد له ما ثبت عن أبي الدرداء في مصنف ابن أبي شيبة بإسناد صحيح أنه قال: (من تمام أجر الجنازة أن يتبعها من أهلها وأن يحمل بأركانها الأربعة وأن يحثو في القبر) (1) ، وهذا له حكم الرفع فإنه متعلق بالأجر فكان هذا القول من هذا الصحابي له حكم الرفع.
وثبت عن ابن عمر – كما في مصنف ابن أبي شيبة: (أنه حمل جنازة في أركانها الأربعة فبدأ بالميامن) .
وعن الإمام أحمد: أنه لا بأس أن يتحول من جهة الجنازة اليسرى المؤخرة إلى جهتها اليمنى المؤخرة ثم ينتقل إلى اليمنى المقدمة فيبدأ برأسه وينتهي برأسه؛ لأن ذلك أسهل.
وهذا أولى لما فيه من اليسر ولأنه أبعد عن اختلاط الناس بعضهم ببعض.
فهذا أولى ويحصل به ما حصل من السنة من البداءة باليمنى – كما يحصل في الأول.
هكذا يكون التربيع وهو الأفضل عند الحنابلة.
- واستحب الشافعية أن يحمله بين العمودين.
وقال المؤلف هنا: (ويباح بين العمودين) أي أن يضع رأسه بين العمودين ويجعل الجنازة على كاهله وقد صح ذلك عن سعد بن أبي وقاص، فقد ثبت في سنن البيهقي عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال: (رأيت سعد بن أبي وقاص مع جنازة عبد الرحمن بن عوف قائماً بين العمودين واضعاً الجنازة على كاهله) 1 . وذكر ابن المنذر ذلك عن عثمان وسعد بن مالك " وهو سعد بن أبي وقاص " وابن عمر وأبي هريرة وابن الزبير. - وعن الإمام أحمد: أنهما سواء.
والذي يظهر أن الأفضل أن يحمل بجوانبها كلها وهو التربيع؛ وذلك لأن ما تقدم أقوى؛ لأن فيه ما تقدم في الحديث الثابت عن ابن مسعود وفيه أن ذلك من السنة، ويشهد له الأثر الوارد عن أبي الدرداء وله حكم الرفع، ففي ذلك رفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا أثر موقوف عن سعد فكان الأول أولى.
فالسنة أن يربع فيحمل بجوانب السرير كلها، لكن إن قام بين العمودين حاملاً للجنازة – على كاهله فذلك حسن إن شاء الله.
قال: (ويسن الإسراع بها)
يستحب له أن يسرع بالجنازة.
ودليل ذلك: ما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أسرعوا بالجنازة فإنها إن تكن صالحة فخير تقدمونها إليه وإن تكن سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم) 1 ، قال أبو بكرة: (والذي كرم وجه أبي القاسم صلى الله عليه وسلم لقد رأيتنا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وإنا لنكاد أن نرمل بها رملاً) 2 والرمل هو إسراع المشي مع تقارب الخطى.
" إنا لنكاد ": فهم لا يرملون لكنهم يكادون ذلك، وذلك لأن في الرمل أذى للجنازة وأذى للمتبع، ففي الإسراع الشديد أذى للجنازة فقد يخرج شيء من الخارج بسبب هذا الإسراع، وقد يحدث شيء من الانفصال في بعض الأعضاء، وكذلك المتبعون يتأذون بذلك.
قال: (وكون المشاة أمامها والركبان خلفها)
يستحب – في المشهور من المذهب – أن يكون الماشي أمام الجنازة.
وذلك لما روى الخمسة بإسناد صحيح – وقد اختلف في وصله وإرساله والراجح الوصل – عن ابن عمر: (أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وهم يمشون أمام الجنازة) 1 وفي الترمذي: (وعثمان) (2) .
وأما الراكبون فيستحب أن يكونوا خلفها لما ثبت في الترمذي بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الراكب خلف الجنازة والماشي أمامها وخلفها وعن يمينها وعن يسارها قريباً منها) 2 .
وفي بقيته حجة لما ذهب إليه بعض أهل العلم كالموفق ابن قدامة في الكافي وطائفة من أصحاب الإمام أحمد: إلى أن المستحب للماشي أن يكون حيث شاء، فإن كان أمامها أوخلفها أو عن يمينها أو عن يسارها فلا بأس بذلك.
وابن عمر قد رأى النبي صلى الله عليه وسلم يمشي أمام الجنازة (4) ، وقد ثبت في الطحاوي بإسناد حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم مشى خلفها (5) .
فعلى ذلك: المستحب للماشي أن يمشي حيث شاء، أما ما رآه ابن عمر فتلك واقعة عين، والنبي صلى الله عليه وسلم قال – كما تقدم -: (والماشي أمامها وخلفها وعن يمينها وعن يسارها قريباً منها) . وأما الراكب فلا يستحب إلا أن يكون خلفها.
وهل يستحب له أن يركب أم لا؟
الأفضل له ألا يركب بل يستحب أن يمشي في الذهاب، وأما في الإياب فلا بأس بالركوب، فقد ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (أتي بدابة وهو مع الجنازة فأبى أن يركبها فلما انصرفوا أتى بها فركبها فسئل عن ذلك فقال: إن الملائكة كانت تمشي مع الجنازة فلم أكن لأركب وهم يمشون فلما ذهبوا ركبت) 1 .
لكن إن كان في ذهابه مشقة أو كانت الجنازة لا تحمل بالأيدي بل على الرواحل فلا بأس أن يركب.
أما إذا كان موضع دفن الجنازة قريب وحملوها بأيديهم فيستحب ألا يركب، لكن إن ركب - وذلك جائز له -، فإنه يمشي خلفها.
قال: (ويكره جلوس تابعها حتى توضع)
هنا ثلاث صور:
الصورة الأولى: أن تمرَّ الجنازة.
الصورة الثانية: أن يتبعها.
الصورة الثالثة: أن يسبقها فيأتي قبل أن تأتي الجنازة.
أما الصورة الأولى: وهي عند مرور الجنازة فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم: (لما مر بجنازة يهودي قام فسئل عن ذلك فقال: إذا رأيتم الجنازة فقوموا) (2) متفق عليه.
قال الحنابلة وغيرهم: هذا الحديث منسوخ بما ثبت في مسلم عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم: (قام ثم قعد) (3) ، وفي مسند أحمد بإسناد صحيح: (أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بالقيام للجنازة ثم جلس وأمرنا بالجلوس) (4) .
فقالوا: كان ذلك مستحباً ثم نسخ فالمستحب له ألا يقوم.
ومثل ذلك: الصورة الثالثة: وهي فيما إذا سبق الناس إلى المقبرة ثم أتى الناس بالجنازة فلا يستحب له أن يقوم بل يبقى جالساً، وقد روى ذلك الترمذي عن طائفة من الصحابة، وهذا نظير المسألة السابقة لأنه ليس متبع لها فهو في حكم من مرت عليه الجنازة.
أما الصورة الثانية: وهي من اتبعها.
فالمشهور في مذهب الحنابلة – أنه يستحب له أن يقوم فلا يجلس حتى توضع على الأرض.
واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا رأيتم الجنازة فقوموا حتى توضع) (1) وفي رواية سفيان: (حتى توضع على الأرض) (2) . وقالوا: وحديث على المتقدم إنما نسخ القيام ابتداءً وأما استدامة ذلك لمن تبعها فإن حديث علي لا ينسخ ذلك.
- وقال جمهور العلماء: بل هو منسوخ.
واستدلوا: برواية للبيهقي من حديث علي بإسناد جيد قال: (قام النبي صلى الله عليه وسلم على الجنازة حتى توضع فقام الناس معه ثم قعد وأمرهم بالقعود) 1 . ولا فرق بين هذه الصورة وبين الصورتين السابقتين في الحكم.
فما ذهب إليه الجمهور من القول بالنسخ أصح، والحديث الذي رواه البيهقي يدل على ذلك.
فعلى ذلك: كل القيام منسوخ فلا يستحب أن يقوم لها إن مرت، ولا يستحب أن يقوم في المقبرة إن سبقهم فجاءت، ولا يستحب أن يستديم القيام وهو متبع لها.
بل متى شاء جلس لا بأس بذلك ولا حرج – كما هو مذهب الشافعية وغيرهم من أهل العلم.
قال: (ويسجى قبر امرأة فقط) أي يغطي قبر المرأة، أما قبر الرجل فلا.
ودليل ذلك: ما رواه البيهقي بإسناد صحيح عن أبي إسحاق السبيعي قال: (شهدت جنازة الحارث فأبى عبد الله بن يزيد " وهو صحابي " أن يسجوه بثوب وقال: إنه رجل) (4) . وقد اتفق العلماء على استحباب تسجية قبر المرأة عند الدفن.
وأما الرجل فلا يستحب ذلك، وأما ما رواه البيهقي أن النبي صلى الله عليه وسلم: (جلل قبر سعد بن معاذ بثوب) (5) فالحديث إسناده ضعيف وقد ضعفه البيهقي، وهو كما قال، فالحديث إسناده ضعيف.
وبه قال الشافعية لكن الحديث ضعيف.
قال: (واللحد أفضل من الشق) . اللحد: أن يحفر القبر ثم يحفر للميت على حائط القبر - أى بأحد الجهتين من القبر، والمستحب أن تكون في الجهة التي تلي القبلة، فلا يكون ذلك في الوسط -.
ودليل ذلك – أي استحباب اللحد وأفضليته على الشق – ما ثبت في مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال: (الحدو إلي لحداً وانصبوا علي اللبن نصباً كما صنع بالنبي صلى الله عليه وسلم) (1) .
وعند الأربعة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللحد لنا والشقة لغيرنا) (2) ، وله شاهد عند ابن ماجه من حديث جرير بن عبد الله، فالحديث حسن.
لكن الشق جائز بإجماع العلماء كما حكى ذلك النووي، ومما يدل على جوازه ما ثبت في ابن ماجه من حديث أنس قال: (لما توفى النبي صلى الله عليه وسلم كان في المدينة رجل يَلْحَد وآخر يُضَرِّح " أي يشق " فقال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم نستخير ربنا ونبعث إليهما فأيهما سبق تركناه [فأرسِل إليهما] فسبق صاحب اللحد فلحدوا للنبي صلى الله عليه وسلم) (3) .
وهو ثابت – أيضاً – في ابن ماجه من حديث عائشة، والحديث حسن.
ففيه أنه كان في المدينة رجل يضرح أي يشق، فدل على أن ذلك جائز وهذا بالإجماع.
بل قد يكون الشق أفضل فيما إذا كانت الأرض رخوة تنهار فإن الشق يكون أفضل.
وصورة الشق: أن يكون هذا الموضع الذي يشق في الأرض للميت في وسط القبر ويكون الجانبان مرتفعين ويوضع الميت في هذا الشق ثم يبنى عليه في اللبن بناءً.
والمستحب أن يوضع على شقه الأيمن كما يفعل النائم وذلك بلا نزاع كما قال ذلك صاحب الإنصاف، وأن يوجه إلى القبلة لما ثبت في أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الكعبة: (قبلتكم أحياءً وأمواتاً) (4) وهو حديث حسن.
قال: (ويقول مُدْخِلُهُ: بسم الله وعلى ملة رسول الله)
لما ثبت في مستدرك الحاكم بإسناد جيد أن النبي صلى الله عليه وسلم: (أدخل ميتاً فقال: " بسم الله وعلى ملة رسول الله ") 1 ، ورواه أحمد والنسائي من حديث ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا وضعتم موتاكم في القبور فقولوا: بسم الله وعلى ملة رسول الله) (2) ، وفي رواية " وعلى سنة رسول الله " (3) ، لكن حديث ابن عمر اختلف في رفعه ووقفه والراجح هو الوقف كما رجح ذلك النسائي والدارقطني وغيرهم من أهل العلم.
لكن الحجة فيما تقدم عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا أثر موقوف له حكم الرفع.
ولا يقال باستحباب قول ما ورد في ابن ماجه بإسناد ضعيف جداً أن النبي صلى الله عليه وسلم: (لما أدخل ابنته أم كلثوم قرأ ﴿منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى﴾ ) (4) فالحديث فيه ثلاثة ضعفاء فالحديث إسناده ضعيف جداً.
ولا أصل لقراءة هذه الآية عند الحثيات الثلاث.
ومعلوم أنه يستحب – كما ثبت في ابن ماجه أن النبي صلى الله عليه وسلم: (حثى على الميت من قبل رأسه ثلاثاً) (5) .
قال: (ويضعه في لحده على شقة الأيمن مستقبل القبلة، ويرفع القبر عن الأرض قدر شبر)
فيرفع القبر عن الأرض قدر شبر، كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه البيهقي وابن حبان بإسناد حسن أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رفع قبره من الأرض قدر شبر أو نحو شبر " (6)
ولا يجوز أن يكون مشرفاً فقد ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث علياً وفيه: (وألا تدع قبراً مشرفاً إلا سويته) (7) .
أما رفعها قدر شبر فلا بأس، وفي ذلك فائدة تمييزه عن سائر الأرض ليحترم فلا يجلس عليه ولا يؤذي.
أما أن يرفع فوق ذلك فلا يجوز.
قال: (مُسَنَّماً) .
كما ثبت عن سفيان التمار قال: (رأيت قبر النبي صلى الله عليه وسلم مسنماً) (8) وهذا كما هو في القبور عندناً، كسنام البعير، فهذا هو المستحب.
ولا بأس أن يكون مسطحاً لكن المستحب كونه مسنماً.
ويستحب أن يوضع عليه من الحصى الصغير كما فعل بقبر النبي صلى الله عليه وسلم كما في أبي داود: (أن قبر النبي صلى الله عليه وسلم كان مبطوحاً ببطحاء العَرْصة الحمراء) (1) والبطحاء هو الحصى الصغير.
ولا بأس أن يرش بالماء ومن ذلك أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم لكنه مرسل، كما في البيهقي: (أنه رش على قبر ابنه ووضع عليه الحصباء) (2) ، وهو مستحب عند أهل العلم وهذا فيه مزيد محافظة عليه.
وهذا أثر مرسل ويشهد له عمل المسلمين قديماً وحديثاً وعليه عمل الفقهاء فأهل العلم يستحبون ذلك.
ويستحب أن يوسع القبر وأن يعمق، فقد ثبت في أبي داود والنسائي وهذا لفظ النسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (احفروا ووسعوا وأعمقوا) (3) وإسناده صحيح.
واستحب الإمام أحمد أن يعمق القبر إلى قدر السرة لأن في ذلك حفظاً للميت وليس في ذلك مشقة على الحافر، خلافاً لما ذهب إليه الشافعية من استحباب كونه كطوله؛ فإن في ذلك مشقة على الحافر وليس في ذلك فائدة، والفائدة تحصل فيما إذا كان إلى السرة.
وهو ثابت عن عمر بن عبد العزيز كما في سنن سعيد بن منصور بإسناد جيد: (أنه أمر بأن يعمق قبر ابنه إلى السرة) (4) .
فيستحب أن يعمق والذي ينبغي أن يكون ذلك إلى السرة، فإنه يحفظ به الميت ولا يؤذي ذلك الحي ولا يشق عليه ويكون بذلك صيانة الميت فلا يحتاج – حينئذ – على الزيادة على ذلك.
والحمد لله رب العالمين.
مسائل:
المسألة الأولى: في حكم الصلاة على الجنائز بين القبور؟
في هذه المسألة عن الإمام أحمد ثلاث روايات:
الرواية الأولى، وهي المشهورة: أن ذلك جائز، واستدل بما رواه عبد الرزاق في مصنفه عن نافع قال: (صلينا على عائشة وأم سلمة وسط البقيع بين القبور والإمام أبو هريرة وحضر ذلك ابن عمر) .
الرواية الثانية: أن ذلك مكروه، وهو مذهب طائفة من الصحابة والتابعين.
الرواية الثالثة: أن ذلك محرم.
ودليل هاتين الروايتين ما رواه الطبراني في الأوسط والضياء في المختارة عن أنس رضي الله عنه: " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الصلاة على الجنائز بين القبور " 1 وإسناده حسن.
وأصح هذه الأقوال: القول بكراهية ذلك، وأن هذا النهي يحمل على الكراهية لما تقدم من فعل الصحابة رضي الله عنهم، وللفرق بين الصلاة ذات الركوع والسجود وبين الصلاة على الجنائز بين القبور، فإن الصلاة ذات الركوع والسجود يخشى فيها ما يخشى من فتح باب الشرك، بخلاف الصلاة التي إنما هي قيام وتكبير ودعاء وقراءة للقرآن، وقد فعلها النبي صلى الله عليه وسلم في البقيع على قبر فدل ذلك على أن أصل الصلاة في المقابر ليس حكمها كحكم الصلاة ذات الركوع والسجود.
فعلى ذلك: الأظهر كراهية ذلك.
المسألة الثانية: أنه يكره للنساء اتباع الجنائز، ودليل ذلك ما ثبت في الصحيحين عن أم عطية قالت: (نهينا عن اتباع الجنازة ولم يعزم علينا) (2) أي لم يعزم علينا بالنهي فيكون ذلك تحريماً وإنما هو للكراهية، ودليل أن ذلك ليس للتحريم ما ثبت في مسند أحمد بإسناد صحيح: (كان النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة فرأى عمر امرأة فصاح بها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (دعها يا عمر فإن العين دامعة والنفس مصابة والعهد قريب) (3) ، فالنهي للكراهية، كما هو المشهور في مذهب أحمد وغيره وهو مذهب جمهور العلماء.
المسألة الثالثة: لا يجوز أن تتبع الجنازة بصوت ولا نار.
بصوت: من ذكر أو قراءة للقرآن أو نعي للميت.
أو بنار: لغير حاجة فلا يقصدون الاستضاءة بها وإنما هو حدث في الدين، أما إذا كانوا محتاجين إليها للاستضاءة فلا بأس بذلك.
ودليل هذه المسألة: ما رواه أبو داود والحديث حسن بشواهده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تتبع الجنازة بصوت ولا نار) .
ورفع الأصوات عند الجنائز من هدي اليهود وقد أمرنا بمخالفتهم.
وروى البيهقي عن قيس بن عباد قال: (كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يكرهون رفع الصوت عند الجنائز وعند القتال وعند الذكر) (1) .
المسألة الرابعة: أن اتباع الجنازة ثبت له فضل عظيم، فقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان قيل: وما القيراطان يا رسول الله؟ قال: مثل الجبلين العظيمين) (2) .
وهل يثبت الثواب المذكور بمجرد الصلاة أم حتى يتبعها من أهلها؟
ثبت في صحيح مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من خرج مع الجنازة من بيتها) (3) وتقدم أثر أبي الدرداء وقال: (من تمام أجر الجنازة إلى أن قال: وأن يتبعها من أهلها) (4) .
استظهر ابن حجر أن الاتباع من بيتها وإلى المسجد وسيلة إلى الصلاة عليه متقصد منه الصلاة عليها، فحينئذ يثبت الأجر ولو لم يتبعها؛ لأن المقصود من ذلك الصلاة.
وفي ذلك نظر، فإن الاتباع مفضل بذاته بالأجر، فإنه له ثواب مختص، ولكن مع ذلك فإن الحكم الذي ذكره راجح وإن كان التعليل المتقدم فيه نظر.
وإنما ينبغي أن يقال – وهو مذكور من الحافظ – أن الثواب يختلف، مع ثبوت أصله: فلمن صلى عليها قيراط، ولمن اتبعها من بيتها فصلى عليها قيراط، وإن كان القيراطان ليستا بدرجة واحدة بل هما متفاوتان.
ودليل ذلك ما ثبت في مسند أحمد وصحيح ابن حبان بإسناد صحيح عن أبي سعيد الخدري قال: (لما كان مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا حضر الميت حضره النبي صلى الله عليه وسلم فاستغفر له حتى يقبض فربما طال عليه ذلك فخشينا مشقة ذلك عليه، فقال بعض القوم: لو كنا لا نؤذن النبي صلى الله عليه وسلم حتى يقبض قال: ففعلنا فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حضر استغفر له وربما مكث حتى يدفن قال: ثم قلنا لو كنا نحضر جنائز موتانا إلى النبي صلى الله عليه وسلم عند بيته لكان ذلك أرفق بالنبي صلى الله عليه وسلم وأيسر له فكان الأمر على ذلك إلى اليوم) (1) . فدل ذلك على أن الأمر الذي استقر في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان لا يأتي إلى البيت فيتبع الجنازة بل كان تحضر له الجنائز عند بيته فيصلي عليها، فدل ذلك على أنه يثبت هذا القيراط وإن لم يتبعها من بيتها، لكن أن اتبعها من بيتها فإنه له قيراطاً أعظم من قيراط الأول.
أما القيراط فيمن تبعها حتى تدفن، هل يكون بوضعها في اللحد أم يكون حتى يفرغ من دفنها؟
في صحيح مسلم: (حتى توضع في اللحد) وظاهره أنها متى وضعت في اللحد.
وقيل: أن يوضع عليها اللبن ويهال عليها التراب ويفرغ من دفنها أنه يثبت له القيراط.
وفي رواية البخاري: (حتى يفرغ من دفنها) وعند أبي عوانة: (ويسوى عليها التراب) .
وكما قلنا في المسألة السابقة نقول في هذه المسألة فلكل قيراط لكن ذلك مع التفاوت.
المسألة الخامسة: يستحب أن يُدخل الميت من قبل رجلي القبر فيؤتى به من قبل رجلي القبر " أي المكان المختص بالرجلين " فيوضع الرأس بسمته ثم يسل سلاً حتى يوضع الرأس في موضعه ثم تنزل القدمان في موضعها؛ لما ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح عن عبد الله بن زيد: (أنه أدخل الميت من قبل رجلي القبر وقال: هذا من السنة) .
وأما ما رواه الترمذي من أنه يدخل من قبل القبلة، فإن الحديث فيه الحجاج بن أرطاة ومنهال بن خليفة وهما ضعيفان.
فالصحيح مذهب الجمهور من أنه يدخل من قبل رجلي القبر ثم يسل سلاً حتى يدخل في القبر.
المسألة السادسة: أنه يستحب أن يوقف عند قبره قليلاً بعد الفراغ من دفنه ويستغفر له؛ لما ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح عن عثمان قال: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل) .
وهل يستحب تلقينه أم لا؟
المشهور في مذهب الحنابلة والشافعية استحباب ذلك، واستدلوا بحديث وأثر.
أما الحديث بإسناد ضعيف جداً، وهو ما رواه الطبراني عن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه: (يقال: له يا فلان ابن فلانة فحينئذ يسمع ولا يجيب ثم يقال: يا فلان بن فلانة فيجلس ثم يقال يا فلان بن فلانة فيقول: أرشدوني أرشدكم الله ثم يرشد ويلقن بلا إله إلا الله وبملة الإسلام وبنبوة محمد صلى الله عليه وسلم فيتولى عنه منكر ونكير ويقولان: كيف بكم برجل قد لقن حجته " قال الهيثمي: (فيه رجال لا اعرفهم) وقد ضعفه ابن القيم وابن حجر والنووي والعراقي وابن الصلاح وغيرهم.
وأما الأثر فهو ما رواه سعيد بن منصور في سننه عن ضمرة بن حبيب قال: (كانوا يستحبون – أي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم – إذا سوي على الميت قبره وانصرف عنه الناس أن يقال له: يا فلان قل لا إله إلا الله – ثلاثاً – يا فلان قل ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم) لكن هذا الأثر ضعيف فإن فيه أبو بكر ابن أبي مريم وهو ضعيف.
وذهب الأحناف: إلى كراهية ذلك.
وهو الصحيح؛ فإن ذلك لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو بدعة ولم يصح لنا عن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وإنما يستحب أن يدعى له ويسأل له التثبيت ويستغفر له – من غير أن يلقن ذلك.
وهل يستحب أن يوقف على القبر طويلاً أم لا؟
لا يستحب ذلك؛ لعدم وروده عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن إن فعل فلا بأس، فقد ثبت في مسلم عن عمرو بن العاص قال: (إذا مت فقوموا على قبري قدر ما تنحر جزور ثم يقسم حتى أستأنس بكم وأعلم بما أراجع به رسل ربي)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويكره تجصيصه)
فيكره أن يجصص القبر وأن يزخرف ويزين.
هذا للكراهية في المشهور من المذهب وغيرهم من الفقهاء.
واستدلوا: بما ثبت في مسلم عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى أن يخصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه) .
والصحيح أن هذا النهي للتحريم؛ كما هو ظاهر الحديث، وهو ما اختاره الصنعاني.
بل ذلك من كبائر الذنوب فهو فتح لباب الشرك الأعظم فإن من أعظم ذرائع الشرك تعظيم القبور بتجصيصها والبناء عليها وزخرفتها، وهي مما كان عليه اليهود النصارى ومما وقعت هذه الأمة بالتشبه بهم فيه.
فعلى ذلك هذا من أعظم المنكرات فلا يقال بكراهيته فحسب بل هو محرم مقطوع بتحريمه لأن النص فيه، ولو لم يثبت النص به فهو محرم قطعاً؛ لأنه ذريعة إلى الشرك فكيف وقد نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: (والبناء عليه)
فهو محرم كما تقدم.
قال: (والكتابة)
الكتابة على القبر مكروهة.
ودليله ما ثبت في النسائي من حديث عامر بن ربيعة: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى أن يكتب عليه) .
وظاهر ذلك المنع مطلقاً سواء كانت الكتابة مزخرفة أم لا، وسواء كانت الكتابة فيها ألفاظ ثناء على الميت أم لم يكن فيها ذلك، فإنها منهي عنها مطلقاً ولا شك أنها ذريعة إلى الشرك.
لكن قال الحاكم في مستدركه: (وليس العمل على هذا عند أهل العلم فإن أئمة المسلمين في الشرق والغرب مكتوب على قبورهم) .
وتعقبه الذهبي: بأن هذا لم يصح عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وإنما فعله بعض التابعين فمن بعدهم ممن لم يبلغهم الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، فالصحيح أن ذلك لا يجوز.
- لكن هل يجوز أن يكون ذلك علامة إن لم يتمكن أهل الميت أن يضعوا علامة عليه لكثرة القبور وعدم التمييز بغير الكتابة؟
ذهب طائفة من أهل العلم إلى جواز ذلك، وإنها إذا وضعت الكتابة مجردة واكتفى بالاسم فحسب فإن ذلك لا بأس به بشرط ألا يتمكن من وضع علامة غيرها، وذلك للحاجة إلى معرفة قبر الميت.
فقد ثبت في سنن أبي داود أن صلى الله عليه وسلم: (وضع صخرة عند رأس عثمان بن مظعون وقال: أتعلم بها قبر أخي وأدفن إليه من مات من أهلي) . وهذا القول حسن إن شاء الله.
وفي هذا الحديث فائدة وهو أن قبر الميت ودفنه عند خاصته وأقاربه ومعارفه وعند أهل الخير والصلاح أمر حسن فقد فعله النبي صلى الله عليه وسلم فوضع علامة عند قبر عثمان بن مظعون وكان من خيار الصحابة وعبادهم وذلك أيضاً: لتسهل عليه الزيارة فيأتي بالزيارة الواحدة فيجمعهم.
فلا بأس أن يتقصد المقابر التي فيها الصالحون كما تقدم في قوله صلى الله عليه وسلم: (وأدفن إليه من مات من أهلي) قال: (والجلوس) الجلوس على القبر منهي عنه، وقد تقدم قول جابر في نهي النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وأن يقعد عليه) ، وفي مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لأن أن أمشي على جمرة أو سيف أو أخصف نعلي برجلي " وهو من الأمور المعجزة التي تشق على النفس " أحب إلى من أن أمشي على قبر مسلم، وما أبالي أَوَسَطَ السوق قضيت حاجتي أم وسط القبور) رواه ابن ماجه.
وهذا فيه النهي عن المشي ولا شك أن المشي أعظم من القعود.
وفيه – أيضاً – النهي عن قضاء الحاجة في المقابر، أما على القبر فهو محرم – في المشهور من المذهب –، وأما بين القبور فقد كرهه الإمام أحمد كراهية شديدة، ونص بعض أصحابه على أنه محرم – وهذا هو الظاهر؛ لما فيه من أذية الميت والميت له حرمته.
ولا شك أن فعل ذلك على القبر محرم قطعاً، وإن كان فعله بين القبور أهون من ذلك.
ويكره له في المشهور من المذهب أن يمشي بين القبور في نعليه لما روى الخمسة إلا الترمذي بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يمشي بين القبور بنعليه فقال: (يا صاحب السبتيتين ويحك ألق سبتيتيك) .
والحدث ظاهره التحريم فإن النبي صلى الله عليه وسلم زجر عن ذلك وأمر بالقاء السبتيتين، وظاهر ذلك تحريم هذا، وإلى هذا نحا ابن حزم والشوكاني وأن المشي بين القبور بالنعال محرم، وهو قول قوي.
لكن يستثنى من ذلك إن احتاج إلى المشي بالنعال كأن تكون المقبرة ذات شوك أو أن تكون الأرض باردة أو شديدة الحرارة، أو أن يكون به مرض يتأذى من المشي حافياً فحينئذ لا حرج عليه بأن يمشي حافياً.
وأما ما أجاب به الخطابي من أن ذلك في النعلين السبتيتين فحسب لأنهما من لباس الخيلاء، فهذا ضعيف؛ فليستا من لباس الخيلاء، فقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم: (لبس النعال السبتية) .
فعلى ذلك: ينهى عن المشي بين القبور بالنعال إلا أن يحتاج إلى ذلك.
كما أنه ينهى عن الحديث بأمر الدنيا وعن الضحك ونحو ذلك؛ لأن الموضع موضع تذكر واتعاظ فينافي ذلك مقصود الشارع مما يكون في زيارة المقابر واتباع الجنائز من الاتعاظ والتذكر ونحو ذلك، والاشتغال بالضحك والحديث بالدنيا ينافي هذا، فكان ذلك منهيا عنه تحصيلاً لمقصد الشرع من اتباع الجنازة وزيارة المقابر.
قال: (والوطء عليه والاتكاء إليه)
وهذا لما تقدم فإن هذه من جنس ما وردت به الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: (ويحرم فيه دفن اثنين فأكثر)
واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين عن هشام بن عامر رضي الله عنه قال: (لما كان يوم أحد شكونا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقلنا: إن الحفر لكل إنسان شديد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: احفروا وأعمقوا وأوسعوا واجعلوا الرجلين والثلاثة في القبر الواحد) .
قالوا: فهذا يدل على أن الأصل أن يقبر الميت في قبره وحده، وهذا كما فعل بعثمان بن مظعون وغيره من الصحابة.
وما ذكره الحنابلة من نظر.
فقد وجد جمهور أهل العلم وهو اختيار المجد بن تيمية واختار ابن عقيل وشيخ الإسلام: إلى أن ذلك للكراهية، فيكره أن يدفن في القبر الواحد اثنان فأكثر من غير تحريم، وهو الراجح.
لأن ما ذكره الحنابلة لا يقوى على تحريم ذلك، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم – من دفنهم في قبر واحد – يدل على مشروعية ذلك واستحبابه من غير أن يدل على أن خلافه محرم وأنه يجب أن يدفن الميت في قبر واحد.
فعلى ذلك – كما ذهب جمهور العلماء واختاره طائفة من أصحاب أحمد كالمجد بن تيمية وابن عقيل وصاحب الفروع وشيخ الإسلام - أنه لا بأس بذلك لكنه مكروه.
أما عند الحاجة إليه فلا بأس، كأن يكثر القتلى إما لوباء أو لقتال أو نحو ذلك فيشق على الناس أن يخصوا كل ميت بقبر، فيدفنوا الاثنين والثلاثة بقبر واحد فلا حرج.
قال: (ويجعل بين كل اثنين حاجز من تراب)
لم أر دليلاً يدل على ذلك ولم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك أو أمر به لما دفن قتلى أحد على الطريقة المتقدمة.
وعللوا ذلك: بأن هذا يجعل كل واحد منهما بمنزلة من له قبر مختص به – ولا بأس بذلك لكن من غير أن يقال باستحبابه فلم يثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.
مسألة حكم نبش القبر؟
هو محرم، وقد ثبت في موطأ مالك عن عَمْرة بنت عبد الرحمن أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لعن المختفي والمختفية) قال مالك: يعني نباش القبور.
وهذا الحديث ورد مسنداً عن عمرة عن عائشة فيما رواه عبد الله بن عبد الوهاب ويحيى بن صالح عن الإمام مالك، فرووه مسنداً عن عمرة عن عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
فنبش القبر محرم ولا يجوز ذلك إلا لمصلحة فإذا ثبتت المصلحة فلا بأس بنبشه كأن يدفن من غير تغسيل فيجوز أن ينبش ليكفن ويغسل.
أما لو دفن من غير أن يصلى عليه؟
ففي هذه المسألة قولان لأهل العلم:
أصحها أنه لا ينبش بل يصلى على القبر لصحة الصلاة عليه في القبر فلا نحتاج إلى أن ينبش قبره.
ومثل ذلك: إذا دفن الاثنان في قبر واحد، فأحب أهل الميت بعد أن تفرعوا للميت أن ينبشوه فيضعوه في قبر منفرد.
أو كانت الأرض فيها مشاحة واختلاف فاحتيج إلى أن ينقل منها إلى موضع آخر فلا بأس بذلك، وقد ثبت في البخاري عن جابر – في قصة قتلى أحد ودفن أبيه مع غيره في قبر - قال: وقد دفن معه غيره فلم تطب نفسي بذلك فاستخرجته بعد ستة أشهر) .
ومثل ذلك: لو وضعت مقبرة ثم ثبتت المصلحة بنقلها إلى موضع آخر فلا حرج بنبش القبور إلى موضع آخر.
قالوا: ولا بأس بنبشها أو الزرع عليها أو البناء ونحو ذلك إذا أصبحت رميماً تراباً قد ذهب عظمها فلم يبق منه شيء، وحكى صاحب الفروع: اتفاق أهل العلم على ذلك.
فحرمة القبر للميت مرتبطة فيما إذا كان على هيئته أو قد بقي شيء من عظامه، أما إذا أصبح رميماً تراباً فإنه لا حرمة لقبره، فيجوز أن يزرع عليه أو ينبش.
ولم منهم تصريحاً أن حرمته تنتهي مطلقاً، بل الظاهر أن ما تقدم من النهي - عن الجلوس ونحو ذلك – يبقى، لكن يجوز أن ينبش فيدفن معه غيره فيه.
والمدة التي يصبح بها الميت رميماً تراباً يعرفها أهل الخبرة فإذا مضت السنوات التي يعلم بالظن الغالب أن الميت قد أصبح رميماً فيجوز أن ينبش قبره ثم يوضع ميت آخر.
ولم أر في هذه المسألة خلافاً بين أهل العلم، وقد نص عليها الحنابلة والشافعية والمالكية وغيرهم ولم أر فيها خلافاً وهي مسألة قديمة.
فقد ثبت في موطأ مالك بإسناد صحيح عن عروة بن الزبير قال: (لا أحب أن أدفن في البقيع، لأن أدفن في غيره أحب إلى من أدفن فيه فإنما هو أحد رجلين إما ظالم فلا أحب أن أدفن معه وإما صالح فلا أحب تنبش عظامه) .
فإن نبش وقد بقيت عظامه؟
فقال الحنابلة يعاد القبر كما كان ولا يقم عليه غيره ما بقيت عظامه.
قال الشافعية وهو رواية عن الإمام أحمد واختيار الخلال من أصحابه: أنه لا بأس بذلك.
وهذا هو القول الراجح، فإن النبش قد حصل فحينئذ لا مانع أن يدفن، فقد حصل هذا النبش واحتيج إلى هذا القبر في الدفن فحينئذ يدفن معه مع بقاء عظامه، أما إذا بقي على حالته فإنه لا يدفن معه، فإن دفن معه فلا بأس – كما تقدم في مذهب الجمهور خلافاً للحنابلة.
فمن ظن بقاء عظامه فلا يجوز نبش قبره، وكذلك القبور المعظمة عند أهل الإسلام لعظمة أهلها في دينهم وصلاحهم فإن هؤلاء مظنة أن تبقى أبدانهم فلا ينبغي أن يتعرض إليها.
اعلم أن المستحب أن يتولى دفن الميت أولياؤه من الرجال، وأن النساء لا يستحب لهن مطلقاً أن يتولين الدفن؛ وذلك لأنه مظنة لخروج شيء من سترها والمرأة مأمورة بأتم ما يكون من الستر، ولا شك أن الدفن مظنة لخروج شيء من بدنها فكان ذلك مختصاً بالرجال.
وأحق الناس أولياء الميت، فقد ثبت في الحاكم بإسناد صحيح أن علياً والعباس والفضل وصالح مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هم الذين تولوا دفنه – عليه الصلاة والسلام –.
لكن يستحب ألا يكون المشتغل بالدفن ممن قارف ليلته تلك أهله - أي جامع أهله -، فقد ثبت في البخاري عن أنس قال: (شهدنا زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم والرسول صلى الله عليه وسلم جالس على القبر فرأيت عينيه تذرفان فقال: هل منكم من أحد لم يقارف الليلة فقال: أبو طلحة: نعم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: انزل في قبرها، فنزل فقبرها) .
وهذا يدل على أنه لا بأس أن يتولى دفن المرأة من لم يكن من محارمها وإن كان المستحب أن يكون ذلك من محارمها؛ لأن مظنة الشهوة بعيدة في هذا الموضع فتكون شبيهة بمحارمه فإن الميتة لا تشتهى.
والمحرم أولى، فقد ثبت في البيهقي: (أنه لما ماتت زينب بنت جحش قالت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يتولى ذلك – أي دفنها – من كان يراها في حياتها فقال عمر: صدقتن) .
والحمد لله رب العالمين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ولا تكره القراءة على القبر)
فلا بأس أن يقرأ على القبر من القرآن كسورة الفاتحة ويَس أو غير ذلك – هذا في المشهور من مذهب الحنابلة –، وذكروا في ذلك حديثاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من جاء إلى المقابر فقرأ فيها يس خفف عنهم وكان له بعددهم حسنات) لكن الحديث لا يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ومذهب قدماء أصحاب الإمام أحمد وهو مذهب المالكية والأحناف: كراهة ذلك، بل هو بدعة كما صرح به الإمام أحمد في رواية عنه؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يدعو لأهل القبور في المقبرة ولم يصح عنه أنه قرأ شيئاً من القرآن، ولم يثبت ذلك عن أحد من أصحابه فكان حدثاً وبدعة.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم – فيما رواه مسلم -: (ولا تجعلوا بيوتكم قبوراً فإن الشيطان يفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة) فهنا شبه النبي صلى الله عليه وسلم البيوت التي لا تقرأ فيها القرآن بأنها مقابر، فدل ذلك على أن المقابر ليست مجالاً لقراءة القرآن.
فالصحيح مذهب المالكية والأحناف واختيار شيخ الإسلام وهو رواية عن الإمام أحمد من النهي عن ذلك بل هو بدعة.
قال: (وأي قربة فعلها)
أي قربة سواء كانت صلاة أو صياماً أو حجاً أو ذكراً أو قراءة للقرآن أو دعاء أو صدقة أو نحو ذلك من الأعمال الصالحة وجعل ثوابها لميت مسلم أو حي، نفعه ذلك وبلغه ثواب العمل – أي قربة كانت فهو يصل الحي والميت، وهذا هو المشهور في المذهب.
وقال بعض الحنابلة: لا يكون إلا للميت أما الحي فليس محتاجاً إلى العمل؛ ولأنه يترتب على ذلك مفاسد عظيمة من تواكل كثير من الناس على غيرهم في العمل على ابن وغيره مع كونه قادراً على العمل بل ربما دفعت الأجرة على العمل الصالح ونحو ذلك.
وهذا القول – على القول بهذه المسألة وسيأتي الخلاف فيها - أصح وهو أنه مختص بالميت دون الحي، فإن الحي لا يحتاج إلى العمل ولأن ذلك يترتب مفاسد عظيمة – وتقدم ذكر شيء منها.
قالوا: ويشترط أن ينوي ذلك بعمله، فلا يعمله ثم ينوي الثواب لغيره، فإذا فعله ثم نوى الثواب لم يجزئ ذلك.
قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أذن به على هذه الصورة فقال: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) وقال: (حجي عنها) ونحو ذلك من الأحاديث التي تقتضي أن يكون العمل من أصله متوجهاً إلى الميت.
قالوا: ولأن الأثر يترتب على الفعل، فإذا ثبت الأثر على الفعل فإنه لا يتزحزح عنه، والأثر هنا هو الثواب، كالولاء فإن من اعتق عبداً فإنه يثبت له ولاؤه، فلو نوى الثواب لأحد من الناس فإن الولاء يبقى له.
وقال بعض الحنابلة: بل لا يشترط ذلك؛ فإن الثواب ملكه فإذا تصدق به بعد ذلك فلا حرج.
والأظهر ما تقدم فإن الثواب أثر للعمل فكان شرطاً فيه أصلاً.
قالوا: ولا يشترط أن يهدي الثواب كله، فلو تصدق بصدقة ونوى أن يكون شطر ثوابها له وشطر ثوابها للميت فإنه لا حرج في ذلك، وهذا أمر ظاهر.
إذن: أصل المسألة أن الميت يصل إليه الثواب الناتج من عمل أحد من الناس وأنه ينتفع بذلك.
واعلم أن أهل العلم قد اتفقوا على أن الدعاء والاستغفار والصدقة وأداء الواجبات في الجملة – أن الميت ينتفع بها.
قال تعالى: ﴿والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان﴾ ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل) ، وقال صلى الله عليه وسلم: (إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء) .
وغير ذلك مما هو في باب الدعاء والاستغفار وأن الآخر ينتفع بدعاء غيره واستغفاره له ومن ذلك الميت، وأما الصدقة فثبت في الصحيحين عن عائشة: (أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أمي افتلتت نفسها ولم توص وأظنها لو تكلمت تصدقت أفلها أجر إن تصدقت عنها؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: نعم) ، وثبت في البخاري عن عباده: (أن أمه توفيت – وهو غائب فقال: يا رسول الله إن أمي ماتت وأنا غائب فهل ينفعها إن تصدقت عنها؟ فقال: نعم فقال: أشهدك أن حائطي المخراف صدقة عنها) .
وأما أداء الواجبات، فقد قال صلى الله عليه وسلم – لمن سألته عن الحج: (أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ قالت: نعم قال: فدين أحق الله بالقضاء) متفق عليه، وقال: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) .
فهذه الأحاديث تدل إلى أن الاستغفار والدعاء والصدقة وأداء الواجبات في الجملة – وفي المسألة تفصيلاً ليس هذا محله –، هذه الأربع قد اتفق العلماء على أنها تنفع الميت.
وشذ بعض أهل العلم كالشوكاني – خلافاً للإجماع الذي ذكره النووي وقال: إنما ينفع ذلك من الولد دون غيره والإجماع المذكور من النووي يخالف ذلك.
وأما ذكر الله من استغفار ودعاء من بعدهم يدل على أن ذلك يقبل ولو كان من غير ولده، على أن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث مسلم الآتي إنما نص على دعاء الولد ومع ذلك فإن الدعاء بدلالة الكتاب والسنة الصريحة قد دلا على أن الدعاء يصل إلى الميت وهؤلاء الناس يجتمعون على الميت فيدعون له ومنهم الولد وغيره بالإجماع.
فهذه الأربع تصل إلى الميت مطلقاً.
*واختلف أهل العلم في بقية القرب هل تصل أم لا؟
- فقال الحنابلة وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم: تصل إلى الميت.
واستدلوا: بما تقدم من الأدلة.
فقالوا: الصوم يدل على الانتفاع بالعبادات البدنية، والحج يدل على الانتفاع بالعبادات البدنية والمالية والصدقة تدل على الانتفاع بالعبادات المالية.
قالوا: فتلك الأدلة دالة على جواز الكل.
قالوا: وقد ثبت في سنن أبي داود بإسناد حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال – لعمرو بن العاص في أبيه: (إنه لو كان مسلماً فأعتقتم عنه أو تصدقتم عنه أو حججتم عنه بلغه ذلك) والحديث إسناده حسن من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
قالوا: فهذا الحديث يدل على أن الحج عن الميت مطلقاً سواء كان تطوعاً أو فريضة أن ذلك يجزئ عنه.
- وشذت طائفة من المبتدعة ولا يقول بذلك إلا أهل البدع فقالوا: إن الميت لا يصل إليه شيء من الأحياء مطلقاً، لا دعاء ولا صدقة ولا استغفار ولا غير ذلك.
وهذا القول لا يلتفت إليه، ولكني ذكرته لئلا يفهم كلام شيخ الإسلام فهماً خاطئاً فإنه لما ذكر هذه المسألة قال: ولا يقول بذلك إلا أهل البدع يعني بذلك من نفي الانتفاع مطلقاً، وأما من نفى الانتفاع بغير الأربع فإنه يقول به أكثر أهل العلم كما سيأتي.
وقول [أهل] البدع هذا – مخالف الكتاب والسنة وما ثبت بإجماع العلماء.
أما القول الثاني في هذه المسألة، فهو ما ذهب إليه جمهور أهل العلم: وهو أن الميت لا ينتفع إلا بما تقدم ذكره من الأربع، أما غيرها من الأعمال فإنه لا ينتفع به.
واستدلوا: بقوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ .
قالوا: فهذه الآية حاصرة، فإن الإنسان ليس له من عمله إلا ما سعاه، أما ما لم يسعه مما أهدي إليه، فإن ذلك لا يصل إليه.
ويستثنى من ذلك ما وردت به السنة وهو ما ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) .
قالوا: فهذا في الحقيقة من سعيه فإنه متصرف ظاهر في ولده كما هو متصرف ظاهر في العلم والصدقة، فالولد كسب لأبيه، وإنما ذكر هذا النبي صلى الله عليه وسلم لأن هذا من عمله.
وأما الدعاء من الغير فليس هو من عمل الإنسان لكن دلت الأدلة المتقدمة أن ذلك يصل إليه.
وأجاب شيخ الإسلام على الاستدلال بالآية – وهو أصح جواب أورد على الاستدلال بالآية – أجاب وذكر ذلك ابن القيم مقراً له –: " أي ليس للإنسان مالكاً لغير سعيه، فالنفي هنا متوجه إلى ملكه، وأنه لا يملك شيئاً من الأعمال إلا ما سعاه، وليس فيه نفي الانتفاع فإنه قد ينتفع بعمل غيره ".
وفيما قاله – رحمه الله تعالى – نظر، فإن العمل إنما يستفاد منه الانتفاع، وإلا فإن الآية لا يكون لها فائدة، إذ هذا النفي لا يتوجه إلى شيء فإن العمل إنما يقصد منه الانتفاع فإذا عمل الغير له ونفينا أن العمل له وأثبتنا الانتفاع، فإن الآية لا تكون متوجهة إلى إفادة فهذا ممتنع في القرآن غاية الامتناع.
فالأصح ما ذهب إليه جمهور العلماء – والمسألة فيها قوة – وأنه لا يصل إلى الميت إلا ما تقدم.
مما يدل على ذلك ما تقدم في مسألة التفريق بين الحي والميت فإن أصل هذه المسألة هو إجازة هذا الثواب للغير، وأن الثواب ملك له فيجوز أن يهديه للغير وحينئذ لا فرق في الحقيقة بين الحي والميت، وهذا مما يضعف هذا القول.
فنحن لو أجزنا الإهداء إلى الميت لأن هذا الحي الثواب ملك له فيجوز أن يهديه لأي أحد، فيجوز له مادام ملكاً له أن يهديه للحي أيضاً كما هو المشهور في المذهب، – وحينئذ – يكون هذا مما يضعف القول؛ لأن الإهداء إلى الحي فيه مفاسد كثيرة تقدم ذكر شيء منها.
ولأن ذلك لم يكن من هدي السلف الصالح – وهذا شيخ الإسلام قال: إنه ليس من عادة السلف إهداء الثواب وأن ذلك لا ينبغي وأن هديهم أفضل وأكمل.
كما أن فيه إيثاراً في القربة، فهي قربة وعمل صالح يتقرب به العبد إلى الله فكيف يهديه إلى غيره.
فإن قيل: ألا تقاس سائر الأعمال على ما تقدم ذكره؟
فالجواب: إن هذا قياس مع الفارق، فإن الصدقة فيها انتفاع متعد، والدعاء فيه انتفاع متعد وانتفاع للشخص، فإن الملك يقول: (ولك بمثل) كما ثبت في مسلم.
وأما قضاء الدين عنه، فإن هذا واجب عليه، فكان في فعله فرق بين ذلك وفيه إرادة الثواب المحضة فلم يكن القياس صحيحاً مع ثبوت الفارق فإن الفوارق ظاهرة، فإن الصدقة نفعها متعد ومثل ذلك العتق، والشارع متشوف إلى إثباتها، والأحياء يحبون أن يوصلوا الثواب إلى أمواتهم فإذا فتح باب الصدقة وأغلق غيره انتفع بذلك الفقراء وحصل ما يتشوف إليه الشارع من إزالة الفقر عنهم وغير ذلك من مقاصد الشرع الثابتة في الصدقة.
والدعاء ينتفع به الشخص وينتفع به الغير فليس كالتخلي عن الثواب، وأما الديون [لعل صوابها: "الصوم" (محمد خليفة) ] فإنها بمعنى الدين على الآدمي وفيها تبرئة لذمة الميت وفيها تطييب لخاطر الحي فإنه إذا قام بالعمل المفترض على ميته وكان ديناً له على الله أو غيره كان ذلك تطيباً لقلبه.
فالراجح مذهب الجمهور.
قال: (وسن أن يصلح لأهل الميت طعام يبعث به إليهم)
هذا أمر مستحب، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم – فيما رواه الخمسة إلا النسائي -: (اصنعوا لآل جعفر طعاماً فقد أتاهم ما يشغلهم) .
فيستحب أن يصنع لأهل المصيبة طعاماً فهم منشغلون عن حاجتهم إلى الطعام والشراب.
وقد قيد المجد وهكذا صاحب الروض: بثلاثة أيام – وهذا التقييد لا دليل عليه، فقد يكون ذلك يوماً أو يومين أو ثلاثة أو أكثر من ذلك بحسب تأثر أهل الميت بالمصيبة.
قال: (ويكره لهم فعله للناس)
يكره لهم وينهون أن يصنعوا الطعام لمن يجتمع عندهم من الناس، فقد ثبت في مسند أحمد وسنن ابن ماجه عن جابر قال (كنا نَعُدُّ الاجتماع عند أهل الميت وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة) (1) .
وذهب بعض أهل العلم من الحنابلة: إلى أن ذلك يحرم، وهو أصح؛ لقول الصحابي " من النياحة " والنياحة محرمة، فلا يجوز لهم أن يصنعوا الطعام للناس، بل الاجتماع عند أهل الميت من النياحة كما تقدم في قول الصحابي، وقد نص على كراهيته الإمام أحمد والشافعي وغيرهم من أهل العلم وأن الاجتماع عند أهل الميت مكروه بل هو من النياحة كما تقدم في قول جابر.
فصل
قال: (تسن زيارة القبور) .
لقوله صلى الله عليه وسلم: (إنى كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزروها) زاد أحمد وأبو داود وغيرهما: (فإنها تذكركم الآخرة) ، وفي الحاكم من حديث أنس: (فإنها ترق القلب وتدمع العين) . فيستحب للمسلم أن يزور القبور، وإذا زارها فإنه يأتي من قبل وجهه، فيستدبر القبلة ويستقبل وجه الميت فيدنو منه – كما يفعل في زيارته للحي، وفي ذلك حديث حسنه الترمذي وفيه: وفيه قابوس بن أبي ظبيان وهو ضعيف أن النبي صلى الله عليه وسلم: (أتى قبور المدينة فاستقبل القبور بوجهه) لكن الحديث ضعيف.
لكن زيارة الميت في حكم زيارة الحي، فإن الحي إذا زير استقبل وجهه ودني منه فكذلك الميت – وهذا ما عليه عمل أهل العلم.
وليس عن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لزيارة القبور بل ذلك على حسب ما يحتاج إليه المسلم من تذكر الآخرة أو ما يصل به ميته، وليس في ذلك حد محدود فيه أو يوم معين يستحب فيه الزيارة.
قال: (إلا النساء)
فلا يشرع زيارة القبور لهن – وهذا من المشهور في مذهب أحمد وأنه يكره للنساء أن يزرن القبور وهناك قولان سوى هذا القول:
أحدهما: أن الزيارة للنساء محرمة، وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه.
والثاني: أنها مباحة، وهو مذهب أكثر أهل العلم وهو رواية عن الإمام أحمد.
استدل الناهون عن ذلك: بما روى الترمذي وابن ماجه وهو ثابت في مسند أحمد وصحيح بن حبان من حديث عمرو بن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوارات القبور) وعمرو بن أبي سلمة صدوق إلا أن في حفظه بعض الضعف، والحديث حسن لا ينزل عن درجة الحسن، فهذا الضعف اليسير في حفظه لا يؤثر في الحديث.
وله شاهد من حديث حسان بن ثابت – عند ابن حبان أن النبي صلى الله عليه وسلم: (لعن زوارات القبور) وفيه ابن بهمان وهو مجهول، لكنه يشهد للحديث المتقدم، على أنه قائم بنفسه إن شاء الله، وقال ابن حبان في روايته حديث أبي هريرة: (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور) ، وبقية المصنفين الذين خرجوا هذا الحديث أتوا بلفظة " زوارات "، وهو أصح، فقد أتى بها الإمام أحمد والترمذي بلفظة " زوارات "، وما ذكره جمهور المصنفين يشهد له حديث حسان المتقدم.
فعلى ذلك الصحيح في حديث أبي هريرة ما ذكره عامة المصنفين: (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوارات القبور) .
واستدلوا: بما رواه ابن ماجه والترمذي وغيرهما من حديث ابن عباس قال: (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج) .
فهذا دليل يدل على النهي عن زيارة القبور وهو صريح في النهي عن الزيارة أصلاً.
لكن الحديث فيه: أبو صالح باذام وصبطت باذان وهو ضعيف الحديث ولا يلتفت لما قاله ابن حبان من أنه صالح الراوي عن ابن عباس وهو ثقة.
فإن عامة أهل العلم كالترمذي والمزي والإشبيلي والمنذري وابن دحية وغيرهم من أهل العلم صرحوا بأنه أبو صالح باذام وهو ضعيف كما صرح بذلك الترمذي في سننه وغيره.
وقد ورد هذا في بعض أسانيده مصرحاً " عن أبي صالح باذام عن أبي هريرة "، فعلى ذلك الحديث إسناده ضعيف.
هذا أدلة الحنابلة القائلين بالنهي عن زيارة القبور.
لكن شيخ الإسلام رأى أن هذه الأحاديث تدل على التحريم حيث صحت بلفظة " زائرات " وتقدم أنها لا تصح، فإنها لو صحت لما قيل بكراهية ذلك بل يقال بتحريم ذلك، بل إنه من كبائر الذنوب؛ لأن اللعنة لا تكون إلا على كبيرة.
ويستدل لهم: بما ثبت في الصحيحين من نهي النبي صلى الله عليه وسلم المرأة عن اتباع الجنازة كما في حديث أم عطية.
- وأما أكثر أهل العلم: فاستدلوا بأدلة منها: ما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم: (مر على امرأة عند قبر وتبكي فقال: اتقي الله واصبري فقالت: إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه، فذكر لها أنه النبي صلى الله عليه وسلم فأتت إليه فلم تجد عنده بوابين فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الصبر عند الصدمة الأولى) . قالوا: إنما أنكر عليها هنا هذا التأثر الشديد الذي اقتضى لها أنه تنفرد في المقبرة فتبكي ولم ينهها النبي صلى الله عليه وسلم عن أصل الزيارة.