وإن كان مجهول الحال لم تثبت عدالته ولم يثبت فسقه فيصح الاقتداء.
والمستحب عدم ذلك وذلك - أي صحة الصلاة خلفه –؛ لأن الأصل في المسلمين العدالة.
وكذلك عندهم الحكم في المبتدع فالفسق يدخل فيه الفسق في الاعتقاد والفسق في العمل.
أما الفسق في الاعتقاد فهو أن يفعل بدعة لا تكفره، وأما الفسق بالعمل فهو أن يفعل كبيرة أو يصر علي صغيرة.
فإذن: الصلاة خلف الفاسق باطلة سواء كان فسقه في الاعتقاد أو الفعل، هذا هو تقرير مذهب الحنابلة.
وذهب جمهور أهل العلم: إلى أن الصلاة صحيحة، واستدلوا بأدلة كثيرة من السنة:
ما ثبت في البخاري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم وإن أخطؤوا فلكم وعليهم)
وما ثبت في مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في أئمة الجور: (صلوا الصلاة لوقتها ثم اجعلوا صلاتكم معهم نافلة) فصححها النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وبما رواه أبو داود في سننه من حديث مكحول عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (الصلاة المكتوبة واجبة خلف كل مسلم براً كان أو فاجراً وإن عمل الكبائر) وفي إسناده انقطاع، ومع ذلك فهو أصح مما استدل به أهل القول الأول وله شواهد تدل عليه.
وبما رواه الدارقطني بإسناد ضعيف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (صلوا خلف كل من قال لا إله إلا الله وعلى كل من قال لا إله إلا الله)
قالوا: وعليه عمل السلف الصالح، فقد كانوا يصلون وراء أئمة الجور مع ثبوت فسقهم، كما صح ذلك عن أبي سعيد الخدري في الصحيحين، وعن ابن عمر في البخاري، وعن الحسن والحسين في البيهقي وابن أبي شيبة حتى حكاه بعضهم إجماعاً للصحابة، والمراد في صلاتهم خلف من كان فسقهم فسق عمل.
كما ثبت في البخاري أن عثمان أتاه عبيد الله بن عدي بن الخِيَار 1 فقال له - وهو محصور –: " إنك إمام عامة وقد نزل بنا ما ترى وإنه يصلي بنا إمام فتنة فقال عثمان: (الصلاة أحسن ما يعمل الناس فإن أحسنوا فأحسن معهم وإن أساؤوا فاجتنب إساءتهم)
وقال الحسن البصري كما في البخاري: (صل وعليه بدعته) .
فهذا القول هو الذي تعضده الأدلة من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - وأفعال الصحابة.
لكن اتفق أهل العلم على كراهية الصلاة خلف الفاسق المبتدع وأنهم لا يولونه الإمامة، إلا أن يترتب على ذلك مفسدة أو فوات مصلحة أو يحتاج إلى الصلاة خلفه فحينئذ يصلى خلفه والصلاة صحيحة، لكن إن أمكنه أن يصلي مع غيره فهو المشروع في حقه.
وأما الكافر فقد اتفق أهل العلم على عدم صحة الصلاة خلفه سواء كان كافراً أصلياً أو مرتداً أو صاحب بدعة مكفرة أخرجته من الإسلام كالرافضة والجهمية على قول طوائف كثيرة من السلف.
وأما الصلاة خلف من جهلت عقيدته، فقد ذكر شيخ الإسلام اتفاق العلماء على صحة الصلاة خلفه وأنه لا يشرع امتحانه أو سؤاله.
وهو كما قال شيخ الإسلام لأن الأصل في المسلمين حسن الاعتقاد لكن يستثنى من ذلك، حيث كان مظنة سوء الاعتقاد كأن يأتي من بلاد تشتهر فيها البدعة فإنه يسأل عن الاعتقاد؛ لأنه مظنة العقيدة التي تعتقدها أهل بلده.
أما إذا كان من بلد أصحابها أهل سنة وعقيدة فلا يشرع سؤاله ولا امتحانه بل يصلى خلفه وإن جهل اعتقاده.
وحكى شيخ الإسلام أيضاً: أن من أنكر صحة الصلاة خلف المخالف في المذهب فإنه قد خالف الكتاب والسنة وإجماع السلف وأنه ضال مبتدع، وذلك مع صحة اعتقاده في الإمام، لأن الصحابة كان بينهم خلاف في مسائل كثيرة – من الفروع مما يسوغ فيه الخلاف في مسائل الطهارة والصلاة ونحو ذلك - ومع ذلك كان بعضهم يصلي وراء بعض من غير نكير لذلك فمخالفتهم مخالفة للسنة، كأن يصلي خلف من لا يعتقد نقض الوضوء بأكل لحم الجزور وهو يعتقد ذلك.
قال: (ولا خلف امرأة)
باتفاق العلماء؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا يفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة)
لكن هل تستثنى النافلة؟
في رواية عن الإمام أحمد: استثناؤها.
وعن الإمام أحمد وهو اختيار أكثر أصحابه وهي من مفردات المذهب: أن الصلاة خلف المرأة في التراويح صحيحة جائزة.
وقيده بعضهم: بأن تكون ذات محرم.
وقيده بعضهم بأن تكون عجوزاً – أي كبيرة في السن –.
إلا فإطلاق بعضهم أنها تصلي مطلقاً - هذا في الحقيقة - من الغرائب.
لكن قالوا: تصلي خلفهم ولا تصلي أمامهم.
وهل يقتدون بها بمطلق الصلاة أم بالقراءة فقط؟
قولان:
الأول: أنهم يقتدون بها في مطلق الصلاة.
الثاني: أنهم يقتدون بها في القراءة فحسب، فتسمعهم القراءة ثم يركعون ويسجدون مع إمام آخر.
ودليلهم: ما رواه أبو داود في سننه: عن أم ورقة بنت نوفل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يزورها وكانت قد جمعت القرآن فجعل لها مؤذناً وأمرها أن تؤم أهل بيتها) والحديث إسناده ضعيف لجهالة في عين بعض رواته.
ولو صح فالحديث عام في الفريضة والنافلة وقد ذهب إليه بعض العلماء وأن الصلاة صحيحة خلفها فرضاً ونفلاً، لكن هذا ضعيف باتفاق العلماء –في الحديث -: (لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)
قال: (ولا خنثي للرجال)
لاحتمال أن يكون امرأة، وهو من التبس في أمره خلقةً فلم يثبت بعد أذكر هو أم أنثى، وهذا هو الخنثى المشكل.
فإن تبين أنه ذكر صحت، وإن تبين أنه أنثى لم تصح وذلك إذا ظهر.
أما قبل الظهور فلا تصح الصلاة خلفه لاحتمال أن يكون امرأة وهذه من المسائل النادرة.
قال: (ولا صبي لبالغ)
الصبي: هو ابن سبع أو ست أو خمس سنين ممن ثبت تمييزه.
فالصبي لا يجوز أن يؤم البالغين في الفرض، أما في النفل فتصح.
هذا هو المشهور في المذهب؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (فلا تختلفوا عليه) قالوا: والصبي يصلي بنية النفل، والبالغ يصلي بنية الفرض وهذا اختلاف في النية بينهما، وقد قال: (فلا تختلفوا عليه) وهذا بناء على أنه لا تصح الصلاة خلف المخالف بالنية – وسيأتي الراجح – إن شاء الله.
وذهب الشافعية وهو رواية عن الإمام أحمد: إلى أن صلاة الصبي صحيحة بالبالغين فرضاً ونفلاً، لحديث عمرو بن سلمة وفيه: (فنظروا فلم يكن أحد أكثر مني قرآناً فقدموني وأنا ابن ست سنين أو سبع سنين) رواه البخاري.
فهذا فعل الصحابة، وهو عموم الأدلة الشرعية: (يؤمكم أكثركم قرآناً)
وأما ما ذكروه من اختلاف النية فإن هذا الحديث لا يفسر به على الصحيح.
بل تفسر بالاختلاف في الأفعال الظاهرة كما دل عليه الحديث في قوله: (ولا تركعوا حتى يركع)
وأما المخالفة في النية فإنه لا أثر لها على الصحيح وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
فالراجح أن الصلاة خلف الصبي فرضاً ونفلاً صحيحة لحديث عمرو بن سلمة الذي رواه البخاري وغيره.
وأما النفل فاتفق العلماء على صحتها من الحنابلة وغيرهم؛ لأن النفل له نفل ولهم نفل فالنية غير مختلفة.
قال: (ولا أخرس ولو بمثله)
الأخرس: هو الذي لا ينطق.
فلا تصح إمامته لأنه ترك ركناً من أركانها وهو الفاتحة بغير بدل.
ثم إن الإمامة قوامها القراءة والتكبير والتسميع وهذا لا يكون منه، وهو باتفاق العلماء.
لكن إن كان بمثله؟
فالمشهور في المذهب: أنه لا يصح.
وقياس المذهب وهو اختيار بعض الحنابلة: صحة ذلك.
لكن يجب أن يقيد هذا – مع ترجيحه – بألاَّ يوجد إمام غير أخرس فيصح أن يقتدي به.
قال: (ولا عاجز عن ركوع أو سجود أو قعود أو قيام)
فالمذهب أنه لا يجوز أن يولى الإمامة من كان عاجزاً عن القيام أو القعود أو الركوع أو السجود.
وقيَّدوه " إلا بمثله "، لذا ذكرنا أن قياس المذهب صحة الصلاة بمثله في الأخرس.
فلا تصح إمامة العاجز عن الركوع أو السجود أو القعود إلا بمثله.
وهذا هو المشهور في المذهب.
وذهب الشافعية وهو اختيار شيخ الإسلام: إلى صحة إمامته لعموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله) وهو وإن ترك الركوع والسجود أو القيام أو القعود أو نحو ذلك من الأركان التي لا تتأثر بها الإمامة إنما تركه على سبيل العذر فهو معذور في ذلك ومن صحت صلاته لنفسه صحت صلاته لغيره ولا دليل شرعي يمنع من ذلك.
وكونه عاجزاً عن فعلها هو معذور في ذلك فلا مانع من إمامته.
وهذا هو الراجح لعمومات الأدلة الشرعية.
ومن صحت صلاته، صحت إمامته.
قال: (إلا إمام الحي المرجو زوال علته)
يستثنى من ذلك - أن في صحته أن يصلي قاعداً – مثلاً - إمام الحي الراتب إن أصيب بعلة يرجى زوالها.
وهنا قيدان اثنان:
القيد الأول: أن يكون إمام الحي.
القيد الثاني: أن يكون مرجو زوال علته.
واستدلوا: بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أمَّ على ذلك، ففي الصحيحين عن عائشة في مرض النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت: (فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى جلس عن يسار أبي بكر فكان يصلي بالناس جالساً وأبو بكر يصلي قائماً يقتدي أبو بكر بصلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر)
وقال بعض الحنابلة وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: قال لا يشترط ذلك لعدم الدليل عليه، ولأن الأحاديث عامة في ذلك: (وإن صلى قاعداً فصلوا قعوداً أجمعين) فلا يقيد بالإمام الراتب ولا بمرجو زوال العلة؛ ولأنه معذور في نفسه، صحيحة صلاته، وقد ترك ركناً لا يؤثر بالمأمومين تركه – أي من حيث الائتمام –، فلم يكن ذلك مؤثراً في اقتدائهم، فصحت الصلاة خلفه.
وهذا القول أظهر، والنبي - صلى الله عليه وسلم - عندما صلى بهم لا يظهر لنا أنه كان مرجو زوال العلة فقد كان ذلك في مرض موته، وقد خشي الصحابة عليه الموت كما هو مشهور في قصة مرضه - صلى الله عليه وسلم -، فلا يُسلَّم – أنه كان مرجو زوال العلة.
قال: (ويصلون وراءه جلوساً ندباً)
إن صلى جالساً فإنهم يصلون وراءه جلوساً، بخلاف ما إذا ترك الركوع أو السجود فإنهم يسجدون.
أما إن صلى جالساً فيصلون وراءه جلوساً لحديث: (فإن صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعين)
وثبت في مسلم عن عائشة قالت: (اشتكى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأتاه بعض أصحابه يعودونه فصلى بهم جالساً وصلوا قياماً فالتفت إليهم وأشار أن اجلسوا) .
وفي مسلم نحوه من حديث جابر وفيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إن كدتم آنفاً لتفعلون فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود)
" ندباً ": فلا يجب ذلك، فلو صلوا قياماً صحت صلاتهم ولم يتركوا بذلك واجباً من واجبات الصلاة.
هذا هو المشهور في المذهب.
وقال بعض الحنابلة: بل ذلك فرض عليهم أي الجلوس.
واستدل أهل القول الأول بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يبطل صلاتهم لما صلوا خلفه قياماً.
أما دليل أهل القول الثاني: فهو أمر النبي - صلى الله عليه وسلم -، قوله: (إن كدتم آنفاً لتفعلون فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود) وهو تشبه بهم والتشبه بهم محرم.
فعلى ذلك يجب عليهم أن يصلوا قعوداً وعليه: إن صلوا قياماً بطلت صلاتهم.
وأجابوا عما استدل به أهل القول الأول، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يبطل صلاتهم؛ لأنهم فعلوا ذلك جهلاً، فعذرهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولهذا نظائر كثيرة وقواعد الشريعة تدل عليه.
وهذا القول الراجح.
قال: (فإن ابتدأ لهم قائماً ثم اعتلَّ فجلس أتموا خلفه قياماً وجوباً)
هذا استثناء:
وهو أنه إذا ابتدأ الإمام الصلاة قائماً فشرعوا في الصلاة في حال القيام ثم اعتلَّ الإمام فجلس فإنهم يتمون صلاتهم قياماً كما شرعوا فيها قياماً.
إذن المسألة السابقة: حيث كان الإمام مبتدئاً جالساً فكبَّر بهم تكبيرة الإحرام جالساً.
أما إن شرع بهم قائماً ثم جلس فإنهم يتمون الصلاة قياماً.
واستدلوا: بحديث أبي بكر المتقدم فإن فيه أن أبا بكر صلى بالناس قائماً فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - فجلس عن يسار أبي بكر فكان المأمومون مع إمامهم الأول قد شرعوا في الصلاة قائمين ثم اعتلَّ الإمام حيث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بهم وبه علته المقتضية للجلوس، فأتموا صلاتهم قائمين.
1- هذا المشهور في المذهب من الجمع بين حديث أبي بكر وحديث: (إذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً أجمعين)
فالجمع: أن يقال: إن صلى جالساً من أول صلاته فإنهم يصلون خلفه جلوساً أجمعين.
أما إن اعتل أثناء الصلاة فجلس، أتموا صلاتهم قائمين لحديث أبي بكر، وهو مذهب طائفة من أهل الحديث وهو اختيار ابن المنذر وابن خزيمة.
2- وقال جمهور العلماء: يصلون خلفه قياماً مطلقاً سواء ابتدأ الصلاة جالساً أو اعتلَّ أثناءها، لحديث أبي بكر.
قالوا: وحديث أبي بكر في مرضه فهو حديث ناسخ للأحاديث المتقدمة فهو الحديث المتأخر.
والراجح ما ذهب إليه الحنابلة لأن الجمع أولى من النسخ.
والحمد لله رب العالمين
قال المؤلف رحمه الله: (وتصح خلف من به سلس البول بمثله)
فتصح الصلاة خلف من به سلس بول وهكذا كل من به حدث متجدد كأن تصلي المستحاضة بغير المستحاضة، وهكذا في كل من ثبت به الحدث المتجدد، فتصح الصلاة خلف من به سلسل البول بمثله.
ومفهومه أنها لا تصح إن كان يصلي بمن ليس فيه سلس بول.
- هذا هو المشهور في المذهب، وأن إمامة من به سلس بول لا تصح إلا أن يؤم مثله.
ودليله ما تقدم: لكونه عاجز عن شرط، وقد تقدم العجز عن الركن وهنا عجز عن الشرط وهو الطهارة. - وقال بعض الحنابلة: تصح؛ لأنه وإن كان عاجزاً عن الطهارة فهو عجز بعذر به وصلاته صحيحة ولا ينقص ذلك من صلاته شيئاً، فلا وجه – حينئذ- لإبطال صلاته.
وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ عبد الرحمن بن سعدي وهو القول الراجح، فإنه قد صلى صلاة صحيحة وقد ترك شرطاً من شروطها معذوراً فيه لكونه عاجز عنه.
قال: (ولا تصح خلف محدث ولا متنجس يعلم ذلك) فإذا علم الإمام أنه محدث أو متنجس فالصلاة باطلة أي صلاة المأمومين، أما الإمام فصلاته باطلة بالإجماع، لكن الخلاف في صلاة المأمومين خلفه: فالمذهب أن صلاتهم باطلة لا تصح، فيما إذا صلى وهو محدث أو متنجس يعلم ذلك فصلاته باطلة إجماعاً، وصلاة المأمومين كذلك باطلة أيضاً.
وظاهره سواء علم المأموم طهارته أو نجاسته أو لم يعلم ذلك فالحكم إنما هو بعلم الإمام، هذا هو المشهور في المذهب.
وذهب الشافعية: إلى القول بأن الصلاة صحيحة، وهو اختيار شيخ الإسلام والشيخ عبد الرحمن بن سعدي.
قالوا: المأموم ليس منه تفريط ولا خطأ بل قد عمل ما يجب عليه من الاقتداء، وكون الإمام يكون محدثاً أو غير ذلك هذا تفريط من الإمام وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم)
وهذا هو القول الراجح، لأن هذا المأموم صلى خلفه صلاة صحيحة واقتدى به والخطأ إنما هو من جهة الإمام والتفريط إنما هو من جهته ولا ينسب إلى المأموم تفريط ولا خطأ فكانت صلاته صحيحة.
وعلى القول الراجح – وهو قول الشافعية -: إذا علم أثناء الصلاة بحدث إمامه أو نجاسة ثوبه أو بدنه فيجب عليه أن ينفرد بالصلاة فيصلي خلفه منفرداً أو بجماعة، فإن ائتم به ولو لحظة عالماً بطلت صلاته؛ لأنه عقد صلاته بمن لا تصح إمامته فكانت الصلاة باطلة.
قال: (فإن جهل هو والمأموم حتى انقضت صحت لمأموم وحده)
فإن جهل الإمام فالضمير الظاهر " هو " يعود على الإمام، فإن جهل الإمام والمأموم حتى انقضت صحت للمأموم وحده.
أما كون صلاة الإمام تبطل فللإجماع المتقدم، وأن من صلى محدثاً بطلت صلاته وإن كان جاهلاً أو ناسياً.
وأما من صلى بنجاسة فقد تقدم ترجيح أن من صلى بنجاسة جاهلاً أو ناسياً فصلاته صحيحة.
فهنا: إذا جهل الإمام بالحدث أو النجس على المذهب، وجهل المأموم بالحدث أو النجس – على المذهب – حتى انقضت الصلاة، صحت للمأموم وحده لأنه معذور بالجهل، هذا على خلاف القياس عند الحنابلة.
لذا ذهب طائفة منهم إلى أن الصلاة تبطل أيضاً ولو كان الإمام جاهلاً، وهو القياس عندهم وإنما خالفوه هنا لثبوت الأثر عندهم عن عمر وعثمان وعلي كما روى ذلك الأثرم وابن المنذر.
إذن: المشهور من المذهب – لآثار ذكروها عن عمر وعثمان وعلي عند الأثرم وليس كتابه بين أيدينا فننظر في سنده، وذكره ابن المنذر، تركوا القياس لذلك وإلا فالقياس - أن الصلاة باطلة، وهو رواية عن الإمام أحمد أي البطلان.
وقوله: " حتى انقضت " يدل على أنهم لو علموا أثناء الصلاة لبطلت.
بمعنى: صلى الإمام جاهل بالحدث والمأموم كذلك جاهل بحدث الإمام فعلموا جميعاً أو علم أحدهم أثناء الصلاة بطلت ووجب على من علم الاستئناف، فهذا أي قوله " حتى انقضت " قيد مقيد، فهو يدل على أن الإمام أو المأموم لو ثبت من أحدهما أو جميعاً العلم بالحدث أثناء الصلاة وجب استئناف الصلاة، أي تبطل الصلاة من الجميع، هذا هو المشهور في المذهب.
وعن الإمام أحمد: أنها لا تبطل بل يبني المأموم، فإذا قطع الإمام صلاته أثناء الصلاة فتذكر حدثاً فقطعها، فإن المأموم يتم صلاته سواء أتموها جماعة أو فراداً، هذا هو الراجح؛ لأن صلاة المأمومين قد ثبتت صحتها وانقطع الإمام عن الصلاة لعذر فكان لهم أن يتموها منفردين أو جماعة ولا دليل على بطلان هذه الصلاة والمأموم لم يحدث منه خطأ ولا تفريط.
وهي أولى من المسألة السابقة إذا تمت صلاتهم أو لا فرق بينهما، فكما أنهم لو أتموا الصلاة صحت فكذلك إذا علم الحدث أثناءها.
أما على القول المرجح وهو مذهب الشافعية: فإن هذه المسائل كلها ظاهرة الرجحان، فسواء كان التذكر أثناء الصلاة أو بعدها فعلى مذهب الشافعية الذي تقدم ترجيحه أن صلاة المأموم صحيحة، بل لو كان الإمام يعلم ذلك حتى أتم الصلاة فصلاة المأمومين صحيحة، وهذا أولى من جهل الإمام.
- القاعدة – على الراجح –: أن الإمام إذا صلى جاهلاً أو ناسياً أو عالماً متعمداً فصلاة المأمومين صحيحة مطلقاً إلا أن يثبت العلم فتبطل صلاة من علم؛ لأن علمه يزيل عذره فيكون – حينئذ – مخطئاً مفرطاً.
ومذهب الحنابلة: أنه إذا علم أحد المأمومين ثبت الحكم للجميع فبطلت.
وهو ضعيف ظاهر الضعف.
لذا ذهب الموفق وهو مذهب القاضي إلى أن الحكم على من علم فحسب، فمن علم الحدث في الإمام فيجب عليه أن ينفرد عن إمامه.
قال: (ولا إمامة الأمي وهو من لا يحسن الفاتحة أو يدغم فيها ما لا يدغم أو يبدل حرفاً أو يَلْحَن فيها لحناً يحيل المعنى إلا بمثله)
أي لا تصح إمامة الأمي.
والأمي هو من لا يحسن الفاتحة أي لا يحفظها.
أو " يدغم فيها ما لا يدغم " فحينئذ يذهب حرف من حروف الفاتحة.
أو " يبدل حرفاً بحرف " كالألْثَغ 1 وهو الذي يبدل حرفاً من الحروف الهجائية بحرف آخر كالراء غيناً أو نحو ذلك.
أو " يلحن فيها لحناً يحيل المعنى " كأن يقول " إياكِ " أو " أنعمتَ 2 " أو " أهدنا " من الهدية.
" إلا بمثله " فتصح إمامته.
فتقرير المذهب: أن الأمي لا يصح أن يؤم غيره إلا من كان مثله.
وقوله " إلا بمثله " مطلق وظاهره وإن كان للمأموم الذي لا يحسن الفاتحة إمام آخر يمكنه أن يأتم به وهو قارئ.
هذا ظاهر إطلاقه.
وذهب بعض الحنابلة: أن ذلك لا يجوز، بل إنما يجوز ذلك للضرورة أي عند عدم الإمام القارئ.
وهذا القول الراجح.
هذا ما اتفق أهل العلم من عدم صحة إمامته إلا بمثله.
- وذهب بعض أهل العلم إلى أن إمامة الأمي صحيحة مطلقاً، وهو رواية عن الإمام أحمد ورواية عن الإمام مالك وقول قديم للإمام الشافعي واختاره طائفة من أصحابه كالمزني وأبي ثور وابن المنذر.
وذلك لأنه عاجز عن ركن من أركان الصلاة وهو الفاتحة فكان كالعاجز عن القيام، ومحل هذا حيث كان عاجزاً كما ذكروا كالألثغ، أما إذا كان يمكنه التعلم ويقدر على إصلاح الفاتحة فإنه لا يجوز الائتمام به ولا تصح إمامته.
وهذا قياس قوي ظاهر.
ومع ذلك فالأحوط مذهب الجمهور، وقلت: الأحوط، لأن الترجيح غير بيّن ظاهر في هذه المسألة فالتجاذب بين الدليلين قوي.
والفارق بين ما ذكروه من الأصل والفرع فارق يترتب الحكم عليه حيث قلنا: هو مؤثر أو غير مؤثر.
فالفارق: أن العاجز عن القيام والقعود ونحو ذلك عجزه عن القيام والقعود لا يؤثر في صلاة المأموم.
بخلاف العاجز عن قراءة الفاتحة فإن الصلاة قرآن كما قال تعالى ﴿وقرآن الفجر﴾ ويرفع صوته ليسمع المأموم لاسيما على القول بأن الإمام يتحمل عن المأموم فاتحة الكتاب، فإن هذا يكون قولاً ظاهراً جداً.
أما على القول الراجح وهو أن الإمام لا يتحمل عن المأموم الفاتحة فيكون ذلك أضعف.
فهنا قراءة الإمام مؤثرة بدليل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) فلتأثير القراءة في الإمامة قدم الأقرأ على غيره، حتى يقدم على من هو أفقه ومن هو أسن ومن هو أقدم هجرة وغيره، فالقراءة لها أثر في الصلاة ومع ذلك فكما تقدم القول بصحة إمامته قول قوي وهو رواية عن الإمام أحمد، ورواية عن الإمام مالك، والقول القديم للشافعي وهو اختيار طائفة كابن المنذر وغيره، وهو قول قوي لكن الأحوط العمل بما ذهب إليه الجمهور.
قال: (وإن قدر على إصلاحه لم تصح صلاته)
أي إن قدر على إصلاح هذا اللحن الذي يحيل المعنى أو قدر على أن يحسن الفاتحة فيحفظها لم تصح صلاة نفسه فضلاً عن أن تصح إمامته فصلاته باطلة، وهذا محل الخلاف في المسألة السابقة، فصحة إمامته وعدمها إنما هو حيث كان عاجزاً عن إحسان الفاتحة أو إزالة الخطأ الواقع منه فيها.
أما إذا كان قادراً على ذلك فإن صلاته لا تصح لأنه ترك ركنا قادراً عليه، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
قال: (وتكره إمامة اللحَّان)
أي لحناً لا يحيل المعنى، أي المكثر من اللحن في الفاتحة وغيرها فإمامته مكروهة، والمراد بذلك اللحن غير المحيل للمعنى.
ويمكن أن يدخل فيه اللحن المحيل للمعنى في غير الفاتحة لأنه لا يبطل الصلاة.
قال: (والفأفاء والتمتام ومن لا يفصح ببعض الحروف)
" الفأفاء " الذي يكرر الفاء عجزاً.
" والتمتام " الذي يكرر التاء عجزاً.
" ومن لا يفصح ببعض الحروف " كالذي لا يفصح بالقاف أو الضاد.
وهنا في مسألة " الضاد والظاء " كما في الفاتحة " غير المغضوب عليهم ولا الضالين ".
ففي الفاتحة الضاد " ض " فإذا قرأها ظاءً فهل تصح الفاتحة أم لا؟
ظاهر قوله " أو يبدل حرفاً بحرف " أنها لا تصح، لأنه إذا قال " ولا الظالين " فإنه قرأ بالظاء التي هي أخت الطاء.
هذا هو ظاهر قوله، وهو قول لبعض الحنابلة.
والمشهور عندهم: أن الصلاة تصح؛ وذلك لقرب المخرج فيهما، فيتجوز عنهما.
وقد قال ابن كثير: " والصحيح عند أهل العلم أن الصلاة تصح لقرب مخرجهما " فكان ذلك سبباً في التساهل والتجاوز وهذا هو القول الظاهر الذي لا يسع الناس إلا القول به وهذا هو المشهور في المذهب.
إذن: إبدال الحرفين أحدهما بالآخر يتساهل فيه لقرب مخرجهما.
والحمد لله رب العالمين
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وأن يَؤُمَّ أجنبيةً فأكثر لا رجل معهن)
أي ويكره أن يؤم أجنبيةً لا رجل معها سواء كانت أجنبية واحدة أو أكثر من ذلك.
لما ثبت في الصحيحين من نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يخلو رجل بامرأة وليس ثمَّ ذو محرم، كما في قوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم)
قالوا: فهذا الحديث يدل على الكراهية.
والصحيح في هذه المسألة أن المسألة دائرة بين التحريم والكراهية والإباحة:
وأما التحريم: فهو إذا كانت الخلوة محرمة، فإن الإمامة محرمة مع الخلوة، وذلك للحديث المتقدم فإن ظاهره التحريم، والإمامة – حينئذٍ – من الخلوة، فكانت محرمة.
وهذا إذا كان في امرأة أو امرأتين فإن مثل هذه الخلوة - حيث كانت مظنة الفتنة والشر فإنها - محرمة.
وأما الكراهية: فهو إن لم يكن كذلك بأن كان داعي الفتنة موجود لكنه أضعف فإنها تكون مكروهة.
وأما الإباحة فهي مما سوى ذلك.
وقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يؤم النساء ومنهن من يأتي وليس لها محرم ولم يشترط في حضورهن للمساجد المحرم، فدل على الجواز مع أمن الفتنة، ولا كراهية في الإمامة حينئذٍ.
وقوله: " لا رجل معهن " ظاهره مطلق رجل، وهو ضعيف، بل المؤثر في هذه المسألة أن يكون هناك محرم أو رجال تزول بعددهم مظنة الفتنة فحينئذٍ لا كراهية ولا تحريم.
فإذا كان هناك محرم فقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بأم سليم في بيتها ومعه أنس - رضي الله عنه - كما في الصحيحين.
قال: (أو قوماً أكثرهم يكرهه بحق)
أي: أو أمَّ قوماً أكثرهم يكرهه بحق.
أما إذا كان يكرهه بغير حق فإن هذا لا يؤثر.
مثال كراهيته بحق: أن يكرهه لضعف في دينه أو لضعف في إقامة الفريضة أو نحو ذلك مما يورث كراهيته وهو حق.
ومثل ذلك: إذا كرهه لدنيا كأن يكون بينهما شحناء لدنيا، أو شحناء من جنس الشحناء التي تقع بين أهل المذاهب والأهواء فإن الإمامة – حينئذٍ – تكره لأن المقصود من الإمامة الاجتماع والائتلاف وهذا ينافي ذلك، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: (ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم) .
لقوله - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه الترمذي بإسناد حسن: (ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم: العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإمام قوم وهم له كارهون) .
وإنما يستثنى من ذلك أن تكون الكراهية بغير حق كأن يكره لدينه أو فعله السنة فإن الإمامة لا تكره.
لكن استحب القاضي من الحنابلة: استحب له ألا يؤمهم صيانة لنفسه وإلا فإنها لا تكره.
وذلك لأن هذا أقام بما يشرع أو يفرض عليه، ومنعه أو كراهية إمامته يؤدي إلى مفاسد كثيرة من ترك السنة وهجرها وإماتتها، ولا يشاء لفاسق أو نحوه أن يحكم بمنع إمامة أحد من أهل الصلاح إلا فعل.
قال: [وتصح إمامة ولد الزنا والجندي إذا سلم دينهما]
فتصح إمامة ولد الزنا ولا تكره، والأولى أن يقال: " ولا تكره "، خلافاً للجمهور الذين قالوا: بكراهيتها؛ قياساً على العبد؛ لأن الإمامة فضيلة، فيمنع منها.
لكن هذا ضعيف.
والراجح ما ذهب إليه الحنابلة، وهو من مفرداتهم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) ، وهذا عام، وقال تعالى: ﴿ولا تزور وازرة وزر أخرى﴾ ، وقال: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ .
ثم إنه لا يقاس على العبد؛ لوجود فوارق بينهما، فهو حر له حريته من بيع وشراء وليس ثمة تمليك عليه.
ثم إن العبد لا تكره إمامته على الصحيح، لكن الأولى أن يكون حراً.
فولد الزنا متى سلم دينه وكان تقياً، فقد قال تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ ، ولا يلحقه من معرة والديه شيء، فقد قال تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ .
" والجندي إذا سلم دينهما ": الجندي هو العسكري، وليس المقصود نوعاً من الجنود، بل عامة من يعمل عند السلطة، من أعوان السلطان والقائمون بشؤون السلطة من شتى أنواع العسكر، فتصح إمامته ولا تكره إذا سلم دينه.
لأن ذلك مظنة الظلم، فإن أعوان السلطان مظنة الظلم، فكان الشرط هذا معتبراً وهو أن يكون سالم الدين ومع ذلك فقد قال الإمام أحمد: " أحب إلى أن يصلي خلف غيره " وذلك لأنه مظنة الظلم.
ونحن في هذا العصر أعمال العسكر ليست بمرتبة واحدة فأشبهت أعمالاً كثيرة كان يقوم بها في الزمن وغيره.
لكن إن كان الجندي من أعوان الظلمة فيمنع من إمامته لأنه ظالم إن أقام بالظلم، وأما إن كان عمله لا ظلم فيه فإنه لا يمنع من إمامته لذا قال: " إذا سلم دينه " لأنه عدل ولا دليل على منعه من الإمامة.
قال: (ومن يؤدي الصلاة بمن يقضيها وعكسه)
كأن تصلي الظهر وراء من يصلي الظهر لكن الإمام بنية الأداء وأنت بنية القضاء، أو هو بنية القضاء وأنت بنية الأداء فصلاة الظهر واحدة لكن الفارق بينهما أن أحدهما بنية الأداء والآخر بنية القضاء فهنا قال: يصح الاقتداء والائتمام؛ لأن الفرض واحد، فليس ثمت اختلاف على الإمام ولا يؤثر في ذلك نية الأداء والقضاء، لأن نية الأداء والقضاء لا تؤثر مع اتفاق الفرض.
قال: (لا مفترض بمتنفل)
إذا صلى من نوى الفريضة بمن يتنفل، فالإمام بنية النفل والمأموم بنية الفرض، فلا يصح اقتداء المفترض بالمتنفل.
وهذا مذهب الجمهور.
واستدلوا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: (فلا تختلفوا عليه) قالوا: وكونه ينوي الفرض والإمام النفل هذا اختلاف على الإمام بالنية.
وعن الإمام أحمد وهو مذهب الشافعي واختيار طائفة من أصحاب أحمد كالموفق ابن قدامة وهو اختبار ابن تيمية: أن ائتمام المفترض بالمتنفل صحيح.
واستدلوا: بما ثبت في الصحيح من حديث معاذ: (أنه كان يصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فيؤم قومه – في مسجد بني سلمة) ، وفي البيهقي والدارقطني ومصنف عبد الرزاق والطحاوي بإسناد صحيح قال: (هي له تطوع ولهم فريضة)
وثبت في أبي داود من حديث أبي بكرة في صلاة الخوف: أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (صلى بالطائفة الأولى ركعتين ثم سلم، ثم صلى بالطائفة الثانية ركعتين) فهنا صلى الصلاة مرتين الأولى فريضة، والثانية له نافلة، والثانية كانت بمفترضين.
قالوا: أما قوله - صلى الله عليه وسلم -: (فلا تختلفوا عليه) فإن المراد منه الاختلاف الظاهر بدليل سياق الحديث أي ليس له أن يركع قبل ركوعه أو يسجد قبل سجوده أو أن يكون قائماً والإمام جالس وهكذا فهذا هو الاختلاف الظاهر المنهي عنه.
قالوا: ويدل عليه اتفاقنا نحن وأنتم على صحة ائتمام المتنفل بالمفترض وهي عكس المسألة السابقة، لما ثبت في مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (صلوا الصلاة لوقتها ثم اجعلوا صلاتكم معهم نافلة) وهذا اختلاف عليه في النية ومع ذلك صحت الصلاة.
وهذا هو القول الراجح.
قال: (ولا من يصلي الظهر بمن يصلي العصر أو غيرهما)
تقدم أن من صلى الظهر وراء من صلى الظهر ولكن هذا بنية الأداء والآخر بنية القضاء فالصلاة صحيحة.
أما هنا فقد اختلفت الصلاة فهذا يصلي الظهر وهذا يصلي العصر فما الحكم؟
قال: " ولا من يصلي الظهر بمن يصلي العصر أو غيرهما " من الصلوات؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (فلا تختلفوا عليه) وهذا اختلاف عليه فإنه يصلي ظهراً والمأموم يصلي عصراً.
والجواب عليه كما تقدم.
- وذهب إلى صحة ذلك الشافعية ورواية عن الإمام أحمد واختيار شيخ الإسلام وهو قول ابن عقيل من الحنابلة: وأن المفترض بنية صلاة تخالف صلاة الإمام أنه لا بأس بذلك.
ويدل عليه حديث معاذ فإذا صحت من المفترض خلف المتنفل ومن المتنفل خلف المفترض، فإن هذا يدل على أن النية جائز أن تخالف نية الإمام وأن ذلك لا يؤثر في الصلاة وإنما المنهي عنه الخلاف الظاهر.
وعليه: فإذا كانت صلاة الإمام ثنائية، وصلاته رباعية، فإذا سلم الإمام قام فأتم لنفسه كما يقتدي المقيم بالمسافر فإذا سلم قام فأتم صلاته.
والعكس كذلك: فإذا كانت صلاة الإمام أكثر من صلاة المأموم، فكان الإمام يصلي العشاء والمأموم يصلي المغرب فإنه إذا قام الإمام للرابعة جلس ثم سلم.
الراجح في هذه المسألة كلها ما ذهب إليه الشافعية من الائتمام مع اختلاف النية واتفاق الفعل الظاهر جائز، وقد ثبت له في السنة نظائر كثيرة تقدم ذكر بعضها، والله أعلم.
والحمد لله رب العالمين
فصل قال المؤلف رحمه الله تعالى: (يقف المأمومون خلف الإمام)
اتفاقاً وقد تواترت به السنة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وقد ثبت في الصحيحين عن أنس قال: (صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقمت أنا ويتيم خلفه وأم سليم خلفنا)
قال: (ويصح معه عن يمينه أو عن جانبيه)
فيصح أن يكون المأمومون عن يمين الإمام أو عن يمينه ويساره اتفاقاً.
لما ثبت في مسلم عن ابن مسعود: (أنه صلى هو والأسود بن يزيد وعلقمة – وهما صاحباه – فقام بينهما وجعل أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره) فهذا يدل على جواز ذلك، وفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يدل على الوجوب كما هو مقرر في علم الأصول.
لذا اتفق أهل العلم على استحباب أن يقوموا وراءه.
قال: (لا قدامه)
فلا يصح أن يصلي قدام الإمام.
والاعتبار بمؤخرة القدم لا بمقدمتها كما تقدم في الكلام على إقامة الصفوف.
فإذا صلى قدامه فإن الصلاة تبطل، وهذا مذهب جمهور أهل العلم.
قالوا: لأن هذا فعل غير مشروع في الائتمام، وما لم يكن مشروعاً مما يتصل بالديانة فهو مردود، فعليه: العبادة لا تصح لأنه وقف منها وقوفاً غير مشروع في باب الائتمام فبطلت صلاته كما لو وقف خلفه فإنها تبطل،وسيأتي تقريره.
فكما أن الوقوف خلف الإمام منفرداً غير مشروع تبطل به الصلاة، فكذلك قدامه بل أولى، لأن من وقف خلف الإمام أمكنه أن يأتمَّ به وهو في معنى الائتمام به ومع ذلك تبطل الصلاة مع تفرده وكونه فذاً فأولى من ذلك تقدمه.
قال: (ولا عن يساره فقط)
أي ولا يصح أن يصلي عن يساره فقط فتبطل.
قالوا: لأنه وقف وقوفاً في الصلاة غير مشروع فبطلت به الصلاة.
هذا مذهب الحنابلة.
وذهب الجمهور وهو اختيار الموفق وصوبه في الإنصاف واستظهره في الفروع: أن الصلاة لا تبطل بل هي صحيحة.
قالوا: لأن الائتمام يمكن والحالة هذه ولا يناقض الائتمام أن يساويه بل إنما يناقضه أن يتقدم عليه، وكون النبي - صلى الله عليه وسلم - أدار ابن عباس – كما في الصحيحين – من يساره إلى يمينه هذا فعل، والفعل لا يدل على الوجوب، وهذا القول قول قوي؛ لأن الأصل صحة الصلاة، وقوفه عن يسار الإمام نعم هو يخالف السنة لكن إبطال الصلاة به لم يظهر الدليل الدال عليه.
ومما استدلوا به أيضاً: أن ابن عباس لما وقف عن يسار النبي - صلى الله عليه وسلم - وكذا جابر جبار لم يبطل الصلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلم يأمرهم بإعادتها مع أنه أمر المسيء صلاته لما أساءها جهلاً أمره أن يعيدها.
إلا أن الحنابلة تجاوزوا عن الوقوف الذي لا تتم به الركعة كما سيأتي الكلام عليه عند الصلاة فذاً خلف الصفوف.
ومع ذلك فالراجح مذهب الجمهور من أن الصلاة تصح إن وقف عن يسار إمامه لكنه تارك للسنة، لكن هذا الترك لا يناقض الائتمام، فإن من الائتمام ما يكون فيه المأموم محاذياً للإمام – وقد تقدم اتفاق أهل العلم على أنهم إن صلوا عن يمينه ويساره فالصلاة تصح – فثبت أن اليسار موقف للصلاة وإن لم يكن موقفاً هنا، لكنه ثبت كونه موقفاً، فمثل هذا يخفف في حكمه.
فالراجح: أنه إن وقف قدامه فالصلاة باطلة، لكن إن كان عن يساره فالصلاة لا تبطل.
واستثنى شيخ الإسلام وهو قول في مذهب أحمد وهو قول إسحاق بن إبراهيم قالوا: إن فعل ذلك لعذر صحت الصلاة، كأن يكون المسجد ممتلأً بالمصلين بحيث أنه لا يمكن أن يصلوا كلهم خلفه أو عن يمينه أو عن يساره فاحتاجوا إلى التقدم عن يمينه أو يساره شيئاً، فإن ذلك جائز لأن المصافة على الصورة المتقدمة واجبة، والواجبات تسقط عند العجز عنها، قال تعالى ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ وفي الحديث: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) فهذا اتقى الله ما استطاع وصلى كما أمر، عاجزاً عن واجب وهو التخلف عن الإمام في المصافة أو الوقوف عن يمينه أو عن يساره، فـ[إن] عجز [عن] ذلك [و] وقف قدامه فإن الصلاة تصح للعذر، والقاعدة: أن العجز عن الواجب يسقطه.
قال: (ولا الفذ خلفه أو خلف الصف إلا أن يكون امرأة)
أي ولا تصح صلاة الفذ خلف الإمام أو خلف الصف إلا أن يكون امرأة.
فلا يصح للمصلي أن يصلي فذاً خلف الصف أو خلف الإمام، ومراده " خلفه " إن كان المأموم واحداً ومثل ذلك: لو كان وراء الإمام صف أو صفوف فوقف وراء الصف منفرداً فإن الصلاة تبطل.
ودليل ذلك:
ما ثبت في مسند أحمد وسنن أبي داود والترمذي بإسناد صحيح، والحديث صححه ابن حبان وهو كما قال، من حديث وابصة بن معبد - رضي الله عنه - قال: (رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلاً يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد الصلاة)
وفي ابن ماجه وابن حبان بإسناد صحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا صلاة لمنفرد خلف الصف)
ففي الحديث الأول أمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يعيد صلاته، وفي الحديث الثاني أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه أنه لا صلاة صحيحة لمنفرد خلف الصف.
وقال جمهور العلماء: تصح الصلاة؛ لما ثبت في البخاري من حديث أبي بكرة – وسيأتي سياقه – أنه ركع دون الصف فدخل في الصف، وفيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمره بالإعادة فقال: (زادك الله حرصاً ولا تعد)
ففيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يبطل صلاته وقد صلى مِنْ صلاته خلف الصف، لكن هذا الاستدلال يخالف الأدلة الصريحة التي تقدم ذكرها.
ولحديث أبي بكرة استثنى الحنابلة: من صلى خلف الصف وحده دون الركعة أي لم يرفع من الركوع وهو منفرداً خلف الصف.
وفيما من ذكروه فيما يظهر نظر وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الصلاة خلف الصف، وأمر من صلى خلف الصف أن يعيد، وفرق بين من وقف في الصف فكبر، وبين من كبر دون الصف وهو يعلم أن له موضعاً فيه فتقدم إليه، فهذا فاعل لما لا يتم الواجب إلا به فهو يمشي راكعاً حتى يدخل في الصف، وأما الآخر فإنه قائم وليس بمتقدم إلى الصف ففرق بين المسألتين.
والذي يظهر لي أنه متى صلى خلف الصف بطلت صلاته لعموم حديث: (لا صلاة لمنفرد خلف الصف) وإذا كبر وقام وركع فإن هذا من الصلاة فتكون الصلاة باطلة.
إلا أنّ ما يقع ولابد من وقوعه، معفو عنه حيث أن تكبيرة الإحرام تقع ولابد من بعض المأمومين متقدمة على بعضهم فمثل هذا لا يؤثر اتفاقاً.
بخلاف ما إذا قام في [خلف] الصف فإنه يظن بقاء نفسه في هذا الموقع وهو غير متأكد من إتيان أحد من الناس إليه.
نعم إذا ثبت له إقبال أحد من المصلين فهذا يكون بمنزلة من ركع ودب حتى دخل في الصف، أما حيث لم يظن ذلك فالأظهر هو بطلان صلاته والله أعلم.
وظاهر قول الحنابلة: أن الصلاة تبطل مطلقاً سواء كان معذوراً أو غير معذور.
فلو أن رجلاً دخل المسجد فنظر فلم يجد فرجة في الصف يمكنه أن يقف فيها فصلى خلف الصف وحده فظاهر المذهب أن صلاته تبطل؛ لأنه قد صلى خلف الصف فيدخل في عموم حديث: (لا صلاة لمنفرد خلف الصف) .
واختار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم: أنه إن كان معذوراً في ذلك بحيث أنه نظر فلم يجد فرجة بين الصفوف، ولم يمكنه أن يرص المصلين فيجد فرجة فإنه يصلي خلف الصف وصلاته صحيحة.
وهو القول الراجح؛ للقاعدة السابقة المأخوذة من قول الله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ وحديث: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) وهي: أن الواجبات تسقط عند العجز عنها.
" إلا أن يكون امرأة " فإن المرأة موقفها أن تكون خلف الصفوف باتفاق أهل العلم كما ثبت ذلك في حديث أنس في الصحيحين قال: (فقمت أنا ويتيم خلفه وأم سليم خلفنا) فالمرأة تصف خلف الصف.
لكن قوله " إلا أن يكون امرأة " يوهم مسألة تخالف المذهب:
فيما إذا صلت المرأة خلف صفوف النساء منفردة وكان يمكنها أن تصلي معهن، فالمذهب قالوا: كذلك يبطل صلاتها قياساً على الرجل والنساء شقائق الرجال.
فمراد المؤلف هنا: المرأة تكون خلف الإمام أو تكون خلف صفوف الرجال، أما إذا كانت منفردة خلف صف النساء فإن الصلاة تبطل إن كانت غير معذورة قياساً على الرجل.
قال: (وإمامة النساء تقف في صفهن)
لما ثبت عن أم المؤمنين عائشة: (أنها كانت تؤم النساء فتقف وسطهن) رواه البيهقي.
ونحوه عن أم سلمة أنها كانت تؤم النساء فتقف وسطهن.
قالوا: ندباً واستحباباً، فإن وقفت أمامهن كما يقف الرجال فالصلاة صحيحة، وذلك لأن النساء شقائق الرجال، فكما أن الرجل يصلي أمام المصلين فالمرأة كذلك.
وتلك الآثار تدل على أن هذا هو المستحب للنساء، أما إن صلت المرأة إمامة متقدمة فإن الصلاة تصح لأن النساء شقائق الرجال.
قال: (ويليه الرجال ثم الصبيان ثم النساء كجنائزهم)
فيلي الإمام الرجال ثم الصبيان ثم النساء.
" كجنائزهم ": فكذلك الجنائز في القبر وعند صلاة الإمام يقدم الرجال ثم الصبيان ثم النساء، فعند الصلاة يوضع الرجال مما يلي الإمام ثم الصبيان ثم النساء.
وفي القبر: فعندما يُراد دفنهم في قبر واحد فيوضع الرجل في اللحد ثم يوجه إلى القبلة، وبعده الصبي ثم المرأة، وسيأتي الكلام على هذا في صلاة الجنازة.
أما هنا: فذكر المؤلف أنه يستحب أن يلي الإمام: الرجال ثم الصبيان ثم النساء، وهذا باتفاق العلماء، لما ثبت في مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (ليليني منكم ألو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)
وروى الترمذي بإسناد فيه شهر بن حوشب وهو مختلف فيه وهو إلى الضعف أقرب أن أبا مالك الأشعري - رضي الله عنه - قال: (لأحدثنكم بصلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - فأقام الصلاة ثم صف الرجال ثم صفَّ الغلمان ثم صلى بهم) هذا باتفاق العلماء ودليله حديث مسلم.
وأقربهم إلى الإمام أكملهم وأفضلهم.
- فإن تقدم إلى موضعه المفضول فهل للفاضل أن يؤخره عن موضعه أم لا؟
قولان لأهل العلم:
الشافعية قالوا: ليس له أن يؤخره، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - – كما في مسلم – نهى أن يقام الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه.
وقال الإمام أحمد: أنه يجوز له ذلك، لأنه في مكان ليس له، بخلاف من جلس في مجلس فلا يجوز أن يقام منه.
واستدل بحديث: (ليليني منكم ألو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) وفي مسند أحمد وسنن النسائي بإسناد جيد: من حديث قيس بن عبَّاد أنه صلى مع أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فأتى أبيّ بن كعب فنحاه وقام محله فلما انصرف من صلاته قال: يا بني لا يسوؤك الله فإني لم آتك الذي لم آتيتك بجهل وإنما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (كونوا في الصف الذي يليني) فهذا يدل على جواز ذلك؛ لأنه هو الأحق به.
قال الإمام أحمد: " يليه الشيوخ وأهل القرآن ثم الذين يلونهم "، فعلى ذلك: يصف الرجال ثم الصبيان ثم النساء،، وليس المراد أن يصف الصبيان في صف بمفردهم وإن كان في الصف المقدم الذي فيه الرجال مواضع يمكن للصبيان أن يصفوا فيها، بل المراد أنه إذا تمت صفوفهم صلى الصبيان خلفهم.
والحمد لله رب العالمين
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ومن لم يقف معه إلا كافر أو امرأة أو من علم حدثه أحدُهما أو صبي في فرض ففذّ)
أي من لم يقف معه في مكانه الذي صف فيه خلف الإمام إلا امرأة أو كافر أو من علم حدثه أحدهما أو صبي في فرض فهذه أربع مسائل فيمن تكون صلاته صلاة فذ:
الأولى: إذا كان مصافاً لكافر، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم؛ لأن الكافر لا تصح صلاته فلم تصح مصافته فيكون فذا فتبطل صلاته إلا من عذر.
الثانية: مصافة المرأة فيكون فذاً – حينئذٍ –، وهو مذهب الحنابلة خلافاً لجمهور العلماء.
قالوا: لأن هذا الموضع الذي تقف فيه المرأة مع الرجل في الصف غير معتد به فكان كعدمه، وهو قول ظاهر.
الثالثة: إذا علم حدثه أحدهما: أي إذا علم أحد المتصافين حدث الآخر أو علم المحدث حدث نفسه وإن جهل ذلك المصاف فيكون فذا.
وهذه شبهة بمسألة سابقة، فيقال هنا كما قيل هناك من التفصيل، والتفصيل أن يقال: إنْ علم المصلي حدث من صافه فإنه كالفذ، وأما إن لم يعلم فإنه لا يضره ذلك؛ لأنه غير مفرط وإن كان الآخر قد علم حدث نفسه، فكون الشخص يعلم حدث نفسه لا يؤثر في غيره، لكن المؤثر أن يكون الآخر قد علم بالحدث، فحينئذٍ تكون صلاته كصلاة الفذ.
الرابعة: " أو صبي في فرض " فمصافة الصبي في الفريضة تصير المصاف له كالمصلي خلف الصف فذاً.
قالوا: لأن صلاته نفل، وهذا يصلي مفترض فلم يجز أن يصاف المفترض المتنفل.
هذا هو المشهور في المذهب.
وقال بعض الحنابلة وهو القول الراجح: إن مصافة الصبي صحيحة كإمامته.
وهذه المسألة تبنى على الإمامة، فحيث قلنا إن إمامة الصبي في الفرض صحيحة، قلنا بصحة مصافته، وإن قلنا أنها باطلة قلنا ببطلان مصافته.
وقد تقدم ترجيح صحة إمامته في الفريضة فكذلك صحة مصافته في الفريضة.
ويدل على صحتها: حديث أنس المتقدم وإن كان في النافلة لكن ما ثبت نفلاً فهو ثابت فرضاً: في قوله في صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - في بيت أم سليم قال: (قمت أنا ويتيم خلفه وأم سليم خلفنا)
ولأن إمامته صحيحة فأولى من ذلك أن تصح مصافته ولما ثبت من قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا رجل يتجر على هذا فيصلي معه) فإنه يصلي معه ويصافه – أي المتجر – وهو متنفل، وأما الآخر فهو مفترض، فصاف المتنفل المفترض ولم يؤثر ذلك في مصافته شيئاً.
فعلى ذلك: الراجح أن الصبي تصح مصافته كما هو قول لبعض الحنابلة.
قال: (ومن وجد فرجة دخلها وإلا عن يمين الإمام)
إذا أتى من يريد الصلاة فوجد فرجة في الصف فإنه يدخلها لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (من وصل صفاً وصله الله) وقوله: (ولا تذروا فرجات للشيطان) وقد تقدم تخريجها.
" وإلا عن يمين الإمام " فإن لم يجد فرجة في الصف فإنه يقف عن يمين الإمام.
- هذا هو المذهب.
لأنه موقف للمنفرد مع الإمام، وتصح أيضاً باتفاق العلماء في الجماعة أن يصلي بعضهم عن يمين الإمام وبعضهم عن يساره فثبت موقفاً أصلاً فجاز أن يقف هنا عن يمينه. - وقال بعض الحنابلة: بل يصلي فذاً، وهو اختيار شيخ الإسلام وهذا القول هو الراجح.
وإن كان القول بجواز وقوفه عن يمين الإمام جائزاً لأنه موقف في الصلاة، ولأن أبا بكر صلى عن يمين النبي - صلى الله عليه وسلم - فكان مقتدياً بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فلا بأس أن يصلي عن يمينه إلا أن الأولى أن يصلي وراء الصف فذاً كما هو اختيار شيخ الإسلام وهو اختيار طائفة من الحنابلة.
قال: (فإن لم يمكنه فله أن ينبه من يقوم معه)
فإذا لم يمكنه أن يقف عن يمين الإمام فله أن ينبه من يقوم معه بنحنحة أو تسبيح أو نحو ذلك من غير جر، بل ينبه لغيره – هذا هو المشهور في المذهب.
- وذهب بعض الحنابلة وهو الراجح: أنه يصلي فذاً من غير أن ينبه لأن في تنبيهه شيء من التشويش على المنبَّه، وفيه ترك فرجة في الصف قد لا يوصل فكان الأولى أن يترك المصلي في موضعه ويصلي خلف الصف معذوراً وتصح صلاته.
وهل له أن يجرَّ أم لا؟ قال جمهور العلماء: ليس له أن يجرَّه، وهو اختيار شيخ الإسلام وهو المشهور في المذهب وأن ذلك مكروه.
وقال بعض الحنابلة وهو اختيار الموفق: أن ذلك لا يكره، لحديث الطبراني من حديث وابصة بن معبد وفيه: (ألا دخلت معهم أو اجتررت أحداً) لكن الحديث إسناده ضعيف جداً فإن فيه راو متروك.
وقال ابن عقيل من الحنابلة بتحريم ذلك، وهو قوي لما يترتب على ذلك من تشويش على المأموم، ومن نقل له من محل فاضل إلى مفضول، ومن حركة في الصلاة بلا حاجة، ومِنْ تَرْك فرجة في الصف قد أمر الشارع بسدها، فكان هذا القول فيه قوة، وإن كان المقطوع به هو الكراهية، لكن القول بالتحريم قول قوي.
قال: (فإن صلى فذاً ركعة لم تصح) تقدم الكلام على هذا، في أن من صلى خلف الصف فذاً ركعة لم تصح صلاته.
وظاهر قوله: " ركعة " ركوعها وقيامها وسجدتيها.
فإذا صلى معه أحد قبل أن يتم الركعة أو دخل هو في الصف صحت صلاته– هذا ظاهر كلامه.
قال: (وإن ركع فذاً ثم دخل في الصف أو وقف معه آخر قبل سجود الإمام صحت) " وإن ركع فذاً ثم دخل في الصف " بمعنى: رأى الناس راكعين، فركع قبل أن يصل إلى الصف، ثم دب راكعاً فدخل في الصف، فهل تصح صلاته أم لا؟
1- قال جمهور العلماء: تصح صلاته ويجزئه ذلك، واستدلوا بحديث أبي بكرة في البخاري: أنه انتهى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو راكع فركع قبل أن يصل إلى الصف، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (زادك الله حرصاً ولا تعد)
وفي أبي داود من حديثه: (فركع دون الصف ثم مشى حتى دخل في الصف)
وفي مستدرك الحاكم بإسناد صحيح عن عطاء بن أبي رباح قال: (كان عبد الله بن الزبير يقول على المنبر: إذا دخل أحدكم المسجد والناس ركوع فليركع حين يدخل ثم ليدب راكعاً حتى يدخل في الصف فإن ذلك السنة)
ورواه البيهقي عن أبي بكر بإسناد ضعيف.
ورواه عن زيد بن ثابت وابن مسعود وهما من كبار فقهاء الصحابة بإسنادين صحيحين.
وهو قول جمهور العلماء.
2- وعن الإمام أحمد: أن الصلاة تبطل للعالم، أما إن كان جاهلاً فصلاته تصح لقوله: (زادك الله حرصاً ولا تعد) لكن هذا معارض لما دلت عليه قواعد الشريعة من أن الجاهل يكون معذوراً بالفعل عن الإثم، لكن يؤمر بالإعادة كما ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر المسيء صلاته بأن يعيد الصلاة ولحديث عبد الله بن الزبير: (فإن ذلك السنة)
إنما نفسر قوله: " زادك الله حرصاً ولا تعد " بالنهي عن الإسراع، ومن ذلك الركوع دون الصف، فإنه إسراع وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إذا سمعتم الإقامة فامشوا وعليكم السكينة والوقار فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) فهذا الفعل مكروه، لكنه ليس بمبطل للصلاة ولا محرم هذا القول الراجح – وهو المشهور في المذهب.
" أو وقف معه آخر " بأن يكون دخل معه آخر وهو يدب إلى الصف فوقف قبل سجود الإمام.
وظاهره أنه لو سجد الإمام السجدة الأولى وهو لم يدخل في الصف أنه لا يدرك بذلك الركعة، ويكون كذلك قد صلى خلف الصف فذاً فبطلت صلاته.
وقال في المغني وهو أظهر: قبل تمام الركعة.
وهو أظهر، فلا يقال قبل سجود الإمام وإنما يقال – على الأظهر – " قبل تمام الركعة " لما تقدم – وقد تقدم قوله – " فإن صلى ركعة فذاً ركعة لم تصح " فكذلك هنا قبل تمام الركعة.
وعليه: فإن دخل في الصف والإمام ساجد في السجود الثاني أجزأه ذلك.
وإن كان ظاهر الأحاديث كحديث ابن الزبير مطلق ذلك، وأنه بتكبيرة الإحرام والركوع يكون بذلك أدرك الصلاة، وإن لم يدرك الإمام إلا بعد تمام الركعة.
لكن جمهور العلماء قد اتفقوا على أنه إذا أدركه بعد تمام الركعة فإن الصلاة تبطل ويكون قد صلاها فذاً خلف الصف.
إذن: إذا دخل في الصف قبل تمام الركعة أو وقف معه أحد قبل تمام الركعة فإن الصلاة تصح منه، وإن أدركه بعد تمام الركعة فإنه يكون بحكم من صلى خلف الصف وحده، وقد تقدم بطلان صلاته كما هو مذهب الحنابلة، والله أعلم.
استدراك:
هنا قيد لم يذكره المؤلف – وهو معتبر عند الحنابلة – وهو أن يكون ذلك بقيد خشية فوات الركعة.
فإن ركع قبل الصف وكان قد خشي الركعة أجزأه، وإن لم يخش فوات الركعة لم يجزئه.
والقول الثاني في المذهب: أنه يجزئه ذلك مطلقاً وإن لم يخش فوات الركعة، ما دام أنه يسعى إلى الدخول في الصف.
قالوا: لأن التفريق في مثل هذه المسألة بين خشية فوات الركعة وعدمه تفريقٌ غير مؤثر، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا)
فعليه يجوز مطلقاً مع الكراهية، أي سواء خشي فوات الركعة أم لا.
والحمد لله رب العالمين
فصل
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (يصح اقتداء المأموم بالإمام في المسجد وإن لم يره ولا من ورائه إذا سمع التكبير، وكذا خارجه إن رأى الإمام أو المأمومين)
هنا مسائل:
الأولى: في حكم صلاة المأموم مع إمامه في المسجد:
فهنا قال: " يصح اقتداء المأموم بالإمام في المسجد وإن لم يره " إذن يصح اقتدائه وإن لم ير الإمام ولا من وراء الإمام بشرطٍ وهوا أن يسمع التكبير.
كأن يصلي بعض المأمومين في سطح المسجد أو ساحته أو منارته أو في حجرة منه ولم يروا الإمام ولا المأمومين فإن الصلاة تصح بشرط وهو مكان الاقتداء.
فإذا أمكن الاقتداء صحت الصلاة بإجماع العلماء.
ومثل ذلك: صلاة النساء اللاتي يصلين في غرفة في المسجد مع إمكان الاقتداء بسماع تكبيرة الإمام وقراءته ولو لم يرين الإمام أو المأمومين.
وهل يشترط اتصال الصفوف أم لا؟
قالوا: لا يشترط اتصال الصفوف، وهذا باتفاق أهل العلم حتى حكاه المجد بن تيمية إجماعاً ولم أر فيه خلافاً.
وهذا يقع في المساجد الكبيرة عندما يصلي بعض الناس متأخراً في مؤخرة المسجد صفاً، والناس يصلون وبينهم وبين هذا الصف مسافات كبيرة، فإن الصلاة تصح باتفاق أهل العلم.
ولكن هذا الفعل يكره لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر المسلمين بأن يتراصوا في الصفوف كما تراص الملائكة، وهذا خلاف ما أمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - بل ظاهر ذلك التحريم، لكن الصلاة [تصح] باتفاق أهل العلم مع ثبوتهم في المسجد، والمراد إن لم يقف فذاً – على الراجح -.
الثانية: عند قوله: " وكذا خارجه إن رأى الإمام أو المأمومين "
أي الحكم كذلك إذا صلى المأموم خارج المسجد لكن بشرط أن يرى الإمام أو المأمومين.
فلو صلى رجل في بيت بجوار المسجد مرتفع على المسجد يرى الإمام أو يرى المأمومين كما يقع هذا في المسجد الحرام فإن الصلاة تصح لما ذكر المؤلف هنا – هذا هو المشهور في المذهب.
- وقال بعض العلماء وهو رواية عن الإمام أحمد ومذهب المالكية: لا تشترط الرؤية أيضاً بل الشرط هو إمكان الاقتداء، فإذا كان يسمع التكبير صحت ولو لم يره – وهذا القول أصح من هذا القيد المتقدم – إلا أن في المسألة من أصلها نظراً كما سيأتي.
والراجح الثاني: لأن المقصود من الرؤية الاقتداء، وسماع التكبير يحصل به المقصود من الاقتداء فلم تشترط الرؤية.
- لكن النظر هو هل يشترط اتصال الصفوف أم لا؟
1- قال الحنابلة في المشهور عندهم: لا يشترط ذلك كما هو ظاهر قول المؤلف هنا.
وعليه فلو صلى في بيته وسمع القراءة والتكبير فله الاقتداء في مذهب المالكية ومن تقدم ذكره، وفي مذهب الحنابلة إذا كان يرى الإمام وبعض المأمومين.
2- وقال الموفق ابن قدامة رحمه الله: يشترط اتصال الصفوف وهذا هو الراجح، وذلك لأن الإمام والمأموم إذا كانا في المسجد فهما في موضع الجماعة، فتجاوزنا عن اشتراط الاتصال لكونهما في محل الجماعة.
أما والحالة هذه - فبعض المأمومين خارج المسجد -، فاشترط الاتصال ليكون حكم الخارج عن المسجد حكم الداخل فيه لوجود الاتصال بينهما وللعذر، فهذا هو القول الراجح، ولولا الإجماع المتقدم المذكور في المسألة السابقة لقلنا باشتراط اتصال الصفوف في المسجد لأنه هو هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - وكل عمل ليس على هديه فهو رد.
فعلى ذلك هنا مسألتان: الأولى: إذا اقتدى المأموم بالإمام في المسجد فهنا لا تشترط الرؤية للإمام ولا لبعض المأمومين، وإنما الشرط هو إمكان الاقتداء، ولا يشترط أيضاً – بإجماع العلماء – اتصال الصفوف، لكنه يجب على الراجح كما تقدم.
الثانية: إذا كان المأموم خارج المسجد فالصحيح: أنه يشترط أن يتصل صفه بالصفوف التي في المسجد، وهو اختيار الموفق.
ولا يشترط – حينئذٍ – لا الرؤية بل الشرط هو إمكان الاقتداء برؤية أو سماع أو غيره فلا فرق بين الرؤية ولا السماع.
مسألة: إن كان بين المأمومين خارج المسجد وداخله – طريق أو نهر أو نحو ذلك – فهل يصح الاقتداء مع إمكانه " أي مع السماع أو الرؤية أم لا؟ قولان لأهل العلم: فالمشهور في المذهب: أن الاقتداء لا يصح لثبوت هذا الفاصل بينهما، فهو كالجدار ونحوه لأنه ليس محلاً للصلاة، فكان كالحجاب الذي يمنع الرؤية.
وقال بعض الحنابلة وهو اختيار الموفق ابن قدامة وهو مذهب الجمهور: يصح الاقتداء لإمكانه، وكون هذا الفاصل بينهما – الذي هو ليس محلاً للصلاة – كونه موجوداً مع كونه لا يمنع الاقتداء، هذا لا يؤثر، فلا يمنع من الاقتداء، وكونه ليس محلاً للصلاة هذا لا يؤثر في الاقتداء.
فكون الموضع لا يصلى فيه لا يعني أنه لا يجوز أن يكون فاصلاً بين الإمام وبين المأمومين، فهذه مسألة الصلاة، وهذه مسألة الاقتداء.
وهذا هو القول الراجح.
فلو فصل بين المأمومين بعضهم عن بعض نهر أو طريق – كأن يصلي الناس في محل بينهم وبين المسجد الجامع طريق، وهذا الطرق لا يمكن أن يشغل بالمصلين لكونه طريقاً لمرور الناس فلا تتم المصلحة إلا بتركه مفتوحاً، فلو قدر مثل هذا فالراجح صحة الاقتداء مع إمكانه.
استدراك:
تقدم وجوب اتصال الصفوف فما هو ضابط ذلك؟
للحنابلة ثلاثة أقوال فيه:
منهم من قال: أن يكون بين كل صف وصف ثلاثة أذرع، وهذا هو الذي يكفي للمصلي في ركوعه وسجوده.
وقال بعضهم: ألا يكون بينهما ما يصح أن يكون صفاً، وذلك ما يقارب ستة أذرع أو خمسة.
وقال الموفق ابن قدامه: ألا يكون بينهما بعدٌ لم يجر العرف به.
والقول الثاني: لا دليل عليه، فكونه يكون بينهما خمسة أذرع أو أربعة أذرع هذا يخالف الشرع.
وأما الثالث: وهو كونه راجعاً إلى العرف، هذه المسألة لا ضابط لها، فهذه مسألة شرعية قد حددها الشارع فلا ينبغي الرجوع فيها إلى العرف.
فكان أولاها بالصواب القول الأول: وأنه ثلاثة أذرع، لكن يخفف فيما لو كان نحوه كأربعة أذرع أو نحوها وإن كان خلاف السنة لكن مثله لا يؤثر، كما أن الصفوف تصح مع عدم وجود المراصة في الأكعب والمناكب ويتجاوز عن الشيء اليسير فيها، فكذلك هنا.
فالتحديد ينبغي أن يكون بثلاثة أذرع ونحوها وهو قول طائفة من الحنابلة.
والحمد لله رب العالمين
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وتصح خلف إمام عال عنهم، ويكره إذا كان العلو ذراعاً فأكثر)
هذه مسائل في صلاة الإمام في موضع عال عن المأمومين.
الأولى قوله: (تصح) .
الثانية قوله: (وتكره) .
الثالثة قوله: (إذا كان العلو ذراعاً فأكثر) وظاهره أنه إذا كان أقل من ذراع أن الصلاة لا تكره.
فهذه ثلاث مسائل:
المسألة الأولى – وهي أصل المسألة – كراهية ذلك وأن صلاة الإمام في موضع عال أنها مكروهة.
ودليله ما رواه أبو داود والحديث صحيح بشواهده: (أن حذيفة صلى في المدائن على دكان " موضع شاخص مرتفع " فأخذ أبو مسعود بقميصه فلما فرغ من صلاته قال أبو مسعود: (ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك؟) وفي رواية بن حبان: (أليس قد نهى عن ذلك؟ فقال: بلى قد ذكرت حين مددتني) أي حين أخذت قميصي فجبذته) فهذا الأثر فيه كراهة ذلك.
وقوله: (كانوا ينهون عن ذلك) يحتمل أن يكون المراد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، ويحتمل أن يكون المراد أصحابه على وجهه يحتج به فيكون إجماعاً لاحتجاج أبي مسعود وإقرار حذيفة - رضي الله عنهم -– وهو مذهب جمهور العلماء، وأن صلاة الإمام في موضع عال عن المأمومين أنها تكره.
2- والثانية: قوله: (وتصح) هذا المشهور في المذهب وهو الراجح خلافاً للقول الثاني فيه.
والأول هو الراجح وأنها صحيحة وإن صلى الإمام في موضع عال؛ لأن النهي لا يعود إلى ذات الصلاة، ولأن أبا مسعود وحذيفة لم يثبت عن الأول منهما الأمر بالإعادة ولا عن الثاني الإعادة، فدل ذلك على صحة الصلاة.
ومعلوم أن ما يقع من الصلاة جهلاً يؤمر المكلف بإعادة الصلاة حيث كان مبطلاً لها.
3- الثالثة: وهي كراهيته بقيد أن يكون ذراعاً فأكثر.
قاعدة الاستثناء عند المذهب: أن يكون العلو يسيراً.
واستدلوا بما ثبت في الصحيحين من حديث سهل بن سعد قال: (صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - على المنبر فكبر وكبر الناس وراءه وهو على المنبر ثم رفع فنزل القهقرى حتى سجد في أصل المنبر ثم عاد إلى المنبر، فلما فرغ من صلاته قال: (أيها الناس إني صنعت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي) . قالوا: والظاهر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما كان رقيه على الدرجة الأولى وذلك نحو ذراع قالوا: فهذا العلو اليسير لا يكره.
- وقال بعض الحنابلة: بل يكون ذلك إلى قامة المأموم أي إلى ارتفاعهم، لأن ذلك يحوجهم إلى رفع البصر المنهي عنه للإقتداء بالإمام، فالمأموم يحتاج أحياناً إلى النظر إلى الإمام للإقتداء به.
وما ذكروه - أهل القول الأول والقول الثاني – فيه نظر، والأظهر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما رقي على المنبر كما يرقى عليه إذا خطب، وذلك أن يكون رقيه ثلاث درجات كما كان يفعل ذلك في خطبته.
لكن الحديث يحمل على الراجح – كما حملها الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه وهي غير مشهورة وهو مذهب الشافعية يحمل - على استثناء ذلك للتعليم.
فيكون لا بأس به للتعليم، ومثل ذلك عامة المواضع التي يحتاج الإمام فيها أن يكون مرتفعاً كأن يضيق المسجد وتكون مقدمته ضيقة فلا بأس بذلك.
فالمشهور عند الشافعية حمل هذا الحديث على جواز الارتفاع من الإمام عن المأمومين بلا كراهية حيث كان للتعليم ونحوه، وهو الراجح وهو رواية عن أحمد.
أما ما ذكره الحنابلة من أن ذلك علواً يسيراً وهو نحو ذراع فإن ذلك فيه نظر، وكون ذلك للإقتداء موضع نظر فإن الاقتداء يتم بسماع التكبير ونحوه.
فعلى ذلك الأظهر مذهب الشافعية من كراهية العلو للإمام مطلقاً إلا أن يحتاج فعل ذلك للتعليم.
أما الحنابلة فمذهبهم أنه يكره مطلقاً للتعليم وغيره، لكن استثنوا من ذلك ما إذا كان دون الذراع أي الارتفاع اليسير، والأظهر الأول.
قال: (كإمامته في الطاق)
الطاق هو المحراب أي يكره كذلك كما يكره له أن يؤم في المحراب - وهو مشهور معروف –.
- وهذا هو المشهور في المذهب من كراهية صلاة الإمام في المحراب.
قالوا: لأنه يستتر عن بعض المأمومين فيفوت بعض الاقتداء.
وعليه: سجوده فيه لا بأس به؛ لأنه لا يفوت ذلك شيئاً من الاقتداء، وكذلك إذا كان المأمومون قليلين بحيث يقتدون به وإن صلى في المحراب فإنه لا يكره ذلك.
وهل يشرع وضع المحراب في المسجد؟ المشهور عند الحنابلة: أن ذلك مباح؛ لأنه يستدل به على معرفة القبلة.
وعن الإمام أحمد: استحبابه، واختاره بعض أصحابه؛ ليستدل به على معرفة القبلة.
وعن الإمام أحمد رواية أخرى: تدل على الكراهية، كما ذكر ذلك صاحب الإنصاف، وهي الراجحة وهي كراهية ذلك.
وهي قول الحسن البصري فقد قال: (الطاق في المسجد أحدثه الناس) وكرهه.
وحكى للإمام أحمد الكراهية عن علي وابن مسعود وابن عمر وأبي ذر - أى كراهية الصلاة في المحراب -. وهو بدعة لم تكن في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا أصحابه كما ذكر ذلك السيوطي، وإنما كان ذلك في المائة الثانية، وكما يدل على ذلك قول الحسن المتقدم.
وقد روى ابن أبي شيبة بإسناد ضعيف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا تزال أمتي بخير ما لم يتخذوا في مساجدهم مذابح كمذابح اليهود والنصارى) والمذابح هي المحاريب لكونها يذبح فيها، أي تذبح فيها القرابين، فهي المحاريب كما ورد هذا في لسان العرب وغيره من كتب اللغة.
وروى الطبراني والبيهقي بإسناد لا بأس به أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال – من حديث ابن عمر -: (اتقوا هذا المذابح يعني المحارب) فسر ذلك ابن الأثير بأن المراد من ذلك صدور المجالس.
وفسره السيوطي في كتابه بالمحاريب، وهو الأظهر عندي؛ لثبوت ذلك عن ابن مسعود، فقد روى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود بإسناد صحيح إلى إبراهيم عن ابن مسعود وروايته عنه صحيحة، قال: (اتقوا هذه المحاريب) فالأظهر أن هذا الحديث يحمل على المحاريب.
قال ابن مسعود – وقد كره الصلاة في الطاق – كما عند البزار: (إنما كانت للكنائس فلا تشبهوا بأهل الكتاب) ، وهذا الوجه الثاني في النهي عنها أنها تشبه بأهل الكتاب وأنها ليست من سنن المسلمين، وإنما استحبها من استحبها من أهل العلم للاستدلال بها على القبلة، لكن هذا قد وجد مقتضاه في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - من الحاجة إلى الاستدلال إلى القبلة فلم يفعله النبي - صلى الله عليه وسلم - بل كان – كما في الطبراني – بإسناد جيد: (كان قد أتخذ لقوم مسجداً فنصب في قبلته خشبة) . فنصب الخشبة - ونحوها مما يصح سترة - يكفي في معرفة القبلة فحينئذ يكون اتخاذها بدعة كما تقدم في كراهية ذلك، فإنه لا يكره ما كان مشروعاً، فدل على أن ذلك بدعة.
وكونه لم يكن على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا خلفائه الراشدين بل أحدث في المائة الثانية، وكما نص على ذلك الحسن، ووجود مقتضاه على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - مع عدم فعله والاستغناء به عن غيره يدل على عدم مشروعيته.
قال: (وتطوعه موضع المكتوبة إلا من حاجة)
أي يكره للإمام أن يتطوع في الموضع الذي صلى فيه المكتوبة إلا من حاجة كضيق مسجد، كما أن الصلاة في المحراب إذا احتيج إليها لكثرة المصلين فإنه يصلي فيه للحاجة فهنا كذلك.
فيكره له أن يصلي في موضعه الذي صلى فيه المكتوبة إلا من حاجة.
واستدلوا: بما رواه أبو داود وغيره من حديث المغيرة: والحديث صحيح لشواهده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا يصلي الإمام في موضعه الذي صلى فيه حتى يتحول) فهذا نهي من النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وأما المأموم فقالوا: الأولى له ترك موضعه والصلاة في موضع غيره من غير كراهية.
واستدلوا بما رواه أبو داود وغيره أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (أن يعجز أحدكم إذا صلى أن يتقدم أو يتأخر أو عن يمينه أو عن شماله في الصلاة يعني السُبحة) والحديث ضعيف فيه إبراهيم بن إسماعيل وهو مجهول، فالحديث لا يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقد ثبت عن ابن عمر ما يخالف ذلك فقد ثبت في البخاري معلقاً: (أن ابن عمر كان يصلي التطوع في مقامه الذي صلى فيه المكتوبة) ، وثبت ذلك عن محمد بن القاسم، وهو من الفقهاء السبعة، وعن سالم بن عبد الله بن عمر، ثبت عنهم فعل ذلك، وليس في السنة ما يدل على كراهية هذا الفعل.
فإن صلى في موضعه فلا بأس وإن تنحى فصلى في موضع آخر فلا بأس أيضاً.
قال: (وإطالة قعوده بعد الصلاة مستقبل القبلة)
أي يكره للإمام أن يطل القعود بعد الصلاة مستقبل القبلة، وعليه: فإن القعود اليسير لا بأس به.
- وعن الإمام أحمد: كراهيته أيضاً – أي القليل – وهو أظهر.
قال: (فإن كان ثمَّ نساء لبث قليلا لينصرفن) تقدم البحث في هذا في مسألة سابقة في الكلام على الذكر في صفة الصلاة.
قال: (ويكره وقوفهم بين السواري إذا قطعن الصفوف) أي يكره وقوف المأمومين المصطفين وراء إمامهم، يكره وقوفهم بين السواري إذا كانت السواري تقطع الصفوف، وكما تقدم فإن الكراهية تزول عند الحاجة، فإذا ازدحم المصلون فاحتاجوا إلى أن يصلوا بين السواري فإنه تزول حينئذ الكراهية.
لأن القاعدة: أن الكراهية تزول عند الحاجة إلى الفعل.
واستدلوا: على الكراهية بما رواه الخمسة بإسناد صحيح عن أنس قال: (كنا نتقي هذا على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، يعني الصلاة بين السواري) . فإذن: يكره ذلك لأنه يقطع الصفوف لكن الكراهية تزول عند الحاجة إلى الفعل – كما تقدم -. والحمد لله رب العالمين.
فصل
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويعذر بترك جمعة أو جماعة مريض)
هذا الفصل في الأعذار التي يجوز فيها ترك الجمعة والجماعة.
(مريض) المريض: هو الذي يشق عليه حضور الجماعة فلا يجب عليه حضورها، لقوله - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه ابن عباس في سنن أبي داود، وقد تقدم الحديث: (من سمع النداء فلم يأت فلا صلاة له إلا من عذر) والمرض عذر، وقد عذر الله به عن الصيام ونحوه من الأحكام، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما مرض صلى في بيته، وقال كما في الصحيحين: (مروا أبا بكر فليصل بالناس) .
ومثل ذلك: لو خشي المرض كانتشار وباء أو تعرض لريح شديدة أو نحو ذلك وهو يخشى المرض بها.
ومثل ذلك: تباطؤ المرض وتأخره، فكله من هذا الباب فيعذر في ترك الجمعة والجماعة – وهذا باتفاق العلماء أي أنه معذور في حضور الجمعة والجماعة حيث كان يشق عليه ذلك.
قال: (ومدافع أحد الأخبثين ومن بحضرة طعام محتاج إليه)
تقدم هذا في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان) في مكروهات الصلاة.
قال: (وخائف من ضياع ماله أو فواته أو ضرر فيه، أو موت قريبه، أو على نفسه من ضرر أو سلطان أو ملازمة غريم ولا شيء معه أو فوات رُفقة)
الخوف عذر لترك الجمعة والجماعة، وهو ثلاثة أنواع: 1- خوف على النفس.
2- وخوف على المال.
3- وخوف على الأهل والولد.
فالخوف على النفس من سلطان أو سبع أو سيل أو غير ذلك.
والخوف على المال بتفويته، من سرقة أو فساد مال أو نحو ذلك.
كأن يصلح رجل مالاً له فخشي إن ذهب فسد فيجوز له ترك الجمعة والجماعة.
وكذلك لو أن رجلاً له دواب يخشى ضياعها فيجوز له ترك الجماعة.
والخوف على الأهل والولد: كأن يكون رجل معه أهله وولده في مدينة غير آمنة فخشي إن وقف عند المسجد ضاع أهله أو ولده فيجوز له ترك الجمعة أو الجماعة.
(وخائف من ضياع ماله أو فواته) الفرق بين الضياع والفوات أن الضياع مع حصوله، وأما الفوات فقد لا يكون مع حصوله.
فمثلاً: رجل يظن أنه يجد عبده الآبق في وقت صلاة الظهر فيجوز له أن يدعها جماعة لحصول ماله.
أو يظن أنه يجد بهيمة أو دوابه في وقت من أوقات الصلاة ويخشى إن فات هذا الوقت أن يضيع هذا المال أو يفوت عليه فيجوز له ترك الجمعة أو الجماعة.
(أو موت قريبه) سواء كان بمرضه أو لا.
قالوا: لأنه إن كان يمرضه فهذا لحاجة هذا الحي إليه، وإن كان لا يمرضه فلأن المشقة التي يجدها في نفسه من فوات توديعه قبل موته أعظم في نفسه مما أمر الشارع بترك الجمعة والجماعة له من طعام ونحوه، فنفسه تتوق إلى رؤية ميته وتوديعه قبل موته، وهذا أكثر مشقة من الطعام الذي أمر الشارع بترك الجماعة له.
(أو على نفسه من ضرر أو سلطان)
كأن تكون هناك عقوبة من سلطان ما على حضور الجمعة والجماعة، فيجوز تركها لثبوت العذر عليه.
وكل هذه دليلها قوله تعالى: ﴿ما جعل عليكم في الدين من حرج﴾
(أو ملازمة غريم ولا شيء معه) مثال: رجل يقول: أنا إذا ذهبت إلى الجمعة أو الجماعة لازمني غريمي ولا مال معي وأخشى أن يحبسني بماله وأنا عاجز عن السداد، فيجوز له ترك الجمعة والجماعة.
فإن كان مماطلاً فليس له ترك الجمعة والجماعة ولا عذر له.
ومثله قالوا: لو كان عليه قود أي قصاص وهو يرجو العفو، ويعلم إنه إن حبس ثبت القود وهو يرجو العفو فيجوز له أن يترك الجمعة والجماعة.
ولا يجوز له أن يتركها لقصاص أو حد أو نحو ذلك لأنه حق فلا يترك به حق، فلا يكون معذوراً بذلك.
(أو من فوات رفقة) كرفقة في سفر مباح فيجوز له ترك الجمعة والجماعة لثبوت الحرج في ذلك.
قال: (أو غلبة نعاس)
كأن يصاب رجل بسهر فيغلبه النعاس فيؤذن الفجر وهو مصاب بالسهر الشديد وقد غلبه النعاس، فخشي إن انتظر الإمام أن يشق عليه، فحينئذ يجوز له أن يصلي قبل إقامة الصلاة؛ لأنه معذور بغلبة النعاس الذي هو أشق من تطويل الإمام، وقد تقدم في قصة معاذ المتفق عليها أن تطويل الإمام عذر في ترك الجمعة والجماعة والصلاة منفرداً.
قال: (أو أذى بمطر أو وَحَل) .
الوَحَل: بفتح الحاء وهي اللغة الفصيحة، وأما بتسكينها (الوَحْل) فهي لغة ضعيفة.
فإذا كان هناك أذى بمطر أو وحل فله أن يترك الجمعة والجماعة.
ودليله: ما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس أنه: (أمر مؤذنه في يوم مطير إذا قال: (أشهد ألا أله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله) قال له: (لا تقل حي على الصلاة) وقل: (صلوا في بيوتكم) فكأن الناس استنكروا ذلك فقال: " أتعجبون من ذا، فإنه قد فعله من هو خير مني، إن الجمعة عَزْمَة وإني كرهت أن أخرجكم فتمشوا في الطين والدحض) والدَحْض هو الطين الزلق.
فهذا يدل على أن اليوم المطير أو الليلة المطيرة التي يكون فيها دحض ووحل يجوز أن يترك الجمعة والجماعة.
بل ولو كان المطر يبل الثياب حيث كان به أذى فيجوز فيه ترك الجمعة والجماعة، وقد ثبت في أبي داود بإسناد صحيح عن أبي المليح عن أبيه: (أنه شهد مع النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الحديبية في يوم مطير لم يبتل أسفل نعالهم فأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يصلون في رحالهم) .
فهذا يدل على أنه متى كان مطر يثبت به الأذى أو شيء من الحرج أو كان هناك طين أو دحض فإن ترك الجمعة والجماعة جائز لرفع الحرج عن الأمة.
قال: (وبريح باردة شديدة في ليلة مظلمة)
أي لفظة (مظلمة) فلم يذكرها بعض الحنابلة، والظاهر هو تركها؛ لأن الحديث الوارد في هذه المسألة المستدل به ليس فيه ذكر أنها مظلمة، وكذلك لفظة (شديدة) ليست شرطاً عندهم.
قال في الإقناع: (ولو لم تكن شديدة خلافاً لظاهر المقنع)
ودليل الجواز: ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (كان يأمر مؤذنه في الليلة الباردة أو المطيرة أن يقول: (ألا صلوا في رحالكم) .
قوله: (الليلة الباردة) قالوا: هذا دليل على أن الليلة إذا كانت باردة فيها ريح بارد وإن لم يكن ذلك شديداً كما تقدم فإنه يجوز ترك الجمعة والجماعة.
إذن: إذا كانت هناك ليلة باردة، بقيد أن يكون فيها ريح فإنه يجوز له ترك الجمعة والجماعة.
- وقال الشافعية: إذا كان البرد شديداً تركت الجمعة والجماعة ليلاً أو نهاراً.
والظاهر أن مرادهم بالبرد الشديد ما يقع به الحرج، وذلك فيما لم يكن مألوفاً عند الناس كما قيده صاحب حاشية المربع، ولم أرها لغيره لكنه قيد معتبر، فإن المألوف ليس في ذلك حرج عند أهل البلدة الذين ألفوا هذا النوع من البرد بخلاف من لم يألفوه أو كان برداً شديداً خارجاً عما ألفوه.
قال الشافعية: وكذلك الريح الشديدة في الليل فإنه يجوز ترك الجمعة والجماعة.
والظاهر أيضاً: أنه لا فرق بين ليل أو نهار حيث كانت شديدة يلحق بها الحرج.
والقاعدة: في مثل هذه المسائل: أنه متى ثبت الحرج في برد أو ريح شديد سواء كان ذلك في ليل أو نهار فإنه يجوز ترك الجمعة والجماعة – على الراجح -. أما المشهور في المذهب فإنهم يقيدونه بالبرد الذي يكون بريح في ليل، والظاهر عدم اعتبار كون ذلك في ليل أو نهار، لأن الحرج الحاصل بالليل قد حصل مثله بالنهار فلا فرق – حينئذ –. ولا يقيَّد باجتماع الريح والبرد الشديد لحصول الحرج بأحدهما، فإذا وجد أحدهما جاز حينئذ الجمع. - وقال بعض الحنابلة: إذا كان حراً مزعجاً شديداً يفوت معه الخشوع فكذلك، وهو قياس ظاهر لفوات الخشوع كما ذكر.