قوله [ومن لم يقدر على وفاء شيء من دينه لم يطالب به وحرم حبسه] مثاله: رجل مدين سواء كان عن قرض أو عن ثمن مبيع أو نحو ذلك، ففي ذمته ديون لا يقدر على وفائها فهو معسر، فتحرم مطالبته بالدين لإعساره ويحرم حبسه، ودليل ذلك قول الله تعالى ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ فأوجب الله إنظاره فحرمت المطالبة وحرم حبسه، ولما ثبت في مسلم من حديث أبي سعيد الخدري: (أن رجلا أصيب في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - في ثمار ابتاعها فأفلس، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - تصدقوا عليه، فتصدق الناس عليه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لغرمائه: خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك) [م 1556] فدل على أنهم ليس لهم مطالبته وأنه ليس للحاكم أن يحبسه، ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه أبو داود والنسائي والحديث حسن: (لي الواجد يحل عرضه وعقوبته) [ن 4689، د 3628، جه 2427] أي مماطلة الغني تحل عرضه أي أن يقال: مطلني، وتحل عقوبته: أي الحبس، قال ذلك سفيان بن عيينة كما في صحيح البخاري قال:" عرضه أن يقول: مطلني، وعقوبته: الحبس " [خ كتاب في الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس]، ومفهوم هذا الحديث أن غير الواجد لا يحل عرضه ولا عقوبته، فعليه: من لم يقدر على وفاء شيء من دينه لم يطالب به، وحرم حبسه، وأما إن كان معروفا بالغنى أو كان قد اشترى شيئا عن عوض، كأن يشتري سلعة بثمن مؤجل، ثم ادعى الإعسار، فإنه يحتاج إلى بينة تثبت إعساره، لأن الأصل بقاء هذا المبيع الذي قد اشتراه بثمن، والأصل أيضا بقاء غناه، فهو معروف بالغنى، فإذا ادعى الإعسار لم يقبل ذلك إلا أن يأتي ببينة، فإن لم يأت ببينة فإنه يحبس، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لي الواجد يحل عرضه وعقوبته)، والمشهور في مذهب الإمام أحمد أن البينة على الإعسار أن يشهد شاهدان، فإن شهد اثنان على أنه معسر فإن ذلك
يكفي، وعن الإمام أحمد وهو مذهب بعض الحنابلة وبعض الشافعية وهو اختيار ابن القيم أنه لا يكفي لإثبات إعساره إلا ثلاثة، فإذا شهد ثلاثة ممن يخبر حاله على أنه معسر فإن الإعسار يثبت، ودليل هذا ما ثبت في مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجى من قومه لقد أصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش) [م 1044]، فإذا كان هذا في المسألة وفي جواز إعطاء الزكاة، فأولى من ذلك ما يسقط به أداء الدين، فلا شك أن الاحتياط في قضاء حقوق الناس أولى من المسألة ومن إعطائه شيئا من الزكاة، وهذا القول هو الراجح، وأن البينة المثبتة للإعسار يشترط أن يكون ثلاثة ممن يخبر حاله.
قوله [ومن له مال قدر دينه لم يحجر عليه وأمر بوفائه] من ماله قدر دينه فإنه لا يحجر عليه، إذ لا فائدة من الحجر، فالمقصود من الحجر حفظ حقوق الناس، وحيث إن ماله قدر دينه فلا فائدة من الحجر، وفي بعض الشروح:" ومن له قدرة على وفاء دينه "، فلا يحجر عليه إذا لا فائدة من الحجر وهو قادر، لكن يؤمر بالوفاء وذلك لأن مطله ظلم، والواجب على الحاكم أن يمنع الظلم والمماطلة.
واعلم أن المفلس الذي يحجر عليه عند الفقهاء كما هو المشهور عندهم هو من دينه أكثر من ماله، وعليه فإذا كان دينه قدر ماله فإنه لا يحجر عليه، وقد تقدم أن في بعض النسخ كما في بعض النسخ من الروض:" ومن له قدرة "، هذا هو المشهور في مذهب الفقهاء، وفي هذا نظر، فإن العلة التي يحجر بها على من كان دينه أكثر من ماله هي تعلق حقوق الغرماء ذوي الديون الحالة، وهذه العلة ثابتة أيضا فيما إذا كان ماله قدر دينه، ولذا قال بعض الحنابلة:" وكذلك إذا كان قدره ولا كسب له وليس له ما ينفق على نفسه سواه "، وهو كما قال لما تقدم، والأحكام تدور مع عللها وجودا وعدما، فحقوق الغرماء متعلقة بماله حيث كان دينه قدر ماله كأن تكون عنده حلي تساوي عشرة آلاف، وعليه دين يساوي عشرة آلاف، وليس له طريق يتكسب به، فنفقته من هذه الحلي أن يبيعها، فإنه يحجر عليه، أما إذا كان له كسب آخر يأكل منه وينفق منه على نفسه، أو كانت له صنعة ينفق على نفسه منها فإنه كما قال الفقهاء، إذن إذا كان لا مال له سوى هذا المال الذي تعلقت به ديون الناس فإنه يحجر عليه، وعلى هذا فالراجح هو ما ذكره بعض الحنابلة من أن المفلس من كان دينه أكثر من ماله، أو قدر ماله ولا كسب له سواه.
وهل للغريم أن يمنع مدينه من السفر أم لا؟
وبعبارة أخرى: هل لا بد أن يستأذن المدين الدائن عندما يريد السفر؟
المسألة فيها تفصيل:
الحالة الأولى: أن يكون قدومه من سفره قبل حلول الأجل المتفق عليه، فهنا ليس للدائن أن يمنع المدين من السفر، إلا أن يكون السفر سفرا غير آمن كسفر الجهاد ونحوه فله أن يمنعه، إلا أن يقيم ضمينا أو رهنا.
الحالة الثانية: أن يكون قدومه بعد حلول الأجل، فهنا يشترط الاستئذان لتعلق حق الغريم، إلا أن يقيم رهنا أو ضمينا.
قوله [فإن أبى حبس بطلب ربه] فإذا أبى الوفاء فإنه يحبس بطلب رب المال فإنه حقه.
قوله [فإن أصر ولم يبع ماله باعه الحاكم وقضاه] إذا أصر وأبى أن يقضي صاحب الحق حقه فحينئذ يباع ماله عليه ويعطى صاحب الحق حقه، لأن هذا من منع الظلم ومنع الظلم واجب، ودليل حبسه حديث: (لي الواجد يحل عرضه وعقوبته) وهذا لي منه، ولأنه كما قال صاحب الإنصاف:" الغالب أن الحقوق لا تستخرج إلا به - أي بالحبس - أو ما هو أشد منه في الأزمنة المتأخرة " ا. هـ وظاهر كلام المؤلف وغيره من الحنابلة أنه يحبس مطلقا ولو عارض ذلك حق آخر، كأن يكون أجيرا فيكون في حبسه تضييع حق مؤجره، أو أن تكون زوجة فيكون في حبسها تضييع لحق زوجها، واختار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي أنه إذا عارضه حق آخر فإنه لا يحبس وذلك لأنه يمكن أن يجبر على إعطاء الحق بغير حبس، فكان هذا الإجبار بغير الحبس تحصيل للحقين، فيحصل الزوج حقه من زوجته، ويحصل الدائن حقه من مدينه بغير حبس، وهذا هو الظاهر إن أمكن ذلك، فإذا أمكن أن يحجر على المرأة في بيتها وأن تحبس في بيتها فتمنع من الخروج وكان في استطاعة الزوج منعها من ذلك، وكذلك إذا كان هناك قدرة على حبس الأجير ومنعه من غير أن يحبس في غرفة ونحو ذلك فأمكن حفظ حق الغريم من غير أن يكون هناك حبس وأمكن جبره على إعطاء الحق فإن ذلك هو الأولى.
والحجر لا يثبت إلا بحكم الحاكم، وهذا قول الحنابلة وعليه فله أن يتصرف قبل حجر الحاكم عليه، وإن كان هذا التصرف يضر بغرمائه، فمثلا: رجل مدين، وقد استوفت الديون أمواله، فتصدق بشيء من ماله أو أوقفه أو أهداه أو تصرف فيه بأي شيء من التصرفات التي تضر بالغرماء فصريح كلام الحنابلة أنه ينفذ تصرفه ويصح، وإنما لا ينفذ إذا حكم الحاكم بالحجر عليه، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية وهو رواية عن الإمام أحمد وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي أن الحجر يثبت قبل حكم الحاكم متى توفرت دواعيه، فإذا توفر داعي الحجر فليس له أن يتصرف ولا تنفذ تصرفاته، فإذا كان الرجل مدينا وكان في تصرفه ضرر على الدائنين فإن هذا التصرف لا ينفذ، وهذا القول هو الراجح، وذلك لما في من حفظ حقوق الناس، فلو أعتق لم ينفذ عتقه، ولو تصدق لم تنفذ صدقته وهكذا سائر الأحكام، وحكم الحاكم بالحجر لا يعدو أن يكون إظهارا لمنعه من التصرف وإلا فهو ممنوع من التصرف قبل ذلك، لأن الأحكام تدور مع عللها وجودا وعدما والعلة ثابتة قبل حكم الحاكم.
قوله [ولا يطلب بمؤجل] وهذا ظاهر، فإن المؤجل لا يجب أداؤه إلا عند حلوله، فإذا لم يحل فإن أداءه غير واجب، وعليه فلا يطالب به لأنه ليس بواجب.
قوله [ومن ماله لا يفي بما عليه حالا وجب الحجر عليه بسؤال غرمائه أو بعضهم] لما تقدم من حديث معاذ وأثر عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، وتقدم أن العمل عليه عند أهل العلم، فمن كان ماله لا يفي بما عليه من الديون الحالة فإنه يحجر عليه، بسؤال غرمائه أو بعضهم، لأنهم أصحاب الحق، وتقدم القول بأنه يحجر عليه قبل حكم الحاكم لتعلق حقوقهم بذلك كما هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره.
قوله [ويستحب إظهاره] أي يستحب إعلان وإظهار ذلك، ليكون تصرف الناس معه على بصيرة، فيظهر ويبين لئلا يغتر به الناس، فيتصرفون معه تصرفا يضر بهم.
قوله [ولا ينفذ تصرفه في ماله بعد الحجر ولا إقراره عليه] إذا حجر عليه فإنه لا ينفذ تصرفه في ماله، وذلك حق الغريم، فلو أعتق لم ينفذ، ولو وهب أو أوقف وقد حجر عليه فإن هذه التصرفات لا تنفذ، وكذلك لو أقر فإن إقراره يمنع منه وذلك لتعلق حق الغرماء بماله، فيمنع من الإقرار ولا ينفذ إقراره، وظاهر كلامه أن عدم نفوذ تصرفه وإقراره أن ذلك بعد الحجر وأما قبل الحجر فإنه يصح، والصحيح أنه لا يصح لا قبل الحجر - أي حجر الحاكم عليه - ولا بعده، إلا أن الإقرار يصح قبل الحجر إذا أمكن كأن تكون هناك قرائن تدل على ثبوت هذا الإقرار وصحته فإنه يقبل لما فيه من تحصيل حق المقر له، فإذن المشهور من المذهب أن تصرفه بعد الحجر ممنوع والصحيح أنه يمنع من التصرف قبل حكم الحاكم بالحجر وبعده كما تقدم.
قوله [ومن باعه أو أقرضه شيئا بعده رجع فيه إن جهل حجره وإلا فلا]
إذا باع رجل على هذا المفلس شيئا بثمن مؤجل، أو أقرضه شيئا ولم يعلم أنه محجور عليه، فإنه أن يرجع فيأخذ حقه منه، وذلك لأنه معذور بجهله.
فإن قيل: ألا يكون مفرطا لأنه لم يسأل أهو محجور عليه أم لا؟
فالجواب: أن الأصل عدم الحجر، فالأصل هو صحة التصرف ونفوذه.
ومن باعه شيئا قبل الحجر ثم وجد سلعته قائمة بعينها بعد الحجر عليه فهو أحق بها من سائر الغرماء، مثاله: رجل باع رجلا سلعة بثمن مؤجل إلى شهر، وبعد أسبوع أفلس الرجل، وحكم عليه بالحجر، فوجد هذا الرجل سلعته قائمة بعينها لا زيادة فيها ولا نقصان فإنه أحق بها من سائر الغرماء، ودليل ذلك ما ثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من أدرك ماله بعينه عند رجل قد أفلس فهو أحق به) [خ 2402، م 1559] هذا إذا لم يكن فيها زيادة ولا نقصان، فإن كان فيها زيادة كأن يكون عبدا فيعلمه الكتابة، أو أن يكون فيها نقص كأن يشتري سلعة فيتصرف فيها تصرفا ينقصها كطعام ونحوه يؤخذ منه شيء يسير، فقد اختلف أهل العلم، هل له الرجوع أم لا حق له في الرجوع فيكون أسوة الغرماء يأخذ قسطه من الدين كما يأخذ سائر الغرماء قسطهم من الدين؟ قولان لأهل العلم: 1- قال الحنابلة لا رجوع له، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من أدرك ماله بعينه) وهذا لم يدرك ماله بعينه بل أدركه وفيه زيادة أو نقص.
2- وقال المالكية والشافعية بل يرجع، وحينئذ إن كانت السلعة فيها زيادة فإن هذه الزيادة تقوم ويدفع قيمتها للغرماء، وإن كان فيها نقص فيشارك الغرماء بقدر هذا النقص، كأن تكون السلعة سعرها قبل هذا النقص مائة ألف، وبعد النقص أصبحت تساوي ثمانين ألفا، فيشارك الغرماء بعشرين ألفا، فيكون كما لو كان عليه عشرون ألفا فحسب، والصحيح ما ذهب إليه أهل القول الأول، وذلك لثبوت الزيادة والنقص، ولأن الأصل أنها أصبحت ملك للمدين وكل ملك لهذا المدين فالغرماء فيه أسوة، وهم مشتركون فيه، وهذا خلاف الأصل فتعين البقاء على ما ورد، فهو استثناء فتعين البقاء على ما ورد، ولأنه إذا قبض شيئا من الثمن فهو أسوة الغرماء، فكذلك إذا تغير المبيع بزيادة أو نقص، فلو أنه مثلا باعه سلعة بمائة ألف إلى سنة، وأعطاه مقدما خمسة آلاف ثم أفلس هذا المشتري، وحجر عليه فحينئذ لا رجوع لهذا البائع وإن وجد سلعته قائمة بعينها، لا زيادة فيها ولا نقصان، فكما أنه إذا كان هناك استلام للثمن فلا رجوع فكذلك إذا كان هناك تغير في المبيع بزيادة أو نقص، ودليل أنه إذا استلم شيئا من الثمن فلا رجوع له ما رواه أبو داود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (أيما رجل باع متاعه فأفلس الذي ابتاعه ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئا فوجد متاعه بعينه فهو أحق به، وإن مات المشتري فصاحب المتاع أسوة الغرماء) [د 3520] والحديث اختلف في وصله وإرساله، والصواب أنه مرسل، كما رجح هذا أبو داود وغيره، لكن لكل شطر من الحديث شاهد، أما الشطر الأول وهو الذي فيه أنه إذا قبض شيئا من الثمن فلا رجوع له فله شاهد عند الإمام أحمد من حديث الحسن عن أبي هريرة [حم 10415]، وأما الشطر الثاني الذي فيه أنه إذا مات فإن البائع أسوة الغرماء - وهي مسألة أخرى - فلها شاهد عند ابن ماجة من حديث أبي هريرة [جه 2361] وفيه اليمان بن عدي وهو ضعيف لكن حديثه يصلح أن يكون
شاهدا.
فهذا الحديث فيه مسألتان:
المسألة الأولى: أنه إذا قبض شيئا من الثمن فلا رجوع.
المسألة الثانية: أنه إذا مات المشتري المفلس وانتقل الحق إلى الورثة فلا رجوع بل يكون أسوة الغرماء.
قوله [وإن تصرف في ذمته أو أقر بدين أو جناية توجب قودا أو مالا صح] تقدم أنه ليس له أن يتصرف في الأموال التي ثبت الحجر عليها، فليس له أن يتصرف فيها، مثاله: عنده مزرعة ودار ودكان ثبت الحجر عليها، فليس له أن يتصرف فيها ببيع أو هبة أو هدية أو نحو ذلك، لأن مقتضى الحجر منعه من ذلك، ولما في ذلك من الإضرار بحقوق الغرماء، فقد تعلقت حقوق الغرماء بهذه الأموال التي قد ثبت الحجر عليها، ومثل ذلك الإقرار، فلا يجوز، فلو قال هذه الدار - التي ثبت الحجر عليها - لفلان فلا يقبل إقراره، وأما هنا فالأموال التي أقر بها أو التي باع بها قد تعلقت في الذمة، فإذا اشترى في الذمة أو اقترض أو أقر أو نحو ذلك فهي تصرفات صحيحة، وذلك لأنه أهل للتصرف، وهو جائز التصرف، وإنما حجر عليه في ماله لا في ذمته، فالحجر ثابت في هذه الأموال التي قد احتيط لحقوق الغرماء بالحجر عليها، وأما ما يكون في الذمة فإنه خارج عن هذا، فه أن يشتري في الذمة وأن يوصي وأن يقترض وغير ذلك، ولا يطالب هذا المقرض ولا هذا الدائن بحقه في هذه الأموال التي ثبت الحجر عليها، وغنما يطالب بعد الحجر وذلك حقوق الغرماء، ولذا قال المؤلف بعد ذلك:
قوله [ويطالب به بعد فك الحجر عنه] فلا يطالب إلا بعد فك الحجر عنه، لأن هذا الحجر ثابت لحقوق الغرماء، وأما هذا الغريم الذي قد ثبت حقه بعد الحجر فلا حق له في هذه الأموال التي ثبت الحجر عليها.
قوله [ويبيع الحاكم ماله] فيبيع الحاكم هذه الأموال بالأحظ له، فيبيعها بثمن السوق بأفضل ما يكون، فلا يتعجل البيع بل يحتاط له في البيع، فيبيعها من غير عجلة، لأن العجلة في الغلاب تنقص من ثمنه.
قوله [ويسقم ثمنه بقدر ديون غرمائه] مثال هذا: عليه من الديون مائتا ألف، والدائنون أربعة، لكل واحد منهم خمسون ألفا، فكل واحد منهم يريد منه الربع أي بنسبه (25 %)، فإذا بعنا ماله فتحصل نه مائة ألف فلكل واحد منهم (25 %) أي ربع المائة ألف، فكل واحد منهم يأخذ خمسة وعشرين.
قوله [ولا يحل مؤجل بفلس] إذا أفلس الرجل وثبت الحجر عليه فإن ديونه المؤجلة لا تحل، وذلك لأن التأجيل حق له، فلا يسقط بفلسه، فطالما قد اتفقا على أن الدين لا يحل إلا بعد سنة، أو سنتين ثم أفلس فإن هذا لا يعني أن يحل الدين بفلسه.
قوله [ولا بموت إن وثق الورثة برهن أو كفيل مليء]
إذا مات فلا يحل دينه المؤجل، مثال هذا: اقترض رجل من آخر مائة ألف إلى سنة، ثم توفي بعد يوم أو يومين، فلا يحل هذا الدين بل يبقى مؤجلا كما اتفقوا علبه قبل الموت لكن لا بد أن يوثق برهن أو كفيل مليء، فيقال للورثة: إما أن تعطوه حقه، وإما أن توثقوه برهن أو كفيل مليء حفاظا على حقه من الضياع، لأنه إذا مات من عليه الدين وانتقل ماله إلى الورثة فإن هذا مظنة ضياع الحق، ومظنة المضارة بصاحب الحق فلا بد أن يحتاط له، وقال جمهور العلماء وهو رواية عن الإمام أحمد أن الدين المؤجل يحل بالموت مطلقا، وللدائن أن يمنع التوثيق فيقول أنا أريد حقي ويمنع التوثيق برهن أو كفيل، قالوا: لأن هذا الدين إما أن يتعلق بذمة الميت، وإما أن يتعلق بذمة الورثة، وإما أن يتعلق بعين المال الموروث أي بعين التركة، قالوا: أما تعلقه بذمة الميت فهو ممتنع، لأن ذمته قد خربت بالموت، فالمطالبة متعذرة، ولا يمكن أن يعلق بذمة الورثة لأن الدائن لم يرض بذلك، فتعلقه بذمتهم يحتاج إلى رضى، ويحتاج إلى أن يلتزموا، وهذا لم يثبت فكان ذلك ممتنعا، أما إذا التزموا بذلك ورضي به فهذا شيء آخر، ولكن المقصود أن تقع المسألة من غير هذا، وأما تعلقه بعين المال فهذا ممتنع، لأننا إذا علقناه بعين المال فقلنا مثلا: حقه متعلق بهذه الدار التي ورثها الميت فحينئذ يتضرر الميت ببقاء الدين معلقا به، والميت مرتهن بدينه حتى يقضى عنه، ويتضرر أيضا الدائن بتأخير حقه مع احتمال تلف هذه الأعيان أو التلاعب في هذا المال، فيتحمل الضرر عليه، والورثة لا ينتفعون بذلك لأنهم يمنعون من التصرف بهذه الأعيان لتعلق حق الدائن بها، فلا يتعلق بعين المال، فإذا كان لا يتعلق بذمة الميت ولا بذمة الورثة ولا بعين المال تعين أن يكون حالا غير مؤجل، فالراجح أنه يحل بموت الميت، وهذا هو مذهب جمهور العلماء وهو رواية عن الإمام أحمد.
قوله [وإن ظهر غريم بعد القسمة رجع على الغرماء بقسطه] وهذا ظاهر، ففي المسألة السابقة: الغرماء أربعة، فثبت غريم خامس، فلا بد وأن يكون له نصيب من القسمة، فيأخذ قسطه، فتعود المسألة حينئذ بعد أن كان لكل واحد منهم الربع يكون لكل واحد منهم الخمس، هذا إذا كان نصيبه كنصيب سائر الغرماء، وهذا كما لو قسمت التركة على ورثة فثبت أن هناك وارث أو هناك وصية فإننا نعود إلى المسألة من جديد فنعطي كل ذي حق حقه.
قوله [ولا يفك حجره إلى الحاكم]
لا يفك حجرا إلى الحاكم، هذا إن بقي عليه حق، وذلك لأن هذا الحجر قد ثبت بحكمه فلم يفك إلا بحكمه، وأما إذا لم يبق عليه شيء فإن الحجر ينفك تلقائيا، بمعنى أنه بمجرد ما يقضي ما عليه من الديون ولا يبقى عليه حقوق فحينئذ يفك عنه الحجر من غير حكم الحاكم، وذلك لزوال موجبه، فإن الموجب للحجر هو تعلق حقوق الغرماء، وقد زال هذا التعلق فحينئذ يزول الحجر من غير حكم الحاكم.
مسألتان:
المسألة الأولى: هل يلزم المفلس بالتكسب والعمل لقضاء دينه حيث لم تفي أمواله بقضاء ديونه؟
قولان لأهل العلم:
القول الأول: وهو المشهور من المذهب أن المفلس يلزم بذلك حيث كان له قدرة على التكسب والتحرف، فليزم بالعمل ليقضي أصحاب الحقوق حقوقهم.
القول الثاني: وهو مذهب المالكية والشافعية أنه لا يلزم بذلك.
واستدل أصحاب القول الأول بما ثبت في سنن الدارقطني بإسناد صحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (باع حرا قد أفلس في دينه) [قط 3 / 16، هق 6 / 50] أي باع منافعه، وهذا من باب المجاز لامتناع ذلك في الشريعة، وهذا كقوله تعالى ﴿واسأل القرية﴾ أي اسأل أهلها، فقوله (باع حرا) أي باع منافعه، أي أجره، وهذا يدل على أن يعمل ويتكسب ليقضي دينه، ويستدل على ذلك بأن الشريعة قد دلت على وجوب إعطاء صاحب الحق حقه، وإنما عذر المعسر لإعساره، أما وهناك وسيلة لقضاء الدين فإنه لا عذر، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، والوسائل لها أحكام المقاصد، فإعطاء الحق لصاحبه واجب، ووفاء الدين واجب، والتكسب والعمل وسيلة إلى ذلك فهو قادر على هذه الوسيلة فوجبت عليه.
واستدل أصحاب القول الثاني بقول الله تعالى ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ والصحيح هو القول الأول لقوة أدلتهم كما تقدم، وأما الآية فالمراد به العاجز عن قضاء دينه من ماله ومن تكسبه، فهو المعسر أما إذا كان قادرا على قضاء الدين بتكسبه فليس بمعسر، فالمعسر هو العاجز عن قضاء الدين، ولا يعتبر معسرا إذا كانت عنده قدر على التكسب.
المسألة الثانية: أنه ينفق على المحجور عليه من ماله بالمعروف، وينفق على من ينفق عليهم ويعولهم بالمعروف أيضا أثناء الحجر، ويترك له بعد الحجر ما ينفق على نفسه وعياله بالمعروف، هذا إذا لم يكن له قدرة على التكسب، وأما إذا كان له قدرة على التكسب والإنفاق على نفسه وعياله فإنه لا يترك له شيء من ذلك، واختلف أهل العلم هل يترك له مسكنه أم لا؟
على قولين:
القول الأول: أنه يترك له مسكن لائق به بالمعروف، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد.
القول الثاني: وهو مذهب المالكية والشافعية أنه يباع عليه ويكترى له.
أما دليل أهل القول الأول من أنه لا يباع عليه مسكنه فقالوا: لأن المسكن من الحاجيات، فأشبه النفقة المتفق عليها، فإن النفقة بالمعروف من الحاجيات، ويمكن أن يعطى من النفقة ما يدفع عنه الجوع ويذهب عنه الظمأ، ومع ذلك يترك له ما يطعمه بالمعروف وكذلك الكسوة، وهي من الحاجيات فكذلك المسكن.
وأما أهل القول الثاني فاستدلوا بحديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: (خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك)، قالوا: فقوله (خذوا ما وجدتم) عام فيدخل فيه المسكن، وأجاب أهل القول الأول عن استدلالهم بهذا الحديث بأنها قضية عين فيحتمل ألا مسكن له، ثم إن قوله (خذوا ما وجدتم) إنما هو فيما تصدق عليه به، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (تصدقوا) فتصدق الناس، ثم قال: (خذوا ما وجدتم) أي من الصدقات التي تصدق عليه بها.
فالأظهر هو القول الأول، وأنه يترك له ما يسكنه بالمعروف، ولكن هل يستثنى من ذلك ما إذا كان قد استدان فاشترى مسكنا أم لا يستثنى منه؟
استثنى هذا بعض الحنابلة، وقوى الشيخ عبد الرحمن بن سعدي هذا القول، بل قد قوى مذهب المالكية والشافعية، وتقدم أن قول المالكية والشافعية مرجوح في هذه المسألة، ولكن هل ما ذهب إليه بعض الفقهاء من الحنابلة صحيح؟
الجواب: هذا فيه قوة حيث كانت هناك قرينة تدل على أنه كان محتالا مبطلا، وقد اشترى هذا المسكن ثم قال إنه معسر، فهذا قد تلاعب بأموال الناس وأراد أن يصل إليها بالطرق الباطلة، فإذا اشترى السكن مستدينا ثم ادعي الإعسار فإذا كانت هناك قرينة تدل على احتياله فإن الشريعة قد أتت بإبطال الحيل، فحينئذ يعامل بنقيض قصده فيباع بيته ويعطى غرماؤه كل منهم يأخذ قسطه كما تقدم تقريره.
فصل في المحجور عليه لحظه قوله [ويحجر على السفيه والصغير والمجنون لحظهم]
يحجر على السفيه، وهو البالغ العاقل المكلف لكنه ليس حسن التصرف بالمال، بل عنده تبذير وتلاعب بالمال، فهذا هو السفيه كما تقدم تقريره في شروط البيع، وليس المراد من في عقله شيء من النقص بل المراد من عنده سوء تصرف في المال، ويحجر كذلك على الصغير أي غير البالغ، ويحجر على المجنون أي غير العاقل، وهذا هو النوع الثاني من أنواع الحجر وهو الحجر لحظ النفس، والفرق بين الحجر لحظ النفس والحجر لحظ الغير أن الحجر لحظ النفس عام في عين المال وفي الذمة، فيحجر عليه ولا يتصرف في ماله ولا في ذمته، وأما المحجور عليه لحظ غيره فإن الحجر على المال، وأما الذمة فإنه يتصرف فيها كما تقدم تقريره.
قوله [ومن أعطاهم ماله بيعا أو قرضا رجع بعينه وإن أتلفوه لم يضمنوا]
إذا أعطى شخص أحدا من هؤلاء الثلاثة - السفيه أو المجنون أو الصغير - ماله بيعا أو قرضا رجع بعينه، فإن أدرك ماله فإنه يرجع به، فالبيع غير صحيح، فإذا أدرك ماله وإن كان فيه تغير فإنه يأخذه، وهذا ظاهر لأن البيع عليهم باطل لا يصح، فالمبيع راجع إلى صاحبه، وإن أتلفوها لم يضمنوا، لأنه مفرط حيث عاملهم بالبيع أو القرض سواء علم بالحجر أم لا، لأن الحجر عليهم مظنة الشهرة فلم يعذر فيه بالجهل، فقد فرط حيث لم يتبنه لذلك، وعليه فإذا أتلفوا المال ولو كنوا متعمدين فإنهم لا يضمنوه في أموالهم، وظاهر كلامهم أن هذا عام في هؤلاء ومنهم السفيه، والذي يظهر أن الحجر على السفيه ليس مظنة الشهرة، فهو رجل عاقل مكلف لكن عنده سوء تصرف في المال، فمعرفة الحجر عليه ليس مظنة الشهرة، فالذي يظهر وهو قول لبعض الحنابلة عبر عنه صاحب الإنصاف بقوله:" قيل " أن البائع أو المقرض أو نحوهما إذا جهل أن هذا سفيه فإن السفيه يضمن، لأنه عاقل مكلف قد يسلط على مال غيره من غير تفريط من هذا الغير فكان ضامنا، وأما إذا دخل على بصيرة فهو الذي قد مكنه من التصرف في ماله وإتلافه فلا يضمن.
قوله [ويلزمهم أرش الجناية وضمان مال من لم يدفعه إليهم] في المسألة السابقة حيث كان التعامل فيه تسليط، أي قد سلطهم على ماله، وأما إذا كان التعامل ليس فيه تسليطا كالعارية والوديعة فإن المعير والمودع لم يسلط المستعير ولا المودع على ماله، بل قد جعله عند هذا عارية، ليستفيد منها ثم يعيدها من غير إفساد لها، وجعل هذه وديعة عنده، فهي أمانة، فإذا وضع وديعة أو عارية عند أحد من هؤلاء الثلاثة فأتلفها فهل يضمن أم لا؟ قولان في المذهب: القول الأول: أنه لا ضمان، وذلك لأنه لما أعارهم وأودعهم فقد مكنهم من التصرف فيها وإتلافها.
القول الثاني: أنهم يضمنون، وذلك لأنه لم يمكنهم من التصرف فيها، فهو لم يسلطهم عليها، وإنما جعلها أمانة أو عارية وليس في هذا تخويل لهم في التصرف فيها، والذي يظهر هو القول الأول وذلك لأنه بهذا قد سلطهم على ماله ومكنهم منه، وهذا في غير السفيه، فالسفيه مكلف، والحجر إنما يكون في التصرفات المالية، والأمر هنا ليس كذلك، فقد وضعت عنده عارية وهذه أمانة فلا يحل له أن يتصرف فيها، فإذا تصرف فقد اعتدى، فالذي يظهر أن السفيه يضمن مطلقا، حتى لو علم الآخر أنه سفيه محجور عليه، وذلك لأنه لم ينه عن مثل هذا، وإنما نهي أن يتصرف في ماله، وهذا ليس من التصرف في المال، والآخر وهو المودع أو المعير لم ينه عن إيداع السفيه ولا عاريته، إنما نهي عن التعامل معه بالبيع والشراء ونحو ذلك.
قوله [وإن تم لصغير خمس عشرة سنة...... زال حجرهم]
إذا كمل الصغير خمس عشرة سنة فيكون حينئذ بالغا، ودليل ذلك ما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر قال: (عرضت على النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني - وفي رواية (ولم يرني بلغت) وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني) [خ 2664، م 1868، حب 11 / 30، برقم 4728، بلفظ (عرضت على النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنا بن أربع عشرة سنة فلم يجزني ولم يرني بلغت... )، قط 4 / 115، بنفس لفظ ابن حبان] فهذا يدل على أن من تم له خمس عشرة سنة فهو بالغ، وهذا هو فهم الراوي، والراوي أعلم بما روى، وهذا هو المشهور من مذهب أحمد والشافعي.
وقال مالك: ليس للتكليف سن محددة، بل يعرف ذلك بالاحتلام ونحوه وأما السن فلا، وقال أصحابه إذا بلغ سن سبع عشرة سنة، وقال أبو حنيفة كذلك في الأنثى، وفي الذكر إذا بلغ ثماني عشرة سنة أو تسع عشرة سنة، وهذه الأقوال لا دليل عليها، والراجح هو القول الأول للحديث المتقدم.
قوله [أو نبت حول قبله شعر خشن] وهو نبات شعر العانة، وهو علامة على البلوغ، ودليل ذلك ما رواه الأربعة بإسناد صحيح عن عطية القرظي قال: (عرضنا على النبي - صلى الله عليه وسلم - - أي اليهود - يوم قريظة فكان من أنبت قتل، ومن لم ينبت خلي سبيله، فكنت ممن لم ينبت فخلي سبيلي) [حم 18299، ت 1584، د 4404، ن 4981، جه 2542] فقد جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - نبات الشعر الخشن حول القبل جعله علامة من علامات البلوغ، وذلك لأن الصبي لا قتل كما تقدم في كتاب الجهاد، وهنا لم يقتلوا فدل على أنهم غير بالغين، وشعر العانة يكون خشنا، وأما غير الخشن فإنه قد ينبت في الطفل وغيره.
قوله [أو أنزل] إجماعا، فإذا أنزل فبالإجماع يثبت له البلوغ، قال تعالى ﴿وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم﴾ أي الاحتلام، فهذا دليل من القرآن، وقد أجمع أهل العلم على ذلك وأن من أنزل وإن كان ابن عشر سنين أو أقل أو أكثر فهو بالغ، فالبلوغ يكون في أحد هذه العلامات الثلاث، ولا يشترط اجتماعها، ولا - كما يظن بعض الناس - أنه لا بلوغ إلا إذا تمم خمس عشرة سنة، بل البلوغ يكون بأحد هذه العلامات الثلاثة، وهذه العلامات يشترك فيها الذكور والإناث، إلى أن قال المؤلف قوله [..... وتزيد الجارية البلوغ بالحيض وإن حملت حكم ببلوغها] فالحيض علامة على بلوغ المرأة بلا نزاع، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار) [حم 24641، جه 655، د 641، ت 377] فالحائض بالغ، وإن كانت بنت عشر سنين، وكذلك الحمل بلوغ، لأنه لا حمل إلا بماء، ولا ماء إلا بإنزال، فإذا حملت المرأة فهذا دليل على أنها قد أنزلت وأن لها ماء إذ لا حمل إلا بماء كما تقدم.
قوله [أو عقل مجنون ورشد]
إذن إذا تم للصبي خمس عشرة سنة أو نبت شعر عانته أو أنزل أو عقل مجنون، فإذا عاد المجنون إلى علقه ورشدا، أي رشدا جميعا، أي عقل هذا وبلغ هذا وثبت لهما الرشد، لقول الله تعالى ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم﴾ فاشترط الرشد مع البلوغ، فإذا بلغ الطف ورشد، وعقل المجنون ورشد فحينئذ يزول حجرهم.
قوله [أو رشد سفيه زال حجرهم] أي بلغ ولم يرشد ثم رشد، فحينئذ يزول حجرهم، للآية الكريم المتقدمة ﴿فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم﴾ قوله [بلا قضاء] أي لا يشترط القضاء، فلا يشترط أن يحكم القاضي بأنهم قد رفع عنهم الحجر بل يرتفع عنهم تلقائيا، فلا ينتظر فيهم حكم الحاكم خلافا للإمام مالك، وذلك لإطلاق الآية الكريمة المتقدمة، فإن الله تعالى قال ﴿فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم﴾ ولم يقيد الله عز وجل الدفع بحكم الحاكم، بل أمر الأولياء بأن يدفعوا إليهم أموالهم بمجرد ما يزول عنهم الحجر، وأما مالك رحمه الله فإنه اشترط حكم الحاكم وقال: إن معرفة البلوغ والرشد تحتاج إلى اجتهاد، فكان هذا إلى نظر الحاكم، وفيما ذهب إليه رحمه الله نظر، وهو أن يقال: إن معرفة البلوغ والرشد من الأمور المشهور والمعروفة عند الناس، والأولياء الذي خولهم الله حفظ أموال من تحت أيديهم يعرفون مثل هذه الأمور، وثانيا: إن الله تعالى قد خول الأولياء فقال ﴿فإن آنستم﴾ وقال ﴿فادفعوا إليهم﴾ فهي مسؤولية الأولياء لا مسؤولية الحاكم.
أما إذا كان الشخص رشيدا فأصيب بالسفه فحكم الحاكم بحجره لسفهه، فالمشهور من المذهب أن هذا الحجر لا يزول إلا بحكم الحاكم، وذلك لأنه قد ثبت بحكمه فلا يزول إلا بحكمه، وقال أبو الخطاب من الحنابلة بل يزول من غير حكمه لزوال علته، والأول أولى احتياطا للمال أولا، وثانيا: أن هذا الأمر قد يتعجل فيه ويسارع فيه فكان مرجع ذلك إلى الحاكم، ولأنه أيضا قد تحدث له بعض التصرفات المالية وقد حكم الحاكم بالحجر عليه فيقع نزاع وخصومة فيمكن أن يقال: إن الحاكم حكم بالحجر عليه فلا يصح تصرفه، والمتصرف قد بنى تصرفه معه على أنه أصبح رشيدا فيقع النزاع والخصومة بين الناس، فالأولى أنه حيث ثبت بحكم الحاكم فلا يرتفع إلا بحكم الحاكم وهو المشهور في مذهب الحنابلة.
قوله [ولا ينفك الحجر قبل شروطه] فلا ينفك الحجر عن الصبي حتى يبغ ويرشد، ولا ينفك عن السفيه حتى يرشد، ولا ينفك عن المجنون حتى يعقل ويرشد، فلا ينفك عنهم قبل الشروط، وإن أصبح الصبي شيخا وإن تزوجت المرأة، فإن هذا لا يغير في الحكم شيئا، فلا ينفك الحجر قبل الشروط التي اشترطها الله عز وجل بقوله تعالى ﴿فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم﴾ قوله [والرشد الصلاح في المال]
هذا هو الرشد، قال تعالى ﴿فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم﴾ والصلاح في المال ضد الفساد فيه، والفساد هو السفه والتبذير فيما لا فائدة فيه في دين ولا دينا، وأولى منه أن يذره فيما هو حرام من شرب خمر أو غناء أو مجون أو نحو ذلك، وقال الشافعية وهو اختيار ابن عقيل من الحنابلة: الرشد هو الصلاح في المال والصلاح في الدين، وعليه فالفاسق وإن كان رشيدا في تصرفه في ماله فإنه يحجر عليه، قالوا: لأن الفاسق غير ثقة في تصرفه في ماله، والراجح هو القول الأول، وهو أن الفاسق غير محجور عليه، ما دام راشدا في تصرفاته المالية، وذلك لأنه لا تلازم بين الفسق والسفه في المال، فإن الفاسق ثقة في تصرفاته المالية لما في ذلك من حظ نفسه، نعم إذا تصرف في ماله تصرفا يقتضي سفها فهذا يدل على أنه غير راشد في تصرفاته المالية، كأن يتصرف في ماله بمقتضى فسقه تصرفات فيها تبذير في ماله، لكن إن كان راشدا في تصرفاته المالية فلا وجه للحجر عليه، ثم إنهم يقولون إن أعطى ماله وهو عدل رشيد في التصرف في ماله ثم طرأ عليه الفسق فلا يحجر عليه، بخلاف ما إذا طرأ عليه تغير في التصرفات المالية بأن أصبح غير رشيد فإنه يحجر عليه، ففرقوا بينهما، فالراجح ما ذهب إليه الحنابلة من أن الرشد هو الصلاح في المال.
قوله [بأن يتصرف مرارا فلا يغبن غالبا]
وذلك بأن يعطى مالا ويقال له: بع أو اشتر أو غير ذلك مما هو لائق، ثم يكرر هذا مرارا حتى يتبين لنا أنه لا يغبن في الغالب، لكن إن وقع منه غبن أحيانا فلا بأس به، فإن هذا يقع للراشد في تصرفاته فقد يغبن أحيانا، ومرجع ذلك إلى العرف، فإذا كان لا يغبن غالبا فإنه لا يحجر عليه، وليس أيضا أي غبن، بل المراد الغبن الفاحش أي بأن لا يغبن غبنا فاحشا غالبا، أما لو غبن غبنا غير فاحش فهذا غير مؤثر، فإن الرشيد لا يسلم منه الغبن اليسير، كأن يشتري الشيء الذي يساوي مائة وعشرة يشتريه بمائة وعشرين.
قوله [ولا يبذل ماله في حرام] فإذا كان تبذير المال في الأمور المباحة سفه، فتبذيره في الأمور المحرمة أولى بالسفه، كأن يبذر ماله في الفجور وشرب الخمور ونحو ذلك فلا شك أن هذا يحجر عليه.
قوله [أو في غير فائدة] كذلك إذا كان يصرف ماله في غير فائدة كما تقدم تقريره، فهذا يدل على سوء تصرفه في المال، فيقتضي حجرا عليه، فإن كان تصرفه فيما ينفعه في الآخرة ولكنه يضر في الدنيا بمن يعول فكذلك يحجر عليه، كأن ينفق أمواله في أوجه البر إنفاقا يضر بمن يعول، وهذا يدل على سفه لأنه قد قدم ما هو مستحب على ما هو واجب، ومثل ذلك إذا كان وحده فهو لا يعول أحدا، ومع ذلك أنفق ماله وهو لا يثق بصبر نفسه، وعدم تطرقه إلى ما لا يحل من سؤال ونحوه، فكذلك يحجر عليه، لأنه أدخل على نفسه الضرر بمثل هذا التصرف وهذا سفه.
قوله [ولا يدفع إليه حتى يختبر] لقول الله تعالى ﴿وابتلوا اليتامى﴾ أي اختبروهم، وقد تقدمت طريقة الاختبار.
قوله [قبل بلوغه]
فهذا الاختبار يكون قبل البلوغ، فمثلا: رجل عنده يتيم مقبل على البلوغ، فيأمره ببعض التصرفات التي لا تضر بماله، ويثبت بها معرفة رشده من سفهه، وهذا حيث كان مميزا مراهقا، أي يكون هذا قبيل البلوغ، لأنه هو الذي يمكن أن يتعرف على مثل هذا فيه، وليس المراد قبل البلوغ بوقت طويل، أي بمجرد التمييز مثلا، ولذا لو قال المؤلف (قبيل البلوغ) لكان أولى، فالمميز المراهق الذي يعرف المصالح والمفاسد وما يكون فيه صيانة لماله ونحو ذلك، فهذا هو محل الاختبار، ودليل كون الاختبار قبل البلوغ قوله تعالى ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح﴾ فسمى المبتلين: يتامى، واليتيم هو غير البالغ، فالبالغ لا يسمى يتيما، ولأنه قال سبحانه ﴿حتى إذا بلغوا النكاح﴾ فدل على أن هذا الاختبار يكون قبل بلوغهم.
قوله [بما يليق به] لا بد أن يكون هذا الاختبار بما يليق به، فلا يختبر الأمير الذي قد ترك والده إرثا، لا يختبره بأن ينظر بيعه وشراءه، لأنه ليس من أهل التجارات، وإنما يعطى شيئا من المال وينظر في تصرفه فيه، فإن تصرف فيه بما فيه فائدة لنفسه في دينه أو دنياه فهو رشيد، وابن التاجر ونحوه يعطى مالا ويؤمر فيه بيع أو شراء ليتعرف على ضبطه في شرائه ورشده فيه، وهكذا.
قوله [ووليهم حال الحجر الأب] فالأب هو الولي، وذلك لكمال شفقته وحرصه على صيانة مال ابنه والحفاظ على مصلحته، وهل للجد ولاية؟
المشهور من المذهب أنه لا ولاية له، وعن الإمام أحمد وهو مذهب الشافعي أن الجد له ولاية، وهذا أصح، لقول الله تعالى ﴿واتبعت ملة آبائي إبراهيم﴾ الآية، فسمى الله الجد أبا، ولقول أبي بكر - رضي الله عنه -:" الجد أب " [حم 15675، خ 3658] ولما له من النصيب الكبير الذي يقارب ما للأب من الشفقة والحرص على مصلحة ابن ابنه، فالجد على الراجح يكون وليا، واختار شيخ الإسلام رحمه الله أن سائر العصبة أولياء، فيقدم أقربهم له، لما لهم من الولاية التي اقتضت الإرث في الشرع، فكانوا أولياءه في ماله، ولما لهم من الحرص على مصلحته لوجود هذه العصوبة بينهم وبينه.
قوله [ثم وصيه] أي ثم وصي الأب، أي نائبه بعد الممات، الوكيل يكون في الحياة، والوصي بعد الممات، فإذا توفي الأب وأوصى لفلان من الناس بالولاية على ابنه فهو أولى من غيره، وهل يقدم عليه الجد وسائر العصبة على القول بولايتهم؟ استظهر صاحب الإنصاف تقديمهم على الوصي، والذي يظهر خلاف ذلك، وأن الوصي أولى منهم، وذلك لأن الوصي نائب الأب، فقام مقام الوكيل، فكما أن الوكيل هو النائب عن الأب في الحياة وهو أولى من الجد وغيره في الولاية، فكذلك بعد الممات فهو النائب عن الأب، ولأن كمال شفقة الأب لا يشبهها شيء، واختياره لهذا الوصي يدل على أن هذا الوصي له قيام كبير في هذا الباب لأولاده وأن هذا الوصي قد يكون أكمل شفقة من سواه.
قوله [ثم الحاكم] أي القاضي، وذلك لما له من الولاية العامة، فالحاكم له الولاية العامة والقاضي نائب عن الإمام الأعظم، فإن لم يكن ثمت قاضي شرعي فيقوم مقامه أمين، فيختار أمين يقوم مقامه بالولاية، إذا الأولى بالولاية الأب فالوصي فالجد فالعصبة أقربهم فأقربهم ثم الحاكم فإن لم يكن فيختار أمينا قويا في حفظه وصيانته، يقوم مقام الحاكم في حفظ المال.
قوله [ولا يتصرف لأحدهم وليه إلا بالأحظ]
فلا يتصرف الولي إلا بالأحظ والأصلح، لقول الله تعالى ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾ فإذا كان يريد أن يبيع له عقارا فلا يتعجل في بيعه، بل يتريث حتى يكون ذلك أحظ له، وعليه فلا يحل له أن يعتق من ماله ولا أن يهب ولا أن يهدي، ولا أن يحابي كأن تكون هذه الأرض تساوي مائة ألف فيشتريها من صديقه بمائة وعشرة آلاف لليتيم، فهذا لا يجوز، وإن تصرف بمثل هذه التصرفات فهو ضامن لأنه متعد، فالأمين يضمن بالتعدي أو بالتفريط، أما إذا غبن في شراء شيء غبنا يسيرا يقع مثله فهذا لا يؤثر.
قوله [ويتجر له مجانا] فإذا أرد أن يبيع ويشتري له بهذا المال، فإنه يبيع ويشتري مجانا، فليس له أن يأخذ على التجارة له شيئا، وهذا هو المشهور من المذهب، قالوا: لأنه لا يحل أن يعقد لنفسه، فهو عندما يعقد العقد التجاري بينه وبين اليتيم إنما يعقد لنفسه ولا يحل هذا، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية وهو قول لبعض الحنابلة أنه يستحق الأجرة على ذلك، وهذا القول هو الراجح، وذلك لأن هذا التصرف التجاري خارج عن حفظ المال، وصيانته والإنفاق على اليتيم، وقد قال تعالى ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾ وهذا قربنا لمال اليتيم بالتي هي أحسن فلا مانع منه، وأما قولهم إنه ولي فلا يعقد لنفسه فلا دليل على هذا ولا مانع شرعي يقتضي ألا يعقد لنفسه، بل لو كان هذا العقد لنفسه هو الأصلح فهو الأولى به، فلو أنه مثلا أراد أن يبيع أرضا لموليه فوقف السوم على مائة ألف، وكان أحظ له لكنه يرغب بها، فزاد شيئا من المال فاشتراها منه فلا يظهر أن هناك مانع لأن هذا من قربان مال اليتيم بالتي هي أحسن.
قوله [وله دفع ماله مضاربة بجزء معلوم من الربح]
فله أن يتفق مع رجل آخر على أن يتاجر بمال اليتيم بجزء معلوم الربح، إما النصف أو الربع أو غير ذلك مما يكون فيه مصلحة لليتيم، فهذا جائز لأنه قائم على مصلحته ونائب عنه في التصرف فجاز أن يعقد له مثل هذا العقد، والفرق بين هذه المسألة والتي قبلها أن المسألة التي قبلها هو الذي يتاجر بالمال بنفسه، وأما هنا فهو يعقد لغيره، فالمتاجر غيره وهو يعقد لهذا الغير، وكلاهما جائز كما تقدم.
قوله [ويأكل الولي الفقير من مال موليه الأقل من كفايته أو أجرته مجانا]
لقول الله تعالى ﴿ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف﴾ فله أن يأكل من مال يتيمه، قالوا: وقدره الأقل من كفايته وأجرته مجانا، فيقال: قدر أجرتك بالمعروف لو أننا أردنا أن نعطيك أجرة على هذه الولاية، فقال: كل شهر ألف ريال، هذه الأجرة على حفظ المال وصيانته، وهذا يرجع إلى كثرة المال وقلته وما فيه من تجارات ونحو ذلك، ويقال له بعد ذلك: ما كفايتك؟ فإن قال: ألفا ريال، فيقال له: خذ ألف ريال لأنه الأقل، وإن قال الأجرة خمسة آلاف، وكفايتي ألفا ريال، فيقال: خذ ألفي ريال، إذن يأخذ الأقل من كفايته وأجرته، قالوا: لأنه إنما يأخذ المال بهما، فاشترط اجتماعهما ولا يجتمعان إلا في الأقل، فهو يأخذ المال لأجرة عمله، ويأخذ المال لحاجته وكفايته، فيجتمعان في الأقل لا في الأكثر، والذي يظهر وقد نص عليه الإمام أحمد في رواية حنبل وهو صريح قول بعض الحنابلة أنه يأكل بالمعروف، وهو ظاهر الآية الكريمة، وعليه فلو كانت أجرته أقل أو أكثر والذي يكفيه بالمعروف هو كذا، فإنه يأكل بالمعروف سواء كان ما يأكله أكثر من أجرته أو أقل، ولأن المسألة ليست قضية إجارة، بل هي قضية ولاية فيها معنى الأمانة ونحو ذلك من الحفظ، وهو لا يأخذ عليها مع غناه، بل يأخذ مع فقره، فجاز له الأكل بالمعروف وإن كانت أجرته أقل، وذلك للآية الكريمة المتقدمة، ولما ثبت في سنن أبي داود بإسناد حسن أن رجلا قال للني - صلى الله عليه وسلم -: إني فقير وإن لي يتيما، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبادر - أي متعجل، فتتعجل بالأكل قبل كبر اليتيم - ولا متأثل) [ن 3668، د 2872، جه 2718] مؤجل للمال، فتأخذ شيئا زائدا عن الكفاية، وظاهره أنه يأكل ما يكفيه مطلقا سواء كان ذلك أقل من أجرته أو أكثر منها.
قوله [ويقبل قول الولي والحاكم بعد فك الحجر في النفقة والضرورة والغبطة والتلف ودفع المال]
يقبل قول الولي أبا كان أو وصيا، والحاكم بعد فك الحجر في النفقة والضرورة والغبطة والتلف ودفع المال، فإذا اختلف الولي والمولي - أي المحجور عليه - فالقول قول الولي أو الحاكم، فإذا اختلفا في النفقة في قدرها، فقال الولي: أنفقت عليه في هذه السنوات التي قد حجر عليه فيها ألف درهم، وقال المولي المحجور عليه بل لم ينفق علي إلا خمسمائة، فالقول قول الولي فيحلف أنه أنفق عليه كذا وكذا، إلا أن يأتي المحجور عليه ببينة تدل على صدق قوله، أو أن يكون الظاهر يخالف قول الولي كأن يدعي إنفاقا زائدا لا يتحمله الواقع فحينئذ يكون الظاهر موفقا لقول المحجور عليه، فمثلا: ادعى المحجور عليه أنه لم ينفق عليه عشرة آلاف، وادعى الولي أنه أنفق عليه عشرة آلاف، وكان الواقع يوافق قول المحجور عليه، والظاهر يخالف قول الولي فحينئذ يكون القول قول المحجور عليه وذلك لوجود القرينة.
كذلك إذا اختلفا في الضرورة، فمثلا باع الولي عقارا للضرورة، وادعى المحجور عليه بعد فك الحجر أنه قد باعه لغير ضرورة، وقال الولي بل بعته لضرورة فقد احتاج لبيع هذا العقار لأجل الكسوة ونحوها، فالقول قول الولي لأنه أمين.
كذلك إذا اختلفا في الغبطة، وهي المصلحة، فمثلا باع الولي عقارا وادعى أنه باعه لمصلحة، وخالفه المولى فقال: بل لا مصلحة، ولا غبطة، فحينئذ القول قول الولي لأنه أمين، والمشهور من المذهب أن بيع الغبطة هو البيع الذي فيه مصلحة، وقال بعض الحنابلة وهو أحد الوجهين في المذهب: بيع الغبطة أو يزيد الثمن الثلث فأكثر على بيع المثل، كان يكون شيئا يستحق مائة ألف فيبيعه بمائة وأربعين ألفا، وقال القاضي من الحنابلة: بيع الغبطة ما فيه زيادة ظاهره سواء كانت الثلث أو أقل، والصحيح أن بيع الغبطة ما فيه مصلحة سواء كانت زيادة ظاهرة أو غير ظاهرة، لعموم قول الله تعالى ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾ وبيع شيء من عقاره فيه مصلحة للمولي هذا من قربان مال اليتيم بالتي هي أحسن، فهو جائز، وهو المشهور من المذهب وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.
وكذلك التلف، فإذا ادعى الولي أن المال قد تلف عنده، وأنكره هذا المولي وقال بل هو قد أتلفه أو قد غيبه وجحده أو نحو ذلك، فحينئذ القول قول الولي لأنه أمين، وهذا كما تقدم ما لم تكن قرائن تخالف قول الولي.
وكذلك إذا اختلفا في دفع المال، فقال الولي: أعطيته المال بما بلغ رشده، وقال المولي: لم يعطني شيئا، ولا بينة فالقول قول الولي لأنه أمين، وقال ابن رجب في القواعد:" ويحتمل أن يكون القول قول المحجور عليه ما لم يكن هناك بينة "، وقواه صاحب الإنصاف، وهو الذي يظهر، وذلك لأن الأصل عدم الدفع فالأصل هو بقاء المال عند الولي وحيث ادعى الدفع فهو ادعاء لنقل المال من يده إلى يد موليه، فإذا لم يكن له بينة فالأصل هو البقاء، ويده يد أمانة في مدة مكث المال عنده، وعليه فالذي يظهر أن القول قول المولي، لأن الأصل هو بقاء المال، لكن إن أشهد على دفع المال للمولي فإنه يقبل قول الولي للبينة، فإن لم يأت ببينة فيلزمه أي الولي أن يدفع المال إلى المولي في الظاهر، وإن كان في الباطن قد دفعه.
هذا - أي ما ذكره الحنابلة في هذه المسائل كلها - حيث كان الولي متبرعا، وأما إذا كان الولي غير متبرع بل يأخذ مقابل ولايته أجرة، كأن يضع الوالد وصيا لولده مقابل أجرة من المال يأخذها، فحينئذ ليس القول قول الولي في المشهور من المذهب، وذلك لأنه منتفع، فيده ليست يد حفظ وصيانة فحسب، بل يد انتفاع، وحيث كان الأمر كذلك فالقول قول المولي، وسيأتي الكلام على هذه المسألة في الكلام على الوديعة إن شاء الله.
قوله [وما استدان العبد لزم سيده إن أذن له وإلا ففي رقبته كاستيداعه وأرش جنايته وقيمة متلفه]
إذا استدان العبد، فإنه يلزم الدين سيده إن أذن له، وذلك لأن السيد قد غرره حيث أذن له، وأما إن لم يأذن له سيده فإنه يتعلق الدين في رقبة العبد، وحينئذ يقال للسيد اختر أحد أمرين: إما أن تسلم العبد للدائن، وإما أن تفديه، والفداء يكون بأقل الأمرين، إما بقدر الدين، وإما بقدر القيمة، مثال هذا: استدان عبد بلا إذن من سيده مائة ألف، فيقال للسيد: إما أن تسلم العبد وإما أن تفديه، وطريقه الفداء ما يستحق العبد، فوجدناه مثلا يستحق عشرة آلاف، فنقول: تعطي الدائن عشرة آلاف وتحرر عبدك من الدين، فتختار أقل القيمتين، وذلك لأن المال متعلق برقبته فلم يلزم سيده بأكثر من ذلك، وظاهر ذلك علم المتعامل أم لم يعلم، وعن الإمام أحمد أنه معامله إذا علم فلا يتعلق الحق برقبة العبد، وذلك لأنه دخل على بصيرة، وهذا هو الظاهر، وذلك لأن العبد لا يصح تصرفه في المال، فإذا دخل معامله معه على بصيرة من أمره فقد غرر بنفسه فلم يتعلق ذلك في رقبة العبد.
وقوله (كاستيداعه) إذا وضع عند عبد وديعة فأتلفها فإن الحق يتعلق برقة العبد، فيقال للسيد إما أن تسلمه، وإما أن تفديه، فلو فرض أن الأمانة تساوي ثلاثين ألفا، وأن العبد يساوي أربعين ألفا، فإن السيد حينئذ يدفع له ثلاثين ألفا لأنها هي الأقل.
قوله (وأرش جناية) إذا اعتدى العبد وجنى، فتتعلق الجناية في رقبته، فإما أن يسلمه إلى المجني عليه، وإما أن يفديه السيد، وطريقة الفداء، مثلا وجدنا الجانية تساوي عشرة آلاف، والعبد يساوي خمسة آلاف، فيعطون خمسة آلاف، فلا يلزم السيد بشيء زائد.
قوله (وقيمة متلف) إذا أتلف العبد شيئا، فإن الحق يتعلق في رقبته، فإما أن يسلم السيد العبد، وإما أن يفديه بأقل الأمرين كما تقدم.
وهنا مسائل متعلقة بالحجر:
المسألة الأولى:
أن لولي الصبي ونحوه أن يأذن له بالتصرف بما جرت به العادة من صدقة يسيرة كأن يتصدق بالدرهم والدرهمين ونحو ذلك، وكأن يشتري الطفل شيئا من اللعب ونحوهما من أمور اللهو فهذه قد جرت بها العادة فيسمح بمثلها، وكذلك أن يشتري طعاما بلا إسراف.
المسألة الثانية:
أن للزوجة أن تنفق من بيت زوجها ما جرت به العادة بالسماح بمثله بلا إذن، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصحيحين: (إذا أنفقت المرأة من بيت زوجها غير مفسدة فلها أجرها بما أنفقت وللزوج أجره بما كسب وللخازن مثل ذلك لا ينقص بعضهم من أجر بعض شيئا) [خ 1425، م 1024] ولأن جريان العادة بمثل ذلك يجري مجرى الإذن.
أما إذا منعها من ذلك أو علمت منه المنع لشح ونحو ذلك أو شكت في رضاه فليس لها ذلك، كما أنه ليس لها أن تخرج من بيته ما لم تجر العادة بمثله، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه أحمد وغيره والحديث صحيح: (لا يحل مال امريء مسلم إلا بطيب نفس) [حم 20172]، وهذا مال زوجها فلا يحل إلا بطيب نفس، فإن أذن فذاك وإلا فلا.
المسألة الثالثة:
هل يحجر الزوج على زوجته الرشيدة الحسنة التصرف في المال أم لا؟
على ثلاثة أقوال للعلماء هي روايات عن الإمام أحمد:
الرواية الأولى: وهي الرواية المشهورة في المذهب أنه ليس له أن يمنعها، بل تتصرف كما شاءت، فلو أنفقت المرأة مالها كله من غير إذن زوجها بل مع منعه فها ذلك، واستدلوا بما ثبت في الصحيحين: (أن ميمونة - رضي الله عنها- أعتقت وليدة ولم تستأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما كان يومها الذي يدور عليها فيه، قالت: أشعرت يا رسول الله أني أعتقت وليدتي، قال: أوفعلت؟ قالت نعم قال أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك) [خ 2592، م 999] قالوا: فقد أعتقت هذه الوليدة من غير إذن النبي - صلى الله عليه وسلم -، واستدلوا بما ثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (تصدقن ولو من حليكن) [خ 1466، م 1000] فأمرهن بالتصدق من حليهن ولم يشترط استئذان أزواجهن.
الرواية الثانية: وهي مذهب مالك أن الزوج يمنعها مما زاد على الثلث، وأما ما نقص فلا يمنعها لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الوصية: (الثلث والثلث كثير) [خ 2742، م 1628]
الرواية الثالثة: أن له أن يمنعها مما قل عن الثلث، ومما زاد، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا يجوز لامرأة عطية إلا بإذن زوجها) [حم 6643، ن 2540، د 3547] وفي لفظ: (لا يجوز للمرأة أمر في مالها إلا بإذن زوجها) [حم 7018] والحديث حسن، قالوا: والحديث عام فيما قل عن الثلث وفي الثلث وفيما زاد عن الثلث، فالحديث عام، وفيه رد على مذهب مالك، فلا تتصرف المرأة بأي شيء من مالها إلا ما جرت به العادة، وهذا القول هو قول الليث بن سعد وطاووس من التابعين، وهذا القول هو أرجح الأقوال.
أما الجواب عما استدل به الإمام مالك فقد تقدم، وأما الجواب عما استدل به أهل القول الأول فإنه لا مانع من أن تكون ميمونة علمت إذن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا سيما والنبي - صلى الله عليه وسلم - يرغب في العتق ويندب إليه، ويبعد أن تعتق ميمونة وهي تعلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يكره هذا، وأنه لا يأذن فيه، ولذا أرشدها النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ما هو خير، فظاهر الأمر أنها علمت إذنه في ذلك، وإن لم يكن إذنا خاصا في هذا، ولذا قالت:" ولم استأذنه " بل قد علمت إذنه العام، لا سيما وهو يحث على عنق الرقاب، وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: (تصدقن ولو من حليكن) فكذلك حيث علمت المرأة الإذن العام من زوجها، ولا يعقل أن يأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - النساء أن يفعلن شيئا يكون فيه معارضة لطاعة الأزواج، والحديث المتقدم حديث صريح في المسألة ولا شك أن الحديث المحكم مقدم على الحديث المتشابه، فالراجح ما ذهب إليه الإمام أحمد في الرواية الثالثة وهو مذهب الليث بن سعد وطاووس.
بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد
باب الوكالة
الوكالة بفتح الواو وكسرها، والأشهر الفتح، وهي لغة: التفويض، وأما اصطلاحا: فهي استنابة جائز التصرف مثله فيما تدخله النيابة، والقاعدة أن كل حق لله تعالى أو لآدمي فالنيابة فيه مطردة كما قرر ذلك الشيخ عبد الرحمن بن سعدي، إلا ما لا يحصل المقصود إلا بفعل المكلف له، فكل حق من حقوق الآدمي من طلاق وبيع وشراء وصلح وغير ذلك وكل حق لله تعالى من تفرقة الزكاة، وتفرقة الصدقة وتفرقة الكفارة ونحو ذلك فإنها تدخلها النيابة، إلا إذا كان لا يحصل المقصود إلا بفعل المكلف له كما يكون هذا في إقامة الحد، فإن المقصود منها عقوبة المجرم، وكذلك في العبادات البدنية المحضة كالصلاة والصوم وغيرها، فالمقصود هو فعل المكلف لها فلا تحصل فيها الوكالة.
والوكالة جائزة بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فلقول الله تعالى في سورة الكهف في قصة أصحاب الكهف حيث قال بعضهم لبعض ﴿فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف﴾ وأما السنة فكما تقدم في حديث عروة البارقي وتوكيل النبي - صلى الله عليه وسلم - له شراء الأضحية) 1 وكذلك توكيل النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمر بن الخطاب في جمع الصدقة كما هو ثابت في الصحيحين، وكذلك توكيل معاذ بن جبل في أخذ زكاة أهل اليمن، وأما الإجماع فقد أجمع أهل العلم على جواز الوكالة، والحاجة داعية إليها، فإن الإنسان يحتاج إلى أن يوكل غيره في شيء من شؤونه من بيع وشراء ونحو ذلك، والشريعة قائمة بتحصيل المصالح ومن ذلك الإذن للمكلفين بالوكالة.
قوله [تصح بكل قول يدل على الإذن]
فكل قول يدل على الإذن بالتصرف فإن الوكالة تثبت وتصح معه، فإذا قال له: بع لي هذا البيت، أو اشتر لي هذا البيت، أو أذنت لك بأن تبيع هذا الشيء ونحو ذلك من الألفاظ القولية الدالة على الوكالة فإن الوكالة تثبت فيها.
وظاهر كلام المؤلف أنها لا تثبت بالفعل، وهو المشهور في المذهب، فلو أعطى أحداً ثوباً وكان إعطاؤه له مفهماً له أنه يوكله بخياطته أو بتغسيله فإن الوكالة لا تثبت بذلك، والصحيح أنها تثبت بالفعل، وهو ظاهر كلام القاضي من الحنابلة واستظهره صاحب الفروع، وهذا القول هو الراجح كالبيع، ولأن المقصود التعرف على الرضى وذلك يحصل بالفعل كما يحصل بالقول، فالمقصود أن هذا الفعل قد دلنا على أن هذا يريد أن يوكل وأنه راضٍ بذلك، وهذا هو الإيجاب.
قوله [ويصح القبول على الفور والتراخي بكل قول أو فعل دال عليه]
ما تقدم هو الإيجاب، والإيجاب ما يصدر عن الموكل، وأما القبول فهو ما يصدر عن الوكيل، فيصح القبول من الوكيل على الفور والتراخي، فمثلا قال له: بع لي هذه الدار، فقال: قبلت فوراً، أو كان قبوله متراخياً كأن يبلغه بعد زمن أن فلاناً قد وكله فرضي بهذه الوكالة، كأن يكتب له ورقة فلا تصل إليه إلا بعد شهر أو شهرين أو نحو ذلك، فلا يشترط في القبول الفورية، وذلك لأن الإيجاب دل على الإذن فالإذن باقٍ لا رافع له، فلا يؤثر فيه التراخي، ويصح القبول بالقول وبالفعل الدال عليه، فإذا قال: قبلت هذه الوكالة، أو أخذ السلعة وكان أخذه لها دليلاً على رضاه بهذه الوكالة فإن الوكالة تثبت.
وتصح الوكالة مؤقتة كوكلت سنة، أو بشرط نحو إذا جاء الشتاء فافعل كذا.
قوله [ومن له التصرف في شيء فله التوكيل والتوكل فيه]
فمن له التصرف في شيء فله أن يكون موكلا وله أن يكون وكيلا، فمثلا: الرجل له أن يطلق زوجته، فله أن يوكل غيره في الطلاق، ويجوز أن يوكل غيره بالبيع أو بالشراء ونحو ذلك، لأن هذه التصرفات صحيحة منه فصح أن ينيب غيره فيها، وكذلك يصح أن يكون وكيلا فيها، لأنها لو كانت له لصح التصرف فيها، فهذا الرجل لو كان متزوجا لصح طلاقه، فالصفات المشترطة في صحة الطلاق متوفرة فيه، ولو كان متزوجا لصح طلاقه فيصح أن يكون وكيلا في الطلاق، لذا تقدم في التعريف اشتراط جواز التصرف في الوكيل والموكل.
قوله [ويصح التوكيل في كل حق آدمي]
إجماعاً.
قوله [من العقود]
كعقد البيع وعقد الصلح وعقد العارية وغيرها، وذلك لأنه يصح له أن يتصرف فيها فجاز له أن يوكل وقد تقدم ذلك.
قوله [والفسوخ] كالإقالة والخلع، فيجوز أن يوكل من يخالع زوجته، ومن يقيل بيعا له ونحو ذلك.
قوله [والطلاق والرجعة] فيجوز له أن يوكل من يطلق عنه أو يراجع عنه.
قوله [ويملك المباحات من الصيد والحشيش ونحوه] كذلك يجوز التوكيل في تمليك المباحات من الصيد والحشيش ونحوه، كأن يضع وكيلا عنه في تملك ما يصطاد، أو تملك ما يجتث، وفي إحياء الموات ونحو ذلك، وذلك لأنها حقوق آدمي له التصرف فيها فجاز أن يوكل.
قوله [لا الظهار واللعان والأيمان]
ولا النذور، وذلك لأنها متعلقة بعين الشخص فلم يصح التوكيل فيها.
والظهار يقول له: وكلتك في أن تظاهر عني.
فيقول: أنتِ على زوجكِ كظهر أمه عليه، وهذا منكر من القول وزور كسائر المعاصي.
قوله [وفي كل حق لله تعالى تدخله النيابة من العبادات]
فكل حق لله تعالى تدخله النيابة من العبادات فيجوز التوكيل فيه كأن يوكل من يذكي عنه أضحية أو من ينحر عنه، كما ثبت في مسلم 1 من توكيل علي بذلك.
ويصح أن يوكل من يفرق صدقته أو زكاته، ويصح أن يوكل من يكفر عنه كفارة مالية ويجوز ذلك في العبادات المالية.
وأما العبادات البدنية المحضة كالصلاة والصوم فإن النيابة لا تصح فيها، وتقدم التفصيل في مسألة الحج والكلام عليها.
والأصل في حقوق الله أنها لا تدخله النيابة، ولا يجوز له في المشهور من المذهب إن وكل في الصدقة أن يأخذ منه لنفسه إذا كان من أهل الصدقة وذكر في الإنصاف احتمالاً بالجواز والأظهر الأول لما فيه من التهمة ولأن إطلاق لفظ الموكل ينصرف إلى غيره.
لكن هل يجوز له أن يدفع منه لوالده وولده وزوجته فيها وجهان والأظهر المنع للتهمة.
قوله [والحدود في إثباتها واستيفائها]
كذلك تصح الوكالة في الحدود في إثباتها وفي استيفائها أي في إيقاعها على المجرم المعاقب، فيجوز للحاكم أن يوكل من يقوم بالنظر في الأدلة التي تثبت الحد على المتهم، ويجوز له أن يوكل من يستوفي الحدود فيقيمها على أربابها، ودليل ذلك ما ثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها) 2
فقوله (فإن اعترفت) فيه توكيل في إثبات الحد، وفي قوله (فارجمها) فيه توكيل في استيفاء الحد.
قوله [وليس للوكيل أن يوكل فيما وكل فيه إلا أن يجعل إليه]
هنا ثلاث صور:
الصورة الأولى: أن يقول الموكل: وكلتك ولك حق التوكيل، ونحو ذلك فباتفاق العلماء له أن يوكل للإذن فيه.
الصورة الثانية: أن يمنعه من التوكيل، فيقول: وليس لك حق التوكيل، أو أنت منهي عن التوكيل، فباتفاق العلماء ليس له أن يوكل.
الصورة الثالثة: أن يوكله من غير إثبات للإذن ولا نفيه، كأن يقول: وكلتك، من غير أن يقول: لك الحق في التوكيل، ولا أن يقول: ليس لك الحق في التوكيل، ولها ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن يكون هذا الشيء الموكل فيه مما يتولاه هذا الوكيل، أي مما يناسب ويليق بمثله، ولا يعجز عنه، فحينئذ ليس له أن يوكل، وذلك لأن صاحب الشأن لم يأذن بالتصرف عنه إلا لهذا الوكيل فليس له أن يعدي الوكالة إلى غيره حيث لا إذن، مثال ذلك: أن يوكل شريفا من أشراف الناس وسيدا من ساداتهم على جبي الصدقات، فهذا من الأعمال التي تليق بمثله ولا يعجز عنها.
الحالة الثانية: أن يكون هذا الشيء الموكل فيه ليس مما يتولاه مثل هذا الوكيل أو يعجز عنه ولا يقدر عليه، فحينئذ إيقاع الوكالة مع علم الموكل بهذا يدل على أنه أراد منه أن يوكل من يقوم بهذا العمل، فإذا أسدى الخليفة إلى أمير من الأمراء أن يبني له شيئا أو يحمل له شيئا معينا إلى موضع، فهذا لا شك أنه لا يليق بهذا الأمير، وحينئذ فتوكيل الخليفة له يدل على أنه إنما أراد القيام بهذا الشأن بالوكالة، أو كان يعجز عنه كأن يكون صناعة من الصناعات ويعرف أنه لا يحسن هذه الصناعة ولا يتقنها، وليس من أهلها فحينئذ يكون مراد الموكل القيام بها ولو كان هذا بالوكالة.
الحالة الثالثة: أن يكون هذا الوكيل قادرا على البعض عاجزا عن الكل، كأن يعطيه عملا كبيرا كالقيام بأعمال كثيرة يعلم الموكل قطعا أن هذا الوكيل لا يمكنه القيام بهذه الأعمال كلها إلا ومعه من يعينه على ذلك، فهل يجوز له أن يوكل؟
المشهور من مذهب الحنابلة والشافعية أن له أن يوكل مطلقا، بمعنى أن له أن يخرج عن القيام بهذا العمل بالكلية ويوكل غيره بالقيام به، والوجه الثاني في مذهب الحنابلة والشافعية أنه لا بد وأن يكون طرفا فيه، فلا بد أن يقوم ببعض العمل وأما أن يوكل فيه كله فلا، فله أن يوكل فيما لا يستطيع، ويقوم هو بما يستطيع، وهذا القول هو الراجح، وذلك لأننا لا نخرج عما دلت عليه الوكالة من قيامه هو – أي الوكيل – بها إلا بقرينة تدل على ذلك، وهنا القرينة إنما دلت على عدم قيامه بالعمل كله، لا على عدم القيام ببعضه، فإنه يمكنه أن يقوم ببعضه، وإنما دلت على أنه يحتاج إلى وكلاء معه، وعليه فيضع معه وكلاء، وأما أن يتخلى عن العمل بالكلية ويضع وكلاء فلا.
والله اعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد
قوله [والوكالة عقد جائز] فالوكالة عقد جائز، أي لكل من الوكيل وموكله الفسخ بغير رضى الآخر ما لم يكن هناك ضرر، فإن كان ضرر فلا يجوز، فالوكالة عقد جائز، وذلك لأنه من جهتيهما لا يقتضي لزوما، أما الموكل فلأن هذا من جهة إذنه، فالوكالة متعلقة بإذنه، وأما الوكيل فلأنها متعلقة ببذل نفع منه، وهذا ليس بلازم، فكانت الوكالة من العقود الجائزة.
قوله [وتبطل بفسخ أحدهما] لما تقدم فهي عقد جائز فإذا فسخها أحدهما فإن الوكالة تبطل.
قوله [وموته] وكذلك جنونه، وذلك لأن من شرطها أن يكون الموكل والوكيل جائزا التصرف، والميت ليس له أهلية التصرف فبالموت تبطل الوكالة، فإذا وكل زيد عمروا ببيع أرض له، فمات زيد، وهو الموكل قبل البيع فإن هذه الوكالة تبطل، لأن أهلية التصرف تبطل بالموت، وكذلك إذا جن لأن المجنون ليس له أهلية التصرف.
قوله [وعزل الوكيل]