ونحو ذلك من الشروط فإن النكاح يصح والشرط يفسد أما كون النكاح يصح فلأن الشرط يرجع إلى معنى زائد لا يضر الجهل به، ولا يشترط في العقد ذكر النفقة إثباتاً ولا عدلاً، وكذلك القسم بين الزوجات لا يشترط إثباتاً ولا عدلاً، فلم يرجع هذا الشرط الفاسد إلى العقد وإنما رجع إلى معنى زائد فكان النكاح صحيحاً، وأما كون الشرط فاسداً فلأنه يخالف مقتضى العقد فعليه تجب لها النفقة وتجب لها القسمة الشرعية.
واختار شيخ الإسلام أن هذه الشروط صحيحة معتبرة وهذا كالشروط التي تقدم أنها تصح من المرأة، فإن هذا ليس فيه مخالفة لشرع الله تعالى بل فيه أنها إن شاءت قبلت هذا الشرط وإلا فإنه لا ينكحها، وعلى ذلك هذه الشروط صحيحة والنكاح صحيح، لأنها لا تخالف الشرع، والأصل في الشروط الوفاء.
قال: [أو شرط فيه خياراً]
إذا شرط فيه خياراً فلا يصح، كأن يقول – زوجتك ولي الخيار ثلاثة أيام – أو نحو ذلك، فلا يصح في المشهور من المذهب، وذلك لأن مقتضى عقد النكاح التنجيز والخيار يخالف التنجيز فيكون مخالفاً لمقتضى العقد، وفي المسألة ثلاثة أقوال – كما قال ذلك شيخ الإسلام – وهي روايات عن الإمام أحمد:
القول الأول: وهو ما ذكره المؤلف هنا، وهو أن الخيار فاسد والنكاح صحيح، وذلك لأن هذا الشرط يخالف مقتضى العقد، وهو معنى زائد على العقد فلم يبطل به العقد.
القول الثاني: أن النكاح يبطل.
القول الثالث: أن النكاح يصح والخيار يثبت، واختاره شيخ الإسلام، وذلك للقاعدة المتقدمة وهي أن الأصل في الشروط الوفاء، وله غرض صحيح في الخيار، فإن الخيار لا يشترطه إلا من له في ذلك غرض صحيح وهو شرط فيه مصلحة.
وأرجح هذه الأقوال أن النكاح يصح وأن الخيار يثبت وهذا أيضاً لا يخالف الشرع فليس فيه تحليل ما حرم الله ولا تحريم ما أحل الله، ومثل هذا قوله:
[أو إن جاء بالمهر في وقت كذا وإلا فلا نكاح بينهما]
أي إن جاء بالمهر المقدم في وقت كذا وإلا فلا نكاح بينهما فهذا شرط صحيح - على الراجح – لما تقدم لأن الشروط يوفى بها، ولا يخالف هذا شرع الله وكونه يخالف مقتضى مطلق العقد فلا يعني أن يكون مخالفاً لشرع الله، وأما المذهب فإنهم يرون بطلان هذا الشرط.
قال: [بطل الشرط وصح النكاح]
ففي المسائل المتقدمة كلها يبطل الشرط على المذهب ويصح النكاح فيبطل الشرط لمخالفته لمقتضى العقد ويصح النكاح لأنه يرجع إلى معنى زائد عن العقد.
قال: [وإن شرطها مسلمة فبانت كتابية، أو شرطها بكراً أو جميلة أو نسيبة أو نفي عيب لا ينفسخ به النكاح فبانت بخلافه فله الفسخ]
أو نفي عيب لا ينفسخ به النكاح، هناك من العيوب ما ينفسخ به النكاح وسيأتي الكلام عليه، وهناك من العيوب ما لا ينفسخ بها النكاح، فإذا شرط أن تكون جميلة أو نسيبة أو نفي عيب لا ينفسخ به النكاح فبانت بخلافه فله الفسخ، وذلك لأن هذا الشرط له فيه غرض صحيح، وقد شرطه فوجب له الوفاء حيث شرط، وهنا خولف شرطه وعليه فله الفسخ، فإن كان لم يدخل بهذه المرأة فلا مهر عليه وإن كان بعد دخوله بالمرأة فلها المهر بما استحل من فرجها، ويرجع على من غره بها سواءً كان الولي أو غيره
قال [وإن عتقت تحت حر فلا خيار لها بل تحت عبد]
إذا عتقت الأمة فلا تخلوا من حالتين:
الحالة الأولى: أن تعتق تحت عبد فتكون حرةٌ ويكون – لو أمضينا هذا الزواج – زوجها عبداً فهنا لها الخيار بإجماع أهل العلم بدليل ما ثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما عتقت بريرة خيرها بين بقائها عند زوجها وبين فسخ النكاح وكان زوجها عبداً – كما ثبت هذا في صحيح مسلم من حديث عروة عن عائشة، ومن حديث القاسم عن عائشة في سنن النسائي.
وأما ما رواه النسائي من حديث الأسود عن عائشة أنه كان حراً فالرجح أنه عبدٌ لأن عروة والقاسم أقرب إلى أم المؤمنين عائشة من الأسود بن يزيد فروايتهما ترجح على رواية الأسود لأنهما أقرب ولأنهما أكثر وأيضاً لما ثبت في البخاري عن ابن عباس قال: " كان زوج بريرة عبداً أسود لبني المغيرة يقال له مغيث.
الحالة الثانية: أن تعتق تحت حر فقد اختلف أهل العلم في هل يثبت لها الخيار أم لا؟
المذهب وهو مذهب الجمهور أنه لا يثبت لها الخيار، ولذا قال المؤلف – وإن أعتقت تحت حر فلا خيار لها – وذلك لأن المكافأة ثابتة بعد حريتها.
والقول الثاني في المسألة وهو مذهب الأحناف وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم أن لها الخيار، وهذا الخلاف يرجع إلى مسالك أهل العلم في كون النبي - صلى الله عليه وسلم - خير بريرة من زوجها مغيث، هل كان هذا لفقدان المكافأة بينهما بعد ثبوتها فأصبحت ذات كمال تحت ذي نقص، هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة وهو مذهب الجمهور، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما خيرها بهذا المعنى.
المسلك الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما خير بريرة لأنها لما عتقت ملكت رقبة نفسها وملكت بضعها ومنافع بضعها وكانت قد زوجت من سيدها بلا رضا منها لأنها مملوكة لها، وحينئذٍ فلا فرق بين أن تكون تحت حر أو عبد، وذلك لأن المعنى ثابت في هاذين النكاحين، وهذا المسلك هو الأرجح وذلك لضعف المسلك الأول من وجهين – كما قرر هذا ابن القيم في زاد المعاد – أما الوجه الأول: فلأن شروط النكاح لا تشترط استدامتها.
من ذلك: أن الزانية لا يحل نكاحها فإن زنت في عصمة الرجل فإن النكاح لا يبطل عند عامة أهل العلم، ومن ذلك أن رضا المرأة غير المجبرة شرط في صحة النكاح ابتداءً، وليس شرطاً في أثناء النكاح فلو كرهته ولم ترض به بعد النكاح فإن النكاح لا ينفسخ بذلك، فإن ثبت هذا في الشرط فكذلك في المكافأة.
الوجه الثاني: وهو نظير هذه المسألة تماماً أن زوال المكافأة لا يبطل النكاح بفسق الزوج في المذهب وفي مذهب جمهور أهل العلم بل لعل ذلك إجماعاً، ومثل ذلك فقدان المكافأة في الحرية فإن من المكافأة الدين، فلا تزوج الصالحة بفاسق، فإذا فسق الزوج وفجر فإن هذه المكافأة قد فقدت وقد زالت ومع ذلك فإن النكاح لا يبطل بل يكون صحيحاً وحينئذٍ فيقع في هذا المذهب على هذا التعليل تناقض، فإذا عللنا بالمسلك الذي ذكره فإنه يقع هذا التناقض، فإنه يلزمنا أن نقول بالفسخ عند فسق الزوج ويلزمنا أن نقول بالفسخ عند عدم رضا المرأة بالنكاح ويلزمنا إذا زنت المرأة أن نقول ببطلان النكاح لأن هذا شرط في صحته ابتداءً فكان شرطاً في استدامته انتهاءً، فعلى ذلك الراجح ما اختاره شيخ الإسلام وهو مذهب الأحناف وهو أن المسلك هو أن هذه المرأة قد ملكت نفسها وكانت قد أجبرت على بضعها وقهرت عليه بملك اليمين فلما عتقت ملكت نفسها وملكت بضعها.
فصل
هذا فصل في ذكر عيوب النكاح، والعيوب تثبت فيها خيار الفسخ كالبيع تماماً وهذا الفسخ لا يكون كالطلاق بل يكون فسخاً بلا طلاق بلا خلاف بين أهل العلم فلا ينقص به عدد الطلاق، فلوا تزوجها بعد ذلك لم تحسب عليه تطليقه.
قال: [ومن وجدت زوجها مجبوباً]
أي مقطوع الذكر.
قال: [أو بقي له ما لا يطأ به فلها الفسخ]
فمن وجدت زوجها مجبوباً أو بقي له ما لا يطأ به فإنها يثبت لها الفسخ.
قال: [وإن ثبتت عنّته]
العنّة: هو ألا يكون قادراً على الجماع بأن لا ينتشر ذكره عند الجماع.
قال: [بإقراره أو بينة على إقراره]
فإذا ثبت ذلك بإقراره بأن يقر على نفسه بذلك وكذا إذا نكل عن اليمين، أو بينة على إقراره أي يشهد شهود على أنه أقر أو بنكوله عن اليمين.
قال: [أجل سنة منذ تحاكمه]
والعلة من تأجيله سنة قالوا لأن السنة ذات فصول أربعة فإذا كان هذا سبب تغيير في الطبيعة فإنه يتغير بتغير الفصول الأربعة وهذا التعليل مقتضاه أن تكون السنة شمسية، لكن أهل العلم يقولون: إنها سنة هلالية وهذا هو مقتضى إطلاقهم وذلك لقوله تعالى: ﴿يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج﴾ ، فأحكام الشرع ترجع إلى السنة القمرية لا الشمسية ثم إن الفارق بين السنة الشمسية والهلالية أيام يسيرة.
قال: [فإن وطء فيها وإلا فلها الفسخ]
أي للمرأة الفسخ لثبوت العيب فيه، ودليل تأجيل العنين سنة ما ثبت في مصنف ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيح عن ابن مسعود قال: (يؤجل العنين سنة فإن جامع وإلا فرق بينهما) ، ورواه سعيد بن منصور عن عمر بن الخطاب وقال الحافظ رجاله ثقات، ولا يعلم لهما مخالف.
قال: [وإن اعترفت أنه وطئها فليس بعنين]
أي ولو مرة واحدة لأن بالوطء ولو مرة واحدة يستقر المهر وتثبت العدة فثبتت الحقوق الزوجية بذلك فإذا وطئها ولو مرة فلا فسخ للعيب لأن العيب حينئذٍ يكون طارئاً ولها أن تخلع نفسها منه كما سيأتي في باب الخلع، والمذهب أنه يكفي إيلاج الحشفة وهو الراجح، واختار القاضي اشتراط إيلاجه جميعه.
قال: [ولو قالت في وقت رضيت به عنينا سقط خيارها أبداً]
إذا قالت في وقتٍ ما رضيت به عنيناً فإن خيارها يسقط وذلك كما لو نكحته وهي تعلم أنه عنين، فإنه لا خيار لها بعد ذلك لأنها دخلت على بصيره فكذلك إذا رضيت، والمشهور في المذهب أنه ليس للزوجة الفسخ من زوجها إن ثبت عقمه أو كان يطؤها ولا ينزل، وقال الحسن البصري " بل إن كان عقيماً فلها الخيار"، وهذا – فيما يظهر لي – أظهر، ودخل في قول ابن القيم كل عيب ينفر الزوج الآخر ولا يحصل به مقصود النكاح من المودة والسكن فإنه ثبت معه الخيار، وهذا أظهر وهو اختيار شيخ الإسلام، ولأن للمرأة حقاً في الولد، وكذلك عدم إنزاله هذا يضعف كمال الوطء فلا تحصل به المرأة شهوتها وعليه فيثبت لها الخيار فيه.
فصل
قال: [والرتق]
وهو انسداد فرج المرأة.
قال: [والقرن]
لحم يكون في فرجها يمنع من وطئها.
قال: [والعفل]
رطوبة ورغوة تكون في فرجها.
قال: [والفتق]
أن يكون سبيلاها سبيلاً واحداً، فالعيوب المتقدمة في الفصل السابق مختصة بالرجل، وهذه مختصة بالأنثى.
قال: [واستطلاق بول ونجوٍ]
هذا مشترك بينهما.
قال: [والقروح السيالة في فرج]
وهذا في المرأة.
قال: [وباسور وناصور]
هذا مشترك بينهما.
قال: [وخصاء وسل ووجاء]
هذا في الرجل.
قال: [وكون أحدهما خنثى واضحاً]
هذا مشترك بينهما.
قال [وجنون ولو ساعة وبرص وجذام]
الجذام: تناثر اللحم، وهذه عيوب مشتركة بينهما.
قال [يثبت لكل واحد منهما الفسخ]
هذه العيوب في المشهور من المذهب، وقاعدة ابن القيم – كما تقدم – أعم من ذلك وهي أصح لكن ليست على إطلاقها بل يستثنى من ذلك ما إذا كان يمكنه الإطلاع على عيبها ومع ذلك فرّط بعدم السؤال وعدم الرؤية مع تمكنه من ذلك وعدم استخبار أهلها، فإذا كان منه تفريط فلا يثبت لها الخيار لأنه هو الذي فرّط.
وأما إن كان العيب لا يحصل بسؤاله كأن يكون عيباً داخلياً في المرأة في فرج ونحوه فإنه يثبت له الخيار، ودليل ثبوت الفسخ هو القياس على البيع، بل هذا الحكم أولى في النكاح منه في البيع، وذلك لأن شروط النكاح أوثق وكذلك حق الفسخ منه أولى، وخيار الفسخ على التراضي ما لم يدل دليل على الرضا، وفي المسألة السابقة وهي ما إذا عتقت الأمة تحت عبد، فإن لها حق الفسخ على التراضي- كما تقدم – فإن فعلت ما يدل على الرضا كأن تمكنه من وطئها جاهلةً بحق الفسخ أو جاهلةً بالعتق، ومثله ما يكون في هذا الباب من جهل المرأة بحق الفسخ، فالمشهور في مذهب الحنابلة أن المرأة إذا مكنت زوجها من نفسها وكان لها حق الفسخ وهي جاهلة فإن حق الفسخ يسقط، واستدلوا بما روى أبو داود في سننه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما عتقت بريرة خيرها وقال: (إن كان قد قربك فلا خيار لك) .
والقول الثاني: وهو مذهب الشافعية وقول إسحاق وهو رواية عن الإمام أحمد واختاره الشيخ عبد الرحمن بن سعدي أن الخيار يثبت لها، وذلك كسائر الحقوق التي لا تسقط إلا بما يدل على الرضا، وهي جاهلة معذورة، وسائر الحقوق لا تسقط إلا بما يدل على الرضا وهذا هو الراجح، وأما حديث أبي داود فإسناده ضعيف، لكن إن مكنته من نفسها مع علمها ومعرفتها بحق الفسخ فالنكاح ثابت ماضٍ وليس لها حق الفسخ بعد ذلك، ففي موطأ مالك بإسناد صحيح أن ابن عمر قال " إن الأمة إذا مسّها فلا خيار لها "، وذلك إذا مسّها بعد علمها بحق الفسخ ثم مكنت نفسها منه فليس لها الفسخ بعد ذلك لأن هذا دليل رضاها.
الدرس الثلاثون بعد الثلاثمائة
هنا مراجعة في مسألتين تقدم البحث فيهما في الدرسين السابقين
أما المسألة الأولى: فهي عند شرط المرأة طلاق ضرّتها، فقد تقدم أن المشهور في المذهب صحة هذا الشرط، والراجح هو قول الموفق واختيار ابن القيم أن ذلك لا يصح وذكر الموفق أنه لم ير هذا القول لغير أبي الخطاب من الحنابلة فالراجح أن هذا الشرط لا يصح لأنه يخالف شرع الله في قوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا تسأل المرأة طلاق أختها لتستفرغ صحفتها ولتنكح فإن مالها ما قدر لها) متفق عليه، وكل شرط يخالف كتاب الله فهو باطل، وذكر ابن القيم الفرق بين اشتراط طلاق الضرة وبين أن تشترط على زوجها ألا ينكح عليها أو ألا يتسرى، وأن الفرق بينهما أن اشتراط طلاق الضرة فيه ضرر على الضرة ففيه كسر لقلبها وخراب لبيتها ولا شك أن مثل هذا ضرر ظاهر.
أما المسألة الثانية: فهي أن الحنابلة يخصون العيوب بالعيوب التي تقدم ذكرها –على خلاف في بعضها – واختار ابن القيم أن كل عيب ينفر الآخر ولا يحصل به مقصود النكاح من المودة والرحمة فإن الفسخ يثبت به، وحكاه قولاً لبعض الشافعية وحكاه قولاً للزهري ولشريح القاضي واستدل – رحمه الله – بأن ثبوت الفسخ هنا أولى من ثبوته في البيع فإن شروط النكاح أوثق وكذلك الفسخ فيه أولى، قال ولأن الإطلاق يحمل على الأصل وهو السلامة من العيوب، وهو قد أطلق فلم ينفي العيوب فإنه إذا نفى عيباً لا ينفسخ النكاح به، فإن الفسخ ثبت حيث ثبت هذا العيب لكن هنا حيث لم يشترط نفيه فالأصل السلامة من العيوب وإطلاقه يحمل على ذلك والمشروط عرفاً كالمشروط لفظاً، فإن العرف يقضي بذلك فإنه إنما خطب السليمة من العيوب، قال ولأن ذلك أقبح التدليس والفحش أي إذا سكتوا عن ذكر عيوبها، قال في الإنصاف في هذا القول وما هو ببعيد.
آهـ
واختاره الشيخ عبد الرحمن السعدي.
وهذا القول هو الراجح لقوة أدلته، لكن كان يشكل – كما تقدم ذكره في الدرس السابق – أنه قد فرط في عدم السؤال أو السعي إلى النظر إليها والجواب عن هذا الإشكال هو وإن كان مفرطاً في ذلك فإن هذا التفريط فيه ليس كسكوتهم عن العيب الذي يعتبر كما تقدم من أقبح الغش والخداع، ويدل عليه ما ثبت في مصنف عبد الرزاق وموطأ مالك بإسناد صحيح من حديث سعيد بن المسيب عن عمر وسماعه ثابت منه كما قال ذلك الإمام أحمد ولو فرض أنه لم يسمع منه فإن أحاديثه التي يرفعها مرسله إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - مقبولة عند أهل العلم فأولى من ذلك ما يرسله عن الصحابة رضي الله عنهم أن عمر قال " أيما رجلٍ تزوج امرأةً فوجد بها جنوناً أو برصاً أو جذاماً فمسها فلها صداقها كاملاً وذلك لزوجها غرم على وليها "، وثبت في البيهقي بإسنادٍ صحيح أنه قال " إذا تزوجها عمياء أو برصاء فدخل بها فلها الصداق ويرجع إلى من غره "، والعمى ليس مذكوراً في جملة العيوب التي تقدم ذكرها وورد عنه رضي الله عنه العقم كما في مصنف عبد الرزاق ورجاله ثقات، وهنا قد ذكر العمى وهو ليس من العيوب التي تقدم ذكرها عند الفقهاء ومعلوم أن الخاطب أو العاقد يمكنه أن يسأل عن ذلك فلا شك أنه قد وقع منه تفريط ومع ذلك فإن الفسخ ثابت له لثبوت هذا العيب فعلى ذلك إذا تزوجها وبها خرس أو عمى أو قطع في اليدين أو الرجلين فالصحيح وهو اختيار ابن القيم – خلافاً للمشهور في المذهب بل خلافاً للمذاهب الأربعة – ثبوت الفسخ.
قال: [ولو حدث بعد العقد]
لو حدث بعد العقد فإن الفسخ يثبت، فالعيب يحكم معه بوجوب الفسخ وإن كان طارئاً بعد العقد، وذلك قياساً على الإجارة بجامع أن كليهما عقد على منفعة ولأنه إذا ثبت مقارناً فيثبت طارئاً، وخيار العيب ثابت لدفع الضرر فإذا ثبت مقارناً فيثبت طارئاً فعليه إذا ثبت في الرجل عيب بعد العقد فللمرأة الفسخ أو ثبت في المرأة عيب بعد العقد فله الفسخ ولا مهر لها لثبوت العيب، أما إن دخل بها فسيأتي الكلام عليه.
قال: [أو كان بالأخر عيب مثله]
وذلك لوجود سببه فلو كان في الأخر عيب أخر فكذلك لوجود سببه، فإذا وجد سبب الفسخ وجد الفسخ وسببه ثبوت العيب في أحد الزوجين فلو ثبت في الأخر عيب أخر أو عيب مثله فإن الحكم كذلك لا يتغير لوجود سببه ولأن الإنسان يرضى بعيب نفسه ولا يرضى بعيب غيره كما هو متقرر في الفطر.
قال: [ومن رضي بالعيب أو وجدت منه دلالته مع علمه فلا خيار له]
إذا رضي هذا الزوج الناكح للمرأة المعيبة بعيبها بقوله أو ظهر منه ما يدل على الرضا كأن يطأها وهو عالم بعيبها فلا خيار له بلا خلاف بين أهل العلم وكذلك المرأة إذا رضيت بعيب زوجها بقولها أو فعلها فإنه لا خيار لها وظاهره ولو كان مستحق الفسخ جاهلاً بحق الفسخ وهذا هو المشهور في المذهب وأن الخيار يسقط وإن كان مستحقه جاهلاً والراجح أن الجهل يعذر به لأنه حق كسائر الحقوق لا يسقط إلا بما يدل على الرضا والرضا المعتبر: إنما يكون حيث علم أن له حق الفسخ أما إن سكت وهو لا يعلم أن له حق الفسخ أو سكتت وهي لا تعلم أن لها حق الفسخ فلا.
وقد تقدم أن هذا هو رواية عن الإمام أحمد وهو مذهب الشافعي.
قال: [ولا يتم فسخ أحدهما إلا بحاكم]
فلا يصح الفسخ إلا بحاكم، فلو فسخ مستحق الفسخ لم يثبت فسخه إلا بحكم حاكم هذا هو المشهور في المذهب قالوا لأن المسألة مجتهد فيها بخلاف المسائل المتفق عليها كالمعتقة تحت العبد فإنها تفسخ نفسها منه بلا حكم حاكم، وقال شيخ الإسلام: بل الفاسخ هو، والحاكم يأذن بالفسخ أو يحكم به، فالفسخ يثبت تارةً برضاهما وتارةً بحكم الحاكم وعليه فالفسخ يثبت بمجرده من مستحقه، فإن أمضاه الأخر وإلا أمضاه الحاكم وهذا القول هو الراجح لأن الفسخ حقٌ له فثبت بفسخه والحاكم إنما يمضي، ولا فرق – حيث ثبت له الفسخ – بين ما إذا كانت المسألة مجمع عليها وبين ما إذا كانت مختلفاً فيها فهو مستحق للفسخ في المسألتين كلتيهما وهذه قاعدة لشيخ الإسلام في جميع الفسوخ، وأن جميع الفسوخ لا تقف على حكم الحاكم بل لصاحب الحق – في الفسخ – أن يفسخ وإن لم يترافعا إلى الحاكم فإن أمضى الأخر وإلا فإنها يترافعان إلى الحاكم ليمضي الفسخ.
قال: [فإن كان قبل الدخول فلا مهر]
فإذا ثبت الفسخ قبل الدخول بها فلا مهر، وذلك لأن الفسخ إما أن يكون من المرأة وإما أن يكون من الرجل، فإن كان من المرأة فإنه من قِبَلِها فلم تستحق شيئاً، وإن كان من الرجل فإنه إنما فسخ للعيب فلا تستحق شيئاً، فإذا ثبت الفسخ قبل الدخول فلا مهر للمرأة سواء كان العيب ثابتاً في الرجل أو المرأة وسواء كان الفاسخ الرجل أو المرأة.
قال: [وبعده فلها المسمى]
أما إذا كان الفسخ بعد الدخول يثبت لها المسمى في العقد سواء كان أقل من مهر المثل أو أكثر من مهر المثل، هذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد، ومذهب الشافعية وهو رواية عن الإمام أحمد، أن لها مهر المثل، قالوا: لأنه فسخ يرجع إلى العقد والفسخ الذي يرجع إلى العقد يكون فيه مهر المثل كعامة الفسوخ التي ترجع إلى بطلان النكاح، والراجح ما ذهب إليه أهل القول الأول وذلك لأن المهر يستقر بالدخول، فإذا دخل بالمرأة فقد استقر المهر وقد سمي لها مهراً، وأما ما قاله الشافعية من أنه فسخ يرجع إلى العقد فكان فيه مهر المثل.
فالجواب: أنه إنما يرجع إلى العقد في العقود الفاسدة، وهذا لو كان فاسدا لم يمض ولم نثبت فيه خياراً بل لأبطلناه، ويدل على هذا ما تقدم من الآثار عن عمر فإنه قال: " فلها صداقها كاملاً "، وقال في الأثر الآخر: " فلها الصداق "، أي الصداق المسمى كما تدل عليه الرواية الأخرى، فالراجح أن لها المهر المسمى، ويرجع بهذا المهر الذي قد سماه لنا، ويرجع إلى من غرّه.
والغار: هو من علم بالعيب وكتمه سواء كان الولي أو الوكيل أو المرأة فيرجع إلى من غره.
وعليه فيرجع إلى الولي، وقد تقدم أثر عمر " وذلك لزوجها غرم على وليها " فيرجع على الولي، فإن أنكر الولي بيمينه أنه لا يعلم هذا العيب وكان هذا العيب ممكن أن يخفى عليه ويمكن أن يصدق ككثير من العيوب التي تكون باطنة، أو أن يكون ولياً بعيداً كأن يزوجها ابن عمٍ فيخفى عليه عيب ظاهر فيها، يطلع عليه أهل بيتها، فإن ثبت أنه لا يعلم باليمين فإنه يرجع إلى المرأة، لأنها هي التي غرته من نفسها، لأن الولي ثبت أنه لا يعلم بيمينه فحينئذٍ يرجع إلى المرأة إن كانت المرأة عاقلة وعالمة، أما إذا لم تكن عاقلة فإنه لا يرجع وكذلك إن كانت غير عالمه.
فإن قيل: هل يتصور أن تكون المرأة ليست بعالمه؟
فالجواب: إن هناك من العيوب ما يكون خفياً عن المرأة نفسها، كأن يكون هناك بقعة من البرص في موضع لا يطلع عليه في العادة، وكأن يكون في ظهرها فإنها تصدق بقولها، وحينئذٍ فإذا ثبتت براءة الوكيل، والوكيل لم يطلع على شيء من ذلك فحينئذٍ لا يرجع على أحد وذلك لأن المهر قد استقر بالدخول وليست ثمت مغرر يرجع إليه، والرجوع إلى المغرر ثابت عن عمر كما في الأثر السابق وورد في البيهقي عن علي " أنه لا يرجع بل يثبت لها المهر بما استحل من فرجها "، لكن الأثر من رواية الشعبي عن علي، وراية الشعبي عن علي منقطعة، وعليه فالأثر ضعيف ولا يعلم لعمر مخالف صحيح، إذن يرجع إلى المغرر – وهو الولي المباشر بعقد النكاح –، فإن نفى ذلك الولي وأمكن تصديقه وحلف على ذلك فإن هذا الزوج يرجع إلى المرأة، فإذا كانت المرأة جاهلة به وأمكن تصديقها فإنه لا يرجع إلى أحد، ولها المهر بما استحل من فرجها، وليست ثمت مغرر يرجع إليه.
قال: [والصغيرة والمجنونة والأمة لا تزوج واحدة منهن بمعيب]
فليس لولي هؤلاء أن يزوجهن بمعيب وذلك لأن ولايته ولاية نظر موجب أن ينظر ما فيه حظ ومصلحه لهن، وعليه فالنكاح باطل إن كان معيباً.
ولا خلاف بين أهل العلم أنه إذا أنكح الكبيرة البكر، إن زوجها معيباً فلا يصح بلا خلاف بين أهل العلم، وذلك لأن ولايته ولاية نظر موجب عليه أن ينظر ما فيه مصلحة وحظ لهن، فإذا زوجها غير عالم بالعيب فعليه الفسخ.
قال [فإن رضيت الكبيرة مجبوباً أو عنيناً لم تمنع]
إذا قالت: رضيت بهذا الزوج وإن كان مجبوباً وإن كان عنيناً فإنها لم تمنع لأن حق الوطء لها فإذا أسقطته فإنه يسقط بإسقاطها، وقال الموفق وهو قول في المذهب: بل له أن يمنعها وذلك لأن رضاها غير موثوق بدوامه، والضرر ثابت دائم ولا شك أن الضرر الثابت الدائم لا شك انه أرجح من هذا القبول غير الموثوق بدوامه واستمراره، ولأن الولي يمنعها من نكاح الكفؤ فكذلك هنا.
قال [بل من مجنون ومجذوم وأبرص]
أي تمنع من الرضا بهؤلاء وذلك لما فيه من الضرر عليها والضرر على أوليائها، ولأنه يخشى أن يلحق ولدها مثل هذا فإنها تمنع منه لما فيه من الضرر، وتقدم أن الصحيح أنها تمنع من كل هؤلاء المعيبين لأنه إنما جعل ولياً لها لينظر ما فيه مصلحة وحظ وعليها فيه ضرر، وإن أسقطت حقها فإن هذا الإسقاط لا يوثق بدوامه.
قال [ومتى علمت أو حدث به لم يجبرها وليها على الفسخ]
إذا حدث للرجل عيب بعد العقد أو علمت المرأة بالعيب بعد دخوله بها فليس لوليها أن يجبرها على الفسخ، وذلك لأن ولايته ثابتة في ابتداء النكاح لا في دوامه، فالولي إنما دلت الأدلة على ولايته في ثبوت النكاح ابتداءً وأما في دوامه فلا، فإنه ليس له حق في ذلك وعليه فلا يجبرها.
مسألة: إن ادعى الجهل بالخيار ومثله يجهله كما من لا يخالط الفقهاء فالأظهر ثبوت الفسخ.
مسألة أخرى: إن فسخ لظنه عيباً، فبان غير عيب كبياضٍ ظنه برصاً بطل الفسخ.
باب نكاح الكفار
الدرس الحادي والثلاثون بعد الثلاثمائة.
قال [حكمه كنكاح المسلمين]
حكم نكاح الكفار كنكاح المسلمين في الصحة وفي وقوع الطلاق وفي القسمة وفي النفقة فيما يحل وما يحرم لقوله تعالى: ﴿فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم﴾ ، وقوله أيضاً ﴿فاحكم بينهم بما أنزل الله﴾ ، فيحكم بينهم بشرع الله وهو ما يحكم به للمسلمين.
قال: [ويقرون على فاسده]
يقرون على فاسد النكاح كنكاح الخامسة أو نكاح المجوسي البنت أو الأخت يقرون عليه بشرطين
قال [إذا اعتقدوا صحته في شرعهم]
هذا هو الشرط الأول وهو أن يعتقدوا أنه صحيح في شرعهم كنكاح الخامسة، فإن لم يعتقدوا جوازه في شرعهم كالزنا فإنهم لا يقرون عليه.
قال: [ولم يرتفعوا إلينا]
هذا هو الشرط الثاني: أي لم يرفعوا إلينا هذه المسألة، أما إذا رفعوا إلينا هذه القضية فيجب علينا أن نحكم بما أنزل الله فنفسد هذا النكاح للآيات المتقدمة ويدل على هذه المسألة – أي إقرارهم على أنكحتهم التي لم يرفعوها إلينا ولا يعتقدون فسادها في شرعهم - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اخذ من مجوس هجر الجزية، ولم ينقل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تعرض لهم لا في أنكحتهم ولا في سائر أحكامهم، ومعلوم أنهم يستبيحون نكاح المحارم.
وكذلك في نصارى نجران، ولو كان التعرض لهم وإفساد أنكحتهم وغيرها مما لم يترافعوا إلينا فيها – لو كان لنقل ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نقلاً بيناً.
قال [فإن أتونا قبل عقده عقدناه على حكمنا]
إذا أتونا قبل عقد النكاح أي ترافعوا إلى القاضي المسلم ليعقد لهم نكاحاً فحينئذٍ نعقد لهم على حكمنا من إشتراط الولي وإشتراط شاهدي عدل منا وركنية الإيجاب والقبول وغير ذلك من الأحكام المترتبة على العقود لقوله تعالى: ﴿فاحكم بينهم بما أنزل الله﴾ .
قال [وإن أتونا بعده أو أسلم الزوجان]
أي أتونا بعد العقد أو أسلم الزوجان وكانا قبل ذلك يهوديين أو نصرانيين أو رفعوا إلينا الحكم في مسألة من مسائل أنكحتهم وكان ذلك بعد العقد، فحينئذٍ لا نستفصل منهم هل توفرت شروط النكاح أم لا، وهذا بإجماع أهل العلم أي لا يسألون عن كيفية نكاحهم هل توفرت فيه شروطه أم لا، وقد أسلم خلق كثير في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأسلمت معهم نساؤهم ولم يسألهم النبي - صلى الله عليه وسلم - عن كيفية أنكحتهم بل أقرهم عليها.
قال [والمرأة تباح إذن أقرا]
هذا شرط لابد منه أن تباح المرأة إذاً، أي حين الترافع أو-- الإسلام، أي حين ترافعوا إلينا في نكاح قد عقد سابقاً أو أسلم الزوجان فلا بدّ أن تكون المرأة المعقود عليها مباحة حينئذٍ، مثال ذلك أن يكون قد نكحها في عدة وهي الآن قد انتهت عدتها، أو في نكاح الأختين، فكان قد نكح أختاً على أخت، وكان حين الترافع أو حين الإسلام قد ماتت الأخت الأولى، فالأخت الثانية مباحة حينئذٍ وإن كانت محرمة آنذاك لما كانت مضمومة إلى أختها، وكذا مطلقته ثلاثاً لأنه طلاق من عاقل بالغ في نكاح صحيح، وعليه إذا أسلم رجل فامرأته عنده على ما بقي من الطلاق إن كان قد طلّق مرتين أو ثلاثاً، فحينئذٍ لا نحكم ببطلان النكاح ولا بفساده بل نحكم بينهم بما أنزل الله ونمضي هذا النكاح.
قال [وإن كانت ممن لا يجوز ابتداء نكاحها فرّق بينهما]
…إذا كانت حين الترافع لا يجوز ابتداء نكاحها فحينئذٍ يفرق بينهما، كأن يترافعوا إلينا في زوجين والزوجة ذات محرم من زوجها وكأن يترافع المجوسي وتكون تحته اخته أو يترافع النصراني وتكون المنكوحة خامسة فلا يجوز ابتداء النكاح عليها، وحينئذٍ فلا يحكم لهم بصحة النكاح بل يحكم ببطلانه.
قال: [وإن وطىء حربي حربية فأسلما وقد اعتقداه نكاحاً أقرا، وإلا فسخ]
إذا وطء حربي حربية ثم أسلما فإن اعتقدا هذا الوطء الخالي من الولي ونحوه، إذا اعتقداه نكاحاً فإنهما يقران عليه، وإن لم يعتقدانه نكاحاً بل اعتقداه سفاحاً فلا يقران عليه لأنهم يقرون على ما اعتقدوا صحته.
قال: [ومتى كان المهر صحيحاً أخذته]
إذا كانت القضية أو الخصومة التي حصل الترافع فيها في المهر، فمتى كان المهر صحيحاً كأن يكون دراهم أو دنانير أخذته هذه المرأة لأنه واجب لها بالعقد وهذا هو حكم الله تعالى.
قال: [وإن كان فاسداً وقبضته استقر]
فإذا كان فاسداً كأن يكون مهرها خمراً أو خنزيراً أو غير ذلك من المحرمات فهذا مهر فاسد، فإن كانت قد قبضته فإنه يستقر المهر، وذلك لأن هذه المسألة قد وقعت قبل الترافع وهي صحيحة عندهم فهي مما يعتقدون صحته في شرعهم وقد حصل القبض بحكم الشرك لا بحكم الإسلام.
قال: [وإن لم تقبضه ولم يسمِّ فرض لها مهر المثل]
إذا لم تقبض هذا المهر الفاسد أو كان المهر لم يسم لها في العقد فرض لها مهر المثل، لأن المهر فاسد، أو لم يسمِّ لها مهراً فحينئذٍ تعطى مهر المثل.
فصل
قال: [وإن أسلم الزوجان معاً … فعلى نكاحهما]
إن أسلم الزوجان معاً أي دفعة واحدة في زمن واحد بلحظة واحدة فهما على نكاحهما، كأن يسلم زوجان كافران في لحظة واحدة دفعة واحة فهما على نكاحهما لعدم اختلاف الدين، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم، وذكر صاحب المغني: إحتمالاً أنه يصح ولو كان في المجلس ولو لم يكن دفعة واحدة وصوبه صاحب الإنصاف واختاره ابن القيم وهو الراجح، وذلك لعسر الإسلام دفعة واحدة بل لا يكاد يقع، كما ذكر ابن القيم أن المعروف في إسلام الصحابة في إسلام الزوج والزوجة أنه لا يكون دفعة واحدة، وهذا ظاهر.
قال: [أو زوج كتابية فعلى نكاحهما]
كأن يكون رجل يهودي زوجته يهودية فأسلم اليهودي فلا يبطل نكاحه لليهودية، وذلك لأن نكاح المسلم للكتابية جائز ابتداءً فاستدامته أولى.
قال: [فإن أسلمت هي]
أي أسلمت الزوجة الكتابية.
قال: [أو أحد الزوجين غير الكتابيين قبل الدخول بطل]
فإذا أسلمت كتابية تحت كتابي أوغيره أو أسلم أحد الزوجين غير الكتابيين قبل الدخول بطل لقوله تعالى: ﴿ولا تمسكوا بعصم الكوافر﴾ ، هذا إن كان الزوج هو المسلم ولم تكن الزوجة كتابية، وإن كانت المرأة هي التي أسلمت فلقوله تعالى: ﴿لا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن﴾ وهذا مذهب جماهير أهل العلم.
قال: [فإن سبقته فلا مهر]
فإذا كانت المرأة هي السابقة للإسلام، ولم يدخل بها بعد فلا مهر لها، فمن المعلوم أن الرجل إذا طلق امرأته قبل الدخول فلها نصف المهر أو فسخ فلها نصف المهر، وهنا الفرقة بالإسلام قد جاءت من قبل المرأة، والقاعدة أن الفسخ إن كان من قبل المرأة فلا مهر.
قال: [وإن سبقها فلها نصفه]
فإذا سبقها هو بالإسلام فأسلم فلها نصفه لأن الفرقة هنا جاءت من قبله وهذا هو المشهور في المذهب، وعن الإمام أحمد وصوبه صاحب الإنصاف: أنه ليس لها مهر، وهذا فيما يظهر لي أظهر، وذلك لأن الفرقة لم تجيء من قبله بل الشرع فرق بينهما والأدلة إنما دلت على وجوب نصف الصداق حيث كان الفسخ منه أو الطلاق وهنا قد جاء التفريق من الشرع بينهما فلا يجب لها نصف المهر.
قال: [فإن أسلم أحدهما بعد الدخول وقف الأمر على إنقضاء العدة فإن أسلم الآخر فيها دام النكاح وإلا بان فسخه منذ أسلم الأول]
إذا أسلم أحد الزوجين بعد الدخول وقف الأمر على انقضاء العدة وإن أسلم الآخر بالعدة دام النكاح، وإلا بان فسخه منذ أسلم الأول، فإذا انقضت عدتها ولم يسلم فلا نقول استأنفي عدة جديدة بل عدتها هي عدتها السابقة فلا تستأنف عدة جديدة، واستدل الجمهور- القائلون بأن المرأة إذا انقضت عدتها فلا تحل لزوجها الكافر إلا بعقد جديد - استدلوا بما روى الترمذي وغيره عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رد ابنته - أي زينب – على أبي العاص بنكاح جديد "، قالوا هذا لأن العدة انقضت وهذا الحديث فيه الحجاج بن أرطأة وهو ضعيف الحديث.
القول الثاني في المسألة وهو رواية عن الإمام أحمد وهو قول ابن المنذر واختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم: أن النكاح يدوم ما لم تنكح فما دامت هذه المرأة لم تنكح وأسلم قبل أن تنكح فإن النكاح ثابت فإذا نكحت انفسخ النكاح، قال شيخ الإسلام: ولا فرق ما بين قبل الدخول وبعده، أي ولو كان إسلام أحدهما قبل الدخول فكذلك، إذا أسلم زوجها قبل أن تنكح فإن النكاح يدوم وما ذهب إليه شيخ الإسلام هو الراجح، أما المسألة الأولى وهي ما بعد الدخول فلما ثبت عند الخمسة من حديث ابن عباس: " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رد ابنته زينب على أبي العاص بن الربيع بالنكاح الأول "، وهو من حديث داود بن الحصين عن عكرمة، وحديث داود بن الحصين عن عكرمة ضعيف، لكن للحديث شاهدان مرسلان عند سعيد بن منصور ولذا صححه الإمام أحمد وغيره.
ويدل عليه ما ثبت في صحيح البخاري – كما أنه يدل على أنه لا فرق بين ما قبل الدخول وبعده ما لم تنكح المرأة - عن ابن عباس قال: " كانت المرأة إذا هاجرت من أهل الحرب لم تخطب حتى تحيض ثم تطهر فيحل لها النكاح فإن هاجر زوجها قبل أن تنكح ردت إليه "، وهذا عام في من دخل بها ومن لم يدخل بها، وأيضاً في هذه الأحاديث لا تطرق لذكر العدة ولم يثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يسأل النساء المهاجرات هل انقضت عدتهن أم لا.
وفي حديث أبي العاص في سنن الترمذي قال: " وكان ذلك بعد ست سنين "، أي بعد انقضاء عدتها بزمن طويل، والصحيح في هذه المسألة ما اختاره شيخ الإسلام وهو قول ابن المنذر ورواية عن الإمام أحمد، وأن المرأة إذا دخل بها ثم أسلمت أو أسلم زوجها فإن الزواج باقٍ بينهما ما لم تنكح، فإن نكحت فقد فسخت بنكاحها النكاح الأول، ورجح شيخ الإسلام أنه لا فرق بين من دخل بها ومن لم يدخل بها، وعمومات الأدلة تدل على هذا وفيه – كما ذكر شيخ الإسلام – مصلحة محضة، فإن فيه ترغيباً لمن لم يسلم منهما في الإسلام.
قال: [وإن كفرا أو أحدهما بعد الدخول وقف الأمر على انقضاء العدة، وقَبله بطل]
فإذا كفرا أو أحدهما فإن كان ذلك قبل الدخول فالنكاح باطل وإن كان بعد الدخول وقف ذلك على انقضاء العدة فإن انقضت العدة بطل، وقَبله يدوم ويثبت فلا فرق بين ما إذا أسلم أحد الزوجين أو ارتد أحد الزوجين لاختلاف الدين، وتقدم كلام شيخ الإسلام في عدم التفريق ما بين قبل الدخول وما بعده.
مسألة:
فإن أسلم الرجل وقد نكح أكثر من أربع فإنه يخير بينهن، كذلك إذا كان قد جمع بين أختين فإنه يخير بينهن لا فرق بين الأولى ولا الأخرى فله أن يختار الأخيرة وله أن يختار من نسوته الأخريات ويدل على هذا ما ثبت في مسند أحمد والترمذي " أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وله عشر نسوة قد أسلمت معه، فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يتخير منهن أربعاً " والحديث أعله الإمام أحمد والبخاري بالإرسال، وهو مرسل كما قالا، ولكن له شاهدان يحسن بهما الحديث، شاهد عند البيهقي من حديث عروة الثقفي، وشاهد أخر عند أبي داود من حديث قيس بن الحارث، وبه قال جمهور أهل العلم خلافاً لأبي حنيفة.
وقد روى أبو داود وغيره عن الضحاك بن فيروز الديلمي عن أبيه أنه قال - صلى الله عليه وسلم - " إني قد أسلمت وتحتي أختان فقال - صلى الله عليه وسلم - طلق أيتهما شئت " والحديث حسن، وهذا يرجع إلى المسألة المتقدمة وهي أن ما يعتقدون صحته من أنكحتهم قبل الإسلام فإنها تكون صحيحة، فحينئذٍ لا فرق بين النكاح الذي عندنا باطل والنكاح الذي هو عندنا صحيح لأن النكاحين قد وقعا قبل الإسلام ولذا فلا مزية لأحدهما على الأخر، فأرجعا التخيير إليه لأن ذلك أمر راجع إلى رغبته وإلى من يسكن إليها، وهذا هو مذهب جمهور العلماء ويدل عليه الأثر ويدل عليه النظر.
وهل يحل أن يطأ من اختارها في عدة من فارقها في مسألة الأختين، وكذلك هل له أن يطأ الرابعة والخامسة في عدتها أم لا يحل له ذلك؟
المشهور في المذهب أنه ليس له أن يطأ الأخت وكذلك في مسألة العدد ليس له أن يطأ حتى تنتهي عدة الأخرى.
وذهب المالكية والشافعية إلى أن له أن ينكح التي أبقاها في عدة التي فارقها من الأختين، وكذلك في جميع العُدد، وتقدم ذكر دليل المسألة السابقة وهو دليل لهذه المسألة فإنه قد فارقها وليست زوجة له فليست برجعية فحينئذٍ لا يكون قد جمع بين أختين، ولا يكون جمع في وقته أربعاً، وأيضاً يستدل عليه لخصوص المسألة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يبين هذا لغيلان بن سلمة ولا لفيروز الديلمي، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام وقال " نظرت في كلام عامة أصحابنا فرأيتهم قد ذكروا أنه يمسك أربعاً ولم يشترط في جواز الوطء الخروج من العدة لا في جمع العدد ولا في جمع الرحم"، فعامة أصحاب الإمام أحمد ظاهر كلامهم عدم ذكر هذا الشرط ولو كان هذا شرطاً عندهم لذكروه للإحتياج إلى ذكره، وإنما ذكره الموفق رحمه الله، فالراجح ما اختاره شيخ الإسلام وهو مذهب الشافعية والمالكية.
الدرس الثاني والثلاثون بعد الثلاثمائة
باب الصداق
الصداق: عوض يسمى في عقد النكاح أو بعده، أي يسمى في عقد النكاح، أو يسمى بعده وهذا في النكاح الذي لم يسم فيه مهر، والصداق مشروع بالإجماع قال تعالى: ﴿وأتوا النساء صدقاتهن نحلة﴾ وقال: ﴿وآتوهن أجورهن﴾ ، والأحاديث في ذلك كثيرة يأتي ذكر شيء منها.
قال: [يسن تخفيفه]
أي تخفيف المهر لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (خير الصداق أيسره) رواه أبو داود بإسنادٍ صحيح.
قال: [وتسميته في العقد]
فيسن تسميته في العقد لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لخاطب الواهبة نفسها (التمس ولو خاتماً من حديد) ، ولا يشترط ذلك، فلو نكحها ولم يسمِّ لها مهراً فالنكاح صحيح، أي مع ثبوت المهر لكنه لم يسمِّ لها أي لم يفرض ويحدد قدره، لكنه نكاح على مهر، وكذا قال تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة﴾ ، ولا طلاق إلا بعد عقد فعلى ذلك تسمية الصداق في العقد مستحبة قطعاً للنزاع ولفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ولأمره كذلك كما في قوله: (التمس ولو خاتماً من حديث) .
قال: [من أربعمائة درهم إلى خمسمائة]
لما ثبت في سنن أبي داود والترمدي والنسائي بإسنادٍ صحيح عن عمر قال " ألا لا تغالوا في صُدُق النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله عز وجل لكان أولاكم بها النبي - صلى الله عليه وسلم - ما اصدق النبي - صلى الله عليه وسلم - امرأة من نسائه ولا أصدقت امرأة من بناته إلا ثنتي عشرة أوقية "، أي تزيد على أربع مائة درهم بشيء يسير، وقالت عائشة رضي الله عنها كما في صحيح مسلم: " كان صداق النبي لأزواجه ثنتي عشرة أوقية ونشَّا قالت: أتدري ما النش؟ فقال الراوي (لا) فقالت: نصف أوقية فتلك خمس مائة درهم فهذا صداق النبي - صلى الله عليه وسلم - لأزواجه "، فالمستحب في صدق النساء أن تكون يسيرة، وأما ما روي من إنكار المرأة على عمر لما نهى عن المغالاة، فاستدلت عليه بالآية ﴿أو آتيتم إحداهن قنطاراً﴾ فإنه لا يصح فقد رواه البيهقي بإسنادٍ منقطع، فالمستحب من أربعمائة إلى خمسمائة فإن زاد فلا بأس فقد روى أبو داود بإسنادٍ صحيح، أن أم حبيبة مات عنها زوجها عبد الله بن جحش في الحبشة فزوجها النجاشي النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمهرها عنه أربعة آلاف درهم وبعثها مع شرحبيل بن جسنة.
قال: [وكل ما صح ثمناً أو أجرة صح مهراً وإن قل]
كل ما صح ثمناً لمبيع من عين أو دين أو منفعة.
من عين: كدرهم ودينار.
أو دين: سواء كان مؤجلاً أو حاضراً.
أو منفعة: كأن يقول " على أن أعمل لكم سنة " فهذا جائز.
فسواء كان عيناً أو ديناً أو منفعة معلومة قياساً على البيع والإجارة بجامع أن كليهما عوض، قال تعالى: ﴿إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج﴾ ، فهذا من باب الإنكاح بالمنفعة، فكل ما صح ثمناً لمبيع أو أجرة، ـ وتقدمت شروط الثمن وشروط الأجرة ـ فإنه يصح مهراً ولو قل أي ولو كان درهماً ولو كان ديناراً ولو كان خاتماً من حديد ولذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (التمس ولو خاتماً من حديد) ، وثبت في الصحيحين أن عبد الرحمن بن عوف قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: " إني تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب فقال: (بارك الله عليك، أولم ولو بشاة) "، فإن قل فذلك جائز.
إذن لا حد لأقله فما يصدق عليه أنه ثمن أو أجرة فإنه يصح مهراً، وقال المالكية والأحناف: بل لا يصح إلا مما تقطع به اليد بجامع استباحة العضو "، فهذا قياس يخالف النص فلا اعتبار به، وقد تقدم قوله التمس ولو خاتماً من حديد، وعلى ذلك أقل المهر عند المالكية ربع دينار، وعند الأحناف عشرة دراهم، وقد روى الدارقطني بإسنادٍ ضعيف جداً: (ألا مهر أقل من عشرة دراهم) ، فالراجح ما ذهب إليه الشافعي والحنابلة من أنه لا أقل للمهر كما أنه لا حد لأكثره، ولذا قال تعالى: ﴿أو آتيتم إحداهن قنطاراً﴾ ، والقنطار الشيء الكثير الوافر من الذهب، وهذه الآية لا يستدل بها على استحباب المغالاة، وإنما فيها الإخبار والإخبار لا يدل على الجواز فضلاً عن استحباب ذلك، إذن لا حد لأقله ولا حد لأكثره.
قال: [وإن أصدقها تعليم قرآنٍ لم يصح]
فلا يصح أن يكون صداقها تعليمها القرآن وهذه المسألة تقدم ذكرها، وهي هل يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن؟
فالأحناف والحنابلة يمنعون من ذلك، وهنا كذلك يمنعون من ذلك مهراً، والشافعية والمالكية يجيزون أخذ الأجرة على القرآن، ويجيزون هنا أيضاً أن يكون عوضاً عن الزواج، ويستدلون بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (ملكتكها بما معك من القرآن) ، وتقدم أن الراجح في المسألة السابقة جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن للمحتاج، فهذا كذلك، والرجل الذي قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: (ملكتكها بما معك من القرآن) ، كان محتاجاً ولذا أمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يلتمس ولو خاتماً من حديد ولم يجد ذلك، فدل على أن ذلك مخصوص بالمحتاج.
قال: [بل فقه وأدب وشعر مباح معلوم]
فهذا جائز لأن أخذ الأجرة عليه جائز، فيجوز أن يكون صداقاً، وهكذا سائر العلوم الدينية والدنيوية.
قال: [وإن أصدقها طلاق ضرتها لم يصح ولها مهر مثلها]
إذا قال صداقك أن أطلق ضرتك، فلا يصح ذلك لأن هذا محرم في الشرع في قوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا تسأل المرأة طلاق أختها) ، أو هي قالت له: عوضي في النكاح طلاق ضرتي، فهذا محرم، وعليه فلا يصح هذا مهراً لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفي المسند بإسنادٍ ضعيف: (لا تنكح المرأة بطلاق اختها) ويشهد له ما تقدم في الصحيحين، وحينئذٍ فلها مهر مثلها
في مذهب جمهور أهل العلم وذلك لفساد التسمية،
وقال بن عقيل من الحنابلة: أن لها قدر مهر الضرة، قال شيخ الإسلام كما في الإختيارات وهذا أجود،
وقال أيضاً رحمه الله " ولو قيل ببطلان النكاح لم يبعد " وهذا هو الراجح، قياساً على نكاح الشغار بجامع أن كليهما لا بدل له، فهناك قد أنكح ابنته وجعل بضعها صداقاً لابنة الآخر وهذا المهر لابد له، وهنا كذلك المهر لابدل له هذا أولاً، ولأنه كالشرط وتقدم أن مثل هذا الشرط يُبطل النكاح.
قال: [ومتى بطل المسمى وجب مهر المثل]
إذا بطل المسمى في العقد لجهالته أو لعدم ماليته أو لكونه مغصوباً فيجب مهر المثل، مثال ما كان فاسداً لجهالته كأن يصدقها عبداً أن يصفه يعينه، ومثال ما كان فاسداً لعدم ماليته: أن يصدقها شيئاً محرماً كخمر ونحو ذلك كما تقدم مما يقع في نكاح النصارى …. وغيرهم، فهذا المهر فاسد فيجب لها مهر المثل وعنه يجب مثله خلاً، ومثال ما كان فاسداً لكونه مغصوباً: كأن يقول لك هذه الدار، وتكون هذه الدار مغصوبة، فحينئذٍ لها مهر المثل -واختار شيخ الإسلام فيما إذا كان فساده لكونه مغصوباً، أنها يكون لها مثل المغصوب أو قيمته، وهذا ظاهر، وذلك لأنها قد رضيت بهذا المغصوب وهذا يماثله أو يساويه في القيمة، بخلاف مهر المثل فقد لا تكون راضية به وهو أيضاً قد لا يكون راضياً به.
وهو القول الراجح.
وإذا كان غير مالي فكما ذكر الحنابلة: فيجب لها مهر المثل لأن هذه الأشياء لا قيمة لها ولا يمكن أن تحول، فحينئذٍ يجب مهر المثل وذلك لأن فساد العوض يقتضي رد المعوض فإذا فسد الثمن في البيع فهذا يقتضي رد المبيع، وهنا قد تعذر رد المعوض لأن النكاح صحيح فوجبت قيمته أي قيمة النكاح وقيمة مهر المثل، هذا هو مذهب جماهير العلماء، وأما إذا كان مجهولاً، فالمذهب أن الجهل إن كان يسيراً فإن الثابت هو هذا المهر الذي قد حدد وعين لأن جهالته يسيرة.
مثال ذلك: لو قال: لك أرض من الأراضي التي أملكها أولك دار من الدور التي أملكها، ولم يعين لها الدار فإنه يمكن التعين بالقرعة، فهنا الجهل يسير لأنه يمكن تعينه بالقرعة، هذا هو أصح الوجهين في مذهب الإمام أحمد وإن كان الجهل غير يسير، فهنا خلاف في المذهب:
فالمشهور في المذهب أنه يجب مهر المثل مطلقاً.
واختار القاضي من الحنابلة أن المسألة فيها تفصيل: فقال " إذا كان هذا الشيء المجهول لا تزيد جهالته على جهالة مهر المثل فإنه يصح، مثال ذلك إذا قال " صداقك دارٌ، فيمكن أن نحدد هذه الدار بأن نجعلها الدار الوسط أو اللائقة بمثلها عرفاً ونحو ذلك، فهنا الجهالة أيسر من جهالة مهر المثل أما إذا كانت جهالته أكثر من جهالة مهر المثل فإن هذا المهر يفسد ويثبت مهر المثل.
مثال ذلك: أن يقول صداقك ما يحصل لي من تجارتي هذه السنة أو ما يحصل من مزرعتي هذه السنة، من ربح ونحوه فهذا جهالته أشد من جهالة مهر المثل فلا يصح، أو قال لك دور أو حنطة أو نحو ذلك فهذا لا يمكن تحديده فجهالته تزيد على مهر المثل، وهذا هو القول الأرجح، وذلك لأنه أقرب للرضى من الطرفين كليهما، وعليه فما اختاره القاضي هو الراجح.
فيقال إذا كان المهر مجهولاً وجهالته لا تزيد على جهالة مهر المثل فإن هذا المهر يصح وتزال جهالته بأن يوضع الوسط، فأما إن كان يزيد كأن يقول: لك قمح أو غير ذلك مما لا يمكن تحديده، وجهالته أعسر من جهالة مهر المثل فإن هذا المهر يفسد ويجب حينئذ مهر المثل.
فصل
قال: [إن أصدقها ألفاً إن كان أبوها حياً وألفين إن كان ميتاً]
فيجب مهر المثل لفساد التسمية، فهنا التسمية فاسدة في المشهور في المذهب، وذلك لانه لا يعلم أبوها حي أو ميت، ولانه لا غرض له في موت أبيها.
وعن الإمام أحمد: أن المهر يثبت على ما شرط، وذلك لأن ألفاً معلومة، لأنه قال: " إن كان أبوها ميتاً فلها ألفان " فلها ألف حيث كان أبوها حياً أو ميتاً، وحينئذ فألف معلومه وإنما الألف الأخرى هي التي فيها الجهالة، وهي موقوفة على شرط فإن ثبت هذا الشرط كانت زيادة في صداقها وهذا لا محذور فيه، والجهالة هنا تؤول إلى العلم، فليس المهر كله مجهولاً؛ بل ألفٌ معلومة وألفٌ هي التي فيها الجهالة، ثم إنها قد علقت بشرط إن وجد هذا الشرط فهي لها فيكون ذلك زيادة في مهرها، وهذا القول هو الأصح فليس في مثل هذا محذور، وكونه له غرض أو ليس له فيه غرض هذا لا يؤثر فلا يترتب على ذلك فساد التسمية.
قال: [وعلى إن كانت لي زوجة بألفين أو لم تكن بألف يصح بالمسمى]
إذا قال: إن كانت لي زوجة فمهرك ألفان، وإن لم تكن فمهرك ألف، قال هنا: صح، والفرق بين المسألتين أن المسألة الأولى لا غرض له فيها وهنا للمرأة في ذلك غرض ومصلحة، وعلى ترجيح القول المتقدم في المسألة السابقة فلا تشكل هذه المسألة.
قال: [وإذا أجل الصداق أو بعضه صح]
إذا أجل الصداق فقال: لك عشرة آلاف إلى سنة أو قال: لكِ خمسة آلاف حالة وخمسة آلاف مؤجلة إلى سنة، فإن هذا التأجيل يصح كثمن المبيع بجامع أن كليهما- أي المهر وثمن المبيع - عوض في معاوضة صحيحة سواء كان هذا التأجيل للمهر كله أو لبعضه.
قال: [فإن عَيَّن أجلاً]
كأن يقول لك كذا إلى سنة أو سنتين أو خمس سنوات فإنه يتعين، فيجب عليه أن يعطيها هذا المهر إذا حل الأجل المعين.
قال: [وإلا فمحله الفرقة]
إذا لم يعين له أجلاً فمحله الفرقة، سواء كانت الفرقة عن بينونة أو كانت بموت، هذا هو المشهور في المذهب، وقال الشافعية: إذا لم يعين أجلاً فيكون لها مهر المثل لعدم بيان المحل الذي يجب فيه إعطاء هذه المرأة مهرها المؤجل فتفسد التسمية، وقال الأحناف: بل يبطل التأجيل وتجب حالة، وهي ثلاث روايات عن الإمام أحمد، والراجح ما ذهب إليه الحنابلة وهو اختيار شيخ الإسلام وذلك لأن العرف يقضي بذلك، فإن العرف- فيما إذا كان المهر مؤجلاً - أنه يجب بالطلاق البائن، فإذا أبانها أعطاها مهرها المؤجل، أو بالموت فإذا ماتت فإنه يكون من إرثها، وعليه فإذا طلقها طلاقاً رجعياً ولم تنقض عدتها فلا يجب أن يعطيها هذا المهر، أي لا يحل بالطلاق الرجعي، وإنما يحل بالطلاق البائن أو غيره من الفسوخ كالخلع وغير ذلك، وهذا هو الذي يقضي به العرف.
قال: [وإن أصدقها مالاً مغصوباً أو خنزيراً ونحوه وجب مهر المثل]
هذه المسألة تقدمت في الدرس السابق، وتقدم اختيار شيخ الإسلام في المال المغصوب، وتقدم ترجيح ما ذهب إليه الحنابلة في الخنزير ونحوه مما ليس بماليٍ.
قال: [وإن وجدت المباح معيباً خيرت بين أرشِه وقيمته]
إذا أصدقها شيئاً من العبيد أو شيئاً من الحيوان أو غير ذلك من الأموال فوجدته معيباً فتخير المرأة بين الأرش والقيمة إن كان مقوماً وإلا فالمثل، فلها أن ترد هذا المعيب وتأخذ قيمته إن كان مقوماً أو مثله إن كان مثلياً، والخيار الآخر أن تأخذ الأرش فيقوم هذا الشيء معيباً ويقوم صحيحاً، والفارق بينهما هو الأرش، وفرق بين البيع – وقد تقدم ألا أرش فيه -، وبين النكاح هنا، فإن البيع يمكنه أن يرجع السلعة، وأما هنا فإنه قد تعذر رد المعوض لأننا نصحح النكاح وقد استباح بضعها.
قال: [وإن تزوجها على ألف لها وألف لأبيها صحت التسمية]
إذا قال الأب في النكاح مهرها ألف لي وألف لها، فهذا صحيح لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (أنت ومالك لأبيك) .
قال: [فلو طلق قبل الدخول وبعد القبض رجع بالألف ولا شيء على الأب لهما]
إذا طلق المرأة قبل الدخول وكان قد أعطاها ألفاً لها وألفاً لأبيها، وبالطلاق لا يكون للمرأة إلا نصف المهر فحينئذٍ لا يجب على الزوج إلا ألف، وحينئذٍ فيرجع بالألف إلى الزوجة وأما الأب فقد أخذ ما أخذ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (أنت ومالك لأبيك) ، ويشترط في الأب أن يكون ممن يصح تملكه كما في الإنصاف، وعليه ما إذا كان المال للأب جميعه كأن يقول: " أزوجك ابنتي على أن يكون لي مائة ألف " ثم طلق المرأة قبل الدخول وبعد قبض المائة ألف.
فالمذهب أن الزوج يرجع إلى الزوجة ولا يرجع إلى الأب، أما في المسألة الأولى فهذا فيه قوة، وأما هنا فإن المرأة أصبحت غارمة، والذي يترجح كما قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: والصحيح - وهو الوجه الثاني في المذهب - أنه يرجع إلى من قبضه، أي سواء كان القابض هو الولي أو المرأة، وهذا هو الراجح، وأن الزوج إذا أقبض الأب المهر وكان الأب قد اشترطه لنفسه أو اشترط النصف لنفسه فإنه يرجع إلى الأب لأنه هو القابض، وإن كانت الزوجة التي قبضت فإنه يرجع إليها، هذا هو الأظهر وهو وجه في المذهب وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي، أما لو طلقها قبل القبض كأن يقول مهرها ألف درهم ثم طلق قبل أن تقبض فحينئذٍ يدفع النصف وهو خمسمائة درهم وحينئذٍ للأب أن يأخذها كلها أو ما شاء منها بالشروط التي تقدم ذكرها عند قوله - صلى الله عليه وسلم -: (أنت ومالك لأبيك) .
قال: [ولو شرط ذلك لغير الأب فكل المسمى لها]
إذا قال: أتزوج أختك على أن يكون لك كذا وكذا ولها كذا وكذا، فالمسمى كله للمرأة، وذلك لأنه عوض على بضعها والشرط باطل هنا، فإذا شرط الأخ أو الجد أو غيرهم سوى الأب مالاً، فإن هذا المال يدخل في مهر موليته وليس له منه شيء لأن ذلك عوض على بضعها فهو مستحق لها دون غيرها، وعليه فهذا الشرط شرط باطل ويكون المسمى كله للمرأة فإذا قال: علي عشرة آلاف لك وعشرة آلاف لها، فيكون مهرها عشرين ألفاً، لأن هذا المال المذكور المسمى كله عوض لبضعها فكانت هي المستحق له، وأما الأب فله حكم آخر لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (أنت ومالك لأبيك) وقول الله تعالى في شرع من قبلنا: ﴿إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج﴾ ، فمهرها هنا منفعة للأب.
قال: [ومن زوج بنته ولو ثيباً بدون مهر مثلها صح]
إذا كان مهر مثيلاتها عشرة آلاف درهم، فزوجها بخمسة آلاف درهم.
فيصح هذا، وذلك لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (أنت ومالك لأبيك) ، ولأنه إذا جاز أن يشرط المهر لنفسه كله فأولى من ذلك أنه يجوز له أن يزوجها بدون مهر مثلها، ولو قيل بتقييد ذلك بألا يكون في ذلك إضرار بها فإن في ذلك قوة، كما تقدم في شروط جواز أخذ الوالد من مال ولده، فإن كان يضر بها فلا يتبين هذا، لأن الأب إنما يجوز له أن يأخذ من مال ولده بالمعروف حيث لا ضرر، وأما إن كان هناك ضرر فلا.
قال: [وإن زوجها به وليٌ غيره بإذنها صح]
إذا زوجها جدها أو أخوها بعشرة آلاف درهم ومهر مثيلاتها عشرون ألفاً وكان ذلك بإذنها ورضاها فلا بأس لأنها قد أسقطت حقها بنفسها.
قال: [وإن لم تأذن فمهر المثل]
فإن زوج الأخ الأخت بخمسين ألفاً ومهر مثيلاتها مائة ألف ولم تأذن فيجب على الزوج مهر المثل على المذهب، لأنه عوض بضعها ولم تأذن بإسقاطه.
واختار شيخ الإسلام وهو نص الإمام أحمد وصوبه صاحب الإنصاف: "أنه يجب على الولي ولا يلزم الزوج"، وهو أظهر، لأن هذا الولي كالوكيل في البيع، فكما أن الوكيل يضمن إن باع بثمن أنقص من ثمن المثل فكذلك الولي في النكاح، فعلى ذلك الولي هو الذي يجب عليه أن يكمل لها مهرها إلا أن ترضى.
قال: [إن زوج ابنه الصغير بمهر المثل أو أكثر صح في ذمة الزوج]
إذا كان له ابن صغير ولهذا الابن مال فزوجه بمهر المثل وبأكثر من مهر المثل فإنه يصح لأن الأب أعلم بمصلحته فقد يكون في زيادة المهر مصلحة له، ويجب في ذمة الابن، إلا أن يعين المهر، كأن يقول: " زوجت ابني ابنتك والمهر هذا الدار "، فهنا المهر معين وعليه فلا يكون في الذمة، بل يكون المهر عين هذا المال.
قال: [وإن كان معسراً لم يضمنه الأب]
إذا كان هذا الابن معسراً لا مال له، لم يضمنه الأب، لأنه نائب عنه فلا يلزمه ما لم يلتزمه.
وعن الإمام أحمد أنه يجب عليه للعرف، وهذا حيث كان الفرق يدل على ذلك، وعن الإمام أحمد أنه يجب على الأب أصالةً وهذا يرجع إلى مسألة يأتي البحث فيها، وهي (هل انكاح الابن من النفقة الواجبة أم لا) .
…الدرس الرابع والثلاثون بعد الثلاثمائة
فصل
قال: [وتملك المرأة صداقها بالعقد]
تملك المرأة مهرها بالعقد، قياساً على البيع، فكما أن ثمن المبيع وهو عوض السلعة يملك بالعقد، فكذلك المهر وهو عوض بضعها يملك بالعقد وعنه لا تملك إلا نصفه.
قال: [ولها نماء المعين قبل القبض]
فلها نماء المهر المعين لا المبهم.
المعين: كأن يقول: " لك نخل هذا البستان صداقاً " فهذا الصداق معين.
فقبل القبض لها نماؤه المعين، فإذا نمت هذه النخلات وأثمرت وأنتجت نخلاً فإن هذا النماء من الثمر وغيره يكون لها.
قال: [وضده بضده]
أي ضد المعين وهو المبهم بضده في الحكم، فالمبهم نماؤه لا تملكه المرأة، والمبهم كأن يقول: " لك عشر نخلات من نخلي "، فليس لها النماء لأنه لم يعين والضمان كذلك، فهناك عليها الضمان ولذا كان النماء لها وهنا الضمان على الزوج ولذا فالنماء له، وهذه المسائل كمسائل البيع في القبض، وقد تقدم ذكر مسائل القبض في البيع وهنا كذلك.
قال: [وإن تلف فمن ضمانها إلا أن يمنعها زوجها قبضه فيضمنه]
إذا تلف المهر فإنه يكون من ضمانها إلا أن يمنعها زوجها من القبض فإذا تلف فإن الضمان يكون عليه لأنه قد منعها أن تقبضه فأشبه الغاصب، هذا فيما يشترط فيه القبض، وأما ما لا يشترط فيه القبض فلا فرق ما بين قبل القبض وبعده.
قال: [ولها التصرف فيه وعليها زكاته]
فلها التصرف في صداقها لأنه ملك لها، كما أن عليها زكاته وذلك لأنه مالها فهو مال فيدخل في عموم قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ ، وهو مال لها فوجبت الزكاة عليها، فيجب عليها أن تزكي المعين، ويجب أن تزكي المبهم من تعيينه، فإذا قال: " لك عشر نخلات، وهي هذه النخلات "، فتزكي عليها إذا أثمرت، وإذا قال: " لك كذا وكذا من الدراهم "، فإن عليها أن تزكيها إذا مضى عليها الحول، وأما إن قال: " لك أربعون شاة من شياهي " ولم يعين لها، فهذا من المبهم فلا تزكيه حتى يعينه لها.
قال: [وإن طلق قبل الدخول أو الخلوة فله نصفه حكماً]
أي قهراً كالإرث، فليس راجعاً إلى إرادته واختياره فهو ماله، فإذا طلق الرجل امرأته قبل الدخول بها وقد سمى لها صداقاً، فلها نصفه وله النصف قال تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح وإن تعفوا أقرب للتقوى﴾ ، فله هو أن يعفو ولها هي أن تعفو فلكلٍ منهما العفو عن صاحبه، فللزوجة أن تعفو فتقول: " أنا لا أريد شيئاً منها " فلكل واحدٍ منهما له أن يعفو بشرط أن يكون جائزَ التصرف؛ لأن من ليس كذلك لا يصح تصرفه، ودليل جواز العفو وأن لكل منهما العفو قوله تعالى: ﴿إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح﴾ وليس للولي أن يعفو عن مولاه ذكراً كان المولى أو أنثى، فليس لولي الزوج أن يعفو وليس لولي الزوجة أن يعفو وذلك لأن المهر مال للمرأة فلم يملك غيرها هبته ولا إسقاطه – هذا في ولي الزوجة -، وولي الزوج كذلك، فهو مال له وقد دخل في ملكه كالإرث فليس لأحدٍ أن يتصرف بهبته ولا إسقاطه، ولأنه لا مصلحة له في ذلك، فليس لولي المحجور عليه أن يسقط النصف الذي وجب لمولاه؛ وذلك لأنه لا مصلحة له في هذا الإسقاط بل هو ضرر محض، وولي الزوجة لا يملك إسقاط هذا المهر المستحق لها لأنه مال لها فليس لأحد أن يتصرف فيه، هذا إن كانت رشيدة، وكذلك إن كانت غير رشيدة لأن الولي لا يجوز له أن يتصرف بما ليست فيه مصلحة، وقد اختلف أهل العلم في قوله تعالى: ﴿إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح﴾ ، هل الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج أو الولي؟ 1- فمن قال هو الزوج قال بالقول الذي تقدم ذكره وهو مذهب الجمهور ومنهم الحنابلة.
2- ومن قال هو الولي - وهو مذهب المالكية – فإنه يجيز للولي أن يسقط نصف مهر المرأة، فمذهب المالكية أن للولي سواء كان أخاً أو عماً أو ابن عم أو غيره له أن يسقط ما استحقته المرأة بطلاقها قبل الدخول، ويفسرون هذه الآية بالولي، فهو الذي بيده عقدة النكاح وذلك لأن الزوج لا يملك عقدة النكاح بعد طلاقها.
والقول الأول - وهو مذهب الجمهور- أرجح وأن المراد بذلك الزوج وانه هو الذي بيده عقدة النكاح، وأن المراد بالنكاح هو النكاح الأول الذي وجب له المهر وهو قول علي بن أبي طالب، وقد روي مرفوعاً إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يصح، وفي الدارقطني أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (ولي العقد الزوج) ، والحديث لا يصح مرفوعاً فإن إسناده ضعيف، لكنه صحيح موقوفاً على علي بن أبي طالب، كما روى ذلك ابن أبي شيبة بإسناد صحيح ورجح هذا القول ابن جرير في تفسيره، ويرجح هذا القول ما تقدم من التعليل المذكور وهو أن المهر مال للمرأة فلم يملك غيرها إسقاطه فإن في ذلك --عليها وتعدٍ على مالها، ولأنه قال بعد ذلك ﴿وإن تعفو أقرب للتقوى﴾ وليس هذا أقرب للتقوى، فليس حرمان المرأة من نصف مهرها الثابت لها بالطلاق قبل الدخول ليس هو بأقرب للتقوى، بل الأقرب للتقوى أن تعطى حقها وألا تحرمه إلا برضا منها وإسقاط.
قال: [دون نمائه المنفصل]
إذا أصدقها أربعين شاة مثلاً - فإنها تملك ذلك بالعقد – ثم أنتجت هذه الشياه، وقبل الدخول طلقها، فإن النتاج يكون للمرأة ويرجع بعشرين شاة، كذلك إذا أصدقها عشرين نخلة مثلاً ثم طلقها قبل الدخول؛ فالثمر لها وله نصف هذه النخلات وذلك لأنه نماء ملكها، ونماء الملك لمالك.
قال: [وفي المتصل له نصف قيمته دون نمائه]
أما النماء المتصل كسمن في عبد أو غير ذلك، أو كبر في نخل أو غير ذلك فله نصف قيمته بدون نمائه، فيقوم هذا الشيء الذي قد نما نموا متصلاً - يقوم في يوم الصداق - ويعطي نصف القيمة، وأما النماء المتصل فإنه نماء في ملكها فهو لها، وإن قالت: " أنا ارضى أن أعطيه النصف بنمائه " وكانت رشيدة فذلك جائز.
قال: [وإن اختلف الزوجان أو ورثهما في قدر الصداق أو عينه أو فيما يستقر به فقوله]
إذا اختلف الزوجان أو ورثهما أو ولياهما إذا اختلفوا في قدر الصداق فقالت المرأة: قد أمهرني عشرة آلف، وقال: بل امهرتها خمسة آلاف فالقول قول الزوج لأنه منكر، فإنه ينكر هذه الخمسة آلاف الزائدة، والمنكر القول قوله مع يمينه والأصل براءة ذمته، وهذا حيث لم تكن هناك بينة، كذلك إذا اختلفوا في عينه كأن يقول: " أصدقتها هذه الدار " وقالت: " بل أصدقني هذه الدار الأخرى "، فالقول قول الزوج لأنه منكر والأصل براءة الذمة، وكذلك إذا اختلفوا فيما يستقر به المهر كأن يقول: " أنا لم أدخل بها " فتقول: " بل دخل بي " فهنا القول قوله لأنه منكر والأصل براءة الذمة، وهذا كله حيث أنه لم يعارض هذا الأصل ما هو أقوى منه، فلو جرت العادة بما يدل على عدم صدقه فإن القول قولها، فإذا جرت العادة أن المهر أربعين ألفاً فقالت أصدقني أربعين ألفاً وهي من النساء اللاتي يرغب بمثلهن وقال بل أصدقتها عشرة آلاف فالقول قولها لأن العادة جارية بما قالت ولأن هذا أقوى من الأصل.
إذن الأصل أن القول قول الزوج لأنه منكر والأصل براءة ذمته، ولكن لو جرت العادة بما قالت المرأة أو دلت القرائن على قولها فالقول قولها بيمينها.
قال: [وفي قبضه فقولها]
إذا اختلفوا في قبضه فالقول قولها لأن الأصل عدم القبض، ومن كان الأصل معه فالقول قوله، ولأنها منكرةً.
مسألة:
إذا أصدقها صداقين، صداقاً في السر وصداقاً في العلن،
فالمذهب الأخذ بالزائد مطلقاً، وصورة هذه المسألة: اتفق ولي المرأة - برضا المرأة - والزوج على أن يكون مهر المرأة عشرة آلاف، لكنْ لما كان العلن قالوا: نريد أن نجامل الناس فنقول أربعين، وكذلك العكس، كأن يقول: أنا لا أزوجك ابنتي إلا بمائة ألف، والناس يزوجون بعشرين ألفاً فيقول الآخر: قبلت ويتفقان على ذلك ويعقدان العقد في السر على ذلك، وأما في العلن فيكتبان ويتفقان على أنه عشرين ألفاً، فالمذهب على أنه يؤخذ بالزائد مطلقاً سواء كان الزائد هو السر أو العلن، أما إن كان الزائد هو صداق السر فذلك لأنه قد وجب به فقد تعاقدا بالنكاح على ذلك، وكان هذا هو الصداق الذي وقع عليه عقد النكاح فوجب به، وإن كان الزائد في العلن؛ كأن يتفقا على عشرة آلاف في السر وعلى أربعين في العلن، فيجب الزائد وهو أربعون ألفاً، وذلك لأنه قد بدله لها فلزمه ذلك وإن كان العقد هو ما يكون في السر، هذا هو المشهور في المذهب للتعليل المتقدم.
والمشهور في المذهب أنه يستحب الوفاء لأنهما قد اتفقا وتشارطا على شيء يخالف هذا الزائد أو على الزائد وظاهر الأمر على أن ما في العقد أقل من الزائد، فيستحب لمن كان عليه الزائد أن يوفي، فيستحب للمرأة إذا كان العقد في السر على عشرة آلاف، وفي العلن على أربعين ألفاً، فيستحب لها أن ترد عليه ثلاثين ألفاً ولا تأخذ إلا العشرة آلاف، ويستحب للزوج إذا كان العقد في الباطن على أربعين ألفاً والعقد في الظاهر على عشرة آلاف فيستحب له ألا يعتمد على العشرة آلاف التي في الظاهر بل يدفع لها حقها الذي قد اتفقا عليه في الباطن، هذا على الاستحباب.
والصحيح وجوب ذلك، وهو القول الثاني في المذهب، وصوبه صاحب الإنصاف وهو القول الراجح، وذلك لأن المسلمين على شروطهم، ولوجوب الوفاء بالعقود والعهود وهذا من العهد فولي الزوجة قد تعهد له والزوجة كذلك، وكذلك الزوج فإن المرأة لم تبح له بضعها إلا على المهر الذي هو الزائد وإنما اتفقا في المهر على شيء في الظاهر أقل من الزائد لعلة أخرى.
مسألة:
إذا أهدى الزوج إلى زوجته قبل العقد أو بعده هدايا فلا يدخل ذلك في المهر لأنه ليس مما يتفق عليه وإن كانت قبل العقد ولم يوفوا له بالنكاح، أو كانت الهدايا بعد العقد وحصلت فرقة اختيارية مسقطة للمهر كله كالفسخ بالعيب ونحوه فإن الهدايا ترجع إليه وذلك لأن هذه الهداية هدية مشروطة ببقاء عقد النكاح، ودلالة الحال تدل على ذلك فهو لم يهدي إلا لهذا السبب وهو ابقاء عقد النكاح وحيث ولم ينكحوه أو حصلت فرقة اختيارية مسقطة للمهر فإنه حينئذٍ لم يتم مراده ولا مقصوده وحينئذٍ يرجع له حقه لأن العقد قد زال وحينئذٍ يترتب على ذلك عدم السبب الذي قد أهد له، وهذا هو المشهور في المذهب.
الدرس الخامس والثلاثون بعد الثلاثمائة فصل قال [يصح تفويض البُضع، بأن يزوج الرجل ابنته المجبرة، أو تأذن المرأة لوليها أن يزوجها بلا مهر] …التفويض في اللغة: الإهمال، فكأن المهر أهمل لما لم يسمّ وهو نوعان: تفويض بضع، وتفويض مهر.
فأما النوع الأول: فهو أن يزوج الرجل ابنته المجبرة بلا مهر، أو تأذن امرأة لوليها أن يزوجها بلا مهر، فيكون المهر منفياً، فهذا يصح كما قال المؤلف، فيكون لها مهر نسائها هذا هو مذهب جمهور الفقهاء واستدلوا: بقوله تعالى: لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة قالوا: ولما ثبت عند الخمسة بإسناد صحيح: أن ابن مسعود سئل عن رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقاً ولم يدخل بها حتى مات فقال رضي الله عنه: (لها مثل صداق نسائها لاوَكسْ ولاشطط - أي لا نقص ولا ظلم -، وعليها العدة ولها الميراث) ، فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال: " قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - بروع بنت واشق -إمرأة منا- بمثل ما قضيت به "، والحديث مرفوع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -. قالوا: فهذا يدل على صحة تفويض البضع، والقول الثاني في المسألة، وهو قول في مذهب أحمد واختاره شيخ الإسلام واختاره من المتأخرين الشيخ عبد الرحمن بن سعدي أنه لا يصح النكاح إلا بمهر، والمهر إما أن يكون مسمى فيجب المسمى كأن يقول:" نكحت موليتك على عشرة آلاف "، وإما أن يكون مسكوتاً عنه فيجب مهر المثل، فهوا مسكوت عنه فليس بمنفي بل قد نكحها على مهر لكنه لم يفرض لها فيكون لها مهر مثيلاتها، وأما أن يكون منفياً فلا، وهو مخالف لكتاب الله تعالى ولسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: ﴿وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم﴾ ، أي – ما فرضنا من المهور-، وأيضاً قوله تعالى: ﴿أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين﴾ ، ولذا النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يبح الواهبة نفسها لخاطبها مع فقره الشديد حتى قال له: (التمس ولو خاتماً من حديد) ولم ينكحه بلا مهر حتى أنكحه بما معه من القرآن، وهذا القول هو القول الراجح.
وأما الأدلة المتقدمة فإنه ليس فيها أن المهر منفي، وإنما المهر مسكوت عنه، فالمهر لم يفرض -أي لم يسم- وليس في ذلك أنه منفي، وعلى ذلك فتفويض البضع باطل فالنكاح باطل، ولذا أبطل النبي - صلى الله عليه وسلم - نكاح الشغار لعدم المهر- أي المهر منفي فيه -.
قال: [وتفويض المهر بأن يزوجها على ما يشاء أحدهما، أو أجنبي]
هذا هو النوع الثاني من التفويض وهو تفويض المهر كأن يقول " أتزوجك على ما شئت من المهر " أي على ما شئتِ من المهر أو تقول هي: " أرضى بنكاحك على أن يكون لي من المهر ما شئتُ "، أو يفوضاه إلى أجنبي عنهما كأن يقول: " على ما شاء فلان "، فهذا هو تفويض المهر فهنا قد فوض المهر وأهمل ولم يسمي فالنكاح صحيح ويجب مهر المثل.
والفرق بين هذه المسألة والمسألة السابقة أن هذه المسألة المهر ثابت وهي لا ترضى إلا به، فهي إنما نكحته على مهر لكن هذا المهر مجهول، فلما كان مجهولاً كان فاسداً وعليه فيجب لها مهر المثل، وأما المسألة السابقة فلا مهر بل هو منفي.
قال: [ولها مهر المثل بالعقد ويفرضه الحاكم بقدره]
فالحاكم - أي القاضي-، هو الذي يقدر مهرها بالنظر إلى نسائها ثم قال بعد ذلك: ولها مهر نسائها فيقدر الحاكم مهر المثل بالنظر إلى مهر نسائها والمشهور في المذهب أن مهر نسائها هو مهر قريباتها من أبيها وأمها، كالأم والعمة والخالة والأخت ونحو ذلك، ويقدر المهر لها على حسب ما يكون لقريبتها المساوية لها جمالاً ومالاً وسناً وعقلاً وبكارةً وثيوبةً وأدباً، وقال مالك: بل يقدر لها المهر باعتبار ما فيها من الصفات بقطع النظر عن نسائها، بمعنى ينظر ما فيها من الصفات من نسب وجمال ونحو ذلك فيقدر لها المهر بحسب ما فيها من الصفات.
وعن الإمام أحمد وهو مذهب الشافعي واختاره الموفق: أنه يقدر لها المهر بالنظر إلى نسائها من جهة أبيها لا من جهة أمها مع النظر إلى الصفات التي تقدم ذكرها بمعنى ينظر من جهة الأب كالأخت والعمة وعمة الأب وبنت الأخ، ثم ينظر من يساويها جمالاً ومالاً وأدبها وعقلها وبكارتها أو ثيوبتها ونحو ذلك، ثم يقدر لها المهر بحسب ذلك، وهذا القول هو أرجح هذه الأقوال.
أما ما ذهب إليه الإمام مالك ففيه ضعف، وذلك لأن ما ذكره من الشروط من جمال ونحوه في المرأة معتبر في القولين الآخرين لكنهم قيدوه بنسائها ولا شك أن نساءها – حسنهن واحد، ولا شك أن حسب المرأة له أثر في المهر ولذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (تنكح المرأة لأربع لحسبها …..) ، ورجحنا القول الثالث على القول الأول: ذلك لأن الحسب إنما هو معتبر من جهة الأبوة لا من جهة، الأمومة لأن أمها قد لا تكون من حسبها فقد تكون أعلى من عصبتها نسباً وقد تكون دونهن نسباً، فجهة الأمومة لا أثر لها هنا لأن الحسب إنما يكون من جهة العصبة لا من جهة الأم، فأرجح الأقوال ما ذهب إليه الشافعية وهو رواية عن الإمام أحمد واختاره الموفق أنه يجب أن يكون لها مهر نسائها من عصبتها - أي من قرابتها من جهة الأب - مع اعتبار الصفات الثابتة في المرأة من مال وجمال وأدب وعقل وبكارة أو ثيوبة ونحو ذلك، ويدل على اعتبار كونها من نسائها ما تقدم من قول ابن مسعود: " لها مثل صداق نسائها " وقول معقل بن سنان: " قضى بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - ".
قال: [وإن تراضيا قبله جاز]
فإذا تراضيا الزوجان على شيء من المهر قبل أن يقدره الحاكم، فذلك لهما وذلك لأنه حق لهما فلا يعدوهما.
قال: [ويصح إبراؤها من مهر المثل قبل فرضه]