شرح زاد المستقنع للحمدصفحات 6-45
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وثبت في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كان إذا كان البرد عجل وإذا كان الحر أبرد) 1 إذن: المستحب في صلاة الظهر تعجيلها، فإذا زالت الشمس وتقدم المكث بين الأذان والإقامة فحينئذ تقام صلاة الظهر.
ما لم يكن الحر شديداً لذا قال: (إلا في شدة الحر) فبقي ما إذا كان الجو بارداً أو معتدلاً أو قريباً من الاعتدال أما إذا كان شديد الحر فالمستحب هو الإبراد، لما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا اشتد الحر فابردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم) 2 أي من سعة انتشار حرارتها.
ومعنى " أبردوا ": أي ادخلوا في البرد بأن تصلي في وقت قد ذهب فيه حرارة الشمس.
وهذا الوقت – في الحقيقة – ليس محدداً إلا بهذا المعنى وهو متى: انكسر الحر وكان للجدران ونحوها ظل يستظل به الناس فإنها تشرع صلاة الظهر.

وقد ثبت في الصحيحين عن أبي ذر الغفاري قال: (كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فأراد المؤذن أن يؤذن فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أبرد) ثم أراد أن يؤذن فقال له: (أبرد) حتى رأينا فيء التلول) 1 والتلول: جمع تل، وهو ما يكون على ظهر الأرض من المجتمع من رمل أو تراب، وهذا في الحقيقة لا يظهر له الفيء إلا بعد فوات شيء كثير من وقت صلاة الظهر حتى يدنو وقت العصر، حتى ثبت في البخاري: (حتى ساوى الظل التلول) . إذن: لم يحضر وقت العصر لأنه لابد أن يساويه ويساوي الظل الذي كان لها قبل الزوال فإنه يدل على أنه صلاها قبل دخول وقت صلاة العصر، فهذا تأخير ظاهر فيها.
فإذا انكسر الحر وبرد الجو فإنه يشرع له أن يصلي، وقد تقدم حديث البخاري: (كان إذا كان البرد عجل، وإذا كان الحر أبرد) 2 .

قال: (ولو صلى وحده) هنا مسألة وهي: هل هذا شامل لمن صلى وحده كما هو شامل لمن صلى جماعة؟ لا إشكال في أن من صلى جماعة فيشرع له الإبراد وهذا فيما إذا كانت الطرق متعرضة للشمس كما هو الغالب فلا إشكال في مشروعية مثل هذا.
وإنما الإشكال فيمن يصلي وحده، وكذلك قد يشكل هذا في هذه الأزمان فقد يوجد أماكن تكون الطرق فيها مغطاة عن الشمس، فهل يشرع في مثل هذه الحال الإبراد أم لا؟ قال هنا: (ولو صلى وحده) وهذا هو المذهب، وهو مذهب أبي حنيفة واختاره ابن المنذر وشيخ الإسلام وحكاه عن أهل الحديث وأن السنة تعزر ذلك ولا ندفعه وأن الجمهور على ذلك – هذا ما حكاه شيخ الإسلام – فذلك مستحب ولو صلى وحده (لعذر) .

  • وذهب الإمام الشافعي: إلى أن ذلك لا يستحب لمن صلى وحده بل ذلك خاص فيمن يصلون جماعة؛ لأنهم يحتاجون إلى الإبراد لتكون الطرق فيها شيء من الظل يستظلون به، وهذا على القول بأن العلة من الإبراد هي ما ذكروه.
    ولكن هذا ليس بمسلم، فقد ذكر ابن رجب في شرح البخاري: أن أهل العلم قد اختلفوا في المعنى الذي من أجله شرع الإبراد فقيل: هو لتمام الخشوع في الصلاة، فمن صلى في شدة الحر يكون خشوعه ليس كما لو كان في وقت الإبراد.
    وقيل: لتنفس جهنم – كما ثبت في الصحيحين – وهذا أمر معنوي، فلما كان ذلك وقت تنفس جهنم ناسب تأخير العبادة – وهذا المعنى يبقي الأمر على ما تقدم.
    والمعنى الثالث: كما ذكره الشافعي من أنه يكون للحيطان ظل يستظلون به.
    والراجح هو شمول مشروعية الإبراد لهذه المعاني كلها لنفس جهنم ولأن الخشوع يكون ليس كما لو كان في ذلك الوقت وكذلك لوجود الحر الشديد في الطرقات، فلهذه المعاني كلها شرع الشارع هذا الحكم – وحينئذ-: يبقى الحكم على ما ذهب إليه الإمام أحمد وغيره وأن الإبراد مشروع سواء صلوا متفرقين أو مجتمعين.
    قال: (أو مع غيم لمن يصلي جماعة) فإذا كان ثمت غيم فيشرع التأخير، وعللوا ذلك باحتمال المطر واحتمال الريح، فوجود الغيم مظنة ذلك فقالوا: يشرع تأخيرها إلى قبيل وقت العصر بحيث يمكث الناس بعد صلاة الظهر يسيراً فيؤذن العصر ثم يصلون العصر في أول وقتها، فيكون ذلك جمعاً صورياً.
    وحينئذ: لا يكون هذا المعنى خاصاً لصلاة الظهر والعصر بل كذلك في المغرب والعشاء، فتؤخر المغرب إلى آخر وقتها وتصلى العشاء في أوله – فهذا جمع صوري.
    والجمع الصوري جائز مطلقاً، ولكن هل هو مستحب في مثل هذه الحال؟ القول باستحبابه قول جيد وهو مذهب الإمام أحمد في المشهور عنه ومذهب أبي حنيفة – خلافاً للشافعي ومالك – حيث قالوا: السنة أن تصلى في وقتها لعمومات الأدلة الشرعية.

لكن القول الأول حسن لإزالة ما يُخشى من المشقة، هذا إذا كانت الدواعي قوية في ذلك، أما إن لم تكن كذلك بأن كانت ضعيفة فحينئذ: يبقى على الأصل فتصلي الصلاة في وقتها.
إذن: إن كان هناك غيم والأمطار محتملة احتمالاً قوياً والريح كذلك فلإزالة هذه المشقة يستحب لهم أن يؤخروا الظهر إلى آخر وقتها ثم يصلون العصر في أول وقتها وكذلك المغرب والعشاء لإزالة المشقة المتقدمة.
أما إذا كان الغيم موجوداً لكن احتمال الأمطار والريح ونحو ذلك مما يلحق الناس المشقة في حضورها إلى المسجد ليس بتلك القوة، فإن الأصل هو البقاء على الأصل من استحباب الصلاة في أول وقتها.
ولكن هنا قال: (لمن يصلي جماعة) ، لأن المعنى هنا واضح وهو احتمال نزول المطر وشدة الريح حيث كانوا مجتمعين.
أما إذا كانـ[ـوا] متفرقين يصلون في بيوتهم فإن هذه العلة ليست بموجودة فحينئذ نبقى على الأصل.

ويستثنى من استحباب تأخير صلاة الظهر، في شدة الحر – يستثني من ذلك صلاة الجمعة، إذ الثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في الصحيحين من حديث سلمة بن الأكوع قال: (كنا نجمع مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا زالت الشمس) 1 فالثابت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يجمع إذا زالت الشمس ولم يثبت عنه صلاتها مؤخرة، بل الثابت عن أنه كان يصليها إذا زالت الشمس حتى قال الصحابي: (ما كنا نقيل ولا نتغدى يوم الجمعة إلا بعد صلاة الجمعة) 2 كما ثبت في الصحيح: والقيلولة إنما تحتاج إليها في الغالب في الحر.
ثم إن المعاني الموجودة في صلاة الجمعة غير المتوفرة في صلاة الظهر فدعى إلى ترك هذا الحكم وهو التأخير حيث إن المستحب في صلاة الجمعة هو التبكير إليها، وحيث عجل الناس إليها ثم أخرت يكون في ذلك مشقة على المجتمعين.
ثم إنها يجتمع إليها الناس من أماكن بعيدة بخلاف صلاة الجماعة فإن الغالب أن يحضرها القريب.

أما صلاة الجمعة فيأتيها الناس عن بعد فيشق عليهم أن تؤخر هذا التأخير الظاهر لذا استثنى أهل العلم من الحنابلة وغيرهم يوم الجمعة لهذه المعاني المتقدمة.
والحمد لله رب العالمين.

الدرس السابع والخمسون (يوم الأحد: 23 / 2 / 1415 هـ)

قال المؤلف رحمه الله: (ويليه وقت العصر إلى مصير الفيء مثليه بعد فيء الزوال) " ويليه ": أي يلي وقت الظهر وقت العصر بلا فاصل بينهما فليس بينهما فاصل، بل ينتهي وقت الظهر فيبدأ وقت العصر.
فإذا كان ظل الرجل كطوله تماماً فهذا هو نهاية وقت صلاة الظهر، ثم إذا زاد زيادة ولو كانت يسيرة جداً فهذا هو وقت صلاة العصر فليس بينهما اشتراك ولا فاصل، والمراد بالاشتراك أن يكون بينهما وقت مشترك بحيث يكون الوقت النهائي للظهر، والابتدائي لصلاة العصر.
ودليل ذلك: قوله صلى الله عليه وسلم – في حديث ابن عمرو: (وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله ما لم يحضر وقت العصر، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس) 1

قال: (إلى مصير الفيء مثليه بعد فيء الزوال) تقدم ذكر هذا الاحتراز في المسألة السابقة أي قوله " بعد فيء الزوال ". فإذا كان ظل الرجل مثليه، وليس فيء الزوال محسوباً في ذلك فقد خرج وقت العصر.
قالوا: ودليل ذلك ما رواه الترمذي وغيره والحديث صحيح في صلاة جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم، وفيه أنه قال له: (الوقت بين هذين) 2 وقد صلى في اليوم الأول في أول الوقت وفي اليوم الثاني في آخره، وفيه أن جبريل صلى بالنبي صلى الله عليه وسلم العصر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثليه، وهذا هو مذهب الجمهور، وأن وقت العصر ينتهي إذا كان ظل الرجل مثليه، والمراد به وقت الجواز.

  • وذهب الإمام أحمد في رواية عنه اختارها طائفة من أصحابه واختار ذلك شيخ الإسلام - واستظهره صاحب الفروع –: أن وقت الجواز لصلاة العصر يمتد ما لم تصفر الشمس فإذا اصفرت أو احمرت فقد انتهى وقت العصر.
    واستدلوا: بحديث عبد الله بن عمرو وفيه: (وقت العصر ما لم تصفر الشمس) 1 فجعل النبي صلى الله عليه وسلم وقتها ممتداً ما لم يحدث اصفرار في الشمس.
    وكذلك: ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي موسى الأشعري أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن مواقيت الصلاة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (صل معنا هذين) 2 أي هذين اليومين، وفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ما فعله جبريل من الصلاة في اليوم الأول في أول الوقت، وفي اليوم الثاني في آخره وفيه: (ثم صلى العصر في اليوم الآخر والقائل يقول قد احمرت الشمس) أي كادت تحمر الشمس.
    وهذا القول هو الراجح.
    أما الجواب على الاستدلال بحديث جبريل.
    فالجواب أن يقال: هو حديث مكي، وهذه أحاديث " أي حديث عبد الله بن عمرو وأبي موسى " أحاديث مدنية فهما متأخران عنه فيكونان ناسخين له، فوقت الجواز ما لم تصفر الشمس.

قال: (والضرورة إلى غروبها) ما تقدم ذكره هو وقت الجواز وهو الوقت المختار فالمختار هو الذي تصلي فيه صلاة العصر فيكون فاعلها فيه قد أداها في وقتها الشرعي الذي لا يلحقه الإثم بفعلها فيه.
أما وقت الضرورة فهو ما بعد ذلك والصلاة تكون فيه أداءً لكنه يكون آثماً لصلاتها فيه إن لم يكن معذوراً.
لكن إذا غربت الشمس فصلاته تكون قضاءً لا أداءً.
إذن: كلاهما وقت للعصر لكن الأول وقت جواز، والثاني وقت ضرورة، فإذا اصفرت الشمس فقد خرج وقت الجواز، وبدأ وقت الضرورة فإذا غربت الشمس فقد خرج وقت صلاة العصر.

وتقدم أن من صلى الصلاة في وقت الضرورة بلا عذر فإنه يأثم لقوله صلى الله عليه وسلم: (تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام فنقرها أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلاً) 1 رواه مسلم.
وفي رواية لأبي داود: (فإذا اصفرت الشمس وكانت بين قرني شيطان) 2 فهذا الحديث يدل على إثم المؤخر لها إلى هذا الوقت فإن صلاها في هذا الوقت فإنه آثم إلا أن يكون معذوراً.
أما الدليل على صحة الصلاة في وقت الضرورة، فهو ما يثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر) 3 . ففيه أن من أدرك ركعة من العصر – وهذا يكون عند احمرار الشمس قبل المغرب – فقد أدرك العصر، لكنه يأثم للحديث المتقدم – إن لم يكن معذوراً، فقد جعله النبي صلى الله عليه وسلم من علامات النفاق وذم صاحبه ومثل هذا يدل على أنه محرم.
وإنما يسمى هذا ضرورة؛ لأن هذا الوقت يتدارك به أهل الضرورة الصلاة، كأن يبلغ الصبي أو يسلم الكافر أو تطهر الحائض أو يستيقظ النائم ونحوهم من أرباب الضرورات، فيتداركون بذلك صلاة العصر فهو وقت ضرورة لهذا المعنى.
فإذن: صلاة العصر لها وقتان: وقت جواز ووقت ضرورة.
قال: (ويسن تعجيلها)

لما ثبت في الصحيحين من حديث أبي برزة الأسلمي قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم: (يصلي العصر ثم يرجع أحدنا إلى رحله " منزله " في أقصى المدينة والشمس حية) 1 ، وثبت في مسلم عن أنس قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي العصر والشمس مرتفعة حية فيذهب الذاهب إلى العوالي فيأتي العوالي والشمس مرتفعة) 2 فهذا يدل على أنه كان يصليها في أول وقتها.
وصلاة العصر هي الصلاة الوسطى التي قال تعالى فيها: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾ 3 وهذا لعظم شأنها، فهي الصلاة الوسطى أي الصلاة الفضلى.
فالوسطى مؤنث الأوسط أي الأفضل.
وقد ثبت ما يدل على أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر ثبت ما يدل على ذلك في غير ما حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك ما ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر) 4 . وهذا مذهب أحمد وغيره من أهل الحديث، أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، والأحاديث مستفيضة في هذا الباب.
قال: (ويليه وقت المغرب إلى مغيب الحمرة) . فإذا غربت الشمس أي احتجبت وغاب قرصها جميعه فلم يبق منه شيء فلا يرى منه شيء فقد دخل وقت المغرب، لقوله صلى الله عليه وسلم: (وقت المغرب لم يغب الشفق) 5 . قوله: (إلى مغيب الحمرة) هذا الوقت النهائي لها، والحمرة هي المعترضة في ناحية المغرب، فهذه الحمرة هي الشفق الأحمر، وقد قال صلى الله عليه وسلم (ما لم يغب الشفق) .

فإذا غربت الشمس ظهرت هذه الحمرة، فإذا غابت فقد خرج وقت المغرب.
فأول وقت المغرب غروب الشمس وآخره غياب الشفق.

  • وقت المغرب ينقسم إلى وقتين: وقت جواز.
    وقت كراهية لا تحريم، أي تأخير الصلاة إليه مكروه إلا لعذر أو حاجة.
    فقد ثبت في سنن أبي داود ومسند أحمد بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تزال أمتي على الفطرة ما لم يؤخروا المغرب إلى اشتباك النجوم) 1 أي إلى انضمامها وظهورها ووضوحها.
    فإذا اشتبكت النجوم وظهرت في السماء، فهذا أوان وقت كراهية صلاة المغرب، أما قبل ذلك فهو وقت فضيلة.
    إذن: وقت الفضيلة من غروب الشمس ما لم تشتبك النجوم فإذا اشتبكت فهو وقت كراهية ما لم يغب الشفق فيخرج بذلك وقت صلاة المغرب.

قال: (ويسن تعجيلها) وهذا باتفاق أهل العلم.
وقد ثبت في الصحيحين عن رافع بن خديج قال: (كنا نصلي المغرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فننصرف وإن أحدنا ليبصر مواقع نبله) 2 أي في الأرض، أي ما زال الجو فيه وضوح فلم تشتد بعد الظلمة بحيث أنه إذا رمى بالنبل فإنه يبصر مواقع نبله.
وثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان: (يصلي المغرب إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب) 3 إذن: السنة في المغرب أن تعجل.

وتعجيل العصر والمغرب مطلق، إلا صلاة المغرب يستثنى فيها ما تقدم من الاستثناء عند الغيم على المشهور في المذهب وأنها تؤخر في الغيم مع مظنة نزول المطر، فإنها تؤخر إلى قبيل غياب الشفق فتصلى حينئذ ثم يؤذن لصلاة العشاء فتصلى فيكون الجمع صورياً.

قال: (إلا ليلة جمع " مزدلفة " لمن قصدها محرماً) أي لمن كان على هيئة الإحرام، أما من لم يكن كذلك فإنه ليس له ذلك.
وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد جمع ليلة جمع كما صح ذلك في مسلم وغيره 1 . ولكن استثناء كون قاصدها محرماً ليس على إطلاقه.
نعم من ذهب إليها هكذا فلا يشرع له ذلك.
لكن حيث كان مصاحباً للمحرمين فالظاهر أنه يفعل ما يفعلون.
فمن كان مصاحباً لهم كمن كان قائماً بشأن بعض الناس في الحج فإنه يصلي كما يصلون وإن لم يكن محرماً فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد صحبه مثل ذلك، ولم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم حث أحداً بخلاف ما فعل، ويثبت تبعاً ما [لا] 2 يثبت استقلالاً.
إذن: يشرع تأخير صلاة المغرب ليلة جمع.
ولكن هل هذا إلى وقت صلاة العشاء أو هو جمع صوري؟ سيأتي تقرير هذا في باب الجمع.
إذن: المقصود: أن صلاة المغرب يستحب أن تعجل إلا حيث شرع الجمع.
فإذا شرع الجمع جمعاً صورياً فإنه يستحب تأخيرها إلى آخر وقتها.
وحيث لم نقل بالجمع الصوري وقلنا بأنه جمع حقيقي فحينئذٍ: نبقي على الأصل وهو استحباب تعجيلها مطلقاً لأنها إذا جمعت جمعاً حقيقياً فقد صليت في أول وقتها.
والحمد لله رب العالمين

الدرس الثامن والخمسون (24 / 2 / 1415هـ)

قال المؤلف رحمه الله: (ويليه وقت العشاء إلى الفجر الثاني وهو البياض المعترض)

" ويليه " أي يلي وقت المغرب وهي نهاية المغرب وهو غياب الشفق الأحمر، فإذا غاب فقد وجبت صلاة العشاء.
إلى الفجر الثاني: وهو الفجر الصادق وهو البياض المعترض في الجانب الشرقي.
فوقتها من غياب الشفق الأحمر إلى طلوع الفجر الصادق وهذا الوقت شامل لوقتي الجواز والضرورة.
أما وقت الجواز فإنه في المشهور من المذهب - إلى ثلث الليل – لذا قال المؤلف بعد ذلك: " وتأخيرها إلى ثلث الليل أفضل ". واستدلوا - على أن آخره إلى ثلث الليل – بحديث إمامة جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم في اليوم الثاني حيث أخر العشاء إلى ثلث الليل وقال له: (الصلاة بين هذين الوقتين) 1 .

  • وذهب الإمام أحمد في رواية عنه واختارها بعض أصحابه كالموفق والمجد ابن تيمية وغيرهم من فقهاء الحنابلة: إلى أن آخر وقت الجواز هو نصف الليل.
    واستدلوا: بحديث عبد الله بن عمرو وفيه: (ووقت العشاء إلى نصف الليل) 2 وبما ثبت في البخاري عن أنس قال: (أخر النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء إلى نصف الليل) 3 . قالوا: فدل هذان الحديثان الأول من قوله والثاني من فعله – صلى الله عليه وسلم – على أن آخر وقت الجواز لصلاة العشاء هو نصف الليل.
    وأما حديث جبريل فهو حديث مكي متقدم – وحينئذٍ – يرجح عليه الأحاديث المدنية.
    وهذا هو الراجح - وأن وقت الجواز إلى نصف الليل – فإذا انتصف الليل فقد دخل وقت الضرورة فمن أخرها إلى ما بعد نصف الليل فقد أثم إن لم يكن معذوراً فهو وقت لأهل الضرورات.
    فإن قيل:

فما الدليل على ذلك فإن: حديث عبد الله بن عمرو ظاهر في أن آخر وقتها هو نصف الليل، وأن ذلك آخر وقتها مطلقاً – وهذا ما ذهب إليه بعض الشافعية وأن نصف الليل هو آخر وقت العشاء مطلقاً.
أما جمهور أهل العلم فقد ذهبوا: إلى أن آخر وقتها على الإطلاق طلوع الفجر، ووقت الاختيار إما نصف الليل أو ثلثه على قولين، والراجح أنه إلى نصفه كما تقدم.
ودليل ذلك: - أي كونه إلى طلوع الفجر – ما ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليس في النوم تفريط إنما التفريط في اليقظة أن تؤخر صلاة حتى يدخل وقت الصلاة الأخرى) 1 . قالوا: فهذا ظاهر أن الصلوات متصلة بعضها ببعض، فليس بينهما فاصل من الوقت، بل لا ينتهي وقت صلاة إلا ويدخل وقت صلاة أخرى.
قالوا: وإنما يستثنى من ذلك ما دل الإجماع على استثنائه وهو صلاة الفجر، فنهاية وقتها على الإطلاق هو طلوع الشمس بإجماع أهل العلم.
أما العشاء فليس فيها إجماع بل جماهير العلماء على ما تقدم.
قالوا: ويدل على ذلك آثار الصحابة – كما صح عن عبد الرحمن بن عوف وابن عباس في سنن البيهقي – أنهم أفتوا بالحائض تطهر قبل الفجر أنها تقضي الصلاة أي صلاة العشاء " 2 . قالوا: ولو لم يكن هذا من وقت العشاء لم يلزمها ولا يلزم غيرها من المعذورين من أهل الضرورات – لم يلزمهم قضاء العشاء ولا قضاء الصلاة المجموعة إليها.
وهذا القول هو الراجح للحديث المتقدم وللآثار عن الصحابة.
فعلى ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم المتقدم إلى نصف الليل هذا نهاية وقت الجواز، وما بعده فهو وقت ضرورة.

قال: (وتأخيرها إلى ثلث الليل أفضل إن سهل)

أي إن كان في ذلك سهولة ولم يكن فيه مشقة على المأمومين أو بعضهم، فالمستحب أن تؤخر إلى نصف الليل أو ثلثه، والمذهب قال: " إلى ثلثه " لكون آخر وقت الجواز عندهم هو ثلث الليل، والراجح أن آخر وقت الجواز نصف الليل فعلى ذلك يستحب تأخيرها إلى نصف الليل ما لم يكن في ذلك مشقة.
فإن كان في ذلك مشقة على المأمومين أو بعضهم فيكره ذلك ودليل الكراهية: ما ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به) 1 . وهذا فيه مشقة.
ودليل استحباب تأخيرها: ما ثبت في الصحيحين عن أبي برزة الأسلمي قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يستحب أن يؤخر العشاء التي تدعونها العتمة) 2 وثبت في سنن الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه) 3 وثبت في سنن النسائي وأبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لولا ضعف الضعيف وسقم السقيم وحاجة ذي الحاجة لأخرت هذه الصلاة إلى شطر الليل) 4 . لكن النبي صلى الله عليه وسلم رفعاً للمشقة على المأمومين أو بعضهم كان النبي صلى الله عليه وسلم يصليها في أول وقتها.

وقد ثبت عند الأربعة إلا ابن ماجه عن النعمان بن بشير أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان يصليها – يعني العشاء – لسقوط القمر لثالثة) 1 وهذا يكون بعد غياب الشفق بوقت يسير قد لا يتجاوز ربع أو ثلث ساعة.
وقد ثبت في الصحيحين عن جابر قال: (وأما العشاء فأحياناً وأحياناً إذا رآهم اجتمعوا عجّل وإذا رآهم أبطؤوا أخّر) 2 قال: (ويليه وقت الفجر إلى طلوع الشمس) أي من طلوع الفجر الصادق إلى طلوع الشمس لحديث ابن عمرو: (ووقت صلاة الفجر ما لم تطلع الشمس) 3 وهذا بإجماع أهل العلم.

قال: (وتعجيلها أفضل) لما ثبت في الصحيحين عن جابر قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الصبح بغلس) 4 أي في شدة الظلام.
وثبت في الصحيحين عن أبي برزة الأسلمي قال: (وأما الصبح فكان النبي صلى الله عليه وسلم ينفتل منها حين يعرف الرجل جليسه، وكان يقرأ بالستين إلى المائة) 5

أي يعرف الرجل جليسه القريب منه، وأما البعيد عنه فلا يعرفه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أطال بالصلاة، فدل على أنه كان يعجلها.
وثبت في الصحيحين عن عائشة قالت: (كن نساء المؤمنات يشهدن الفجر مع النبي صلى الله عليه وسلم متلفعات بمروطهن ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة ما يعرفهن أحد من الغلس) 1 فهذه الأحاديث تدل على استحباب تعجيلها.
فإن قيل: فما هو الجواب على ما رواه الخمسة بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر) 2 ؟ فالجواب: أنه يجب الجمع بينه وبين ما تقدم، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى استحباب تأخيرها ومشروعيته لكن الجواب على ذلك أن يقال: الإسفار المذكور هنا هو بيقين دخول الفجر، كما يقال: " أسفرت المرأة " أي كشفت عن وجهها.
فالمقصود: أن ينكشف الوقت عن دخول وقت الفجر فيكون ذلك متيقناً غير مشكوك فيه.
أي: تيقنوا وتثبتوا فلا تحكموا على الفجر بدخول وقتها إلا بعد تثبت وتبين، والفجر هي أكثر الأوقات التي قد يحصل فيها اللبس، فاللبس فيها أكثر من غيرها وأظهر.
والحمد لله رب العالمين الدرس التاسع والخمسون (يوم الثلاثاء: 25 / 2 / 1415 هـ)

قال المؤلف رحمه الله: (وتدرك الصلاة بالإحرام في وقتها) . فإذا كبر للإحرام فخرج وقت الصلاة، فإنه يكون قد أدرك وقت الصلاة.
فمثلاً: كبر للإحرام فطلعت الشمس فإنه يكون قد أدرك صلاة الفجر.
فعلى ذلك: الصلاة تدرك بتكبيرة الإحرام.

واستدلوا: بما ثبت في مسلم عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أدرك من العصر سجدة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر) 1 الحديث.
قالوا: فهذا يدل على أن أي إدراك للوقت فإنه يكون إدراكاً صحيحاً، كأن يدرك من الوقت قدر سجدة أو ركوع أو تكبيرة الإحرام فإنه يكون مدركاً للوقت.

  • وذهب الإمام الشافعي وهو مذهب مالك: إلى أنه لا يدرك الوقت إلا بإدراك ركعة تامة، بقيامها وركوعها وسجدتيها، فإذا أدرك ركعة فخرج الوقت فإنه يكون مدركاً للوقت.
    واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح) 2 الحديث.
    قالوا: فهنا النبي صلى الله عليه وسلم قيد الإدراك بإدراك ركعة، أي ركعة كاملة بتكبيرتها وركوعها وسجدتيها وقيامها.
    وهذا هو الراجح.
    فإن قيل: فما الجواب عما استدل به الحنابلة؟ فالجواب: أن السجدة هي الركعة، لذا قال بعض الرواة كما في مسلم: (وإنما السجدة الركعة) فيكون هذا من باب المجاز في إطلاق الجزء واردة الكل، كقوله تعالى: ﴿وقرآن الفجر﴾ 3 أي صلاة الفجر، فيكون هذا من باب ذكر الجزء تنبيها إلى البقية.
    بدليل: أن الإدراك لا يمكن أبداً أن يكون على هذه الهيئة لذا الحنابلة لا يقولون بظاهر الحديث، وإلا فظاهره أنه إذا كبر وركع وسجد فيكون قد أدرك السجدة فحينئذ يكون قد أدرك الصلاة، وهم يقولون بمجرد ما يدرك تكبيرة الإحرام، مع أنه ليس مدركاً للسجدة.
    وكون الشارع يعلقها بالسجدة ليس له معنى إلا أن يكون المراد ما تقدم وهو أن المراد بالسجدة الركعة إذ تعليق ذلك بالسجود لا معنى له.
    ثم إن الحديث يفسر بعضه بعضاً، فحديث أبي هريرة مفسر لحديث عائشة.

فالراجح: أن من أدرك ركعة كاملة من الصلاة بركوعها وسجدتيها فقد أدرك الصلاة أداءً وإلا فإنه لم يدرك وتكون صلاته قضاء لا أداءً.
قال: (ولا يصلي قبل غلبة ظنه بدخول وقتها إما باجتهاد أو خبر ثقة متيقن) فلا يصلي قبل تيقن دخول الوقت أو غلبة الظن بذلك إذ الأصل أن الوقت لم يدخل فلا يجوز له أن يصلي إلا إذا تيقن دخوله أو غلب على ظنه؛ لأن الظن معمول به في الشريعة.
وأما مع الشك فلا يجوز له أن يصلي، لأن اليقين لا يزول بالشك، وبقاء الوقت للصلاة الأولى وعدم انتقاله إلى وقت الصلاة الجديدة هو الأصل فلا ينتقل عنه إلا بيقين أو غلبة ظن.
(إما باجتهاد) : أي بأن كان عارفاً بعلامات دخول الوقت، فيجتهد بأي نوع من أنواع الاجتهاد والتحري والنظر.
(أو خبر ثقة متيقن) : فيشترط أن يكون هذا الثقة متيقنا، كأن يقول: " رأيت الشمس طالعة أو رأيتها قد غربت " قالوا: لأنه إن لم يكن متيقناً أي بأن يخبر بغلبة ظن، فإن هذا المكلف عليه أن يتعرف على ذلك بنفسه، بأن يجتهد بنفسه، لأنه عارف بعلامات الوقت فلم يجز له تقليد غيره مع إمكان اجتهاده بنفسه.
لكن إن كان المخبر قد بني خبره على يقين فيجب أن يقبل؛ لأنه خبر ديني فيقبل من واحد كالرواية وكالشهادة بدخول رمضان فإنها تثبت بشاهد واحد.
أما إذا كان يقول: (أظن أو تبين لي) ونحوها مما لا يكون جزماً ولا يقينا، فلا يجوز أن يقلده لأنه يمكنه أن يجتهد بنفسه في معرفة الوقت.
لكن إن لم يكن عارفاً بعلامات الوقت فعليه أن يقلد ذلك المجتهد وهذا الطريق الثالث لمعرفة الوقت.
فهنا ثلاث طرق لمعرفة الوقت: 1- الاجتهاد 2- خبر الثقة المتيقن 3- خبر الثقة المجتهد لمقلد، لأنه لا يمكن معرفة ذلك إلا بهذا الطريق فيكون من سؤال أهل الذكر.
إذن: هناك طريق ثالث لكنها خاصة بالمقلد وهي أن يقلد من عنده معرفة بهذا الباب.

فإن لم يكن هناك من يقلده وهو غير عارف بالوقت وعلاماته كأن يكون أعمى أو رجل لا يعرف أدوات معرفة الوقت فإنه يصلي على حسب حاله – هذا هو الراجح –. لكن هل يعيد؟ المشهور في مذهب الحنابلة: أنه يعيد سواء أخطأ أم أصاب.
وذهب بعض الحنابلة: إلى أنه لا يعيد إلا إذا أخطأ.
وهناك قول ثالث: وأنه لا يعيد مطلقاً.
وهذا هو الراجح.
فالراجح: أنه لا يعيد مطلقاً لأنه صلى على حسب ما أمر به، فقد قال تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ 1 فصلى فلا يجب عليه الإعادة أخطأ أم أصاب، لأنه قد فعل ما يجب عليه وقد صلى الصلاة على وجه هو قادر عليه، عاجز عن غيره فنقص شيء من شروطها وهو الوقت لسبب العجز عنه ما لم يكن هناك ما يجب عليه، وقد اتقى الله ما استطاع.
إذن: عندنا قولان في المذهب: المشهور: أن يعيد مطلقاً.
وذهب بعض الحنابلة: إلى أنه لا يعيد إلا إذا أخطأ.
والذي يظهر أنه لا يعيد مطلقاً سواء أخطأ أم أصاب؛ لأنه قد أمر بأن يصلي الصلاة، ويتقي الله ما استطاع، فاتقى الله ما استطاع وصلى الصلاة وصحت وقبلت منه لأنه فعل ما وجب عليه وليس هناك دليل يدل على بطلانها وقد فعل ما أمر به من الصلاة، ومن صلى صلاة على وجه شرعي فإن الأدلة الشرعية تدل على أنه لا يؤمر بإعادتها مرة أخرى وقد صلاها على الهيئة الواجبة.
قال: (فإن أحرم باجتهاد فبان قبله فنفل) رجل صلى الظهر – مثلاً – عن اجتهاد فثبت له بعد الصلاة أنه قد صلاها قبل وقتها فحينئذ: تكون له نفل.
قالوا: لأن الصلاة، لم تجب بعد فوجب أن يصليها بعد دخول الوقت.
وعن الإمام مالك: تكون له فرضاً وذلك: لأنه قد صلى على الوجه المأمور به، وليس هناك دليل يوجب الإعادة – وهو قول قوي -. فالظاهر: أنها تقع له فرضاً، لأنه قد صلى بعد اجتهاد ونظر فكانت الصلاة على هذه الهيئة مأموراً بها مطلوبة منه على هذا الوجه، وكونها تنتقل إلى نفل هذا يحتاج إلى دليل ولا دليل.

قال: (وإلا ففرض) فإذا كان الاجتهاد موافقاً للصواب فتبين له أنه قد صلاها في وقتها فإنها تكون فرضاً وهذا لا إشكال فيه، فإنه قد فعل ما أمر به واتقى الله ما استطاع، وأصاب الحق وليس هناك دليل يدل على الإعادة وقد فعل ما أمر به.
ومثله ينبغي أن يكون مما تقدم: المقلد الذي صلى على حسب حاله فبان صواباً، فإنه لا معنى للأمر بالإعادة.
قال: (وإن أدرك مكلف من وقتها قدر التحريمة ثم زال تكليفه أو حاضت ثم كلف وطهرت قضوها) بمعنى: أذن المؤذن ثم بعد مرور قدر تكبيرة الإحرام حدث مانع يمنع من الصلاة، كأن يجن أو تحيض امرأة.
لأنهم قد أدركوا منها قدراً تجب به الصلاة، فالمؤذن قد أذن فأدركوا من الوقت قدر تكبيرة الإحرام لأن المؤذن لا يؤذن إلا عند دخول الوقت.
فإذن: إذا مر قدر تكبيرة الإحرام بعد دخول الوقت ثم حصل مانع فإن الصلاة تتعلق بذمتها فيجب عليها القضاء – هذا مذهب الحنابلة –.

  • وذهب الشافعية: إلى أن الصلاة لا تجب حتى يدرك من وقتها ما يتسع للصلاة.
    فمثلاً: صلاة الظهر بأن تدرك وقتاً لأربع ركعات بأخف ما يمكن أي بالقدر المجزئ في الصلاة.
    وهل يشترط لإيجاب القضاء عليها أن تدرك زمناً للطهارة أم لا؟ قولان للشافعية: القول الأول: أنه يشترط أن يكون الوقت متسعاً للطهارة لأنها لا يمكن أن تفعل العبادة إلا بطهارة، ولا تجب الطهارة إلا بدخول وقت الصلاة.
    القول الثاني: - وهو أضعف – أنه لا يشترط أن يتسع الوقت للطهارة، لأنه يمكن أن تفعل الطهارة قبل دخول وقت الصلاة.
    لكن هذا ضعيف كما تقدم؛ لأن الطهارة إنما تجب للصلاة عند دخول وقتها.
    إذن: الراجح في مذهب الشافعية أن الحائض ونحوها إذا أدركوا من وقت الصلاة ما يتسع لها بأخف ما يمكن وما يتسع للطهارة فإنه يتعلق الصلاة بذمتهم.
    فإن أدركوا أقل منه فلا يتعلق بذمتهم.
    قالوا: لأنها أدركت من الوقت ما لا يمكنها أن تفعل العبادة فيه فلم يجب عليها القضاء.
  • وذهب الإمام مالك: إلى أنه لا يلزم القضاء إلا إذا تضايق الوقت ولم يصلوا.
    بمعنى: الحائض أذن مؤذن الظهر فلم تصل حتى تضايق الوقت، بأن بقي ما لا يتسع للصلاة وكانت مفرطة، وكانت الصلاة قد خرج وقتها في الحقيقة لأنه بقي ما لا يتسع لها.
  • وإذا قلنا أن الوقت يدرك بإدراك ركعة كما تقدم – فإذا بقي ما لا يتسع لذلك.
    وهذا هو الراجح.
    فإذن: لا تلزمهم إلا إذا تضايق الوقت عليهما – هذا على القول بقضاء الصلاة لمن تركها عمداً – والراجح: أن من تركها عمداً فإنه لا يقضي - كما هو اختيار شيخ الإسلام – في هذه المسألة.
    إذن: من أدرك الوقت فلم يصل فإنه لا يقضي مطلقاً سواء تضايق الوقت أم لا.
    فإن لم يتضايق؛ فلأنه غير مفرط فيجوز له التأخير.
    فالحائض: إذا أخرت الصلاة ساعة أو ساعتين بعد دخول الوقت، وكان الوقت مثلاً ثلاث ساعات فأخرتها إلى وقت يمكنها أن تصلي فيه فهنا لا تكون مفرطة في التأخير، لأنها قد فعلت ما يجوز لها فلم تكن مفرطة ولم يكن في إيجاب القضاء عليها معنى، فإنها قد حدث فيها المانع بعد أن أخرت الصلاة تأخيراً جائزاً لها وليس ثمت أمر جديد بالقضاء، وكوننا نأمرها بالقضاء هذا يحتاج إلى دليل ولا دليل، والأصل عدم إيجاب القضاء.
  • ثم ذكر شيخ الإسلام مسألة النائم والناسي وأمر النبي صلى الله عليه وسلم لهما بالقضاء مع أنهما غير مفرطين وذكر أن هذا ليس بقضاء، بل ذلك وقتهما، فالوقت لهما عند استيقاظ النائم وتذكر الناسي، لقوله صلى الله عليه وسلم: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك) (1) . قالوا: هذا هو وقتها في حق النائم والناسي.
    ثم إنه لو لم يكن ذلك وقتهما، فقد دل الشرع على إيجاب القضاء عليهم ولا دليل على المسألة المتقدمة.

فالراجح: ما اختاره شيخ الإسلام وهو مذهب مالك وأبي حنيفة من أن القضاء لا يجب لأن هذا المكلف قد أخَّر الصلاة تأخيراً جائزاً غير مفرط في ذلك ثم حدث المانع فلم يجب عليه القضاء، لأن القضاء يحتاج إلى أمر جديد ولا أمر جديد في ذلك.
وعلى قول المذهب: إذا أدرك قدر تكبيرة الإحرام من وقت صلاة الظهر ثم حاضت المرأة، فهل يجب عليها أن تصلي الظهر والعصر إذا طهرت أم لا يجب عليها إلا الظهر؟ روايتان في مذهب أحمد: الرواية الأولى: أن الصلاة الثانية لا يجب قضاؤها؛ لأنهم لم يدركوا من وقتها شيئاً ولا من وقت من يتبعها.
الرواية الثانية: أن الصلاة الثانية يجب قضاؤها.
وهذا القول هو الراجح – كما سيأتي ولما تقدم – من قضاء عبد الرحمن بن عوف وابن عباس في المرأة تطهر قبل الفجر بأنها تصلي المغرب والعشاء، وهذا ما يقول به الحنابلة في المشهور عندهم، لكنهم في هذه المسألة لم يقولوا بها، لأنه عندما يدرك وقت الصلاة الثانية فإن الأولى تبع لها، أما هنا فقد أدرك الأولى ولم يدرك من الثانية شيئاً.
لكن هذا في الحقيقة ليس بمؤثر، لأن مناط الحكم فيمن طرأ عليهم عدم التكليف، أو غير المكلف ثم طرأ عليه التكليف أنهم إذا حدث ذلك منهم قبيل خروج وقت الصلاة الثانية فإن الآثار الواردة عن الصحابة في إيجاب الصلاة الأولى عليهم لمعنى متوفر في هذه المسألة وهي: أن هذا الوقت وقت لهما جميعاً عند العذر، فإن وقت الأولى وقت للثانية عند العذر، لهذا فإن من أدرك وقتاً من الثانية فيجب عليه أن يصلي الأولى، لأن الظهر والعصر وقتهما واحد عند العذر وكذلك المغرب والعشاء، فوقتهما واحد عند العذر، لذا جاز الجمع فيما شرعه الشارع من ذلك، وفي الحقيقة لا فرق - حينئذ - بين وقت الأولى ووقت الثانية، لأن الوقت واحد للجميع.

فالراجح، ما ذهب إليه الإمام أحمد في الرواية غير المشهور عند الحنابلة وهي: - وهذا على ترجيح المذهب وإلا فقد تقدم أن الصلاة لا تجب – لكن هذا للترجيح بين الروايتين: أن من أدرك شيئاً من وقت الأولى فإن الصلاة الثانية أيضاً تجب عليه؛ لأن وقتهما في العذر واحد، وقد تقدمت آثار الصحابة فيمن أدرك شيئاً من وقت الثانية فكذلك من أدرك شيئاً من وقت الأولى لا فرق بين المسألتين لأن وقتهما واحد عند العذر.

قال: (ومن صار أهلاً لوجوبها قبل خروج وقتها لزمته وما يجمع إليها قبلها) بمعنى: إنسان غير مكلف لم يبلغ فبلغ قبل خروج وقت الصلاة.
أو امرأة حائض فطهرت قبل خروج وقت الصلاة فإن الصلاة تلزم.
ويلزم ذلك بإدراك تكبيرة الإحرام كما تقدم بمعنى: قبيل أن يؤذن الفجر بقدر تكبيرة الإحرام طهرت المرأة فيجب عليها أن تصلي العشاء والمغرب لأنها أدركت شيئاً من الوقت فوجبت عليها الصلاتين وتعلقت الصلاة بذمتها.

  • وذهب الإمام مالك إلى قول آخر هو القول الصحيح في هذه المسألة وهو: أن الصلاة لا تلزم إلا إذا أدرك من وقتها ما يثبت به الإدراك.
    وقد تقدم ما يثبت به الإدراك في مذهب مالك وهو مذهب الشافعي وهو إدراك ركعة كاملة، فإذا أدركت الحائض من وقت صلاة العشاء ركعة كاملة بركوعها وسجودها، فإنها تلزمها صلاة العشاء.
    وإذا أدركت أربع ركعات يعني: ثلاث ركعات للمغرب وركعة للعشاء، فإنه يجب عليها أن تصلي المغرب والعشاء لأنها أدركت من وقت العشاء ما يتسع لصلاة المغرب والعشاء جميعاً.
    وذلك يكون إما بإدراك ركعة في إدراك صلاة العشاء أو إدراك أربع ركعات في صلاة المغرب والعشاء جميعاً.
    ولابد – كذلك – وأن يتسع الوقت للطهارة فلو أدركت من الوقت ما لا يمكنها أن تغتسل وتصلي فإنه لا يجب عليها القضاء؛ لأنها لو اغتسلت يخرج الوقت أو يبقى وقت لا يكفي لإدراك ركعة.

إذن: إذا أدركت من الوقت ما يكفيها للطهارة وإدراك ركعة فتلزمها صلاة العشاء، وإذا أدركت ما يكفيها للطهارة وأربع ركعات فإن المغرب والعشاء تلزمانها.
مثال آخر: امرأة طهرت قبل أذان المغرب، فهل يجب أن تصلي الظهر والعصر؟ يجب عليها إن أدركت من الوقت ما يتسع للطهارة وصلاة أربع [ركعات] 1 وركعة، لأنها بالأربع ركعات قد صلت الظهر، وبالركعة أدركت العصر.
فإن أدركت أقل من ذلك فلا يجب عليها إلا العصر.
فإن أدركت أقل من ذلك بحيث لا تتمكن من إدراك ركعة من العصر مع الطهارة، فلا يجب عليها شيء من ذلك.
وهذا القول هو الراجح لما تقدم، فقد تقدم أن الصلاة لا تدرك إلا بركعة كاملة، وهذه المرأة الحائض قد أدركت من الوقت ما لا يكفيها لإدراك ركعة كاملة، والطهارة واجب عليها، فلم تتمكن من الطهارة وإدراك الركعة إلا بعد خروج الوقت فأدركت من الوقت ما لا يمكن أن تصلي فيه فلم تكن الصلاة واجبة عليها؛ لأنها عاجزة عن الصلاة، لأنها لم تدرك من الوقت ما تتمكن به من الطهارة والصلاة الواجبة عليها.

قال: (وما يجمع إليها قبلها) ودليله: ما تقدم: من أن وقتها وقت واحد للمعذورين، ولأن ذلك قد صح عن عبد الرحمن بن عوف وابن عباس كما في البيهقي 2 وغيره ولا يعلم لهما مخالف فكان حجة.
والحمد لله رب العالمين

الدرس الستون (يوم الأربعاء: 26 / 2 / 1415 هـ)

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويجب فوراً قضاء الفوائت مرتبة] في هذه الجملة ثلاث مسائل: المسألة الأولى: وجوب قضاء الفوائت.
المسألة الثانية: وجوبه على الفور.
المسألة الثالثة: وجوبه على الترتيب.

أما المسألة الأولى: وهي وجوب قضاء الفوائت، دليلها: ما ثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إذا ذلك) 1 . فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - لصلاتها عند ذكرها، وأمره للوجوب.
وظاهر الحديث أنه واجب على المعذورين بنوم أو نسيان، بدليل قوله: (لا كفارة لها إلا ذلك) ، ومعلوم أن من تركها غير معذور فإن كفارتها ولاشك التوبة إلى الله، ولا قائل بأنه يكتفى بقضائها فحسب، بل يجب أن يتوب إلى الله من تفريطه في إضاعتها عن وقتها.
وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: (ليس في النوم تفريط) 2 ، فالنوم عذر، فحيث كان معذوراً في فواتها فعليه القضاء.
أما إذا كان مفرطاً فيه وأداه ذلك إلى فوات الصلاة فإنه لا يكون معذوراً.
[ولكن] 3 المذهب أن ذلك بمفروض مطلقاً، وأن المعذور وغير المعذور يجب عليهما قضاء الفوائت، فمن ترك الصلاة عامداً مفرطاً فيجب عليه قضاؤها وعليه أن يضم إلى ذلك التوبة.
وهذا مذهب جماهير العلماء حتى حكاه النووي إجماعاً.
لكن ذهب بعض أهل العلم كابن حزم وابن تيمية وابن القيم: إلى أن القضاء ليس بمشروع.

وحكاه ابن حزم عن عمر وابن عمر وسلمان وأنس بن مالك وابن مسعود ومحمد بن سيرين ومطرف بن عبد الله وعمر بن العزيز، قال: " ولا يعلم لهم مخالف " 1 . وعمدة استدلالهم: أن القضاء يحتاج إلى أمر جديد به، وليس عندنا أمر جديد بقضاء الفائتة غير المعذور صاحبها، وأما الحديث الوارد المتقدم فإنه في المعذورين.
وكون الجمهور يقيسون غير المعذور على المعذور هذا قياس ظاهر البطلان؛ لأن هذا عاص لله بفوات الصلاة، وهذا غير عاص له، بل قد وقع ذلك منه على وجه يعذر به، فكيف يقاس عليه من أخرها متعمداً.
وهذا القول هو الراجح: وأن من ترك الصلاة عمداً حتى خرج وقتها فإنه لا يشرع له القضاء،بل يتوب إلى الله ويكثر من النوافل، فإن الله يقول يوم القيامة: (انظروا هل لعبدي من تطوع فأتموا به فريضته) 2 كما في المسند وغيره، فلا يقضيها إذاً؛ لأنه عمل ليس عليه أمر النبي - صلى الله عليه وسلم -، فيكون مردوداً على صاحبه، ولم يرد أمر جديد بالقضاء.
المسألة الثانية: فهي قوله " فوراً ": وأن الفوائت يجب قضاؤها فوراً.
وهذا مذهب الجمهور.
ودليلهم قوله - صلى الله عليه وسلم -: (فليصلها إذا ذكرها) ، وظاهره أنه يصليها على وجه الفورية لا على التراخي، فقد أمره بالصلاة بمجرد الذكر، فمتى زال عنه النسيان أو استيقظ من النوم فيجب عليه أن يصلي الصلاة فوراً.

وذهب بعض أهل العلم، وهو مذهب الشافعية: إلى أنه لا يجب على الفور، بل يسن أن يكون فوراً ولا يجب، فتبقى في ذمته، فمتى صلاها أجزأه ذلك، لكن المستحب أن يصليها فوراً.
واستدلوا بما ثبت في الصحيحين من حديث عمران بن حصين في نوم النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه عن صلاة الصبح، ,فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا خير، ارتحلوا، فارتحل ثم نزل فتوضأ فنودي بالصلاة، فصلى بالناس) 1 . وثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة في نومه - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه في سفر عن صلاة الغداة، قال: (ليأخذ كل رجل فيكم برأس راحلته، فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان، ففعلنا ثم دعا بالماء فتوضأ ثم سجد سجدتين ثم أقيمت الصلاة فصلى الغداة) 2 . قالوا: فهذا يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصل صلاة الفجر وقد فاتته إلا بعد أن ارتحل ثم نزل.وهذا على وجه التراخي.
والراجح ما ذهب إليه أهل القول الأول.
والجواب على استدلال أهل القول الثاني: أن يقال: إن هذا الحديث قد وقع فيه التأخير لمصلحة الصلاة، فإن هذا موضع غفلة وحضر فيه الشيطان، فمن مصلحة الصلاة وتمامها وتمام خشوعها أن ينتقل لموضع آخر، فكان هذا لمصلحة الصلاة.
ومثله لو أخرها يسيراً لانتظار اجتماع الناس ليصلوها جماعة، فإذا احتاج هذا لوقت ليجتمع الناس عليها بالوضوء ونحوه، فيشرع ذلك؛ لأن هذا من مصلحتها.
إذاً: الراجح مذهب الجمهور، وهو وجوب ذلك على الفورية، ولكن تأخيرها لمصلحتها مشروع، كأن يكون ذلك لإقامتها جماعة أو للانتقال عن هذا الموضع الذي وقعت فيه الغفلة وحضر فيه الشيطان ونحو ذلك.

المسألة الثالثة: وهي وجوبها على الترتيب: والمذهب: أنها ولو كثرت فإنه يجب أن يقضيها مرتبة، أي عن اليوم الأول ثم الثاني ثم الثالث، وهكذا، وهذا وإن كان لا يتصور في مسألة النسيان والنوم، لكنه متصور فيمن تركها عمداً، فمن ترك الصلاة عمداً شهراً، فمذهب الجمهور أن عليه القضاء.
وصورة القضاء: أن يقضي الصلاة مرتبات وأن يقضيها مرتبة على الأيام، أي أيام الشهر، أولاً فأول حتى ينتهي ذلك.
فالمشهور في المذهب وجوب الترتيب، وهو شرط لصحتها، فلو لم يرتب لم تصح الصلاة التي قد اختل الترتيب فيها، فمثلاً: لو صلى العصر ثم الظهر، فصلاة العصر باطلة، فيجب عليه أن يعيدها بعد الظهر.

واستدلوا بالأحاديث الواردة في ترتيب النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهي أحاديث غزوة الخندق.
فقد ثبت في مسند أحمد بإسناد صحيح عن أبي سعيد الخدري قال: حبسنا يوم الخندق عن الصلاة حتى كان بعد المغرب لهويِّ من بالليل كفينا، وذلك قوله تعالى: ﴿وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قوياً عزيزاً﴾ 1 فدعا النبي - صلى الله عليه وسلم - بلالاً فأقام الظهر فصلاها فأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها، ثم أمر فأقام العصر فصلاها فأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها ثم أمر فأقام المغرب فصلاها كذلك، وذلك قبل أن ينزل الله قوله تعالى في صلاة الخوف: ﴿فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً﴾ 2 ، والحديث رواه النسائي 3 إلا أنه ليس فيه ذكر المغرب، والحديث صحيح، وتقدم حديث ابن مسعود في كون النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بالخندق الظهر والعصر والمغرب والعشاء مرتبات 4 . قالوا: فهذه أحاديث تدل على فرضية الترتيب بين الفوائت.
قالوا: ومثل ذلك الترتيب بين الحاضرة والفائتة، فرجل عليه فائتة وهي صلاة العصر، وحاضرة وهي صلاة المغرب، فيجب عليه أن يرتب بين الفائتة والحاضرة.

واستدلوا بما ثبت في الصحيحن أن عمر بن الخطاب قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الخندق: " ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس أن تغرب "، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (والله ما صليتها، فتوضأ وتوضأنا ثم صلى بعد ما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب) 1 . وذهب الشافعية: إلى أنه ليس بفرض بل مستحب، قالوا: لأن ما ذكرتموه فعل، والفعل لا يدل على الوجوب.
وهذا القول قول – في الحقيقة – قوي ظاهر؛ ذلك لأن الصلاة أوجبها الله تعالى مرتبة حيث تصلى في وقتها، فالترتيب مستحق الوقت، فيسقط بسقوطه، فمادام الوقت سقط فالترتيب تبع له،فيسقط بسقوطه.
هذا هو الذي يظهر ويتبين، ونحتاج إلى دليل على فرضية الترتيب ولا دليل يدل على ذلك.
والترتيب فرض الوقت وقد سقط الوقت فيسقط بسقوطه، ومن صلى الصلاة فقد فعل ما أمر به، وكوننا نفرض عليه الترتيب، هذا يحتاج إلى دليل، فإن الوقت قد سقط وكوننا نوجب عليه الترتيب وقد أدى الصلاة على ما أمره بها الشارع، فإن ذلك محل نظر ظاهر.
إذ لا دليل على ذلك.
إذاً: الراجح أن الترتيب بين الفوائت وبين الحاضرة والفائتة إنما هو مستحب.
وهو مذهب الشافعية.
وهذه المسألة التي سيأتي ذكرها مبنية على المشهور في المذهب، وهو مذهب الجمهور من وجوب الترتيب بين الفائتة والحاضرة وبين الفوائت.
قال: [ويسقط الترتيب بنسيانه] فلو صلى غير مرتب ناسياً فالصلاة تصح؛ قالوا: لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) 2

وهذا محل نظر، فإن الترتيب فرض على قول الجمهور، وحيث كان فرضاً فلا يسقط بالنسيان، فغاية النسيان أن يسقط الإثم والحرج، وأما أن يسقط الترتيب فلا.
لذا ذهب الإمام مالك: إلى أنه لا يسقط بالنسيان، فلو صلى غير مرتب ناسياً فصلاته غير صحيحة.
وعلى القول الراجح فأصل الترتيب ليس بواجب.
قال: [وبخشية خروج وقت اختيار الحاضرة] إذاً: هذا فيما إذا كان بين فائتة وحاضرة.
مثال: رجل استيقظ من النوم أثناء وقت صلاة العصر وقد نام عن الظهر، [فـ] 1 يجب عليه الترتيب إلا إذا خشي إن صلى الظهر قبل العصر أن تصفر الشمس وإذا اصفرت فقد خرج وقت الجواز.
إذاً: إذا خشي فوات وقت الجواز للحاضرة فيجب عليه أن يصليها قبل الفائتة.
قالوا: لأن الحاضرة آكد، وهذا هو وقتها الذي هي مختصة به، وتأخيرها عن وقت الجواز محرم، فحينئذ يقدم الحاضرة فيصليها في وقتها الجائز ثم يصلي الفائتة.
فإن كان يخشى فوات الوقت كله، فحينئذ يقدم ولا شك الحاضرة؛ لأنه متى لم يصلها اجتمع عليه فائتتان، فتكون الحاضرة فائتة أيضا، لأنه يصلي الفائتة في وقتها، فتكون الحاضرة فائتة، فيجتمع عليه فائتتان.
ويسقط الترتيب أيضاً إذا تذكر الفائتة بعد الحاضرة، بمعنى: رجل لما صلى العصر وانتهى منها تذكر أنه لم يصل العصر 2 فيسقط عند جمهور العلماء الترتيب، فيصلي الفائتة بعد صلاته الحاضرة، وهذا يدل عليه الحديث المتقدم: (فليصلها إذا ذكرها) ، وهو لم يتذكرها إلا بعد الحاضرة، فقد تذكرها حيث لا يمكن الترتيب فيسقط.
أما المسألة التي فيها البحث والنظر هي: ما إذا تذكر أثناء الصلاة الحاضرة، بمعنى: رجل كبر للعصر واشتغل بها سواء كان إماماً أو مأموماً أو انفرد، فتذكر أنه لم يصل الظهر، فما الحكم؟

قالوا: يتم صلاته مع الإمام لقوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ 1 ثم يصلي الفائتة ثم يعيد الحاضرة.
هذا مذهب جمهور أهل العلم.
واستدلوا بما رواه أحمد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - في يوم الخندق صلى المغرب فقال لأصحابه: (هل أحد منكم يذكر أنا صلينا العصر قالوا: ما صليتها، فصلى النبي - صلى الله عليه وسلم - العصر ثم المغرب) 2 ، والحديث ضعيف، فيه ابن لهيعة، ولا يحتج بحديثه.
واستدلوا بما رواه أبو يعلى الموصلي عن ابن عمر مرفوعاً: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من نسي صلاة فلم يذكرها إلا وهو مع الإمام فليصل مع الإمام ثم ليصل الصلاة التي نسي ثم ليعد الصلاة التي صلاها مع الإمام) 3 . والحديث ليس بصحيح مرفوعاً.
وإنما هو ثابت عن ابن عمر موقوفاً كما في الموطأ، لذا صحح وقفه الدارقطني والبيهقي وأبو زرعة والنسائي.
فالصحيح أنه من قول ابن عمر كما صح في الموطأ.
وعن الإمام أحمد: أنه يقطع صلاته.
وهذا لو قلنا بوجوب الترتيب، وأنه يجب عليه أن يعيد الصلاة لكان هذا أوجه، وذلك لأنه عمل ليس بمقبول وليس بصحيح، فإبطاله لا حرج فيه.
أو أن ينقله إلى نفل مطلق، فيقلب نيته من فرض إلى نفل مطلق، وهذا أظهر ليبقى أصل الصلاة.
وذهب الشافعي: إلى أنه لا يعيد، وهذا بناء على أن الترتيب ليس بواجب، وهو مذهب ابن عباس كما حكاه عنه شيخ الإسلام، ورجّح هذا القول مع أنه من القائلين بوجوب الترتيب.

وترجيحه مبني على تصحيحه صلاته الأولى؛ لأنها صلاة قد أمر بها وأمر بإتمامها، والعبد لا يؤمر بالصلاة مرتين، وقد أداها، فقد أدى الصلاة أولاً، وأمر بإتمامها، فليس من الشرع أن يؤمر بالصلاة مرة أخرى.
إذاً: الراجح أنه إذا تذكر في أثناء الصلاة، صلاة فائتة فإنه يتم الحاضرة ثم يصلي بعد ذلك المنسية سواء قلنا بوجوب الترتيب أم لم نقل بوجوبه.
أما إذا لم نقل بوجوبه فهذا واضح؛ لأن الترتيب ليس بواجب وغاية الأمر أن يكون قد ترك الاستحباب.
وأما إن قلنا بوجوب الترتيب، فكما قال شيخ الإسلام: قد أمرناه بالصلاة وأمرناه بإتمامها، فهي صلاة شرعية قد أمر بها فكيف يؤمر بها مرة أخرى.
مسألة: إذا كثرت عليه الفوائت، فما الحكم؟ الجواب: يجب أن يقضيها كلها كما تقدم، ويجب كذلك أن يكون هذا على الفور، كما تقدم.
لكن بشرط وهو ألا يكون عليه مشقة في بدنه أو ماله، فإن كانت عليه مشقة وضرر في بدنه أو ماله فلا يجب عليه أن يشتغل بها على هذه الصورة من الفورية، بل يصلي بحيث لا يحلقه الضرر ببدنه وماله.
ببدنه: بتعب أو إعياء أو مرض ونحوه.
وبماله: بضياع شيء من ماله أو بقطع رزقه بالعمل ونحو ذلك، فإنه لا يؤمر بها متواصلة فورية، بل يؤمر بها على الوجه الذي لا يلحقه الضرر، فيصلي بقدر ما لا يلحقه الضرر ثم يقوم بمصالح نفسه ثم يعود إلى إتمام ما فاته، وهكذا.
هل يشرع له أن يقضي نوافل هذه الصلوات أم لا؟ كرجل فاتته خمس صلوات، فهل يشرع أن يقضي نوافلها؟ الظاهر: كما هو المشهور في المذهب التفصيل في هذا: فإن كانت الصلوات كثيرة فإنه لا يقال باستحباب قضاء النوافل، وإن كانت قليلة يسيرة فيشرع له ذلك.
أما الدليل على عدم استحباب قضاء النوافل: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قضى الفوائت يوم الخندق وكانت أربعاً لم يصل نوافلها.

وأما إذا كانت يسيرة فإنه يصلي نوافلها، فدليله: حديث أبي هريرة المتقدم وفيه: " فدعا بالماء فتوضأ ثم سجد سجدتين ثم أقيمت الصلاة فصلى الغداة " 1 . والسجدتان هما سنة الفجر.
وهذا ما اختاره شيخ الإسلام ولم أر قولاً يخالف هذا القول.
مسألة: إذا نسي صلاة من يوم لا بعينها؟ كأن يقول: أذكر أنه في يوم الجمعة تركت صلاة ناسياً ولا أذكر هذه الصلاة أي صلوات اليوم، فما الحكم؟ قالوا: يصلي الخمس صلوات كلها؛ لأن التعيين فرض، والصلاة يجب أن يعينها أظهرا أم عصراً، ولا يتم ذلك إلا بإعادتها كلها، فلا يتم التعيين إلا بذلك، حيث إن الاحتمال يبقى ولا يكون التعيين إلا بإعادتها كلها.
وهذا ما اتفق عليه أهل العلم، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
مسألة: إذا ما ترك الترتيب بين الفوائت جاهلاً؟ المذهب: أن الترتيب لا يسقطه الجهل.
والقول الثاني: أن الترتيب يسقطه الجهل، كما هو مذهب شيخ الإسلام، فإن الفرائض لا تجب إلا بعد العلم بها؛ لقوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً﴾ 2 . وهذا القول هو الراجح، وأن الجهل يسقط الواجبات، فلا تجب عليه إلا الصلاة الحاضرة كما تقدم، وأما الفوائت وما فعله سابقاً فلا تجب عليه.
فالفرائض لا تجب إلا بعد العلم، وهو مذهب أبي حنيفة، واختيار شيخ الإسلام، أن الواجبات [لا تجب] 3 إلا بعد العلم بها.
ومثل هذه المسألة: من ترك صلوات جاهلاً بها، لكونه حديث عهد بإسلام، فكذلك: المذهب: أنه يجب عليه القضاء.
والصحيح أنه لا قضاء عليه؛ لأن الواجبات لا تجب إلا بعد العلم بها.
مسألة: إذا خشي فوات الجماعة بصلاة الفائتة؟ رجل نام عن صلاة العصر حتى أذن المغرب، فقال: أخشى إن اشتغلت بالفائتة أن تفوتني الجماعة، فما الحكم؟ قولان في المذهب:

الأول: إن الترتيب يسقط؛ لأنه قد اجتمع عليه واجبان، الواجب الأول هو الترتيب، والواجب الثاني هو صلاة الجماعة، فيسقط حينئذ الترتيب.
لكن هذا القول فيه تحكم ظاهر، فإن ترجيح إسقاط أحد الواجبين يحتاج إلى دليل، كيف والدليل يدل على إسقاط واجب الجماعة؛ لأن الترتيب شرط في صحة الصلاة – هذا على المذهب – أما الجماعة فليست شرطاً في صحتها بل تصح الصلاة من المنفرد عن الجماعة وإن لم يكن معذوراً في ذلك، فالصلاة صحيحة إلا إن أجره ينقص ويأثم، بخلاف الترتيب، فحيث قلنا بفرضيته فإن تركه يبطل الصلاة، فهو أرجح من الجماعة، ففوات الجماعة مرجح على فواته؛ لأنه آكد منها.
أما على القول الراجح وأن الترتيب ليس بواجب، فهذا ظاهر وواضح، فحينئذ يصلي الحاضرة ويؤديها جماعة، فهو مأمور بتأديتها جماعة ثم يقضي الفائتة.
والحمد لله رب العالمين.
الدرس الحادي والستون (يوم السبت: 29 / 2 / 1415 هـ)

قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ومنها ستر العورة) ستر العورة: الستر بفتح السين هو التغطية، وبكسرها هو ما يستر به، سِتر وسَتر.
وسترها شرط بالإجماع، قال ابن عبد البر: " وأجمعوا على فساد صلاة من ترك ثوبه وهو قادر على الاستتار به وصلى عرياناً " وقد قال تعالى: ﴿يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ 1 أي عند كل صلاة.
قال: (فيجب بما لا يصف بشرتها)

أي لا تصف بشرتها من سواد أو بياض أو حمرة أو نحو ذلك فهذا هو الواجب في سترها وهو أن يسترها بثوب من خرق أو جلد أو نحوه بما لا يصف بشرتها.
فإذا وصف البشرة فبان بياض أو نحو ذلك فهو غير ساتر لعورته فالثوب الذي يصف البشرة لا يستر العورة باتفاق أهل العلم لأن العورة ليست بمستورة.
وأما حجمها فاتفق أهل العلم على أن ظهور الحجم إذ سترت البشرة أنه ليس بمعتبر في سترها، وذلك لمشقة التحرز من ذلك.
فظهور حجمها لا يعد مخالفاً للستر الواجب الشرعي.
قال: (وعورة رجل وأمة وأم ولد ومعتق بعضها من السرة إلى الركبة) . فعورة الرجل من السرة إلى الركبة.
اتفق أهل العلم على أن السوأتين القبل والدبر أنهما من العورة في الرجل.
واتفقوا على أن السرة ليست من العورة.
واختلفوا في الفخذين والركبتين.
فأما الفخذان: فجمهور أهل العلم على أنهما عورة واستدلوا: -بحديث جَرْهَد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (غط فخذك فإن الفخذ عورة) 1 رواه أحمد وأبو داود والترمذي، ونحوه من حديث ابن عباس رواه أحمد والترمذي.
ونحوه من حديث محمد بن جحش رواه الترمذي.
وبحديث علي بن أبي طالب في سنن أبي داود – وهذه الأحاديث كلها فيها أن الفخذين عورة.
وذهب الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه وهو مذهب ابن جرير الطبري والنووي وابن المنذر ومذهب الظاهرية واختاره طائفة من أصحاب أحمد كالمجد وصاحب الفروع: وهو أن الفخذين ليسا بعورة.

واستدلوا: بما ثبت في صحيح مسلم عن عائشة قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم مضطجعاً كاشفاً عن فخذيه أو ساقيه " - وفي المسند والطحاوي الجزم بأنهما الفخذان – " فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على تلك الحال ثم استأذن عمر فأذن له وهو على تلك الحال فتحدثا، ثم استأذن عثمان فجعل يسوي ثيابه، قالت عائشة: فسألته فقال: (ألا استحي ممن تستحي منه الملائكة) 1 . ففي هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كشف فخذيه عند أبي بكر وعمر ولو كانتا عورة لما فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم.
أما الشك، فقد ورد في رواية أحمد والطحاوي الجزم بأنهما الفخذان فتبين أن هذا شك من الراوي.
واستدلوا بما ثبت في الصحيحين عن أنس بن مالك – في غزوة خيبر – وهو حديث طويل وفيه: (وإن ركبتي لتمس فخذ النبي صلى الله عليه وسلم ثم حسر الإزار عن فخذه – وفي رواية (ثم انحسر الإزار عن فخذه حتى إني أنظر إلى بياض فخذي النبي صلى الله عليه وسلم) 2 متفق عليه.
والاستدلال به من وجهين: الوجه الأول: كون ركبة أنس تمس فخذ النبي صلى الله عليه وسلم والعورة لا يجوز مسها.
الوجه الثاني: انحسار الثوب عن فخذ النبي صلى الله عليه وسلم ونظر أنس بن مالك، والنبي - صلى الله عليه وسلم - مصون عن أن تنكشف له عورة.

ومن الأدلة على الوجه الأول: ما في البخاري عن زيد بن ثابت قال: (أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم – أي القرآن – وفخذه على فخذي فثقلت علي حتى خشيت أن ترض فخذي) 1 والشاهد منه ما تقدم: من مس فخذ النبي صلى الله عليه وسلم لفخذ زيد والعكس وهذا لا يكون في العورة.
وأجاب أهل القول الثاني على أهل القول الأول: بأن الأحاديث الواردة في هذا الباب كلها ضعيفة.
فحديث جرهد: حديث مضطرب وقد ضعفه البخاري وغيره.
وحديث ابن عباس فيه أبو يحيى القتات وهو ضعيف.
وحديث محمد بن جحش فيه أبو كثير وهو مجهول.
وحديث علي إسناده ضعيف جداً.
وهذه الأحاديث إنما تحسن لشواهدها لو لم يكن لها هذا المعارض وهي الأحاديث التي فيها ما اتفق عليه الشيخان ومنها رواه البخاري أو مسلم.
والقول الثاني هو الراجح؛ لأن الأحاديث كلها ضعيفة، وهذه الأحاديث صحيحة صريحة في أن الفخذ ليس بعورة.
وحيث قلنا إن الفخذ ليس بعورة، فكما قال شيخ الإسلام: " موضع هذا خارج الصلاة، أما في الصلاة، فيجب سترها، لقوله صلى الله عليه وسلم – في الثوب الواحد – (إن كان واسعاً فالتحف به وإن كان ضيقاً فاتزر به) 2 . ثم إن الفقهاء يقع منهم في هذا الباب شيء من الخلط الكثير – كما قال شيخ الإسلام – في مسألة العورة في الصلاة وفيها خارج الصلاة وليس بينهما اجتماع.

فالعورة في الصلاة عورة ثابتة في الخلوة وغير الخلوة وعند حضور من يجوز أن ينظر إلى العورة ونحوه، فيجب ستر العورة لعمومات الأحاديث.
وأما خارج الصلاة فهي عورة حيث وجد من لا يحل أن ينظر إليها ممن ليس بزوج أو نحوه، أما نظر الزوج إلى الزوجة فهو جائز وهذا في خارج الصلاة.
ثم إن عورة المرأة على الصحيح – كما سيأتي – كلها إلا الوجه والكفين والقدمين، ولا يستثنى شيء من ذلك في العورة خارج الصلاة.
فإذن: من يربط المسألتين فقد أخطاء، فهذه مسألة وهذه مسألة.
إذن: المقصود أن العورة إنما هي السوأتان فقط أما الفخذان فليس بعورة.
وأما في الصلاة فيجب أن يستتر بثوب بحيث تغطى الفخذان والسوأتان – كما قرر هذا شيخ الإسلام -. أما الركبة: فجمهور أهل العلم على أنها ليست بعورة.
وهي عورة عند أبي حنيفة، لحديث وارد في الدارقطني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الركبة من العورة) 1 لكن الحديث إسناده ضعيف جداً.
فالراجح مذهب الجمهور.
وعلى القول بأن الفخذين ليسا بعورة – كما هو الراجح – فأولى منهما الركبتان.
قوله: (وأمة أم ولد ومعتق بعضها من السرة إلى الركبة) فعورتها كعورة الرجل، لحديث أحمد والدارقطني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا زوج أحدكم أمته عبده أو أجيره فلا ينظر إلى ما بين السرة والركبة فإنه عورة) 2 .

والحديث – في الحقيقة – ليس بصريح في أن هذا عورة، وأن غيره ليس بعورة وإنما فيه أنه عورة بالنسبة إلى السيد إذا زوج أمته فلا يجوز أن ينظر إلى ما بينهما، وأما الركبة فما دون فإنه ليس بعورة بالنسبة إلى السيد المالك، فليس فيه أن الركبة فما دون والصدر ونحو ذلك أنه ليس بعورة مطلقاً على السيد وغيره.

  • لذا ذهب الإمام أحمد في رواية عنه: إلى أن عورتها كالحرة وهذا في الصلاة – فالبحث هنا إنما هو في عورتها في الصلاة –. وهذا القول هو الراجح؛ لعمومات النصوص الشرعية، كقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار) 1 رواه الخمسة إلا النسائي وهو عام في الحرة والأمة، وكلاهما تصح فيها أن تكون حائض، فتوصف بأنها حائض وإخراج الأمة لا دليل عليه.
    والدليل المتقدم إنما فيه ذكر العورة بالنسبة إلى السيد.
    إذن الراجح: أن الأمة وأم الولد والمعتق بعضها والمكاتبة أن عورتها إنما هي كعورة الحرة تماماً لعمومات النصوص الشرعية.
    وأما عورتها خارج الصلاة: فالأظهر ما ذهب إليه الإمام أحمد في رواية عنه وهو مذهب مالك والشافعي: إلى أن عورتها ما لا يظهر غالباً.
    فما لا يظهر غالباً منها فهو العورة – فالوجه واليدان والشعر هذا يظهر غالباً فليس من العورة، وأما ما لا يظهر غالباً فهو عورتها.
    وألحق أهل العلم بالرجل من بلغ عشر سنين، فمن بلغ عشر سنين فعورته كعورة الرجل، وأما ما دون ذلك فالفرجان – هذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد – وتقدم أن الصحيح أن العورة إنما هي الفرجان.
فصول الكتاب · 11 فصل · 298 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للحمد · 298 صفحة
المقدمة
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب المناسك
كتاب الجهاد
كتاب الوصايا
كتاب الوصايا
كتاب الفرائض
كتاب الطلاق
كتاب الحدود
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل