"
الحد لغة: المنع
وشرعاً: عقوبة مقدرة شرعاً في معصية، كحد الزنا لغير المحصن، مائة جلدة.
فهذه العقوبة وهي مائة جلدة، عقوبة مقدرة من الشارع فليست راجعة إلى اجتهاد الحاكم.
ويجب على الحاكم إقامة حد الله تعالى، ولا يحل له أن يتركه لشريف ولا لشفاعة إذا بلغ الحاكم.
فإذا بلغ الحاكم الحد فيجب عليه أن يقيمه والشفاعة حينئذ محرمة.
ففي الصحيحين: أن أسامة بن زيد شفع في مخزومية سرقت أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقطع يدها، فشفع أسامة بن زيد فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - مستنكراً: (أتشفع في حدٍ من حدود الله) .
وفي الخمسة بإسناد صحيح في قصة سرقة رداء صفوان، وفيه أن صفوان شفع لسارق ردائه عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له: هلا كان ذلك قبل أن تأتيني) .
وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فهو مضاد لله تعالى في أمره) .
وفي أبي داود بإسناد حسن أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب) .
فالشفاعة محرمة إذا بلغت المعصية الحاكم، وأما قبل أن تصل إلى الحاكم فلا بأس بالشفاعة، ولذا قال - صلى الله عليه وسلم -: (هلا كان ذلك قبل أن تأتيني) .
قال: [لا يجب الحد إلا على بالغ عاقل] .
فالحد لا يجب إلا على عاقل بالغ أي مكلف، وهذا بإتفاق العلماء لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (رفع القلم عن ثلاثة، وذكر منهم والصبي حتى يبلغ والمجنون حتى يفيق) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - كما في الصحيحين قال لماعز بن مالك: (أبك جنون) .
فالمجنون والصبي لا يقام عليهما الحد.
والمجنون لا يعزر، ولكن الصبي يُعزر بما يراه الحاكم بما يكون فيه ردعاً له عن التعدي.
قال: [ملتزم] .
فلا بد أن يكون من يقام عليه الحد ملتزماً، أي ملتزم بالشريعة الإسلامية وهو المسلم والذمي.
وأما المستأمن والحربي فإن الحد لا يقام عليهم لأنهم لا يلتزمون بأحكام المسلمين.
قال: [عالم بالتحريم] .
لقوله تعالى: ((ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا)) .
وقال في الحديث - صلى الله عليه وسلم - عن الله تعالى (قد فعلتُ) رواه مسلم فلابد أن يكون عالماً بالتحريم.
أما إن كان جاهلاً بالتحريم فلا يقام عليه الحد، وذلك حيث أمكن قبول دعواه كما لو كان ناشئاً في جهة من الجهات لا تنشر فيها أحكام الإسلام، كما يقع في بعض الأزمان في البوادي.
وإن كان في زمننا هذا، في هذه البلاد غير مقبول، لكن في بعض البلاد الأخرى يقبل هذا في بعض البوادي أو النواحي البعيدة عن سماع القرآن والأحاديث.
أو كان حديث عهد بإسلام.
أما الذي يعيش في بلاد المسلمين، فإنه لا يقبل منه ادعاء الجهل لأن الجهل بهذا الحكم غير مقبول لأن ذلك من المعلوم من الدين بالضرورة.
وكذلك إذا جهل الحال، فهو يعلم أن هذا محرم في الشريعة، لكنه يجهل أن هذه العين محرمة عليه.
كأن يعلم أن الزنا محرم لكنه يجهل أن هذه المرأة محرمة عليه كما تقدم في غير ما مسألة في كتاب النكاح.
أو كذلك في السرقة: أخذ من مال يظن أنه ماله، والمال في جرز وقد توفرت فيه الشروط التي تقطع اليد بتوفرها فإن اليد لا تقطع لأنه يجهل أن هذه العين محرمة.
إذن: لابد من العلم بالتحريم، ولابد من العلم بأن هذه العين محرمة عليه فإن علم التحريم لكنه جهل العقوبة، فإن ذلك ليس بعذر له ولا يقبل منه.
وذلك: لأنه قد انتهك حرمة من حرمات الله، والحكم معلق بذلك.
قال: [فيقيمه الإمام أو نائبه] .
لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (واغدُ يا أنيسُ إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها) متفق عليه.
فلا يقيمها إلا الإمام أو نائبه وذلك، لأن إقامة غير الإمام أو نائبه فيها مفاسد، فإنه يترتب عليها سفكاً للدماء باسم إقامة الحد، وقطعاً للأطراف باسم ذلك ولاشك أن في ذلك مفاسد كبيرة.
كما إن إثبات الحد يحتاج إلى اجتهاد، وأيضاً في تطبيقه يخشى الحيف.
والمراد بالإمام هنا، الإمام الأعظم.
" أو من ينيبه عندنا هنا الأمراء في البلاد، وكذلك وزارة الداخلية، فإنها تعتبر هي القائمة بهذا الباب".
وقال شيخ الإسلام بهذا القول لكنه ذكر أنه إذا كانت قرينة كتطلب الإمام لأحدٍ ليقتله فإنه يجوز قتله.
فمثلاً: إذا ثبت عند القاضي أن هذا حده القتل ورفعت القضية للإمام وصدق على ذلك، لكن هذا الرجل فرّ من حكم الله، فهنا القرينة طاهرة، في إرادة الإمام تطبيق حد الله تعالى عليه فحينئذ يجوز لمن رآه أن يقتله، وفي هذا القول قوة والله أعلم.
مسألة:
ويجوز للسيد أن يقيم الحد على عبده.
لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (إذا زنت أمة أحدكم فثبت زناها فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إن زنت فليجلدها ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثالثة فثبت زناها فليبعها ولو بحبل من شعر) متفق عليه.
في صحيح مسلم عن علي بن أبي طالب: أنه قال في خطبته: " يا أيها الناس أقيموا على أرقائكم الحدود، فإن أمة للنبي - صلى الله عليه وسلم - زنت فأمرني أن أجلدها فإذا هي حديثة عهد بنفاس فخشيت إن جلدتها أن أقتلها فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - أحسنت".
رواه أبو داود في سننه مرفوعاً، والصواب وقفه.
وبه استدل جمهور العلماء على أن السيد يقيم الحد على عبده لكنه عندهم غير القطع، فلو سرق فإنه لا يقطع يده وإنما يكون هذا بما دون القطع، كالجلد ونحوه.
وذهب الشافعية وهو وجه في مذهب أحمد إلى أنه يقيمه عليه وإن كان قطعاً.
وهو ظاهر أثر علي بن أبي طالب المتقدم، وهو صريح فعل ابن عمر كما في مصنف عبد الرزاق أن عبداً سرق فقطع يده.
فالصحيح أن السيد يقيم على عبده سائر الحدود ولو كان في ذلك قطع الطرف.
وهل له أن يقيم الحد بمجرد علمه أم لابد وأن يثبت البينة؟
فإذا رأى السيد عبده وهو يزني أو يسرق فهل له أن يقيم عليه الحد أم ليس له ذلك حتى تقوم عنده البينة أو يقر هذا العبد.
قولان لأهل العلم، هما قولان في مذهب أحمد:-
القول الأول: وهو مذهب مالك، أنه لا يقيم عليه الحد بعلمه كالحاكم، بل لابّد من البينة أو الإقرار.
القول الثاني: وأنه يقيمه بمجرد علمه، وهذا هو الأظهر وأما القياس على الحاكم، فهو قياس مع الفارق.
والفارق بين الحاكم والسيد أن الحاكم إنما منع من إقامة الحد بعلمه فراراً من تهمة الحاكم.
وأما السيد فهو حريص على حفظ ماله والعبد مال له، فهو حريص عليه وعلى حفظه وألا يتطرق إليه ما ينقص ماليته، وهذا فرق ظاهر بينهما.
قال: [في غير مسجد] .
لما روى الترمذي والحاكم والحديث حسن أن النبي - صلى الله عليه وسلم -????نهى أن تقام الحدود في المساجد) .
قال: [ويضرب الرجل في الحد قائماً] .
وذلك ليعم الضرب بدنه، ولئلا يخص ذلك موضعاً منه فيضّر به.
وفي ذلك أثر عن علي بن أبي طالب في ضرب الرجل قائماً والمرأة جالسة رواه البيهقي بإسناد ضعيف.
قال: [بسوط لا جديد ولا خلق] .
فيضرب بسوط لا جديد ولا خلق.
ليس بالجديد فيجرحه، ولا بالخلق فلا يؤثر به ولا يؤلمه فيكون وسطاً.
قال: [ولا يمد ولا يربط ولا يجرد بل يكون عليه قميص أو قميصان] .
ولا يمد: أي لا يمد على الأرض.
ولا يربط: أي لا يقيد.
ولا يجرد من ثيابه وفي ذلك أثر عن ابن مسعود رواه البيهقي بإسناد ضعيف أنه قال: " ليس في ديننا مد ولا قيد ولا تجريد" لكن الأثر ضعيف، والمعنى صحيح ويدل عليه ما في الأحاديث من إقامة الحد من النبي - صلى الله عليه وسلم -?فإنه لم يجرد ولم يمد ولم يقيد، لكن القيد إن دعت الحاجة إليه فإنه يُفعل ولا بأس بذلك.
ويكون عليه قميص أو قميصان مما جرت العادة بلبسه مما يجعله يشعر بألم الضرب، وأما إذا كانت عليه ثياب كثيرة بحيث لا يبالي بالضرب فلا.
قال: [ولا يبالغ بضربه بحيث يشق الجلد] .
حتى قالوا: لا يرفع الضارب يده حتى يظهر بياض إبطه، لأن هذا ضرب شديد يؤلم ألماً شديداً فربما شق الجلد أو آذاه آذىً شديداً.
وليس المقصود هو الإتلاف وإنما المقصود هو التأديب والزجر.
قال: [ويفرق الضرب على بدنه] .
لئلا يضرّ به.
مسألة:
فإن كان من يُراد إقامة الحد عليه مريضاً، فله حالان:
الحالة الأولى: ألا يرجى زوال مرضه، فإنه يقام عليه الحد إقامة لا تضر به.
كأن يضرب بالنعال أو يضرب بطرف الثوب، أو بشماريخ العثكال أو نحو ذلك.
ويدل على ذلك: ما رواه أحمد وأبو داود والنسائي وغيرهما: أن رويجلاً: أي ضعيف الزحولة "خبُثَ بأمة فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم -?بإقامة الحد عليه" فقيل هو ضعيف فقال خذوا عثكالاً فيه مائة شمراخ فاضربوه ضربة واحدة.
والعثكال: هو مجمع الشماريخ في النخل.
وقد قال تعالى: ((فاتقوا الله ما استطعتم)) ومن ذلك إقامة الحد ومن الحديث: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) .
الحالة الثانية: أن يرجى زوال مرضه.
فالمشهور في المذهب: أنه كذلك فلا يؤخر عليه الحد بل يضرب وهو مريض على حالة لا يثبت معها الضر.
وقال الجمهور وهو احتمال في المذهب: أنه يتراخى حتى تزول مدة العلة وحتى يزول هذا العارض.
وهذا هو القول الراجح في هذه المسألة، ويدل عليه ما تقدم في أُر علي بن أبي طالب: فإنه لما أمره النبي - صلى الله عليه وسلم -?أن يقيم الحد على الأمة وجدها حديثة عهد بنفاس فأخر إقامة الحد عنها فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -????أحسنت) .
وفي صحيح مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم -?قال للزانية: (اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه) ، وهذا يدل على تأخير إقامة الحد للعارض.
وبه يحصل مقصود الحد من الزجر والردع، أما ما استدل به الحنابلة من الحديث المتقدم فإن الرجل لا يرجى زوال مرضه بخلاف ما هو واقع في هذه المسألة.
مسألة:
إن كان الرجل في أرض العدو في الغزو، فهل يقام عليه الحد في أرض العدو أم لا؟
قولان لأهل العلم:-
أصحهما وهو المشهور في المذهب، وهو من مفردات مذهب الإمام أحمد ألا يقام عليه الحد.
وعليه دلت السنة وآثار الصحابة، فالسنة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم -?قال: ((لا تقطع الأيدي في الغزو (وفي لفظ) ?في السفر)) المراد في سفر الغزو وذلك لئلا يترتب على إقامة الحد ما هو أعظم ضرراً كأن يلحق بالعدو فراراً يعني تأخذه العزة بالإثم.
وأيضاً ليكون أنكى في قتال العدو فإن إقامة الحد يضعفه.
وأما آثار الصحابة فهو قول عمر وأبي الدرداء وحذيفة ولا يعلم لهم مخالف.
فإذا رجع أقيم عليه الحد، للأدلة في ذلك، (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) وهذا سارق وإنما أخر للمعنى المتقدم.
واختار ابن القيم أنه إن ظهرت منه التوبة النصوح أو ظهرت منه حسنات كنكاية عظيمة في العدو فإنه يعفى ويدل على ذلك: ما كان من سعد بن أبي وقاص مع أبي محجن وهي قصة صحيحة رواها عبد الرزاق في مصنفه وابن أبي سعد وسعيد بن منصور، وغيرهم، وقد صحح إسنادها الحافظ ابن حجر والقصة أنه شرب الخمر وكان له بعد ذلك نكاية بالعدو فحلف سعد بن أبي وقاص ألا يجلده البتة لما كان له من النكاية بالعدو.
فهذا أثر صاحب لا يعلم له في هذه المسألة مخالف أي مع هذه القيود المتقدمة.
قال: [ويتقي الرأس والوجه والفرج والمقاتل] .
وهذا ظاهر لأن المقصود هو التأديب وليس هو الإتلاف.
قال: [والمرأة كالرجل فيه إلا أنها تضرب جالسة] .
فتضرب جالسة لان ذلك أستر لها، وتقدم أثر علي وأن إسناده ضعيف لكن المعنى يدل على ذلك.
قال: [وتشد عليها ثيابها] .
فهذا أستر لها.
قال: [وأشد الجلد جلد الزنا ثم القذف ثم الشرب ثم التعزير] .
فأشد الجلد جلد الزنا، فهو أشد من جلد القاذف وجلد القاذف أشد من جلد الشارب وجلد الشارب أشد من الجلد في التعزير.
قالوا لقوله تعالى في الزنا: ((ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله)) فلما ذكر ذلك بخصوص الزنا دل على أن الجلد فيه أشد.
والقذف ثمانون جلدة وهو أشد من شرب الخمر " وهو مشكل على المذهب لكن على الراجح هو أن الحد أربعون وما زاد فهو تعزير واختاره شيخ الإسلام، لا إشكال في ذلك.
قال: [ولو مات في حد فالحق قتله] .
فإذا جلد الحاكم زانياً غير محصن فإن جلده فمات بذلك مائة لا شيء عليه.
وذلك لأن فعله مأذون فيه بالشرع وما كان مأذوناً فهو غير مضمون.
لكن لو تعدى ولو زيادة جلدة واحدة أو ضربه ضرباً يحصل فيه أذى شديد فتجب ديته.
قال: [ولا يحفر للمرجوم في الزنا] .
سواء كان ذكراً أو أنثى.
قالوا: لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -?لم يحفر لماعز ولا لليهوديين اللذين زنيا.
وقال بعض الحنابلة بل يحفر للمرأة سواء كان زناها ثابتاً ببينة أو بإقرار.
واستدلوا بما ثبت في مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم -????أمر بها فحفر لها إلى?صدرها) .
وذلك أستر لها.
والذي يترجح هو هذا القول، لكنا لا نقول بوجوبه لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -?حدّ ولم يفعله كما في قصة اليهوديين.
مسألة:
???وهي هل يقام الحد من قتل أو قطع على من فعل ذلك في الحل ثم لجأ إلى حرم الله (أي الحرم المكي) ؟
أما من فعل المعصية في الحرم كأن?يسرق أو يقتل فإنه يقام عليه الحد بلا خلاف.
لكن الخلاف فيمن سرق أو قتل ثم لجأ إلى الحرم المكي؟
فهل يقام عليه الحد أم لا؟
قولان لأهل العلم:
القول الأول: وهو المشهور في مذهب أحمد وهذا اختيار ابن القيم أنه لا يقام عليه الحد في الحرم لكن: يضيق عليه فلا يؤاكل ولا يشارب ولا يؤوى ولا يبايع ولا يشارى بمعنى: إن استأجر لم يؤجر وإن طلب ماءً لا يسقى ولا يجالس ويناشد الله عز وجل أن يخرج من الحرم إلى الحل ليقام عليه حد الله تعالى.
القول الثاني: وهو مذهب المالكية والشافعية أنه يقام عليه الحد.
واستدلوا: بعمومات النصوص التي تدل على إقامة الحد، كقوله تعالى: ((والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما)) .
وقوله: ((الزانية والزاني فاجلدوا كل واحدٍ منهما مائة جلدة)) .
وغير ذلك من الآيات العامة فإنها عامة في الحل والحرم.
وأما أهل القول الأول:
فاستدلوا بقوله تعالى: ((ومن دخله كان آمناً)) .
وبما ثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم -?قال: (فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسفك فيه دماً) .
والصحيح ما ذهب إليه أهل القول الأول: ويدل عليه أثران عن الصحابة ولا نعلم لهم مخالف فيكون في ذلك تخصيص للعموم كما يقوي تخصيص العموم ما تقدم من قوله تعالى: ((?ومن دخله كان آمنا)) وقوله - صلى الله عليه وسلم -????فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسفك فيه دماً) .
والأثران:
الأول: عند ابن جرير وهو أثر حسن عن ابن عمر قال: " لو رأيت قاتل عمر في الحرم ما ندهته" أي ما زجرته.
والثاني: رواه ابن جرير عن ابن عباس أنه قال: " من قتل أو سرق في الحل ثم دخل الحرم فلا يجالس ولا يكلم ولا يؤوى ويناشد أن يخرج فإذا خرج أقيم عليه الحد".
وهذان الأثران لا يعلم لهما عن الصحابة مخالف.
بل قال ابن القيم: إن هذا القول هو قول جمهور التابعين وإنه لا يحفظ عن صحابي ولا عن تابعي خلاف هذا القول.
فإن قيل: قد قتل النبي - صلى الله عليه وسلم -?كما في الصحيحين قتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة؟
الجواب: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم -?قال ?كما في صحيح مسلم وغيره ?وإنما أُحلت لي ساعة من نهار"، فمكة قد أحلت للنبي - صلى الله عليه وسلم -?ساعة من نهار ومن ذلك أنه قتل فيها ابن خطل.
فإن قيل: فما الفرق بين من فعل ذلك في الحرم ومن فعله في الحل ثم لجأ إلى الحرم؟
??والجواب: أن الفرق بينهما ظاهر ويمكن أن يكون من وجهين.
الوجه الأول: أن يقال: إن من فعل ذلك في الحل ثم لجأ إلى الحرم هارباً مستعيذاً فهو معظم للحرم.
وأما من فعل ذلك في الحرم فهو مستهين به.
الوجه الثاني: أن في عدم إقامة الحد في?أهل الحرم فوضى وفساداً كبيراً ولا شك أن مثل هذا الفساد العظيم يجب درؤه.
" باب حد الزنا"
الزنا: فيه لغتان: المد "الزنا"، والقصر "الزنا"، وهو فعل الفاحشة في قبل أو دبر.
ويدخل في ذلك اللواط وإتيان البهيمة، ويأتي الكلام على هذا وما فيه من النظر من إدخاله?في حكم الزنا.
قال: [إذا زنى المحصن رجم حتى يموت] .
????فإذا زنى المحصن -ويأتي تعريفه - رجم حتى يموت لما ثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم -?قال: (واغدُ يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها) .
وفي صحيح مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم -?قال: (خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم) .
وثبت في الصحيحين: أن عمر بن الخطاب خطب فقال: ((إن الله قد بعث محمداً - صلى الله عليه وسلم -?بالحق وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم، فقرأناها ووعيناها وعقلناها فرجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -?ورجمنا بعده، وأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، وأن الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الجبل أو الاعتراف) ، والحبل هو الحمل فهذا الأثر المتفق عليه الذي نطق به عمر على منبر النبي - صلى الله عليه وسلم -?بالمدينة لا يعلم أن أحداً أنكر عليه ذلك.
وفيه أن الرجم دلت عليه آية من كتاب الله لكنها نسخ لفظها وأما حكمها فهو باق.
وحكم الرجم ثابت بإجماع العلماء، ولا يعلم أن أحداً من العلماء خالف في ذلك، إلا أهل البدع كالخوارج.
والمستحب في الرجم أن يصفوا صفاً، كصف الصلاة أي لا يحيطون بالمرجوم بل يكونون كصف الصلاة لئلا يصيب بعضهم بعضاً.
??فإذا كان الزنا ثابتاً بالاعتراف أو الحبل فأول من يرجم الإمام أو نائبه ثم الناس.
وأما إذا ثبت بالشهود فأول من يرجم هم الشهود أنفسهم ثم الناس، صح بذلك الأثر عن علي بن أبي طالب كما في مصنف ابن أبي شيبه.
ولم يذكر المؤلف هنا الجلد مع الرجم وهذا هو مذهب الجمهور وأن الزاني المحصن يرجم ولا يجلد.
والقول الثاني في المسألة: وهو مذهب أهل الظاهر ورواية عن أحمد.
أنه يجمع له بين الجلد والرجم.
أما أهل القول الأول:
فاستدلوا:?بأن النبي - صلى الله عليه وسلم -?رجم اليهوديين كما في الصحيحين ورجم ماعزاً، كما الصحيحين أيضاً، ورجم الجهنية كما مسلم، وقال - صلى الله عليه وسلم -????واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فرجمها) ، فهذه الأحاديث كلها ليس فيها الجلد.
وقد صح عن عمر بن الخطاب، كما في مصنف ابن أبي شيبه أنه رجم رجلاً ولم يجلده.
?وأما أهل القول الثاني:
فاستدلوا: بحديث عبادة المتقدم وفيه: "الثيب بالثيب جلد مائة والرجم".
وصحّ هذا من فعل علي بن أبي طالب كما في مسند أحمد، أنه جلد شراحة الهمدانية يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة وقال: "جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -??
والصحيح هو القول الأول: لأن ذلك هو آخر الأمر من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -?
لأن حديث عبادة "خذوا عني خذوا عني) الحديث، ظاهر في أنه أول حديث للنبي - صلى الله عليه وسلم -?بعد الحكم السابق، فقد قال تعالى: ((واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم.. إلى قوله: أو?يجعل الله لهن سبيلاً)) ، فهذا هو أول حديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -?بعد فسخ الحكم الأول، ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم -?لم يجلد.
وهذا يدل عليه النظر أيضاً، فإن القتل يأتي على ما دونه من ذلك ثم إن ترك عقوبة خطأ أولى من فعلها خطأً، فكوننا نترك عقابه على وجه الخطأ فنكون معذورين في ذلك، أولى من أن نقيم عليه هذه العقوبة ونكون مخطئين في ذلك.
قال: [والمحصن: من وطئ امرأته المسلمة أو الذمية في نكاح صحيح وهما بالغان عاقلان حران] .
هذا هو المحصن.
"من وطئ" أي في قُبُل، وأما إذا كان في دبر أو مباشرةً فلا يقام عليه الرجم.
لقوله - صلى الله عليه وسلم -????الثيب بالثيب) ولا يثوبه إلا بعد وطئ في فرج وهذا باتفاق العلماء.
?امرأته" لا سريّته، فإذا وطئ أمته فهذا ليس بمصحن وهذا باتفاق العلماء.
والفارق ظاهر بين الزوجة والسريّة من حيث الإحصان.
"المسلمة أو الذمية": سواء كانت امرأته مسلمة أو ذمية وقد أقام النبي - صلى الله عليه وسلم -?حد الرجم على اليهوديين.
??وفي نكاح صحيح": تقدم تعريف النكاح الصحيح.
فإذا كان نكاحاً باطلاً، "كنكاح المعتدة" أو فاسداً كنكاح بلا ولي لمن يعتقد فساده فإنه لا يثبت به الإحصان وهما بالغان عاقلان حران فهذه شروط الإحصان.
الشرط الأول: أن يطأها في قُبُلها.
الشرط الثاني: أن تكون امرأة له.
الشرط الثالث: أن يكون النكاح صحيحاً.
الشرط الرابع: أن يكونا بالغين.
الشرط الخامس: أن يكونا عاقلين.
الشرط السادس: أن يكونا حرين.
الشرط السابع: ذكره بقوله: ??فإن اختلّ شرط منها في أحدهما فلا إحصان لواحد منهما] .
فهذا هو الشرط السابع وهو أن يكون الزوجان كذلك، فإذا كانت امرأته صبية أو غير عاقلة، أو أمةً فلا يقام عليه الحد وإن كان هو حراً، هذا هو مذهب جمهور العلماء.
وقال الشافعي في أحد قوليه: بل النظر إليه هو، فإن كان هو حراً بالغاً عاقلاً فإن الحد يقام عليه.
والأولى أصح وذلك لأن الإجماع قائم على أن من?كانت تحته سرّية فإن الحد لا يقام عليه وذلك لعدم كمال الوطء فكذلك إذا كانت صبية أو مجنونة، فكذلك لعدم كمال الوطء.
قال: [وإن زنى الحر غير المحصن جلد مائة جلدة وغرب عاماً ولو امرأة] .
فإذا زنى الحر غير المحصن فإنه يجلد مائة جلدة، لقوله تعالى: ((الزانية والزاني فاجلدوا كل واحدٍ منهما مائة جلدة)) .
وفي مسلم من حديث عبادة وفيه: (والبكر بالبكر خلد مائة ونفي سنة) .
وقال في الصحيحين في قصة العسيف: "على ابنك جلد مائة وتغريب عام" وفيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -?قال: " لأقضين بينكما بكتاب الله" ومع ذلك فإنه لم يقض بالجلد في الثيب?بل قضى بالرجم وهذا راجع إلى المسألة السابقة وهي هل يجمع مع الرجم الجلد"
إذن يجلد مائة ويغرب عاماً.
وفي الترمذي عن ابن عمر، أن النبي - صلى الله عليه وسلم -????جلد وغرّب وأن أبا بكر جلد وغرّب وأن عمر جلد وغرّب) والحديث صحيح كما في الترمذي.
فيغرب عاماً أي سنة هجرية، لأن الحساب في الإسلام يكون بالسنة الهلالية لقوله تعالى: ((يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس)) .
ويغرب عاماً عن بلده مسافة قصر، وذلك لأن ما دون مسافة القصر في حكم الحضر.
والغريب إن زنى يغرب إلى بلد أخرى سوى بلده التي أتى منها لمعنى العقوبة.
"ولو امرأة": فالمرأة تغرب لعموم الحديث فإن النبي - صلى الله عليه وسلم -?قال: (البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة) وهذا عام في الذكر والأنثى.
لكن المرأة في المشهور في المذهب، يجب أن يكون معها محرم لها قالوا: وعليها أجرته، فإن تعذرت عليها الأجرة فمن بيت المال.
وذكر الموفق احتمالاً أنه ليس عليها الأجرة كما أنه ليس عليها أجرة الجالد وغير ذلك، لأن هذه إقامة حد والواجب عليها أن تستسلم لحكم الله تعالى في إقامة الحد عليها وليس عليها أجرة ذلك، وهذا أظهر وأنه لا يجب عليها أن تدفع أجرة لمحرمها.
فإن تعذر المحرم، إما لأنه لا محرم لها أو لأن المحرم اعتذر عن ذلك.
فإنها تغرب في المذهب ولو وحدها، وهذا ضعيف.
ولذا: فإن القول الثاني في المسألة: وهو اختيار الموفق وابن القيم أنها لا تغرب إلا بمحرم وذلك لما يترتب على ذلك من الفتنة وتعرضها للفساد فكونها تغرب هذا يسهل عليها العودة إلى الفاحشة.
فإن قيل بالحبس حينئذ مع الأمن ففيه قوة والله أعلم (وينظر) .
قال: [والرقيق خمسين جلدة] .
????لقوله تعالى: ((فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب)) .
وهذا في الإماء ويقاس عليهن العبيد.
ولا رم على الرقيق، وذلك لأن الرجم لا يتنصّف فلا يقام حد الرجم على غير الحر بل يقام عليهم الجلد فيجلد خمسين جلدة سواء كان عبداً أو أمةً.
قال: [ولا يغربّ] .
???لما في ذلك من الإضرار بالسيد، فلا تغريب في العبد ولا الإماء، لما في ذلك من الضرر بالسيد فإن في ذلك تفويتاً لمصلحة السيد فيه.
قال رحمه الله: [وحد لوطي كزان] .
??اللوطي: هو من أتى?رجلاً في دبره أو امرأةً أجنبيةً عنه في دبرها.
فحد اللوطي كحد الزاني، فإن كان محصناً رجم حتى يموت، وإن كان غير محصن فإنه يجلد مائة جلدة.
هذا هو المشهور في مذهب أحمد.
واستدلوا: بما روى البيهقي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -?قال: (إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان، وإذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان) .
لكن الحديث ضعيف فهو من حديث بشر بن المفضّل البجلي وهو مجهول.
والقول الثاني في المسألة وهو مذهب المالكية والشافعية وروايته عن الإمام أحمد.
أن من فعل مثل فعل قوم لوط فإنه يقتل مطلقاً لا ينظر هل محصن أم ليس بمحصن.
واستدلوا بالسنة والإجماع.
أما السنة: فما روى الخمسة أن النبي - صلى الله عليه وسلم -?قال من حديث ابن عباس: (من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به ومن وقع على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة) .
والحديث في شقه الأول حديث صحيح، وله شواهد وأما الإجماع: فقالوا: هو إجماع الصحابة رضي الله?عنهم، فقد أجمع الصحابة على ذلك لكنهم اختلفوا في كيفية القتل فمنهم من قال: يحرق، ومنهم من قال: يرجم ومنهم من قال: يقتل بالسيف.
وقد حكى الإجماع شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره ورواه الآجري في تحريم اللواط، وغيره.
وهذا هو القول الراجح في المسألة، واختاره شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم.
فالصحيح أنه يقتل مطلقاً وهل يحرف أم يرجم أم يقتل بالسيف؟
أقوى هذه الأقوال الثلاثة، فيما يظهر لي أنه يرجم.
وقد صح ذلك عن ابن عباس، أنه قال في البكر يوجد على اللوطية قال: يرجم.
وتشهد له قوله سبحانه: ((وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل)) سورة الحجر.
على أنه يقوى أن يقال: إن ذلك راجع إلى اجتهاد الإمام فيفعل ما يرى أنه أردع سواء قتلاً بالسيف أو رجماً أو إحراقاً وإن كان أقواها، فيما يظهر هو قول ابن عباس ويشهد له القرآن.
مسألة:
???من أتى بهيمة فما حكمه؟
جمهور العلماء على أنه يعزر ولا يقتل.
وقال القاضي من الحنابلة: أن حده كحد اللوطي والصحيح هو الأول.
وأما الحديث المتقدم في شقه الثاني فهو حديث منكر كما قال ذلك الإمام أحمد وقال ذلك أبو داود والترمذي والطحاوي وغيرهم.
وقد قال البخاري في حديث عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة وهذا منه، قال: "له مناكير عنه" وسبب الإنكار أنه ثبت عند أبي داود بإسناد جيد أنه سئل عن ذلك فقال "لا حد عليه".
قال: [ولا يجب الحد إلا بثلاثة شروط] .
أحدها: تغييب حشفته الأصلية كلها.
فهي ما يبرز بعد الختان من الحشفة.
الأصلية: فليست من خنثى مشكل.
??في قبل أو دبر أصليين من آدمي حي حراماً محضاً] .
???لا شبهة فيه.
وكذلك أن يكون ذلك في حية لا في ميته، في المشهور في المذهب.
قالوا: لأن الميتة لا تشتهي وتتغير منها الطباع فلا يحتاج إلى الزجر عنها بحد الزنا.
فمن أتى ميتته في فرجها فإنه لا يجلد ولا يرجم بل فيه التعزير.
والقول الثاني في المسألة: وهو قول في المذهب وهو مذهب الأوزاعي أنه يرجم إن كان محصناً، وإن لم يكن محصناً فإنه يجلد وذلك لأنه فرج آدمية.
?وكونه لا يشتهي أو تنفر الطباع منه هذا ليس مؤثر بدليل أن اللوطي يقتل وإن كان ذلك مما تنفر عنه الطباع السليمة فهو شذوذ ولا شك، ومع ذلك فإنه أقبح?من الزنا وعقوبته أشد.
?فما ذهب إليه الحنابلة في أحد القولين وهو قول الأوزاعي أقوى والله أعلم.
قال: [الثاني: انتفاء الشبهة، فلا يحد بوطء أمة له فيها شرك] .
???فلو أن رجلاً يشترك وآخر في أمةً فليس لأحدهما أن يطأها لكن إن وطئها فلا يقام عليه الحد لوجود الشبهة.
قال: [أو لولده] .
???فإذا وطئ أمةً لولده فإنه لا يقام عليه الحد لوجود شبهة الملك لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -???أنت ومالك لأبيك) .
ولم يقل "لوالده" لأنه لا شبهة حينئذ، ولم يقل، لزوجته لأنه لا شبهة حينئذ.
والذي يدل على انتفاء الحد بالشبهة إجماع أهل العلم، فقد أجمع أهل العلم على أن الحدود تدرأ بالشبهات كما حكى ذلك ابن المنذر وأما ما روى الترمذي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -?قال: (إدرؤا الجلد والقتل من المسلمين بالشبهات) فالحديث ضعيف جداً فيه يزيد بن زيادة الدمشقي وهو متروك الحديث.
وعن علي في البيهقي بإسناد ضعيف: " ادرؤا الحدود بالشبهات" لكن صح ذلك عن ابن مسعود أنه قال: " ادرؤا الجلد والقتل من المسلمين ما استطعتم " رواه البيهقي بإسناد صحيح وقد أجمع أهل العلم على هذا.
لكن الاحتمالات البعيدة جداً غير معتبرة، بل المعتبر أن يكون هناك احتمال قوي يقوي أن يكون شبهة فيمنع الحد الثابت.
قال: [أو وطئ امرأة ظنها زوجته] .
???فقد ينادي الأعمى امرأته فتأتيه أخرى فيطؤها وتكون الأخرى متعمدة، وحينئذ يقام عليها الحد وأما هو فلا يقام عليه الحد لأنه ظنها زوجته فهو لا يظنها أجنبية وحينئذ لا يكون فاعلاً أمراً حراماً
قال: [أو سريته] .
إذا وطئ امرأة يظنها سريته، وليست كذلك فلا يقام عليه الحد.
قال: [أو في نكاح باطل اعتقد صحته] .
??كأن يطئ معتدةً فهذا نكاح باطل باتفاق العلماء لكنه اعتقد صحته أي جاهلاً، وأمكن الجهل، فإنه لا يقام عليه الحد لوجود الشبهة.
أما إذا كان لا يعتقد صحته فإنه يقام عليه الحد لعدم الشبهة.
قال: [أو نكاح ... مختلف فيه] .
???النكاح المختلف فيه: كالنكاح بلا ولي.
فإذا نكح امرأة بلا ولي فهل يقام عليه الحد؟ فالمشهور في المذهب أنه لا يقام عليه الحد وإن اعتقد بطلانه وذلك لوجود الشبهة، لذلك أطلق هنا وقيد في المسألة السابقة (أو نكاح باطل اعتقد صحته)
وعن الإمام أحمد: أنه يقام عليه الحد وهو الصحيح، وذلك لأنه لا شبهة له في ذلك.
وهذا نكاح باطل في الحقيقة، وكونه يكون مختلفاً منه هذا ليس بمؤثر في حقيقة الأمر، فحقيقته أنه نكاح باطل وإنما سمي فاسداً لاختلاف أهل العلم فيه.
إذن: من نكح نكاحاً فاسداً، وهو يعلم فساده، فالصحيح أنه يحد وهو رواية عن الإمام أحمد.
قال: [أو ملك مختلف فيه] .
???بيع الفضولي مختلف فيه، فإذا اشترى له أمةً على بيع الفضولي فنكحها فإنه لا يقام عليه الحد ولو كان ذلك قيل الإجازة وذلك لأن بيع الفضولي مختلف فيه، فلا يقام عليه الحد للشبهة.
وهذه كالمسألة السابقة.
فإن كان يعتقد بطلان هذا البيع وإنه لا يصح فالصحيح أنه يقام عليه الحد لأنه لا شبهة له.
قال: [أو أكرهت المرأة على الزنا] .
???فإذا أكرهت المرأة على الزنا فلا يقام عليها الحد باتفاق العلماء لقوله - صلى الله عليه وسلم -????إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ?والنسيان وما استكرهوا عليه) .
?وقال هنا: " المرأة" وليخرج من ذلك الرجل، فإن الرجل لو أكره على الزنا فإنه يقام عليه الحد في المذهب.
قالوا: لأنه لا يمكن أن ينتشر ذكره وهو مكره، بل لا يمكن أن ينتشر إلا أنه مختار.
لكن هذا ضعيف، لأنه قد يكون مكرهاً، ومع ذلك ينتشر ذكره إما لقوة شهوة، أو غير ذلك ولا دخل لهذا بهذا.
لذا فالصحيح، وهو مذهب الشافعية، أن الرجل إذا أكره على الزنا فلا يقام علي الحد وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن السعدي.
مسألة:
إذا زنى بذات محرم، كأن يزني بأمه أو بأخته أو غيرهما من محارمه فما الحكم؟
الجمهور: على أنه يرجم إن كان محصناً، ويجلد إن لم يكن محصناً أي كغيره.
واستدلوا: بالعمومات.
والقول الثاني في المسألة: وهو رواية عن الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم أنه يقتل مطلقاً.
واستدلوا:
بما ثبت في سنن الترمذي والنسائي عن البراء بن عازب قال: "لقيني عمي ومعه راية فسألته فقال: بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم -?إلى رجلٍ نكح امرأة أبيه فأمرني أن أضرب عنقه وآخذ ماله".
وله شاهد من حديث معاوية بن قرة في سنن ابن ماجه والحديثان صحيحان.
وعلى ذلك فالراجح هو القول الثاني.
ولا شك أن الفارق ظاهر بين الزنا بغير ذات المحرم وبذات المحرم، فإن ذات المحرم تعافها النفوس ولا يشتهيها الطباع فهي أشبه ما تكون بوطء الدبر الذي تقدم أن الراجح قتل فاعله.
ثم إن الواجب عليه صانة ذات محرمه وحفظها وهذا قد قام بخلاف ذلك.
قال رحمه الله: [الثالث: ثبوت الزنا] .
??هذا هو الشرط الثالث?من شروط إقامة حد الزنا.
قال: [ولا يثبت إلا بأحد أمرين:- أحدهما: أن يقر به أربع مرات في مجلس أو مجالس]
أي يقر بالزنا فيقول: "زنيت" فيقول ذلك أربع مرات سواء كان ذلك في مجلس واحد للقاضي، أو بقول هذا في مجالس بمعنى يقولها مرة في اليوم الأول ومرة في اليوم الثاني ثم في اليوم الثالث ثم في اليوم الرابع.
فلابد لإقامة الحد عليه من أن يقر على نفسه أربع مرات.
هذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد.
واستدلوا بما ثبت في الصحيحين في قصة ماعز، من حديث أبي هريرة وفيه، فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه النبي - صلى الله عليه وسلم -?فقال: "أبك جنون؟ " قال: لا، قال: فهل أحصنت؟، قال: نعم، قال: اذهبوا به فارجموه" فقد توقف في الحد حتى تمت هذه الشهادات الأربع.
وقال المالكية والشافعية: بل بمجرد إقراره ولو مرةً واحدة يقام عليه الحد.
واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين من قول النبي - صلى الله عليه وسلم -????واغدُ يا أنسُ إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها) .
قالوا: فأطلق النبي - صلى الله عليه وسلم -?
الراجح هو القول الأول.
والجواب عما استدل به أهل القول الثاني: أن يقال: هذا الحديث مطلق، والحديث الأول مقيد.
قال: [ويصرح بذكر حقيقة الوطء] .
??فيصرح بذكر حقيقة الجماع، بأن يصرح أنه قد وطئ المرأة وأدخل ذكره في فرجها صراحة.
ولذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -?لماعز في صحيح البخاري: (لعلك قبّلت وغمزت، ونظرت) فقال لا حتى ذكر له النبي - صلى الله عليه وسلم -?الجماع لا يكنى)
قال: [ولا ينزع عن إقراره حتى يتم عليه الحد] .
??فإذا قال: رجعت قبل أن يقام عليه الحد فإنه يقبل رجوعه أوقال ذلك أثناء إقامة الحد فإنه يقبل رجوعه ما لم يتم عليه الحد، أي ما لم يرجم فيموت.
دليل ذلك.
ما ثبت في سنن أبي داود وغيره في قصة ماعز وأنه جزع لما وجد مسّ الحجارة فهرب فقتلوه فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -????هلا تركتموه لعله أن يتوب فيتوب الله عليه) .
وهذا إنما هو في الإقرار أي عندما يقر على نفسه وأما?إذا ثبت الزنا عليه بالبينة فإنه لا يقبل رجوعه.
قال: [الثاني: أن يشهد عليه في مجلس واحدٍ بزنا واحد يصفونه أربعة ممن تقبل شهادتهم فيه، سواء أتوا الحاكم جملةً أو متفرقين] .
?هذا هو الطريق الثاني لثبوت الزنا.
أن يشهد عليه في مجلس واحد بزنا واحد يصفونه أربعة:?بمعنى أنهم يخبروا أنهم رأوا الذكر في الفرج كالمرود في المكحلة وكالرشا في البئر أي صريح الجماع.
??ممن تقبل شهادتهم فيه) : وهم الرجال الأحرار البالغون ما لم يكن بينهم مانع، فمن ذلك العمي والزوجية.
أما العمى فظاهر أنه مانع لأن ذلك يحتاج إلى البصر.
وأما الزوجية فلأن الزوج إذا شهد على امرأته بذلك وكان من جملة الشهود فهذا إقرار منه بعداوته لها قالوا: فلا تقبل شهادته.
?ويدل على ذلك: ما ثبت في صحيح مسلم: أن سعد بن عبادة قال: "يا رسول الله إن وجدت على امرأتي رجلاً أمهله حتى آتي بأربعة شهداء".
فلم يقل: " أأمهله حتى آتي بثلاثة شهداء" فهو ليس بشاهد ولا يصح أن يكون شاهداً.
إذن: الزوج لا تقبل شهادته على امرأته بذلك.
وكذلك: إذا كان في شهادتهم ما يدل على كذبهم فإن شهادتهم لا تقبل.
وكان في شهادتهم ما يدل على أنه ليس بزنا واحد بل زنا متعددة.
كأن يشهد اثنان على أنه زنا بهذه المرأة في مكانه ويشهد الآخران أنه زنا بها بمكان آخر.
أو يشهد اثنان أنه في الصباح قد زنا بها، ويشهد الآخران أنه زنا بها في المساء فهنا الزنا مختلف.
(في مجلس واحد) : فلابد أن يكون المجلس واحداً أي مجلس الحاكم بمعنى: أتى الشهداء فقالوا: إن فلاناً قد وطئ فلانة ويصفوا ذلك في مجلس القاضي وهم أربعة وتوفرت فيهم الشروط حينئذ تقبل شهادتهم.
أما لو كانوا في أكثر من مجلس كأن يأتي اثنان في مجلس في الضحى ويأتي اثنان في مجلسه في المساء.
أو يأتي ثلاثة في مجلسه اليوم ويأتي واحد في مجلسه من الغد فلا تقبل شهادتهم ويحدون حد القذف.
ودليل ذلك: "ما ثبت في البيهقي: أن عمر حدّ أبا بكرة ونافعاً وشبل من معبد لما شهدوا على المغيرة بالزنا".
ولم يتربص بهم حتى يأتوا بشاهد رابع، هذا من الأثر.
وأما من النظر فهو أن أهل العلم قد أجمعوا على أن الثلاثة إذا شهدوا فحدوا حد القذف ثم أتى شاهد رابع بعد ذلك فلا تقبل شهادته.
فكذلك إذا شهد ثلاثة ثم شهد آخر في مجلس آخر وإن لم يُحد هؤلاء فالحكم واحد.
وقال الشافعية: بل لا يشترط أن يكون في مجلس واحد واستدلوا: بقوله تعالى: ((فإذا لم يأتوا بأربعة شهداء)) .
قالوا: وهذا مطلق سواء كان في مجلس أو مجلسين أو أكثر والجواب عن الاستدلال بهذه الآية: أن يقال وهذه الآية مطلقة وقيدها فعل عمر رضي الله عنه.
والصحابي قوله يقيّد إطلاق النصوص كما هو مرجّح في علم الأصول.
ثم يقال: ما هو مدى الانتظار؟
هل ننتظر إبداً فحينئذ يفوت علينا إقامة حد القذف وإذا كان له أمد، فما هو الأمد؟، وأصح ما يكون الأمد هو المجلس نفسه.
ولا شك أن الشارع قد اعتبر المجلس كما اعتبره في خيار البيع.
فالصحيح أن لابّد أن تكون شهادتهم في مجلس واحد.
والمراد بالمجلس الواحد أي مجلس القاضي، سواء كان إتيانهم جملة أو متفرقين.
فمثلاً: القاضي يجلس من الساعة الثامنة إلى الساعة الثانية عشر فأتى بعضهم في أول النهار وبعضهم في آخر المجلس أي قبل الساعة الثانية عشرة، فالمجلس واحد ولذا قال: ??سواء أتوا الحاكم جملة أو متفرقين) ?
قال: [وإذا حملت امرأة لا زوج لها ولا سيد لم تحد بمجرد ذلك] .
??إذا حملت امرأة ولا زوج لها ولا سيد يطؤها فإنها لا تحد بمجرد ذلك.
قالوا: لإحتمال للشبهة فيحتمل أنها مكرهه أو أنها وطئت وهي نائمة أو نحو ذلك، والحدود تدرأ بالشبهات.
والقول الثاني في المسألة: وهو رواية عن الإمام أحمد واختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم: أن الحد يقام.
واستدلوا: بما تقدم من قول عمر، الذي قاله في محضر من الصحابة ومنه: "أو كان الحبل أو الاعتراف" والَحبَل هو الحمل.
فهذا قول صاحب قاله بمحضر من الصحابة ولا يعلم له مخالف.
ثم إن هذه الإمارة وهي ظهور الحمل فيها أظهر من كونه يأتي بأربعة شهداء فيشهدون عليها بالزنا.
وهذا القول هو الراجح.
فأما قولهم: إن ذلك شبهة.
فإنه لا ينظر إلى الاحتمالات البعيدة وإلا لم يقم حد والأصل هنا عدم ذلك.
لكن: لو ادعت أنها قد أكرهت وكانت القرينة ظاهرة في ذلك، كأن تكون مصابة بحراجات ونحو ذلك بما يدل على أنها قد اغتصبت ثم يكون فيها حمل وتدعي أنها قد اغتصبت بدليل هذه الجراحات فحينئذ يقبل قولها أو أقامت بينه على ذلك.
مسألة:
???إذا شهد أربعة على امرأة بالزنا وتوفرت الشروط فيهم لكن شهدت القابلات من النساء الثقات أن المرأة بكر، فما الحكم؟
الجواب: أن المرأة لا تحد، لأن بكارتها التي تثبت بهذه البينة تمنع من الزنا.
ولا يقام?حد القذف على الشهود لأن الشروط متوفرة فيهم ولا يجزم بكذبهم.
" باب حد القذف "
القذف: هو الرمي بما يوجب الحد من زنا أو لواط أما لو رماه بما لا يوجب الحد كأن يرميه بقبلة امرأة أو مباشرتها أو نحو ذلك فليس قذفاً ولا يوجب حد القذف بل يوجب التعزير.
قال: [إذا قذف المكلف] .
تقدم اشتراط التكليف في مسائل الحدود فلو قذف الصبي أو المجنون فلا يحد كذلك لابد أن يكون مختاراً، أما لو كان مكرهاً على القذف فلا يحد أيضاً.
قال: [محصناً] .
?فإذا قذف المكلف، ولو كان ذلك بإشارة تدل على القذف كما يقع من أخرس أو نحوه.
(محصناً) :- ولو كان هذا المحصن مجبوباً أو كانت المرأة رتقاء فالحكم واحد.
فإن قيل: كيف يقع ذلك وهي رتقاء أو وهو مجبوب؟
فالجواب:
نعم، الزنا غير صحيح، لكن ما يدري الناس أن المرأة رتقاء أو أن الرجل محبوب، وحينئذ يلحقه العار بذلك.
قال: [جلد ثمانين جلدة، إن كان حراً] .
لقول تعالى: ((والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة)) .
قال: [وإن كان عبداً أربعين] .
????ودليلة ما روى ابن أبي شيبه وعبد الرزاق في مصنعيهما عن عبد الله ابن عامر بن ربيعة قال: " لقد أدركت أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم ومن بعدهم وكانوا لا يجلدون المملوك للقذف إلا أربعين".
قال: [والمعتق بعضه بحسابه] .
???فإذا بعضه حر وبعضه عبد، فإنه يجلد بحسابه، فإذا كان مثلاً نصفة حراً نصفة عبداً، فإنه يجلد ستين جلدة.
قال: [وقذف غير المحصن يوجب التعزير] .
????فقد كان يقذف ذمياً أو مستأمناً بالزنا، أو أن يقذف مجنوناً أو غير ذلك، فإنه يجب التعزير لأنها منقصة.
قال: [وهو حق للمقذوف] .
????هذا هو مذهب الجمهور قالوا: هو حق للمقذوف، ولذا يسقط بعقوه، ولا يستوف بدون طلبه.
لذا قال بعد ذلك في آخر الباب: " ويسقط حد القذف بالعفو ولا يستوفي بدون الطلب".
فهذا مرتب على أنه حق للآدمي وهو المقذوف.
- واستدلوا: بالقياس على الجناية على النفس، قالوا: هو أي القذف - جناية على العرض فأشبه الجناية على النفس.
- والجناية على النفس حق للآدمي يسقط بالعفو ولا يستوفى بدون الطلب وهنا كذلك فالقذف جناية على الآدمي في عرضه.
وقال الأحناف وهو رواية عن الإمام أحمد هو حق لله تعالى وهذا هو القول الراجح وهو ظاهر القرآن والسنة. - ودليل ذلك: أن الله تعالى قال: ((والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة)) .
ولم يشترط الله تعالى رضا المقذوف ولا?طلبه.
????وأما السنة فما روى أحمد والأربعة والحديث حسن عن عائشة قالت: ((لما نزل عذري صعد النبي - صلى الله عليه وسلم -?على المنبر فذكر ذلك وتلا القرآن، فلما نزل أمر رجلين وامرأة فضربوا الحد)) . وليس فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -?أوقف الحد على طلب عائشة ولا على رضاها.
وأما من النظر، فهو أن يقال ويصح أن يكون رداً على دليل أهل القول الأول، وهو أن يقال: إن الحد ثمانين جلدة وهو غير مماثل للجاني، فإن الجناية اعتداء باللسان على العرض وأما الحد فإنه جلد أي اعتداء على البدن بالضرب فلم يكن هناك مماثلة ففارق هذا عقوبة القاتل، فإن القاتل يقتل حيث قتل، والقاطع يقطع حيث قطع، والجارح يجرح حيث جرح، وأما هنا فإنه قد اعتدى على العرض وضرب ثمانين جلدة، فلم يكن هناك مماثلة بين الحد، وهي الجلد هنا، وبين الجناية بخلاف الجناية على النفس.
وهذا يصح أن يكون رداً على القياس المتقدم، فيقال هذا قياس مع الفارق.
لأن الجناية على النفس عقوبتها أن يقتل النفس، وإن كان قطعاً أن يقطع الطرف، وإن كان جرحاً أن يجرح البدن.
وأما هنا فلا مماثلة، فإنه اعتدى بلسانه على عرض أخيه فضرب ثمانين جلدة.
فالصحيح ما ذهب إليه أهل القول الثاني:
وعليه: فلا يحتاج إلى طلب من المقذوف ولا يكون العفو إلا قبل?أن يرفع ذلك إلى الحاكم، فللمقذوف ألا يرفع ذلك إلى الحاكم، وأما إذا وصل الأمر إلى الحاكم فإنه يقام عليه الحد ولا ينظر إلى عفو المقذوف.
قال: [والمحصن هنا: الحر] .
????وعليه فلو قذف عبداً فلا يقام عليه الحد، لكن يعزر كما تقدم في قول المؤلف: (وقذف غير المحصن يوجب التعزير) .
وقد قال تعالى: ((والذين يرمون المحصنات)) والمحصنات هن الحرائر المسلمات.
ولا شك أن العبد ليس كالحر، وقد فرق الله بينهما بالشرع كما في غير ما آية من كتاب الله الكريم، فليس هذا كهذا.
وإنما يستوون في أحكام الآخرة في الثواب والجزاء، وفي التكاليف الشرعية.
وهذا أي اشتراط الحرية في الإحصان كذلك ما سيذكره المؤلف من شروط المحصن هو مذهب عامة أهل العلم.
[المسلم] .
????فلو قذف ذمياً فلا يقام عليه الحد، لكن يعزر.
قال: [العاقل] .
????فلو قذف مجنوناً فلا يقام عليه الحد لكن يعزر.
قال: [العفيف] .
????أي في الظاهر، الذي ليس مشهوراً بالفجور "أي بالزنا" وإن كان قد يقع منه الزنا في الباطن لكنه لا يعرف بالزنا، أما إذا كان الفجور ظاهراً فيه فلا.
قال [الملتزم] .
هذه العبارة مشكله وليست في الأصل: وهو المقنع
وإنما ذكرها المؤلف تبعاً لبعض الحنابلة.
وهي مشكلة لأن الملتزم يدخل فيها المسلم والذمي أما المسلم فالإشكال، أنه قد ذكر قبل ذلك من قوله (المسلم) وأما الذمي فإن ذكرها ينافي قوله (المسلم) لأن ظاهر قوله مسلم أن غير المسلم ليس كذلك.
ولذا فهذه العبارة ليست بصحيحة.
قال: [الذي يجامع مثله] .
????وفي المذهب أن الذي يجامع مثله ابن عشر أي من الذكور والتي يجامع مثلها بنت تسع أي من الإناث.
?وتقدم أن الراجح أن الذي يجامع مثله ليس له سن محددة وعليه فلو قذف من لا يجامع مثله من حيث السن فإنه لا يُحد.
ولا يلحقه عارٌ بذلك لأن الكذب معلوم فلم يحتج إلى حدٍ يعلم به الكذب.
قال: [ولا يشترط بلوغه] .
??لأن الصبي إذا قذف بالزنا، وهو يجامع مثله لكنه صبي، أو قذفت البنت بالزنا وهي ممن يجامع مثلها وهي صبية لم تبلغ فإنهما يحلقهما العار إذا كبرا فيحتاج إلى الحد ليعلم كذب القاذف.
وهذا هو مذهب الحنابلة ومذهب مالك.
وقال الشافعية وهو رواية عن الإمام أحمد: يشترط أن يكون بالغاً.
قالوا: لأن البلوغ هو أحد شرطي التكليف، فكما أنا نشترط أن يكون عاقلاً فكذلك نشترط أن يكون بالغاً.
والصحيح هو الأول.
والفرق ظاهر بين غير العاقل وبين العاقل غير البالغ، ويمكن أن يكون ذلك من وجهين.
الوجه الأول: أن غير البالغ يؤول أمره إلى التكليف، وأما غير العاقل فإن أمره لا يؤول إلى التكليف، فلا يلحقه العار في المستقبل.
??بخلاف غير البالغ فإن العار يلحقه في المستقبل.
الوجه الثاني: المجنون عذره عند الناس أكبر لأنه لا عقل له.
وأما غير البالغ كالمراهق مثلاً فإن العذر فيه ضعيف.
قال: [وصريح القذف: يا زاني يا لوطي ونحوه] .
??هذا صريح القذف، فمتى ما قال: يا زاني أو يا لوطي ونحوه فإنه يقام عليه الحد، ولو قال أنا لا أقصد الزنا الصريح بل أردت زنا العينين، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -????العين تزني وزناها النظر) فلا يقبل منه ذلك لأن هذا صريح في القذف.
قال: [وكنانية:.. ونحوه وإن فسره بغير القذف قبل] .
??كناية القذف إن فسرت بغير القذف قبل مع اليمين، فلو أن رجلاً قال لامرأة: " يا خبيثة " فلما قيل له، إنك قذفتها بالزنا، قال: إنما أريد أنها خبيثة الأعمال، فيقال "احلف على ذلك" فإن حلف على أن ذلك مراده فإنه لا يحد.
أو قال لامرأة: "نكّست رأس زوجك" ثم أدعى أنه أراد أنها لا تعتني بثيابه فيخرج وسخ الثياب فيقبل منه ذلك لكن يحلف على ذلك.
وظاهر كلام المؤلف أنه وإن كانت قرائن الأحوال تدل على أنه يريد بذلك الزنا أو اللواط.
لكن هذا الظاهر فيه ضعف.
والصحيح هو ما اختاره ابن القيم وابن عقيل من الحنابلة وهو مذهب المالكية.
??إن التعريض ونحوه، إذا كانت قرائن الأحوال تدل عليه فهو كالصريح.
وذلك لأن عدم القول بذلك يفتح باب رمي المسلمين في أعراضهم ولا تقام عليهم الحدود بذلك، فيترك قول يا زاني ويقول مثلاً يا خبيثة، والناس لا يفهمون من قوله يا خبيثة في كلامه إلا الزنا وحينئذ يفر من إقامة الحد عليه.
ولا شك أن الواجب سدُّ هذه الذريعة.
ولذا أروى عبد الرزاق وغيره "أن عمر ضرب في التعريض".
فإذا كانت هناك قرائن الأحوال تدل على أنه يريد بذلك الرمي بالزنا فلا ينظر إلى قوله هذا هو القول الراجح في هذه المسألة.
?وقوله: "أو جعلت له قروناً" أي أنك جعلتيه كالثور أي جعلتيه ديوثاً.
قال: [وإن قذف أهل بلد أو جماعة لا يتصور منهم الزنا عادة عزّر] .
??فلو أن رجلاً أتى إلى جماعة كثيرة لا حصر لهم قرماهم بالزنا ولا يتصور أن يقع منهم ذلك فلا يقام عليه الحد لأن العار لا يلحقهم لأن كذبه معلوم ولكنه يعزر لأنها معصية، أما لو كانت الجماعة يتصور منهم ذلك، كأن يأتي إلى عشرة ويقول: "أنتم زناة" فيقام عليه الحد لأن الزنا يتصور في حقهم ويلحقهم العار في ذلك.
وأصح قولي العلماء، وهو مذهب الجمهور، أنه لا يقام عليه إلا حد واحد أي فعليه حد واحد بظاهر الآية ولأنه إذا أقيم عليه حد واحد فإن المقصود يحصل بذلك لأنه يعلم كذبه ويندفع بذلك عنهم ما تقدم ذكره من العار.
قال: [ويسقط حد القذف بالعفو، ولا يستوفى بدون الطلب] .
??تقدم الكلام على هذا في أول الدرس عند قوله: (وهو حق للمقذوف) .
مسألة:
????قال تعالى: ((والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادةً أبداً وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا)) الآية.
فهل الاستثناء في قوله تعالى: ((إلا الذين تابوا)) يرجع إلى الجمل المتقدمة كلها أم إلى الجملة الأخيرة؟
أما الجلد فلا يرجع إليه الاستثناء بإجماع العلماء، فإذا تاب وقد قذف فإن ذلك لا يسقط عنه الحد بإجماع العلماء.
وأما إذا تاب من ذلك فإن الفسق يزول عنه باتفاقهم فلا يكون فاسقاً.
لكن: هل تقبل شهادته أم لا؟
قولان لأهل العلم:-
فالجمهور أنها تقبل للاستثناء.
والأحناف قالوا: لا تقبل والاستثناء يرجع إلى أقرب مذكور.
وهذه ترجع إلى مسألة أصولية وهي:
هل الاستثناء يرجع إلى أقرب مذكور أم إلى ما ذُكر قبله؟
والصحيح أنه يرجع إلى ما ذكر قبله كله.
وعليه فإن الاستثناء يرجع إلى ما تقدم كله.
وعلى ذلك فيرجع إلى الجلد لكن الإجماع يدل على عدم ذلك ويرجع إلى قبول الشهادة ويرجع إلى الفسق.
أما الجلد فالإجماع على خلاف ذلك.
وأما الشهادة فالصحيح أنها تقبل فيه بعد ذلك ومما يدل على ذلك أن الشهادة تقبل من العدل وهذا قد زال عنه اسم الفسق باتفاق العلماء.
" باب حد المسكر "
????السُكر: لذةً ونشوة يغيب معها العقل فلا يدري ما يقول كما قال تعالى: ???لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون)) .
والسكر محرم بالكتاب والسنة وإجماع أهل العلم.
وهو من كبائر الذنوب.
الخمر: كما قال عمر: "ما خامر العقل" أي ما سترة وغطاه.
قال المؤلف رحمه الله: [كل شراب أسكر كثيره فقليله حرام] .
?فكل شراب من عنب أو تمر أو عسل أو حنطة أو شعير أو غير ذلك مما يصنع خمراً فيسكر كثيره فإن قليله حرام.
فإذا صنع من العنب ما لو شرب الكثير منه فإنه يسكره فالقليل غير المسكر حرام.
وإذا صنع من الشعير شراباً يسكر كثيرة فإن قليلة حرام وإن لم يكن مسكراً، وهكذا في سائر أنواع الأشربة.
لما ثبت عند الخمسة أن النبي - صلى الله عليه وسلم -?قال: (ما أسكر كثيرة فقليلة حرام) . بإسناد صحيح.
وعند أبي داود أن النبي - صلى الله عليه وسلم -?قال: (ما أسكر منه مقدار الغرف فملئ الكف منه حرام) .
وقال - صلى الله عليه وسلم -????كل مسكر خمر وكل مسكر حرام) رواه مسلم.
وفي الصحيحين أن عمر بن الخطاب قال: (نزل تحريم الخمر وهي من خمسة من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير) .
وفي مسلم عن أنس بن مالك قال: "نزل تحريم الخمر وما بالمدينة شراب إلا من تمر".
وقد أجمع أهل العلم على أن القليل من العنب محرم إذا أسكر الكثير منه، فإذا شرب ما خُمّر من العنب وكان ملئ الكف ولم يسكره فإنه يحرم بإجماع أهل العلم.
وإنما اختلفوا في غير العنب:-
فقال أهل الكوفة ليس بحرام، فلو شرب قليلاً من المصنوع من التمر فإنه لا يحرم عليه ذلك هذا ما لم يكن هذا القليل مسكراً، ولو كان لو?زاد لسكر.
قال الإمام أحمد: " ولا يصح في الرخصة في المسكر حديث".
وقال ابن المنذر: " وجاء أهل الكوفة بأحاديث معلولة ذكرناها وعللها".
فالأحاديث التي استدل بها أهل الكوفة كأبي حنيفة لا تصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم -?
وقال جماهير أهل العلم بتحريم ذلك: واستدلوا بالأحاديث المتقدمة وهي أحاديث صحاح، وقد قال الإمام أحمد: "ثبتت من عشرين وجهاً" أي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -?
??فجماهير العلماء على أن كل مسكر حرام قليله وكثيره، فلو شرب قليلاً لا يسكر فذلك محرم.
وتحريمه ظاهر بالأدلة المتقدمة، وذلك لسد الذريعة فإنه شرب القليل غير المسكر ذريعة إلى شرب الكثير المسكر.
ولأن الشرع إذا حرم الشيء حرم أبعاضه.
والصحيح مذهب جماهير العلماء من النصوص الشرعية تدل عليه وهو أن كل مسكر حارم سواء كان من عنبٍ أو غيره، وأنه حيث كان الكثير مسكراً فالقليل محرم.
لكن لوضع من الشعير شراباً لا يسكر كثيرة، ليس بحرام فالمقصود هنا حيث كان الكثير مسكراً.
والمشهور عند أهل العلم القائلين بتحريم القليل مما أسكر كثيرة أن من شرب القليل فإنه يُحد ولو كان ممن يعتقد الحل، ولا يشفع له كونه يعتقد الحل.
قالوا: والفرق بينه وبين النكاح بلا ولي وجهين.
الوجه الأول: لأن شرب القليل منه ذريعة إلى شرب الكثير منه، وهو محرم بالإجماع.
بخلاف مسألة النكاح بلا ولي فليست كذلك.
الوجه الثاني: لأن الخلاف فيه ضعيف جداً، فالأدلة متظاهرة على تحريم ذلك، فأشبه هذا من قدامه ابن مظعون فقد صحّ في البيهقي أن عمر أقام عليه الحد وكان متأولاً يعتقد حلها، ويستدل بقوله تعالى: ((ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا)) .
وقال أبو ثور، وهو من المجتهدين: لا يقام عليه الحد حتى يعتقد التحريم كما لو نكح بلا ولي.
والعمل على الأول وهو أظهر.
فعلى ذلك يقام عليه الحد وإن كان يعتقد الحل.
وهذا يفتح الباب في مسألة شرب الخمر بدعوى اعتقاد أنها حلال ويظهر هذا.
قوله: "اسكر كثيره" ليس المقصود الكثير جداً وإنما المقصود الكثير عادة في الشرب.
قال: [وهو خمر من أي شيء كان] .
???لقوله - صلى الله عليه وسلم -????كل مسكر خمر) رواه مسلم هذا عمن نص النبي - صلى الله عليه وسلم -?
قال: [ولا يباح شربه للذة] .
???لأن هذا هو الإسكار.
قال: [ولا لتداوٍ] .
لما ثبت عند ابن حبان، والحديث حسن أن النبي - صلى الله عليه وسلم -?قال: (إن الله لم يجعل شعاءكم فيما حرم عليكم) .
وله شاهد موقوف عن ابن مسعود في مصنف ابن أبي شيبه وفي صحيح مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم -?قال في الخمر: (إنها ليست بداوءٍ لكنها داء) .
وهل يقال إن التداوي ضرورة؟
الجواب: لا يقال ذلك وذلك لأن الدواء لا يقطع مع بزوال المرض فقد يشفى المريض وقد لا يشفى.
والضرورة نحو أكل الميتة يقطع بزوال العلة، فالجائع إذا أكل من الميتة زالت علته وهي الجوع قطعاً، وأما المريض إذا شرب الخمر وقيل له إنها علاج?فقد يشفى وقد لا يشفى كيف وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم -?أنها ليست بدواء وإنما هي داء، وكما قال عثمان: إنها أم الخبائث فلا يمكن أن تكون دواء.
قال: [ولا عطش ولا غيره] .
???فلا يجوز شربها للعطش قالوا: لأنها تُلهب الباطن فتزيد في حرارته، وعليه فلا يستفيد منها زوال العطش.
وهذا القول ينبني على صحة التعليل فإن صح التعليل فهو كما قالوا، وأما من اعتقد أنها تزيل العطش فأصيب بالعطش فلا بأس له أن يشرب ولأنه موضع ضرورة.
قال: [إلا لدفع لقمة غصّ بها ولم يحضره غيره] .
??لأنها ضرورة.
أما إذا حضره غير الخمر من ماءٍ ونحوه فلا يجوز له دفع اللقمة بالخمر لأنها تكون حاجة ولا يجوز أن يشربها للحاجة.
قال: [وإذا شربه المسلم مختاراً عالماً أن كثيره مسكر فعليه الحد] .
?فإذا شربه المسلم وكان عالماً أن كثيره مسكر، وإن كان يعتقد حله كما تقدم فعليه الحد.
لكن لو لم يعلم أن كثيره مسكر فلا يقام عليه الحد لجهله بالحال ولو جهل التحريم، حيث أمكن الجهل، فإنه لا يقام عليه الحد ولابد أن يكون مختاراً لا مكرهاً، فالمكره لا حد عليه.
قال: [ثمانون جلدة مع الحرية وأربعون مع الرق] .
???فحد شارب الخمر ثمانون جلدة للحر، وأربعون للرقيق.
هذا هو مذهب الجمهور، وأن حد الخمر ثمانون جلدة واستدلوا بما ثبت في الصحيحين من حديث أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم -?أتى برجل قد شرب الخمر فجلده بجريدتين نحو أربعين ثم فعله أبو بكر، فلما كان عمر استشار الصحابة فقال عبد الرحمن بن عوف: " أخف الحدود ثمانون جلدة فأمر به".
فهم قد أخذوا بفعل عمر وكان ذلك بمحضر من الصحابة.
وعن الإمام أحمد وهو أحد القولين في مذهب الشافعي: أنه يجلد أربعين جلدة.
واستدلوا: بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم -?في الحديث المتقدم، وفعل أبي بكر ونحوه في مسلم من حديث علي قال: "جلد النبي - صلى الله عليه وسلم -?أربعين وجلد أبو بكر أربعين وجلد عمر ثمانين وكل سنة وهذا أحب إلي " أي فعل عمر.
ولا يخالف قول النبي - صلى الله عليه وسلم -?بقول أحدٍ أياً كان هذا الأحد ولو كان عمر، كيف وأبو بكر قد جلد كما جلد النبي - صلى الله عليه وسلم -?وهذا هو القول الراجح في هذه المسألة وأن حد الخمر أربعون وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم والجواب عن فعل عمر:
أن عمر فعل هذا من باب التعزير، حيث أنهمك الناس في شرب الخمر فرأى عمر أن يعزرهم بذلك واستشار أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -?وهذا هو القول الراجح في هذه المسألة، وأن حد الخمر أربعون وأن للحاكم أن يزيد فيعزر بثمانين جلدة كما أن له أن يعزر بغير ذلك إن رأى المصلحة في ذلك كأن يعزر بسجنٍ ونحوه.
وعامة أهل العلم على أن عقوبة حد الخمر حديةّ وليست بتعزيرية، كما تقدم أن النبي - صلى الله عليه وسلم -?جلد أربعين إلا خلافاً ضعيفاً في هذه المسألة.
مسألة:
?????هل يقتل شارب الخمر في الرابعة أم لا؟
ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -?كما في عند الخمسة والحديث صحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم -?قال في شارب الخمر: (إذا شرب فاجلدوه ثم إذا شرب فاجلدوه ثم إذا شرب فاجلدوه ثم إذا شرب الرابعة فاضربوا عنقه) .
واختلفت مسالك أهل العلم فيه:
المسلك الأول: أنه منسوخ، وهذا هو مذهب عامة أهل العلم.
وفي أبي داود عن قبيصة بن ذؤيب رضي الله عنه "وله رؤية للنبي - صلى الله عليه وسلم -??فحديثه من مرسل صغار الصحابة الذين لم يسمعوا من النبي - صلى الله عليه وسلم -?فيه الحديث المتقدم ثم قال: ثم أتى النبي - صلى الله عليه وسلم -?برجل قد شرب الخمر فجلد، ثم أتى به فجلده ثم أتى به فجلده ثم أتى به فجلده، قال: ورقع القتل وكانت رخصة"
المسلك الثاني: أنه محكم وليس بمنسوخ، هذا هو مذهب أهل الظاهر، وعليه فيقتل شارب الخمر في الرابعة.
المسلك الثالث: أنه محكم لكن ليس بحد، وإنما هو تعزير يرجع إلى الإمام بحسب المصلحة.
وهذا هو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وهو قول الحسن البصري.
وهذا القول فيما يظهر هو أصحها.
أما كونه ليس بحد فكما ثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم -?أتى برجل قد شرب الخمر?فقال رجل لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به.
الحديث.
فهنا النبي - صلى الله عليه وسلم -?لم يقتله مع أن الصحابي قال: "ما أكثر ما يؤتى به" وهذه صيغة تدل على كثرة ما يؤتى به لأنه شرب الخمر هذا هو ظاهر هذا الحديث وكذلك حديث قبيصة بن ذؤيب المتقدم.
وأما النسخ المذكور في الحديث المتقدم فالذي يتبين أن الراوي إنما حكم بالنسخ بناءً على فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -?فإنه ذكر ذلك عمدة له فإنه قال: (ثم أتي النبي - صلى الله عليه وسلم -?برجل قد شرب الخمر ثم جلده ثم أتي به فجلده ثم أتي به فجلده ثم أتي به فجلده قال: فرفع القتل.
فالظاهر أنه قد بنى ذلك على الفعل، وكون النبي - صلى الله عليه وسلم -?لا يفعل ذلك لا يدل على النسخ، لأنه تعزير وليس بحد فمتى رأى الإمام أن من المصلحة القتل فله ذلك.
ولا شك أن هذه المسألة لا يفتى بها الإمام إلا حيث كان مراعياًِ للمصالح لما في ذلك من سفك الدماء.
والمقصود أن التعزير بالقتل كما في هذا الحديث.
مسألة:
??اعلم أن حد الخمر يثبت بالبينة أو بالاعتراف.
فإذا شهد عليه شاهدان أنه شرب الخمر فإنه يقام عليه الحد ويثبت أيضاً بالاعتراف فإذا أقر على نفسه أنه شرب الخمر فإنه يقام عليه الحد.
وهذان الطريقان في إثبات حد الخمر لا خلاف بين أهل العلم في ثبوت الحد فيهما.
وإنما اختلفوا فيما إذا ظهرت?منه رائحة الخمر أو رؤي يتقيأ الخمر فهل يقام عليه الحد أم لا؟
قولان لأهل العلم:
الجمهور قالوا: لا يقام عليه الحد، لأن الحدود تدرأ بالشبهات فقد يكون شربها يظنها ليست خمراً أو غير ذلك.
القول الثاني: وهو رواية عن الإمام أحمد وهو مذهب مالك واختيار ابن القيم أنه يقام عليه الحد، وهو قول عمر كما في مصنف ابن أبي شيبة.
وقول عثمان كما في صحيح مسلم فإنه قال: " ما تقيأها إلا أنه قد شربها" وهو قول ابن مسعود فإنه جلد رجلاً وجدت منه رائحة الخمر.
فهذه آثار صحاح عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -?ولا يعلم لهم مخالف كما قال ذلك ابن القيم.
فالذي تبين أنه يقام عليه الحد بذلك لا سيما مع القرائن.
مثال القرائن: أن يكون الرجل مشهوراً بالفسق متهماً بذلك، أو يكون الرجل مشتبهاً فيه.
أو أن يشهد عليه شاهد أنه شرب الخمر وتوجد معه رائحة فهذه قرائن قوية على أنه قد شربها.
وأما كون الحدود تدرأ بالشبهات فإنه لا ينظر إلى الاحتمالات الضعيفة وإلا فإن البينة قد تكون كاذبة والمقر على نفسه قد يكون كاذباً.
لكن لو أدعى أنه لم يظنها خمراً وأشهد على ذلك، فحينئذ يقال بقبول دعواه لوجود الشبهة.
" باب التعزير "
??التعزير لغة: المنع، وله معانٍ أخر، لكن الذي له ارتباط بهذا?الباب هو هذا المعنى.
وفي الاصطلاح: قال المؤلف: ??هو التأديب] .
?وأصح من ذلك أن يقال: هو التأديب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة.
ولذا قال المؤلف بعد ذلك: ??وهو واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة] .
فالتعزير: التأديب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة.
"في كل معصية": سواء كانت بترك واجب كترك صلاة الجماعة مثلاً.
أو بفعل محرم من المحرمات كحلق اللحية أو شرب التدخين.
"لا حد فيها": لابدّ من هذا القيد، لأن ما فيها حد، لا تعزير فيها بل يجب أن يقام حد الله تعالى كالزنا.
??ولا كفارة": وهذا قيد آخر، فإذا كان فيها كفارة فلا تعزير كالظهار أو الجماع في نهار رمضان فهذه معاصي فيها كفارة وعليه فلا تعزير في ذلك، وهذا هو مذهب جماهير العلماء.
وقول المؤلف: [وهو واجب] .
هذا هو المشهور في المذهب وأن التعزير واجب على الحاكم، فيجب على الحاكم أن يعزر من فعل معصية من المعاصي.
وعن الإمام أحمد: أنه مندوب.
قال: الشافعية وهو قول لبعض الحنابلة: بل إنما يجب إن كان فيه مصلحة أو كان لا ينزجر عن المعصية إلا به، وإلا فإن رأى الإمام العفو جاز ذلك.
وهذا هو أصح الأقوال وأن التعزير يرجع إلى نظر الإمام فإن كان فيه مصلحة فيجب عليه أن يقيمه أو كان لا ينزجر إلا به فيجب عليه أن يقيمه، وإلا فإنه يجوز له العفو.
ويدل على ذلك: ما ثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم -?أتاه رجل وأخبره أنه أتى امرأة إلا أنه لم يجامعها فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -?????إن الحسنات يذهبن السيئات" ولم يقم عليه تعزيراً.
وهذا ظاهر في كثير من المعاصي?التي كانت تفعل في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -?ولم يصح عنه تعزير فيها.
فالصحيح أن مرجع ذلك إلى الإمام وهو من سياسة الناس بالشرع وهو من السياسة المحمودة التي هي قائمة على العدل ولا تخالف الشرع.
فإن لم يكن هناك مصلحة فإنه له أن يعفو بل قد يترجح العفو حيث كانت هناك مصلحة، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -????أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود) .
فقد يترجح ألا يقام عليه التعزير.
قال: [كاستمتاع لا حد فيه، وسرقة لا قطع فيها وجناية لا قود فيها] .
??هذه أمثلة على التعزير.
"كاستمتاع لا حد فيه": كأن يباشرها دون الفرج.
" وسرقة لا قطع فيها": كأن يكون السارق صبياً مميزاً فإنه يعزر أو أن تكون من غير حرز أو أن تكون دون النصاب.
??وجناية لا قود فيها": كضربه في الوجه أو وكزٍ أو نحو ذلك وتقدم أن شيخ الإسلام يرى القصاص في هذا.
قال: [واتيان المرأة المرأة] .
?وهو ما يسمى بالسحاق وتقدم.
قال: [والقذف بغير الزنا ونحوه] .
???فالقذف بغير الزنا يوجب التعزير ونحوه ذلك ومن ذلك الاستمناء لغير حاجة لذا قال بعد ذلك??
??ومن استمنى بيده بغير حاجة عزر] .
فالاستمناء محرم عند عامة أهل العلم لقوله تعالى: ???والذين هم لفروجهم حافظون إلا على?أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين)) ?فلم يستثن الله سبحانه إلا الأزواج أو ما ملكت الأيمان، وما سوى ذلك فهو محرم إلا لضرورة كأن يخشى الزنا على نفسه.
فمن استمنى بغير حاجة عزر.
قال: [ولا يزاد في التعزير على عشر جلدات] .
??هذا هو المشهور في مذهب أحمد وأنه لا يزاد في التعزير على عشر جلدات.
واستدلوا:
بما ثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم -?قال: (لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حدٍ من حدود الله) .
قالوا: فهذا يدل على أنه لا يجلد فوق عشرة أسواط في التعزيرات إلا أن يكون في حدٍ من الحدود.
القول الثاني: وهو رواية عن الإمام أحمد وهو مذهب الشافعية والأحناف: أنه له أن يزيد على عشرة أسواط لكن لا يصل إلى الحد.
وعلى القول بهذا فإن أصح ما قيل: إن كان حرا فإنه لا يصل إلى أربعين سوطاً وهو حد شرب الخمر، وإنما يجلد دونها ولو بسوط واحد.
وإن كان عبداً فلا يجلد عشرين بل دونها ولو بسوط واحد واستدلوا: بحديث ضعيف رواه البيهقي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -?قال????من حدّ في غير حد فهو من المعتدين??أي من جلد فأوصل حداً في غير حدٍ من الحدود فإنه من المعتدين.
لكن الحديث لا يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم -?موصولاً بل هو مرسل ضعيف.
قالوا: ولأن هذه المعاصي أضعف من المعاصي التي فيها الحدود، وقد جعل الله هذه الحدود لتلك المعاصي وهذه معاصي دونها فلم يبلغ بهذه المعاصي التي لم يجعل الله فيها حداً ولم يبلغ بها الحد لأنها لا تماثلها فهي دونها.
القول الثالث: وهو رواية عن الإمام أحمد أنه له أن يعزر ما شاء مما يرى فيه مصلحة.
إلا أن تكون المعصية من جنس ما فيه حد فلا يبلغ بها الحد فإذا كانت المعصية ليست من جنس ما فيه حد كحلق اللحية وغيرها فله أن يعزر بما شاء.
وأما إن كانت من جنس ما فيه حد فليس له أن يبلغ الحد، كأن يباشر رجل امرأة من غير جماع فلا يجلد مائة سوط وذلك لأن هذه المعصية دون الزنا والله قد جعل في الزنا مائة سو فلا يمكن أن يجلد من فعل معصية دون ذلك مائه سوط ولا شك أن هذا ينافي العدل المأمور به فقد جعلنا ما ليس بمثل مثلاً، فإن إتيان المرأة من غير جماع ليس مماثلاً قطعاً لإتيانها في فرجها.
القول الرابع: وهو مذهب مالك: أن ذلك راجع إلى رأي الإمام مطلقاً أي لا فرق بين ما كانت المعصية من جنس معصية فيها حد أو لم تكن كذلك.
وعليه فله أن يجلد من باشر امرأة ولم يطأها له أن يجلدها أكثر من مائة سوط أو أكثر.
وأحسن هذه الأقوال: كما قال ابن القيم: القول الثالث، وإليه ميل شيخ الإسلام ابن تيمية، كما حكى ذلك صاحب الإنصاف.
فإن قيل: فما?هو الجواب عن قوله - صلى الله عليه وسلم -????لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله) ?
فالجواب: أن المراد بالحد هنا حق الله تعالى: بدليل قوله تعالى: ???تلك حدود الله فلا تقربوها)) ?هذا هو لسان الشرع كما قال ذلك ابن القيم، فالحد يطلق في الشرع على العقوبة المقدرة لحديث: (لا تقام الحدود في المساجد) .
لكن الغالب ي لسان الشرع أنه يطلق على حق الله تعالى.
فيكون معنى الحديث: لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في معصية من المعاصي.
مسألة:
????تقدم ذكر أكثر التعزير، فما هو أقله؟
الجواب: لا حد لأقله عند عامة أهل العلم فله أن يجلد سوطاً أو أن ينفي أو أن يسجن يوماً أو أن يوبخ.
مسألة:
????هل يصح التعزير بالقتل؟
الجواب: نعم يصح ذلك كما تقدم في شارب الخمر وفيه: (فإذا شرب الرابعة فاضربوا عنقه) .
ومذهب مالك وهو وجه في مذهب أحمد واختاره ابن القيم أنه يجوز للإمام أن يقتل الداعية إلى البدعة، وهذا من باب التعزير بالقتل حيث لم تندفع مفسدته إلا بذلك.
مسألة:
أصح قولي العلماء وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم أنه يجوز التعزير بالمال إتلافاً وأخذاً.
خلافاً للمشهور عند جمهور أهل العلم.
وهو أي القول الراجح، جار على أصول الإمام أحمد كما ذكر ذلك شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم.
فيجوز التعزير بالمال إتلافاً، بأن يتلف المال ومن ذلك تحريق متاع الغال، كما تقدم في الصحيح.
ومن ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم -?كما في الترمذي أمر أن يهراق الخمر وأن تكسر دنانه.
وحرّق عمر بيت شارب خمرٍ كما في مصنف عبد الرزاق.
ومن ذلك تحريق الثوبين المعصفرين كما في صحيح مسلم ويجوز التعزير بالمال أخذاً:-
ومن ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم -?أمر بأخذ سلب من قطع شجر حرم المدينة وهو حديث ثابت في صحيح مسلم.
وثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم -?قال: "فيمن منع الزكاة: "ومن منعها فإن أخذوها وشطر ماله عزمةً من عزمات ربنا" رواه أحمد وأبو داود والنسائي وغيرهم، وهو حديث حسن كما تقدم وإذا أخذ المال فإنه يصرف في مصالح المسلمين.
وهذا الأمر راجع إلى الإمام فله أن يتلف وله أن يأخذ على حسب ما يرى من المصلحة.
وجواب الجمهور على أن التعزير بالمال ليس بثابت.
أنهم قالوا: هذه الأحاديث أي التي استدل بها من يرى ذلك منسوخة.
لكن كما قال ابن القيم، " لا دليل على النسخ لا بنص ولا بإجماع" بل هذه آثار الصحابة، كما في أثر عمر وغيره، وهي تدل على ما تقدم من إثبات التعزير بالمال.
وإذا ثبت التعزير بالقتل فأولى من ذلك التعزير بالمال وهي من السياسة التي يقتضيها العدل ولا تنافي الشرع بل قد دل عليها الشرع كما تقدم.
استدراك.
في مسألة التعزير فوق عشرة أسواط.
فقد دلت آثار الصحابة على جواز التعزير فوق عشرة أسواط من ذلك، ما روى الطحاوي بإسناد صحيح أن علي بن أبي طالب، جلد رجلاً شرب الخمر في رمضان جلده الحد وعزره بعشرين سوطاً.
وثبت كما تقدم أن عمر جلد شارب الخمر ثمانين وإن أربعين منها تعزير.
" باب القطع في السرقة "
قال رحمه الله: [إذا أخذ الملتزم] .
?مسلماً كان أو ذمياً، وعليه فيخرج المستأمن وهو أحد القولين في المذهب، وأحد قولي العلماء في المسألة.
والقول الثاني: أن المستأمن إن سرق قطع والذي يترجح من هذين القولين: أن المستأمن لا يقطع وذلك لأن حد السرقة حد لله تعالى فأشبه حد الزنا، وقد تقدم أن حد الزنا لا يقام على المستأمنين فكذلك هنا.
ولا خلاف بين أهل العلم أن هذا الحكم ثابت في سرقة المسلم من ذمي أو سرقته من المستأمن، فلو سرق مسلم من ذمي أو من مستأمن قطع، وذلك لحرمة المال، فإن مال الذمي محترم ومال المستأمن محترم كمال المسلم.
قال: [نصاباً من حرز مثله] يأتي الكلام عليها.
قال: [من مال معصوم] .
??مال المسلم معصوم، ومال الذمي معصوم، ومال المستأمن معصوم وأما مال الحربي فليس بمعصوم، وليس دمه بمعصوم أيضاً.
قال: [لا شبهة له فيه] .
????يأتي الكلام على هذا الشرط أيضاً.
قال: [على وجه الاختفاء قًطعٍَ] .
???فلا بد أن تكون السرقة على وجه الاختفاء ومن ثم سمي استماع الجن استراقاً للسمع لأنه على وجه الاختفاء، قال تعالى: ((والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءاً بما كسبا)) .
وقال - صلى الله عليه وسلم -?كما في الصحيحين: ??تقطع اليد في ربع دينار فصاعداً) .
قال: [فلا قطع على منتهب] .
???المنتهب: هو الذي يأخذ المال على وجه الغلبة والقهر، كما يقع في الغارات التي بين البوادي مثلاً.
قال: [ولا مختلس] .
???المختلس: هو الذي يأخذ المال على حين غرة وغفلة من صاحبه.
قال: [ولا غاصب] .
الغاصب: معروف.
قال: [ولا خائن في وديعة] .
???فإذا أودع رجلاً ماله فجحده المودع، فإذا أقام البينة على الجحد فإن الجاحد لا يقطع يده.
وهذه المسائل اتفق عليها أهل العلم.
يدل عليها ما رواه الخمسة وصححه الترمذي وهو كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -????ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع) .
والعمل عليه عند أهل العلم.
فإن قيل: لم فرّق الشارع وبين السارق بين المختلس والمنتهب والخائن؟
فالجواب: أن الفرق بينهما هو أن السرقة قد وقعت على مال احتاط عليه صاحبه وحفظه في حرزه، فلا يمكن حفظ المال إلا بمثل هذه العقوبة العظيمة.
بخلاف المنتهب والمختلس والغاصب فإنه ليس على جهة الاختفاء فالناس يمكنهم أن يأخذوا على يد هذا المنتهب ويد هذا المختلس ويد هذا الغاصب.
وفي بعضها ما يكون فيه تفريط من صاحب المال كما يقع في الاختلاس وكما يقع في الوديعة.
فإن الجناية في الوديعة تقع حيث فرط في وضعها عند الأهل فإذا وضعها عند من ليس بأهل كان في الغالب، الجحد وحينئذ يكون مفرطاً في ذلك.
قال: [أو عارية أو غيرها] .
???أي لا قطع على خائن عارية، أو غيرها من الأمانات وما ذكره المؤلف هنا من أن خائن العارية لا يقطع تبعاً لصاحب المقنع هو أحد الروايتين عن الإمام أحمد وهو مذهب جمهور العلماء.
??قالوا: لأنها ليست بسرقة والأدلة إنما وردت في السرقة وهي من خيانة الوديعة والنبي - صلى الله عليه وسلم -?لم يقطع خائن الوديعة.
والقول الثاني في المسألة: وهو المشهور في مذهب الإمام أحمد وهو قول اسحاق وهو مذهب أهل الظاهر، أن القطع يثبت في جحد العارية.
?واستدلوا: بما ثبت في صحيح مسلم من حديث عائشة، " أن امرأة كانت تستعير المتاع فتجحده فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم -?بقطع يدها" والحديث أصله في الصحيحين.
وأعل بتفرد معمر عن الزهري، وهذا لا يصح فإنه قد تابعه على هذا الحديث أيوب بن موسى وتابعه عليه شعيب بن إسحاق فلا تصح تفرد معمر بهذا الحديث.
وهو ثابت من حديث ابن عمر في سنن أبي داود والنسائي، ومن حديث سعيد بن المسيب مرسلاً في سنن النسائي فالحديث صحيح، وكما قال الإمام أحمد: "لا شي يدفعه".
وأجيب عن هذا الحديث، بأن هذا وصفُ للمرأة، وليس أنها قطعت بذلك، فمن وصفها أنها كانت تستعير المتاع فتجحده، لا أن القطع كان نسيه ذلك.
ولاشك أن هذا ضعيف جداً لأنه يخالف ظاهر الحديث فإن ظاهر قول عائشة المتقدم أن هذه المرأة كانت تستعير المتاع فتجحده وبسبب ذلك قطع النبي - صلى الله عليه وسلم -?يدها.
ولو قبل مثل هذا التعليل لردت أحكام كثيرة يترتب على أوصاف ذكرت في الأحاديث أو في الآيات القرآنية وما سلم من ذلك إلا الشيء القليل من الأحكام أي لذهبت كثير من الأحكام الشرعية التي تنبني على أوصاف ذكرت في الأحاديث.
ولذا فالراجح ما ذهب إليه أهل القول الثاني واختاره ابن القيم وهو قطع يد جاحد العارية.
فإن قيل، فما الفارق بين العارية وبين الخيانة في الوديعة؟
فالجواب أن الفرق بينهما أن الخيانة في الوديعة إنما نتجت في الغالب عن تفريط من المودِع فإن هذا الجحد ناتج عن وضعها عند من ليس بأهل فيكون المودِع عنده نوع تفريط.
وأما العارية?فإنه قد فعل ما أمر به من الإعارة فقد أحسن إلى الناس وفعل ما أمر الله به.
ثم إن عدم القطع في هذا ذريعة إلى امتناع الناس عن العارية وحينئذ تفوت هذه المصلحة مع أن الحاجة داعية إليها.
قال: [ويقطع الطرار الذي يبط الجيب أو غيره ويأخذ منه] .
??الطرار هو النشال الذي يبط الجيب أو غيره ويأخذ منه أي على وجه الخُفية وعليه فتقطع يده لأن أخذه على وجه الخفية وكان ذلك من حرزه.
قال: [ويشترط أن يكون المسروق مالاً محترماً] .
???هذا هو الشرط الأول في القطع، أن يكون المال المسروق محترماً أي له حرمة.
وما ليس له حرمة لا مالية له كالصورة وآلات اللهو فهذه لا حرمة لها وعليه فلا مالية لها، وعليه فلا تساوي لا ربع دينار ولا أقل من ذلك فلا قيمة لها وإن كانت عند أصحابها لها قيمة لكن هذه القيمة غير معتبرة شرعاً.
قال: [فلا قطع في سرقة آلة لهو ولا محرم كالخمر] .
???ولا تصاوير ولا غير ذلك?لأنها أشياء لا قيمة لها فهي غير محترمة ولا مال فيها.
قال: [ويشترط أن يكون نصاباً وهو ثلاثة دراهم أو ربع دينار] .
هذا هو الشرط الثاني: أن يكو نصاباً.
والنصاب: هو ربع دينار كما في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -????لا تقطع اليد إلا في ربع دينار فصاعداً) .
وفي لفظ أحمد: " اقطعوا اليد في ربع دينار ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك".
وأما أنه يقطع بثلاثة دراهم، فلما ثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم -???قطع في مجَنّ قيمته ثلاثة?دراهم) ،?أما ما روى أحمد أن النبي - صلى الله عليه وسلم -?قال: ??لا تقطع اليد إلا في عشرة دراهم) .
فالحديث فيه الحجاج بن أرطأه وهو ضعيف مدلس وقد استدل به الأحناف.
وهنا: كلام المؤلف يدل على أن ربع الدينار والثلاثة دراهم أن كليهما أصل.
فلو سرق مالاً لا يساوي ربع دينار لكنه يساوي ثلاثة دراهم، فإن يده تقطع.
هذا هو القول الأول وهو رواية عن الإمام أحمد.
والقول الثاني في المسألة: وهو الرواية?الأخرى عن أحمد وهو مذهب الشافعي: أنها لا تقطع إلا فيما يبلغ ربع دينار فالأصل هو ربع الدينار، وأما ثلاثة دراهم فليست بأصل وإنما المجن الذي قطع النبي - صلى الله عليه وسلم -??فيه كان يساوي ثلاثة دراهم وكان يساوي ربع دينار، فكان ربع الدينار يساوي في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -?ثلاثة دراهم.
وهذا هو القول الراجح في المسألة، وهو ظاهر قوله - صلى الله عليه وسلم -????لا تقطع اليد إلا في ربع دينار) .
وقوله - صلى الله عليه وسلم -????اقطعوا اليد في ربع دينار ولا تقطعوها في أدنى من ذلك) .
فهذا الحديث نص في أن اليد لا تقطع فيما هو أدنى من ذلك.
قال: [أو عرض قيمته كأحدهما] .
???إذا كان عرضاً بسيف أو ثوب أو شاة أو غير ذلك وقيمة هذا السبب وقيمة هذه الشاة وقيمته هذا الثوب تساوي ربع دينار، على الراجح.
وعلى المذهب تساوي ربع دينار وثلاثة دراهم، فإذا سرقه أحد فإنه يقطع به.
قال: [وإذا نقصت قيمة المسروق،..لم يسقط القطع] .