وقال صلى الله عليه وسلم: (أبدأ بنفسك) 1 فإذا فضل عن قوته وقوت عياله ومن ينفق عليهم من خدم أو بهيمة أو نحو ذلك فإن الزكاة تجب عليه.
قال: (وحوائجه الأصلية)
فإذا كانت له حوائج أصلية في مسكنه أو ملبسه أو مركبه من الحوائج الأصلية التي يحتاج إليها المسلم - فليست من الحوائج الفرعية - فإن الصدقة لا تجب عليه، فلا يلزم طالب علم أن يبيع شيئاً من كتبه التي يحتاج إليها من الكتب الأصلية ولا يلزم صاحب المنزل أن يبيع شيئاً من أثاث بيته ليشتري به هذا الصاع لأن هذه حوائج أصلية وإلزام المكلف ببيعها وإخراجها صدقة حرج والحرج مرفوع كما قال تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ 2 أما إن كان عنده شيء من المتاع أو الأثاث أو نحوه من الحوائج غير الأصلية مما لا يحتاج إليه أصلاً فإنه يجب عليه أن يبيعه فيشتري به صاعاً فيتصدق به.
قال: (ولا يمنعها الدين إلا بطلبه)
تقدم أن المذهب وهو الراجح أن الدين يمنع الزكاة في الأموال الظاهرة والباطنة أما في زكاة الفطر فإنها لا يمنعها الدين، فالدين لا يمنع صدقة الفطر، قالوا: لأن صدقة الفطر لا تعلق لها بالمال بدليل وجوبها على الفقير ووجوبها على العبد فدل هذا على أنها لا تعلق لها بالمال فيجب وإن كان مديناً أي عليه دين بخلاف الزكاة فإنها متعلقة بالمال كما قال تعالى: ﴿خذ من أموالهم﴾ 3
إذن: يجب عليه زكاة الفطر وإن كان مديناً لأنها لا تعلق لها بالمال بدليل وجوبها على العبد والفقير كما تقدم.
لكن استثنى المؤلف فقال: (إلا بطلبه) أي إلا بطلب الدين، فإن كان الدين مطالباً به فإن الزكاة لا تجب؛ وذلك لأن الدين إذا طولب به وجب أداؤه كما سيأتي تقريره في بابه فكان مقدماً على الزكاة، لأن الزكاة إنما تجب من باب المواساة ولأن الدين حق آدمي محض فقدم على الزكاة.
إذن: زكاة الفطر لا يمنعها الدين إلا إذا طالب الدائن به فإن الدين يمنع الزكاة لأنه حينئذ يكون أهم؛ إذ هو من حقوق الآدميين المحضة ولأن الزكاة مبناها على المواساة وحقوق الآدميين مبناها على المشاحة، والزكاة مبنية على المواساة فلم يكلفها المسلم مع وجود من يطالبه.
قال: (فيخرج عن نفسه وعن مسلم يمونه)
فتجب صدقة الفطر عن النفس وتجب عمن يمونه.
أما وجوبها عن النفس فقد تقدم قول ابن عمر: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر على الحر والعبد والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين) 1 .
وتجب على من يمونه – أي على من ينفق عليه –، فعلى من ينفق الصدقة، فإذا كان له ولد وزوجة ورقيق فيجب عليه أن يتصدق عنهم صدقة الفطر كما يجب عليه أن ينفق عنهم.
ودليل هذا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرضها على العبد، والعبد لا مال له فدل على أنها تجب على سيده وهو المنفق عليه، وفرضها على الصغير، والصغير ينفق عليه ولا مال له في الغالب فدل على أنها تجب على من ينفق عليه، أما إذا كان الصغير ذا مال وهو اليتيم الذي له إرث فإن الصدقة تجب في ماله ويخرجها وليه عنه ويدل على أن الزكاة – زكاة الفطر – تجب على من يمونه ما ثبت في الدارقطني عن ابن عمر قال: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر على العبد والحر والصغير والكبير ممن تمونون) 1 وإسناده ضعيف لكن له شواهد يرتقي بها إلى درجة الحسن وهو ثابت من فعل ابن عمر كما في ابن أبي شيبة بإسناد صحيح.
فعلى ذلك تجب صدقة الفطر تبعاً للنفقة، فتجب صدقة الفطر على من وجبت عليه النفقة.
فعليه كما ينفق على ولده وزوجه وربما كان ينفق على والده ووالدته وربما كان ينفق على رقيق أو على أخ أو نحوه فيجب عليه - تبعاً للنفقة - أن يخرج عنهم صدقة الفطر للحديث المتقدم.
قال: (ولو شهر رمضان)
إذا مان 2 مسلماً يعني أنفق عليه ولو كان ذلك في شهر رمضان.
مثال: رجل - تبرعاً منه - جَمَع فقراء فأنفق عليهم في شهر رمضان من باب التبرع، فتبعاً لذلك تجب عليه صدقة الفطر.
هذا هو المشهور عند الحنابلة وأن من أنفق على فقير في شهر رمضان فتجب عليه صدقته وإن كان ذلك تبرعاً للحديث المتقدم: (عمن تمونون) قالوا: وهو هنا يمونه وينفق عليه.
واختار الموفق وأبو الخطاب من الحنابلة وهو مذهب أكثر الفقهاء: أن الصدقة لا تجب عليه؛ قالوا: لأن النفقة هنا من باب التبرع وأما النفقة المذكورة في الحديث فإنها النفقة الحقيقية التي تجب على المسلم في ولده ونحوهم.
أما هنا فهي نفقة على وجه التبرع فلا يدخل في هذا الحديث، وهذا هو الظاهر، وذلك لأن هذه النفقة منه على وجه التبرع لا على وجه الإيجاب، فليس فيها حقيقة النفقة بل هي من جنس الصدقات التطوعية فالراجح ما ذهب إليه أكثر الفقهاء وصححه الموفق وهو قول أبي الخطاب من كبار الحنابلة.
قال: (فإن عجز عن البعض بدأ بنفسه)
فإذا كان لا يفضل عن قوته وقوت عياله ليلة العيد ويومه وعن حوائجه الأصلية ولا يفضل إلا صاع، فالواجب عليه أن يبدأ بنفسه، لقوله صلى الله عليه وسلم: (أبدأ بنفسك) 1 .
وحينئذ يسقط عنه عن زوجه وولده ومن يمون فإن لم يكن عنده إلا صاع فإنه يبدأ بنفسه.
قال: (فامرأته)
قالوا: لأن الصدقة تبع للنفقة، ونفقة المرأة من باب المعاوضة وتثبت في عسر الزوج ويسره فكانت أقوى من نفقة الولد والرقيق وغيرهما، وحيث أن النفقة هنا قوية، فالصدقة تبع لها فكما أن الزوجة مقدمة في النفقة على غيرها فإنها تقدم في صدقة الفطر.
وجمهور العلماء يقولون بأن زكاة الفطر تجب على الزوج عن زوجته، مطلقاً وإن كانت زوجته ذات يسار وقدرة وغنى فإن الصدقة تجب على الزوج.
واستدلوا: بما تقدم في قوله صلى الله عليه وسلم: (عمن تمونون) .
- وذهب الأحناف: إلى أن صدقة الفطر لا تجب على الزوج عن زوجته، وإنما تجب على الزوجة في مالها.
واستدلوا: بقول ابن عمر: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر على الذكر والأنثى) 1 .
فدل على أنها مفروضة عليها، فهي مفروضة على الأنثى وحينئذ فتجب عليها في مالها وهذا القول – فيما يظهر لي – أصح؛ وذلك لأن الحديث أصح مما تقدم، فالحديث الأول إنما يصح بشواهده وطرقه، وهذا الحديث أصح منه وأظهر فإنه قال: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر على الذكر والأنثى " فهي فرض على المرأة في مالها ولأن الأصل في الزكاة وجوبها في المال.
فالأصح أن الزوج لا تجب عليه صدقة الفطر عن زوجته وإنما تخرجها من مالها، هذا إذا كانت قادرة، وأما إذا لم تكن قادرة فإنه يتوجه القول الأول؛ وذلك لأنه ينفق عليها والصدقة تبع للنفقة كما تقدم.
قال: (فرقيقه)
قالوا: لأن النفقة على الرقيق تجب في العسر واليسر لكنها دون النفقة على المرأة لأن النفقة على المرأة من باب المعاوضة أما النفقة على العبد فإنها للملكية لا للمعاوضة، فكانت النفقة على الزوجة أولى، لكن النفقة على الرقيق أولى من النفقة على القريب من الأب والولد والأم لأن النفقة على الأقارب تجب في اليسر دون العسر وأما النفقة على الرقيق فإنها تجب في عسر السيد ويسره بحيث إنه إذا كان معسراً فإنه يؤمر ببيعه حتى لا يتضرر العبد بذلك.
قال: (فأمه فأبيه) .
تُقدّم الأم على الأب؛ قالوا: لأن الأم أولى بالبر من الأب كما في الحديث: (من أبر؟ فقال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أباك) 2
فهنا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتقديم بر الأم على بر الأب قالوا: فكذلك تقدم على الأب في صدقة الفطر.
قال: (فولده)
قالوا: لأن الولد تجب النفقة عليه في الجملة وتجب في اليسر دون العسر وحق الوالدين مقدم على حق الولد هذا هو المشهور في المذهب.
قال: (فأقرب في ميراث)
فالأقرب فالأقرب، فالجد الأدنى يقدم على الجد الأعلى، فالجد مقدم على أب الجد وهكذا (الأقربون أولى بالمعروف) .
وفي تقديم المؤلف الزوجة على الولد نظر، فقد قال بعض الحنابلة بتقديم الولد على الزوجة، ودليله ما ثبت في أبي داود والنسائي بإسناد صحيح أن رجلاً قال: (يا رسول الله عندي دينار؟ فقال: تصدق به على نفسك، قال: عندي آخر؟ قال: تصدق به على ولدك، قال: عندي آخر؟ قال: تصدق به على زوجك قال: عندي آخر؟ قال: تصدق به على خادمك، قال: عندي آخر قال: أنت أبصر به) 1 فقدم النبي صلى الله عليه وسلم الولد على الزوجة وقدم الزوجة على الرقيق، فالأظهر هو تقديم الولد على الزوجة والرقيق لهذا الحديث الثابت بإسناد صحيح.
والأظهر – أيضاً – تقديم الأب على الأم؛ وذلك لأن صدقة الفطر مال وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: (أنت ومالك لأبيك) 1 فدل هذا على أن المال الوالد أحق به من الوالدة 2 .
وفي تقديم الرقيق على الأب والأم نظر ظاهر أيضاً حتى في النفقة فإن كون الرقيق يجب النفقة عليه في العسر واليسر ليس معنى ذلك أن يقدم على الأب والأم في النفقة وإنما معنى ذلك أنه إذا أيسر أبقاه في ذمته وفي ملكيته وأنفق عليه، وإن أعسر وعجز عن الإنفاق عليه فإنه يعتقه أو يبيعه ليُنفق عليه وليس معنى ذلك أن تقدم نفقته وهو رقيق مملوك له أجنبي عنه على نفقة الأم والأب اللذين حقهما بعد حق الله عز وجل ورسوله.
فإذن: فيما ذكره الحنابلة في هذا الباب من التقديم فيه نظر، فتقديم الزوجة على الولد، والرقيق على الولد فيه نظر كما تقدم، وتقديم الأم على الأب فيه نظر أيضاً، وتقديم الرقيق على الأب والأم فيه نظر.
- وهل يقدم الولد على الوالدين أو يقدم الوالدان على الولد؟
وجهان في مذهب الحنابلة:
الوجه الأول: ما ذكره المؤلف هنا من تقديم الوالدين على الولد.
والوجه الثاني: وهو تقديم الولد على الوالد.
والظاهر تقديم الوالدين على الولد، لأن هذا من باب المواساة والصدقة وليس من باب الحاجة، وحيث كان الأمر كذلك فإن الوالد أولى بتطييب خاطره وإدخال السرور في نفسه وإسقاط الواجب الشرعي عنه من الولد.
فالأرجح هو تقديم الوالدين على الولد، بل أيضاً على تقديمهما على الزوجة هو الأظهر؛ وذلك لما تقدم من أن الراجح أن صدقة الفطر واجبة في مال الزوجة – هذا أولاً.
وثانياً: لأن المسألة وإن كانت تبعاً للنفقة فهي تبع لها في الجملة لا في التفصيل، فتقديم الزوجة في النفقة على الوالدين لو سلم بها، على ما فيها من النظر لا تعني تقديمها عليهما في صدقة الفطر، فإن صدقة الفطر باب مواساة، وأما النفقة فهي باب حاجة، على أن الأظهر هو تقديم الوالدين على الزوجة في النفقة وإنما وجبت النفقة على المرأة في العسر واليسر كالرقيق فيما تقدم بحيث إنه ينفق عليها في يسره، فإن أعسر فإما أن ينفق عليها وإما أن يطلقها.
فعلى ذلك: الأظهر أنه يبدأ بنفسه ثم بوالديه ثم بولده ثم بزوجته ثم بخادمه ثم الأقرب فالأقرب ممن ينفق عليه من ورثته.
قال: (والعبد بين شركاءَ عليهم صاعٌ)
إذا كان العبد مملوكاً لأكثر من شخص، فإن هذا الصاع يجب عليهم بقدر ملكيتهم فإن اشترك في العبد اثنان لكل منهما النصف فإن على كل منهما نصف صاع، فإن اشترك فيه ثلاثة لكل منهم الثلث فعلى كل واحد منهم ثلث الصاع وهكذا.
فإذن: يجمع الصاع من الشركاء في العبد بقدر ملكيتهم فيه؛ لأن الصدقة تبع للنفقة والنفقة مشتركة على هذا القدر فكذلك صدقة الفطر.
قال: (ويستحب عن الجنين)
فيستحب صدقة الفطر عن الجنين
وقد أجمع أهل العلم على أن صدقة الفطر لا تجب عن الجنين حكى ذلك ابن المنذر.
واستحب الإمام أحمد صدقة الفطر عن الجنين واستدل بأثر عن عثمان رواه ابن أبي شيبة لكن إسناده منقطع.
لكن ثبت في مصنف عبد الرزاق بإسناد صحيح عن أبي قلابة وهو من كبار التابعين قال: (كانت تعجبهم - أي السلف من الصحابة والتابعين - صدقة الفطر عن الصغير والكبير حتى الحمل في بطن أمه) 1 فإن تصدق عن الجنين فهو حسن من غير إيجاب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم شرعها عن الصغير والكبير، والجنين لا يصدق عليه أنه صغير، فالصغير هو المولود وهذا ليس بمولود لكن إن فعل فهو حسن لما تقدم من أثر أبي قلابة.
قال: (ولا تجب لناشز)
المرأة الناشز هي المرأة التي خرجت عن طاعة زوجها بغير حق شرعي.
فلا تجب لها النفقة وبالتالي فلا تجب صدقة الفطر عنها كما تقدم من أن صدقة الفطر تبع للنفقة لقوله: (عمن تمونون) والمرأة الناشز لا ينفق عليها فكذلك لا يتصدق عنها لأن صدقة الفطر تبع للنفقة.
والحمد لله رب العالمين
الدرس الثامن بعد المئتين (يوم الاثنين: 7 / 1 / 1416هـ)
قال المؤلف رحمه الله: (ومن لزمت غيرَه فطرتُهُ فأخرج عن نفسه بغير إذنه أجزأته)
لا خلاف بين العلماء في أن من وجبت عليه صدقة الفطر عن غيره فأستأذن الغيرُ - من تجب عليه النفقة، استأذنه - في أن يخرج عن نفسه صدقتها فلا خلاف بين العلماء في جواز ذلك وإجزائه.
فلو أن ولداً ينفق عليه والده فأستأذن والده أن يتصدق عن نفسه صدقة الفطر.
وكذلك الزوجة إذا قلنا بوجوب الصدقة على زوجها عنها فإذا استأذنت زوجها أن تخرج الصدقة عن نفسها من مالها فإن ذلك يجزئ.
- ولا خلاف بين العلماء في أنه إذا أخرج عن غيره ممن يجب عليه أن يخرج عن نفسه بغير إذنه فإنه لا يجزئه: فلو أن رجلاً أخرج عن آخر صدقة الفطر وهذا الآخر تجب عليه بنفسه فأخرجها عنه بغير إذنه فإنها لا تجزئ.
- واختلفوا فيما إذا أخرج عن نفسه صدقة الفطر وهي تجب على غيره بغير إذنه، وهي المسألة التي ذكرها المؤلف هنا.
فمثلاً: إذا أخرج الولد صدقة الفطر عن نفسه وهي تجب على والده بغير إذن والده، أو أخرجت الزوجة صدقة الفطر عن نفسها – على مذهب الجمهور – وهي واجبة على زوجها بغير إذنه، فهل يجزئه ذلك؟ قال المؤلف يجزئه؛ وذلك لأنها واجبة عليه في الأصل وإنما أوجبت على الغير تحملاً، لأنه مظنة ألا يقدر عليها بنفسه فالصغير مظنة ألا يقدر عليها بنفسه والعبد لا مال له، وهكذا سائر من ينفق عليه فهو مظنة ألا يقدر على إخراج صدقة الفطر عن نفسه.
ولذا أوجبت على من ينفق عليه فهي في الأصل واجبة عليه لكن لعدم قدرته عليها في الغالب وجبت على غيره فحيث قدر فتصدق عن نفسه ولو لم يأذن له من وجبت عليه فإن ذلك يجزئ عنه هذا هو المشهور في المذهب وهو الوجه الأول.
2- والوجه الثاني: أنه لا يجزئ؛ قالوا: كما لو أخرج عن غيره صدقته ممن تجب عليه بنفسه بغير إذنه فقاسوها على ما إذا أخرج صدقة الغير وهذا الغير ممن يجب عليه أن يخرج صدقة نفسه.
وهذا قياس مع الفارق – كما تقدم – والفارق بينهما: أنها في الأصل واجبة عليه وإنما وجبت على غيره من باب التحمل، وأما في المسألة الثانية فهي واجبة عليه مطلقاً فهي طهرة لصومه وواجبة عليه، وأما الأول فهي طهرة له وهي واجبة على غيره ففرق بينهما.
فأصح الوجهين ما ذكره المؤلف هنا، من أن من وجبت صدقته على غيره فأخرجها عن نفسه من غير إذن من وجبت عليه فإن ذلك يجزئ عنه.
قال: (وتجب بغروب الشمس ليلة الفطر) فتتعلق بذمة المسلم إذا غربت الشمس من آخر يوم من أيام رمضان؛ وذلك لأنها صدقة سببها الفطر والفطر يحصل بغروب الشمس من آخر يوم من أيام رمضان – هذا مذهب الحنابلة وهو مذهب الجمهور –.
- وقال الأحناف: بل وقت وجوبها طلوع فجر يوم العيد عيد الفطر؛ لأنه به يثبت الفطر حقيقة، فإن الليل ليس محلاً للصوم.
والأظهر ما ذهب إليه الجمهور من أنه بغروب الشمس تتعلق الفطرة بالذمة؛ وذلك لأنها طهرة للصوم، والصوم ينتهي بغروب الشمس، ولأن ليلة العيد ليست من شهر رمضان، وهي متعلقة بشهر رمضان.
فقال المؤلف – مرتباً على هذه المسألة -: (فمن أسلم بعده) أي أسلم بعد غروب الشمس، فلم يدرك شيئاً من النهار يؤمر بإمساكه، فإنه لا صدقة عليه فلا تتعلق بذمته لأنها تجب بغروب الشمس وهو لم تغرب عليه الشمس وهو ممن يمكن أن تتعلق بذمته.
قال: (أو ملك عبداً) تقدم أن السيد يجب أن يخرج صدقة الفطر عن عبده، لكن إن اشتراه بعد غروب الشمس فلا يجب عليه أن يتصدق عنه، وإنما يجب هذا على سيده الأول إن كان تحت مسلم قبل غروب الشمس.
قال: (أو تزوج أو ولد له)
إذا تزوج – وقلنا أن الصدقة تجب على الزوجة 1 عن زوجته – إذا تزوج بعد غروب الشمس فلا يجب عليه عنها وكذلك إذا أتاه ولد فلا يجب عليه عنه صدقة الفطر، وإنما يدخل في الصدقة على الجنين وهي مستحبة كما تقدم، فهذه المسائل مترتبة على هذه المسألة وهي مسألة تعلق الذمة بوجوب الفطرة إذا غربت الشمس.
قال: (وقبله تلزم)
إذا أسلم قبل غروب الشمس أو اشترى عبداً قبل غروب الشمس أو تزوج قبل غروب الشمس أو ولد له قبل غروب الشمس فإن الصدقة تجب؛ لأنه قد ملك هذا العبد وقد ولد له هذا الولد في وقت تعلق وجوب صدقة الفطر في ذمته.
- وقال الحنابلة: إن كان معسراً عند غروب الشمس فغربت عليه الشمس وهو معسر ليس عنده ما يفضل عن قوته وقوت ما 2 ينفق عليه فإن الصدقة تسقط عنه وإن قدر عليها قبل خروج وقتها.
- وعن الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام: أن الصدقة تجب عليه إذا أيسر بعد ذلك لأنه قادر على الأداء في الوقت فكونه عاجزاً في أول الوقت لا ينفي عنه الوجوب ما دام قادراً على أدائها في وقتها كما أن المتمتع إذا عجز عن الهدي ثم قدر عليه في يوم النحر وما بعده من أيام التشريق فإنه يجب عليه لقدرته على الأداء في الوقت – هذا القول هو الراجح.
قال: (ويجوز إخراجها قبل العيد بيومين فقط) يجوز إخراج صدقة الفطر قبل العيد بيومين.
هذا هو المشهور عند الحنابلة.
وقال الأحناف: يجوز إخراجها من أول السنة.
وقال الشافعية: يجوز من أول شهر رمضان.
وهما قولان ضعيفان؛ لأن هذه الصدقة متعلقة بالفطر فهي صدقة الفطر وقد سماها الشارع كما تقدم بزكاة الفطر فهي زكاة سببها الفطر فهي متعلقة به فلم تثبت قبله. - وقال المالكية: يجزئ قبل ثلاثة أيام، واستدلوا بما ثبت في الموطأ بإسناد صحيح أن ابن عمر: كان يعطي زكاة الفطر ممن يجمع عنده قبل يومين أو ثلاثة 1 .
قالوا: فهذا فعل صحابي ولا يعلم له مخالف فيدل على جواز إعطائها قبل يومين أو ثلاثة فإذا دفعها في اليوم السابع والعشرين من رمضان وكان شهر رمضان تاماً فإنها تجزئ وهو رواية عن الإمام أحمد.
والمشهور عند الحنابلة ما ذكره المؤلف وأنها لا تجزئ إلا قبل يوم أو يومين فقط فإن دفعها في يوم الثلاثين أجزأ أو في يوم تسع وعشرين أجزأ إن كان الشهر كاملاً وإن كان ناقصاً يجزئ في يوم ثمان وعشرين.
واستدلوا: بما ثبت في البخاري من قول ابن عمر – وهو راوي حديث صدقة الفطر قال: (وكانوا يعطون " أي الصحابة " صدقة الفطر قبل يوم أو يومين) 1
- وذهب الظاهرية: إلى أنه لا يجزئ إلا أن يخرجها قبل صلاة العيد أما إذا أخرجها في ليلة العيد فإنها لا تجزئه.
واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر وفيه: (وأمر بها أن تخرج قبل الصلاة) 2 قالوا: فأمْر النبي صلى الله عليه وسلم هنا في هذا الحديث دليل على أنها لا تجزئ ليلة العيد أو قبل العيد بيوم أو يومين أو ثلاثة وذلك؛ لأن إخراجها في ليلة العيد أو قبله ليس على أمر النبي صلى الله عليه وسلم وكل عمل ليس على هديه وأمره فهو رد.
ويجاب عن أثر ابن عمر المتقدم: بأنها لم تكن تدفع إلى الفقراء قبل يوم أو يومين وإنما كانت تجمع عند العمال الذين كانوا يجمعون الصدقات فيخرجها المسلم قبل يوم أو يومين أو ثلاثة يخرجها إلى العامل الذي يجمع الصدقة ثم تخرج قبل صلاة العيد.
ودليل هذا: ما ثبت عند ابن خزيمة: أن أيوب السختياني قال: (قلت لنافع: متى كان ابن عمر يخرج زكاته؟ يعني زكاة الفطر، فقال: كان يخرجها إذا قعد العامل، قلت متى يقعد العامل؟ قال: قبل [الفطر] بيوم أو يومين) 3 فدل على أن ابن عمر إنما كان يخرجها إلى العامل فلا يكون هذا دليلاً – وإن كان فيه استثناء – يدل على جواز إخراجها قبل العيد بيوم أو يومين.
وما ذهب إليه الظاهرية – فيما يظهر لي – قوي وأن إخراجها لا يجزئ إلا قبل صلاة العيد، فإذا دخل يوم العيد وذلك بصلاة الفجر فإن الصدقة تجزئ.
أما جمعها عند العمال الذين يجمعون الصدقات كما يقع عندنا هنا في الجمعيات الخيرية أو بعض المتبرعين الذين يجمعون صدقات الفطر ثم يوزعونها بأنفسهم، فإنه يجوز أن يعطوا الصدقة قبل يوم أو يومين، والله أعلم.
قال: (ويوم العيد قبل الصلاة أفضل)
إذا أخرجها يوم العيد قبل الصلاة فهو الأفضل.
قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بذلك فقال ابن عمر: (وأمر بها أن تخرج قبل الصلاة) وهذا يدل على أن الحنابلة وغيرهم ممن ذهب إلى هذا المذهب - واستدل بهذا الحديث - يرى أن هذه الجملة تدل على أن الإخراج المقصود فيها هو الإخراج في يوم العيد قبل الصلاة لا قبله 1 فالمستحب عند الحنابلة أن يخرجها قبل الصلاة وتقدم أنه هو الواجب.
قال: (وتكره في باقيه)
إذا أخرجها بعد صلاة العيد أو بعد صلاة الظهر أو بعد صلاة العصر من يوم العيد ما لم تغرب الشمس فإن هذا الفعل منه مكروه لكن الزكاة تجزئ عنه هذا هو المشهور عند الحنابلة.
وعن الإمام أحمد: أنه يحرم.
وقال الظاهرية، وهو قول الشوكاني: لا يجزئ فإن أخرجها بعد صلاة العيد فإنها لا تجزئ.
وهذا هو ما دل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم الثابت في سنن أبي داود وغيره بإسناد حسن من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم: (فرض زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات) 2 فهذا دليل ظاهر فيما ذهب إليه الظاهرية من أن الزكاة لا تجزئ، لأنه قال: (فهي زكاة مقبولة) ومفهومه أنها إن أخرجت بعد الصلاة فهي ليست زكاة مقبولة وإنما هي صدقة من الصدقات.
فالراجح أنه إن أخرجها بعد الصلاة لعذر أو لغير عذر فإنها لا تجزئ عنه زكاة وإنما هي صدقة من الصدقات فإن كان معذوراً فلا شيء عليه، وأما إن كان غير معذور فإنه آثم لتركه الواجب في وقته.
قال: (ويقضيها بعد يومه آثماً)
أي بعد يوم العيد كأن يخرجها في ليلة الثاني من شوال أو في اليوم الثاني أو الثالث من شهر شوال فإنها تجزئ عنه لكنه آثم فهي زكاة مقبولة لكنه آثم لتأخير الواجب عن وقته.
والصحيح أنها لا تجزئ عنه – أيضاً كما تقدم – بل هنا أولى فلا يجزئ عنه وهو آثم إن لم يكن معذوراً أما إن كان معذوراً فلا شيء عليه.
إذن: المشهور عند الحنابلة أن إخراجها يجزئ قبل يوم أو يومين وأن السنة أن تخرج قبل الصلاة وأنها إن أخرجت بعد الصلاة في يوم العيد فهي زكاة مقبولة لكنها مكروهة وأما إن أخرجها بعد يوم العيد فهو آثم.
والراجح: ما تقدم وأن الواجب عليه أن يخرجها قبل الصلاة فإن أخرجها بعد الصلاة فلا تجزئ عنه سواء كان هذا في يوم العيد أو بعده وإنما هي صدقة من الصدقات.
فإن قيل: لم فرق الحنابلة في هذا؟
فالجواب: لعلهم فرقوا من باب ما ورد في الدارقطني لكن إسناده ضعيف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (أغنوهم عن المسألة في هذا اليوم) 1 أو كما روى، فكأنها عندهم في يوم العيد آكد من غيره.
والحديث وإن كان ضعيفاً لكن المعنى يدل عليه، فإن زكاة الفطر إنما تؤدى يوم العيد لهذا القصد.
فلا يشكل على الفقير طعمته في يوم هو عيد من أعياد المسلمين وهو يوم فطر من رمضان، فيُغنى عن المسألة في هذا اليوم، فالتفريق من هذا الباب.
والحمد لله رب العالمين
الدرس التاسع بعد المئتين
(يوم الثلاثاء: 8 / 1 / 1416 هـ)
فصل
قال: (ويجب صاعٌ من برٍ أو شعير أو دقيقهما أو سويقهما أو تمر أو زبيب أو أقط) " صاع من بر " وهو الحنطة أو القمح.
" أو دقيقهما " الدقيق هو الطحين.
" أو سويقهما " السويق هو ما يطحن من الشعير والبر بعد أن يحمَّص " أي يوضع على النار قليلاً.
" أو أقط " وهو ما نسميه بالبقل.
فهذه الخمس يجب منها صاع صدقة الفطر.
ودليل هذا: ما ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري قال: (كنا نعطيها زمن النبي صلى الله عليه وسلم صاعاً من طعام أو صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير أو صاعاً من زبيب أو صاعاً من أقط) 1 فقد ذكر في هذا الحديث أربعة، وكذلك الحنطة بإجماع الصحابة وسيأتي ما يدل عليه.
إذن: تخرج من هذه الأصناف الخمسة.
والقدر الواجب ما ذكره المؤلف وهو الصاع، وهو الصاع النبوي وتقدم أنه يساوي أربعة أخماس الصاع المعاصر.
وكلام المؤلف يدل على أن القدر الواجب في البر هو الصاع كغيره وهذا هو مذهب جمهور العلماء.
قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم أوجبه – أي الصاع – في هذه الأصناف المختلفة فهي ذوات قيم مختلفة ومع ذلك فقد أوجب الشارع فيها كلها صاعاً فالبر كذلك.
- وذهب الأحناف: إلى أن نصف الصاع من الحنطة يجزئ فإذا أخرج مُدَّيْن من حنطة – أي نصف صاع – فإنه يجزئه ذلك.
واستدلوا:
بما روى أبو داود في مراسيله بإسناد صحيح إلى سعيد بن المسيب - ومراسيله أصح المراسيل عند أهل العلم – قال: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر مدين من حنطة) 1 أي نصف صاع فإن الصاع أربعة أمداد، وله شاهد عند النسائي من حديث ابن عباس، وشاهد ثالث عند الترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وشاهد رابع من حديث عبد الله بن ثعلبة أو ثعلبة بن عبد الله – الشك في الرواية - في سنن أبي داود 2 ، فهذه شواهد تدل على صحة الحديث، فثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو مذهب جمهور الصحابة، فقد رواه ابن المنذر: عن عثمان وعلي وابن عباس وأبي هريرة وجابر وعبد الله بن الزبير وأسماء بنت أبي بكر قال الحافظ ابن حجر: " بأسانيد صحيحة " (3) . وهو ثابت عن عائشة كما هو ثابت عند ابن حزم.
ورواه ابن حزم أيضاً عن أبي بكر وعمر وابن مسعود لكن بأسانيد ضعيفة فهو قول جمهور الصحابة ولا يعلم لهم مخالف إلا ما كان من أبي سعيد الخدري والمخالفة أيضاً ليست صريحة، ففي الصحيحين: (لما جاء معاوية وجاءت سمراء الشام " أي الحنطة " قال معاوية " (إني أرى مداً من هذه يعدل مدين من شعير) فهو قول معاوية أيضاً، فقال أبو سعيد الخدري: (أما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم) .
وعند أبي داود: (لا أخرجه أبداً إلا صاعاً) فهذا قول أبي سعيد، فإن كان صريحاً فالمخالف له جمهور الصحابة، وهو ما تقدم أيضاً ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ويحتمل أن يكون هذا فعل منه من باب الاحتياط، ولا شك أن من أخرج أكثر من الواجب عليه فإنه يجزئه وله أجر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم – فيما تقدم – فيمن أراد أن يخرج ناقة فتية سمينة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (فإن تطوعت قبلناه منك وآجرك الله عليه) (1) .
إذن: ما ذهب إليه الأحناف هو القول الراجح وهو اختيار ابن المنذر وهو من كبار المجتهدين وهو منسوب إلى الشافعية وهو اختيار شيخ الإسلام وهذا هو القول الراجح.
ومثل البر الأرز، فإنه يجزئه أن يخرج نصف الصاع منه إن كان من أطيب أنواع الأرز أما إن كان من النوع الرديء الذي يساوي قيمة الشعير ونحوه فإنه لا يجزئه إلا أن يخرج صاعاً لكن الأحوط وهو الآجر أن يخرج صاعاً.
قال: (فإن عَدِم الخمسةَ أجزأ كل حب وثمر يُقتات)
إذا عدم هذه الخمسة المذكورة فإنه يجزئه كل حب كالذرة مثلاً أو ثمر - يشبه أن يكون هذا التين ونحوه إن يبس 1 - يقتات أي يطعم، وتقدم الكلام على القوت.
إذن: إذا عدم هذه الخمسة فيجزئه كل نوع من أنواع الحبوب أو الثمار التي تقتات أي التي تطعم وتدخر.
- وظاهر كلام المؤلف أنها إذا لم تعدم فلا يجزئه ذلك وأن الحكم مخصوص بهذه الأصناف الخمسة وهذا هو المشهور في المذهب فلو أخرج ذرة أو غيرها من الأطعمة التي تقتات،فإنه لا يجزئه.
وأنه إذا أخرج شيئاً من الأصناف الخمسة وإن كان لا يقتات كالشعير في وقتنا أو الأقط فإنه يجزئه هذا هو المشهور عند الحنابلة.
واستدلوا بالحديث المتقدم الذي فيه ذكر الأصناف الخمسة وهو حديث أبي سعيد. - وذهب جمهور أهل العلم: إلى أن المجزئ ما كان من قوت البلد سواء كان من هذه الأصناف المذكورة أم لم يكن، بل إذا أخرج شيئاً من هذه الأشياء المذكورة وليس قوتاً كالأقط أو الشعير مثلاً عندنا، فإنه لا يجزئه ذلك.
فالمجزئ هو إخراج طعام من طعام البلد وقوته سواء كان من هذه الأصناف الخمسة أم لم يكن منه، وأما ما ليس من قوت البلد فإنه لا يجزئه وإن كان من الأصناف الخمسة المذكورة في الحديث.
فعلى هذا القول: إخراج الشعير في وقتنا لا يجزئ، وإخراج الأقط لا يجزئ.
واستدلوا: بما ثبت في سنن أبي داود وتقدم، من قول الصحابي وهو ابن عباس: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين) فصدقة الفطر إنما شرعت طعمة للمساكين فدل على أن ما كان من طعام البلدة وقوتهم فإنه يجزئ وأن ما لم يكن من طعامهم فإنه لا يجزئه.
قالوا: وإنما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الأصناف الخمسة لأنها كانت قوت البلد، فقد ثبت في البخاري وغيره أن أبا سعيد قال: (وكان طعامنا يومئذ الشعير والزبيب والتمر والأقط) فهو طعامهم ولذا أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بإخراجه.
وهذا القول هو الراجح وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم.
قال: (ولا معيبٌ)
فلا يجزئ إخراج المعيب كأن يكون مبلولاً بالماء أو مسوساً أو أن يكون متغيراً طعمه لقدمه كما يقع هذا في التمر وبعض الأطعمة فيتغير طعمها لقدمها فإنها لا تجزئ لقوله تعالى: ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه﴾ 1 فلا يجزئ أن يخرج من خبيث طعامه وما كان معيباً فهو من خبيث الطعام فلا يجوز إخراجه.
أما إن كان قديماً لكن طعمه لم يتغير وكان الطعام الجديد أحب إلى الناس – وهذا يختلف باختلاف الأطعمة فالتمر مثلاً الجديد أفضل من القديم، بخلاف بعض الأطعمة كالأرز فإن منها ما إذا طالت مدته كان أفضل فالمقصود من ذلك أن الجديد إذا كان أحب إلى الفقير فهو أولى وأفضل في الصدقة، مع أنه يجزئه أن يخرج القديم الطيب.
قال: (ولا خبزٌ)
الخبز ما يصنع من الطحين أي من القمح فلا يجزئ لأنه لا يُدّخر وما ذكر من الأطعمة مما يدخر.
- واختار ابن عقيل من الحنابلة إجزاءه، ووجه هذا القول الزركشي من الحنابلة فاختار أنه يجزئ إخراج الخبز.
وعلى ذلك الأرز المطبوخ يجزئه، وهذا إذا كان الطحين أو الأرز الذي صنع منه الطعام - إذا كان يعدل القدر الواجب إخراجه وهذه المسألة وهي مسألة ثابتة أيضاً في الطحين وفي الدقيق والسويق الذي تقدم ذكره، فلابد أن يكون الطحين أو السويق لابد أن يكون بوزن الصاع من الشعير والصاع من البر وهنا كذلك فإن الطحين الذي يصنع منه الخبز أو الأرز المطبوخ على القول بإجزائه لابد أن يكون قبل الطبخ أو قبل الخبز لابد وأن يكون صاعاً، على القول بأنه لا يجزئه إلا صاع، أو نصف صاع على القول الآخر.
وفيما ذكره – فيما يظهر لي – قوة؛ وذلك لأن قضية الادخار غير معتبرة في صدقة الفطر، فإن المقصود هو إغناء الفقير عن المسألة في يومه ذلك، ولذا أوجبناها على الفقير نفسه إن فضل له عن حاجة يوم العيد وليلته صاع، فليس المقصود الادخار إذ أنها تخرج منه فإن الرجل الذي لا يملك إلا صاعاً من بر وهو فاضل عن قوت يوم العيد وليلته هو فقير ونوجب عليه إخراج هذا الصاع وننهاه عن ادخاره فدل على أن الادخار غير مقصود وأن المقصود هو أن يكون له طعمة في ذلك اليوم.
فما اختاره ابن عقيل قوى، لكن الأحوط ما ذهب إليه الحنابلة في المشهور عندهم وغيرهم.
قال: (ويجوز أن يعُطي الجماعةُ ما يلزم الواحد)
الذي يلزم الواحد هو الصاع، فيجوز أن يدفعه إلى جماعة من الناس بمعنى أن يقسم الصاع على أكثر من مسكين؛ لأنه فعل الواجب عليه، فقد أخرج صاعاً من طعام ففعل الواجب عليه.
- وقال بعض الحنابلة: لا يجزئه.
وهو ظاهر اختيار شيخ الإسلام وأن الصاع هو القدر الذي يحتاج إليه الفقير الواحد وقد قال صلى الله عليه وسلم طعمة للمساكين، ولا شك أنه إذا قسم بينهم هذا حفنة وهذا حفنة، فإن هذا لا يكون لهم طعاماً.
فالأظهر أنه لا يجزئه ذلك، وأن الواجب إخراج القدر المجزئ بشرط أن يكون هذا القدر المجزئ طعاماً، وتحديد الشارع للصاع؛ لأن الصاع هو القدر الذي يحتاج إليه الفقير في طعامه، فلا يجزئه أن يقسم الصاع بين أكثر من مسكين وقد يتساهل فيما إذا كان الصاع يكفي أكثر من مسكين، كأن يقسمه بين مسكينين أو ثلاثة بحيث يكون القدر المعطى لكل شخص منهم أن يكون كافياً لطعامه – قد يتساهل بهذا -. أما أن يقسم بينهم بحيث لا يكفيهم كأن يقسم بين عشرة ونحو ذلك فإن هذا غير مجزئ؛ لأنه لم يحصل به طعمة للمسكين.
هذا هو ظاهر اختيار شيخ الإسلام.
واستثنى فيما إذا كان هناك مضطرون بحيث إنّا إذا قسمنا الصاع بينهم لكل شخص حفنة أنجيناهم من الهلكة والموت فحينئذ – يجوز أن يفرق بينهم، وهذا ظاهرٌ لاقتضاء المصلحة له.
إذن: الأظهر أن هذا الصاع يجب أن يعطى للمسكين؛ لأنه هو القدر الذي يحتاج إليه وبه تندفع حاجته لكن قد يتساهل في هذا ويقال بقول الجمهور إذا كان القدر المعطى يكفي المسكين يومه وليلته فإنه قد يتساهل بهذا كما تقدم.
قال: (وعكسه)
أي ويجوز عكسه وذلك أن يعطى الواحد ما يلزم الجماعة يعني جماعة أخرجوا صدقة الفطر إلى شخص واحد، قال الموفق: (لا نعلم خلافاً بين أهل العلم فيه) 1 .
وذلك لأن هذه الصدقة قد أعطيت مستحقها فبرئت الذمة.
ولو قال قائل: بعدم الإجزاء إلا أن يكون الفقراء قليل لكان قولاً قوياً؛ وذلك لما تقدم من أن زكاة الفطر يؤمر بها الفقير فلا يقصد منها الادخار بل يقصد منها طعمة يومه، وطعمة يومه إنما تكون بصاع كما تقدم فعلى ذلك إذا أعطي أكثر من ذلك فإنما يكون للادخار فلا يناسب شرعاً أن تؤخذ من فقير فتعطى فقيراً آخر فيؤخذ منه ما يمكن أن يدخره فيعطى غيره ليدخره – هذا محل نظر ظاهر.
لكن إن كان أغلب أهل البلد أغنياء يخرجون صدقة الفطر عن يسر – كما يقع هذا كثيراً في بلادنا – والفقراء قليل، فيعطون هذه الأموال وإن كانوا يدخرونها، فإن هذا جائز.
أما أن يُعطي شخصاً ويمنع منها شخص آخر ونقول بإجزاء ذلك، هذا فيه نظر، ولذا فإن الذي ينبغي أن يكون هناك عمّال يرتبون القيام بإخراجها فيخرجونها على سائر فقراء البلدة فلا يدَعوا فقيراً إلا وقد أوصلوا إليه طعمة يوم العيد وليلته، فإذا فضل بعد ذلك شيء من الطعام أُعطى بعد ذلك الفقراء وإن ادخروه، وأما كلام الفقهاء فإن ظاهره الإجزاء مطلقاً وإن كان هناك فقراء لم يصل إليهم شيء من صدقة الفطر مطلقاً.
والأظهر ما تقدم وأن هذا الطعام إنما يقصد به إغناء الفقير ليلة العيد ويومه ولذا يؤمر به الفقير نفسه.
وأصح الوجهين في المذهب أن من لم يجد إلا نصف صاع يفضل عن مؤنة يوم العيد وليلته فإنه يجب عليه إخراجه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) 1
وقد أمرنا بالصاع وعجزنا عنه وأمكننا أن نخرج المد أو نصف الصاع فإن إخراجه هو الواجب علينا وقد قال تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ 1 . مسألة: في الصنف الذي يعطى صدقة الفطر؟
- مذهب الحنابلة: أن أصناف أهل الزكاة هم الذين يعطون صدقة الفطر وهم الأصناف الثمانية المذكورين في قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ الآية.
فعلى ذلك يعطى المؤلفة قلوبهم وتعطى للجهاد في سبيل الله هذا هو المشهور عند الحنابلة.
قالوا: لقوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء﴾ فيدخل في ذلك صدقة الفطر. - واختار شيخ الإسلام: أنها لا تجزئ إلا لمن يستحق الكفارة وهو من يأخذ الصدقة لحاجة نفسه وهو الفقير والمسكين، واستدل بقوله صلى الله عليه وسلم: (طعمة للمساكين) فخصها النبي صلى الله عليه وسلم بالمساكين.
قال: والفارق بينها وبين زكاة المال: أن زكاة المال متعلقة بالمال، فما يخرج من الشياه أو من الإبل أو البقر أو من الذهب والفضة متعلق بهذه الأموال.
أما صدقة الفطر فهي متعلقة بالبدن ولذا يجب على الفقير فأشبهت الكفارة فإن الكفارات ككفارة اليمين وغيرها متعلقة بالبدن لا بالمال فأشبهت صدقة الفطر الكفارة فكانت مستحقة لمن يستحق الكفارة.
وهذا القول هو الراجح؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (طعمة للمساكين) فخصها بالمساكين وأما قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ فإن " أل " هنا عهدية وقد قال تعالى في هذه السورة: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ الآية، فهي صدقة المال.
فقوله: ﴿إنما الصدقات﴾ أي إنما صدقات المال، وأما زكاة الفطر فهي صدقة بدن فهي طهرة للصائم من الرفث فهي صدقة بدن لا صدقة مال.وما اختاره شيخ الإسلام هو الراجح.
فعليه: لا تدفع إلا للفقراء والمساكين طعمة لهم في ذلك اليوم.
والحمد لله رب العالمين
الدرس العاشر بعد المئتين (يوم الجمعة: 11 / 1 / 1416 هـ) باب: إخراج الزكاة
قال: (ويجب على الفور مع إمكانه إلا لضرورة)
يجب على الفور إخراج الزكاة، فمن وجبت عليه زكاة في ماله سواء كانت من المواشي أو عروض التجارة أو من النقد أو غيرها فيجب عليه أن يخرجها فوراً، ولا يجوز له التراخي، وذلك للقاعدة الشرعية التي تقدم ذكرها وهي أن الواجبات على الفور وقد دلت عليها نصوص الشريعة، فعلى ذلك وقد قال تعالى: ﴿وآتوا الزكاة﴾ فيجب عليه أن يؤتيها فوراً، فإن تراخى أثم.
وقيده المؤلف بقوله: (مع إمكانه) أي مع إمكان الإخراج وهذه قاعدة في الواجبات، وأن الواجبات إنما تجب مع القدرة.
والفورية الواجبة هنا: إنما تجب مع القدرة عليها، فإن لم يقدر على أدائها فوراً فإنه لا تجب عليه ذلك بل له أن يتراخى بحسب ما تقتضيه قدرته كأن يكون المال غائباً عنه فلم يتمكن من زكاته إلا متراخياً فإنه يجوز له التراخي لقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ وقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) (1) .
واستثنى المؤلف هنا فقال: (إلا لضرورة) فإذا اقتضت الضرورة تأخير الزكاة فإنه يجوز له تأخيرها وإن كان قادراً على أدائها لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار) فلو أنه مثلاً تأخر عنه الساعي، والساعي يطالب بها عادة، فتأخر عنه الساعي، وعلم أنه إن أداها بنفسه فإن الساعي يطالبه بها وقد لا يصدقه في أنه قد أداها بنفسه، فحينئذ يجوز له أن يتأخر حتى يأتيه الساعي حفظاً للمال وهي من الضروريات الخمس ومثل ذلك: إن احتاج إلى تأخير الزكاة في مؤنة نفسه وكفايتها وحاجتها فله أن يؤخرها؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا ضرر ولا ضرار) .
- وهل يجوز له أن يؤخرها ويتراخى في دفعها ليؤديها إلى من هو أحق بها؟ كأن يكون هناك غائب وهو فقير شديد الحاجة إلى الزكاة أو أن يكون هناك قريب إليه وهو محتاج إلى الزكاة وهو غائب؟
ظاهر كلام بعض الحنابلة المنع من التأخير مطلقاً.
وظاهر قول بعضهم جوازه مطلقاً.
والمشهور عندهم وهو الأظهر: جوازه إن كان التأخير يسيراً عرفاً كأن يتأخر أياماً يسيرة عرفاً كاليوم واليومين، فإنه يجوز له أن يؤخرها ليدفعها إلى من هو أحوج إليها وأحق بها أما إن كان التأخير كثيراً عرفاً فليس له ذلك، وذلك لأن الأصل وجوب دفعها فوراً، وتأخيرها زمناً يسيراً لأدائها إلى من هو أحق بها، الحاجة داعية إليه ولا يفوت به مقصود الشرع من الفورية في الزكاة بل يحصل به مقصود الشرع من دفعها إلى من هو أحق بها.
بخلاف ما إذا كان الزمن كثيراً فإن الزكاة حينئذ تكون عرضة للفوت إما بموت أو إفلاس أو نحو ذلك، ولا يجوز ترك واجب لمندوب.
(1)
قال: (فإن منعها جحداً لوجوبها كفر عارفٌ بالحكم)
أي إذا لم يكن جاهلاً فإنه يكفر؛ وذلك لأنه مكذب لله ورسوله فإن أدلة إيجاب الزكاة ظاهرة من الدين ضرورة فإن جحدها وأنكرها فقد كذب الله في كتابه والنبي صلى الله عليه وسلم في سنته فيكفر هذا إن كان عارفاً بالحكم أما إن كان جاهلاً والجهل ممكن كأن يكون حديث عهد بإسلام فإنه لا يكفر حتى يبين له حكم الله عز وجل وقد أجمع العلماء على أن جاحد وجوبها كافر.
قال: (وأخذت منه)
أي الزكاة لأنها وجبت عليه قبل كفره، فلا يقال: لا تجب الزكاة لأنه كافر، والكافر لا يجب عليه الزكاة فحينئذ ينتقل إلى وارث أو بيت مال، بل يقال الزكاة واجبة؛ لأنها تعلقت في ماله قبل كفره وقبل ردته فكانت واجبة فتؤخذ من ماله زكاة.
قال: (وقتل)
ردةً؛ لأنه كافر بالله عز وجل، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (من بدل دينه فاقتلوه) 1 .
قال: (أو بخلاً أخذت منه)
فمن تركها بخلاً أو تهاوناً وكسلاً فإنها تؤخذ منه قهراً لقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ وهذا حق مالي واجب فكان واجباً على الحاكم أن يأخذه من مانعه إن منعه بخلاً به أو تهاوناً وكسلاً.
2
قال: (وعُزِّر)
لأنه قد ارتكب أمراً محرماً من ترك الزكاة وفعل المحرم – إن لم يثبت فيه حد – فإن الحاكم يعزر به كما سيأتي هذا في باب التعزيرات إن شاء الله.
فإذا منع الزكاة فإن الحاكم يعزره بسجن أو ضرب أو نحو ذلك.
وظاهره أنه لا تؤخذ منه شطر المال، وهذا هو المشهور عند الحنابلة وأن مانع الزكاة تؤخذ منه الزكاة الواجبة فحسب ويعزر على المنع.
3
وعن الإمام أحمد: أنه يؤخذ منه شطر ماله، وهو قول أبي بكر وقول الأوزعي وقول الشافعي في القديم وهو اختيار ابن القيم وقد نصره في تهذيب السنن وأن مانع الزكاة يؤخذ منه نصف ماله الذي وجبت فيه الزكاة مع الزكاة الواجبة، وهذا هو القول الراجح.
لما ثبت في مسند أحمد وسنن أبي داود والنسائي من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده والحديث إسناده جيد، وقد صححه غير واحد من أهل العلم والحديث ثابت جيد السند أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله عَزْمةً من عزمات ربنا) 1
فعلى ذلك يكون هذا من التعزيرات المالية.
فعلى ذلك تؤخذ الزكاة ويؤخذ معها شطر ماله.
قال: (وتجب في مال صبي ومجنون فيخرجها وليهما)
تقدم الكلام على هذه المسألة، وأن الزكاة واجبة في مال الصبي والمجنون ويخرجها عنهما وليهما؛ لأنه هو القائم بالتصرفات المالية عنهما – كما هو مذهب الجمهور خلافاً للأحناف.
وعن أحمد: لا يلزمه الإخراج إن خاف أن يطالب بذلك، كأن يخشى رجوع الساعي، لكن يعلمه إذا بلغ وعقل.
قال: (ولا يجوز إخراجها إلا بنية) فلا تصح الزكاة ولا يجوز إخراجها إلا بنية فإن دفعها على أنها صدقة تطوع مثلاً ثم نواها زكاة فلا يجزئه ذلك أو تنازل عن حق مالي لشخص ثم نواها بعد ذلك زكاة فلا يجزئ - على القول بإجزاء تبرئة المدين زكاة –؛ وذلك لأن الزكاة عمل، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات) (2) فلا يصح العمل إلا بالنية ولا يجزئ إلا بها فإذا دفع شيئاً من ماله بغير نية الزكاة، كأن يرى مسكيناً مثلاً فيعطيه ولم ينوها زكاة فإنه لا يجزئه زكاة بل صدقة من الصدقات لحديث: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) قال: (والأفضل أن يفرقها بنفسه) فالأفضل له أن يفرقها بنفسه سواء كانت الزكاة من الأموال الباطنة كالذهب والفضة أو كانت من الأموال الظاهرة كالمواشي فالأفضل له أن يتولاها بنفسه فيفرقها على مستحقيها وذلك لأنه بهذا الفعل يتيقن وصولها إلى مستحقيها وله أن يدفعها إلى الإمام أو السعاة هذا هو المشهور عند الحنابلة
فالأفضل – عندهم – أن يدفعها بنفسه ويفرقها بنفسه سواء كانت الأموال الظاهرة أو الباطنة، قالوا: لأنه بذلك يتيقن وصولها إلى مستحقيها.
وقال بعض الحنابلة كأبي الخطاب وهو مذهب الشافعية: بل الأفضل له أن يدفعها إلى الإمام، وهو رواية عن الإمام أحمد في الأموال الظاهرة وفي صدقة الفطر.
وهذا القول هو الظاهر وأن الأفضل أن يدفعها إلى الوالي؛ وذلك لأنه بهذا الفعل تزول التهمة عنه ولأن الصحابة كانوا يدفعونها إلى العمال والسعاة، وكانت تجبى في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وكان الناس يدفعونها إلى السعاة كما هو مشهور في غير ما حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا القول هو الأرجح، وأن الأفضل له أن يدفعها إلى الإمام إن كان الإمام عادلاً يضعها في مواضعها.
وظاهر كلام المؤلف أن له أن يدفعها إلى الإمام مطلقاً، لأنه قال: (الأفضل له أن يفرقها بنفسه) وظاهره أنه إن دفعها إلى الإمام جاز ذلك مطلقاً سواء كان الإمام عدلاً أو جائراً، وإن علم أنها تصرف في غير مصارفها وتوضع في غير مواضعها هذا هو المشهور عند الحنابلة.
فإن كان الإمام عادلاً ويضعها في مواضعها فلا إشكال في جواز دفعها إليه بل أفضلية ذلك – كما تقدم –.
وأما إن كان الإمام لا يضعها في مواضعها ولا يدفعها إلى مستحقيها وأمكنه أن يكتمها عنه فمذهب المالكية والشافعية وهو اختيار القاضي من الحنابلة وصوبه صاحب الإنصاف: أنه ليس له أن يدفعها – حينئذ – إلى الإمام.
وهذا هو القول الراجح؛ وذلك لأن مقصود الشارع إيصالها إلى مستحقيها وحيث دفعت إلى سلطان لا يضعها مواضعها فإن في ذلك تضييعاً للحق عن صاحبه.
هذا حيث لم تترتب فتنة، بين الحاكم والمحكوم أما إن ترتب فتنة فإن ذلك لا يجوز للفتنة.
أما إذا كان الإمام عادلاً، فإن المشهور عند الحنابلة جواز دفعها إليه وله أن يصرفها بنفسه وتقدم أن المستحب له أن يدفعها إلى الإمام.
لكن هل يجب دفعها إلى الإمام أم لا؟
إذا كانت الأموال باطنة فقد أجمع العلماء على أنه يجوز له أن يصرفها بنفسه ولا يجب عليه أن يدفعها إلى الإمام.
أما أن كانت الأموال ظاهرة:
فقال الحنابلة والشافعية: يجوز له أن يفرقها بنفسه ولا يجب أن يدفعها إلى الإمام.
وقال المالكية والأحناف: بل يجب أن يدفعها إلى السلطان.
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ 1 وبأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعث السعاة في الأموال الظاهرة.
وأما الحنابلة فاستدلوا: بالقياس على الأموال الباطنة إذ لا فرق وأما ما ذكرتموه من الأدلة، فإنه ليس فيه إلا إيجاب ذلك على الحاكم أو السلطان وأنه يجب عليه أن يأخذ الأموال فيصرفها إلى مستحقيها، وليس فيه وجوب ذلك على صاحب المال، وحيث دفعها – وهي الأموال الظاهرة – فإن الذمة تبرأ بذلك لأنها زكاة قد أعطيت مستحقها.
هذا: إذا لم يطالب بها الإمام، فإن طالب بها الإمام فيجب دفعها إليه سواء كانت باطنة أو ظاهرة؛ وذلك لما في منعها من الفتنة والافتيات على السلطان، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (قد عفوت عن الخيل والرقيق فهاتوا صدقة الرقة) 2 كما ثبت في أبي داود بإسناد حسن، فقوله: (هاتوا) أمر والأمر للوجوب.
- بيان هذه المسألة مرة أخرى وتفاصيلها:
إن طلب الإمام أو نائبه الزكاة في الأموال الظاهرة أو الباطنة فيجب دفعها إليه لما في منعها من الافتيات عليه، ولما في ذلك من الفتنة ولقوله صلى الله عليه وسلم – وهو الإمام -: (فهاتوا صدقة الرقة) وظاهر الأمر الوجوب.
فإن لم يطالب بها الإمام ولم يرسل السعاة إلى جلبها من الناس بأعيانهم فهل يجب أن يدفعها إليه أو يجوز له أن يفرقها بنفسه؟ إن كانت باطنة فيجوز بالإجماع.
وإن كانت ظاهرة ففي ذلك قولان لأهل العلم:
أصحهما وهو المشهور عند الحنابلة والشافعية – جواز تفريقها بنفسه؛ وذلك لأن الأدلة الواردة ليس فيها ما يدل على وجوب دفعها إلى الإمام وإنما فيها وجوب الإخراج، ووجوب أخذها من السلطان وليس فيه وجوب دفعها إليه إلا أن يطالبه السلطان بها فيجب حينئذ لما تقدم.
ثم هل الأفضل له أن يدفعها إلى الإمام أم الأفضل له أن يفرقها بنفسه؟
الراجح – وهو مذهب الشافعية – أن الأفضل له أن يدفعها إلى الإمام لفعل الصحابة، ولزوال التهمة.
- أما إذا ثبت له أن الإمام لا يضعها في مواضعها ويتصرف فيها بغير حق وأمكنه كتمها:
فمذهب المالكية والشافعية وهو قول القاضي من الحنابلة وصوبه صاحب الإنصاف: أنه لا يجوز له دفعها إليه كما تقدم.
والمشهور من المذهب أنها تدفع إليه.
ومما يدل على وجوب دفعها إلى الإمام إن كان الإمام يطالب بها وإن كان الإمام لا يضعها مواضعها ولا يتصرف بها تصرفاً شرعياً آثار الصحابة، ففي البيهقي بإسناد جيد أن ابن عمر قال: (ادفعوها إليهم وإن أكلوا بها الكلاب) (1) ، وقال في رواية: (وإن شربوا بها الخمر) 1 . وثبت في مصنف عبد الرزاق بإسناد صحيح عن أبي صالح قال: اجتمع عندي مال، فأتيت ابن عمر وأبا هريرة وأبا سعيد وسعد بن أبي وقاص فقابلت كل واحد منهم وقلت له: إن هؤلاء يضعونها حيث ترى: " أي لا يضعونها في مواضعها الشرعية " وإني قد وجدت لها موضعاً حسناً، فكلهم قالوا: أدها إليهم) 2 . إذن: إذا كان الإمام يطالب بها فيجب دفعها إليه وإن كان لا يضعها في مواضعها، أما إذا لم يطالب بها أو أمكن كتمها ما لم يترتب على ذلك فتنة فإنه يجب كتمها كما تقدم.
3
ويجوز له أن يدفعها إلى ثقة توكيلاً هذا جائز لا حرج فيه، فإذا أعطى زكاته ثقة يؤديها إلى مستحقيها فلا بأس؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد وكل في زكاة ماله فقد وكل معاذ بن جبل في أخذ زكاة أهل اليمن ويفرقها بينهم وكان يوكل السعاة في أخذ الزكاة ويفرقها فدل ذلك على جواز التوكيل ولأنه يحصل المقصود ولا دليل أيضاً على منعه.
وهل يجب عليه أن يعلم الفقير أنها زكاة مال أم لا يجب عليه ذلك؟
نص الإمام أحمد على أنه لا يجب ذلك وأنه لا يستحب له؛ لما في ذلك من كسر قلب الفقير.
واستثنى الحنابلة: من كان عادته ألا يقبل الزكاة ويتنزه عنها فإنه حينئذ لا يدفع إليه إلا أن يخبر أنها زكاة، وقالوا: إن دفعت إليه من غير أن يذكر له أنها زكاة فإن ذلك لا يجزئ.
هذا هو المشهور عند الحنابلة.
وقال بعض الحنابلة: بل يجزئ.
وهذا هو الظاهر؛ وذلك لأنه من المستحقين وقد دفعت إليه علم أنها زكاة أم لم يعلم فهي زكاة قد دفعت إلى مستحق لها وهو من أهل الزكاة ولا دليل على عدم إجزائها والأصل هو الإجزاء لكن الذي ينبغي أن يخبر بذلك وألا يفتات عليه فيعطى ما لا يرضى ويعطى ما يتنزه عنها بل يخبر أنها زكاة فإن قبلها فذاك وإن ردها فكذلك.
ومع ذلك فالذي يظهر: أنه إذا اقتضت المصلحة الشرعية والحاجة عدم إخباره فإنه لا يخبر، كأن يكون هناك أحد من الناس يتنزه عنها تنزهاً بالغاً وعليه حاجة شديدة ويخشى عليه الهلكة ونحو ذلك وإن دفعت إليه وأخبر أنها زكاة لم يقبلها فالذي ينبغي ألا يخبر بذلك إذ لا ضرر عليه.
لكن إن لم يكن الأمر على هذه الصفة فالذي ينبغي هو الإخبار وفي كل الحالات فإنها تجزئ لأنها زكاة توفرت فيها الشروط الشرعية ودفعت إلى مستحقيها ولا دليل على عدم إجزائها والأصل هو الإجزاء، أما إذا كان لا 1 يتنزه عن قبولها فلا ينبغي إخباره بل تدفع إليه بلا إخبار؛ لئلا يكسر قلبه بذلك.
هذا إن كان كسر القلب يحصل بذلك، أما إن كان كسر القلب يحصل بدفعها على أنها صدقة من الصدقات، بينما إذا دفعت على أنها زكاة رأى أن هذا حق من الله - عز وجل - دفع إليه قهراً من الغنى، وأنه لا منة للغني بذلك، فالأولى هو الإخبار بأنها زكاة؛ لئلا يبقى في قلبه منة لهذا الدافع - ولا منة له بذلك فهو حق من الله في مال هذا الغني دفع إلى هذا الفقير -.
فالمقصود من ذلك: أنه حيث حصل كسر قلب الفقير فإنه لا يخبر بذلك وإن كانت عادته عدم القبول فينبغي أن يخبر بذلك، فإن لم يخبر أجزأت على الراجح وهو قول بعض الحنابلة.
قال: (ويقول عند دفعها هو وآخذها ما ورد)
أما هو فيقول عند دفعها: (اللهم اجعلها مغنماً ولا تجعلها مغرماً) 1 لكن الحديث رواه ابن ماجه وإسناده ضعيف.
وأما آخذها من السعاة فيقول ما ورد وهو ما ثبت في الصحيحين - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - - عن عبد الله بن أبي أوفى: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه الناس بصدقتهم قال: اللهم صل على آل فلان، فأتاه ابن أبي أوفى بصدقته فقال: اللهم صل على آل أبي أوفى) 2 أي: اللهم أثن عليهم، فهو من باب الدعاء وقد قال تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم﴾ (3) أي ادع لهم.
فيستحب للإمام أو نائبه أن يدعو لدافعها وهذا الدعاء الوارد في الآية والحديث ليس خاصاً بالنبي صلى الله عليه وسلم بل عام له ولغيره ولكن الخاص به هذا الفضل المذكور بقوله: ﴿إن صلاتك سكن لهم﴾ ، ونظير هذا: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن هذا القبور مملوءة ظلمة على أهلها وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم) 1 فلا يعني هذا أن الصلاة على الميت في قبره خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، بل ذلك عام له ولغيره، لكن هذا الفضل وهو أن الله ينورها بالصلاة خاص بالنبي - صلى الله عليه وسلم -.
مسألة:
إذا منع الزكاة بخلاً فإنها تؤخذ منه شطر ماله معها وهذا الشطر هل يصرف مصرف الفيء أو مصرف الزكاة؟
الظاهر أنه يصرف مصرف الزكاة لأنها متولدة من الزكاة فسببها الزكاة ولقوله صلى الله عليه وسلم: (ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا ولا تحل لآل محمد منها شيئاً) 2 وآل محمد تحل لهم الفيء أما الزكاة فلا تحل لهم.
فالأظهر أنها تكون لها مجرى الزكاة.
مسألة:
مستحق الزكاة هل الأفضل له أن يقبلها أم يتنزه عنها؟
الجواب: بل يقبلها إلا أن يترتب على ذلك مفاسد، وإلا فإن الصحابة كانوا يقبلونها وتقدم أثر معاذ: (خير لأصحاب المدينة) 3 فلا شك أن التنزه عما كان عليه الصحابة تنزه مذموم وهي حق من الله - عز وجل - وليس فيها منة فالتنزه عنها ليس بسليم لكن قد يمتنع عنها الشخص إذا كان الناس يرونها مذمة فيكرهها لذلك وإن كان قد يقبلها باطناً لكنه ظاهراً لما يرى من مذمة الناس لذلك فحينئذ، والأصل أنه لا مذمة فيها فهي مال من الله ليس للغني فيه منة.
مسألة:
رجل زكاة ماله عشرة آلاف ريال، ويريد من فلان عشرة آلاف ريال، فهل له أن يحلل الفقير مما عليه من الدَّيْن ويخصم هذا من زكاته هل يجوز أم لا؟
الذي يظهر أن المسألة فيها تفصيل – وإن كان فيما يظهر لي أن المشهور عند الحنابلة المنع مطلقاً.
لكن الأظهر هو التفصيل وهو أن يقال: إن كان حقه يخشى ضياعه كأن يكون على معسر فإنه ليس له ذلك؛ لأن هذا المال الذي على هذا الفقير بحكم المال الضائع، فليس له حينئذ أن يخرج هذا من زكاة نفسه، أما إذا كان في حكم ما في يده من المال كأن يكون له دين على فلان عشرة آلاف وهو يعلم أنه قادر على الوفاء وهو وفيّ فيجوز له ذلك؛ لأنه له أن يدفع إليه الزكاة مباشرة وللفقير إذا دفعها إليه أن يعيدها إليه وإن كان قد يمنع من هذا إن قلنا بالمسألة على مذهب الحنابلة إن كان فيها مواطأة لكن لو دفعها إلى هذا الفقير المدين له ثم أعادها هذا المدين من غير مواطأة، لقلنا بالإجزاء فلا فرق حينئذ بين أن يحلله منها مع علمه بقدرته على الوفاء لكن إن كان غير قادر على الوفاء فإنه لا يجوز ذلك، ولما في ذلك من تفويت الزكاة لأنه لا يكاد يجد غنياً إلا له أموال كثيرة قد ذهبت في أيدي كثير من الناس لا يمكن تحصيلها فإذا فعل هذا الفعل خرجت الزكاة وخرجت عن مستحقيها لذا المشهور في المذهب عدم الجواز مطلقاً.
والحمد لله رب العالمين
الدرس الحادي عشر بعد المئتين (يوم السبت: 12 / 1 / 1416هـ)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (والأفضل إخراج زكاة كل مال في فقراء بلده ولا يجوز نقلها إلى ما تقصر فيه الصلاة) .
فالأفضل – أي المستحب – إخراج زكاة كل مال في فقراء بلده ولا يجوز نقلها إلى ما تقصر فيه الصلاة وبهذه الجملة يتبين أن مراد المؤلف في قوله: (والأفضل إخراج زكاة كل مال في فقراء بلده) التفضيل بين إخراجها في بلد المال وبين إخراجها في موضع آخر بينه وبين البلد الذي فيه المال الزكوي - بينه - مسافة لا تقصر فيه الصلاة، فعلى ذلك الأفضل له أن يخرج الزكاة في البلد أفضل له من أن يخرجها في البوادي أو في القرى القريبة من البلدة أو في المدن القريبة منها التي ليس بينها وبين هذه المدينة - التي فيها المال - مسافة قصر.
أما إذا نقلها إلى بلدة بينها وبين هذه البلدة التي فيها المال الزكوي مسافة قصر فإن ذلك النقل محرم فأصبح عندنا ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن يخرج الزكاة في بلدة المال فهذا هو الأفضل.
الحالة الثانية: أن يخرجها إلى بادية أو بلدة قريبة إلى بلدة المال بحيث أنه ليس بينها وبين بلدة المال مسافة قصر فهنا يجوز له ذلك.
والحالة الثالثة: أن يخرجها إلى بلدة بينها وبين بلدة المال مسافة قصر فهذا حرام لا يجوز.
أما الحالة الأولى: فدليلها ما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل: (فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم) (1) أي في فقراء أهل اليمن، وثبت في سنن أبي داود أن زياد بن أبيه أو بعض الأمراء بعث عمران بن حصين على الصدقة، فلما رجع عمران قال له: (أين المال؟ فقال: وللمال أرسلتني؟ أخذناها [من] حيث كنا نأخذها على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ووضعناها حيث كنا نضعها على عهد النبي صلى الله عليه وسلم) 1 فدل على أنهم لم يكونوا يجبون الصدقة إلى بلدة الإمام وإنما كانوا يضعونها في فقراء البلد إلا إن فضل شيء فإنهم يرجعون به إلى بلدة الإمام.
ومما يدل عليه من النظر: تعلق قلوب الفقراء من أهل البلدة بهذا المال فصرفها إلى غيرهم كسر لقلوبهم ولا شك أن الشارع يراعي جبر خواطرهم.
وأما دليل الحالة الثانية: وهي أن يخرجها إلى موضع آخر بينه وبين البلدة دون مسافة القصر
فقالوا: لأنها بمعنى البلدة الواحدة لعدم قصر الصلاة بينهما فمن أتى من هذه البلدة إلى هذه لم يقصر، وكذلك العكس.
وهذا فيه نظر، لأن ظاهر الأحاديث المتقدمة أنها تصرف في الموضع نفسه، ولذا قال صاحب الفروع: " ويتوجه احتمال بالمنع " 1 أي منع صرفها في بلدة أخرى وإن كانت هذه البلدة ليس بينهما وبين بلدة المال إلا مسافة لا تقصر فيها الصلاة وهذا القول هو الأرجح، وأن الزكاة مختصة بالموضع نفسه فلا يصرف إلى البوادي أو البلدان القريبة التي لا تقصر فيها الصلاة وذلك لظاهر الأحاديث ولما تقدم من التعليل وهو تعلق قلوب الفقراء بها والذين تتعلق قلوبهم هم فقراء البلد نفسه.
أما الحالة الثالثة: وهو أن ينقلها إلى بلدة تقصر فيها الصلاة:
- فالمذهب المنع وأن ذلك لا يجوز وهذا مذهب جمهور العلماء والدليل ما تقدم من الأدلة السابقة فهي دليل على أنه لا يجوز له أن يصرفها في بلدة أخرى وأنها إنما تصرف في الموضع نفسه.
وظاهر كلام الحنابلة وغيرهم أن ذلك ممنوع مطلقاً للسلطان ونائبه وصاحب المال، فلا يجوز لأحد منهم أن ينقلها من بلدة إلى بلدة أخرى.
فظاهر قولهم أيضاً أنه وإن دعت المصلحة لهذا، كأن تنقل لطلاب علم في بلدة أخرى أو لشديدي حاجة أو لثغر من الثغور الإسلامية أو لهلكة في بلدة من البلاد الإسلامية أو نحو ذلك وأن هذا لا يجوز مطلقاً.
- وعن الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام: جواز ذلك، واختاره طائفة من الحنابلة، وأنه إذا كانت ثمت مصلحة تقتضي نقلها من بلدة المال إلى بلدة أخرى لكون هذه البلدة الأخرى فيها طلاب علم أو فيها شديدو حاجة أو فيها مجاهدون هم على ثغر من الثغور الإسلامية، أو نحو ذلك من المصالح، فإذا ثبتت المصلحة ورجحت الحاجة فيجوز، وهذا القول هو الراجح الذي تقتضيه القواعد الشرعية من مراعاة المصالح وترجيح الأصلح على الصالح والأنفع على النافع وشديد الحاجة على المحتاج وهو أعظم نفعاً من أن يختص بها فقراء البلد مع كون الحاجة والمصلحة تقتضي نقلها إلى غيرهم.
ومما يستدل على هذا ما تقدم من أثر معاذ بن جبل من نقله صدقة أهل اليمن أو شيئاً منها إلى فقراء الصحابة في المدينة.
فعلى ذلك: النقل لا يجوز إلا أن تكون هناك مصلحة راجحة فإنه يجوز.
قال: (فإن فعل أجزأت) تقدم أنه لا يجوز له أن يخرجها من بلدة المال إلا لمصلحة راجحة فإن نقلها لغير مصلحة على الراجح – فإن ذلك لا يجوز ولكن هل تجزئ؟ قال المؤلف: (أجزأت) ؛ وذلك لأنها زكاة أعطيت مستحقاً لها وكونها تنقل إليه مع وجود من هو أحق منه، هذا يقتضي التحريم والإثم دون البطلان، فهو مستحق لها، فقد أخذها بحق، وهي زكاة مال صرفت إلى مستحق لها فأجزأت، ونقلها إليه من مستحقها الأصلي لا يبطلها بل تكون مجزئه ويثبت الإثم.
قال: (إلا أن يكون في بلد لا فقراء فيه) فإذا كان في بلد لا فقراء فيه فقد اتفق أهل العلم على أنه يجوز له أن ينقلها إلى بلدة أخرى وذلك لعدم المزاحم الأحق، ففي المسألة السابقة هناك مزاحم أحق وهو صاحب البلدة الفقير، وأما هنا فإنه قد عدم فلا مزاحم أحق فيجوز حينئذ دفعها إلى بلدة أخرى، وهذا لا خلاف بين أهل العلم فيه.
قال: (فيفرقها في أقرب البلاد إليه)
إذا وجبت عليه زكاة المال وكان البلد الذي هو فيه لا فقراء فيه فإنها تنقل كما تقدم، وحينئذ فيجب عليه أن يدفعها إلى أقرب البلاد إليه، فليس [له] أن ينقلها إلى بلدة بعيدة مع وجود بلدة قريبة يستحق أهلها دفع الزكاة.
قالوا: لأنهم أولى بها لقربهم وهذا التعليل ليس بتعليل قوي، والحنابلة ينقضونها في المسألة السابقة وهي جواز نقلها إلى بلدة لا تقصر فيها الصلاة فإنهم ينقلونها من الموضع الذي وجبت فيه الزكاة إلى موضع آخر لا تقصر فيه الصلاة ويرون جواز ذلك.
وهذه المسألة أولى بالجواز من المسألة السابقة، فينقلها إلى بلدة بعيدة مع وجود بلدة قريبة أولى من نقلها من موضع إلى موضع آخر يشتركان في عدم قصر الصلاة.
والأظهر هو جواز ذلك وأنه يجوز أن ينقلها إلى موضع بعيد مع وجود موضع قريب، وذلك لأن مستحقيها في الأصل هم فقراء البلد، فحيث عدموا جاز له أن يصرفها في أي موضع شاء، ولا دليل على إلزامه بموضع قريب دون موضع بعيد لكن لا شك أن الأولى هو دفعها إلى الموضع القريب وكونه أولى لا يعني ذلك وجوبه فليس هو أحق لكنه أولى بالدفع.
والأفضل له أن ينقلها إلى الموضع القريب لأن أهل الموضع القريب أولى بمعروفه فالأقربون أولى بالمعروف.
قال: (فإن كان في بلد وماله في آخر أخرج زكاة المال في بلده)
بعني بلد المال، فقوله: (في بلده) ضمير الغائب يعود إلى المال لا صاحب المال.
أي إن كان في بلد من البلاد وماله في بلد آخر فإنه يخرج زكاة المال في بلد المال؛ وذلك لأن الزكاة متعلقة بالمال فتدفع في موضعه، ولأن الفقراء متعلقون بها في موضعها فوجب أن تدفع لهم.
بخلاف صدقة الفطر فلتعلقها في البدن تدفع في الموضع الذي هو فيه لذا قال:
(وفطرته في بلد هو فيه)
وإن كان ماله في موضع آخر، فلو كان من أهل هذه البلدة وسافر مثلاً إلى مكة ووافق يوم الفطر فيها فإنه يخرج زكاة الفطر في مكة وهكذا؛ وذلك لتعلقها بالبدن لا بالمال.
إذن: زكاة المال لتعلقها بالمال تدفع في الموضع الذي فيه المال، وأما صدقة الفطر فإنها تدفع في الموضع الذي هو فيه لتعلقها بالبدن.
قال: ويجوز تعجيل الزكاة لحولين فأقل)
فيجوز له تعجيل زكاة المال، وذلك أن يخرجها قبل وقت وجوبها، أي يبقى عليه شهر ويمضي عليها الحول فيخرجها قبل شهر مثلاً أو أن يخرجها في أول السنة.
جمهور العلماء على جواز تعجيل الزكاة.
ومنعه المالكية؛ واحتجوا على المنع بقوله صلى الله عليه وسلم: (لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول) (1) قالوا: أي لا زكاة صحيحه.
وقالوا: لأن الشارع وقت لها ميقاتاً فلا يجوز تقديمها على ميقاتها كالصلاة، فكما أنه ليس له أن يصلي قبل زوال الشمس فليس له أن يدفع زكاة ماله قبل حلول الحول ومضيه.
وقال الجمهور: يجوز ذلك، واستدلوا: بما ثبت في أبي داود والترمذي وابن ماجه من حديث علي بن أبي طالب – والحديث حسن – أن العباس بن عبد المطلب سأل النبي - صلى الله عليه وسلم -: (في تعجيل زكاته قبل أن تحل، فرخص له في ذلك) 2 ، وهو عند أبي عبيد القاسم بن سلام أن النبي صلى الله عليه وسلم: (تعجل صدقة العباس سنتين) (3) والحديث حسن كما تقدم.
قالوا: ولأن تأخيرها إلى حلول الحول ومضيه لمصلحة الغني لينمو ماله ويزداد، فإذا قدمها قبل وقتها فهو محض حقه، فإذا فعل هذا باختياره فإن هذا يجزئ عنه ويجوز له.
وهذا القول هو الراجح.
والجواب عما استدل به المالكية: