فإن المؤمنين يتوسلون إلى الله بدعائهم، فقد ثبت في البخاري عن عمر أنه قال: (اللهم إنا كنا نستسقي إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبيك فاسقنا) ، فيستحب للإمام أن يدعو أهل الصلاح والخير والمشهورين بالتقوى والعبادة والعلم ونحو ذلك - يدعوهم - لحضورها فإنا نتوسل إلى الله بدعائهم وتأمينهم لإنزال القطر.
قال: (والشيوخ والصبيان المميزون)
فإنه إنما يطلق الصبي على المميز، ويخرج من ذلك الطفل فإنه ليس محلاً للعبادة، بخلاف الصبي المميز فإنه محل للعبادة فقد قال صلى الله عليه وسلم: (مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر) فيدعى الشيوخ من أهل السن، ويدعى الصبيان المميزون الذين تصح عبادتهم، لقوله صلى الله عليه وسلم كما في البخاري: (هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم) .
قال: (وإن خرج أهل الذمة منفردين عن المسلمين لا بيوم لم يمنعوا)
إذن: لا يستحب أن تدعى إليها أهل الذمة، فهم أعداء الله وأعداء دينه وهم قد كفروا بنعمة الله عز وجل، فقمن ألا يستجاب لهم في دعوتهم مع المؤمنين، بل يخشى أن يقع ضد ذلك، فلم يكن مستحباً دعوتهم إلى حضور استسقاء المؤمنين، لكن إن خرجوا منفردين عن المسلمين لا بيوم لم يمنعوا.
إذن: يخرجون لكن يخرجون منفردين أي هم بجهة والمؤمنون بجهة أخرى، وعللوا ذلك: بأنهم قد تقع العقوبة عليهم من الله كما وقعت على من قبلهم فيما وقع على قوم عاد في استسقائهم فذكر الله أنهم رأوا سحابة فظنوها مطراً فإذا فيها عذاب الله عز وجل: ﴿فلما رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم﴾ ، وقد قال تعالى: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾ .
إذن: استحب الفقهاء أن يكون خروج أهل الذمة من اليهود والنصارى إن خرجوا أن يكون خروجهم على هيئة الانفراد عن المؤمنين.
وعللوا ذلك: بأنهم مظنة العقوبة من الله عز وجل فيخشى أن تقع العقوبة عليهم وعلى المسلمين عامة كما قال تعالى: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾ وكما قص الله علينا في قوم عاد ما قص من نزول العذاب عليهم وقد حسبوه سحاباً ينزل عليهم به المطر.
وألا يكون ذلك بيوم يختصون به، بل يكون خروجهم بنفس اليوم الذي يخرج به المؤمنون، فيكون اليوم واحداً للجميع.
قالوا: لئلا يوافق ذلك اليوم نزول مطر فتقع الفتنة عليهم وعلى بعض الأغرار من المؤمنين فيقولون مطرنا بسببهم.
فإذن: لا يمنع أهل الذمة من الخروج إن خرجوا، ولا يدعون له، لكن إن خرجوا فيكون خروجهم – أولاً – على هيئة الانفراد عن المؤمنين، وألا يختصوا بيوم خاص بهم بل يكون هو اليوم الذي خرج به المسلمون.
مسألة: وقت صلاة الاستسقاء ابتداءً كوقت صلاة العيد لذا قالت عائشة: (فخرج حين بدا حاجب الشمس) فوقتها وقت صلاة العيد في الأفضلية ولا تصلى في وقت النهي للسعة، فإن وقتها متسع بخلاف صلاة الكسوف، فيصلى في وقت صلاة العيد وهذا على الأفضلية عند جمهور أهل العلم.
لكن لو صلاها في وقت آخر كبعد الزوال لم يمنع من ذلك، وهذا عند جمهور أهل العلم.
والحمد لله رب العالمين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فيصلي بهم، ثم يخطب واحدة يفتتحها بالتكبير كخطبة العيد)
هنا مسألتان:
المسألة الأولى: أن خطبة الاستسقاء بعد الصلاة، فيصلي ثم يخطب.
المسألة الثانية: أنها خطبة واحدة.
أما المسألة الأولى: فهذا هو مذهب الجمهور وهو المشهور في المذهب من أن الخطبة تكون بعد الصلاة.
واستدلوا: بما رواه البيهقي في سننه عن أبي هريرة قال: (استسقى النبي صلى الله عليه وسلم فصلى ركعتين بلا أذان ولا إقامة ثم خطبنا) ، وبالقياس على صلاة العيد، فإنها أشبهتها بالصفة فالقياس يقتضي أن تكون الصلاة قبل الخطبة.
- القول الثاني، وهو رواية عن الإمام أحمد وهي سوى الرواية المشهورة عنه المتقدمة، وهو مذهب الليث بن سعد وابن المنذر: أن الخطبة قبل الصلاة، فيخطب ثم يصلي.
واستدلوا: بحديث عبد الله بن زيد بن عاصم المازني المتقدم وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (توجه إلى القبلة يدعو وحول رداءه ثم صلى ركعتين) ، فكانت خطبته وهي الدعاء قبل صلاته.
وبحديث أبي داود المتقدم من حديث عائشة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم: (لما أتى المصلى قعد على المنبر فخطب الناس) الحديث.
وتقدم: وفيه (ثم نزل فصلى ركعتين) . قالوا: فهذان حديثان صحيحان عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا ثبت الحديث فإنه لا يصح القياس بل القياس مع النص فاسد، وأما حديث أبي هريرة فإن فيه النعمان بن راشد وهو ضعيف فعلى ذلك الحديث ضعيف.
فعليه: الصحيح أن الخطبة قبل الصلاة كما هو رواية عن الإمام أحمد.
أما المسألة الثانية: فهي أن الخطبة إنما تكون واحدة – وهذا خلافاً لمذهب مالك والشافعي وأن المشروع أن تكون خطبتين إذ لا دليل على ما ذهبوا إليه – فإن الأحاديث التي تقدم ذكرها التي فيها خطبته، ليس فيها أنه خطب خطبتين.
وقياسهم على الجمعة أو على العيد قياس مع ثبوت الحديث المخالف عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا يلتفت إلى هذا القياس مع ثبوت ما هو ظاهر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه إنما خطب خطبة واحدة – وهذا هو المشهور في مذهب الحنابلة وأن المشروع أن تكون خطبة واحدة.
قال: (يفتتحها بالتكبير كخطبة العيد) . فيفتتحها بالتكبير تسعاً، كخطبة العيد.
وعن الإمام أحمد وهو اختيار ابن رجب من الحنابلة: أن التكبير لا يشرع أن يفتتح به في خطبة الاستسقاء بل تفتح بالحمد كسائر خطبه صلى الله عليه وسلم.
والصحيح ما ذهب إليه أهل القول، وأنها تسن أن تفتح بالحمد وبالتكبير.
لحديث عائشة المتقدم قالت: (فكبر رسول الله وحمد الله) ، لكن ليس فيه أن التكبير تسع بل فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كبر مفتتحاً خطبته، فالمستحب له هو التكبير والحمد من غير أن يحدد ذلك بعدد معين بل يقال بمطلق التكبير.
قال: (ويكثر فيها الاستغفار وقراءة الآيات التي فيها الأمر به)
فيكثر فيها الاستغفار، ويكثر قراءة الآيات التي فيها ذكر الاستغفار كقوله تعالى: ﴿فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً يرسل السماء عليكم مدراراً﴾ ونحوها من الآيات التي فيها الأمر بالاستغفار، وقد ثبت في الصحيحين: أن عبد الله بن يزيد – وكان من صغار الصحابة وكان والياً على الكوفة – (خرج ومعه البراء بن عازب وزيد بن أرقم – وهما صحابيين فقام بهم على الأرض على غير منبر فاستغفر الله ثم صلى ركعتين بلا أذان ولا إقامة) فقوله: " استغفر " وهو صحابي ويقر من صحابيين من الصحابة يدل على مشروعية الاستغفار في الخطبة.
قال: (ويرفع يديه في خطبته)
وقد ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد ثبت في الصحيحين عن أنس قال: (لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء حتى يرى بياض إبطيه) ، وقد تقدم حديث عائشة في أبي داود وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم: (رفع يديه ولم يزل حتى رئي بياض إبطيه ثم حول إلى الناس ظهره وقلب رداءه وهو رافع يديه) .
فإذن: يستحب له أن يرفع يديه في خطبة الاستسقاء، وليس هذا مختصاً بالإمام بل للإمام وغيره من المصلين، ففي صحيح البخاري من حديث أنس: (فرفع النبي صلى الله عليه وسلم ورفع الناس أيديهم) .
قال: (ويدعو بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم)
استحباباً، فيستحب أن يدعو في خطبته بما دعا به النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: (ومنه اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً ….الخ)
فقد ثبت في أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم: (أتته بواكي " أي يسألنه أن يتوسل إلى الله عز وجل وأن يستسقى الله سبحانه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم أغثنا غيثاً مغيثاً " أي تزول به الشدة " مريئاً " هو السهل النافع للباطن " مريعاً " المريع هو المخصب الذي يخصب الأرض فتنتفع به الأرض، وضبطت " مُريعاً " من الربيع " نافعاً غير ضار عاجلاً غير آجل) .
وثبت عنه كما روى ذلك أبو عوانة في صحيحه – فيما ذكره الحافظ في البلوغ – من حديث سعد بن أبي وقاص: أن النبي صلى الله عليه وسلم استسقى فقال: (اللهم جللنا " أي عممنا " سحاباً كثيفاً قصيفاً " القصيف هو ذو الرعد " دلوقاً " أي متدفقاً بشدة " ضحوكاً " أي كثير المطر " تمطرنا منه رُذاذاً " الرذاذ هو دون الطش " قِطْقِطاً " وهو ما دون الرذاذ " سَحْلاً يا ذا الجلال والإكرام) .
وثبت عنه أيضاً في سنن أبي داود بإسناد حسن أنه قال – في استسقائه عليه السلام: (اللهم أسق عبادك وبهائمك وانشر رحمتك وأحي بلدك الميت) رواه أبو داود بإسناد جيد.
فيدعو بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم استحباباً، ويزيد ما شاء من الدعاء المباح المناسب للمقام من طلب السقيا من الله عز وجل.
- واعلم أن الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته في الاستسقاء يدل على أنه لم يكن يخطب خطبة يعظ فيها الناس ويذكرهم وإنما كان – عليه الصلاة والسلام – يشتغل في خطبته بدعاء الله عز وجل وإخبارهم أن الله يجيب الدعوة – كما تقدم في حديث عائشة - ولم يكن – عليه الصلاة والسلام – يعظهم ولا يذكرهم ولا يعلمهم شيئاً من الأحكام، ولذا قال ابن عباس – في حديثه المتقدم -: (لم يخطب خطبتكم هذه ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير) .
فإذن هي خطبة ليست كخطبة الجمعة ولا العيد ولا نحوهما مما تكون فيها المواعظ والتذكير، بل هي خطبة يشتغل بها الإمام بدعاء الله ويؤمّن الناس من خلفه.
ويستحب له أن يقلب رداءه وهو رافع يديه، فقد تقدم حديث عائشة في رفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه بالدعاء ودعوته العامة التي أمّن الناس عليها قالت: (ثم حول إلى الناس ظهره) - أي لما دعا الدعاء الذي رفع به الصوت – حول إلى الناس ظهره واستقبل القبلة وقلب رداءه وهو رافع يديه.
فيستحب للإمام والمصلين أن يقلبوا أرديتهم.
وقد ثبت هذا في الحديث المتفق عليه المتقدم من حديث عبد الله بن زيد ابن عاصم المازني وفيه: (وحول رداءه) . وصفة قلب الرداء: أن يجعل أيمن الرداء الواقع على الكتف الأيمن يجعله على الكتف الأيسر، ويجعل أيسره وهو الواقع على الكتف الأيسر في الطبيعة يجعله على الكتف الأيمن ويجعل ظاهره في موضع باطنه، وباطنه في موضع ظاهره.
يدل عليه: ما ثبت في أبي داود بإسناد صحيح قال: (فجعل عطافه الأيمن على عاتقه الأيسر وعطافه الأيسر على عاتقه الأيمن) .
وأما كونه جعله ظهراً لبطن، فقد ثبت هذا في مسند أحمد بإسناد صحيح وفيه: (فجعله ظهراً لبطن) .
- وذهب بعض أهل العلم: إلى أنه يستحب له أن يأخذه من أسفل أي يأخذه من أسفل الرداء ويرفعه إلى الأعلى، فيكون الأعلى في موضع الأسفل والأسفل في موضع الأعلى.
واستدلوا: بما رواه أبو داود في سننه: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (استسقى وعليه خميصة [له] سوداء، فأراد أن [يأخذ] بأسفلها فيجعله أعلاها [فلما] ثقلت عليه قلبها على عاتقه) 1 أي حول العاتق الأيمن إلى العاتق الأيسر وهذا الحديث: إنما هو ظن من الراوي بدليل أن الصحابة قد حولوا أرديتهم كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم من فعله، ولم يفعلوا ما همّ به، ففي مسند أحمد: (وحول الناس أرديتهم) .
فإذن: هذا مجرد ظن من الراوي، فالنبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يقلب الجهة السفلى فيجعلها في الجهة العليا، فظن الراوي أن ذلك ثقل عليه وإنما تحول عنه وعليه الصلاة والسلام إلى طريقة أخرى فأخذ الجهة اليمنى فوضعها في الجهة اليسرى، واليسرى وجعلها في الجهة اليمنى فكان ظهراً لبطن.
إذن هذه الصفة هي الصفة المستحبة في قلب الرداء، وإنما فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم – فيما يظهر، والله أعلم - تفاؤلاً بتحول القحط وبتغير الأرض مما هي عليه من الجدب إلى الخصب.
قال جعفر الباقر - رحمه الله وهو من أتباع التابعين أو من أتباعهم قال -: (وحول النبي صلى الله عليه وسلم رداءه ليتحول القحط) رواه الدارقطني بإسناد صحيح، وهو كما قال رحمه الله فهي مظنة قوية وأنه إنما فعل ذلك تفاؤلاً أن تتحول الأرض من جدبها إلى الخصب ومن انقطاع المطر فيها إلى هطوله، ولا مانع أن تكون لها حكم أخرى مما يخفى علينا.
قال: (وإن سقوا قبل خروجهم شكروا الله وسألوه المزيد من فعله)
قوله: " وإن سقوا " فإن لم يسقوا فإنهم يستسقون ثانية وثالثة ورابعة ويلحون على الله بالدعاء حتى يستجيب الله لهم، فيكررون الاستسقاء مرة بعد مرة وينوعون الاستسقاء ما بين دعاء مطلق ودعاء في الجمعة ونحو ذلك حتى يستجيب الله لهم.
- إن سقوا قبل خروجهم وتهيئهم – وهذه الصورة الثانية – فنزل المطر الذي تزول به الشدة قبل خروجهم وتهيئتهم، فإنه لا يشرع لهم أن يخرجوا إلى الصلاة وأدائها؛ وذلك لذهاب المقصود من خروجهم فإن المقصود هو طلب السقيا وقد حصل ذلك فزال السبب المقتضي للاستسقاء.
وأما – وهي الصورة الثالثة - إن سقوا بعد تهيئهم وقبل خروجهم، فإنه – في المشهور من المذهب – يستحب لهم أن يخرجوا فيصلوا.
- وقال المرفق ابن قدامة: بل لا يستحب لهم ذلك وإن تيهؤا؛ لأنه – كذلك – قد زال المقصود من هذه الصلاة ولم يخرجوا إليها، وهذا هو القول الراجح؛ فإن تهيؤهم ليس بمؤثر ما دام أن المقصود قد زال، فإن المقصود هو الاستسقاء فخروجهم إنما هو لقصد الاستسقاء فما دام أن ما قصدوه قد حصل من خروج واستسقاء فإنه لا يشرع لهم ذلك لزوال المقصود.
وأما – وهي الصورة الرابعة – إن خرجوا إلى المصلى فنزل الغيث، فهنا يستحب لهم أن يصلوا، قالوا: لخروجهم فلا ينبغي أن يعودوا من غير صلاة، فيكون ذلك شكراً لله وسؤلاً للمزيد.
قال صاحب الإنصاف: " بلا خلاف أعلمه ". فالمسألة إن كان فيها إجماع فكما تقدم، وأما إن لم يكن فيها إجماع فالأمر واسع إن شاء الله – وفي الحقيقة – نزول الغيث أثناء الاستسقاء قد لا يتبين للمصلين هل يكون نزوله على هيئة كافية لما خرجوا من أجله، فيكون استسقاؤهم لمظنة كون المطر قليلاً غير كاف ولسؤال الله المزيد.
إذن: إن خرجوا ونزل المطر فيشرع لهم أن يصلوا طلباً لثبوت المطر، ولأنه لا يقطع أن يكون هذا المطر الذي قد خرجوا لطلبه من الله وتهيؤوا تهيؤاً تاماً حتى خرجوا إلي المصليات لا يقطع أن يكون هذا المطر كافياً أو أن يستمر على هيئة كافية لهم فحينئذ يستحب لهم الاستسقاء، قال صاحب الإنصاف: " بلا خلاف أعلمه ". مسألة: إذا وقع القحط في بلد فهل يستحب لغيرها من البلدان أن يستسقوا لهم؟ المشهور في المذهب: أنه لا مانع من ذلك، وقيل بالاستحباب.
وقال بعض الحنابلة: لا يستحب ذلك ولا يشرع.
وهذا القول – فيما يظهر لي – أظهر، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما استسقى هذا الاستسقاء العام الذي يخرج به الناس إلى المصليات ويستغيثون بالله عز وجل – إنما فعله حيث وقع الجدب في المدينة واحتاج الناس إلى المطر.
وأما كون المسلم يعين أخاه المسلم بدعوته فإن ذلك بمطلق الدعاء فيستحب له أن يدعو له في صلاته وفي سائر أوقات الإجابة ونحو ذلك – من غير أن يكون هذا على الهيئة المشروعة التي جعلها النبي صلى الله عليه وسلم وأظهرها حيث كان الجدب بالمدينة.
فينبغي أن يكون ذلك مختصاً حيث وقع الجدب بأهل البلد أنفسهم، أما إن وقع في غيرهم فإنهم يسألون الله لغيرهم سؤالاً مطلقاً من غير أن يكون مختصاً بهذه الطريقة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
مسألة: متى يعيد رداءه ويرجعه كما كان، بعد قلبه؟
الظاهر أنه يرجعه على هيئته بعد خلعه، فكون النبي صلى الله عليه وسلم يطلق ولم يرد أنه قد أرجعه فيبقى على هذا.
لكن بعض الألبسة لا يصلح قلبها كالفراء فحينئذ يكتفي بقلب عمامته، وإنما يقلب ما كان ظاهره قريباً من باطنه، وإنما يقلب الأشياء الظاهرة أما الباطنة فلا.
وأنواع الاستسقاء:
الأول: في خطبة الجمعة كما ثبت في الصحيحين من حديث أنس وغيره: (أتى رجل والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال: هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا فرفع يديه وقال: (اللهم أغثنا) ثلاثاً) .
الثاني: في الصلاة كما تقدم.
الدعاء بلا صلاة، كما يدل عليه حديث النبي صلى الله عليه وسلم عندما أتى إليه نساء بواكي فقال: (اللهم أغثنا غيثاً مغيثاً) الحديث.
والحمد لله رب العالمين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وينادى لها: الصلاةُ جامعة)
ويصح " الصلاةَ جامعة "، فينادى لصلاة الاستسقاء كما ينادى لصلاة الكسوف بقول: " الصلاة جامعة " – هذا هو المشهور في المذهب.
واستدلوا: بالقياس على صلاة الكسوف.
وذهب بعض الحنابلة وهو اختيار شيخ الإسلام: إلى أن ذلك لا يشرع؛ ذلك لأن قياس الاستسقاء على صلاة العيد أولى، وقد ثبت عن جابر في مسلم: قال: (صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - العيد بلا أذان ولا إقامة ولا شيء) .
ثم إن مقتضى ذلك وجد في عصر النبي صلى الله عليه وسلم ولم يصح حديث عنه بأن نادى لها بقول: " الصلاة جامعة ".
فعلى ذلك: الراجح ما ذهب إليه أهل القول الثاني وأنه لا يشرع له أن ينادى " الصلاة جامعة " لأن هذا لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم مع وجود مقتضيه ذلك، ولأن قياسها على صلاة العيد أولى فإنها تشبهها بتكبيراتها ونحو ذلك.
قال: (وليس من شروطها إذن الإمام)
لما تقدم في صلاة العيد، فلا يشترط أن يأذن الإمام للناس بذلك لأنها نافلة وبها يندفع عن الناس الضر، وهو طلب رزق من الله عز وجل، فلم يكن شرطها إذن الإمام.
وينبغي أن يتدبر - في هذه المسألة –، فليس مراد الحنابلة هنا من أنه لا يشترط لها إذن الإمام، أنها تفعل ولو منع أو خشيت الفتنة بإقامتها، وإنما مرادهم أنهم لو أقاموها من غير أن يستأذنوه فإنها صحيحة، وليس مرادهم أنها تقام مع منعه أو مع خشية الفتنة فإنه يترتب مفسدة أعظم من المصلحة المرجوة والشريعة قد أتت بدرء المفاسد وجلب المصالح.
كما تقدم في صلاة الجمعة فيه أنه لا يشترط إذن الإمام أي لا يشترط أن يصرح بالإذن، أما إن صرح بالمنع أو خشيت الفتنة بإقامتها فإنها لا تقام.
قال: (ويسن أن يقف في أول المطر)
فيصيب المطر بدنه، وذلك لما ثبت في مسلم وأنس قال: (أصابنا مع النبي صلى الله عليه وسلم مطر فحسر ثوبه حتى أصابه من المطر وقال: إنه حديث عهد بربه) فهو حديث خلق وإيجاد.
قال: (وإخراج رحله وثيابه ليصبهما المطر)
الرحل هو السرج أي ما يكون على الدابة مما يضعه الراكب عليها.
قالوا: فيستحب له أن يخرج سرجه وثيابه ليصيبهما من المطر، وقد ورد ذلك عن ابن عباس أنه: (كان يأمر جاريته أن تخرج سرجه وثيابه ويقرأ قوله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماءً مباركاً﴾ ) .
وهذا الأثر إسناده لا بأس به، رواه البخاري في الأدب المفرد، ورواه الشافعي من غير سند، واستدل به الحنابلة على هذه المسألة.
فيستحب له أن يبدي شيئاً من ثيابه أو أثاثه أو متاعه أو شيئاً من بدنه ليصيبه المطر.
ويستحب له أن يقول: (اللهم صيباً نافعاً) ، كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين: (أنه كان إذا رأى المطر قال: (اللهم صيباً نافعاً) .
وإذا سمع الرعد أن يقول ما ثبت عن ابن الزبير في موطأ مالك وغيره بإسناد صحيح: (سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته) .
والدعاء مرجو عند نزول المطر فهو من مظان الإجابة، وقد ورد هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم من طرق يرتقي بها هذا المتن إلى درجة الحسن إن شاء الله، وأن نزول الغيث من الأحوال التي يرجى فيها إجابة الدعوة.
قال: (وإذا زادت الأمطار وخيف منها)
فإذا زادت مياه الأمطار أو مياه العيون أو الأنهار فخشي أن تطغي على شيء من البيوت، فيستحب أن يدعوا الله برفع ذلك مع بقاء المنفعة الثابتة في الماء على الوجه الذي تتم به حاجة العباد.
قال: (سن أن يقول: اللهم حوالينا ولا علينا اللهم على الظراب والآكام وبطون الأودية ومنابت الشجر)
ويقول هذا في المطر.
" الظراب " هي الروابي الصغار.
" الآكام " هي الجبال الصغار وهي ما نسميها نحن بـ " الخزوم "، ويكون عليها الحجر وهي مع ذلك تنبت العشب.
" وبطون الأودية " وهي الأماكن المنخفضة في الأودية.
" ومنابت الشجر " أي أصولها.
فقد ثبت هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم – في الصحيحين – في حديث أنس في دعوته عليه الصلاة والسلام وهو على المنبر قال الراوي: (فأمطرت فلم نر الشمس ستاً " أي أسبوعاً " فجاء رجل من الجمعة القابلة فشكى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم انقطاع السبل وهلاك الأموال فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم حوالينا ولا علينا اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر) 1 متفق عليه.
قال: (ربنا لا تحملنا ما لا طاقة لنا به، الآية)
هذا الدعاء لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولكن ليس ذلك شرطاً فيه، وإنما هو من الدعاء المباح الذي وافق هذه المناسبة، فلا بأس أن يدعوا الله ويسبحوه مما لم يثبت في السنة بخصوصية – أي في هذا الموضع – ومن ذلك: ﴿ربنا لا تحملنا ما لا طاقة لنا به …﴾
إذن: الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم ما تقدم في الحديث المتفق عليه من حديث أنس، وأما ما ذكره المؤلف فإنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم لكنه لا بأس بالدعاء به أو بغيره من الأدعية المباحة المناسبة للمقام.
والحمد لله رب العالمين.
تم – بحمد الله تعالى – شرح كتاب الصلاة من زاد المستقنع، لفضيلة الشيخ / حمد بن عبد الله الحمد، حفظه الله تعالى ونفع به، ويليه كتاب الجنائز.
الدرس الثالث والأربعون بعد المئة
(يوم الجمعة: 14 / 7 / 1415 هـ)
كتاب الجنائز
الجنائز: جمع جِنازة – بالكسرة – في الأفصح، وتصح بالفتح " جَنازة ".
وهي: من جَنزَ الشيءُ إذا ستر.
ويسمى بالجنازة: الميت؛ لأنه مستور بكفنه.
وكذلك: النعش وعليه الميت.
أما النعش أو السرير من دون الميت فإنه لا يسمى جنازة بل يسمى نعشاً أو سريراً أو نحو ذلك.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (تسن عيادة المريض) يستحب للمسلم أن يعود المريض.
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة تدل على فضيلة ذلك: فمن ذلك ما ثبت في مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل في خُرفة الجنة حتى يرجع قيل: وما خرفة الجنة يا رسول الله؟ قال: جَنَاها) 1 ورواه الإمام أحمد في المسند من حديث علي بإسناد صحيح وفيه: (فإن كان غدوة صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي وإن كان مساءً صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح) 2 وثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (حق المسلم على المسلم خمس: عيادة المريض، واتباع الجنازة، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس، وإجابة السلام) 3 ورواه مسلم بلفظ: (حق المسلم على المسلم ست) وزاد النصيحة: (وإذا استنصحك فانصحه) وهنا: صريح كلام المؤلف أن عيادة المريض سنة.
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية: أنها فرض كفاية، وقال: " إن ظاهر النصوص تدل على وجوبها ".
لكن ذكر النووي الإجماع على نفي الوجوب، وتعقبه ابن حجر بأن الوجوب المنفي إنما هو الوجوب على الأعيان، وأما وجوب الكفاية فليس بمنفي، وقد بوَّب البخاري رحمه الله في صحيحه: " باب: وجوب عيادة المريض ".
وهذا القول هو الراجح، وأن عيادة المريض واجبة لكن ليس على الأعيان بل على الكفاية.
فإن قيل قوله صلى الله عليه وسلم: (حق المسلم على المسلم) ظاهره أن ذلك على الأعيان؟
فالجواب: قد وجد الصارف، فقد ثبت في البخاري عن ابن عمر قال: (كنا جلوساً عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فأتى رجل من الأنصار فسلم ثم أدبر الأنصاري فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (يا أخا الأنصار كيف أخي سعد بن عبادة؟ فقال: صالح، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: من يعوده منكم؟) 1
فهنا: كون النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر من حضر من أصحابه كل واحد منهم بعينه بالذهاب إلى عيادة سعد دليل على أنها ليست فرضاً على الأعيان.
فالراجح ما اختاره شيخ الإسلام من أن عيادة المريض فرض كفاية، فإذا مرض المسلم وجب على من علم حاله من المسلمين ممن تقوم بهم كفاية جبره وتعزيته في مصابه من المرض وتقوية قلبه أن يعودوه.
والعيادة عامة في كل مرض، أما ما رواه البيهقي من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثة لا تعاد: الضرس " أي وجع الضرس " والرمد والدُمَّلُ) 1 ، فهو من قول يحيى بن أبي كثير وهو من أتباع التابعين، أما النبي صلى الله عليه وسلم فقد صح عنه في مسند أحمد ما قاله زيد بن أرقم قال: (عادني النبي صلى الله عليه وسلم من وجع كان في عيني) 2 والرمد وجع عين.
فالصحيح أن كل مرض يعاد.
والصحيح – أيضاً – أنه متى علم بمرضه عاده من غير أن يتربص ثلاثة أيام وإن كان في مبدأ المرض.
أما ما رواه ابن ماجه من أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى عن العيادة إلا بعد ثلاث) 1 فالحديث إسناده ضعيف جداً.
وليس ثمة وقت محدد لعيادة المريض، إلا أنه ينبغي أن تكون في الوقت الذي لا يضجره ولا يحرجه أما غير ذلك فلا بأس فهي ترجع إلى عادة الناس.
قال: (وتذكيره التوبة والوصية)
أي يستحب أن يذكر بالتوبة.
وقد ثبت في البخاري: أن النبي صلى الله عليه وسلم: أتى غلاماً يهودياً يعوده فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أسلم، فأسلم ثم مات) 2
فيستحب لمن عاد مريضاً إن كان كافراً أن يدعوه إلى الإسلام وإن كان فاسقاً أن يدعوه إلى التوبة، ولا يعلم فلعل هذا المرض يكون به موته، فاستحب أن يتدارك بالدعوة والإصلاح بحثه على التوبة.
كما أنه يحث على الوصية أي بأن يكتب وصيته، وذلك لأن المرض مظنة الموت، وإذا كان المسلم مأمور بكتب وصيته قبل أن يقع به المرض فأولى من ذلك أن يحث عليها في أثناء مرضه.
فقد قال صلى الله عليه وسلم – في الصحيحين - من حديث ابن عمر: (ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي به يبيت إلا ووصيته مكتوبة عنده) 3 .
فيستحب للمسلم – وقيل بوجوب ذلك، وسيأتي الكلام عليه في الوصايا - فيشرع له أن يكتب وصيته في الحقوق التي له والتي عليه.
قال: (وإذا نُزل به، سُنَّ تعاهد بَلِّ حلقه بماء أو شراب وتَنْدِيَةُ شفتيه بقُطْنَةٍ)
" وإذا نزل به " أي نزل به ملك الموت، فأخذ بالاحتضار، فإنه يسن تعاهده ببل حلقه بماء أو شراب وتندى شفتيه بقطنة، وذلك ليهون عليه ذلك شدة النزع الواقع فيه.
فيستحب أن يبل حلقه: إما أن يكون بشرب جرعة ماء أو بأن يقطر الماء في حلقه أو بأن يبل الشفتين ليسهل عليه ما هو فيه من النزع والشدة.
وقد ثبت في البخاري: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عنده - عند احتضاره - ركوة فيها ماء، فكان يضع يده فيها فيمسح بها على وجهه ويقول: (لا إله إلا الله إن للموت لسكرات) 1
" بقطنة ": ونحوها، فليس المقصود القطنة بالخصوص.
قال: (وتلقينه لا إله إلا الله)
أي ويسن أن يلقن " لا إله إلا الله "
وينبغي أن يكون الملقن ممن يكون للميت له قبول وبينهما مودة مما هو مظنة لقبول كلامه لئلا يتضجر من قول هذا القائل فيمتنع من قولها فهو في شدة، فيكرر عنده قول " لا إله إلا الله " ويكرر ذلك حتى يقولها المحتضر.
وكرهوا أن يقول له: " قل لا إله إلا الله "؛ لئلا يتضجر من ذلك ويمتنع، وإنما يكون ذلك على سبيل الإشارة فيكررها عنده حتى يقولها.
ودليل استحباب التلقين، ما ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله) 2 .
وأما دليل كراهية الأمر بذلك فهو خشية التضجر والامتناع مما هو واقع فيه من الشدة.
لكن إن لم يخش عليه ذلك وعلم منه أنه لا يكره ذلك وإن كان في سكرات الموت فإنه لا حرج في أن يقال له: قل " لا إله إلا الله ".
فقد ثبت عند أبي يعلى والبزار بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه: (أتى رجلاً من الأنصار " وفي رواية: من بني النجار " – وهم مشهورون بحسن إسلامهم – فقال له: قل لا إله إلا الله) 1 .
قال: (ولم يزد على ثلاث إلا أن يتكلم بعده فيعيد تلقينه برفق)
أي لا ينبغي له أن يزيد على ثلاث مرات لئلا يتضجر الميت فإنه يلقنه بحيث لا يتضجر.
" إلا أن يتكلم بعده " فإذا تلقن الميت – والمراد بالميت هنا المحتضر، وهو من باب المجاز لأن أمره سيؤول إلى الموت وهذا معروف في لغة العرب -.
فإذا تلقن الميت فقال: " لا إله إلا الله "، فإنه يسكت عنه فلا يلقن إلا أن يتكلم بشيء آخر كأن يوصي وغير ذلك فإنه يستحب أن يعاد تلقينه ليكون آخر كلامه " لا إله إلا الله ".
فقد ثبت ذلك في أبي داود بإسناد جيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة) 2
قال: (ويقرأ عنده يس)
ويستحب له أن تقرأ عنده سورة يس.
واستدلوا: بما رواه أبو داود وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من حديث معقل بن يسار: (اقرؤوا على موتاكم يس) 1 .
والمراد اقرؤوا عليهم في حال الاحتضار - أما بعد الموت فهو بدعة -؛ وذلك لما فيها من ذكر الجنة ونحو ذلك وما يكون فيها من الرجاء فيعظم رجاؤه.
قالوا: وهي سبب لسهولة خروج الروح منه.
لكن الحديث الوارد في ذلك ضعيف، فقد ضعفه الدارقطني وغيره وقال: " لا يصح في هذا الباب شيء " (2) وهو كما قال، فإن الحديث ضعيف لجهالة في بعض رواته ولاضطراب في سنده.
لذا الراجح هو عدم القول باستحباب ذلك.
فإن قرأها فلا بأس أو قرأ غيرها من الآيات أو السور التي فيها الرجاء ونحو ذلك من غير اعتقاد سنية ذلك فلا بأس.
وقالوا: ويستحب أن يقرأ عليه فاتحة الكتاب.
وهذا أيضاً لا دليل عليه.
وإنما يستحب عند المحتضر أن يذكر له محاسن عمله أي الأعمال الصالحة وأن يذكر له فضل الله ورحمته وأن يفتح له باب الرجاء لئلا يموت إلا وهو يحسن الظن بربه، فقد قال صلى الله عليه وسلم – في مسلم -: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه) 2
قال إبراهيم النخعي – كما روى ذلك ابن أبي الدنيا بإسناده – قال: " كانوا – أي السلف – يستحبون أن يذكر للميت محاسن عمله حتى يحسن الظن بربه " (1) . وهذا أمر ظاهر فيستحب أن يذكر بما يقتضي موته مع كونه محسناً الظن بربه عز وجل، فإن المقام مقام رجاء لا مقام خوف.
قال: (ويوجهه إلى القبلة)
أي: يستحب أن يوجهه إلى القبلة.
ودليل ذلك: ما رواه الحاكم أن البراء بن معرور رضي الله عنه: أوصى بثلث ماله للنبي صلى الله عليه وسلم، وأوصى أن يوجه وهو يحتضر إلى القبلة، فقيل ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: (أصاب الفطرة، وأمر برد ثلثه إلى أهله) (2)
والحديث: فيه نُعيم بن حماد وله مناكير، لكن له شاهد عند البيهقي من حديث كعب بن مالك 1 فالأثر حسن إن شاء الله فيستحب أن يوجه إلى القبلة.
فيضطجع على شقه الأيمن متوجهاً إلى القبلة، وإن شق عليه أن يضطجع على شقه الأيمن فإنه يستلقي ويجعل رجليه إلى القبلة ويرفع وجهه ويوجه إلى القبلة، وهذا في الغالب أسهل على الميت.
قال: (فإن مات سن تغميضه)
فقد ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أبي سلمة وقد شُقَّ بصره فأغمضه وقال: (إن الروح إذا قبضت اتَّبعه البصر) 2
وكره الإمام أحمد أن يغمضه جُنُب أو حائض، ولم أر دليلاً يدل على ذلك.
ولا شك أن الأولى أن يكون من يغمضه من أهل الخير والصلاح كما فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وأن يتولى القيام بأمره من كان كذلك.
قالوا: ويقول: - أثناء الإغماض – بسم الله على ملة رسول الله، ولا دليل يدل على ذلك، وإنما فيه أثر مقطوع على تابعي رواه البيهقي بإسناده الصحيح عن بكر بن عبد الله المزني أنه كان يقول: عند التغميض: (بسم الله وعلى ملة رسول الله) 1 فإذن: لا يستحب قول ذلك عند تغميضه، خلافاً للمشهور في المذهب لعدم ثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأما أثر التابعي فإن قول التابعي ليس بحجة.
قال: (وشد لحييه) أي أن يشد اللحيان، فيغطى الفم لئلا يدخله شيء من الأذى أو الهوام ونحو ذلك.
قال: (وتليين مفاصله) ليكون ذلك أسهل عند تغسيله، فيرد الذراع على العضد ثم العضد على الجنب، ويرد الساق على الفخذ، والفخذ على الجنب 2 أي تحرك المفاصل.
قال: (وخلع ثيابه وستره بثوبٍ)
لأن الثياب على الميت في الغالب تحدث شيئاً من الفساد في بدنه بسبب حرارة الثوب على البدن.
فتخلع الثياب ويطرح عليه غطاء ونحو ذلك لئلا تحدث هذه الثياب على بدنه شيئاً من الإفساد، لا سيما مع تأخر الاشتغال بتغسيله.
وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم: (حين توفي: سُجَّي ببرد حِبَرة) 3 .
قال: (ووضع حديدة على بطنه)
لئلا يقع في بطنه شيء من الانتفاخ أو نحو ذلك: لا سيما مع تأخر الاشتغال بدفنه أو الاشتغال بتكفينه وتغسيله.
وقد روي ذلك عن أنس بن مالك كما رواه البيهقي 4 .
قال: (ووضعه على سرير غسله متوجهاً منحدراً نحو رجليه)
أي أثناء الغسل يكون على هذه الصورة.
فإذا كان مستلقياً أو مضطجعاً على شقه الأيمن فإن جانبه الأعلى – جانب الرأس – يكون مرتفعاً، ويكون الانخفاض إلى جهة الرجلين لئلا يخرج شيء من الماء أو نحو ذلك من فمه، وليكون ذلك أسهل لانصباب الماء عن بدنه.
قال: (وإسراع تجهيزه إن مات غير فجأة)
أي يستحب أن يسرع في تجهيزه والاشتغال بتغسيله وتكفينه ونحو ذلك.
لما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أسرعوا بالجنازة فإنها إن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم) 1
فيستحب الإسراع بالجنازة غسلاً وتكفيناً ودفناً.
" إن مات غير فجأة ":
فيستثنى من استحباب التعجيل إن كان موته فجأة؛ لأن من مات موت فجأة يخشى ألا أن يكون موته متيقناً فيترك حتى يتيقن ذلك بأسباب التيقن.
فإذا تيقن من موته فحينئذ يشتغل بتغسيله وتكفينه، فمن مات فجأة أو ببعض الأمراض التي تقع أحياناً التوهم في ثبوت موته بها، فما ينبغي التعجيل بذلك حتى يثبت الموت.
قال: (وإنفاذ وصيته)
أي ويستحب الإسراع في إنفاذ وصيته، فهي معطوفة على " تجهيزه ".
أي يسن أن تنفذ الوصية ويتعجل فيها، وذلك لأن في إنفاذ الوصية التي يوصي بها – كأن يوصي بثلث ماله أو ربعه – فيها تعجيل للأجر وإيصال للحق إلى أهله.
فيستحب الإسراع في إنفاذ وصيته لتعجيل الثواب له أولاً ولإيصال الحق إلى أهله ثانياً.
قال: (ويجب في قضاء دينه) أما قضاء الدين فيجب الإسراع به.
فإذا ترك مالاً وعليه دين فيجب أن يسارع في إخراج دينه فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد والترمذي بإسناد جيد: (نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه) 1
فنفس المؤمن معلقة محبوسة عن نيل ما أعد لها من الثواب حتى يقضى عنها الدين.
وقد قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه الحاكم بإسناد صحيح: قال صلى الله عليه وسلم ذات يوم: (هل هنا أحد من بني فلان) فلم يجبه أحد ثلاثاً فقال صلى الله عليه وسلم: (إنه من مات منكم محبوس عن الجنة بالذي كان عليه فإن شئتم فافدوه، وإن شئتم فأسلموه إلى عذاب الله) (2)
وقال صلى الله عليه وسلم: (يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين) 2 رواه مسلم.
فالواجب أن يسرع في قضاء دينه ليصل إليه ثواب الله عز وجل ويمتنع عنه هذا الحبس عن فضل الله وجنته، وكذلك لما فيه من تبرئة ذمته.
ولا بأس أن يكشف وجه الميت فيقبل، فقد صح ذلك عن أبي بكر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري: أنه كشف وجه النبي صلى الله عليه وسلم فقبله وقال: (بأبي أنت وأمي يا رسول الله) 3 .
والحمد لله رب العالمين
الدرس الرابع والأربعون بعد المئة
(يوم السبت: 15 / 7 / 1415 هـ)
فصل
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (غسل الميت وتكفينه والصلاة عليه ودفنه فرض كفاية)
فالغسل والتكفين والصلاة والدفن للميت فرض على الكفاية، فإذا قام به طائفة من المؤمنين سقط الإثم عن الباقين.
فقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيمن وقصته راحلته فمات: (اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تمسوه طيباً ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً) 1 .
والشاهد قوله: " اغسلوه، وكفنوه " فهذه أوامر ظاهرها الوجوب وهي موجهة إلى الجماعة فكان فرضاً على الجماعة أو فرضاً على الكفاية.
فالغسل والتكفين فرض للحديث المتقدم، وكذلك فقد أجمع أهل العلم على فرضية الصلاة عليه والدفن له.
قال: (وأولى الناس بغسله وصيه)
فإذا وصى الميت أن يغسله فلان أو أوصت امرأة أن تغسلها فلانة أو زوجها، أو والدها، فإن أولى الناس بالغسل هو الوصي، وإن كان أجنبياً ما دام مسلماً عدلاً فإن هذه الوصية تجعل هذا الموصى هو الأولى بالغسل.
ودليل ذلك ما ثبت عند الدارقطني والبيهقي بإسناد حسن: (أن فاطمة أوصت أن يغسلها زوجها " أي علي " وأسماء " وهي بنت عميس " فغسلاها) 2 .
ولا شك أن هذا من باب إنفاذ وصيته وفعل ما يحبه، فإنه إنما أوصى بذلك لكونه يحب ذلك فكان هنا – حيث أن الغسيل له – أولى من أن يقوم بالغسل غير وصيه.
قال: (ثم أبوه ثم جده ثم الأقرب فالأقرب من عصباته)
" ثم الأب " لما فيه من الرأفة والرحمة به مما يجعله يقوم بالتغسيل على أفضل ما يكون منه.
" ثم الجد "؛ لأن الجد بمنزلة الأب، فهو أب.
" ثم الأقرب فالأقرب من عصباته ": كالابن والأخ الشقيق ثم الأخ لأب ثم العم الشقيق ثم العم لأب وهكذا من عصباته كما يكون في الميراث.
قال: (ثم ذوو أرحامه)
كالجد لأم والخال ونحو ذلك، وسيأتي بيان ترتيبهم في الكلام على مسألتهم في المواريث والفرائض.
قال: (وأنثى وصيتها ثم القربى فالقربى من نسائها)
أي يتولاها وصيتها ثم القربى من النساء، أي الأم، فالبنت، فبنت البنت، فالأخت الشقيقة، فالأخت لأب، فالأخت لأم، والعمة والخالة بمنزلة واحدة، وهكذا.
فليس كالترتيب المتقدم في الميراث بل يقدم الأقرب فالأقرب لصفة القرابة والمحرمية، فعلى ذلك تكون العمة والخالة بمنزلة واحدة، وبنت الأخت وبنت الأخ بمنزلة واحدة، فإذا حصل تشاح بينهما فإنه يقرع بينهما.
هذا هو المشهور في المذهب: وأن حكم الرجال في هذه المسألة ليس كحكم النساء، فالرجال يقدم العم على الخال لأنه عصبة، وأما النساء فلا، بل تقدم القربى فالقربى، فالخالة تقدم على بنت العم.
وقال الشافعية بما قال به الحنابلة لكن قالوا: يقدم من 1 يتساوى قربهن إلى المرأة، كالعمة والخالة: تقدم من كانت في محل العصوبة، فتقدم كما لو كانت ذكراً.
فمثلاً في العمة والخالة، تقدم العمة لأنها بمنزلة العم، والعم في الميراث مقدم على الخال، وهذا أقوى لأنه مرجح فهو أقوى من القرعة بينهن.
وظاهر ما ذكره الحنابلة هنا والشافعية: أن الزوج والزوجة لا يقدمان على غيرهما إلا مع الوصية، بل الأجنبية تقدم على الزوج.
وهذا هو المشهور عندهم.
وذهب بعض الشافعية وهو الوجه الثاني عندهم وقال به بعض الحنابلة: إلى أن الزوج أو الزوجة يقدمان بعد الوصي – وهذا القول أظهر –، وأن الزوج أولى بغسل زوجته من غيره، والزوجة أولى بغسل زوجها من غيرها من النساء – القريبات إليه – إلا ما تقدم من تقديم الوصي فإن الوصي مقدم لرغبة الميت فيه.
وذليل ذلك ما ثبت في مسند أحمد وسنن ابن ماجه بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: (لو مت قبلي لغسلتك ثم كفنتك ثم صليت عليك ثم دفنتك) 1
وقالت عائشة – كما في سنن أبي داود - بإسناد حسن: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا نساؤه) 2
وقد صح في الموطأ بإسناد صحيح: (أن أسماء بنت عميس غسلت أبا بكر رضي الله عنه) 3 ؛ ولأنه لا يؤمن من اطلاع الغاسل على شيء من العورة فكان من أبيح له الاطلاع إليها في حال الحياة بسبب الزوجية أولى من غيره.
فالصحيح ما ذهب إليه أهل هذا القول: فأولى الناس الوصي ثم الزوج أو الزوجة ثم بعد ذلك يكون الأقرب فالأقرب من العصبات ثم ذوو الأرحام، سواء كان الميت ذكر أو أنثى ما دام – أن - المغسل مسلماً.
واشترط الحنابلة العدالة، وهو قول ظاهر؛ فإنه قد يطلع على الميت ما يكون فيه فضيحة فاحتيج إلى أن يكون المغسل عدلاً ليستر على الميت فيما يطلع عليه من عورة أو نحو ذلك.
قال: (ولكل من الزوجين غسل صاحبه)
وهو مذهب جماهير العلماء بل حكي إجماعاً.
والأحاديث المتقدمة تدل عليه كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لو مت قبلي لغسلتك) 1 وقول عائشة: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا نساؤه) (2) .
وفعل أسماء بنت عميس في غسل أبي بكر رضي الله عنه وكان ذلك بمحضر الصحابة من المهاجرين والأنصار في المدينة فلم ينكروه فكان ذلك إجماعاً.
فغسل الزوج للزوجة أو الزوجة للزوج جائز عند جماهير العلماء بل هو إجماع إلا ما حكي عن الإمام أحمد في رواية عنه، والمشهور من مذهبه جواز ذلك.
قال: (وكذا سيد مع سُريته)
فالسيد يجوز أن يغسل سُريته.
والمراد بالسُرية هي الأمة التي يطؤها سيدها.
فنخرج حينئذٍ: الأمة المتزوجة التي قد زوجها سيدها أو الأمة المعتدة من نكاح فإنه لا يحل له أن يطلع إلى عورتها لأنها في عصمة غيره.
بخلاف السُرية فإنه يجوز أن يغسلها وهي بمنزلة الزوجة.
- وفي المقنع: " وهي معه " ولم يذكره المؤلف هنا، وينبغي ذكر ذلك وهذا هو المشهور في المذهب – أي هي تغسله أيضاً – فالسُرية تغسل سيدها، لأنها تطلع على عورته فهي بمنزلة زوجته فإذا مات جاز أن تغسله.
هذا هو المشهور في المذهب.
وقال بعض الحنابلة وهو مذهب الشافعية: لا يجوز ذلك.
وذلك لأنها بموت سيدها قد خرجت من ملكه إلى ملك غيره، فهي مملوكة لغيره بموته فتنتقل إلى غيره ملكاً – وحينئذٍ – فلا يجوز لها أن تطلع على عورته فقد خرجت بموته مباشرة من ملكه إلى ملك غيره.
وهذا القول أظهر؛ فإنها بموت سيدها قد خرجت من ملكه إلى ملك غيره، بخلافها إذا ماتت عند سيدها فإن الملك كان في الحياة ثابتاً وقد زال الانتفاع منها فتعلقت بقية أحكام التمليك فيها، لأنها إذا ماتت لم تبق محلاً للانتفاع، بخلاف موت سيدها فهي ما زالت محلاً للانتفاع وقد مات مالكها وبموته انتقلت ملكيتها إلى غيره كما لو باعها أو وهبها.
فالصحيح أنه لا يجوز لها أن تغسل سيدها لخروجها من ملك سيدها.
قال: (ولرجل وامرأة غسل من له دون سبع سنين فقط)
يجوز للمرأة وللرجل أن يغسل من له دون سبع سنين سواء كان ذكراً أو أنثى.
فيجوز للرجل الأجنبي أن يغسل جارية دون سبع سنين، وكذلك يجوز للمرأة الأجنبية أن تغسل الغلام دون سبع سنين.
هذا هو المشهور في مذهب أحمد ومذهب مالك.
وقيَّده الشافعي بقيد أصح فقال: حيث لا يشتهى، فلا يقيد بسبع سنين أو ست وإنما يقيَّد بنفي الشهوة، فإذا كان صبياً لا تشتهيه المرأة أو جارية لا يشتهيها الرجل وليست محلاً للشهوة فلا بأس بغسلهما؛ لأن مثليهما لا عورة له فإن الصبي الذي له ست أو خمس أو سبع ونحوها ممن لا يشتهى ليست له عورة فحينئذٍ يجوز أن تطلع المرأة على عورته ويجوز أن يطلع الرجل على عورة الجارية عند غسلها حيث عدمت الشهوة.
قال: (وإن مات رجل بين نسوة أو عكسه يممت كخنثى مشكل)
هنا مسائل:
المسألة الأصلية: أن الخنثى المشكل وهو من لم تثبت ذكوريته ولا أنوثيته لا يجوز أن يغسل لا من النساء ولا من الرجال بل ييمم.
أما كون النساء لا يغسلنه فلأنه يحتمل أن يكون رجلاً، وأما كون الرجال لا يغسلونه فلاحتمال كونه امرأة.
ومثل ذلك الرجل يموت بين النساء وليس ثمة رجل يغسله من الرجال وليس ثمة زوجة أو أمة – على القول بها – فإنه حينئذ ييمم.
ومثل ذلك المرأة إذا ماتت بين الرجال فإنها تيمم، كما هو مذهب جمهور الفقهاء.
وقد روى الطبراني في الكبير، كما في المجمع بإسناد فيه عبد الخالق بن يزيد بن واقد وهو ضعيف: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: في الرجل يموت بين النساء وفي المرأة تموت بين الرجال وليس معهما محرم قال: (يُيَمَّمان) (1) وله شاهد مرسل من مراسيل مكحول رواه البيهقي 1 . فإن مات رجل بين نساء أو امرأة بين رجال فإنهما لا يغسلان بل ييممان، لأن في تغسيل الرجال للمرأة أو النساء للرجل إطلاع على العورة التي لا يجوز للمغسل أن يطلع عليها فكان الانتقال إلى حكم التيمم.
- وقال بعض الشافعية – فهو وجه عندهم – وهو رواية عن الإمام أحمد قالوا: بل يغسلان بصب الماء على الثياب من غير أن يقع شيء من الاطلاع على العورة.
بل يصب الماء صباً على ثوبه أو على قميصه أو على حرمه من غير أن يمس ومن غير أن يطلع على عورة الميت سواء كان ذكراً أو أنثى.
وهذا القول – في إطلاقه ضعف –؛ لأن مثل هذا التغسيل قد لا يزيد الميت إلا اتساخاً.
فإن غسله وعليه ثيابه قد لا يزيده إلا اتساخاً فينافي المقصود من تغسيله وتهيئته للدفن.
لكن إن كان في ذلك التغسيل إنقاء كأن يكون مغُسلاً فمات فيعلم أن الماء يصل إليه بالصب من غير أن يظهر شيء من عورته، وأن هذا الغسل ينقيه ولا يحدث له منه وسخ.
فحينئذٍ ينبغي القول بمشروعية الغسل لقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ (3)
ولما ثبت في مسند أحمد وسنن أبي داود بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم، لما مات قال الصحابة رضي الله عنهم: (والله ما ندري أنجرد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يجرد موتانا فلما اختلفوا أُلقي عليهم النوم فكلمهم مكلم من ناحية البيت أن اغسلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثيابه فغسلوه وعليه قميصه يصبون الماء فوق القميص ويدلكونه والقميص دون أيديهم) 1
فهذا يدل على أنه متى حصل إنقاء في الغسل وعجز عن الغسل التام فوجد مانع يمنع الغسل التام سواء كان هذا المانع شرعي كما كان ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم أو غير ذلك فإنه حينئذٍ يجوز أن يغسل بصب الماء عليه، وهذا لا شك أولى من التيمم.
إذن: الراجح أن يقال في هذه المسألة تفصيل:
فإن كان الغسل يحصل به الإنقاء، فإنه يغسل ولو كان ذلك بصب الماء على قميصه.
وأما إن كان لا يحصل به الإنقاء، فإنه ييمم.
وظاهر قول المؤلف وإن كانت النسوة من محارمه، وإن كان الرجال من محارمها، وهو مذهب الحنابلة.
فإذا مات الرجل بين النساء وإن كانت النساء من محارمه أو تموت المرأة ومعها أبوها أو أخوها ورجال أجانب – فإنهم – حينئذٍ – لا يغسلونها بل ييممونها.
فالمشهور في المذهب أن الرجال المحارم لا يجوز أن يغسلوا المرأة وإن كانت من محارمهم، وأن النساء المحارم لا يغسلن الرجل المحرم لهن، وهذا القول ضعيف.
والصحيح ما ذهب إليه المالكية والشافعية: من جواز فعل ذلك لكن مع ستر العورة، فيستران العورة، ثم يقومان بالغسل، وإذا احتاج إلى الاطلاع على العورة لتمام الغسل فإن ذلك يكون معفواً عنه؛ لأن ذلك من باب الحاجة كما يجوز أن يطلع الطبيب ونحوه على شيء من عورة المرأة أو الرجل للحاجة إلى ذلك، فكذلك هنا وقد قال تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾
فالراجح: أن الرجل المحرم والمرأة المحرم يجوز لهما أن يقوما بغسل المحرم من غير جنسهما، فالمرأة تغسل الرجل من محارمها، والرجل يغسل المرأة من محارمه إن عدم الجنس الموافق له، أما إن لم يعدم فذلك لا يجوز.
فإذا وجدت المرأة وإن كانت أجنبية فهي التي تقوم بالغسل دون الرجل، أما إذا عدم فإنه يقوم به الرجل لقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ ولأنه أولى بالاطلاع على شيء من عورتها من الطبيب عند الحاجة، فإن الطبيب أجنبي وعند الحاجة يجوز.
وهو أولى من ذلك؛ لأنه محرم لها وهي أيضاً محرمة له ولا شك أن اطلاع المحرم على شيء من العورة يبعد أن يكون لشهوة.
قال: (ويحرم أن يغسل مسلم كافراً)
لا يجوز للمسلم إن مات كافر أن يغسله.
قالوا: لأن التغسيل تطهير له وهو لا يتطهر بذلك.
- وقال الشافعية: بل يغسله، وهذا أظهر؛ لأنه يحتاج إلى التغسيل، والتغسيل له إحسان له، والله - عز وجل - لم ينه عن الإحسان إلى الكفار بل يحسن إليهم كما يحسن إلى المسلمين إلا أن يكون حربياً فإنه لا يغسل ولا يكفن ولا يحسن إليه بشيء؛ لأن الله نهانا عن الإحسان إليهم.
فإذا كان كافراً غير حربي فالأظهر جواز تغسيله لأن ذلك من باب الإحسان إليه والإحسان إلى الكفار معتبر كما دلت عليه الآية الكريمة: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم﴾ 1 وقد روى ابن أبي شيبة أن النبي صلى الله عليه وسلم: (أمر علياً أن يغسل أباه أبا طالب لما مات) 2 لكن الحديث مرسل من مراسيل الشعبي فإسناده ضعيف.
قال: (أو يدفنه بل يوارى لعدم من يواريه) أما الدفن فإنه لا يدفن كما يدفن المسلمون بل يرمى في حفرة يوارى فيها.
فقد ثبت في أبي داود بإسناد صحيح: أن علياً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (إن عمَّك الشيخ الضال " ويريد بذلك أبا طالب " قد مات فقال: اذهب فواره) (1) أي اذهب فوار عليه تراباً.
وهذا الحديث إسناده صحيح وفيه أنه لا يدفن وإنما يوارى لئلا يقع الضرر بجيفته.
إذن: الكافر إذا مات لا يغسل في المشهور من المذهب والراجح خلاف ذلك.
وأما الدفن فإنه لا يدفن؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بمواراة أبي طالب مع كونه أولى بالدفن من غيره من الكفار لنصرته للنبي صلى الله عليه وسلم.
وقد أمر بإلقاء صناديد قريش الذين قتلوا في بدر أمر بإلقائهم في قليب بدر - كما صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم - في الصحيحين.
والحمد لله رب العالمين
الدرس الخامس والأربعون بعد المئة
(يوم الأحد: 16 / 7 / 1415 هـ)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإذا أخذ في غسله ستر عورته]
هنا يبين المؤلف صفة الغسل المجزئة والمستحبة.
" وإذا أخذ في غسله ستر عورته ": فيجب أن يستر عورته ولا يجوز له أن ينظر إليها ولا أن يمسها، وقد تقدم البحث في العورة.
فيستر العورة، قال الموفق: " لا نعلم فيه خلافاً " (2) ؛ ولأنه يمكنه أن يطهره من غير نظر إلى عورته أو مس لها، فلم يكن في ذلك حاجة إلى كشف عورته، فكانت باقية على حكمها في الأصل من النهي عن مسها والنظر إليها، وهذا باتفاق العلماء.
قال: [وجرده]
أي جرده سوى عورته، فيجرده من ثيابه سوى عورته، ودليله ما تقدم مما رواه أحمد وأبو داود من قول الصحابة: " لا ندري أنجرد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما نجرد موتانا أو لا " 1 ، فدل على أنهم كانوا يجردون موتاهم سوى النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ولأن ذلك أمكن من تغسيله وأتم.
فيجرد من ثيابه سواء كان ذكراً أو أنثى سوى العورة كما تقدم.
قال: [وستره عن العيون]
فيكون في محل مغطى في حجرة أو نحو ذلك؛ لئلا يظهر منه ما يكره فيطلع عليه أحد من الناس.
فإذا كان في محل مكشوف فربما ظهر شيء منه، إما من عورته أو شيء مما هو مستور منه، فيظهر ما يكره ظهوره.
ومن هنا استحب أهل العلم أن يكون المغسل أميناً صالحاً ثقة، يستر على الميت ما قد يظهر منه، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه أحمد بإسناد صحيح: (من ستر أخاه المسلم في الدنيا ستره الله يوم القيامة) 2 .
قال: [ويكره لغير معين في غسله حضوره]
يكره لمن ليس له إعانة في الغسل أن يحضر الغسل.
أما إن كان محتاجاً إلى إعانته بصب الماء أو تقليب الميت أو نحو ذلك 3 .
أما إن لم يكن محتاجاً إليه، فلا يجوز أن يحضر هذا المعين؛ لأن حضوره قد يوافق ظهور شيء مما هو مستور على الميت مما يكره أن يطلع عليه.
ولأن الغاسل قد يطلع على شيء من عورة الميت مما قد يقع موافقة، لكن للحاجة إلى ذلك تجوز 4 عنه.
أما أن يكون أحد من الناس يحضر ذلك، فيقع نظره على شيء من عورة الميت مما قد يقع على سبيل الموافقة أو نحو ذلك فإنه لا حاجة إلى مثل ذلك، فلا يكون ظهور ذلك كظهوره عند من يحتاج إلى غسله إما تأصلاً أو إعانة.
قال: [ثم يرفع رأسه إلى قرب جلوسه ويعصر بطنه برفق]
" يعصر بطنه برفق ": ليخرج من جوفه ما هو متهيئ للخروج من البول أو الغائط أو نحو ذلك؛ لئلا يخرج بعد تغسيله فيتنجس الميت.
فيرفع رأسه إلى قرب جلوسه من غير أن يجلسه؛ لأن في إجلاس الميت مشقة على الميت، فيخشى أن يحدث ذلك انفصالاً في بعض أعضاء بدنه أو نحو ذلك.
أما مجرد رفع ظهره قليلاً قريباً إلى الجلوس ثم يحرك بطنه حتى يخرج ما هو متهيئ للخروج؛ لئلا يكون خروجه بعد الانتهاء من غسله، فيحتاج حينئذ إلى إعادة صب الماء عليه، فيكون في ذلك مشقة.
قال: [ويكثر صب الماء حينئذ]
أي حين هذا الفعل من عصر البطن وتحريكه، يكثر صب الماء على المحل الذي يخرج منه الخارج ليزيله بسرعة، فيصب الماء على السبيلين أثناء خروج شيء منهما.
واستحسنوا أن يكون هناك بخور أو نحو ذلك أثناء ذلك؛ لئلا يخرج شيء مما يتأذى به من رائحته.
قال: [ثم يلف على يده خرقة فينجيه]
فيلف على يده خرقة ويغسل السبيلين، ولكن لا يكون ذلك بالمس باليد مباشرة، بل يكون ذلك بخرقة؛ لأن هذا الفعل يحصل به الإنقاء والتطهر المقصود، فلا يجوز حينئذ أن يكون ذلك عن مس، فإنه بقدر الاستطاعة ينبغي حفظ العورة مساً ونظراً، وحيث أنه يمكنه أن يزيل الخارج من السبيلين بخرقة من غير أن يمس، فلا يجوز المس؛ لأن المس لا يحتاج إليه حينئذ، فيبقى على التحريم.
فإن زال بالصب ونحو ذلك، فلا بأس.
قال: [ولا يحل مس عورة من له سبع سنين]
فمن كان له سبع سنين فأكثر، فإنه لا يجوز أن يمس عورته، وقد تقدم هذا؛ ولأن الإنقاء ما دام يحصل بغير مس للعورة، بأن يكون بخرقة، فإنه لا يجوز أن يرتقى إلى المس مع إمكان ما هو دونه.
قال: [ويستحب ألا يمس سائره إلا بخرقة]
فالمستحب في سائر البدن، كالفخذين والظهر ونحو ذلك ألا يمس شيئاً من ذلك إلا بخرقة.
لفعل الصحابة مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقد كانوا يصبون الماء ويدلكونه والقميص من دون أيديهم.
فإذا حصل الإنقاء بذلك فعل، وإن لم يحصل الإنقاء إلا بمسه، فإنه يفعل ذلك، فيمس بدنه، ولا يحرم هنا المس بخلاف مس العورة، فإنه لا يجوز إلا للضرورة إلى ذلك.
قال: [ثم يوضيه ندباً]
بعد أن ينتهي من إزالة الخارج وتنظيف السبيلين وإخراج ما في بطنه من أذى، يشرع حينئذ فيوضئه، وتوضيئه للاستحباب، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - - في حديث أم عطية المتفق عليه -: (ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها) 1 .
فيستحب أن يكون الابتداء - بعد الاستنجاء وإزالة القذر - بالتوضئة.
قال: [ولا يدخل الماء في فيه ولا في أنفه]
فيستثنى من ذلك المضمضة والاستنشاق؛ لأن في دخول الماء في الفم والأنف إدخال لهذا الماء إلى الجوف، فحينئذ قد يكون سبباً لتحريك القذر في جوفه، فيكون ذلك سبباً لإخراج القذر وقد انتهى من إزالته، فيكون فيه مشقة؛ لإكثار الصب عليه وإكثار غسله ونحو ذلك.
فإذا وضع الماء في فيه أو أنفه، فدخل جوفه، أثار النجاسة الموجودة في جوفه، فأدى ذلك إلى خروجها أثناء الغسل، فكان في ذلك مشقة على الميت بإكثار صب الماء على بدنه، ولا شك أن ذلك يؤثر سرعة الفساد إلى بدنه بسبب كثرة صب الماء، مع ما في ذلك من مشقة على الغاسل.
قال: [ويدخل أصبعيه مبلولتين بالماء بين شفتيه، فيمسح أسنانه، وفي منخريه فينظفهما، ولا يدخلهما الماء]
هكذا الطريقة في محل المضمضة والاستنشاق.
يأخذ خرقة فيبلها بالماء فينظف بها أسنان الميت وشفتيه ونحو ذلك.
ويدخل خرقة أخرى فينظف بها أنفه من الداخل.
هذا محل المضمضة والاستنشاق.
وقال الشافعية: بل يمضمضه وينشقه 1 ؛ للحديث المتقدم، فإنه قال: (ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها) ، والفم والأنف من مواضع الوضوء.
والصحيح ما ذهب إليه أهل القول الأول؛ لما تقدم، فإن في مضمضته واستنشاقه ما يؤثر بإثارة الخارج، فيكون في ذلك مشقة في كثرة صب الماء عليه.
قال: [ثم ينوي غسله]
فإذا غسل مواضع الوضوء منه وأدخل الخرقة في فمه وأنفه، فإنه ينوي بعد ذلك غسله، ويشرع في الغسل.
هكذا قال المؤلف هنا.
لكن العبارة في المقنع قبل ذكر الوضوء، وهذا هو الظاهر؛ لأن الوضوء من الغسل المستحب، فالغسل المستحب يكون أوله الوضوء، ثم يغسل بقية وسائر البدن.
فكان المستحب – على ما ذكر الموفق في أصل الكتاب، الذي هذا المؤلف اختصار له -.
لكن إن لم ينو إلا بعد الوضوء، فذلك جائز فإن الواجب حينئذ – أي بعد أن يوضئه ويريد أن يشرع في تغسيله -.
لكن النية استحباباً تكون قبل الوضوء؛ ليدخل الوضوء في الغسل، فهو مستحب للغسل.
وتجب ذلك – أي النية – بعد التوضئة وقبل الغسل، فإن النية فرض على الغاسل؛ لأن الغسل عبادة كما قال - صلى الله عليه وسلم -: (اغسلوه بماء وسدر) 2 ، وقال: (اغسلنها ثلاثاً) 3 الحديث.
فالغسل فرض كفاية، فكانت النية فيه فرضاً؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) 4 . فإذا غسله بلا نية لم يجزئ ذلك.
وعن الإمام أحمد، وهو قول بعض الحنابلة: أنه لا يشترط ذلك؛ قالوا: هو بمنزلة إزالة الخارج من السبيلين؛ لأن المقصود هو تنظيف الميت وتطهيره، فلم تجب له النية.
وهذا ضعيف؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أمر بتغسيله، وهو أمر مطلق شامل لنية النظافة وغيرها.
والعلة تعبدية، بل المراد تطهيره وإن كان نظيف البدن، بدليل أن من مات غريقاً أو نحو ذلك فأخرج فإنه يغسل وإن كان موته في ماء وهو في نظافة، فإنه يغسل تعبداً لله بالغسل، فليس ذلك كإزالة النجاسة التي يقصد إزالتها فحسب، بل المقصود هو الغسل.
والنبي - صلى الله عليه وسلم - كان طيباً عند موته ومع ذلك غسل تعبداً لله في ذلك.
فالصحيح ما ذهب إليه جمهور العلماء من أن الغسل تشترط له النية، فإن عدمت فإن الغسل لا يجزئ ويجب أن يعاد الغسل بنية.
والنية مستحبة قبل إيضائه، وبعد إيضائه وقبل غسله هي فرض، لتشمل الغسل المجزئ.
قال: [ويسمي]
كما تقدم في الأغسال المشروعة وفي الوضوء المشروع، أنه يشرع فيه التسمية، هذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد كما تقدم البحث فيه.
قال: [ويَغْسِل برغوة السدر رأسه ولحيته فقط]
يؤتى بالماء فيوضع فيه سدر ثم يحرك حتى تظهر الرغوة، فإذا ظهرت، أخذت وغسل بها رأسه ولحيته.
وما تبقى من الثُغْل، وهو بقية السدر الباقي بعد خروج هذه الرغوة يغسل بها سائر البدن.
هذا هو المشهور في المذهب، ويكون ذلك في كل غسلة من الغسلات.
وإنما خصوا الرغوة بالشعر واللحية؛ لأن غسل الشعر واللحية بالثغل يبقي شيئا منه في الرأس لا يزال إلا بإكثار الصب على الرأس، بخلاف الرغوة فإنها تذهب مع الشعر.
أما إذا كانت على البدن – أي الثغل – فإنها تذهب مع صب الماء اليسير.
ولفظ المقنع – وهو أظهر – إطلاق ذلك وأنه يغسل سائر البدن بالرغوة.
لكن إذا كانت الرغوة قليلة فإنه يكتفى بها - كما هو المشهور في المذهب – على الشعر واللحية، وأما سائر البدن، فإنه يغسل بالماء المتبقي من الثغل أو الكدر أو نحوه من السدر، أما إذا كانت الرغوة تكفي البدن كله، فإنها تغسل بها البدن، كما هو قول الموفق في أصل هذا الكتاب، وهو أظهر.
لكن إن كانت الرغوة قليلة، فالشعر واللحية أحق بها؛ لأن سقوط الثغل والكدر في الشعر يصعب إزالته.
وظاهر حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي فيه ذكر السدر أنه يوضع في كل غسلة، فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصحيحين من حديث أم عطية، قالت: " دخل علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن نغسل ابنته، فقال: (اغسلنها ثلاثاً أو خمساً – وفي رواية: أو سبعاً – أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر، واجعلن في الأخيرة كافوراً أو شيئاً من كافور) 1 .
وظاهر ذلك أن كل هذه الغسلات يكون فيها الماء والسدر، وهو نص الإمام أحمد.
وسئل على إشكال يطرأ على ذلك، وهو أن الغسلة الأخيرة – حينئذ – يبقى على البدن شيء من ورق السدر أو من دقيق السدر الذي يكون في الماء الذي وضع فيه السدر، فقال رحمه الله: " هو نقي "، وقال عطاء: " هو طهور "، وهو كما قالا.
فإنه ليس من الشرط أن يزال هذا الثغل أو هذا الكدر الذي يكون مع الماء من السدر، فإنه لو بقي فلا أثر له، بل هو طهور نقي.
لكن إن صب عليه الماء لإزالته، فلا بأس.
قال: [ثم يغسل شقه الأيمن ثم الأيسر، ثم كله ثلاثاً]
أي يشرع في صب الماء، فيصب على الجهة اليمنى ثم الجهة اليسرى؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها) .
فهذا الحديث يدل على أن المستحب أن يُبدأ بالميامن، فيبدأ بشقه الأيمن ثم شقه الأيسر، ثم يصب الماء عليه كله، ويكون ذلك ثلاث مرات.
وهذا هو المستحب؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (اغسلنها ثلاثاً) .
فإن اكتفى بغسله مرة واحدة أجزأ ذلك، وهو خلاف ما يستحب، فالمستحب أن يغسل الميت ثلاثاً.
لكن إن غسله مرة أجزأ ذلك؛ لإطلاق النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله: (اغسلوه بماء وسدر) ، فهذا يدل على أن المجزئ هو تعميم البدن بالغسل، لكن المستحب أن يغسله ثلاثاً فأكثر على حسب المصلحة.
قال: [ثم 1 يمر في كل مرة يده عل بطنه]
يعني: يحرك بطنه في كل مرة من مرات التغسيل حتى يخرج ما هو متهيئ للخروج.
قال: [فإن لم ينق بثلاث، زيد حتى ينقي ولو جاوز السبع]
إذا لم ينق الثلاث، فإنه يزيد رابعة فخامسة، فإن لم ينق، زاد سادسة فسابعة فأكثر من ذلك حتى ينقي؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك) .
وقوله: (إن رأيتن ذلك) أي على حسب المصلحة، لا على حسب التشهي.
وظاهر كلام المؤلف – وهو مذهب الحنابلة – أن ذلك مربوط بخروج الخارج.
بمعنى: أنه لو كان البدن نقياً بثلاث غسلات، لكن خرج شيء من السبيلين، فإنه يعيد الغسل كاملاً مرة رابعة فخامسة، وهكذا.
وذهب جمهور العلماء: إلى أنه يوضئه حينئذ؛ لأن التكرار المتقدم إنما هو حيث كانت المصلحة في تكراره على البدن كله.
أما هنا فإن المصلحة في صب الماء على السبيلين فحسب.
قالوا: فحينئذ يوضئه.
وما ذهبوا إليه – مع أنه أقوى من القول الأول -، لكن الأظهر ألا يقال بتوضئته، بل وإنما يقال بمجرد صب الماء على السبيلين فيزال الخارج.
وذلك لأن حكم الميت ليس كحكم الحي، فهم إنما قاسوا الميت على الحي، فإن الحي إذا اغتسل من الجنابة ثم خرج منه شيء فإنه يتوضأ عن هذا الخارج؛ لأن هذا الخارج ناقض للحدث 1 الأصغر دون الأكبر، ولا يعيد الغسل كاملاً؛ لأن الغسل قد بنيت حكمه بالاغتسال، وخرج من الحدث الأكبر بالاغتسال، لكن خروج هذا الحدث الأصغر يوجب عليه الوضوء.
وإلحاق الميت بالحي فيه نظر، فإن هذا الغسل إنما هو من باب التعبد وليس بمعنى اغتسال الحي الذي يكون متهيئاً للصلاة ونحوها مما يشترط له الوضوء.
فالأظهر: أنه إذا غسله ثلاثاً فأنقى بدنه، فخرج منه شيء من السبيلين، فإنه يكتفي حينئذ بغسل الموضع الذي خرجت منه النجاسة من غير أن يعيد الغسل مرة أخرى، خلافاً للمشهور عند الحنابلة.
وقال الجمهور: يعيد إيضاءه، وهذا وإن كان على الغاسل أهون من إعادة الغسل، لكن الأولى فيه أن يكتفى بغسل المحل الذي خرج منه الخارج.
قال: [ويجعل في الغسلة الأخيرة كافوراً]
فالغسلة الأخيرة يضيف إليها الكافور، وهو نافع للميت، فإنه يشد البدن ويصلب الجسد ويطرد الهوام، ويبرد البدن أيضا، مما يؤدي إلى تأخر الفساد إليه.
ودليله ما تقدم من قوله - صلى الله عليه وسلم -: (واجعلن في الأخيرة كافوراً أو شيئاً من كافور) (2) .
والكافور طيب، فإذا لم يوجد الكافور ووجد ما يقوم مقامه مما فيه هذه الفوائد المتقدمة، فإنه يضاف إلى الغسلة الأخيرة شيء من الطيب لحصول شيء من فوائده، فإن الكافور رائحته طيبة.
قال: [والماء الحار والأشنان والخِلال يستعمل إذا احتيج إليه]
" الخلال ": أن يدخل عوداً أو نحوه بين أسنانه لإخراج شيء من الوسخ بين الأسنان.
فالماء الحار قد يعجل بفساد البدن، ومثله الأشنان.
والخلال قد يحدث شيئاً في لثة الميت ويخرج الدم ونحو ذلك.
فهذه الأشياء لا تستعمل إلا إذا احتيج إليه.