شرح زاد المستقنع للحمدصفحات 81-120
أهل الأثرالأرشيف العلمي

إذا شك لا يدري أطلَّق امرأته طلقتين أم طلقة، فاليقين أنها طلقة، والطلقة الثانية مشكوك فيها، واليقين لا يزول بالشك.
قال: [وتباح له] أي تباح له هذه المرأة لما تقدم من أن الأصل بقاء عصمة النكاح، وهذا الطلاق مشكوك فيه.
قال: [فإذا قال لامرأتيه: إحداكما طالقٌ طلقت المنوية] إذا قال لامرأتيه: إحداكما طالق ونوى فلانة منهما [مبهماً] 1 ، فإن المنوية تطلق عليه؛ لأنه قد عيَّنها بنيته، فلفظه مبهمٌ لكن نيته معينة.
قال: [وإلا من قرعت] وإلا: أي إن لم ينوِ إحداهما فإنه يوضع بينهما القرعة، والقرعة طريقٌ شرعي لإخراج المجهول، فالحق لواحدة منهما غير معينة فوجبت بالقرعة، أي وجب حقها بالقرعة، فيضع بينهما القرعة فمن خرجت عليها القرعة فهي الطالقة بتلك اللفظة التي تلفظ بها.
وقال الشافعية والأحناف: بل يتخير أيتهما شاء، قالوا: لأنه له ابتداءً إيقاع الطلاق وتعيينه، وهنا قد أوقعه ولم يعينه فبقي له حق التعيين استيفاءً لملكه.
والأرجح هو القول الأول؛ وذلك لأنه حق لإحداهما من غير تعيين فوجب بالقرعة كالسفر ببعض النساء، وتقدم لأنه ليس له أن يسافر بإحدى نسائه إلا بقرعة.
فأما ما ذكروه فهو ضعيف؛ وذلك لأنه يملك الطلاق قبل إيقاعه وأما بعد أن أوقعه فإنه ليس له فيه أي ملك، وكان له حق التعيين مع الإيقاع وأما وقد أوقعه ولم يعيِّن فقد خرج عنه حق التعيين.
قال: [كمن طلق إحداهما بائناً ونسيها] رجل طلق إحدى امرأتيه طلاقاً ثلاثاً بائناً لكنه نسيها ولا بينة، فالحكم أنه توضع بينهما القرعة في الحل وفي الإرث، أي في حلِّها له وفي كونها ترث منه، أما الإرث فهذا ظاهر للتعليل المتقدم فهو حق لواحد غير معين ولا سبيل لنا إلى تعيبن صاحب الحق فحينئذٍ سلكنا هذا الطريق الشرعي وهو القرعة.

وأما في الحِل فاختار الموفق وهو رواية عن الإمام أحمد وهو مذهب أكثر أهل العلم كما حكى ذلك الموفق: " أن القرعة هنا لا طريق لها؛ ذلك لأن الزوجة هنا قد اشتبهت عليه، فكما لو اشتبهت زوجته بأجنبية فإنه لا يحل له أن يطأ، وهنا كذلك فقد اشتبهت عليه إحدى المرأتين هذه محرمة عليه بالبينونة وهذه حلال له، ولأن القرعة لا تحل المرأة المطلقة، ومعلوم أن القرعة قد تقع على المرأة المطلقة المنسية، وهذه القرعة لا تحل المرأة التي قد وقع عليها الطلاق ولا ترفع الطلاق عنها.
فإن قيل فما الفرق بينها وبين المسألة المتقدمة؟ فالجواب: أن المسألة المتقدمة الطلاق لم يقع على واحدة بعينها بل الطلاق مبهم فاحتجنا إلى تعينه بالقرعة، وأما في هذه المسألة فإن الطلاق واقع على واحدة بعينها، فإن إحداهما طالق بعينها ولكنها مجهولة، وهذا فرق ظاهر بين المسألتين، فالراجح ما ذكره الموفق وهو مذهب أكثر أهل العلم.
قال: [وإن تبيَّن أن المطلقة غير التي قرعت ردت إليه ما لم تتزوج أو تكن القرعة بحاكم] هذا تفريع على القول المرجوح، فإذا وقعت القرعة فخرجت على فلانة وتبين للزوج، أي تذكر أن المطلقة غير التي قرعت، وهذا أي التذكر أمر لا يعلم إلا من جهته فيقبل فيه قوله، فإذا تذكر أنها غير التي قرعت فإنها ترد إليه.
ما لم تتزوج: فإذا تزوجت فلا ترد إليه؛ وذلك لأن قوله المجرد عن البينة لا يسقط حق غيره فالمرأة هنا قد تزوجت فأصبحت في عصمة غيره فقوله المجرد لا يسقط حق الغير.
أو تكن القرعة بحاكم، فإذا كانت القرعة من طريق الحاكم فيكون هذا قضاءً وحكماً والحكم لا يرفع بقوله المجرد.
إذن: إذا تزوجت المرأة أو كانت القرعة بحاكم فإنها لا ترد إليه، وأما إذا لم تتزوج ولم يثبت حكم القرعة بحاكم فإنها ترد إليه؛ لأنه شيءٌ لا يعلم إلا من جهته فقبل فيه قوله.

قال: [وإن قال: إن كان هذا الطائر غراباً ففلانة طالق، وإن كان حماماً ففلانة طالق وجُهل لم تطلقا] لاحتمال أن يكون هذا الطائر ليس بغراب ولا حمام والطلاق لا يقع بالشك.
قال: [وإن قال لزوجته وأجنبية اسمها هندٌ إحداكما (أو هندٌ طالقٌ) 1 طلقت امرأته] إذا قال لزوجته وامرأة أجنبية عنه اسمها هند إحداكما طالق طلقت امرأته؛ وذلك لأنه لا يملك طلاق الأخرى.
قال: " أو هند طالق طلقت امرأته ": فإذا قال لامرأته واسمها هند، وامرأة أجنبية [عنه] 2 اسمها هند فقال: " هندٌ طالق " فيقع الطلاق على امرأته؛ وذلك لأن الأخرى ليست بزوجةٍ له، والطلاق لا يقع عليها فهو لا يملك طلاقها.
قال: [وإن قال: أردت الأجنبية لم يقبل حكماً إلا بقرينة] إذا قال: " أردت الأجنبية " لم يقبل حكماً؛ لأنه يخالف الظاهر، ولكنه يديَّن بنيته فيما بينه وبين ربه، ولا يقبل في الحكم إلا بقرينة، كأن يقول ذلك دفعاً للظلم كأن تكون له زوجة اسمها هند، وأخت اسمها هند فقيل له طلق زوجتك فقال: " هند طالق " وهو لا يقصد طلاق زوجته بل يقصد بذلك أخته، فلما كانت هذه القرينة موجودة فلا يقع الطلاق حكماً.
قال: [وإن قال لمن ظنها زوجته: أنت طالق طلقت الزوجة (وكذا عكسها) 3 ] إذا قال لامرأة يظنها زوجته وهي ليست بزوجةٍ له قال: " أنت طالق " فإنها تطلق الزوجة، اعتباراً بالقصد، فقصده زوجته [وهو كما لو قال: " امرأتي طالق " ففي المذهب قوة.] 4 والقول الثاني في المذهب وهو الصحيح من المذهب وهو مذهب الشافعية: أن الطلاق لا يقع اعتباراً بالخطاب؛ لأن الطلاق إنما يقع حيث خوطبت به المرأة أو كان بلفظ ظاهر إرادتها.
5

فالاعتبار هنا بالخطاب لا بالقصد، والنية المجردة عن اللفظ لا يقع معها الطلاق، [والأول أظهر.] 1 قال: [وكذا عكسها] فعكس هذه المسألة يقع الطلاق فيها على امرأته، فإذا قال لمن ظنها أجنبية وهي زوجته قال لها: " أنت طالق " يظنها أجنبية عنه فكانت امرأته، فكذلك يقع عليها الطلاق؛ وذلك لأنه واجه امرأته بصريح الطلاق.
والقول الثاني في المسألة وهو اختيار شيخ الإسلام: أنه لا يقع، وهذا القول الأرجح، وذلك لأن الأعمال بالنيات، فاللفظ قطعاً لا يريد به طلاق امرأته، بل يريد به محادثة ومخاطبة الأجنبية، وعليه فلا يقع الطلاق، لكننا نحكم بالظاهر إلا مع قرينة، ويُدين بنيته فيما بينه وبين ربه.

الدرس الخامس والخمسون بعد الثلاثمائة باب الرجعة الرجعة: هي إعادة مطلقة غير بائن إلى ما كانت عليه بغير عقد.
وقد أجمع أهل العلم على أن الرجل الحر إذا طلق امرأته دون الثلاث، والعبد دون اثنتين فلهما الرجعة في العدة، ولا يشترط – إجماعاً – في الرجعة قبول المرأة ولا الولي ولا صداق في ذلك، فهو استدامة للنكاح.
قال: [من طلق بلا عوضٍ زوجةً مدخولاً أو مخلواً بها دون ماله من العدد فله رجعتها في عدتها] من طلق بلا عوض: تقدم حكم الطلاق بعوض وهو الخلع -، فمن طلق امرأة مدخولاً بها أو في حكم المدخول بها وهي المخلو بها دون ماله من العدد فله رجعتها ما دامت في العدة أما غير المدخول بها فإنها تبين منه بطلقة ولا عدة لها كما تقدم تقريره.
قال: [ولو كرهت] فله رجعتها ولو كرهت لقوله تعالى: ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك﴾ 2 ، وقد سماه الله تعالى بعلاً أي زوجاً وهو زوج لها وهو أحق برجعتها.
وظاهر الآية أن ذلك ليس إلى الولي ولا إلى المرأة وتقدم الإجماع عليه.

وظاهر كلام المؤلف الإطلاق فيمن يريد الإصلاح وفيمن لا يريده، فكل من أراد الرجعة فله المراجعة كما هو إطلاق المؤلف وهو إطلاق غيره من الفقهاء.
واختار شيخ الإسلام: أنه لا يُمكن من ذلك إلا أن يريد بذلك الإصلاح والإمساك بالمعروف، وعليه فإذا راجعها بغير هذه الإرادة فطلقها فلا يقع الطلاق حينئذٍ؛ وذلك لأنه طلاق بعد رجعة غير صحيحة.
وقوله هو الذي يدل عليه ظاهر القرآن، قال تعالى: ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحاً﴾ ، فشرط الله تعالى بهذا الحكم إرادة الإصلاح.
قال: [بلفظ راجعت امرأتي ونحوه] فألفاظ المراجعة: راجعت امرأتي ونحوه من الألفاظ كأن يقول: " رددتها " أو "أمسكتها " وغير ذلك من الألفاظ التي هي صريحة في الرجعة.
قال: [لا نكحتها ونحوه] فإذا قال في الرجعة: " نكحتها أو تزوجتها ونحوه " فلا يحصل به الرجعة، وذلك لأن هذا اللفظ يكون كناية، قالوا: والرجعة استباحة بُضع مقصود، فلم تصح فيه الكناية كالنكاح.
والقول الثاني في المسألة، وهو وجه عند الحنابلة وممن قال به ابن حامد: أن الرجعة تحصل به مع النية.
وهذا أظهر؛ وذلك لأنه يدل عليها، فهذا اللفظ يدل على الرجعة وقد نوى قائله الرجعة، والعبرة بالمعاني لا بالمباني وبالقصود لا بالألفاظ.
وفرق بين النكاح والرجعة؛ فإن النكاح ابتداء وأما الرجعة فهي إعادة لهذه المرأة في الزوجية، فالمعقود عليها في النكاح أجنبية، وأما المتلفظ لها في الرجعة فهي زوجه كما تقدم في قوله تعالى ﴿وبعولتهن﴾ . قال: [ويسن الإشهاد] ويسن له أن يشهد على الرجعة.
قالوا: لأن الرجعة لا تفتقر إلى قبول من المرأة ولا من الولي وما كان كذلك لم تفتقر إلى الإشهاد، وهو قول جمهور العلماء.
والقول الثاني في المسألة وهو رواية عن الإمام أحمد: أن الإشهاد شرط في صحة الرجعة فلا تصح الرجعة إلا بالإشهاد، وهو القول القديم للشافعي.

والذي يترجح أن الإشهاد واجب وليس بشرط ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ ، وظاهر الأمر الوجوب، ويدل على وجوبها وأنها تصح مع عدم الإشهاد، ماثبت في سنن أبي داود بإسنادٍ صحيح أن عمران بن الحصين سئل عن الرجل يُطلِّق ولا يشهد ويراجع ولا يشهد فقال: " طلقت لغير سنة وأرجعت لغير سنة، أشهد على طلاقها وأشهد على رجعتها ولا تعد " (1) ، فالذي يترجح هو وجوب الإشهاد لكن ليس بشرط في صحتها بل تصح الرجعة ولو لم يشهد، وإنما قلنا بوجوبه لقوله تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدلٍ منكم﴾ 1 ، ولقول عمران بن الحصين: " وأرجعت لغير سنة "، ولأن عدم الإشهاد ذريعة إلى كتمان الطلاق فقد يطلق الرجل امرأته المرة الأولى ثم يطلقها المرة الثانية ولا يشهد، ثم يطلقها الثالثة، فيكتم الطلقتين الأوليين فيسول له الشيطان إبقاءها عنده بخلاف ما إذا أشهد على الطلقة الأولى والطلقة الثانية فإن الأمر يكون بيِّناً.

قال: [وهي زوجة، لها وعليها حكم الزوجات ولكن لا قسم لها] هذا هو حكم الزوجة المطلقة الطلاق غير البائن في عدتها، فحكمها حكم الزوجات فلها ما لهن من النفقة والسكن وعليها ما على الزوجات بالمعروف، ومن ذلك أنها لا تخرج من بيتها ولكن لا قسم لها قال تعالى: ﴿واتقوا الله [ربكم] لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾ 2 . والمشهور في المذهب: أنه يحل له أن يطأها وأنها تتزين له وتتشرف له وله أن يطأها ويخلو بها وغير ذلك من الأحكام.
وقال الشافعية: بل هي محرمة عليه؛ وذلك لأن هذه الطلقة ثبت معها التحريم فهي طلقة وقعت فثبت معها التحريم.

والذي يقوى عندي – والله أعلم – أن الوطء ينهى عنه، وأما تشرفها له وتزينها له والخلوة بها والسفر بها فهو جائز، وأما الوطء فإنه يمنع منه؛ وذلك لأن في المنع منه سبباً لإرجاعها؛ وذلك لأنه إذا علم أنه لا يمكن من وطئها إلا بأن يراجعها فإن المنع من الوطء يكون ذريعةً إلى إرجاعها والإرجاع محبوب إلى الله تعالى، ولأن هذه الطلقة كما ذكروا ثبت بها التحريم وإنما كان له حق الرجوع، وأما الخلوة بها ونحو ذلك فإنها تستثنى بدليل أن الله تعالى نهاهن من الخروج من بيوتهن ومعلوم أن بقاءها في بيتها يكون فيه خلوة، وغير الخلوة مما تقدم ذكره في السفر بها ونحوه له حكم الخلوة.
قال: [وتحصل الرجعة أيضاً بوطئها] وتقدم أن الحنابلة يجيزون الوطء فإذا وطئها فإن الرجعة تحصل بها سواء نوى به الرجعة أم لم ينوِ به الرجعة، إذن: بالوطء المجرد تثبت الرجعة.
وعن الإمام أحمد وهو مذهب المالكية وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية: أن الرجعة لا تحصل بالوطء إلا بالنية؛ وذلك لأن الوطء ليس صريحاً في إرادة إرجاعها فاشترط فيه النية، وهذا القول هو الأظهر، وعليه فإذا وطء الرجل امرأته ولم ينو بذلك الرجعة فلا يكون هذا الوطء رجعة بل لا يكون رجعة حتى ينويه.
وأما ما دون الوطء فظاهر كلام المؤلف وهو المذهب: أن الرجعة لا تحصل به فإذا استمتع بها بما دون الوطء كأن يقبلها أو يباشرها فإن الرجعة لا تحصل به في المذهب.
وقال الأحناف: بل تحصل به؛ وذلك لأن الاستمتاع بالمرأة لا يحل إلا بالزوجية، وقولهم أظهر لكن بشرط النية كما تقدم، فإذا باشرها أو قبلها أو نحو ذلك وهو ينوي الرجعة فإن الرجعة تحصل بذلك.
قال: [ولا تصح معلقةً بشرط]

اتفاقاً، فلا يصح أن يراجع امرأته ويعلق هذا بشرط، كالنكاح، فليس له أن يقول: راجعتك إن كان كذا، بل لابد وأن يكون منجزاً كالنكاح، بخلاف الطلاق الذي هو فراق للمرأة، وأما الرجعة ففيها استدامة لنكاحها فأشبه ابتداء النكاح في هذا الحكم.
قال: [فإذا طهرت من الحيضة الثالثة ولم تغتسل فله رجعتها] عدة المطلقة ثلاثة قروء أي حيضات، فإذا حاضت الحيضة الأولى ثم الثانية ثم الثالثة ثم انقطع عنها الدم فبانقطاع الدم يتم لها ثلاثة قروء، فله أن يراجعها قبل أن تغتسل، فإذا انقطع الدم فجلست ساعة أو ساعتين أو يوم أو يومين أو شهراً أو سنة ولم تغتسل فله أن يراجعها وهو ظاهر المذهب وأن له أن يراجعها وإن فرطت في الاغتسال مدة طويلة، قالوا: لأنه قول عمر وعلي وابن مسعود كما في مصنف عبد الرزاق، قالوا: ولا يعلم لهم مخالف.
ورجَّح الموفق أن ذلك بحيث يلزمها الغسل، فلو طهرت بعد طلوع الفجر فإنها لا تلزم بالغسل حينئذٍ وإنما تلزم به إذا خشي فوات وقت الظهر، فإذا راجعها في هذه الساعات فالرجعة صحيحة، لكن لو أخرت الاغتسال حتى خشي خروج الوقت فإن الرجعة لا تصح وتكون قد خرجت من عدتها، وهذا القول أظهر - على ترجيح هذا القول -. والقول الثاني في المسألة وهو قول الجمهور وهو رواية عن الإمام أحمد واختاره الشيخ عبد الرحمن السعدي: أنها بانقطاع الدم في القرء الثالث تكون قد خرجت من عدتها، قالوا: وهذا ظاهر قوله تعالى: ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك﴾ 1 ، فإن قوله (في ذلك) الإشارة هنا تعود إلى العدة المذكورة، وهي ثلاثة قروء، فجعل العدة ظرفاً لأحقية الزوج بالرجعة، ومفهوم هذه الآية أن هذه القروء إذا مضت ولم يراجعها فإنه ليس له أن يراجعها.

وقالوا: ولأن سائر الأحكام كذلك، فما هو الدليل على استثناء هذه المسألة، وإلحاق الشيء بنظيره أولى، ولذا فالحنابلة يقولون بالتوارث (1) فيما إذا طلق امرأته فاستمرت في عدتها ثلاثة قروء فانقطع الدم في القرء الثالث ومات بعد انقطاعه وهي لم تغتسل، فإنه لا توارث بينهما في المذهب، ولا شك أن إلحاق النظير بنظيره أولى، وكذلك اللعان إذا انقطع الدم عنها في القرء الثالث فقذفها بعد انقطاعه وقبل غسلها، فلا نقول بإيقاعه بل يكون قذفاً لأنها تكون أجنبية عنه حينئذٍ.
وهذا القول هو الأرجح من جهة الدليل.
لكن يشكل عليه ما ذكره الحنابلة من أن هؤلاء الصحابة لا يعلم لهم مخالف.
فإن صحَّ ذكر الخلاف في أن بعض الصحابة، كعائشة وابن عمر وزيد بن ثابت كما في الموطأ: أنهم كانوا يرون أن الأقراء هي الأطهار، إن صح أن يكون هذا مخالفة منهم لمن تقدم ذكرهم، فيدفع هذا القول بقولهم.
وإلا فقد يقال إن الصحابة القائلين بأن الأقراء هي الحيضات كلهم قد قالوا: إن انقطع عنها الدم ولم تغتسل فله الرجعة والله أعلم.
لكن من حيث الدليل ما ذهب إليه الجمهور أقوى، وممن اختاره من المتأخرين الشيخ عبد الرحمن بن سعدي.
والله أعلم.
قال: [وإن فرغت عدتها قبل رجعتها بانت وحرمت قبل عقد جديد] فإذا فرغت العدة قبل رجعتها فإنها تبين منه وتحرم عليه إلا بعقد جديد يشترط فيه الولي والصداق وغير ذلك، وهذا هو مفهوم قوله تعالى: ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك﴾ (2) ، فظاهره أنهم ليسوا بأحق بردهن بعد ذلك أي بعد العدة، وهذا باتفاق العلماء.
قال: [ومن طلَّق دون ما يملك ثم راجع أو تزوج لم يملك أكثر مما بقي وطئها زوجٌ غيره أو لا]

فإذا طلق رجل امرأته دون ما يملك من عدد الطلاق كأن يطلقها الحر طلقة أو طلقتين فمضت العدة ولم يراجعها ثم تزوجت بزوج آخر أو لم تتزوج زوجاً آخر ثم عقد عليها زوجها الأول عقداً جديداً فلا يبطل الطلاق بل يبقى عليه طلقة حيث طلقها طلقتين، ويبقى طلقتان حيث طلقها طلقة.
أما حيث لم تتزوج زوجاً آخر فهذا باتفاق أهل العلم لا نزاع بينهم في ذلك، فإذا طلق الرجل امرأته فانتهت عدتها ثم عقد عليها عقداً جديداً فتحسب عليه تلك الطلقة بلا نزاعٍ بين العلماء، والطلاق ثابت وواقع ولا دليل على رفعه.
وأما إذا عقبه عليها زوجٌ آخر فهل يحسب عليه طلاقه الأول أم لا؟ قولان لأهل العلم: القول الأول، وهو مذهب جمهور العلماء: أنه 1 يحسب عليه الطلاق الأول، وهو قول أكابر الصحابة كما قال ذلك الإمام أحمد، وممن قال به؛ عمر بن الخطاب كما في مصنف عبد الرزاق بإسنادٍ صحيح (2) ، قالوا: والزوج الآخر ليس شرطاً في إحلالها للزوج الأول فلم يكن مؤثراً في إذهاب الطلاق السابق، فكان هذا النكاح الثاني وجوده كعدمه لا يغير من حكم الطلاق شيئاً.
القول الثاني، وهو مذهب الأحناف: 2 أنه لا يحسب عليه الطلاق السابق وهو قول طائفةٍ من الصحابة وممن روي عنه هذا القول: ابن مسعود وابن عمر وابن عباس كما في مصنف عبد الرزاق، قالوا: لأن هذا الحكم أولى من البينونة الكبرى، فإذا طلق الرجل امرأته ثلاثاً ثم نكحها زوجٌ آخر فإنه ينكحها بعده الأول بلا طلاق سابق إجماعاً، أي لا يحسب عليه الطلاق السابق، فإذا ثبت هذا في البينونة الكبرى فالبينونة الصغرى أولى – والبينونة الصغرى لا يشترط فيها نكاح زوجٍ آخر –.

وفي القولين قوة، لكن القول الأول فيما يظهر لي أرجح، لأنه قول أكابر الصحابة، ولأن ثمت فرقاً بين الطلاق الثلاث الذي تحصل به البينونة الكبرى وبين الطلاق الذي دونه الذي تحصل 1 به البينونة الصغرى حيث نكحت زوجاً آخر؛ وذلك أنها إذا نكحت زوجاً آخر فلا يمكن أن نمكنها من نكاح هذا الزوج ونحسب عليها طلاقاً؛ لأنا إذا حسبنا الطلاق، فالطلاق ثلاث، وعليه فلا يمكن نكاحها، فأبطلنا الطلاق السابق كله واستأنفوا نكاحاً جديداً.
وأما في المسألة الأخرى فإن النكاح إنما تحسب فيه طلقة، وعليه فإنه يمكن إكمال الزواج وإتمامه بينهما؛ لأنا لا نحسب عليهما إلا طلقة أو طلقتين، والمسألة فيها تجاذب كما ذكر ابن القيم، إلا أن الأولى فيما يظهر لي ما ذهب إليه الجمهور، والله أعلم.

الدرس السادس والخمسون بعد الثلاثمائة فصل قال: [وإن ادعت انقضاء عدتها في زمن يمكن انقضاؤها فيه أو بوضع الحمل الممكن وأنكره فقولها] فإذا ادعت المطلقة طلاقاً غير بائن؛ أن عدتها قد انقضت في زمن يمكن انقضاء العدة فيه، أو ادعت أنها وضعت حملاً ممكناً وأنكر ذلك الزوج – فالقول قولها؛ لأن هذا الأمر لا يعلم إلا من جهتها فكان القول قولها ولذا قال تعالى: ﴿ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن﴾ (2) ، وذلك لأنهن مؤتمنات على ذلك.
قال: [وإن ادعته الحرة بالحيض في أقل من تسعة وعشرين يوماً ولحظة لم تسمع دعواها] اللحظة هنا لتحقيق انقضاء الدم، فالحرة عدتها ثلاث حيض، وأما الأمة فعدتها حيضتان، فإذا ادعت انقضاء العدة في تسعة وعشرين يوماً فهذا ممكن، وأما أقل من تسعة وعشرين يوماً فهذا لا يقبل، وذلك لما تقدم من أن أقل الطهر ثلاثة عشر يوماً وأن أقل الحيض يومٌ 2 .

فإذا حاضت يوماً ثم طهرت ثلاثة عشر يوماً - فهذه أربعة عشر يوماً – ثم حاضت يوماً – فهذه خمسة عشر يوماً – ثم طهرت ثلاثة عشر يوماً – فهذه ثمانية وعشرون يوماً – ثم حاضت يوماً – فهذه تسعة وعشرون يوماً – ثم في لحظه تحقق انقطاع الدم فحينئذٍ تكون بذلك قد انقضت عدتها.
فإن ادعته في أقل من تسعة وعشرين يوماً فإن هذا غير ممكن، وهذا ينبني على ما تقدم من أقل الحيض وأقل الطهر وتقدم ترجيح شيخ الإسلام؛ وأنه ليس لأقل الحيض شيءٌ محدد، خلافاً لما ذهب إليه الحنابلة.
فإن ادعته في هذه المدة فهل يقبل قولها بلا بينة أم لا؟ [القول الأول وهو] 1 المشهور في المذهب أنه: لا يقبل قولها إلا ببينة؛ وذلك لندور ذلك فإنه يندر أن تحيض امرأة في تسعة وعشرين يوماً ثلاث حيض وعليه فلا بد أن تشهد لها نساؤها العدول.
والقول الثاني في المسألة وهو رواية عن الإمام أحمد: أنه يقبل قولها؛ لأنه ممكن وهي مؤتمنة على نفسها.
وهذا فيما يظهر لي أظهر؛ فهي مؤتمنة على نفسها فالقول قولها لا فرق بين أن يكون هذا الشيء نادراً أو غير نادر.
قال: [وإن بدأته فقالت: انقضت عدتي فقال: كنتُ راجعتك] فإذا قالت المرأة لزوجها: " انقضت عدتي " فقال: " كنت راجعتك " فالقول قولها إلا أن يكون له بينة، فإن 2 أتى ببينةٍ تشهد على أنه راجعها قبل انقضاء عدتها فلا شك أن البينة يحكم بها.
لكن إن لم يكن له بينة، فالقول قولها؛ وذلك لأن الظاهر حصول البينونة، والأصل عدم الرجعة، فالأصل عدم ما يدعيه هو، أي الأصل هو البينونة، فهو يدعي خلاف الأصل فيطالب بالبينة، فإن أتى بها وإلا فالقول قولها.
قال: [أو بدأها به، فأنكرته فقولها]

إذا بدأها هو بذلك فقال: " كنت راجعتك " فقالت: " قد انقضت عدتي قبل أن تراجعني " فالقول قولها؛ لأن الأصل هنا حصول البينونة، وما يذكره من الرجعة خلاف الأصل ولا فرق بين أن يكون قد ابتدأها هو أو ابتدأته هي وما ذكره المؤلف هو قول في المذهب.
وأما المشهور في المذهب فهو خلاف ما ذكره المؤلف: فقد فرقوا بين ما إذا بدأها، وبين ما إذا بدأته، فقالوا: إذا ابتدأته فالقول قولها، وأما إذا بدأها هو فالقول قوله.
وسرّ الفرق عندهم: أنه إذا بدأها هو فإن ذلك يكون قبل الحكم بانقضاء عدتها، لأننا حكمنا بانقضاء عدتها بقولها: انقضت عدتي، وأما [إن] ابتدأته هي فبقولها هذا يكون الحكم بانقضاء العدة، فيكون قوله وهو ادعاء الرجعة بعد الحكم بانقضاء العدة.
لكن الراجح ما تقدم، وهذا التفريق ليس بمؤثر لأن الأصل معها، فالأصل هو حصول البينونة وعدم الرجعة في المسألتين كلتيهما.
مسألة: المشهور في المذهب وهو ظاهر إطلاق المؤلف هنا: أن المرأة إذا ادعت ما ادعته من انقضاء العدة فإنها لا تطالب باليمين، فالقول قولها بلا يمين، وذلك لأن الرجعة لا يصح بذلها، فالمال يصح بذله فلو أن رجلاً قيل له: "احلف " فقال " لا أحلف " يترتب على ذلك أن هذا المال المدعى عليه يُبذل، فيكون قد بذل هذا المال، والبذل للمال يصح، لكن البذل للفرج لا يصح، فإن امتناعها من الحلف يترتب عليه 1 بذل لفرجها وهذا ممنوع كالحدود، فكما أن الحدود لا يستحلف فيها فكذلك في مثل هذه المسائل، وذلك لأن الرجعة لا يصح بذلها، وذلك لأنه بذل لفرج فلابد وأن يكون بحق.

والقول الثاني في المسألة وهو مذهب الشافعية وهو قول في المذهب: أنها تطالب باليمين، فلا يقبل قولها إلا باليمين، وذلك لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: (البينة على المدعي واليمين على من أنكر) 1

، وهذا القول أرجح لعموم الحديث.
وأما كونها يترتب على تركها للحلف بذلها لفرجها وهذا لا يصح.
فالجواب: أنه لا يحل لها أن تمتنع من الحلف فإن في امتناعها من الحلف بذلاً لفرجها منها، وبذلها للفرج محرم، والحلف وسيلة إليه فيكون ترك الحلف محرماً عليها، بخلاف ترك الحلف في الأموال فقد يترك الرجل اليمين ويفدي نفسه بماله منها.
وهل يثبت حق الزوج بالنكول أم لا؟ إذا ادعت انقضاء عدتها فقيل لها: احلفي فامتنعت، هذا هو النكول، فهل يقضى للزوج بالرجعة إذا نكلت أم لا؟ قولان لأهل العلم: القول الأول: أنه لا يحكم بالنكول هنا، وذلك للعلة المتقدمة وهي أن الرجعة فيها بذل للفرج ولا يصح بذله فلم يبذل بالنكول وهو المشهور في المذهب.
القول الثاني، وهو مذهب الشافعية وذكره الموفق احتمالاً وهو الراجح: أنه يقضى بالنكول لكن يستحلف الزوج، فإذا نكلت عن الحلف فحينئذٍ يظهر صدق الزوج ويكون جانبه أقوى من جانبها وعليه فيستحلف لأن من قوي جانبه فالقول قوله بيمينه، فهي في الأصل صاحبة الجنب القوي لما نكلت ضعف جانبها وقوى جانب الزوج وحينئذٍ يستحلف فإن حلف قضي له بالرجعة.

فصل قال: [إذا استوفى ما يملك من الطلاق حرمت عليه حتى يطأها زوجٌ] إذا استوفى الزوج ما يملك من عدد الطلاق وهو ثلاث تطليقات للحر، وتطليقتان للعبد، فإنها تحرم عليه زوجته حتى يطأها زوج آخر، لقوله تعالى: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره﴾ 1 . قال: [في قبل ولو مراهقاً]

أي أن يكون ذلك وطأً في قُبُل ولو كان الواطئ مراهقاً لحصول الوطء منه، ودليل اشتراط الوطء: ما ثبت في الصحيحين أن امرأة رفاعة القرظي جاءت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: " كنت عند رفاعة فطلقني فبتَّ طلاقي فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير وإنما معه مثل هُدبة الثوب "، فقال: (تريدين أن ترجعي إلى رفاعة، لا حتى تذوقي عُسيلته ويذوق عسيلتك) 1 ، أي حتى يذوق منك حلاوة الجماع وتذوقي منه حلاوته، وذلك بالوطء.
قال: [ويكفي تغييبُ الحشَفَة] وذلك لأن أحكام الوطء تترتب على تغييب الحشفة ولذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل) (2) . قال: [أو قدرِها مع جبٍ] أي المجبوب يكون بقدرها لأنها بمنزلة الحشفة من غيره.
قال: [في فرجها مع انتشارٍ] أي في فرج المرأة مع انتشار للذكر؛ لأنه مع عدم الانتشار لا يكون قد ذاق عسيلتها.
قال: [وإن لم ينزل] وذلك لأن ذوق العسيلة يحصل بدونه.
قال: [ولا تحل بوطء دبرٍ] وذلك لأن الدبر ليس محلاً للوطء الشرعي فلا تترتب عليه الأحكام الشرعية.
قال: [وشبهةٍ] رجل طلق امرأته ثلاثاً فوطئها رجل يظنها زوجته، فلا تحل للأول؛ وذلك لأن هذا ليس بنكاح.
قال: [وملك يمين] إذا طلق امرأته ثلاثاً وهي أمة فوطئها سيدها فلا تحل للأول؛ وذلك لأن وطء السيد ليس بنكاح، وقد قال تعالى: ﴿حتى تنكح زوجاً غيره﴾ . قال: [ونكاحٍ فاسد] كالنكاح بلا ولي – عند من لا يقول به –؛ وذلك لأن إطلاق النكاح يقتضي النكاح الصحيح ﴿حتى تنكح﴾ ، أي حتى تنكح نكاحاً صحيحاً.
قال: [ولا في حيضٍ ونفاس وإحرام وصيام فرض]

فإذا عقد عليها الزوج الثاني ووطئها وهي حائض أو نفساء أو في إحرامٍ منه أو منها أو صيام فرض سواءً كان الصائم هو أو هي أو هما جميعاً، فإن هذا الوطء لا تتحلل به للزوج الأول، وذلك لأنه محرم لحق الله تعالى فلم يحصل به الوطء الذي يترتب عليه التحليل هذا هو المشهور في المذهب.
وذهب الأحناف والشافعية وهو اختيار الموفق: إلى أن هذا الوطء يحصل به التحليل للزوج الأول، وهذا هو الأرجح؛ وذلك لأنه ظاهر القرآن وظاهر السنة فإنه إذا وطئها فقد نكحها، فظاهر قوله تعالى: ﴿حتى تنكح زوجاً غيره﴾ حاصل بذلك، وكذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك) حاصل بذلك.
قال: [ومن ادعت مطلقته المحرمة وقد غابت نكاح من أحلها وانقضاء عدتها منه فله نكاحها إن صدَّقها وأمكن] إذا طلق رجل امرأته طلاقاً بائناً ثم غابت عنه أو غاب عنها فادعت أنها قد تزوجت بعده زوجاً آخر وادعت أن عدتها قد انقضت فله نكاحها إن صدقها، وأمكن ذلك، بمعنى أن يكون الوقت متسعاً لأنها مؤتمنة على نفسها.

الدرس السابع والخمسون بعد الثلاثمائة كتاب الإيلاء الإيلاء: هو الحلف، من آلى يولي إذا حلف، والأليَّة هي اليمين.
وعرّف المؤلف الإيلاء بقوله: [وهو حلف زوجٍ بالله تعالى أو صفته على ترك وطء زوجته في قبلها أكثر من أربعة أشهر] والأصل في الإيلاء قوله تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم، وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم﴾ 1 .

قوله " هو حلف زوجٍ بالله تعالى أو صفته " ظاهر قول المؤلف أنه لو حلف بنذرٍ أو حلف بطلاقٍ أو حلف بعتقٍ فليس بإيلاء وهذا هو المشهور في المذهب، قالوا: لأن حقيقة اليمين أن تكون بالله، فلو قال: " علي صوم الدهر إن وطئتك " فهذا حلف بنذر، أو قال: " علي الطلاق إن وطئتك " فهذا حلف بالطلاق أو قال: " إن وطئتك فعبيدي أحرار " فهذا حلف بالعتق.
والقول الثاني في المسألة وهو مذهب الجمهور ورواية عن الإمام أحمد: أنه إيلاء؛ وذلك لأنها يمين في الامتناع عن وطء المرأة فكان إيلاءً.
والصحيح ما ذهب إليه الجمهور، وذلك لأن الحلف بالنذر أو بالطلاق أو بالعتق يمين، سواء قلنا هي يمين حقيقية أو يمين مجازية، فإنها تدخل في قوله تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر﴾ . [قوله:] " على ترك وطء زوجته "؛ سواء كانت الزوجة مسلمة أو ذمية لعموم قوله تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم﴾ ، وأما لو كانت سُرّيته – أي أمته – فليس بإيلاءٍ لأنها لا تدخل في نسائه فلا تدخل في الآية.
" أكثر من أربعة أشهر ": أما إذا كانت المدة أربعة أشهر فأقل فليس بإيلاء، فلو قال لامرأته: " والله لا وطئتك أربعة أشهر أو ثلاثة أشهر " فليس بمولٍ لظاهر الآية، فإن الله تعالى قال: ﴿تربص أربعة أشهر﴾ ، وفي الصحيحين – وهذا لفظ البخاري- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - آلى من نسائه شهراً 1 . الإيلاء الممنوع – وهو محرم لما فيه من ترك الوطء الواجب – إنما يكون في مدة أكثر من أربعة أشهر، وإذا كان يضر بها الشهر والشهران فإنه لا يحل له، ولكن ليس له حكم الإيلاء؛ لظاهر الآية.
قال: [ويصح من كافر] يصح الإيلاء من كافر لعموم الآية ﴿للذين يؤلون من نسائهم﴾ ، وهذا يعم الكافر والمسلم، أي إذا ترافع إلينا وتقاضى إلينا فإنه يحكم عليه كما يحكم على المسلم في الإيلاء.
قال: [وقنٍّ]

أي عبد، لعموم قوله تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر﴾ ، فالآية عامة في العبد والحر، فلو آلى الرقيق أن لا يطأ زوجته فهذا إيلاء لعموم الآية.
قال: [ومميزٍ] فإذا كان الزوج صبياً مميزاً لم يبلغ بعد فآلى من زوجته فكذلك هو إيلاء لعموم الآية، ولأن طلاقه يصح فصح إيلاؤه.
والقول الثاني في المسألة وهو اختيار الموفق: أن حلف الصبي ليس بإيلاء لأنه غير مكلف.
والراجح هو القول الأول، وذلك لتعلق ذلك بحق الآدمي – وهي الزوجة-، لكن لا كفارة عليه لأن الكفارة حقٌ لله تعالى وهو ليس بمكلف، لكنه يُتربص به أربعة أشهر فإن فاء وإلا أُمر بالطلاق لعموم الآية، [فهو في حكم الإيلاء كما سيأتي.] (1) قال: [وغضبان وسكران] هنا كالطلاق، وقد تقدم التفصيل في مسألة الغضبان، وتقدم أن طلاق السكران لا يقع، فكذلك إيلاؤه، فهاتان المسألتان مبنيتان على طلاق الغضبان وطلاق السكران.
قال: [ومريضٍ مرجو برؤه] فإذا آلى المريض الذي يرجى برؤه فهو إيلاء لعموم الآية، أما إذا كان غير مرجو الشفاء من هذا المرض، كأن يكون به شلل أو أن يكون مجبوباً أو غير ذلك فلا إيلاء له؛ وذلك لأن الامتناع عن الوطء ليس سببه في الحقيقة اليمين إنما سببه العجز عن الوطء فكانت اليمين لغواً؛ لأنه حلف على شيء مستحيل فقد حلف على ترك ما يستحيل عليه فعله.
قال: [وممن لم يدخل بها] لعموم الآية، فالآية في المدخول بها من النساء وغير المدخول بها.
قال: [لا من مجنون ومغمى عليه] لأنهما لا قول لهما، وكذلك النائم، وهي يمين فلم تصح ممن لا قول له، ولذا فالصبي غير المميز لا إيلاء له لأن قوله لا ينعقد.
قال: [وعاجزٍ عن وطء لجبٍ أو شلل] لأن الامتناع عن الوطء سببه العجز لا اليمين.
قال: [فإذا قال: والله لا وطئتك أبداً] إلى أن قال: [فمول]

إذا قال الرجل لامرأته: " والله لا وطئتك أبداً " فهو مولٍ؛ لأنه قطعاً أكثر من أربعة أشهر، كذلك إن قال: " والله لا وطئتك " لأن الأصل في اليمين التأبيد، أو قال لها: " والله لا وطئتك مدة " ولم يعين هذه المدة بلفظه لكنه عينها في قلبه بأكثر من أربعة أشهر كأن ينوي سنة وتقدم أن الأيمان مبناها على النيات، فهنا لفظه يحتمل أقل من أربعة أشهر ويحتمل أربعة أشهر ويحتمل أكثر من أربعة أشهر فانصرفت اليمين إلى أكثر من أربعة أشهر لنيته.
قال: [أو عين مدة تزيد على أربعة أشهر] فإذا قال: " والله لا وطئتك سنة " فهو مولٍ.
قال: [أو حتى ينزل عيسى أو يخرج الدجال] فكذلك لأن ذلك ونحوه يغلب على الظن أنه لا يكون إلا بعد أربعة أشهر.
قال: [أو حتى تشربي الخمر أو تسقطي دينك أو تهبي مالك ونحوه فمولٍ] في كل هذه الألفاظ يكون مولياً.
قال: [فإذا مضى أربعة أشهر من يمينه ولو قناً] لا نقول إن القن يتربص به شهران لعموم الآية، فالآية عامة في العبد والحر وأنه يتربص بهم أربعة أشهر.
قال: [فإن وطئ ولو بتغييب حشفةٍ 1 ] تقدم أن الأحكام تترتب بتغيب الحشفة.
قال: [فقد فاء وإلا أمر بالطلاق] فإذا مضت أربعة أشهر من يمينه فإن وطء المرأة بتغييب الحشفة في قبلها فإنه يكون قد فاء، وعليه كفارة اليمين، وهذه المدة يتربصها حيث لا عذر من جهة المرأة أي بأن يكون متمكناً من وطئها هذه المدة، أما إذا كان في المرأة عذر سوى الحيض فإنه تستأنف هذه المدة بعد زوال هذا العذر.
وإذا كانت المرأة ناشزاً أو كانت المرأة نفساء، في أصح الوجهين، أو كانت المرأة محرمة أو غير ذلك من الأعذار التي تكون من جهتها، هذه تقتضي استئناف المدة.
إذا نشزت المرأة أثناء مدة التربص فإنه يتربص به أربعة أشهر أخرى؛ وذلك لأن هذا التربص لهذه المدة حيث أمكنه الوطء وهنا لم يمكنه الوطء لأمر من جهتها.

وأما إذا كان لأمر من جهته هو، كأن يحبس أو غير ذلك، فإنه يتربص به أربعة أشهر بما فيها هذه المدة التي له فيها عذر، وذلك لأن المانع من جهته هو وليس من جهة المرأة، وهذا حق آدمي فلم يقبل فيه هذا العذر.
وأما الحيض فلا، وذلك لأن الحيض لا يخلو منه شهر، فلو جعلناه عذراً تستأنف بعد زواله مدة التربص لأدى ذلك إلى عدم وطئها أبداً.
قال: " فإذا مضى أربعة أشهر من يمينه " ولا يفتقر هذا إلى حكم حاكم، وذلك لأن الله نص عليه فإذا حلف ألا يطأها قبل شهر وترافعا اليوم إلى القاضي فلا يتربص أربعة أشهر ابتداءً من اليوم بل ابتداءً من اليمين، فلا يُتوقف في مدة التربص على حكم الحاكم وإنما يبتدأ بها – أي عدة التربص – من يمينه، وذلك لأن هذه المدة منصوص عليها فلم يفتقر ذلك إلى حكم حاكم.
قال: " فإن وطئ ولو بتغييب حشفة ": ولو كانت المرأة حائضاً أو نفساء أو كانت محرمة أو كانت صائمة فرضاً، فإن هذا وطء صحيح.
إذا وطئها وهي محرمة، فإنه بذلك لا يكون مولياً، بل يكون قد أفاء، وذلك لأنه وطء، فتنحل به يمينه، أي يكون حانثاً.
إذا حلف ألا يطأها أربعة أشهر وبعد شهرين وطئها وهي حائض أو وطئها وهي محرمة أو وهي صائمة، فبذلك يزول عنه حكم الإيلاء، ويكون حانثاً في يمينه وعليه كفارة يمين.
وكذلك إن وطئها ناسياً أو جاهلاً، فإنه يزول بذلك الإيلاء ويسقط حكمه؛ لثبوت الوطء.
حلف ألا يطأها سنة، فوطئها ناسياً بعد شهر، يزول بذلك ويسقط حكم الإيلاء؛ وذلك لزوال الضرر عنها، فإن الضرر بالامتناع عن الوطء زال بذلك.
لكن هل يحنث أو لا يحنث؟ أصح الروايتين عن الإمام أحمد: أنه لا يحنث، وذلك لما تقدم، وأن من فعل ما حلف ألا يفعله ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً، فإنه لا يحنث.
قال: [وإلا أُمر الطلاق]

مضت الأربعة أشهر، فأبى أن يفيء، يعني أبى أن يطأ المرأة، فإنه يؤمر بالطلاق، يقول له الحاكم: " طلِّق "، لقوله تعالى: ﴿فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم، وإن عزموا الطلاق، فإن الله سميع عليم﴾ . ولا تطلق عليه بمضي الأربعة أشهر، فلا يقع عليه الطلاق حتى يطلق.
ففي صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: " إذا مضت أربعة أشهر يوقف المُولي، ولا يقع الطلاق حتى يطلِّق " 1 . يوقف المولي: يقال له: إما أن تفيء، وإما أن تطلق، ولا يقع عليه الطلاق حتى يطلق، رواه البخاري في صحيحه وقال: ويذكر عن عثمان وأبي الدرداء وعائشة واثني عشر من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - " ا. هـ. وروى كثيراً من هذه الآثار البيهقي في سننه، ولا يُعلم لهؤلاء مخالف، فكان ذلك إجماعاً، خلافاً لأبي حنيفة، فإنه يرى وقوع الطلاق بمجرد مضي المدة المذكورة.
لكن الصحيح ما تقدم، فإن الله قال: ﴿فإن عزموا الطلاق﴾ ، ولما تقدم من أثر ابن عمر وأثر من تقدم ذكره، ولا يعلم لهم مخالف.
قال: [فإن أبى طلق حاكمٌ عليه] إن أبى الطلاق فإنه يطلق القاضي عليه، وذلك لأن الطلاق هنا بحق والطلاق مما تكون فيه النيابة، كما تقدم في الوكالة بالطلاق.
قال: [واحدةٌ أو ثلاثاً أو فسخ] يعني للقاضي أن يطلق واحدة وله أن يطلق ثلاثاً وله أن يفسخ.
وعن الإمام أحمد وهو مذهب الشافعي: أنه ليس له إلا أن يطلِّق واحدة، كما أنه ليس له أن يأخذ من المدين سوى ما عليه من الحق، فكذلك لا يطلق إلا واحدة، والطلاق الثلاث تقدم أنه محرم.
وذكر القاضي من الحنابلة: أن المنصوص عن الإمام أحمد أن الطلاق يكون بائناً، وفيه – فيما يظهر لي – قوة، وذلك لأنه طلاق من قبل الحاكم فأشبه هذا الفراق الذي يكون في اللعان فإنه طلاق بائن.

لكن لا يكون أبدياً للفرق بينهما، فهذا يتهم امرأته بالزنا – أي الملاعن – وهذا ليس الأمر كذلك فلا يكون أبدياً ولكن يكون بائناً، ولأن المقصود منه إزالة الضرر عن المرأة، وإذا أجزنا له الرجعة فإننا نعيد الضرر إليها.
فالذي يترجح أن الطلاق يكون بائناً، فتكون طلقة واحدة لكن الطلاق يكون بائناً وليس له الرجعة، فإذا انقضت عدة المرأة أو قبل أن تنقضي عدتها فهو خاطب من الخطاب، فإن رضيت ورضي وليها وإلا فلا حق له في نكاحها.
قال: [وإن وطئ في الدبر أو دون الفرج فما فاء] إن وطء في الدبر أو دون الفرج أي باشرها دون الفرج فما فاء، وذلك لأن الإيلاء امتناع عن الوطء في الفرج كما تقدم، وعليه فلا تكون الفيئة أي الرجوع في وطء سواه أو المباشرة دونه، لأن هذا لا يكون رجوعاً ولا فيئة بل الفيئة والرجوع أن يطأها في فرجها، فإذا أتاها من دبرها أو باشرها دون الفرج فإنه مولٍ ولا يخرج عن حكم الإيلاء بهذا الوطء لأنه ليس بفيئة.
قال: [وإن ادَّعى بقاء المدة] إن ادعى أن المدة لا زالت باقية ولا بينة للمرأة فالقول قوله، لأنه هو المتلفظ وهو أعلم بقوله من غيره، ولأن الأصل معه وهو بقاء المدة.
إذن: إذا اختلفا هو يقول: " لم تنقض المدة " وهي تقول: " بل انقضت " ولا بينة مع المرأة فالقول قوله لأن الأصل معه.
قال: [أو أنه وطئها وهي ثيب صدِّق مع يمينه] يعني ادعى أنه وطئها قال: " بل وطئتها "، وهي تقول: " لم يطأني " وهي ثيب صُدق، لأن هذا الأمر لا يعلم إلا من جهته، والحكم والأمر بالطلاق يتعلق به هو فكان القول قوله، لكن مع يمينه، لأن البينة على المدعي واليمين على من أنكر، فهو منكر لعدم الوطء، وهي تدعي عدم الوطء، فكان القول قوله وعليه اليمين.
قال: [وإن كانت بكراً أو ادعت البكارة وشهد بذلك امرأةٌ عدل صُدِّقت]

إن كانت بكراً وهو يقول أنه قد وطئها، أو ادعت البكارة وشهد بذلك امرأة عدل صُدقت، لقيام ما يدل على كذبه، فإذا ثبت أنها بكر بالبينة فحينئذٍ يحكم بقولها، لأن ثبوت كونها بكراً يدل على كذبه في دعوى الوطء.
قال: [وإن ترك وطأها إضراراً بها بلا يمين ولا عذر فكمُولٍ] إذا امتنع من الوطء أكثر من أربعة أشهر إضراراً بها بلا يمين فهو مولٍ، وذلك لأن هذا الامتناع بمعنى اليمين، فالذي يحصل من اليمين قد حصل بهذا الامتناع، ولأن حكم الإيلاء إنما شرع لدفع الضرر عنها الحاصل بامتناعه عن الوطء أكثر من أربعة أشهر، فإذا امتنع بلا يمين فكذلك، فعليه: إذا امتنع الرجل من وطء امرأته أكثر من أربعة أشهر فلها أن تطالب بالفيئة أو أن يطلق، وذلك لحصول الضرر هنا الحاصل باليمين.
وكذلك إذا لم يكفِّر كفارة الظهار فمضت أربعة أشهر ولم يكفر كفارة الظهار، ولا يحل له أن يطأها حتى يكفر – لا يحل للمظاهر أن يطأ امرأته حتى يكفر بنص القرآن – فإذا تأخر عن الكفارة هذه المدة فكذلك، لما في ذلك من الضرر عليها، وهذا أيضاً امتناع عن الوطء فهذا فيه إضرارٌ بها فيؤمر بالكفارة، يعني يقال له: " كفر وإلا طلق ".

الدرس الثامن والخمسون بعد الثلاثمائة كتاب الظهار الظهار: مشتق من الظهر وهو ما يركب، فالمرأة هي مركوب زوجها فسميت ظهراً.
ويتضح معنى الظهار في الفقه بما يأتي من كلام المؤلف، وأصله قول الرجل لامرأته: " أنتِ علي كظهر أمي "، قال تعالى: ﴿الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللآئي ولدنهم وإنهم ليقولون منكراً من القول وزوراً﴾ (1) . قال: [وهو محرم]

فالظهار محرمٌ إجماعاً للآية المتقدمة ﴿وإنهم ليقولون منكراً من القول وزوراً﴾ ، فهو باعتبار الإنشاء منكر؛ لأنه انشأ بتحريم المرأة بهذا اللفظ ولا شك أن هذا التحريم منه منكر، فقد حرم ما هو مباح، وهو خبرٌ كاذب، لأنه أخبر أن امرأته كأمه في الوطء ولا شك أن هذا خبر كاذب.
قال: [فمن شبَّه زوجته أو بعضها ببعض أو بكل من تحرم عليه أبداً] فمن شبَّه زوجته بجملتها أو بعضها ببعض أو بكل من تحرم عليه، فإذا قال: " أنت علي حرام كأمي " فقد شبه جملة امرأته بجملة أمه، أو ببعض أمه في قوله: " أنت علي كظهر أمي "، وإذا قال: " أنت علي كأمي " فقد شبه جملة امرأته بجملة أمه، وإذا قال: " فرجك علي حرام كأمي " فقد شبّه بعض امرأته بجملة أمه، وإذا قال: " فرجك علي حرام كفرج أمي " فقد شبه بعض امرأته ببعض أمه.
قال: [بنسبٍ أو رضاع] أو مصاهرة.
فإذا شبه امرأته بمن تحرم عليه على الأبد بنسب أو سببٍ مباح.
بنسب: كأمه، أو بسبب مباح كالرضاع، كأن يقول: " أنت علي حرام كأختي من الرضاع " أو بسبب مباح آخر كالمصاهرة فقال " أنت علي حرام كأمك ". وظاهر كلام المؤلف: أنه إن شبهها بمن تحرم عليه لا على التأبيد كأخت زوجته أو عمتها أو خالتها، فإن ذلك ليس بظهار، وهو رواية عن الإمام أحمد وهو مذهب الشافعي؛ وذلك لأنه ليس بمنصوص عليه وليس بمعنى المنصوص عليه، فليس تشبيهاً بالأم، وليس تشبيهاً بمن تكون كالأم، وذلك لأن الأم تحرم على التأبيد، وهنا هذه المرأة وهي أخت زوجته ونحوها لا تحرم على التأبيد، فإذا طلق امرأته أو بانت فيحل له أن ينكحها، وقالوا: هو كما لو قال لامرأته: " أنت علي كزوجتي الحائض أو كزوجتي المُحرِمة ".

والقول الثاني في المسألة وهو المشهور في المذهب، وهو مذهب الإمام مالك: أن هذا ظهار، وهذا هو الراجح، وذلك لأنه تحريم، وكونه على التأبيد أو على غيره بأن يكون إلى أمد هذا غير مؤثر، فقد شبه امرأته بمن تحرم عليه، فأخت زوجته تحرم عليه، فكما لو قال: " أنت علي حرام " وتقدم أن الراجح أنه إذا قال لامرأته: " أنت علي حرام " أنه ظهار فكذلك هنا، وقياس ذلك على امرأته الحائض أو المُحرِمة قياس مع الفارق، والفارق من وجهين: أن امرأته الحائض يحل له أن يستمتع بها دون الفرج وامرأته المُحرِمة يحل له أن ينظر إليها.
أنه إذا وطئ امرأته الحائض أو المحرمة فعليه الإثم ولا حد، وأما وطء أخت الزوجة فإن فيه حداً فهو زنا.
قال: [من ظهر أو بطن أو عضو آخر لا ينفصل] هنا في بيان البعض، من ظهر أو بطن أو عضو آخر كاليد أو الفخذ، لا ينفصل أي لابد أن يكون العضو لا ينفصل، أما إذا كان ينفصل كالشعر ونحوه فلا، لما تقدم في كتاب الطلاق.
قال: [بقوله لها: أنت علي أو معي أو مني كظهر أمي أو كيد أختي أو وجه حماتي ونحوه] فإذا قال لها: " أنت علي كظهر أمي " أو: " أنت معي كظهر أمي " أو: " أنت مني كظهر أمي " ونحو ذلك من الألفاظ التي تدل على الظهار.
فإن قال لها: أنت كأمي، أو: أنت مثل أمي، أو: أنت مثل أختي.
فإن كان ثمت قرينة تدل على إرادة الظهار كأن تكون هناك خصومة أو أن يكون قال ذلك في غضب فهو ظهار، وأما إن لم تكن هناك قرينة فيُدين بنيته ويقبل ذلك حكماً؛ لأن ذلك يحتمل أن يكون في الكرامة أي أني أكرمك كما أكرم أمي، فإن هذا اللفظ يقع.
[قوله:] " أو وجه حماتي " الحماة مراده أم الزوجة 1 .

وعن الإمام أحمد أن التشبيه الذي يترتب عليه الظهار هو تشبيه جملة امرأته، بأن يقول: " أنت عليَّ " أما إذا شبه بعضها فإن ذلك ليس بظهار، فلو قال: " يدك علي أو فخذك علي كظهر أمي " فإن ذلك ليس بظهار وذلك لأنه ليس بمنصوص عليه.
وذهب جمهور العلماء إلى ما تقدم ذكره وهو الراجح، فسواء شبه جملة امرأته أو بعضها بمن تحرم عليه فهو ظهار؛ وذلك لأن المرأة لا تتبعض عليه حلاً وحرمة.
قال: [أو أنت علي حرامٌ كالميتة والدم فهو مظاهر] تقدم هذا في درس سابق وأنه ظهار.
قال: [وإن قالته لزوجها فليس بظهار وعليها كفارته] إذا قالت الزوجة لزوجها: " أنت علي كظهر أبي " فليس بظهار؛ لأن الله قد خصه بالذكور فقال: ﴿الذين يظاهرون منكم من نسائهم﴾ وهذا هو مذهب جماهير العلماء، فإذا قالته المرأة فليس بظهار لكن هل عليها الكفارة أم لا؟ المشهور في المذهب: أن عليها كفارة ظهار كما قال المؤلف قياساً على الزوج.
والقول الثاني في المسألة وهو مذهب الجمهور: أنه ليس عليها كفارة الظهار وليس عليها كفارة يمين، وهو رواية عن الإمام أحمد، قالوا: لأنه ليس بظهار فيترتب على ذلك ألا كفارة فيه، فالله عز وجل أوجب الكفارة فيما سماه ظهاراً ونحن لا نسمي هذا ظهاراً فلا تجب فيه كفارة الظهار، وهو كما لو قال لأمته: " أنت علي كظهر أمي " فإن ذلك ليس بظهار عند أهل القولين، فكذلك من باب أولى هذه المسألة فإذا كان قول الرجل لأمته: " أنت علي كظهر أمي " ليس بظهار فأولى من ذلك ألا يكون قول المرأة لزوجها ظهاراً.

والقول الثالث في المسألة وهو رواية عن الإمام أحمد وهو قول عطاء بن أبي رباح: " أن فيه كفارة اليمين "، وذلك لأنه تحريم لشيء على سبيل الظهار فأشبه تحريم الطعام ونحوه، وقد قال تعالى: ﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾ بعد قوله ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك﴾ 1 ، وهذا القول الراجح في هذه المسألة، وهو الأقيس على مذهب الإمام أحمد والأشبه بأصوله كما قال ذلك الموفق رحمه الله.

قال: [ويصح من كل زوجة] يصح الظهار من كل زوجة، أي يصح على كل زوجة، سواء كانت الزوجة حرةً أم أمة، مسلمة أو ذمية لأنها زوجة له، فإذا تزوج أمةً فظاهر منها أو تزوج حرةً فظاهر منها فإن الظهار يقع لعموم قوله تعالى: ﴿الذين يظاهرون منكم من نسائهم﴾ . مسألة: القاعدة هي: أن كل من يصح طلاقه يصح ظهاره.
فلا يصح ظهار الطفل غير المميز ولا ظهار المكره ولا المجنون ولا المغمى عليه ولا النائم، وذلك لأنه لا حكم لقولهم في المسألتين، أي في مسألة الطلاق ومسألة الظهار.
هل يصح ظهار السكران؟ ينبني على الخلاف المتقدم في الطلاق، وتقدم أن طلاقه – على الراجح – أنه لا يقع، فكذلك ظهاره.
هل يصح ظهار 2 الصبي؟ تقدم أن في المسألة قولين، وهذه المسألة تنبني على الخلاف المتقدم، وقد تقدم أن طلاق الصبي يصح.
لكن الذي يترجح لي – في هذا الباب – وهو اختيار الموفق أن ظهار الصبي المميز لا يصح وإن كان طلاقه يقع كما تقدم؛ وذلك لأن الظهار يمين مكفَّرة، ويمين الصبي لا تنعقد، ولأن الظهار منكر من القول وزور، وقد أوجب الله هذه الكفارة لأن الظهار منكر من القول وزور، والصبي مرفوع عنه القلم فهو غير مكلف فليس هذا منه منكراً من القول وزوراً.

وعليه فالذي يترجح أن ظهار الصبي لا يصح، وكذلك إيلاؤه كما تقدم، فالكفارة لا تجب عليه، وقد رجحتُ لكم في الدرس السابق أن إيلاء الصبي يصح، هذا من باب إيقافه بعد أربعة أشهر دفعاً للضرر عن المرأة، وأما من حيث الكفارة فلا، فإنه لا كفارة عليه، وعليه؛ فالذي يتبين أنه لا يسمى إيلاء لكنه يكون في حكم الإيلاء وذلك دفعاً للضرر عن المرأة.

الدرس التاسع والخمسون بعد الثلاثمائة فصل قوله: [ويصح الظهار معجلاً] وتقدمت أمثلته كأن يقول: " أنت علي كظهر أمي ". قوله: [ومعلقاً بشرط] كأن يقول: " إن دخلت الدار فأنت علي كظهر أمي " أو: " إن قمت فأنت علي كظهر أمي " فهذا معلق بشرط وهو ظهار صحيح، فيصح تعليق الظهار بالشروط قياساً على الطلاق بجامع أن كليهما تحريم للزوجة.
قوله: [فإذا وجد صار مظاهراً] فإذا وجِد الشرط صار مظاهراً.
قال: [ومطلقاً] أي يصح الظهار مطلقاً أي غير مؤقت، فإذا قال لامرأته: " أنت علي كظهر أمي " فهنا ظهار منجز مطلق.
قال: [ومؤقتاً] فيصح الظهار مؤقتاً كأن يقول لها: " أنت علي كظهر أمي في هذه السنة " أو " أنت علي كظهر أمي في هذا الشهر، أو: أنت علي كظهر أمي في هذا اليوم " وهكذا، ويدل على صحة تأقيته دليلان؛ دليل من الأثر ودليل من النظر.
أما الدليل الأثري؛ فهو ما رواه الترمذي وغيره في قصة سلمة بن صخر وفيه أنه ظاهر من امرأته حتى ينسلخ شهر رمضان فأصاب فيه فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك فأمره بالكفارة " 1 . وأما الدليل النظري؛ فهو أن الظهار يمين يمتنع بها المتلفظ من وطء امرأته فأشبه الإيلاء، والإيلاء يصح تأقيته كأن يقول: " والله لا وطئتك هذا الشهر ". إذن: قياساً على الإيلاء بجامع أن كليهما يمين تمنع من الوطء.
قال: [فإن وطئ فيه كفَّر] لأنه يكون قد حنث في يمينه.
قال: [وإن فرغ الوقت زال الظهار]

فإذا فرغ الوقت الذي حدده فإن الظهار يزول، فإذا قال لامرأته: " أنت علي كظهر أمي في شهر رمضان " فمضى شهر رمضان ولم يطأها، فيزول الظهار وليس عليه كفارة.
لأنه حينئذ لا يكون قد حنث، فالتحريم مؤقت في شهر رمضان، وقد مضى هذا الشهر فزال بمضيه الظهار.
قال: [ويحرم قبل أن يكفِّر وطء ودواعيه ممن ظاهر منها] يحرم على المظاهر أن يطأ المرأة التي قد ظاهر منها، فإذا قال لامرأته: " أنت علي كظهر أمي " فلا يحل له أن يطأها حتى يكفر وهذا بالإجماع.
ودليله قوله تعالى: ﴿والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا﴾ . وكذلك دواعي الوطء من قبلة أو مسٍ أو نحو ذلك فلا تحل له حتى يكفر، في أصح قولي العلماء وهو المشهور في المذهب وهو أحد قولي الشافعي.
والقول الثاني في المسألة وهو القول الثاني في مذهب الشافعي وأحمد: أن ذلك يحل له لقوله تعالى ﴿من قبل أن يتماسا﴾ وهو كناية عن الوطء.
والراجح هو القول الأول، ويدل عليه الأثر والنظر.
أما الأثر؛ فهو ما روى الترمذي وأبو داود ورواه الإمام احمد والحديث حسن من حديث ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للمظاهر: (فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله به) (1) ، ويدخل في ذلك النهي عن فعل ذرائع الوطء من قبلة أو مباشرة أو مس أو نحو ذلك.
أما دليل النظر: فهو أن لفظ المظاهر يقتضي ذلك فإنه قال لامرأته: " أنت علي كظهر أمي " وهذا يقتضي المنع من الدواعي لأن الدواعي محرمة عليه تجاه أمه، وقد شبه امرأته بأمه، ولأن القبلة والمس ونحوهما من ذرائع الوطء، والشرع إذا حرم الشيء حرم ذرائعه الموصلة إليه.
قال: [ولا تثبت الكفارة في الذمة إلا بالوطئ]

لا تثبت الكفارة في ذمة المظاهر إلا بالوطء، فلو عزم على الوطء فنقول له: يجب عليك أن تكفر ولا يحل لك أن تطأ حتى تكفِّر إذ شرط الحل الكفارة.
لكن لا تتعلق في ذمته حتى يطأ، فلو قُدِّر أنه مات وقد عزم على أن يعود ولم يطأ بعد فإنها لا تجب في ماله، أو ماتت المرأة قبل أن يطأها فإنها لا تجب عليه.
قال: [وهو العود] فالعود هو الوطء في أصح أقوال العلماء، ففي العود المذكور في قوله تعالى: ﴿ثم يعودون لما قالوا﴾ ، فيه لأهل العلم ثلاثة أقوال: القول الأول وهو قول أهل الظاهر: أن المراد بذلك أن يعود للمظاهرة لفظاً، فيظاهر منها مرةً أخرى، أي بأن يقول لها مرة أخرى: " أنت علي كظهر أمي "، فإذا قال الرجل لامرأته: " أنت علي كظهر أمي " فلا كفارة، فإذا كرر فقال: " أنت علي كظهر أمي " فحينئذٍ تجب عليه الكفارة وهذا القول ضعيف تبطله السنة؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في الصحيحين أوجب على أوس بن الصامت الكفارة 1 ولم يعد في لفظه، ولحديث سلمة بن صخر المتقدم فإنه أصاب من امرأته فأوجب النبي - صلى الله عليه وسلم - الكفارة ولم يشترط أن يعود في لفظه، وهذا القول لم يسبق إليه الظاهرية أحد من السلف الصالح من الصحابة والتابعين.
القول الثاني وهو مذهب الشافعية: أن العود هو أن يمسكها بعد أن ظاهر منها زمناً يمكنه أن يطلقها فيها بمعنى لحظة يمكن أن يطلق فيها، فلو قال: "أنت علي كظهر أمي " ثم سكت فعليه الكفارة لكن لو قال: " أنت كظهر أمي " ثم قال مباشرة: " أنت طالق " فحينئذٍ لا كفارة عليه، أما إذا أمسكها بعد تلفظه بالظهار زمناً يمكنه أن يطلقها فيه فإن عليه الكفارة، قالوا: لأن مقتضى الظهار البينونة،فإمساكها هو العود، وهذا القول ضعيف من وجهين: الوجه الأول: أنا لا نسلِّم أن الظهار يقتضي البينونة لكنا نقول إنه يقتضي التحريم.

الوجه الثاني: أن الله عز وجل قال: ﴿ثم يعودون لما قالوا﴾ ولفظة (ثم) تفيد التراخي، وهذا الإمساك الذي تقدم ذكره عن الشافعية ليس بمتراخٍ.
والقول الثالث في المسألة وهو قول جمهور العلماء: أن العود هو الوطء كما ذكر المؤلف هنا، وهو أصح الأقوال، أي ثم يعودون لما قالوا من تحريم المرأة فيستبيحونه أي فيستبيحون ما حرموه بوطء المرأة.
وعليه فقوله تعالى: ﴿ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة﴾ معناه؛ ثم يعزمون على العود، فإذا عزموا على العود فتجب عليهم الكفارة من قبل العود، وقد نصر هذا القول، وذكر الأدلة وذكر الأقوال وبسط الكلام فيه الحافظ ابن القيم في زاد المعاد.
قال: [ويلزم إخراجها قبله عند العزم عليه] لقوله تعالى: ﴿من قبل أن يتماسا﴾ ، فهو شرطٌ في حلها.
قال: [وتلزمه كفارة واحدة بتكريره قبل التكفير من واحدةٍ] أي من واحدةٍ من نسائه، فإذا قال لامرأته: " أنت علي كظهر أمي " قال ذلك في يوم السبت مثلاً ولم يكفر، ثم قال في يوم الاثنين: " أنت علي كظهر أمي " ولم يكفر، ثم قال في يوم الثلاثاء " أنت علي كظهر أمي " ولم يكفر فلا تجب عليه إلا كفارة واحدة، كاليمين، فإن الظهار نوع من الأيمان.
والرجل إذا قال: " والله لا دخلت دار فلان" ثم كرر ذلك قبل أن يكفر فإنها يمين واحدة، وهنا كذلك.
أما إذا قال لامرأته: " أنت علي كظهر أمي " ثم كفر، ثم قال لها: " أنت علي كظهر أمي " فإنه يجب أن يكفر عن ظهاره الثاني وذلك كاليمين.
قوله: " من واحدةٍ " أما لو كان من عدة نساء، فإنه يقول لامرأته: " أنت علي كظهر أمي " ثم يقول للثانية كذلك، فإن الأعيان قد تعددت فعليه لكل واحدة كفارة.
قال: [ولظهاره من نسائه بكلمة واحدة]

إذا قال لنسائه: " أنتن علي كظهر أمي " فلا يجب عليه إلا كفارة واحدة كاليمين، فهو كما لو قال: " والله لا أكلت هذا اليوم ولا شربت ولا وطئت ولا خرجت " ففعل هذه الأشياء كلها، فلا تجب عليه إلا كفارة واحدة؛ لأنها يمين واحدة، وكذلك إذا قال لنسائه: " أنتن علي كظهر أمي " فهو ظهار واحد، أما لو قال لكل واحدة منهن: " أنت علي كظهر أمي " فالحكم يختلف ولذا قال المؤلف: [وإن ظاهر منهن (بكلمات) (1) فكفارات] فإذا قال للأولى: " أنت علي كظهر أمي " وقال للثانية كذلك وقال للثالثة كذلك، فيجب أن يكفر كل ظهار كالأيمان، لأن الظهار حينئذٍ أيمان متعددة في أعيان متعددة فوجب لكل يمين كفارتها.

الدرس الستون بعد الثلاثمائة فصل قال: [كفارته عتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فإن لم يستطع أطعم ستين مسكيناً] للآية الكريمة، وذلك واجب على الترتيب اتفاقاً، فيجب عليه أن يعتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع أطعم ستين مسكيناً، كما رتبت الآية الكريمة وكما ثبت في حديث أوس بن الصامت وفي حديث سلمة بن صخر.
ثم فصَّل في الرقبة وهي الأصل في الكفارة.
فقال: [ولا تلزم الرقبة إلا لمن ملكها أو أمكنه ذلك بثمن مثلها] فلا تلزم الرقبة إلا لمن ملكها، أو أمكنه أن يملكها بثمن مثلها أو بثمن زائد لكن لا يُجحف بماله، فإذا كان ثمن مثلها عشرة آلاف، فأمكنه أن يشتريها بعشرة آلاف أو بأكثر من عشرة آلاف لكن ذلك لا يجحف بماله فيجب عليه أن يشتريها فيعتقها.
قال: [فاضلاً عن كفايته دائماً] أي فاضلاً عن كفايته سنته تلك، كما فسَّر ذلك بعض الشراح.
قال: [وكفاية من يمونه، وعما يحتاجه من مسكن وخادمٍ ومركب وعرض بذلة] البذلة: الثوب الخَلِق.
قال: [وثياب تجملٍ، ومالٍ يقوم كسبه بمؤنته] كأن يكون له دكان أو له آلة يعمل عليها ويحصل منها نفقته ونفقة من يمون.

قال: [وكتب علم ووفاء دين] فلا تجب إلا أن تكون فاضلة عن حاجته، وذلك لأن ما استغرقته حاجة الإنسان فهو كالمعدوم، فهذه الأشياء المذكورة هو محتاج إليها، وما استغرقته حاجة الإنسان هو كالمعدوم، أي كما لو لم يجده، فكما لو لم يكن عنده كتب وكما لو لم يكن عنده خادم وكما لو لم يكن عنده آلة ونحو ذلك.
فما استغرقته حاجة الإنسان فهو كالمعدوم؛ وذلك لأن ما تستغرقه حاجة الإنسان من الحرج أن يُكلف ببيعه والاستغناء عنه ومعلوم أن الحرج مرفوع في الشريعة الإسلامية، ﴿ما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ 1 . مسألة: اعلم أن القاعدة في المذهب؛ أن المعتبر في الكفارات كلها وقت الوجوب.
ووقت الوجوب في كفارة الظهار هو العَوْد أي الوطء، فإذا وطئ فهذا هو وقت وجوب كفارة الظهار عليه، فلو كان موسراً قادراً على أن يعتق رقبة عند وطئه ثم أعسر فتتعلق الرقبة في ذمته فليس له أن ينتقل إلى الصيام ولا إلى الإطعام بعد الصيام.
والعكس بالعكس، فلو أنه كان عند الوطء معسراً، والواجب على المعسر هو الصيام؛ لأنه غير قادر على الإعتاق، فإذا أيسر فلا يجب عليه أن يعتق رقبة؛ لأنا ننظر إلى حاله أثناء الإيجاب، فالواجب عليه هو الصيام، لكن إن شاء أن يعتق رقبة فله ذلك لأنها هي الأصل، هذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد في الكفارات كلها، وهكذا في كفارة اليمين وغيرها.
واليمين وقت وجوبها الحنث، فلو أن رجلاً حلف ألا يفعل كذا ففعله وكان موسراً فعليه الإطعام أو الكسوة أو تحرير الرقبة، لكنه أعسر بعد ذلك فنقول له: لا يجزئك أن تصوم بل عليك أن تعتق أو تطعم متى تيسر لك الأمر.
والقول الثاني في المسألة وهو رواية عن الإمام أحمد حكاها عنه ابن عقيل: أن المعتبر في الكفارات هو الأداء، وعليه فمتى أراد أن يؤدي نقول: انظر إلى حالك هل أنت موسر أو معسر.

وهذا فيما يظهر لي أقوى، وهو ظاهر الآية الكريمة: ﴿فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا﴾ ، فإن لم يجد في حال كان في عسر أو يسر فإنه يصوم شهرين متتابعين فإن لم يستطع في أي حال كان، فإنه يطعم ستين مسكيناً.
قال: [ولا يجزئ في الكفارات كلها إلا رقبة مؤمنة] فلا يجزئ في الكفارات كلها إلا رقبة مؤمنة، وهذا هو مذهب الجمهور، خلافاً لأبي حنيفة.
فلا يجزئ في الكفارات إلا أن تكون الرقبة مؤمنة، وذلك لقوله تعالى في كفارة القتل: ﴿فتحرير رقبة مؤمنة﴾ 1 ، والقاعدة هي تقييد المطلق بالمقيد إذا اتحد الحكم، ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما ثبت في صحيح مسلم: (أعتقها فإنها مؤمنة) 2 . وأما أبو حنيفة فاستدل بالإطلاق في الآية الكريمة في الظهار: ﴿فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا﴾ ولم يشترط أن تكون الرقبة مؤمنة، لكن كما تقدم يُقيد المطلق على المقيد؛ لأن الحكم متحد وإن كان السبب مختلفاً.
قال: [سليمة من عيب يضر بالعمل ضرراً بيناً] فيشترط أن تكون الرقبة سليمة من العيوب التي تمنع العمل أو تضر به ضرراً بيناً وهذا باتفاق العلماء، وذلك لأن المقصود من العتق تمليك العبد منافعه وتمليكه من التصرف بنفسه، فاشترط فيمن يعتق أن يكون ممن يتمكن من العمل، أما إذا كان لا يتمكن من العمل أو يتمكن منه بضعفٍ شديد فإنه لا يصح عتقه.
قال: [كالعمى والشلل ليدٍ أو رجلٍ أو قطعهما أو أقطع الإصبع الوسطى أو السبابة أو الإبهام أو الأنملة من الإبهام أو أقطع الخنصر والبنصر من يد واحدة]

كل هذه المسائل في قول المؤلف تضر بالعمل ضرراً بيّناً، وحيث أن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً فإن بعض ما ذكره المؤلف قد لا يضر بالعمل ضرراً بيناً لا سيما مع اختلاف الزمان، فقد يكون الأعمى في زمن ما، عماه يضر به ضرراً بيناً، بينما يكون في زمان آخر يمكنه أن يعمل كما يكون هذا في زمننا، فالمقصود أنه حيث تثبت العلة في هذا المعيب وهو أن يكون عيبه قد أضر به ضرراً بيناً بعمله فإنه لا يصح إعتاقه ولا يجزئ.
وأما إن كان هذا العيب لا يضر به ضرراً بيناً ويمكنه الاستفادة من منافع نفسه فإن عتقه صحيح.
إذن: ما ذكره المؤلف من الأمثلة ليس بمسلم في كل زمن، ولذا ورد عن الإمام أحمد في مقطوع الإصبع؛ أنه يجزئ إعتاقه لقدرته على العمل.
قال: [ولا يجزئ مريض ميؤوس منه ونحوه] للعلة المتقدمة.
قال: [ولا أم ولد] فلا يجزئه تحرير أم الولد؛ وذلك لوجود سبب آخر يقتضي تحريرها وهو كونها قد ولدت من سيدها فإنها تعتق بموته، وعليه فإعتاقه هو 1 ليس هو السبب المستقل في إعتاقها.
قال: [ويجزئ المدَّبر] فالمدبَّر يجزئ إعتاقه وذلك؛ لأن المدبر يصح بيعه كما تقدم وعليه فيصح عتقه فكذلك هنا في باب الكفارات.
قال: [وولد زنا والأحمق والمرهون والجاني والأمة الحامل ولو استثنى حملها] فلو حرر أمةً وهي حامل فإن ذلك يجزئ، وأيضاً لو حرر ولد الزنا أو الأحمق أو المرهون أو الجاني فإن ذلك يجزئ؛ وذلك لأن هؤلاء داخلون في عموم الآية، وما فيهم من العيب لا يضر بعملهم فلا مانع من إجزاء إعتاقهم.

فصل قال: [يجب التتابع في الصوم]

وهو أن يصوم شهرين متتابعين، لقوله تعالى: ﴿فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين﴾ (1) ، فإن نوى في أثناء الشهرين صياماً آخر كنذر أو تطوع أو قضاء صوم رمضان فإنه يكون بذلك قد أبطل تتابع صومه وعليه فلا يجزئه هذا الصوم بل لابد أن يستأنف الصيام من جديد لأن الله أوجب التتابع.
قال: [فإن تخلله رمضان] كأن يصوم شهر شعبان ثم صام رمضان ثم أفطر يوم العيد ثم صام ثلاثين يوماً، فصيامه مجزئ؛ وذلك لأن المتخلل له هو رمضان وهذا باتفاق العلماء، وصوم رمضان ليس بقاطع؛ وذلك لأن صيام تلك الأيام متعين – أي صيام أيام رمضان – وعليه فيكون معذوراً بصومها الذي قطع في الظاهر عليه صيام الشهرين المتتابعين، وعليه فلا ينقطع التتابع بل يصح للعذر، بخلاف النذر وقضاء الصوم فإنه لا يتعين عليها 1 صومها في ذلك اليوم الذي صامه فيه أثناء الشهرين.
قال: [أو فطرٌ يجب كعيدٍ وأيام تشريق وحيضٌ وجنون ومرضٌ مخوفٌ ونحوه] فإذا تخلل صيامه أيام عيد أو أيام تشريق أو حيض للمرأة أو نفاس للمرأة أيضاً أو جنون أو مرض مخوف ونحو ذلك فإن التتابع لا ينقطع لهذا الفطر، وذلك لأن هذا عذر لا صنع للمكلف فيه، وهذا باتفاق أهل العلم.
قال: [أو أفطر ناسياً أو مكرهاً أو لعذرٍ يبيح الفطر لم ينقطع] فإذا أفطر ناسياً أو مكرهاً أو جاهلاً أولعذرٍ يبيح الفطر من سفرٍ أو مرضٍ لا يكون مخوفاً ويجوز معه الفطر في نهار رمضان فإن التتابع لا ينقطع، في المشهور من المذهب.
والقول الثاني في المسألة وهو مذهب المالكية والأحناف: أن التتابع ينقطع فيجب عليه الاستئناف فيبدأ من جديد واستدلوا؛ بأن هذا العذر الواقع إنما هو باختياره، والنسيان والإكراه والجهل وإن كان عذراً في المكلف لكنه قاطعٌ للتتابع.

والقول الأول هو الراجح في هذه المسألة قياساً على صيام رمضان، فإذا كان صوم رمضان وهو فرض من فرائض الإسلام ومبنى من مبانيه العظام، إذا كان يجوز فيه مع هذه الأعذار المتقدمة الفطر فصيام الكفارات أولى في ذلك.
قال: [ويجزئ التكفير بما يجزئ في فطرةٍ فقط] الفطرة: هي صدقة الفطرِ.
فيجزئ التكفير بما يجزئ في صدقة الفطر من تمرٍ أو أقطٍ أو قمح أي بر أو شعير، مما تقدم في صدقة الفطر مما ورد في الصحيحين من حديث ابن عمر (1) ، فلا يجزئ إذن: أن يكفر بالأرز ولا بغيره من قوت البلد، هذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد ولا دليل عليه.
والراجح – في هذه المسألة – ما اختاره شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وهو: أن أي طعام يعد في العرف طعاماً فإنه يجزئ التكفير به، وذلك لإطلاق الآية الكريمة ﴿فإطعام ستين مسكيناً﴾ ، فالله لم يحدد ولم يقدر لنا الإطعام فرجع ذلك إلى العرف، فالأرز عندنا طعام من أوسط ما نطعم أهلنا، وكذلك بعض الأُدم فإنها من الطعام في العرف.
قال: [ولا يجزئ من البر أقل من مدٍ ولا من غيره أقل من مدين] لا يجزئ من البر - وهو القمح - إلا ربع الصاع، ولا يجزئ من التمر ونحوه كالشعير إلا نصف الصاع.
قال: [لكل واحدٍ ممن يجوز دفع الزكاة إليهم] إذن: يصح أن تدفع الطعام إلى المؤلفة قلوبهم، ويصح أن تدفع إلى الغارمين وغير ذلك من الأصناف الثمانية المذكورة في سورة التوبة، وهذا قول ضعيف.
والراجح وهو اختيار ابن القيم: أن دفعها لا يجزئ إلا للمساكين وهو ظاهر القرآن، فإن الله قال: ﴿فإطعام ستين مسكيناً﴾ ، والآية المتقدمة: ﴿إنما الصدقات للفقراء …..﴾ 1 إنما هي في زكاة المال.
قال: [وإن غدَّى المساكين أو عشاهم لم يجزئه] فلو وضع للمساكين قمحاً وهذا القمح خمسة عشر صاعاً لكنه مطبوخ فذلك لا يجزئه في المشهور من المذهب، وذلك لاشتراط التمليك فيشترط أن يُملكهم هذا الطعام.

والقول الثاني في المسألة وهو رواية عن الإمام أحمد وهو مذهب مالك وأبي حنيفة واختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم: أن ذلك يجزئ؛ وذلك لإطلاق الآية الكريمة: ﴿فإطعام ستين مسكيناً﴾ وقد تقدم في سنن الدارقطني، أن أنس بن مالك: " كان يصنع الثريد فيطعمه المساكين كفارةً لفطره في نهار رمضان " 1 ، وهذا هو القول الراجح وهو ظاهر القرآن.
قال: [وتجب النية في التكفير من صومٍ وغيره] وهذا ظاهر لأن الأعمال بالنيات، فلو أعتق رقبة ولم ينو أنها كفارة لظهار، أو صام ولم ينو أنه كفارة لظهار فإن ذلك لا يجزئ لأن الأعمال بالنيات.
مسألة: ولا يجزئه إلا أن يطعم ستين مسكيناً لظاهر الآية الكريمة وهو مذهب الجمهور، خلافاً لأبي حنيفة فلو أعطى واحداً طعام ستين مسكيناً فإن ذلك يجزئ في مذهب أبي حنيفة، والجمهور على خلافه.
والراجح مذهب الجمهور؛ لظاهر الآية الكريمة، فقد قال تعالى: ﴿فإطعام ستين مسكيناً﴾ فقد نص الله على العدد فلا يجزئه أن يدفع خمسة عشر صاعاً من البر لمسكين واحد.
قال: [وإن أصاب المظاهر منها ليلاً أو نهاراً انقطع التتابع] إذا جامع المظاهر امرأته التي ظاهرها ولو ليلاً فإن التتابع ينقطع، فعليه أن يستأنف صيام الشهرين من جديد.
هذا هو القول الأول في المسألة وهو مذهب جمهور العلماء؛ وذلك لأن الله عز وجل أوجب صيام شهرين متتابعين قبل التماس فإذا مسها في ليلة فإنه لم يصم الشهرين المتتابعين كما أمره الله تعالى.
والقول الثاني في المسألة وهو مذهب الشافعية: أنه إن جامعها ليلاً فإن ذلك لا يضر بتتابعه لكنه يأثم، وذلك لأنه صام الشهرين المتتابعين، وما فعله لا يضر بتتابعه فقد فعل ما أمره الله من الصيام فقد صام شهرين متتابعين.
والقولان فيهما قوة، والذي يقوى لي - والله أعلم - هو القول الثاني، وذلك لأن القول الأول منتقَض بمسألتين:

المسألة الأولى: أن من جامع امرأته فإنه يجب عليه أن يكفر بعد ذلك كما تقدم في قصة أوس بن الصامت وفي قصة سلمة بن صخر، فإنهما قد وطئا قبل أن يكفرا، ومع ذلك فقد أمرهما النبي - صلى الله عليه وسلم - بالكفارة.
والمسألة الثانية: أنهم قالوا: إذا جامع امرأته أثناء إطعامه فإنه يأثم لكن الإطعام يصح، فلو أنه أطعم في يوم عشرة مساكين ثم جامع امرأته قبل أن يتم إطعام ستين مسكيناً، فإن الإطعام عندهم مجزئ، فيكون آثماً لكونه مس امرأته قبل أن يطعم ستين مسكيناً، وهذا ينقض قولهم المتقدم، فالأرجح فيما يظهر لي مذهب الشافعية والله أعلم.
وأعلم أن الإطعام كالصيام، فليس له أن يمس امرأته قبل أن يطعم، والله عز وجل لم يذكر ذلك في الإطعام في كفارة الظهار؛ لما في ذكره من الإطالة ويكتفي بإلحاق النظير بنظيره، ولأنهما متماثلان فكلاهما كفارة، بل اشتراط ذلك في الإطعام أولى؛ وذلك لأن الإطعام في الغالب زمنه يسير فقد يكفّر بالإطعام في ساعة واحدة بخلاف الصيام فإنه يكون في شهريين متتابعين.
قال: [وإن أصاب غيرها ليلاً لم ينقطع] فإذا أصاب غيرها من نسائه ليلاً فإن التتابع لا ينقطع، وهذا ظاهر لأن غيرها لم تحرم عليه بالظهار، فليس له أن يطأ هذه المرأة التي ظاهرها، أما لو وطئ غيرها من نسائه فلا حرج عليه في ذلك.

الدرس الحادي والستون بعد الثلاثمائة كتاب اللعان اللعان: مشتق من اللعن لقوله تعالى: ﴿والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين﴾ (1) .

فصول الكتاب · 11 فصل · 298 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للحمد · 298 صفحة
المقدمة
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب المناسك
كتاب الجهاد
كتاب الوصايا
كتاب الوصايا
كتاب الفرائض
كتاب الطلاق
كتاب الحدود
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل