شرح زاد المستقنع للحمدصفحات 41-80
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وهذه المسألة وما بعدها من المسائل تتفرع على القول بطلاق الثلاث البائن بلفظة واحدة، أو في مجلس واحد أو في مجالس متعددة بلا رجعة، وقد تقدم أنه قول مرجوح والراجح أن طلاق الثلاث طلقة واحدة كما هو اختيار شيخ الإسلام وتقدم ذكر دليله.
قال: [ويقع بلفظ كل الطلاق أو أكثره أو عدد الحصى أو الريح أو نحو ذلك ثلاثٌ ولو نوى واحدة] إذا قال لامرأته: " أنت طالق كل الطلاق أو أكثر الطلاق أو منتهاه أو غايته أو عدد الحصى أو الريح أو أنت طالق مائة طلقة أو ألف طلقة " أو نحو ذلك فإنه يقع الطلاق ثلاثاً ولو نوى واحدة، فلا عبرة بنيته؛ وذلك لأن صريح لفظه يخالف نيته، فصريح لفظه الطلاق المتعدد الذي يحصل معه البينونة، فهنا ما نواه لا يحتمله اللفظ فإذا قال لها: " أنت طالق أكثر الطلاق " ونوى أن تكون واحدة فإن نيته لا يحتملها لفظه كما أنه لو قال: " أنت طالق واحدة " ونوى أن يكون ثلاثاً فإن هذا الطلاق لا يكون إلا واحدة، وذلك لأن هذه النية لا يحتملها اللفظ، فإن قال لزوجته " أنت طالق عُظم الطلاق " أو " أنت طالق أقبح الطلاق " أو " أنت طالق كالجبل " أو " أعظم الطلاق " فإن لم ينوِ ثلاثاً فإنها تكون واحدة، وذلك لأن هذه الألفاظ لا ترجع إلى العدد وإنما ترجع إلى كيفية الطلاق، فترجع إلى الطلاق نفسه كيفاً لا عدداً فإن نوى ثلاثاً فإنها تقع ثلاثاً لأن اللفظ يحتمل ذلك لكن إن لم ينوِ شيئاً أو نوى أن تكون واحدة فإنها تقع واحدة لأن لفظه ليس فيه تصريح بالعدد بخلاف قوله: " أنت طالق أكثر الطلاق " أو " منتهاه " فهو يعود إلى العدد.
قال: [وإن طلق عضواً أو جزءاً مشاعاً أو معيناً أو مبهماً] إذا طلق عضواً: كأن يطلق يداً أو رجلاً أو كبداً.
أو جزئاً مشاعاً: كالنصف والربع فيقول: " نصفك طالق ". أو معيناً: أي جزئاً معيناً كأن يقول: " النصف الفوقاني فيك طالق.
أو مبهماً: كأن يقول: " جزئك طالق ".

فالحكم أنها تطلق طلقة؛ وذلك لأن هذه المرأة لا تتبعض بالحل والحرمة، وفيها ما يقتضي التحريم وما يقتضي الإباحة فغُلِّب جانب الحرمة.
قال: [أو قال نصف طلقة أو جزء من طلقة طلقتْ] إذا قال لها: " أنت طالق نصف طلقة أو جزء طلقة " أي سواء أبهم كقوله: " جزء طلقة " أو حدد كقوله: " جزءاً من طلقة " فإنها تطلق، وذلك لأن الطلاق لا يتبعض فإذا طلق النصف أو الربع فإنها تقع عليه طلقة واحدة.
قال: [وعكسه الروح] فإذا قال لها: " روحك طالق " فإنها لا تطلق، هذا هو أحد القولين في المذهب وهو أحد قولي العلماء قالوا: لأن الروح ليست بعضو وليست شيئاً يُستمتع به.
والقول الثاني في المسألة وهو قول في مذهب الإمام أحمد، بل هو المذهب كما قال ذلك صاحب الإنصاف واختار هذا القول الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: أنه إذا طلق الروح فإنها تطلق عليه؛ وذلك لأنه لا حياة للمرء بلا روح، فإن قوام البدن الروح، فعليه يقع الطلاق، ولا شك أن هذا أولى من تطليق يدها أو رجلها ونحو ذلك، فالراجح وهو المذهب – خلافاً لما ذكره المؤلف هنا – أن طلاق الروح يقع فتطلق به المرأة، لأنه لا حياة للبدن بلا روح.
قال: [والسن والشعر والظفر ونحوه] إذا قال: " شعرك طالق " أو " أو سنك طالق " أو " ظفرك طالق " ونحوه كالسمع والبصر، فإنها لا تطلق عليه.
قالوا: لأن هذه الأشياء تنفصل عن الإنسان مع سلامته من غير عطب، فإن الشخص قد يحلق شعره ويقلم أظفاره ويقلع سنه ولا يتضرر شيء من بدنه.
والقول الثاني في المسألة وهو قول الشافعية والمالكية: أن الطلاق يقع، لأن المذكور وهو الظفر والشعر والسن ونحوها مما استباحه الناس بالنكاح فيقع الطلاق بتطليقه.

والأول أولى؛ وذلك لأن الأصل بقاء عصمة النكاح وما ذكره أهل القول الأول من الاستدلال فيه قوة فإن هذه الأشياء المذكورة تنفصل مع السلامة، بخلاف الإصبع فإنها لا تنفصل إلا مع عطب فإنها تجرح البدن ويتأذى البدن بذلك وكذلك اليد والرجل أو نحو ذلك.
قال: [وإذا قال لمدخول بها: أنت طالق وكرره وقع العدد، إلا أن ينوي تأكيداً يصح أو إفهامها 1 ] إذا قال لامرأته التي قد دخل بها: " أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق " وقع العدد، فإذا قال لها: " أنت طالق، أنت طالق " فإنه يقع الطلاق اثنتين وإذا قال: " أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق " فإنها تقع ثلاثاً، إلا أن ينوي تأكيداً، فإذا كانت نيته تأكيد الطلاق أو إفهامها أو إفهام السامع فإنه تقبل نيته حكماً، وتقبل أيضاً في الباطن ويُديَّن بذلك فيما بينه وبين ربه بما ادعاه نيته؛ وذلك لأنه أعلم بلفظه وهذا اللفظ يحتمل التأكيد أو الإفهام ويحتمل التعدد فلما ثبت هذان الاحتمالان قبلت نيته.
لكن لابد أن يكون ينوي تأكيداً يصح، بأن يكون اللفظ يحتمل ذلك، فإذا قال لها: " أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق " وقال نويت التأكيد فإنه يقبل معه؛ لأن هذه الجمل قد اتصلت، لكن إذا قال لها اليوم: " أنت طالق " وقال لها غداً: " أنت طالق " وقال أريد التأكيد، فإن هذا لا يقبل منه لأن هذا لا يكون منه تأكيداً.
إذن: إنما يقبل منه حيث أمكن التأكيد أو أمكن الإفهام أما إذا كان لا يمكن مع لفظه التأكيد والإفهام فإنه لا يقبل منه.
قال: [وإن كرره ببل أو بثم أو بالفاء أو قال بعدها، أو قبلها أو معها طلقةٌ وقع اثنتان]

إذا قال لها: " أنت طالق بل طالق " أو: " أنت طالق ثم طالق " أو: " أنت طالق فطالق " أو: " أنت طالق وطالق " أو قال: " أنت طالق بعدها طلقة " أو: " أنت طالق قبلها طلقة " أو: " أنت طالق معها طلقة " فإنه تقع طلقتان، وذلك لأن مثل هذه الألفاظ ظاهرة في التغاير.
فالثلاث الأول حروف عطف، وحروف العطف الأصل فيها المغايرة، فعليه ظاهر لفظه أنت طالق طلاقاً آخر.
كذلك إذا قال لها: " أنت طالق بعدها طلقة " أو: " أنت طالق قبلها طلقة " أو: " أنت طالق طلقة معها طلقة " ونحو ذلك، فإنه لا يقبل ادعاؤه التأكيد ولا ادعاؤه الإفهام، لأن التأكيد والإفهام هنا احتمال بعيد، لكن لو كان في الباطن أراد التأكيد فإنه يديَّن بذلك فيما بينه وبين ربه، وأما في الحكم الظاهر فإن القاضي يحكم عليه بما يقتضيه لفظه.
قال: [وإن لم يدخل بها بانت بالأولى ولم يلزمه ما بعدها] إذا كانت المرأة غير مدخول بها وقال لها: " [أنت] طالق ثم طالق " أو نحو ذلك، فإنها تبين بالأولى وحينئذٍ فتكون عليها طلقة واحدة؛ لأن غير المدخول بها تبين بطلقة واحدة فقوله لها: " أنت طالق " فبهذه اللفظة الأولى تبين منه، فإذا كرر بعدها طلقتين مثلاً فإن هاتين الطلقتين الأخريين قد وقعتا في حال البينونة، وطلاق البائن لا يمضي.
فعلى ذلك له أن يتزوجها من غير اشتراط أن تنكح زوجاً غيره، فيعقد عليها عقداً جديداً وهذه المسألة كلها ترجع إلى القول المرجوح المتقدم من أن طلاق الثلاث يقع.
والراجح أنه لا يقع إلا واحدة، وأنه لا طلاق إلا بعد رجعة صحيحة.
إذن: على قول الجمهور إذا قال لامرأة غير مدخول بها: " أنت طالق ثلاثاً " فإنه تبين منه ولا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، أما إذا قال: " أنت طالق ثم طالق ثم طالق " فإنها تبين بالأولى والطلقة الثانية والثالثة لا تحسب عليه لأنهما صادفتا امرأة بائناً هذا هو المشهور في مذهب الجمهور.
قال: [والمعلَّق كالمنجَزِ في هذا]

المعلق كقوله: " إذا وصلت الدار فأنت طالق طالق "، كالمنجز أي كقوله: " أنت طالق أنت طالق أنت طالق ". فلو أن رجلاً قال لامرأة غير مدخول بها: " إذا دخلت الدار فأنت طالق ثم طالق ثم طالق " فإنها تبين منه بالأولى إذا دخلت الدار، ولا يقع عليها الثاني ولا الثالث لأنها أصبحت بائناً بالأولى.

الدرس الثامن والأربعون بعد الثلاثمائة فصل هذا الفصل في الاستثناء في الطلاق وأحكامه قال: [ويصح منه استثناء النصف فأقل من عدد الطلاق والمطلقات] يصح من الزوج أن يستثني النصف فأقل من عدد الطلاق ومن عدد المطلقات، هذه المسألة ترجع إلى ما هو مرجح في علم الأصول وهو مذهب الحنابلة من صحة استثناء النصف فأقل، أما استثناء الكل أو الأكثر فإنه لا يصح فإذا قال: لزيد عليَّ مئة ريال إلا مئة " فهذا استثناء كل ولا يصح، فيكون قد أقر بمئة ولا يصح استثناؤه.
ولو قال: " لزيدٍ عليّ مئة إلا تسعين " فلا يصح الاستثناء ويكون قد أقر بالمئة أما إذا استثنى النصف فأقل كأن يقول: " له علي مئة إلا خمسين" أو: " له علي مئة إلا أربعين" فإن الاستثناء يصح.
فعلى ذلك إذا طلق امرأته ثلاثاً واستثنى الكل فقال: " أنت طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً " أو الأكثر فقال: " أنت طالق ثلاثاً إلا اثنتين " فإن الاستثناء لا يصح وتكون طالقاً ثلاثاً، أما إذا استثنى النصف فأقل كأن يقول: " أنت طالق اثنتين إلا واحدة " أو " أنت طالق ثلاثاً إلا واحدة " فإن الاستثناء يصح ولذا قال المؤلف: [فإذا قال: أنت طالقٌ طلقتين إلا واحدة، وقعت واحدة، وإن قال: ثلاثاً إلا واحدة فطلقتان] كذلك في المطلقات، فلو قال: " نسائي الأربع طوالق إلا واحدة، فيصح الاستثناء ولو قال: "نسائي الأربع طوالق إلا اثنتين"، فيصح الاستثناء.
قال: [وإن استثنى بقلبه من عدد المطلقات صح دون عدد الطلقات]

فإذا استثنى بقلبه من عدد المطلقات صح ذلك، كأن يقول: " نسائي طوالق " وله ثلاث، واستثنى بقلبه فلانة فإن هذا الاستثناء يصح في الحكم، وأما في الباطن أي في النية فلا إشكال فيه أنه يصح أي في التديين بأن يديّن في ذلك فيما بينه وبين ربه فلا إشكال أنه يصح، وأما في الحكم فكذا وهو المذهب، وذلك لأن اللفظ العام قد يراد به الخصوص وحينئذٍ فهذه النية تصرف اللفظ إلى بعض أفراده.
والقول الثاني وهو رواية عن الإمام أحمد وهو مذهب الشافعية: أن الطلاق يقع كما تلفظ به ولا عبرة بنيته، وهذا هو القول الراجح، وذلك لأن الحكم إنما يعتبر بالظاهر، والظاهر من لفظه أن نساءه كلهن طوالق، فيحكم عليه بما اقتضاه ظاهر لفظه، وأما نيته فهي بينه وبين ربه، فإن لم يكن هناك ترافع أمام القاضي فإنه إن علم من نفسه الصدق فإنه يبقي امرأته وأما إن علم من نفسه الكذب فإنها لا تحل له إن كان الطلاق بائناً وإلا فإنه يحسبها طلقة، وأما في الطلقات فلا لا ديناً ولا حكماً، فلا يديَّن بذلك ولا يحكم به؛ أي بالاستثناء، فإذا قال رجل لامرأته: " أنت طالق ثلاثاً " ونوى في قلبه إلا واحدة فلا يعتبر بهذا الاستثناء المنوي غير المتلفظ به في الحكم وذلك للتعليل المتقدم في المسألة السابقة، وكذلك لا يديَّن بنيته فلا يقال: " إن كنت صادقاً فيما نويته فهي امرأتك " لا يقال ذلك، وذلك لأن العدد نص فيما يتناوله؛ أي ليس هناك ثم احتمال، فإن قال: " أنت طالق ثلاثاً " فليس هناك أي احتمال آخر ممكن بخلاف ما إذا قال " نسائي طوالق " فإنه يحتمل أن يريد البعض لكن أما قوله: " أنت طالق ثلاثاً " فليس هناك أي احتمال آخر فلا يحتمل إلا أنها طالق ثلاثاً فهو نص فيما يتناوله فلم ترفعه النية فالنية إنما تصرف اللفظ المحتمل إلى أحد محتملاته وأما ما لا يحتمله اللفظ فلا، وإلا لجاز العمل بالنية المجردة في النكاح والطلاق ونحو ذلك.

وهذه المسألة متفرعة على قول جمهور أهل العلم من إيقاع طلاق الثلاث ثلاثاً وإلا فالراجح أن طلاق الثلاث واحدة.
ومثل ذلك إذا قال: " نسائي الأربع طوالق " أو قال: " ثلاثتكن طوالق " ونوى إلا واحدة فلا عبرة بنيته لأن قوله: " نسائي الأربع " وقوله: " ثلاثتكن " هذا عدد والعدد نص فيما يتناوله وعليه فالنية لا تصرفه لعدم وجود الاحتمال الذي يوافق هذه النية كما تقدم تقريره.
قال: [وإذا قال: أربعكن إلا فلانة طوالقٌ صح الاستثناء] وذلك لأن هذه المرأة قد خرجت باستثناء صحيح.
قال: [ولا يصح استثناء لم يتصل عادة] يشترط في الاستثناء أن يتصل في العادة، يتصل لفظاً أو حكماً، اتصاله لفظاً: بأن يتبع المستثنى، المستثنى منه، فإن قال: " نسائي طوالق إلا فاطمة " فقوله: " إلا فاطمة " فاطمة هي المستثنى وقوله " نسائي طوالق " المستثنى منه، فهنا قد تبع المستثنى المستثنى منه تبعه لفظاً فالاستثناء صحيح.
وأما اتصاله حكماً: فهو لم يتبعه لفظاً لكنه تبعه حكماً، وذلك فيما إذا كان هناك فاصل بين المستثنى والمستثنى منه، وكان الفاصل لا يقطع في العادة، كأن يقول: " نسائي طوالق " ثم يعطس أو يسعل ثم يقول: " إلا فلانة " فلا تطلق عليه وذلك لأن الاستثناء متصل في العادة لكنه ليس متصل لفظاً بل هو متصل حكماً، مثل ذلك لو سكت سكوتاً 1 قال: [فلو انفصل وأمكن الكلام دونه بطل] فإذا قال: " نسائي طوالق " ثم تكلم بكلام أجنبي أو سكت سكوتاً طويلاً يقطع في العرف ثم قال: " إلا فلانة " فإن الطلاق يقع على كل نسائه ولا يصح استثناؤه، وذلك لوجود الانقطاع، فهذا الطلاق الذي تلفظ به لا يمكن رفعه بمثل هذا أي بالاستثناء المنقطع.

أما الاستثناء المتصل فإنه يجعل اللفظ جملة واحدة، أي يجعل المستثنى منه والمستثنى جملة واحدة لا يقع الكلام إلا بتمامها وإلا للزم لوازم باطلة، ففي قولنا: " لا إله إلا الله " فلو قال المكلف: " لا إله " وسكت لكان نافياً للألوهية على الإطلاق، فالنافي للألوهية ملحد كافر، ولكنه قال: " إلا الله " هذه الجملة المستثناة متصلة، فالجملتان من المستثنى والمستثنى منه أصبحتا جملة واحدة لا يفهم الكلام ولا يترتب عليه أحكامه إلا بمجموعهما.
إذن: الاستثناء المتصل صحيح، أما الاستثناء المنفصل قد ثبت فيه قاطع في العرف سواءً كان بسكوتٍ طويل أو بكلام أجنبي قاطع فإن الطلاق يقع على ما تلفظ به أولاً ولا يصح هذا الاستثناء.
قال: [وشرطه النية قبل كمالِ ما استثنى منه] هذا الحكم في الاستثناء وفي الشرط، فلو قال رجل: " نسائي طوالق " ثم استدرك وقال: " إلا فلانة " فهو عندما قال: " نسائي طوالق " لا ينوي استثناء هذه المرأة المستثناة بل نواه بعد إتمامه اللفظ، فالاستثناء لا يصح ويقع الطلاق على كل المستثنى منه فيشترط أن ينوي الاستثناء أثناء تلفظه بلفظ الطلاق، وكذلك الشرط، فلو أن رجلاً قال لامرأته: " أنت طالق" فاستدرك فقال: " إن دخلت الدار " فالشرط هنا لا يصح لأنه لم ينوه أثناء اللفظ قالوا: لأن الشرط والاستثناء يصرفان اللفظ عن مقتضاه فوجب أن يقترنا به لفظاً ونية هذا هو المشهور في مذهب أحمد والشافعي.
وذهب المالكية وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، وذكر شيخ الإسلام: " أنه هو ما يدل عليه كلام الإمام أحمد، وأن عليه كلام متقدِمي أصحاب الإمام أحمد "، واختاره من المتأخرين الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: أن الاستثناء يصح وإن لم يستثن مع المستثنى منه.

ويلحق به – فيما يظهر لي – الشرط، [ولكن هذا فيما يقصد به اليمين لا الإيقاع بناءً على ما سبق من قول شيخ الإسلام في التفريق بينهما.] 1 واستدلوا بأدلة من الكتاب والسنة، فمن ذلك قوله تعالى ﴿ولاتقولن لشيءٍ إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله﴾ 2 ، فجمهور المفسرين أن هذا فيمن نسي الاستثناء.
والقول الثاني عند المفسرين أنه يعم من نسي الاستثناء ومن لم ينسه، قال ابن القيم: " وهو الصواب ". وعلى كلا التفسيرين فإن المسألة المتنازع فيها داخلة في هذه الآية "، فالرجل إذا قال: " سأفعل غداً " وقد نسي أن يستثني ثم قال " إن شاء الله " فهذا الاستثناء نافع مع أنه لم ينوه مع لفظه، فكذلك في هذه المسألة المتنازع فيها، ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين، أن سليمان عليه السلام قال: " لأطوفن الليلة على سبعين تحمل كل امرأة فارساً يجاهد في سبيل الله " فقال له الملك: " إن شاء الله " فلم يقل، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (فلم تحمل شيئاً - أي من نسائه – إلا واحداً قد بقي أحد شقيه، ولو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله) (3) ، فهذا الحديث دل على أن قوله: " إن شاء الله " بعد الكلام نافع ومؤثر، ومن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - في المتفق عليه لما نهى عن قطع شوك مكة وحشيشها قال له العباس " إلا الإذخر " فقال: (إلا الإذخر) (4) ، ولم يكن قد نوى الاستثناء وهذا هو القول الراجح لقوة أدلته.
الدرس التاسع والأربعون بعد الثلاثمائة باب الطلاق في الماضي والمستقبل قال: [إذا قال: أنت طالق أمس أو قبل أن أنكحك، ولم ينو وقوعه في الحال لم يقع]

إذا قال الزوج لامرأته: " أنت طالق أمس " أو: " قبل الأمس " أو نحو ذلك فإن الطلاق لا يقع، وكذلك إذا قال: " أنت طالق قبل أن أنكحك " فالطلاق لا يقع، وذلك لأن فيه رفعاً لاستباحة النكاح في المضي، وذلك ليس للمكلف، فالمكلف إنما له رفع الاستباحة في الحال أو في المستقبل، وأما رفع إباحة الفرج وغيره مما يباح في النكاح في المضي فليس له ذلك.
قوله: " ولم ينو وقوعه في الحال لم يقع " هذا قيد في عدم الوقوع، لكن لو نوى الوقوع في الحال فإن الطلاق يقع، فإذا قال: أنت طالق أمس " وهو ينوي الوقوع في الحال أي أن الطلاق واقع عليها في الحال استناداً إلى وقوعه في المضي فإنه يقع، والقول الثاني في المسألة:أنه لا يقع، وهو أظهر؛ وذلك لأن النية لا يحتملها لفظه، فهو ينوي وقوع الطلاق في الحال، ولفظه في المضي، فكما لو كانت النية مجردة، والنية المجردة لا يقع معها الطلاق.
قال: [وإن أراد بطلاق سبق منه أو من زيد وأمكن قُبل] الذي لا يقع - فيما تقدم – هو إنشاء الطلاق، لكن لو كان مخبراً، فقال لها: " أنت طالق أمس " من باب الإخبار وليس من باب الإنشاء، فإذا قال: " أنت طالق أمس " وقال أريد بذلك طلاقاً سابقاً مني أو طلاقاً سابقاً من غيري، وأمكن هذا، وذلك بأن يكون صادقاً في قوله فقد طلقها هو قبل، أو طلقها زوج آخر قبله، فإنه يقبل لأن لفظه يحتمله، وأما إذا لم يكن ذلك، وذلك بأن لا يكون طلقها قبل ذلك ولا يكون لها زوج قبله فإن الطلاق يقع، وذلك لأنه حينئذٍ يكون قد أخبر عن قول له فيكون في ذلك إقرار يتعلق به حق غيره وهو المرأة وحينئذٍ لا يقبل إنكاره كما تقدم في المسألة السابقة، لكنه يديّن بنيته التي يدعيها فيما بينه وبين ربه.
قال: [فإن مات أو جُنّ أو خرس قبل بيان مراده لم تطلق]

إذا قال لها: " أنت طالق أمس " ثم جن أو مات أو خرس قبل بيان مراده فإنها لا تطلق إعمالاً للمتبادر من لفظه، فإن المتبادر من لفظه أنه إنشاء، والإنشاء للطلاق في المضي لا يقع معه الطلاق، وأيضاً عصمة النكاح ثابتة فلا تزال بالشك.
فإذا قال: " أنت طالق أمس " من باب الإخبار وادعى أنه ينوي بذلك طلاقاً سابقاً وقد كان طلقها طلاقاً سابقاً، لكنه قال لها ذلك في حالة غضب أو عند سؤالها الطلاق فإنه لا يقبل قوله وذلك لوجود قرينة الحال التي تكذب قوله.
قال: [وإن قال: طالق ثلاثا قبل قدوم زيدٍ بشهر] إذا قال لها: " أنت طالق ثلاثاً قبل قدوم زيدٍ بشهر " ولا يدري متى يقدم زيد، فيحتمل أن يقدم بعد شهر من اليوم ويحتمل أن يكون بعد شهر من الغد، ويحتمل أن يكون بعد شهر من بعد الغد، ويحتمل أن يكون بعد شهر من بعد أسبوع، ويحتمل أن يكون بعد شهرين، وحينئذٍ تبقى المرأة معلقة ولا يحل له أن يطأها؛ وذلك لأنه في كل يوم يحتمل أن يكون هو اليوم الذي يكون قدوم زيدٍ بعده بشهر، وعليه فلا يحل له أن يطأها وتجب لها النفقة لأنها محبوسة لأجله.
قال: [فقدم قبل مضيه لم تطلق] فإذا قال:" أنت طالق قبل قدوم زيدٍ بشهر " فقدم زيد بعد أسبوع، فإن المرأة لا تطلق، وذلك كما لو قال:" أنت طالق أمس " لأن طلاقه يكون في المضي، لأن زيداً قدم بعد أسبوع فحينئذٍ يكون الطلاق قد وقع في المضي، لأن قبل قدوم زيد بشهر مضياً.
قال: [وبعد شهرٍ وجزءٍ تطلق فيه يقع] أي إذا جاء بعد شهر وجزء أي لحظة يقع فيها قول " أنت طالق " فإذا جاء بعد شهر وجزء فإنه يقع الطلاق عليها وذلك لوجود الصفة المذكورة.
قال: [فإن خالعها بعد اليمين بيومٍ، وقدم بعد شهرٍ ويومين صح الخلع، وبطل الطلاق]

إذا قال: " أنت طالق قبل قدوم زيدٍ بشهر " وبعد يوم خالعها، ثم قدم زيد بعد شهر ويومين، فتبين لنا أن المرأة كانت في عصمته حين المخالعة، فعلى ذلك الخلع صحيح لثبوت الزوجية ويبطل الطلاق لأنه صادف امرأة بائناً في الخلع.
قال: [وعكسها بعد شهر وساعة] أي لحظة يقع بمثلها الطلاق، فإذا قال لها: " أنت طالق قبل قدوم زيدٍ بشهر " ثم خالعها وبعد شهر وساعة قدم زيد، فالمخالعة هنا صادفت بينونة، وعليه فالطلاق صحيح والخلع باطل، والخلع إنما يصح حيث لم يكن حيلة، أما إذا كان حيلة فإنه لا يصح كما تقدم.
قال: [وإن قال: طالقٌ قبل موتي طلقت في الحال] إذا قال لزوجته: " أنت طالق قبل موتي " فإنها تطلق في الحال، وذلك لأنه ما من وقت إلا وهو قبل موته، أما لو قال: " قبيل موتي " فإن هذا الجزء يفيد التصغير فيكون في الجزء الذي يليه الموت أي في آخر لحظات عمره.
قال: [وعكسه معه أو بعده] فلوا قال لامرأته: " أنت طالق مع موتي أو بعد موتي " فإن الطلاق لا يقع وذلك لأن البينونة تحصل بالموت فإذا مات الزوج بانت منه امرأته، لذا تعتد وتنكح زوجاً آخر بعده، وعلى ذلك فإن هذا الشرط يصادفها بائناً والبائن لا يقع عليها الطلاق.

فصل قال: [وأنت طالقٌ إن طرتِ أو صعدت السماء أو قلبتِ الحجر ذهباً ونحوه من المستحيل لم تطلق] إذا قال لامرأته: " أنت طالق إن طرت إلى السماء أو صعدت السماء أو قلبت الحجر ذهباً " ونحوه من المستحيل فإنها لا تطلق وذلك لأن هذه الصفة لا توجد، فهذه الصفة التي علق الطلاق عليها لا توجد، والطلاق إنما يقع حيث وجدت هذه الصفة والصفة هذه لا توجد لأنها من المستحيلات.
قال: [وتطلق في عكسه فوراً]

إذا قال " أنت طالق لأصعدن 1 السماء " فقد علق الطلاق على عدم فعل المستحيل، وعدم فعله للمستحيل معلوم في الحال، وحينئذٍ يعلم تحقق الأمر الذي علق الطلاق عليه، فيعلم تحققه في الحال فيقع الطلاق فوراً.
قال: [وهو النفي في المستحيل مثل لأقتلن الميت أو لأصعدن السماء ونحوهما] فهذه أمور مستحيلة، فالميت لا يمكن قتله، وكذلك لأصعدن السماء ونحوهما، ففي مثل هذه المسائل يقع الطلاق في الحال لأنه علق طلاقه على عدم فعله للمستحيل وعدم فعله للمستحيل معلوم في الحال.
قال: [وأنت طالق اليوم إن جاء غدٌ لغو] إذا قال رجل لامرأته " أنت طالق اليوم إن جاء غدٌ " فإن ذلك يكون لغواً، قالوا: لأن مقتضى لفظه إيقاع الطلاق في هذا اليوم حيث جاء الغد فيه، ومعلوم أن مجيء الغد في اليوم أمر لا يمكن، وعليه فإن هذا يكون من باب اللغو.
والقول الثاني في المسألة وهو قول القاضي من الحنابلة وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية: أن الطلاق يقع، وأنه كما لو قال: أنت طالق قبل موتي بشهر.
وعليه فإن الطلاق يقع في الحال لأن مجيء الضد معلوم قطعاً فالراجح أنه يكون طلاقاً اليوم؛ وذلك لأن مجيء الغد أمر معلوم.
قال: [وإذا قال: أنت طالق في هذا الشهر أو اليوم طلقت في الحال] إذا قال الرجل لامرأته " أنت طالق في هذا الشهر " أو " هذا اليوم " أو " في هذه السنة " فإن الطلاق يقع في الحال، وذلك لأنه جعل اليوم وجعل الشهر وجعل السنة ظرفاً لطلاقه وهذا يحصل في كل جزء من أجزاء اليوم وفي كل جزء من أجزاء الشهر وفي كل جزء من أجزاء السنة.
قال: [وإن قال: في غدٍ أو السبت أو رمضان طلقت في أوله] إذا قال " أنت طالق في السبت أو في غدٍ أو في رمضان " فإنها تطلق في أوله، وذلك لأنه جعل رمضان ظرفاً لطلاقه فكل جزء من رمضان يصح أن يكون ظرفاً لهذا الطلاق وهذا هو ظاهر لفظه.

قال: [وإن قال: أردتُ آخر الكل دُين وقبل] فإذا قال " أنا لم أرد أوله وإنما أردت آخره " قُبل منه في الحكم ودُيِّن بنيته فيما بينه وبين ربه، وذلك لأن نيته يحتملها لفظه، وذلك لأن وسط الشهر وآخره منه.
وعليه فلا تطليق عليه إلا في آخر الشهر، لكن إذا قال " أنت طالق غداً " أو " يوم السبت " ولم يقل " في " فهنا قد جعل الطلاق في غدٍ كله فلا بد وأن يشمل اليوم كله الطلاق، وعليه فلا يحكم عليه بالظاهر في نيته، لأن نيته تخالف ظاهر لفظه ولا يحتملها اللفظ، فإذا قال " أنت طالق غداً أو يوم السبت " وقال أردت آخر النهار، فإن ذلك لا يقبل منه وذلك لأن مقتضى لفظه وقوع الطلاق عليها في اليوم كله وأنها في كل جزء من أجزاء ذلك اليوم طالق وعليه فنيته تخالف ظاهر لفظه، وعلى ذلك فلا يقبل قوله في الحكم.
والمشهور في المذهب: أنه لا يُديّن به فيما بينه وبين ربه.
والذي يترجح وهو قول في المذهب: أنه يدين فيما بينه وبين ربه بنيته؛ وذلك لأن اللفظ يحتمل ذلك من باب المجاز، أي أنت طالق بعض غدٍ أو بعض يوم السبت.
قال: [وأنت طالق إلى شهرٍ طلقت عند انقضائه] إذا قال لها " أنت طالق إلى شهر " أو " إلى سنة " فإن المرأة تطلق عليه عند انقضاء الشهر وعند انقضاء السنة، وذلك لأنه جعل للطلاق غاية وهي قوله " إلى شهر" والطلاق لا غاية لآخره كما هو معلوم فتعين أن تكون الغاية لأوله، فعلى ذلك قوله " إلى شهر " أي ابتداءً للطلاق بعد مضي الشهر، وكذلك إذا قال " أنت طالق سنة ". قال: [إلا أن ينوي في الحال فيقع] فإذا نوى ذلك في الحال فإن الطلاق يقع.
قال: [وطالقٌ إلى سنةٍ تطلق باثني عشر شهراً] إذا قال " أنت طالق إلى سنة " فإن المرأة تطلق عليه بمضي اثني عشر شهراً.
قال: [فإن عرفها باللام طلقت بانسلاخ ذي الحجة]

فإذا قال " أنت الطلاق إذا قضت السنة " أو قال " إذا مضى الشهر "، فإذا مضى الشهر الذي هو فيه أو مضت السنة التي هو فيها وإن كان في آخرها فإنها تطلق عليه، فلو أن رجلاً قال لامرأته وهو في العاشر من ذي الحجة " أنت طالق إذا مضى الشهر " فهنا " ألا " هي " أل " العهدية الحضورية.
وعليه فتطلق المرأة، إذا مضى هذا الشهر الذي هم فيه.
كذلك إذا قال في شهر ذي القعدة: " أنت طالق إذا مضت السنة " فتطلق عليه إذا مضت السنة التي هو فيها وذلك بانسلاخ شهر ذي الحجة، [وإن قال أردت اثني عشر شهراً قُبِلَ حكماً.
فائدة: إذا قيل له قد زنت امرأتك فقال: " هي طالق "، ثم تبين أنها لم تكن زنت، فقال أبي عقيل: لا تطلق وجعل السبب كالشرط اللفظي وهو قول عطاء.] 1

الدرس الخمسون بعد الثلاثمئة باب تعليق الطلاق بالشروط أي بالشروط اللغوية كقوله لزوجته " إن دخلت الدار فأنت طالق " والشرط هنا ينقسم إلى قسمين: شرط محض: وهو الذي يقصد المشترط فيه إيقاع الطلاق مع حصوله - أي مع حصول هذا الشرط -، فإذا قال لزوجته " إن جاء رمضان فأنت طالق " أو قال " إن دخلت الدار فأنت طالق " فهده شروط محضة يقصد فيها إيقاع الطلاق متى حصل الشرط، وفي البخاري معلقاً: أن ابن عمر سأله نافع عن رجل قال لامرأته " أنت طالق البتة إن دخلت الدار " فقال: إن دخلت الدار فهي بائن " 2 .

الشرط الذي لا يقصد معه إيقاع الطلاق وإنما يقصد معه الحض أو المنع لنفسه أو لامرأته أو لغيرهما، كأن يقول لامرأته " إن خرجت من الدار بغير إذني فأنت طالق " وهو لا يقصد إيقاع الطلاق بل يقصد منعها من الخروج، أو يقول الآخر " إن لم تدخل في داري فامرأتي طالق " أو يقول " إن لم أفعل كذا فامرأتي طالق " ونحو ذلك مما يقصد معه الحض أو المنع وهو ما يسمى بالحلف بالطلاق، فليس المقصود بالحلف بالطلاق أن يقول " والطلاق " بل المقصود أن تكون الجملة التي فيها تعليق الطلاق - أن تكون فيها - معنى اليمين، فإذا قال للرجل " إن لم تدخل الدار فامرأتي طالق " كأنه قال " والله لأطلقن امرأتي إن لم تدخل الدار ". فجمهور أهل العلم: أنه يقع الطلاق فيها إذا وقع الشرط وذلك لحصول الشرط الذي علق الطلاق به.
وذهب أهل الظاهر وهو قول طائفة من السلف والخلف وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم الجوزية 1 واختاره الشيخ محمد بن عبد الوهاب: أن الطلاق لا يقع وأنها يمين ويكفرها، واستدلوا بما يأتي: أن هذه الألفاظ أيمان باتفاق أهل اللغة، وعليه عرف الفقهاء كما ذكر شيخ الإسلام، وعليه فيدخل في عموم قوله تعالى: ﴿قد فرض الله عليكم تحلة أيمانكم﴾ (2) وفي قوله - صلى الله عليه وسلم -: (إني إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني) (3) . أن العبرة بالنيات والمقاصد لا بالألفاظ، فالأحكام لا تترتب على الألفاظ إلا إذا كان المتكلم قاصداً المعنى وقاصداً موجب كلامه وهنا ليس الأمر كذلك فهو لا يقصد الطلاق وإنما يقصد الحث والمنع.

ويستدل على هذا بالقصة التي رواها البيهقي وغيره عن أبي رافع؛ أن مولاته قالت له " أنا يوماً يهودية ويوماً نصرانية وعبيدي كلهم أحرار ومالي كله في سبيل الله وأمشي على قدمي إلى بيت الله إن لم تطلق امرأتك " فسأل ابن عمر وابن عباس وعائشة وحفصة وأم سلمة فكلهم قال " تكفر عن يمينها "، فإذا كان هذا في العتق وفي النفقة وفي الصدقة المستحبة التي يتشوق الشارع إليها إذا كان هذا في ذلك فأولى أن يكون في الطلاق الذي يبغضه الشارع، وهذا هو القول الراجح لقوة أدلته.
قال: [لا يصح إلا من زوج] لا يصح الطلاق المعلَّق إلا من زوج، فلو قال " إن تزوجت فلانة فهي طالق " ونحو ذلك فلا تطلق عليه عند جماهير أهل العلم، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه الترمذي وغيره والحديث حسن: (لا نذر لابن آدم فيما لا يملك ولا عتق له فيما لا يملك ولا طلاق له فيما لا يملك) 1 وهي أجنبية عنه، وقال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن﴾ (2) ، فرتب الطلاق على النكاح فلا طلاق قبل نكاح.
قال: [فإذا علقه بشرطٍ لم تطلق قبله] هو ظاهر، فإذا قال " إن خرجت الدار فأنت طالق "، لم تطلق قبله لعدم حصول الشرط الذي قد علق الطلاق به.
قال: [ولو قال: عجلته] إذا قال لامرأته " أنت طالق إن جاء شهر رمضان " ثم قال " عجلته " أي عجلت الطلاق المعلق، فهنا لا ينفعه هذا فلا يمكنه أن يعجله بل يقع في الوقت الذي قد شرطه فيه، قالوا: لأنه ليس له من سبيل إلى ذلك فهو معلق بزمن مستقبل فلم يكن إليه من سبيل لا بتقديم ولا بتأخير.
وعليه فإذا أراد أن يطلقها طلاقاً آخر فإنه يطلقها حينئذٍ فإن كانت في عصمته في رمضان طلقت طلاقاً آخر هذا هو مذهب جمهور أهل العلم وهذا هو مذهب جمهور أصحاب الإمام أحمد.

قال شيخ الإسلام: وفي ذكر جمهور الأصحاب نظر وذلك أنه يملك تعجيل الدين ولا فرق بين حقوق الله تعالى وحقوق العباد في الجملة سواء في شرع أو شرط "، وفيما قاله رحمه الله قوة والله أعلم.
قال: [وإن قال سبق لساني بالشرط (ولم أرده وقع في الحال) (1) ] إذا قال " إن دخلت الدار فأنت طالق " ثم قال " سبق لساني بالشرط، إذن هو يريد أن يوقعه منجزاً، فإنه يقع في الحال؛ لأنه أقر على نفسه بما هو أغلظ بلا تهمة.
قال: [وإن قال: أنت طالق وقال: أردت إن قمتِ لم يقبل حكماً] إذا قال " أنت طالق " ثم قال " أردت إن قمت " فإن هذا لا يقبل في الحكم لأن هذا خلاف الظاهر، فقوله " أنت طالق " هذا يدل على أنه أراد الطلاق المنجَّز.
وكونه يقول " أردت إن قمت " هذا يجعله طلاقاً معلقاً وهذا خلاف الظاهر المتقدم والحكم إنما يتعلق بظاهر الألفاظ، وأما في الباطن فإنه يدين بنيته فيما بينه وبين ربه.
قال: [وأدوات الشرط إن وإذا ومتى وأي ومن وكلما، وهي وحدها للتكرار] فالأدوات المتقدمة لا تفيد التكرار سوى " كلما ". قال: [وكلها ومهما بلا لم أو نية فورٍ أو قرينة للتراخي] الأدوات المتقدمة وكذلك مهما إذا لم تقترن بها " لم " ولم تقترن بها نية الفورية أو قرينة الفورية فإنها تفيد التراخي.
قال: [ومع لم للفورية] فإذا اقترنت بهذه الأدوات " لم " فإنها تفيد الفورية إلا بقرينة تدل على التراخي، كأن يقول " إذا لم تفعلي كذا فأنت طالق " أو " متى لم تفعلي كذا " أو " أي وقت لم تفعلي كذا " أو: " كلما لم تفعلي كذا فأنت طالق " فهي تفيد الفورية.
قال: [إلا إن مع عدم نية فورٍ أو قرينةٍ] وإن اقترنت بها " لم " فإنها لا تفيد الفورية، لكن هذا مع عدم نية الفور أو القرينة.
قال: [فإذا قال: إن قمت أو إذا أو متى أو أي وقتٍ أو من قامت، أو كلما قمت فأنت طالقٌ فمتى وجد طلقت]

فمتى وجد القيام فإنها تطلق في أي يوم وفي أي ساعة.
قال: [وإن تكرر الشرط لم يتكرر الحنث إلا في كلما] إذا قال " إن قمتِ فأنت طالق " فقامت فإنها تطلق، فإن قامت مرة أخرى فإنها لا تطلق فإن هذه الأدوات لا تفيد التكرار بخلاف " كلما "، فإذا قال " كلما قمت فأنت طالق " فإذا قامت فإنها تطلق فإذا راجعها ثم قامت مرة أخرى فإنها تطلق لأن كلما تفيد التكرار.
قال: [وإن لم أطلقك فأنت طالق ولم ينو وقتاً ولم تقم قرينة بفور (ولم يطلقها) 1 طلقت في آخر حياة أولهما موتاً] إذا قال لامرأته " إن لم أطلقك فأنت طالق " ولم ينو الفور ولم تقم قرينة على الفورية ولم يطلقها، فإنها تطلق في آخر حياة أولهما موتاً، لأن هذه الأداة للتراخي، فكل وقت يمكنه ألا يطلقها فيه، لكن تضايق الأمر بموت أحدهما، فإذا مات أحدهما علمنا الحنث.
قال: [ومتى لم أو إذا لم أو أي وقتٍ لم أطلقك فأنت طالق ومضى زمن يمكن إيقاعه فيه ولم يفعل (طلقت) 2 ] إذا قال لامرأته " متى لم أطلقك فأنت طالق " أو إذا لم أطلقك فأنت طالق " أو " أي وقت لم أطلقك فأنت طالق " فهذه الأدوات تفيد الفورية لاقتران " لم " بها فإذا قال ما تقدم ومضى وقت يمكن إيقاع الطلاق فيه ولم يفعل طلقت.
قال: [وكلما لم أطلقك فأنت طالق ومضى ما يمكن إيقاع ثلاث مرتبة فيه طلقت المدخول بها ثلاثاً وتبين غيرها بالأولى] فإذا قال " كلما لم أطلقك فأنت طالق " ومضى زمن يمكن إيقاع ثلاث طلقات مرتبة فيه فإنها تبين به المدخول بها لأنه يكون بذلك قد وقع عليها الطلاق ثلاثاً، وأما غير المدخول بها فإنها تبين بطلقة ويكون طلاقاً بائناً بطلقة.

قال: [وإن قمت فقعدتِ، أو ثم قعدت أو (إن) 1 قعدت إذا قمت أو إن قعدت إن قمت فأنت طالق لم تطلق حتى تقوم ثم تقعد] إذا علق طلاقه على شرطين مرتبين فلا يقع الطلاق إلا بهذين الشرطين مرتبين، فإذا قال لها " إن قمت فقعدت فأنت طالق " فإذا قامت فقعدت فإنها تطلق، وإذا قال لها " إن قمت ثم قعدتِ فأنت طالق " فإنها تطلق إذا قامت ثم قعدت " لأنه قد شرط شرطين مرتبين فلا تطلق إلا بقعود مسبق بقيام.
وإذا قال لها " إن قعدت إذا قمت " فإنها تطلق إذا قعدت بعد قيام.
وإذا قال لها: " إن قعدت وإن قمت " بمعنى إن قمت فقعدتِ كأنه قال " إن حصل منك قعود بعد قيام فأنت طالق " فهذا الأسلوب يجعل المتأخر متقدماً والمتقدم متأخراً.
قال: [وبالواو تطلق بوجودهما، ولو غير مرتبين] إذا قال " إن قعدت وقمت فأنت طالق " فلا يشترط الترتيب بل يكتفي بالجمع، لأن الواو لا تفيد الترتيب، فإذا قال لها " إن خرجت من الدار وذهبت إلى السوق فأنت طالق " فخرجت من الدار لكنها لم تذهب إلى السوق، فلا يقع الطلاق حتى يجتمع المتعاطفان بالواو.
قال: [وبأو بوجود أحدهما] إذا قال " إن خرجت من الدار إلى السوق أو إلى أهلك فأنت طالق " فخرجت من الدار إلى أهلها أو خرجت من الدار إلى السوق فإنها تطلق بأحدهما لأن " أو " تفيد ذلك، وما تقدم ذكره حيث كان المتلفظ به من أهل اللغة العربية وأما العامة فإنه يحكم عليهم بما تقتضيه ألفاظهم عرفاً.

الدرس الحادي والخمسون بعد الثلاثمائة فصل هذا الفصل في الطلاق المعلق بشرط، فهي تبع للمسألة السابقة، وقد تقدم اختيار شيخ الإسلام من أن الشرط الذي بمعنى اليمين أن فيه الكفارة وأنه لا يقع الطلاق به.
قال: [إن 2 قال: إن حضت فأنت طالقٌ طلقت بأول حيضٍ متيقن]

وذلك لوجود الصفة المشروطة، أما إذا كان حيضاً مشكوكاً فلا، لأن الأصل بقاء عصمة النكاح فهو المتيقن، فالنكاح هو المتيقن فلا يزول بالشك.
قال: [وإن 1 حضت حيضة تطلق بأول الطهر من حيضةٍ كاملة] إذا قال لها " إن حضت حيضة فأنت طالق " فهنا علق الطلاق بحيضة كاملة فإذا حاضت مرة واحدة فإنها تطلق وهذا إنما يكون بأول الطهر، فأول طهرها يتم لها حيضة كاملة، فإن قال لها وهي حائض " إن حضت حيضة كاملة فأنت طالق " فإنها لا تطلق حتى تطهر من حيضها الذي هي فيه، فإذا طهرت منه فحاضت حيضة كاملة فإنها تطلق بأول الطهر.
قال: [وفي 2 إذا حِضتِ نصف حيضةٍ تطلق في نصف عادتها] إذا قال لها " إن حضت نصف حيضة فأنت طالق " فإنها تطلق في نصف عادتها، فإذا كانت عادتها ستة أيام فإذا تم اليوم الثالث فإنها تطلق، وعليه فلا يُعلم نصف العادة حتى يمضي الحيض كله وذلك لأن العادة قد تطول وقد تقصر.
والمشهور في مذهب الإمام أحمد: أن المرأة يقبل قولها في الحيض فإذا قالت " إني قد حضت حيضة " فإن قولها يقبل.
وقال بعض الحنابلة: لا يقبل إلا بيمين لاحتمال كذبها.

وعن الإمام أحمد وهو قول أبي بكر من الحنابلة وصوبه صاحب الإنصاف وهو أرجح الأقوال الثلاثة: أنها تعطى خرقة فتضعها في فرجها - فتعطيها بعض النساء الثقات قطعة أو نحوها فتضعها في فرجها –؛ وذلك لأنه لا يمكن أن يعلم الحيض من غير جهتها فلم يقبل فيه القول المجرد، فالقول المجرد إنما يقبل حيث لا يمكن أن يعلم إلا من جهة الشخص وأما إذا كان يمكن العلم به من غير جهته فإنه لا يقبل قولها وهنا يمكن أن يعلم الحيض الذي ادعته وأنكره الرجل، يمكن أن يعلم من غير جهتها، بخلاف ما لو قال لها: " إن كنت تبغضيني فأنت طالق "، فقالت المرأة: " إني أبغضك " فإنه يقع الطلاق، فهو أمر قلبي ولا يطلع عليه غيرها فإن قولها يصدق لأنه لا يعلم إلا من جهتها.

فصل قال: [إذا علقه بالحمل فولدت لأقل من ستة أشهر طلقت منذ حلف] إذا قال: " إن كنت حاملاً فأنت طالق " فولدت لأقل من ستة أشهر سواء كان الزوج يطأ أو لا يطأ فحينئذٍ يعلم أنها حاملاً لأنها لما ولدت لأقل من ستة أشهر قطعناً أنها حامل حين حلفه، سواء كان يطأها أو لا يطأها وعليه فإنها تطلق.
وإذا ولدت لأقل من أربع سنين وهو لا يطأها فنقطع أنها حامل وهذا هو أكثر مدة الحمل في المذهب وعليه فتطلق، وقد تقدم أن المدة القصوى للحمل غير محددة كما في كتاب الفرائض فحيث أتت به وهي فراشاً لزوجها وهو لا 1 يطؤها ولو كان بعد أكثر من أربع سنين فهو ابنٌ له، وعليه فتكون حاملاً عند قولها ذلك وإن أتت به لأكثر من أربعة سنين.
قال: [وإن قال: إن لم تكوني حاملاً فأنت طالق] إذا قال " إن لم تكوني حاملاً الآن فأنت طالق " وهي عكس المسألة السابقة.
قال: [حرم وطؤها قبل استبرائها بحيضة في البائن]

فهذا الحكم للمسألتين كلتيهما فإنه يحرم عليه الوطء حتى يستبرئها بحيضة، أي حتى تثبت براءة الرحم من الحمل بحيضة واحدة، فإذا حاضت فإنه يعلم أنها ليست بحامل في المسألة الأولى فلا تكون طالقاً، وفي المسألة الثانية يعلم أنها ليست بحامل فتكون طالقاً لكن هذا في البائن فهي التي يحرم وطئها، لكن لو كان طلاقاً رجعياً فله أن يطأ لأن الرجل لا يمنع من وطء امرأته في الطلاق الرجعي.
قال: [وهي عكس الأولى في الأحكام] وهذا ظاهر، فالحالة الأولى إثبات، والمسألة الثانية نفي.
فعكس الأحكام المتقدمة في المسألة الأولى يثبت عكسها في المسألة الثانية فحيث قلنا المسألة الأولى يقع الطلاق فنقول في المسألة الثانية لا يقع الطلاق.
قال: [وإن علق طلقة إن كانت حاملاً بذكر وطلقتين بأنثى فولدتهما طلقت ثلاثاً] إذا قال لامرأته " إن كنت حاملاً بذكر فأنت طالق طلقةً، وإن كنت حاملاً بأنثى فأنت طالق طلقتين " فولدتهما طلقت ثلاثاً لوجود الصيغتين اللتين وقع عليهما الطلقات 1 . ويأتي ما في هذه المسألة من النظر في آخر هذا الدرس.
قال: [وإن كان مكانه: إن كان حملُك أو ما في بطنك لم تطلق بهما] إذا قال لها مكان قوله إن كنت حاملاً قال " إن كان حملك " أو قال " إن كان ما في بطنك " فإنها لا تطلق إن ولدتهما؛ وذلك لأن قوله هنا " حملك " وقوله " ما في بطنك" ظاهره الحصر بأن يكون ذكراً أو أنثى وهو هنا لم يسم ذكراً ولا أنثى، وعليه فلا يقع الطلاق.

فصل قال: [إذا علق طلقةً على الولادة بذكر وطلقتين على الولادة بأنثى فولدت ذكراً ثم أنثى حياً أو ميتاً، طلقت بالأول وبانت بالثاني ولم تطلق به]

في المسألة المتقدمة فيها تعليق الطلاق على الحمل، وأما هنا فهو تعليق له على الولادة، فإذا قال لامرأته " إن ولدت ذكراً فأنت طالق طلقة وإن ولدت أنثى فأنت طالق طلقتين " فولدت ذكراً ثم ولدت أنثى حياً كان المولود أو ميتاً ما دام أنه قد تبين في خلق الإنسان، طلقت الأول منهما سواء كان ذكراً أو أنثى، فإن كان ذكراً فإنها تطلق طلقة، وإن كان أنثى فإنها تطلق طلقتين، فإذا ولدت ذكراً فإنها تكون قد طلقت طلقةً، فلما أتت بالثاني فإنها لا تطلق بالثاني لكنها تبين به، لأنها بالثاني تكون قد وضعت حملها والمرأة إذا وضعت حملها فقد خرجت من عدتها وإذا خرجت من عدتها فهي بائن منه.
قال: [وإن أشكل كيفية وضعهما فواحدة] فإذا أشكل كيفية وضعهما فلا يدري آلذكر سابقٌ أم الأنثى فواحدة، وذلك لأن الأصل بقاء النكاح والطلقة الثانية مشكوك فيها.

فصل قال: [إذا علقه على الطلاق، ثم علقه على القيام، أو علقه على القيام، ثم على وقوع الطلاق فقامت طلقت طلقتين (فيهما) 1 ] إذا قال لامرأته " إن طلقتك فأنت طالق " ثم قال لها " إن قمت فأنت طالق " فقامت طلقت طلقتين، الطلقة الأولى بقيامها والطلقة الثانية بطلاقها، فهو قال " إذا طلقتك فأنت طالق ". وقوله " أو علقه على القيام، ثم على وقوع الطلاق " إذا قال لها إن قمت فأنت طالق " ثم قال " إن وقع عليك الطلاق فأنت طالق " فقامت فإنه يقع لها الطلاق المعلق الأول، وبوقوعه عليها يقع الطلاق الثاني.
قال: [وإن علقه على قيامها ثم على طلاقه لها فقامت فواحدة] هذه بعكس المسألة الأولى، فإذا علقها على قيامها ثم على طلاقها.
والفرق بين المسألة الثالثة والمسألة الأولى: أن المسألة الثالثة هي عكس الأولى.

والفرق بين المسألة الثالثة والمسألة الثانية: أن المسألة الثانية فيها وقوع الطلاق فإنه قال في المسألة الثانية " ثم علقه على وقوع الطلاق "، أما في المسألة الثالثة فإنه قال " ثم علقه على طلاقها ". وفرق بين قوله " إن طلقت فأنت طالق " وبين قوله " إن وقع عليك الطلاق فأنت طالق ". والمسألة الثالثة هي إذا قال لامرأته " إن قمتِ فأنت طالق " ثم قال بعد ذلك " إن طلقتك فأنت طالق " فإذا قامت فلا يقع عليها إلا طلاقاً واحداً، لأن قوله " إن طلقتك فأنت طالق " يقع الطلاق ليس منه إنما بالشرط الذي قد وقع فهو طلاق معلق، بخلاف ما إذا علقه على وقوع الطلاق فإنه متى ما قلنا بوقوع الطلاق فحينئذٍ يحصل الشرط.
قال: [وإن قال: كلما طلقتك أو كلما وقع عليك طلاقي فأنت طالقٌ فوجدا طلقت في الأولى طلقتين وفي الثانية ثلاثاً] إذا قال " كلما طلقتك فأنت طالق " ثم قال لها " أنت طالق " فحينئذٍ يقع الطلقة الأولى وهي قوله " أنت طالق " ويقع الطلاق المعلق، ففي هذه المسألة يكون عليها طلقتان.
لكن لو قال " كلما وقع عليك طلاقي فأنت طالق " ثم قال " أنت طالق " فقوله " أنت طالق " هي الطلقة الأولى وهي طلقة منجزة، ثم على قوله " أنت طالق "، وقد قال " كلما وقع عليك الطلاق فأنت طالق " يكون قد وقع طلاقٌ آخر بقوله " كلما " وطلاق ثالث لأن " كلما " تفيد التكرار وقد قال " كلما وقع عليك طلاقي " ولم يقل " كلما طلقتك " وبينهما فرق.
مسألة: وهي تسمى بالسُريجية؛ نسبة إلى ابن سريج الشافعي، وهي فيما إذا قال الرجل لامرأته " إن وقع عليكِ طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثاً ".

قال ابن سريج الشافعي - وهو قول محدث في الإسلام، كما قال شيخ الإسلام - قال: " لا يقع شيء "، لأن قوله " أنت طالق " مسبوق بثلاث وعليه فهو طلاق منفي وليس بشيء لأنه طلقة رابعة والطلقة الرابعة ليست بشيء، وما دام أنها ليست بشيء فكذلك ما قبلها، وهو قوله " فأنت طالق قبله ثلاثاً " أي كذلك المعلق عليه ليس بشيء، فما دام منفي فلا يمكن أن نثبت ما يترتب عليه، هذا هو قول ابن سريج وهو كما تقدم قول محدث في الإسلام.
وقال الحنابلة: يقع الطلاق ثلاثاً.
فقوله " أنت طالق " يقع طلقة، وقد قال " إن وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثاً " فنختار من هذه الثلاث اثنتين فتكون طالقاً ثلاث.
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية وهو قول ابن عقيل من الحنابلة: أنها لا تطلق إلا واحدة في قوله أنت طالق "، وأما قوله " فأنت طالق قبله ثلاثاً " فعلى القول بصحة طلاق الثلاث، وقد تقدم أن شيخ الإسلام لا يختار هذا القول، وعليه فما نذكره هو دليل ابن عقيل فعلى القول بصحة طلاق الثلاث يكون من الطلاق الماضي والطلاق في المضي لا يقع، فالراجح أنه تقع عليها طلقة واحدة.
وعند قول المؤلف " إذا علق طلقة على الولادة بذكر وطلقتين بأنثى ": إن ولدتهما فإنها تطلق ثلاثاً كما تقدم تقريره وكذلك في الحمل.
وهذا فيه نظر، فإن مراده في الغالب الحمل الواحد والولادة الواحدة، إذ الأصل أن يكون حملاً واحداً وأن تكون الولادة ولادة واحدة، وعليه فيقع على ما نواه، وهو رواية عن الإمام واختار هذا شيخ الإسلام.

فإذا قال الرجل لامرأته " إن كنت حاملاً بذكر فأنت طالق طلقةً، وإن كنت حاملاً بأنثى فأنت طالق طلقتين " فتبين أنها حامل بذكر وأنثى جميعاً فإن هذا ليس مراده بل مراده حيث كان الحمل منفردأ أي منفرداً بالذكورية أو منفرداً بالأنثوية 1 والأمر لم يكن كذلك وهو حمل كلامه على الأصل ونوّعه هنا بالذكورية والأنوثية وعلَّق على هذا التنويع لأن الأصل هو هذا التنويع، وهذا القول هو الراجح في هذه المسألة.

الدرس الثاني والخمسون بعد الثلاثمائة فصل قال: [إذا قال: إذا حلفتُ بطلاقك فأنت طالقٌ، ثم قال: أنت طالق إن قمت طلقت في الحال] تقدم معنى الحلف بالطلاق، وإن معناه أن يعلَّق الطلاق على شيء يريد بذلك الحض أو المنع أو تصديق خبر أو نفيه فهو لا يقصد الطلاق نفسه بل يقصد الحض أو المنع فإذا قال " إذا حلفت بطلاقك فأنت طالق " ثم قال " أنت طالق إن قمت "، فقوله هنا " أنت طالق إن قمت " هذا حلفٌ بالطلاق فتطلق في الحال وذلك لوجود الصفة.
قال: [لا إن علقه بطلوع الشمس ونحوه لأنه شرطٌ لا حلف] إذا قال لها " إذا حلفت بطلاقك فأنت طالق "، ثم قال بعد ذلك " إن طلعت الشمس فأنت طالق " فلا تطلق عليه في الحال وذلك لأن قوله " إن طلعت الشمس فأنت طالق " ليس حلفاً بل هو شرط محض إذ المكلف لا يقصد بمثله الحض أو المنع وهذا ظاهر، وقد تقدم الفرق بين الحلف والشرط وأن عرف الفقهاء على ذلك كما تقدم نقله عن شيخ الإسلام.
قال: [وإن حلفتُ بطلاقك فأنت طالقٌ، أو إن كلمتك فأنت طالقٌ وأعاده مرةً أخرى طلقت مرة]

إذا قال لامرأته " إن حلفت بطلاقك فأنت طالق " ثم قال " إن حلفت بطلاقك فأنت طالق " فإنها تطلق بالجملة الثانية طلقةً واحدة وذلك لوجود الصفة وهي الحلف بالطلاق، وإذا قال لها " إن كلمتك فأنت طالق " ثم قال لها " إن كلمتك فأنت طالق " فإنها تطلق بالجملة الثانية طلقة واحدة، وذلك لأن قوله " إن كلمتك فأنت طالق " كلام وقد علق طلاقها بكلام، وهذا كلام فيقع الطلاق به.
قال: [ومرتين فثنتان وثلاثاً فثلاثٌ] إذا قال لها " إن حلفت بالطلاق فأنت طالق " ثم قال " وإن حلفت بالطلاق فأنت طالق " طلقت واحدة، ثم قال " إن حلفت بالطلاق فأنت طالق " طلقت ثانية، ثم قال " إن حلفت بالطلاق فأنت طالق " طلقت ثالثة، لوجود الصفة المعلق عليها الطلاق في كل مرة.
هذا ما لم يقصد إفهامها أو التأكيد، أما إذا قصد إفهامها والتأكيد فإنه لا يقع إلا في الأولى، فإذا قال لها " إن كلمتك فأنت طالق " ثم قال لها " إن كلمتك فأنت طالق " طلقت واحدة، فإن قال لها ذلك مرة أخرى وقصد إفهامها أو التأكيد فإنها لا يقع عليه طلقة أخرى لأنه لا يقصد الطلاق وإنما يقصد إفهامها قوله أو يقصد التأكيد.

فصل قال: [إذا قال: إن كلمتك فأنت طالق فتحققي أو قال: تنحي أو اسكتي طلقت] فتتحققي: أي تبيني قولي وانتبهي له.
إذا قال لزوجته " إن كلمتك فأنت طالق فتحققي أو اسكتي أو تنحي " فإنها تطلق عليه لأنه قال لها " إن كلمتك فأنت طالق " ثم قال لها " فتحققي " أو " اسكتي " وهذا كلام فالصفة قد وجدت وعليه فالطلاق واقع.

وظاهر كلام المؤلف أن ذلك مطلقاً سواء أراد إفهامها أو أراد الابتداء بالكلام وهذا فيه نظر ظاهر، ولذا اختار ابن القيم التفصيل في هذه المسألة، فإذا قال " إن كلمتك فأنت طالق " ثم قال " اسكتي " وأراد بذلك منعها من الكلام ولم يرد بذلك ابتداء كلام يقع به الطلاق، فإن الطلاق لا يقع، وأما إن كان يريد ابتداء كلام يقع به الطلاق فإن الطلاق يقع، والراجح هو ما ذكره ابن القيم؛ لأن هذا هو مقصود الحالف، فمقصود الحالف أن يتكلم بكلام في مجلس آخر وأما أن يقصد أن ذلك يدخل بمجرد الكلام ولو كان يريد به التأكيد أو الإفهام أو نحو ذلك فلا.
قال: [وإن بدأتك بالكلام فأنت طالق، فقالت: إن بدأتك به فعبدي حر، انحلت يمينه] إذا قال لزوجته " إن بدأتك بكلام فأنت طالق " فقالت له امرأته: " إن بدأتك بالكلام فعبدي حر " فإن يمينه تنحل فلا حنث عليه؛ وذلك لأنها بدأته بالكلام، فإذا تكلم معها بعد ذلك فإنه لا يكون مبتدءاً الكلام.
قال: [ما لم ينو عدم البداءةِ في مجلس آخر] فإذا كان لا يريد ما يقع بينه وبينها من نقاش وجدال أو نحو ذلك في ذلك المجلس بل يريد ما يكون بعد ذلك، فإن كان هذا مراده ومقصوده فإنه يحنث إن بدأها بالكلام وإن قالت هي له ما قالت، لأنه ينوي مجلساً آخر ووقتاً آخر.

والقول الثاني في المسألة وهو احتمالٌ للموفق ابن قدامة، وقال صاحب الإنصاف في هذا القول " وهو قوي جداً " وهو كما قال، هذا القول مبني على أنه يريد بذلك وقتاً آخر،وعليه فلا يحنث إلا أن يبدأها بالكلام في وقت آخر لأن هذا هو مراده، فالرجل إذا قال لامرأته: " إن بدأتك بالكلام فأنت طالق " فإنه لا يريد ما يقع من الكلام في المجلس الذي وقع فيه الحلف بل يريد وقتاً آخر، وعليه فإذا بدأها في وقت آخر بالكلام فإن الطلاق يقع، ولا عبرة بإجابتها إياه في المجلس الذي وقع فيه الحلف؛ لأن الحالف بمثل هذا إنما يريد وقتاً آخر، هذا هو الجاري في العرف وهذا هو الغالب في إرادة المتكلمين.

فصل قال: [إذا قال: إن خرجت بغير إذني أو إلا بإذني أو حتى آذن لك، أو إن خرجت إلى غير الحمام بغير إذني فأنت طالق] هنا قد علق الطلاق بالخروج من البيت بلا إذن، فالوصف الذي علق عليه الطلاق هو الخروج بلا إذن إلا ما استثنى، كأن يقول لها " إن خرجت من الدار إلا لأهلك فأنت طالق " أو قال لها " إن خرجت من الدار فأنت طالق " وأطلق ولم يستثن.
قال: [فخرجت مرة بإذنه ثم خرجت بغير إذنه] أي قالت له مرة " استأذنك بالخروج إلى السوق مثلاً " فقال لها " قد أذنت لك" فخرجت إلى السوق ثم خرجت بغير إذنه خروجاً آخر فإن الطلاق يقع لوجود الصفة.
قال: [أو أذن لها ولم تعلم] أي أخبر أباها أو أمها أو أحد أبنائها أنه أذن لها لكن هذا الإذن لم ينقل إليها فخرجت عاصيةً له فإن الطلاق يقع؛ وذلك لوجود الصفة وهي الخروج بلا إذن، والأذن إنما يكون إذناً حيث أعلم به المأذون له فلا إذن إلا بإعلام، فالإذن في اللغة هو الإعلام ومنه سمي الأذان أذاناً لما فيه من الإعلام، فكونها تخرج بإذن لم تخبر به لأنه لا يكون إذناً حتى تعلم به 1 ، والوجه الثاني في المذهب لا تطلق والأول هو الراجح.
قال: [أو خرجت تريد الحمام وغيره]

فإذا قال لها " إن خرجت بلا إذن فأنت طالق إلا إلى أهلك "، فخرجت إلى أهلها وإلى غيرهم، فإنها تطلق وذلك لوجود الصفة.
قال: [أو عدلت منه إلى غيره] ففي المثال السابق: إن خرجت إلى أهلها لكنها عدلت عن أهلها إلى غيرهم فإن الطلاق يقع؛ لأنه خروج غير مأذون به فوجدت الصفة التي علق الطلاق عليها.
إذن: إذا جمعت بين مأذون به وغير مأذون به فإنها تطلق؛ لوجود خروج غير مأذون به.
قال: [طلقت في الكل] وذلك لوجود الصفة التي علق الطلاق عليها.
قال: [لا إن أذن لها 1 فيه كلما شاءت] إذا قال الرجل لامرأته: " إن خرجت يوماً من الدهر بلا إذني فأنت طالق " فما هو المخرج من ذلك؟ المخرج أن يقول لها: " أذنت لك في الخروج كلما شئت ". قال: [أو قال: إلا بإذن زيدٍ فمات زيدٌ ثم خرجت] إذا قال لها: " لا تخرجي إلا بإذن والدك وإن خرجت بغير إذنه فأنت طالق " فمات والدها فخرجت فلا طلاق، وذلك لأن الميت لا إذن له، ولأن هذا معلوم من حلفه، فإنه إنما أراد حيث كان له إذنٌ وأما الميت فلا إذن له، فكونه يستثنى خروجها بعد موت من شرط إذنه هذا معلوم من حلفه.

الدرس الثالث والخمسون بعد الثلاثمائة فصل قال: [إذا علقه بمشيئتها بإن أو غيرها من الحروف لم تطلق حتى تشاء ولو تراخى] إذا قال لها: " أنت طالق إن شئت أو إذا شئت أو متى شئت " فإنها لا تطلق حتى تشاء أي حتى تشاء بلسانها فتقول: " شئت ذلك:، أما مشيئة القلب فلا عبرة بها؛ وذلك لأن ما في القلب لا يعلق به حكم حتى يُعبَّر عنه باللسان.

" ولو تراخى " فلو قالت بعد يوم أو شهر أو سنة قالت: " شئت " فإنها تطلق عليه، فمتى قالت: " شئت " فإنها تطلق عليه ولو كان ذلك مع التراخي كسائر التعاليق، فكما أنه إذا قال لها: " إذا دخلت الدار فأنت طالق "، فدخلت الدار بعد شهر أو شهرين، فكذلك إذا قال لها: " أنت طالق إن شئت " فإنها تطلق متى قالت: " شئت "، ولو كان ذلك بعد سنة أو سنتين.
وليس له الرجوع كسائر التعاليق، فكما أنه إذا قال لها: " إن دخلت الدار فأنت طالق " فليس له الرجوع، فكذلك: " أنت طالق إن شئت ". وقال الشافعية: بل هو على الفور، وذلك لأنه تمليك للطلاق فأشبه ما لو قال لها: "اختاري " وقد تقدم أنه إذا قال لها: " اختاري " فإن الخيار يثبت لها في المجلس، والراجح هو القول الأول.
والجواب عن القول الثاني، أن الفرق بين هذه المسألة وبين قوله: " اختاري " ظاهر، فإن قوله: " أنت طالق إن شئت " من باب الشروط، وقوله: " اختاري " من باب الخيار، والخيار على الفور، [ولا يصح رجوعه كبقية التعاليق، وعنه يصح كاختاري.] 1 قال: [فإن قالت: قد شئتُ إن شئتَ فشاء لم تطلق] إذا قالت له: " شئتُ إن شئتَ " فهنا شرطت مشيئته وشرط المشيئة ليس بمشيئة فلا تكون طالقاً، فهي لم تقل: " شئت " لكنها علقت مشيئتها بمشيئته فهذا شرط وليس بمشيئة وعليه فلا طلاق.
قال: [وإن قال: إن شئتِ وشاء أبوكِ أو 2 زيد لم يقع حتى يشاءآ معاً، (وإن شاء أحدهما فلا) 3 ] إذا قال لها: " أنت طالق إن شئت وشاء زيد " فشاءت ولم يشأ زيد فلا طلاق لعدم وجود الصفة وهي مشيئتهما جميعاً، أو قال لها: " إن شئتِ وشاء أبوكِ " لم تطلق حتى يشاءا معاً ولو تراخى أحدهما فالمشيئة ثابتة.
قال: [وأنت طالق أو عبدي حرٌ إن شاء الله وقعا]

إذا قال لامرأته: " أنت طالق إن شاء الله " أو قال: " عبدي حر إن شاء الله " فإن زوجته تطلق وعبده يعتق؛ قالوا: لأنه قد علقه على ما لا سبيل إلى علمه وهي مشيئة الله فأشبه تعليقه على المستحيل.
وعن الإمام أحمد وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي: أن الطلاق لا يقع، قالوا: لأنه علقه على صفةٍ لا يعلم وجودها، فهو لا يعلم هل شاء الله عز وجل الطلاق أم لم يشأه.
وفصَّل شيخ الإسلام تفصيلاً حسناً في هذه المسألة فقال: إن كان تعليقاً فلا يقع، وإن كان تحقيقاً أو تأكيداً فإنه يقع، فإذا قال ذلك تعليقاً أي علقه على مشيئة الله المستقلة فلا تطلق عليه؛ لأن الله لا يشاؤه في الواقع وقوعاً حتى يتكلم به هذا المكلف، فلا يقال إن الله شاء الطلاق لفلانة من فلان إلا أن يكون قد وقع وحدث، وعليه فإذا قال لها "أنت طالق إن شاء الله " فلا تطلق حتى يقول لها بعد ذلك: " أنت طالق "، وأما إن كان تحقيقاً أو تأكيداً بمعنى قال: " إن شاء الله" يحقق قوله أي قد وقع قوله وشاءه الله عز وجل فهذا هو التحقيق، أو تأكيداً كأن يقول: " إن شاء الله " مؤكداً للطلاق مثبتاً له.
وهذا تفصيل جيد في المسألة.
أما لو قال: " أنت طالق إلاّ أن يشاء الله " فإنها تطلق؛ وذلك لأن قوله: " أنت طالق إن شاء الله " جملة فيها إثبات الطلاق ووقوعه، وفيها تعليق رفعه على مشيئة الله، فقوله: " إلا أن يشاء الله " تعليق لرفع الطلاق على مشيئة الله، ومشيئة الله ليست بمعلومة.
قال: [وإن دخلت الدار فأنت طالق إن شاء الله طلقت إن دخلت]

إذا قال لها: " إن دخلت الدار فأنت طالق إن شاء الله " فإنها تطلق بذلك، وهذا تفريعٌ على المسألة السابقة، ما لم ينو الاستثناء للفعل وهو دخولها فإنها لا تطلق؛ وذلك لأنها إن دخلت فيُعلم أن الله عز وجل قد شاءه، ويكون هذا التعليق كالتعليق على اليمين، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: (من حلف على يمين فقال إن شاء الله لم يحنث) 1 رواه الترمذي والنسائي وغيرهما وهو حديث صحيح.
فإذن إن قال لها: " إن دخلت الدار فأنت طالق إن شاء الله " إن كانت المشيئة للفعل المحلوف عليه فلا تطلق إن دخلت، لأن دخولها بمشيئة الله المعلق عليها، وكل يمين علقت بمشيئة فلا حنث فيها للحديث المتقدم بخلاف ما إذا كان التعليق للطلاق.
قال: [وأنت طالق لرضا زيدٍ أو لمشيئته طلقت في الحال]

لأن معنى كلامه " أنت طالق لكون زيد رضي ذلك " و " أنت طالق لكون زيد يشاء ذلك " فإنها تطلق في الحال كما تقدم، لأن معنى كلامه " وقد أوقعت عليك الطلاق لأن أمك تشاء ذلك أو لأن أباك يشاء ذلك.
قال: [فإن قال: أردت الشرط، قُبل حكماً] أي أردت " أنت طالق إن رضي زيد " أو " أنت طالق إن شاء زيدٌ " فإنه يقبل في الحكم الظاهر، لأن لفظه يحتمل.
وعن الإمام أحمد وهو أحد الوجهين عند الشافعية: أنه لا يقبل في الحكم، وهو الأرجح؛ لأنه يخالف ظاهر قوله، فإذا قال: " أنت طالق لرضا أبيك " فإنها تطلق لأن ظاهر لفظه " أنت طالق لكون أبيك يرضى ذلك " فإذا ادعى أنه أراد الشرط فإن هذا الادعاء يخالفه الظاهر، والادعاء الذي يخالفه الظاهر لا يقبل في الحكم، وأما كونه يُديَّن فيما بينه وبين ربه فهذا ظاهر.

قال: [وأنت طالقٌ إن رأيت الهلال، فإن نوى 1 رؤيتها لم تطلق حتى تراه، وإلا 2 طلقت بعد الغروب برؤية غيرها] إذا قال لها: " إن رأيت الهلال فأنت طالق " فنقول ما الذي تنويه؟ فإن قال: " نويت أنها طالق إن رأته بعينها " فحينئذٍ لا تطلق إلا إذا عاينته ببصرها، وهنا لفظه يحتمل ذلك، وإن قال: " لم أرد معاينتها بل أريد رؤية الهلال فتطلق بغروب الشمس حيث رأى الهلالَ غيرُها، كما أنها تطلق بتمام الشهر ثلاثين؛ وذلك لأن تمام الشهر ثلاثين في حكم رؤية الهلال شرعاً.

فصل قال: [وإن حلف لا يدخل داراً أو لا يخرج منها فأدخل أو أخرج بعض جسده أو دخل طاق الباب أو لا يلبس ثوباً من غزلها فلبس ثوباً فيه منه أولا يشرب ماء هذا الإناء (فشرب بعضه) 3 لم يحنث] طاق الباب: هو العَطْف الذي يكون للباب.

فلا يحنث في هذه المسائل كلها؛ وذلك لأن فعل البعض ليس كفعل الكل، والحلف إنما هو عن الامتناع عن فعل الكل وليس فعل البعض كفعل الكل، ولذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخرج رأسه وهو معتكف لعائشة فترجله ولم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخرج من معتكفه وليس هذا في حكم الخروج من المعتكف.
لكن لو قال: " أنت طالق إن شربت ماء هذا النهر " فقطعاً لا يريد كله ولا يمكن أن تصرف اليمين إلى ذلك، فإذا شرب بعضه فإنه يحنث؛ لأنه يمتنع إرادة الكل فتصرف يمينه على إرادة البعض.
ومبنى الأيمان على نية الحالف، فلو أنه قال: " أنت طالق إن شربت ماء هذا الإناء " وهو ينوي بعضه، فشرب البعض فإنه يحنث فإن الأيمان مبناها على النية، فالأحكام المتقدمة إنما ينظر فيها باعتبار الألفاظ أما لو نوى خلاف ظاهر لفظه فإن الأيمان مبناها على النية.
قال: [وإن فعل المحلوف عليه ناسياً أو جاهلاً حنث في طلاق وعتاقٍ فقط سوى سائر الأيمان] إذا قال: " إن فعلتُ كذا فامرأتي طالق " أو قال: " إن فعلتِ كذا فأنت طالق " ففعل هو أو فعلت هي نسياناً، أو كان ذلك عن جهل كأن تكون هي لم تعلم باليمين ففعلت ما فعلت، وإذا قال لامرأته: " إن خرجت من الدار فأنت طالق " فنسيت فخرجت، أو قال لأحدٍ من الناس: " إن خرجت امرأتي من الدار فهي طالق " فخرجت من غير أن تعلم بيمينه، أو كان ذلك تقليداً لمفتٍ سواء كان حياً أو ميتاً، فهل يثبت الحنث؟ قال الحنابلة: يثبت الحنث؛ وذلك لأن 1 يمين الطلاق ويمين العتاق فيها حق آدمي ولا فرق فيها بين تعمد ولا خطأ ولا نسيان، [ويعذر عندهم المكره والنائم والمغمى عليه] 2 .

وقال الشافعية وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وممن اختاره من المتأخرين الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: أن الأيمان كلها باقية ولا حنث فيها مع الجهل والنسيان، [وكذا لو عقدها يظن صدقَ نفسه فبان خلاف ذلك أو لقصد الإكرام، قال شيخ الإسلام: "من حلف بالطلاق كاذباً يعلم كذب نفسه لم تطلق " أي لا يلزمه كفارة.] 1 واستدلوا بقوله تعالى ﴿وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم﴾ 2 ، وبقوله تعالى ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ 3 ، وبقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) 4 . قالوا: وهذه أدلة عامة ليس فيها استثناء.
قالوا: ويمين الطلاق ويمين العتاق المُغلَّب فيها حق الآدمي بل المرأة قد يكون أشد شيءٍ عليها ذلك، وهو فراق زوجها.
قالوا: ولأن حقيقة الحنث هو مخالفة اليمين، والمخالفة إنما تكون مع التعمد، وأما مع عدم التعمد، وعدم القصد فإنه ليس ثمت مخالفة، ولأن مقصود الحالف عدم مخالفته، وإذا خولف أو خالف هو نسياناً أو خطأً فإن مقصوده لا ينتقض، فإذا قال لامرأته: " إن خرجت من الدار فذهبتِ إلى السوق فأنت طالق " وهو يريد ألا تخالفه وألا تعصيه فإنها إذا فعلت ذلك نسياناً أو خطأً فإنها لا تعد عاصية ولا مخالفة؛ لأن العصيان إنما يكون مع التعمد.
وهذا هو الراجح في هذه المسألة.
أما إذا فعل ما حلف عليه مكرهاً:

  • فقال الحنابلة: لا يحنث؛ وذلك لأن المكره لا يضاف إليه الفعل، فإذا قال لامرأته: " إن خرجت من الدار فأنت طالق " فأخرجت كرهاً فإنها لا تطلق؛ وذلك لأن المكره لا يضاف إليه الفعل.

وكذلك النائم والمغمى عليه؛ لأن عقليهما قد غطيا بعذر، فإذا فعلت ذلك نائمةً أو مغمى عليها فإن الحنث لا يقع كما هو المشهور في المذهب، [وكذا لو عقدها يظن صدق نفسه أو للإكرام أو كاذباً فلا طلاق ولا كفارة.] 1 قال: [وإن فعل بعضه لم يحنث إلا أن ينويه] إذا قال: " إن دخلتُ الدارَ فزوجتي طالق " فدخل بعض بدنه إلى الدار، أو قال: " إن شربت ماء هذا الإناء فامرأتي طالق " فشرب بعضه فإنها لا تطلق؛ لأن فعل البعض ليس فعلاً للكل إلا أن ينويه، فإذا نوى منع نفسه من هذا الشيء كلية حتى القليل منه، فإن الأيمان مبناها على النية وإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فإن قال: " إن شربت هذا الماء الذي في الإناء فامرأتي طالق " وهو ينوي وقوع الطلاق ولو شرب بعضه، فإن شرب بعضه فإن زوجته تطلق عليه.
قال: [وإن حلف ليفعلنه لم يبرأ إلا بفعله كله] وذلك لأن فعل البعض ليس فعلاً للكل وقد حلف أن يفعله كله، فلا يبرأ حتى يفعله كله.

الدرس الرابع والخمسون بعد الثلاثمائة باب التأويل في الحلف ومن التأويل في الحلف التأويل في حلف الطلاق.
قال: [ومعناه أن يريد بلفظه ما يخالف ظاهره] هذا هو معنى التأويل في الحلف، هو أن يريد بلفظه ما يخالف ظاهره، فظاهر لفظه له معنى وهو يريد معناً آخر يحتمله اللفظ، كما لو قال: " نسائي طوالق " وهو لا يريد زوجاته بل يريد نساءه من عماته أو خالاته أو غيرهن.
والتأويل في الحلف جائزٌ إن كان دفعاً لظلمٍ، ففي سنن أبي داود بإسنادٍ صحيح عن سويد بن حنظلة قال: " خرجنا نريد النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعنا وائل بن حجر فأخذه عدوٌ له فتحرج القوم أن يحلفوا فحلفت أنه أخي فأخبرت بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: (صدقت، المسلم أخو المسلم) (2) ، فظاهر قوله: " أخي" أنها أخوة النسب وهو يريد أخوّة الدين وقد فعله لدفع الظلم.

قال: [فإذا حلف وتأوَّل يمينه نفعه] فلو أن رجلاً أكره على طلاق نسائه فقال: " نسائي طوالق " وهو لا يريد بنسائه زوجاته وإنما يريد بناته فهنا لا يقع الطلاق، فينفعه ذلك.
قال: [إلا أن يكون ظالماً] فيُستثنى من ذلك أن يكون الحالف ظالماً فلو أن رجلاً قال له القاضي: " احلف " فقال: " نسائي طوالق إن كان هذا الشيء ليس لي "، وهو كاذب، فهنا هو ظالمٌ وتأول في الحلف، فهنا يكون عليه الحنث ولا ينفعه هذا التأويل؛ لما ثبت في صحيح مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (اليمين على نية المستحلف) (1) ، ولأننا إذا أجزنا ذلك فإنه يكون ذريعة إلى جحد الحق وإبطاله ودمغه، ولا شك أن ما كان ذريعة إلى ذلك، فهو محرم؛ لأن الذرائع لها حكم الأحكام التي تكون ذريعةً إليها.
وظاهر كلام المؤلف أنه إذا لم يكن ظالماً ولا مظلوماً فإن ذلك جائزٌ، فإنه لم يستثن إلا أن يكون ظالماً، وعليه فالأحوال ثلاثة: أن يتأول يمينه وهو ظالم فلا ينفعه هذا كما تقدم.
أن يتأول يمينه وهو مظلوم فينفعه ذلك.
ألا يكون ظالماً ولا مظلوماً فينفعه ذلك أيضاً في المشهور من المذهب.
والقول الثاني في المسألة وهو ظاهر كلام الإمام أحمد كما ذكر ذلك شيخ الإسلام: المنع من ذلك، وأن ذلك لا ينفعه، وهو الراجح؛ لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: (اليمين على نية المستحلف) وهذا عام لا يستثنى منه إلا أن يكون الحالف مظلوماً.
قال: [فإن حلَّفه ظالمٌ ما لزيدٍ عندك شيء وله عنده وديعةٌ بمكانٍ، فنوى غيره] فلو أن ظالماً أراد أخذ مال زيدٍ فقال: " ما لزيدٍ عندك 1 شيء "، وله وديعة عنده فحقيقة الأمر أن له وديعة عنده فقال " ما لزيدٍ عندي شيء " ونوى غير المكان الذي هما فيه، أي ما لزيدٍ عندي في البيت وله عنده في الدكان.
قال: [أو بما الذي]

أي نوى أن " ما " بمعنى " الذي "، " ما لزيدٍ عندي شيءٌ " أي الذي لزيدٍ عندي شيءٌ، وهذا يصح.
قال: [أو حلف ما زيدٌ هاهنا ونوى غير مكانه] قيل له: " هل زيد في البيت " فقال: " ما زيدٌ هاهنا " ونوى مكاناً آخر بأن يشير بيده إلى موضع آخر فيقول: " ما زيد هاهنا "، وهذا تأويل سائغ.
قال: [أو حلف على امرأته لا سرقت مني شيئاً فخانته في وديعةٍ ولم ينوها لم يحنث في الكل] فإذا قال لامرأته: " إن سرقت مني شيئاً فأنت طالق " فخانته المرأة في وديعة عنده ولم ينوِ دخول الخيانة في قوله، لم يحنث؛ وذلك لأن الخيانة ليست بسرقة؛ لأن السرقة إنما تكون من حِرْزٍ وهذه ليست كذلك، أي في حق المودع عنده.
لكن لو نوى بقوله " إن سرقت مني شيئاً فأنت طالقٌ " نوى دخول الخيانة أو كان سبب تهييجها للحلف هو ذلك، أي خشي أن تخونه فحلف على ذلك، فإنه حينئذٍ يحنث في يمينه، لأن هذا السبب الواقع منه قرينة لإرادته دخول الخيانة.

باب الشك في الطلاق قال: [من شك في طلاقٍ أو شرطه لم يلزمه] شك لا يدري هل طلق امرأته أم لا، أو شك في شرطه أي هل وقع الشرط أم لم يقع، إذا قال لامرأته: " إن دخلت الدار فأنت طالق " ثم شك لا يدري أدخلت المرأة الدار أم لم تدخلها، لم يلزمه؛ لأن هذا شك، والشك لا يزول به اليقين، فاليقين بقاء عصمة النكاح فلم يزل بهذا الشك الطارئ عليه.
وقال الموفق رحمه الله: " الأولى له إيقاع الطلاق تورعاً " ا. هـ، وفيما ذكره نظر، قال ابن القيم: " الأولى إبقاء عصمة النكاح، ويكره أو يحرم العمل بالشك فإن الطلاق بغيض إلى الرحمن حبيب إلى الشيطان " ا. هـ فمثل هذا لا يقال أن التورع إيقاعه، فالصحيح ما ذكره ابن القيم، [فإن قال كلمة فشك هل هي طلاق أم ظهار لم يلزمه شيء قالوا والأحوط كفارة الظهار ليبرأ بيقين.] 1 قال: [وإن شك في عدده فطلقةٌ]

فصول الكتاب · 11 فصل · 298 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للحمد · 298 صفحة
المقدمة
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب المناسك
كتاب الجهاد
كتاب الوصايا
كتاب الوصايا
كتاب الفرائض
كتاب الطلاق
كتاب الحدود
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل