أي غير حركة قصيرة لا تدل على الحياة أو اختلاج وهو أنه ينهضم لحمه لخروجه من مكان ضيق فإذا تحرك لحمه بسبب تضامه عند خروجه من المكان الضيق فهذا الاختلاج لا يحكم له بالحياة المستقرة معه.
هذا أحد الشرطين في إرث الحمل وهو أن يخرج حيا حياة مستقرة فإذا مات في بطنها فلا إرث.
وعليه فلا يرثه ورثته.
والشرط الثاني أن يتحقق من وجوده ولونطفة حين موت مورثه، فإن كانت المرأة فراشا بغير المورث فإن أتت به بعد موت المورث بأقل من ستة أشهر فنحكم حينئذ له لأن أقل الحمل ستة أشهر ولا يمكن أن تحمل بعده وتأتي به لأقل من ستة أشهر وأما إن كانت ليست فراشا لغيره أي لم تتزوج بعد موت المورث.
مثاله: إذا أتت به ولو بعد أربع سنين فإذ كان أكثر فلا يحكم له به.
قالوا: لأن أكثر الحمل أربع سنوات ودليل ذلك الواقع.
وقيل:أكثره سنتان.
وقيل: أكثره خمس سنوات.
الترجيح في أكثر الحمل:
والراجح ماذهب إليه أبو عبيد القاسم بن سلام أنه لا تحديد له، وكونه يوجد أربع سنوات لا يمنع أن يوجد خمس أو ست أو نحو ذلك.
فمن أتت بعد موت المورث ولو بعد سنوات طويلة فإنه ينسب له إن لم تكن فراشا.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى:] وإن ظهر بعضه فاستهل ثم مات وخرج لم يرث [
إذا خرج بعض الجنين واستهل صارخا ولم يخرج باقيه بعد ثم مات فإنه لايرث لأنه لم يخرج كاملا ولم تستقر حياته مع خروجه خروجا تاما هذا هو المشهور في مذهب أحمد والشافعي.
وعن أحمد أنه يرث.
والمشهور في المذهب هو الأول.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى:] وإن جهل المستهل من التوأمين واختلف إرثهما يعين بقرعة [
إذا ولدت توأمين أحدهما ميت والآخر حي، ذكر وأنثى، والآخر الذي خرج حيا استهل ثم مات ولايدرى أهو الذكر أم الأنثى فحينئذ نحكم بالقرعة لأنه مرجح لأحدهما على الآخر.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى:] والخنثى المشكل [
تعريفه: من لم تتضح ذكورته ولا أنوثته.
وهناك قسم وهو الخنثى غير المشكل وهو من كان له آلة ذكر وآلة أنثى وعلم أهو ذكر أم أنثى إما ببوله من أحد الآلتين أو عند بلوغه بالحيض أو بظهور الثديين أو خروج المني أو اللحية فحينئذ يعرف أنه ذكر أو أنثى.
فإذا طالب الورثة بالقسمة قبل أن يتضح أذكر هو أم أنثى فما الحكم؟
يحتمل أن يكون ذكرا ويحتمل أن يكون أنثى.
فنضع مسألتين؛ مسألة على أنه ذكر ومسألة على أنه أنثى.
ويعطى كل الورثة وهو من بينهم يعطيهم الأضر أي الأنقص وبحبس الباقي فإن ثبت ذكرا أعطي الباقي وإلا أرجع إلى مستحقيه كما تقدم في المسألة السابقة.
أما إذا كان الخنثى مشكلا أي بلغ ولم يتبين أذكر هو أم أنثى وهذا لا شك أنه في غاية الندرة وذلك لأن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان ذكر أو أنثى وليس هناك قسمة أخرى ولابد وأن يتضح الحال.
فحينئذ إن كان لايرث إلا على أنه ذكر فيعطى نصف ميراث الذكر، وإن كان لا يرث إلا على أنه أنثى فيعطى نصف ميراث الأنثى، وإن كان يرث ذكرا وأنثى فإنه يعطى نصف إرث الذكر مع نصف إرث الأنثى.
باب_ ميراث المفقود
المفقود: من جهل حاله فلا يدرى أحي هو أم ميت.
وقد يكون المفقود وارثا وقد يكون مورثا.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى:] من خفي خبره بأسر أو سفر غالبه السلامة كتجارة انتُظر به تمام تسعين سنة منذ ولد [
فإذا كان سفره الغالب فيه السلام كأن يسافر لتجارة فإنه ينتظر به تمام تسعين سنة منذ ولد.
فإذا فقد وعمره سبعون سنة انتظر به عشرون وهكذا.
التعليل:
قالوا: لأنه في الغالب لايصل الحي إلى هذا العمر وهو تسعون.
فإن فقد وهو ابن تسعين قالوا: يرجع إلى الحاكم فيحدد مدة
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى:] وإن كان غالبه الهلاك كمن غرق في مركب فسلم قوم دون قوم أو فقد من بين أهله أو في مفازة مهلكة انتظر به تمام أربع سنين منذ فقد [
فإن كان سفره الغالب فيه الهلاك كأن يكون في مركب فيغرق هذا المركب وينجو قوم ويهلك آخرون ولا يدري هل هو ناج أم هالك، أو يفقد في مفازة مهلكة فإنه ينتظر به تمام أربع سنين منذ فقد هذا هو المشهور في المذهب في المسألتين.
القول الآخر:
والصحيح عند الشافعية وهو رواية عن الإمام أحمد أن مرجع هذا إلى الحاكم فيحدد الحاكم مدة يظن ظنا غالبا بعدها أنه في عداد الهلكى.
الترجيح:
وهذا الآخر هو القول الراجح.
وهذا يختلف باختلاف الأزمنة.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى:] ثم يقسم ماله فيهما [
أي يقسم في المسألتين كلتيهما: ما إذا كان سفره الغالب فيه السلامة أو كان الغالب فيه الهلاك.
فإذا مضت المدة المحددة فإنه يحكم بموته فيرثه وارثه حينئذ، أما من مات قبل انتهاء المدة فلا يرث.أي من مات بعد فقده وقبل الحكم بموته فلا يرث وذلك لأنا لم نتحقق من وفاته إلا حينئذ وهذا باتفاق العلماء.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى:] فإن مات مورثه في مدة التربص أخذ كل وارث إذن اليقين ووقف ما بقي [
إذا كان المفقود وارثا كأن يموت أب وابن مفقود وكان موت الأب في مدة التربص فحينئذ يأخذ كل وارث اليقين فيجعل له مسألتان مسألة على تقدير حياته وأخرى على مماته ثم يعطى كل وارث اليقين من إرثه فإن كان هذا الوارث إرثه لا يختلف فإنه يأخذه، وإن كان يختلف فإنه يأخذ الأقل، وإن كان في أحد التقديرين يرث وفي الآخر لا يرث فلا شيء ثم يوقف الباقي
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى:] فإن قدم أخذ نصيبه [
فإذا جاء هذا المفقود فإنه يأخذ نصيبه من الإرث.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى:] وإن لم يأت فحكمه حكم ماله [
فإذا لم يأت فحكم هذا المال حكم ماله الآخر.
ولا يحكم عليه بالموت إلا بعد انتهاء المدة.
مثال:
هذا الابن المفقود له زوجة ونحن قسمنا ميراث الأب وادخرنا لهذا الابن نصيبه ثم مضت المدة ولم يأت فحكمنا عليه بالموت فيكون وارثا من أبيه لأنا لم نتحقق وفاته قبل وفاة والده فلم نحكم عليه بالموت إلا بعد انتهاء المدة فيكون لهذا المال حكم باقي ماله يُقضى به دينه ويرثه ورثته.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى:] ولباقي الورثة أن يصطلحوا على ما زاد عن حق المفقود فيقتسموه [
إذا بقي شيء زائد عن حق المفقود كأن تتبقى ثلاثة سهام فإذا اصطلح عليها بقية الورثة فهذا جائز لأن هذا حقهم فكان لهم أن يصطلحوا عليه.
وطريقة العمل في طريقة مسألة المفقود:
أن نعمل له مسألتين واحدة باعتبار حياته والأخرى باعتبار مماته ثم ننظر بين مصحح المسألتين بالنسب الأربع فما خرج من النظر فهو الجامعة نقسمها على كل مسألة ونضع ناتج القسمة كجزء سهم على المقسوم عليها ثم نضرب الذي بيد كل وارث من كل مسألة فيما فوق مسألته، أي في جزء سهمها، نعرف من ذلك الأخير له فنضعه أمامه تحت الجامعة ونوقف الباقي بعد ذلك للمفقود.
مثاله: هالك عن أم وأخت شقيقة وأخ لأب وشقيق مفقود.
18 6/3 6×3=18/1
3 1 (3 أم
3 3 5 5×3=15 شقيقة
× 10
شقيق مفقود
2 2 × أخ لأب
10موقوف موت حياة (حال المفقود)
مثال آخر:
هلك عن زوج وأخوين لأم وأخت شقيقة وأخ شقيق مفقود وأخ لأب.
72
6/8/9
6×3=18/4
27 3 (9 زوج
18 2 (6 أخوين لأم
4 3 1 (3 أخت ش.
× 2
أخ ش. مفقود
× أخ لأب (23) موقوف موت حياة (حال المفقود)
ولباقي الورثة أن يصطلحوا على القدر الزائد عن حق المفقود.
باب ـ ميراث أهل الملل ـ
الملل: جمع ملة وهي الدين والنحلة.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى:] لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم إلا بالولاء [
هذه العبارة فيها مسألتان:
المسألة الأولى: أن المسلم لا يرث الكافر والكافر لا يرث المسلم.
الدليل:
ويدل عليه ما ثبت في الصحيحين أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: “ لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم “ فإذا مات عن ابن يهودي ومسلم ونحو ذلك فإن لايرث والده.
المسألة الثانية: قوله] إلا بالولاء [
هذا هو المشهور من مذهب الحنابلة وهو أن المسلم يرث عتيقه الكافر.
مثال:
لو أن رجلا مسلما له غلام نصراني فأعتقه فمات هذا الغلام بعد ذلك وله مال فإن سيده يرث بالولاء مع اختلاف الدين.
الدليل:
ما روى الدارقطني أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: “ لا يرث المسلم النصراني إلا أن يكون عبده أو أمته “
القول الثاني:
والقول الثاني في المسألة وهو رواية عن الإمام أحمد أن المسلم لا يرث الكافر بالولاء لعموم الحديث المتقدم “ لايرث المسلم الكافر ولا المسلم الكافر “ فالحديث عام ويدخل فيه الولاء.
الترجيح:
والقول الثاني هو الراجح في هذه المسألة وهو أن المسلم لا يرث الكافر بالولاء.
وأما الحديث الذي استدل به الحنابلة في المشهور عندهم فهو حديث ضعيف.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى:] ويتوارث الحربي والذمي والمستأمن [
النصراني المستأمن يرث من قريبه النصراني الحربي وذلك لاتفاق الدين، ولا يؤثر كونه ذميا أو حربيا أو مستأمنا فمادام الدين متفقا فالتوارث ثابت
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى:] وأهل الذمة يرث بعضهم بعضا مع اتفاق أديانهم لا مع اختلافها وهم ملل شتى [
أهل الذمة من اليهود والنصارى يرث بعضهم بعضا مع اتفاق دينهم فاليهودي يرث اليهودي والنصراني يرث النصراني لامع اختلاف الأديان فلايرث اليهودي النصراني ولا النصراني اليهودي وهم ملل شتى أي أديان مختلفة، فلايرث اليهودي من النصراني.
الدليل:
ما ثبت في سنن أبي داود بإسناد حسن أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:” لا توارث بين ملتين شتى “
القول الثاني:
والجمهور على خلاف هذا القول.
دليل الجمهور:
لحديث “ لايرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم “
قالوا: فدل أن المسلم يرث المسلم والكافر يرث الكافر وإن اختلفت أديانهم.
الترجيح:
والقول الأول هو الراجح لأن حديثه خاص دليل الجمهور عام.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى:] والمرتد لا يرث أحدا [
فتارك الصلاة مثلا هو مرتد فلا يرث أحدا فلا يرث من والده المسلم ولايرث من والده الكافر.
الدليل:
وذلك لأنه غير مقر على ماهو عليه.
لذا فإنه يقتل لحديث من دينه:” من بدّل دينه فاقتلوه “
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى:] وإن مات على ردته فماله فيء [
إذا مات المرتد على ردته، كأن يموت وهو لايصلي أو نحو ذلك، فإن ماله يكون فيئا لبيت مال المسلمين فلا يرثه أقاربه للحديث المتقدم “ لايرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم“
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (وهو رواية عن الإمام أحمد، بل يرثه أقاربه من المسلمين)
الترجيح:
وهذا القول مرجوح لما تقدم من قوله “ لايرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم “ والمرتد كافر.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى:] ويرث المجوس بقرابتين [
مثال:
نكح مجوسي ابنته فولدت له ولدا ـ والمجوس يجيزون ذلك ـ فماتت هذه البنت: (فيرث منها هذا الابن بقرابتين: الأولى على أنها أمه.
والثانية على أنها أخته لأنها ابنة أبيه.
فيأخذ الثلث ويأخذ النصف مع توفر شروط ذلك.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى:] إن أسلموا أو تحاكموا إلينا قبل إسلامهم [ قال تعالى: [وأن احكم بينهم بما أنزل ولا تتبع أهواءهم]
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى:] وكذا حكم المسلم يطأ ذات رحم محرّم منه بشبهة [ فكذلك المسلم امرأة من محارمه بشبهة فنتج ولد تكون هذه المرأة أما له وأخت ـ أو نحو ذلك ـ فإنه يرث بالقرابتين.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى:] ولا إرث بنكاح ذات رحم محرّم [
في المسألتين السابقتين إرث بالقرابة.
أما هنا فهو إرث بالنكاح.
فلو تزوج رجل امرأة هي ابنته فهل ترث منه بالزوجية أم ترث منه على أنها ابنة له فقط.
الجواب:
أنها ترث على أنها ابنة له فقط.
فلا ترث على أنها زوجة.
لأن هذا النكاح غير مقرّ عليه.
فترث على أنها بنت فقط.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى:] ولا بعقد لا يُقرّ عليه لو أسلم [
مثال:
مات مجوسي عن امرأة نكحها بعد أن طلقها ثلاثا فهل نورثها منه أم لا؟
الجواب:
لا.
لأنا لانقر هذا النكاح لقوله تعالى: [وأن احكم بينهم بما أنزل الله] والحكم الذي أنزله الله يمنع من ذلك.
فالعقد الذي لا يقر عليه لو أسلم لا يثبت به التوارث.
ـ باب: ميراث المطلقة ـ
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى:] من أبان زوجته في صحته أو مرض غير المخوف ومات به أو المخوف ولم يمت به لم يتوارثا [
من طلق زوجته في صحته طلاقا بائنا أو طلقها في مرضه غير المخوف ومات به أو المخوف ولم يمت به لم يتوارثا قولا واحدا.
الدليل:
لأن هذه المطلقة ليست زوجة له، وليس متهما في هذه الأحوال بقصد حرمانها من الإرث.
فعليه لاترث وإن كانت في عدتها.
لأن البائن ليست بزوجة.
وروى الشافعي عن ابن الزبير أنه قال: (لا ترث المبتوتة)
وهذا باتفاق أهل العلم.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى:] بل في طلاق رجعي لم تنقض عدتها [
إذا طلق امرأته طلاقا رجعيا ومات في أثناء عدتها فإنها ترث لأنها زوجة.
أما إذا مات وقد انقضت عدتها فإنها لاترث لأنها ليست بزوجة.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى:] أو أبانها في مرض موته المخوف متهما بقصد حرمانها [
إذا طلقها طلاقا بائنا في مرض موته المخوف وهو متهم بقصد حرمانها من الإرث فهي لم تسأله الطلاق بل هو ابتدءها بالطلاق وليس من علة تقتضي طلاقها فحينئذ ترث منه معاقبة له بنقيض قصده.
ولذا ثبت في البيهقي أن عبد الرحمن بن عوف ـ رضي الله عنه ـ طلق امرأته ألبتة، فروثها منها عثمان ـ رضي الله عنه ـ بعد انقضاء عدتها.
وإسناده صحيح.
لكن لو سألته الطلاق فإنه حينئذ تزول التهمة فلا ترث.
لكن إن أضر بها حتى سألته فإن يكون متهما.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى:] أو علق إبانتها في صحته على مرضه [
أي قال: (أنت طلاقا بائنا إن مرضت مرضا مخوفا أو مرضت مرض الموت) قال ذلك وهو في صحته.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى:] أو على فعل له ففعله في مرضه [
إذا علق إبانتها على فعل له كأن يقول: (إن دخلت هذه الدار فأنت طالق) قال ذلك في صحته.
فلما مرض مرضه المخوف دخلت هذه الدار التي علق طلاقها على دخولها.
وقد قال المؤلف] على فعل له [ولم يقل على فعل لها، لأنه حينئذ لا يكون متهما كأن يقول: (إذا ذهبت إلى دار فلان فأنت طالق) فإن فعلت فإنه لايكون متهما بقصد رحمانها.
لكن إن كان الأمر لابد لها منه ولا يمكنها أن تمتنع منه كالسوق فحينئذ يقع ما تقدم.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى:] ونحوه [
كأن يطأ ابنتها أي ابنتها من غيره فحينئذ تحرم عليه
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى:] لم يرثها وترثه [
فهو لايرثها لأنه قد فصل عقد نكاحها فقد فارقها، وأما هي فترثه وذلك للتهمة فهو متهم بقصد حرمانها.
والمقصود: أنه متى ما طلقها في موضع هو متهم بقصد حرمانها فإنها ترث وهو لايرثها.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى:] وترثه في العدة وبعدها [ فإذا طلقها طلاقا بائنا في مرضه المخوف على وجه التهمة فمات وهي قد انقضت عدتها فإنها ترث منه كما تقدم في أثر عثمان ـ رضي الله عنه ـ السابق.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى:] ما لم تتزوج [
فإذا تزوجت فإنها لاترث منه هذا هو مذهب الحنابلة.
قالوا: لأنه لايمكن أن نورثها من زوجين.
لكن: هذا تعليل ضعيف،فإن المرأة قد ترث من زوجين.
كما لو مات عنها زوجها فورثت منه ثم تزوجت آخر فمات فورثت منه.
فليس الزوجان هنا في عقد واحد وإنما تمنع أن ترث من زوجين لأنه لا يمكن أن يكون لها زوجان.
القول الثاني:
وذهب المالكية: بل ترث منه وإن تزوجت لأنه حق لها قصد حرمانها منه فلم يسقط بزواجها.
الترجيح:
وهذا القول هو الراجح.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى:] أو ترتدّ [
فإذا ارتدت فإنها لاترث وقد تقدم الكلام على إرث المرتد في مسألة سابقة.
ولكن إن كان ارتدادها بعد موته ثم رجعت إلى الإسلام فالذي يتبين أنها ترث منه لأنها لما مات كانت مستحقة للإرث لكن لو مات وهي مرتدة فلا ترث وإن أسلمت بعد ذلك لأن المرتد لايرث أصلا كما تقدم في مسألة سابقة.
وقد تقدم اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أن ورثة المرتد يرثونه.
وحجته في ذلك: أن هو المعروف عن الصحابة.
ولم أقف على آثار عن الصحابة تدل على ذلك وأنهم كانوا يورثون قرابة المرتد المسلمين.
أما إن ثبت عن الصحابة آثار في هذه المسألة فإنه يقال بها.
فإن الآثار حجة حيث لم تعارض.
أما إذا لم يثبت أثر بسند صحيح فقد تقدم القول الراجح في هذه المسألة لعموم قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: “ لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم”
باب ـ الإقرار بمشارك في الميراث ـ
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى:] إذا اقرّ كل الورثة ولو أنه واحد بوارث للميت وصدّق أو كان صغيرا أو مجنونا والمقربة مجهول النسب ثبت نسبه وإرثه [
إذا أقر الورثة كلهم وهم مكلفون بأن هذا وارث معهم وأنه ابن لمورثهم أو أخ أو نحو وذلك وصدق هذا المقر به ولم ينكر فإن النسب يثبت ويتفرع على هذا ثبوت الإرث لأن الورثة يقومون مقام مورثهم وهنا قد أثبتوا نسبه فيتفرع على هذا ثبوت إرثه.
كذلك إذا كان المقر به صغيرا أو مجنونا وهو مجهول النسب فيثبت النسب لمصلحته ويتفرع على هذا ثبوت الإرث.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى:] وإن أقر أحد ابنيه بأخ مثله فله ثلث ما بيده [
إذا أقر بعض الورثة ولم يقر الباقون ولم يكن هناك بينة تدل على ثبوت النسب فالنسب حينئذ لايثبت لأن هؤلاء الورثة الذين يقومون مقام مورثهم لم يتفقوا على ذلك بل بعضهم أقر به والآخرلم يقر.لكنه يرث بعض الإرث.
مثال:
مات وله ابنان: (فلكل واحد منهما النصف.
فأقر أحدهما بأخ له فأصبحوا ثلاثة بإقراره، فيعطى الابن ثلث نصيب الابن المقر به.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى:] وإن أقرّ بأخت فلها خمسه [
مثال:
مات عن ابنين فأقر أحدهما بأخت لو ثبتت لثبت لها النسب لكانت المسألة من عشرة.
لهذا أربعة من عشرة وللثاني أربعة من عشرة وللنبت اثنان من عشرة.
فنعطى المنكر أربعة من عشرة والمقِر به أربعة من عشرة ونعطي المقَر به واحد من عشرة وهو خمس ما يستحقه الابن.
باب ـ ميراث القاتل والمبَعّض والولاء ـ
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى:] من انفرد بقتل مورثه أوشارك فيه مباشرة أو سببا بلا حق لم يرثه قود أو دية أو كفارة والمكلف وغير سواء.
[
فالقاتل سواء كان قتل عمد أو قتل خطأ وسواء كان مكلفا أو غير مكلف سواء كان مباشرا أو متسببا لا يرث من مقتوله لقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ – فيما رواه أبو داود ومالك في موطئه والحديث حسن “ليس للقاتل شيء “ والحديث عام في قاتل العمد وقاتل الخطأ.
وقاتل العمد منعه من الإرث ظاهر وأما قاتل الخطأ فلأن التوريث معه ذريعة إلى سفك الدماء.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى:] إن قتل بحق قودا [ أي قصاصا كأن يقتل رجل ابنه فيختار القصاص أو أن يكون هو الذي يباشر القصاص.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى:] أو حدا [ كالزاني فإنه يقتل بالجم حدا.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى:] أو كفرا [
كالمسلم يقتل عبده أو أمته النصرانية على القول بالتوريث وهو المذهب.
وأما إذا كان القتل كفرا سوى المسألة المتقدمة المختلف فيها فإن له حكم المرتد وقد تقدم الكلام في ميراث المرتد.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى:] أو ببغي [
كمن يبغي على الإمام العادل.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى:] أو صيالة [
أي صال عليه فقتله.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى:] أو حرابة أو شهادة وارثه [
أي شهد على مورثه بما يقتضي قتله كأن يشهد عليه أنه زنا فيقتل.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى:] أو قتل العادل الباغي وعكسه ورثه [
يرث في هذه المسائل كلها لأنه قتل بحق فهو فعل مأذون له فيه فلم يمنع معه من الإرث.
ولأن عدم التوريث معه ذريعة لترك الكثير من الأحكام الواجبة من إقامة الحدود ومن الجهاد في سبيل الله في قتل البغاة أو إدلاء المسلم بشهادة الحق.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى:] فلا يرث الرقيق ولا يورث [
فهو إجماعا لايرث لأنه لا يملك فماله لسيده فإذا ورث فقد أعطينا الأجنبي المال.
ولا يورث لأنه لا مال له بل لسيده.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى:] ويرث مَن بعضه حرّ ويورث ويحجب بقدر ما فيه من الحرية [
المبعّض: وهو من كان بعضه حرا وبعضه عبدا.
فإنه يرثه وذلك لأنه يملك بجزئه الحرّ فلما كان ممكنا تمليكه لم يمنع من الإرث.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى:] ومن أعتق عبدا فله عليه والولاء [
فمن أعتق عبدا فله عليه الولاء وله أيضا على أولاده وأولاد أولاده الولاء من بعده.
الدليل:
لقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: “ إنما الولاء لمن أعتق “ متفق عليه.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى:] وإن اختلف دينهما [
هذا على القول الراجح المتقدم وهو المذهب وأن الإرث بالولاء يثبت مع اختلاف الدين والصحيح خلافه.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى:] ولا يرث النساء بالولاء [
فالنساء لا يرثن بالولاء.
وإنما الذي يرث بالولاء هو المعتِق وعصبته المتعصبون بأنفسهم.
والنساء لسن من العصبة بالنفس.
قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى:] إلا من أعتقن أو أعتقه من أعتقن [
فالمرأة لا ترث بالولاء إلا من أعتقت أو من أعتق من أعتقت، وهي ترث بالولاء عتيقها.
ومن أعتق عتيقها أي أعتقت عبدا ثم ملك عبدا فأعتقه فإنها ترثه.
الدليل:
ودليل هذه المسألة ما روى البيهقي بإسناد لابأس به أن علي بن أبي طلب وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت ـ رضي الله عنهم ـ كانوا يجعلون الولاء للكُبْر من العصبة ـ أي للأكبر ـ ولا يورثون النساء من الولاء إلا من أعتقن أو من أعتق من أعتقن.
فالمرأة ترث عتيقها وترث عتيقه.
فأما إذا أعتق أبوها أو أخوها عبدا فليس لها من الولاء شيء، لكن إذا أعتقت فإن الولاء لها.
وفي الحديث: “ واشترطي لهم الولاء.
فإنما الولاء لمن أعتق “ فظاهره أن الولاء لعاتقه
كذلك إذا أعتقت وأصبح هذا العبد حرا بسبب إعتاقها ثم اشترى هذا عبدا فأعتقه فلها الولاء لأنها هي الأصل في هذه النعمة التي صارت لهذا المعتق الجديد.
تم بحمد الله
الدرس السابع عشر بعد الثلاثمائة كتاب العتق
العتق لغةً: الخلوص
وفي الشرع هو: تحرير الرقبة وتخليصها من الرق.
وقد دل على العتق الكتاب والسنة وإجماع الأمة.
أما الكتاب فكقوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة مؤمنة﴾ وكقوله: ﴿فك رقبة﴾ .
وأما السنة ما في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منه عضواً من النار حتى فرجه بفرجه) .
وفي رواية (استنقذ الله) فدل على أن هذا المحرر المعتق مستحق للعقوبة فيستنقذ الله عز وجل أعضاءه المستحقة للعقوبة بهذا المعتَق.
وقد أجمع أهل العلم على ثبوته ومشروعيته.
قال المؤلف: [وهو من أفضل القرب] .
للحديث المتقدم، وقد جعله الله كفارة للقتل وكفارة للجماع في نهار رمضان وكفارة للأيمان، فدل على فضيلته وأنه من أفضل القرب.
وأفضل الرقاب أغلاها ثمناً وأنفسها عند أهلها، ففي الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: سُئل أي الرقاب أفضل؟ فقال: (أغلاها ثمناً وأنفسها عند أهلها) .
وعتق الذكر في الأصل أفضل من عتق الأنثى، يدل عليه ما ثبت في الترمذي والحديث صحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (وأيما امرئٍ مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاكه من النار)
وقد تقدم أن الفكاك من النار يحصل بعتق رقبة مؤمنة فدل على أن عتق الذكر أفضل من عتق الأنثى، فإنه إذا اعتق رقبة واحدة مساوية له في الذكورية أو الأنوثية كانت فكاكه من النار.
والذكر إن أعتق أنثيين كانتا فكاكه من النار.
قال: [ويستحب عتق من له كسب، وعكسه بعكسه]
أي إنما يستحب عتق من له كسب، فهو قادر على التكسب والعمل وأما إن كان بخلاف ذلك فلا يستحب عتقه.
وإن كان غير قادر على التكسب والعمل فلا يستحب عتقه لما في ذلك من تضييعه، فإن في عتقه إسقاطاً للنفقة الواجبة على سيده له فكان في ذلك تضييعٌ له وقد يكون عرضةً للسؤال وان يكون كلاً على الناس.
وكذلك لا يستحب عتق من يكون عتقه سبباً لفساده من زنا أو قطع طريق أو يخشى لحوقه بدار الحرب ونحو ذلك.
وهنا مسائل في العتق لم يذكرها المؤلف:
المسألة الأولى: صريح العتق وكنايته:-
فصريح العتق أن يقول: أنت عتيق أو أنت معتق أو أنت حر أو قد أعتقتك أو قد جعلتك حراً أو نحو ذلك.
فهذه ألفاظ صريحة في العتق قد دل العرف على ذلك لأن هذه الألفاظ إذا خوطب بها العبد من سيده فإنها لا تحتمل إلا إعتاقه، فحينئذٍ لا تشترط النية بل يكفي مجرد اللفظ.
وأما كنايته: فنحو قوله (لا سبيل لي عليك) إذهب حيث شئت، أو نحو ذلك من الألفاظ فهي ألفاظ تحتمل العتق وتحتمل غيره وإن كانت في العتق أظهر.
المسألة الثانية: أن من ملك ذا رحم محرم عتق عليه.
الرحم المحرم: هو ما لو قدر أحدهما ذكراً، والآخر أنثى لحرم نكاحه بالنسب، كأن يملك عمه أو خاله أو أبنه أو أباه فإنه لو قدر أن أحدهما ذكراً والأخر أنثى فإن النكاح محرم بالنسب لأن نكاح الخالة ونكاح العمة محرم ونكاح البنت محرم والمراد أن يكون محرماً بالنسب لا بالمصاهرة ولا بالرضاع، لكن إذا ملك ابن عمه، فلو قدّر أن أحدهما ذكر والأخر أنثى لم يحرم نكاحه بالنسب، وذلك لأن نكاح بنت العم نكاح صحيح، ولو ملك أمه من الرضاع أو ملك زوج أمه أو زوجة أبيه أو أم زوجته فإنه لا يعتق عليه لأنهم ليسوا من ذوي الرحم، ودليل ذلك ما روى الخمسة والحديث صحيح – أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من ملك ذا رحم مَحْرَمٍ فهو حرٌ) ، وهو مذهب جماهير العلماء.
المسألة الثالثة:
أن من اعتق نصيباً له في عبد، وكان موسراً فإنه يلزمه أن يعتق بقيته فيعطي شريكه قيمة نصيبه ويعتق عليه العبد.
فمثلاً: زيد وعمرو شريكان في عبد لكل واحد منهما نصفه فأعتق زيد نصيبه وكان موسراً فإنه يقُوم عليه العبد ويعطي عمراً قيمة نصيبه ويعتق عليه العبد ويُلزم زيد بذلك، هذا إن كان موسراً.
وأما إن كان معسراً فهو لا يملك قيمة المتبقي فإن العبد يكون مبعضاً، فيكون نصفه حراً ونصفه عبداً، هذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد وغيره.
وعن الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام أن العبد يكون مكاتباً غير مشقوق عليه، هذا إن كان له قدرة على العمل والتكسب، فيعمل ويتكسب ويعطي سيده ما بقي من ثمنه.
هذا هو القول الراجح في هذه المسألة.
ودليل هذه المسألة ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من أعتق شِركاً له في عبد، فكان له مال يبلغ ثمن العبد، قُوِمَ قيمة عدلٍ [أي قيمة عادلة] لا وكس فيها ولا شطط فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق) [أي يكون مبعضاً] .
لكن إن كان قادراً على المكاتبة، فقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة (وإلا قوّم عليه واستُسعي غير مشقوق عليه) .
والذين لم يقولوا بالكتابة لا يصححون هذه اللفظة ويرون أن هذه اللفظة مدرجة وأنه قد تفرد بها سعيد ابن أبي عروبة عن قتادة، والصحيح أنه لم يتفرد بها بل قد تابعه عليها جماعة من حفاظ الحديث، وهو من أثبت الناس في قتادة وقد رووا هذا الحديث عن قتادة.
وقد صحح هذا اللفظ الشيخان البخاري ومسلم في كتابيهما.
المسألة الرابعة:
إذا أََعتق بعض عبده، سواء كان البعض معيناً أو مشاعاً، كأن يقول: (أعتقت يديك أو وجهك) أو مشاعاً كأن يقول: (أعتقت نصفك أو ثلثك) أو ربعك، فإن العتق يسري على الباقي فيكون كله عتيقاً بإتفاق أهل العلم.
لأن هذا أولى من المسألة المتقدمة.
فهو إذا كان مشاركاً سرى العتق إلى بقية العبد، فأولى من ذلك إن لم يكن مشاركاً.
قال: [ويصح تعليق العتق بموتٍ وهو التدبير]
إذا قال لعبده: أنت حر بعد موتي، فالعبد هنا هو المدبَّر.
وسمي مدبراً لأنه قد أعتق بعد الحياة أي في الموت، فإن الموت دبرالحياة.
فالمدبر: هو من يعتق بعد الموت.
والتدبير: هو العتق بعد الموت.
وهو كالوصية فللسيد أن يبيعه وقد دبره وله أن يهبه، وله أن يوقفه كالوصية، فكما أن الوصية له أن يرجع فيها وله أن يهبه أو يوقفها فكذلك في المدبر، وفي الصحيحين: " أن رجلاً من الأنصار أعتق غلاماً له عن دبر ولم يكن له مال غيره، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فباعه بثمانمائة درهم ". فالمقصود أنه يجوز بيع المدبر كالوصية.
الدرس الثامن عشر بعد الثلاثمائة
باب الكتابة
قال رحمه الله: [وهي بيع عبده نفسه بمال مؤجل في ذمته]
أي: أن يشتري العبد نفسه من سيده بمال مؤجل.
قال تعالى: ﴿فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً﴾
فالكتابة هي: أن يبيع السيد عبده لنفسه على ثمن مؤجل على أنجم أو أقساط شهرية أو سنوية أو نحو ذلك.
وهو مشتق من الكتب وهو الجمع، وذلك لأنه يجمع على أنجم أي على أقساط.
وقيل: إنما سمي كتابه لما يقع بين السيد وعبده عند العقد من الكتابة.
قال الحنابلة: لا يصح إلا أن يكون العوض في الكتاب مؤجلاً على نجمين فأكثر فلو كان إلى سنة فيعطيه المال كله لم يصح، فلا يصح إلا أن يكون على نجمين أي على قسطين، هذا هو المشهور في المذهب.
والقول الثاني في المسألة وهو اختيار طائفة من أصحاب الإمام أحمد، وقال صاحب الفائق: وهو ظاهر كلام الإمام رحمه الله، وهو القول الراجح في هذه المسألة: أنه يصح على نجمٍ واحدٍ، فلو اشترى نفسه على نجم واحد فإن ذلك جائز، وهو القول الراجح، إذ لا مانع من ذلك، وليس مع من يمنع دليل يدل على دعواه.
قال: [وتسن]
فالكتابة سنة وهو مذهب جمهور العلماء واستدلوا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه) .
قالوا: فالعبد مال امرئ مسلم فلم يخرج عن ملكيته إلا بطيب نفس منه، وعليه فحملوا الأمر في الآية المتقدمة على الاستحباب (فكاتبوهم) أي على وجه الاستحباب.
وعن الإمام أحمد رواية وهي مذهب الظاهرية وهو قول طائفة من التابعين واختاره ابن جرير الطبري: أن الكتابة واجبة وعليه فيجبر السيد عليها بقيمة العبد، فيقوم العبد قيمة عدل ويجبر السيد على الكتابة.
واستدلوا بالآية الكريمة: ﴿فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً﴾ ، قالوا وظاهر الأمر الوجوب.
وأما قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه) فقالوا: الكتابة على سبيل المعاوضة، فهو يجبر على بيع عبده ويأخذ عوض ذلك، قالوا: وليست أولى من سراية العتق، فإن العتق تقدم أنه يسري فيجبر السيد على خروج ملكيته عنه بالكلية وهو إنما أعتق بعضه كأن يعتق ثلثه مثلاً فإنه يعتق كله، فإذا سرى العتق إلى البقية بلا عوض فأولى من ذلك بعوض.
والشارع متشوف إلى العتق وتحرير النفوس وتخليصها من العبودية.
وعليه فالراجح هو القول الثاني.
وقياس هذا كما قال شيخ الإسلام: إذا قال قائل للسيد، أعتق عبدك وعلي ثمنه، فيجب عليه أن يعتقه كالمكاتبة.
قال: [مع أمانة العبد وكسبه]
فهي إنما تسن – وعلى القول الراجح إنما تجب - مع أمانة العبد وكسبه، لقوله تعالى: ﴿فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً﴾ ، وظاهره أنه إن لم يعلم فيهم خيراً أي إن علم فيهم شراً وفساداً فإن الكتابة لا تشرع، وهذا كالعتق كما تقدم، فإذا كان في الكتابة تضييع للعبد واحتياج في الناس أو إفساد في الأرض فإن الكتابة لا تشرع، فقد شرط الله ما تقدم ﴿إن علمتم فيهم خيراً﴾ ، فإذا ثبتت المكاتبة، فإن المكاتب أي العبد يملك كسب نفسه ونفعها، وله أن يتصرف فيما يصلح ماله من بيع وإجارة ونحو ذلك لأن هذا هو مقتضى عقد الكتابة.
فإن الكتابة إنما عقدت ليتحصل من خلالها على عتق نفسه، ولا يمكن ذلك إلا أن يمكَّن من كسب نفسه ونفعها وأن يتصرف في ماله بما فيه مصلحة، وأما ما ليس فيه مصلحة فليس له أن يتصرف فيه إلا بإذن سيده، كما ثبت في سنن أبي داود بإسناد حسن أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (المكاتب عبد ما بقي عليه من مكاتبته درهم) ، فهو قن وعبد فليس له أن يتصرف إلا بما ينفع في عتقه، أما أن يتصرف بما لا مصلحة فيه بأن يبذر ماله أو أن يدخل في تجارة يخش من الدخول فيها فلا بد من إذن السيد لأن ما بيده مال لسيده في الأصل وإنما أذن له بأن يعمل ليتمكن من عتق نفسه، فكان المأذون له هو ما يكون فيه مصلحة للمال.
قال: [ويجوز بيع المكاتب]
فلو أن رجلاً كاتب عبده على عشرة آلاف ريال في كل شهر ألف ريال، فبعد أن أخذ منه قسطاً أو قسطين أو ثلاثة أراد بيعه فيجوز البيع لأنه رقيق له وعبد له، وفي الصحيحين أن بريرة قالت لعائشة إني كاتبت أهلي على تسع أواقٍ في كل عام أوقية فأعينيني …. الحديث …. وفيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إشتريها واشترطي لهم الولاء فإنما الولاء لمن أعتق) ، والشاهد قوله إشتريها وهي مكاتبة، فدل على أن المكاتب يجوز بيعه ولكن:
قال: [ومشتريه يقوم مقام مكاتبه]
فالمشتري يقوم مقام المكاتب فإذا بقي سبعة أقساط فإن المكاتب يسددها له فلا يستأنف الأقساط من جديد بل يسدد ما بقي منها، وليس له أن يبطل الكتابة على الراجح، بل تبقى الكتابة ويدفع له المكاتب ما تبقى من الأنجم.
قال: [فإن أدى عتق]
إذا أدى المكاتب ما عليه من المال فإنه يعتق
قال: [وولاؤه له]
يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (اشتريها واشترطي لهم الولاء فإنما الولاء لمن أعتق) ، وعليه فيكون الولاء للمشتري.
قال: [وإن عجز عاد قناً]
أي عاد قناً للمشتري، فإذا عجز عن الكتابة فإنه يعود قناً أي عبداً، هذا كما لو كان لسيده الأول فإنه إذا عجز عن دفع الأنجم والأقساط فإنه يعود عبداً، لأن المسلمين على شروطهم وهو إنما باعه على أن يدفع له هذه الأنجم، فإن لم يدفعها فإنه يعود قناً (عبداً) له، والمشهور في مذهب الإمام أحمد وهو مذهب جمهور الفقهاء: أن المكاتب إذا عجز عن نجمٍ واحد أي عن قسطٍ واحد فإن للسيد الفسخ، بمعنى إذا حضر وقت القسط ولم يدفع فإن للسيد الفسخ قال الحنابلة، وينظر ثلاثة أيام.
قالوا: لأنه لم يف بالشرط، فهو قد باعه على أنه يعطيه في كل شهر - أو في كل سنة - أن يعطيه المسمى الفلاني، فإذا لم يفِ بذلك فإنه يكون قد خالف الشرط فلبائعه – أي لسيده – أن يفسخ عقد الكتابة، وعن الإمام أحمد: أنه لا يعجز حتى يقول قد عجزت - أي حتى يظهر عجزه ويبين، فكونه يعجز عن قسط واحد أو قسطين ولم يظهر بعد عجزه فإنه من الممكن أن يقضي ما عليه، فإنه لا يعجز أي لا يحكم بعجزه فيعود قناً.
وهذا هو القول الراجح في هذه المسألة، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (وإلا قوم عليه واستسعي غير مشقوقٍ عليه) ، وفي كونه إن عجز عن قسط واحد حق للأخر الفسخ، هذا فيه مشقة ظاهرة عليه، ومعلوم أن تخلف المدين عن القسط والقسطين والثلاثة يقع فيه عادة فكذلك في المكاتبة.
فالراجح أنه لا يعجز حتى يظهر عجزه ويبين.
مسألة:
قال تعالى: ﴿وآتوهم من مال الله الذي آتاكم﴾
أي آتوا المكاتبين من مال الله الذي آتاكم.
قال الحنابلة والشافعية: في هذه الآية دليل على وجوب إيتاء المكاتب مكاتبه – أي السيد عبده – شيئاً من المال يعينه على كتابته، واختلفوا في قدره.
فقال الحنابلة: الواجب ربع المكاتبة أي أن يعطيه الربع أو يتنازل عن الربع، واستدلوا بما روى البيهقي من حديث علي بن أبي طالب: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ هذه الآية: ﴿وآتوهم من مال الله الذي آتاكم﴾ ثم قال ربع المكاتبة ".
والصحيح وقفه على علي ابن أبي طالب، فلا يصح رفعه.
وقال الشافعية: بل يعطيه أي شئ ﴿وآتوهم من مال الله الذي آتاكم﴾ أي بعض مال الله الذي آتاكم وهذا يصدق على القليل والكثير فأي شئ أعطاه إياه فإن ذلك يجزئ.
وقول علي المتقدم مخالف لما يروي البيهقي بسند صحيح " أن ابن عمر كاتب عبداً له على خمسة وثلاثين ألف درهم، فلما كان أخر مكاتبته وضع عنه خمسة آلاف "، وهي سُبْع مُكاتبته، فهذا الفعل من ابن عمر مخالف لقول علي.
فالأرجح ما ذهب إليه الشافعية.
ولكن لا ينبغي أن يقال: بأنه يصدق على الشيء القليل التافه المستحقر، فالذي ينبغي الاعتماد عليه أنه يجب عليه أن يعطيه ما ينفعه في مكاتبته كأن يعطيه السبع أو الثمن أو الربع أو أن يضع عنه نجماً أو نجمين ونحو ذلك.
وأما أن يضع عنه شيئاً تافهاً مستحقراً فلا، وذلك لأن مثله لا ينفع في المكاتبة.
وقال المالكية والأحناف: بل يستحب ذلك وحملوا الآية على الاستحباب.
والأظهر ما ذهب إليه أهل القول الأول لظاهر الآية الكريمة.
الدرس التاسع عشر بعد الثلاثمائة
باب أحكام أمهات الأولاد
قال: [إذا أَولد حر أمته أو أمةً له ولغيره أو أمةً لولده خُلِّق ولده حراً]
أو أمة له ولغيره – أي مشترك فيها
خلق حراً – أي خلق أثناء ملكه للأمة، فنشأ الحمل والأمة ملك له ليست بملك غيره، هذا هو مذهب الحنابلة، ولا دليل عليه.
ولذا ذهب المالكية: إلى أن من أولد أمته فإن هذه الأمة أم ولد له سواء نشأ الولد حراً أو مملوكاً، كأن يتزوج أمةً ثم يشتريها من سيدها وقد حملت منه فإنها تكون أم ولد له، وذلك لثبوت المعنى فيها، فهي أم ولدٍ له فقد أولدت له وكون هذا الولد نشأ في حال يكون فيه مملوكاً لاحراً هذا ليس بمؤثر، فالمعنى المؤثر في هذه المسأله كون هذه الأمة قد أولدت له.
إذن قوله – خلق ولده حراً – هذا القيد ضعيف، والصحيح أنها تكون أم ولد سواء كان الولد مخلوقاً حراً أم لم يكن كذلك.
…قال: [حياً ولد أو ميتاً]
سواء ولد حياً أو ولد ميتاً، وفي البيهقي بإسنادٍ صحيح أن عمر رضي الله عنه قال: (أم الولد حرة وإن كان الولد سِقْطاً) .
قال: [قد تبين فيه خلق الإنسان لا مضغة أو جسم بلا تخطيط]
فإذا أسقطته وقد تبين فيه خلق الإنسان فإنها تكون أم ولد له.
قال: [صارت أم ولدٍ له تعتق بموته من كل ماله]
فإنها تعتق من كل ماله لا من ثلثه، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم، فقد اتفق أهل العلم على القول به، وفي موطأ مالك بإسنادٍ صحيح: أن عمر رضي الله عنه نهى عن بيع أمهات الأولاد، قال: " لا تباع ولا تورث ولا توهب، يستمتع بها ما بدا له فإذا مات فهي حرة."
…وتعتق من ماله كله لا من ثلثه، وعليه لو استغرقت المال كله فإنها تعتق بمعنى – إذا مات ولا مال له سواها فإنها تعتق عليه لأنها أم ولد فتعتق بموته.
قال: [وأحكام أم الولد أحكام الأمة من وطءٍ وخدمة وإجارة ونحوها]
…فأحكام أم الولد أحكام الأمة، فله أن يطأها وله أن يؤجرها ونحو ذلك من إعارة وغيرها، لقول عمر في الأثر المتقدم: (يستمتع بها ما بدا له) ، فهي أمة كسائر الإماء، والفرق بينها وبين سائر إمائه أنها تعتق بموته فإذا مات فهي حرة.
قال: [لا في نقل الملك في رقبتها]
…هذا فارق آخر بين أم الولد وبين سائر الإماء، فأم الولد ليس له أن يتصرف فيها بما ينقل ملكيتها عنه بوقفٍ أو هبة أو بيع أو نحو ذلك.
قال: [ولا بما يراد له]
…أو لا بما يراد لنقل رقبتها كالرهن ونحوه كالوصية.
قال: [كوقف وبيع ورهن]
…فالوقف والبيع مثال لقوله لا في نقل الملك في رقبتها، والرهن مثال لقوله ولا بما يراد له.
…إذن بيع أم الولد بيع باطل لا يصح، وهذا هو مذهب جماهير العلماء واستدلوا بأثر عمر المتقدم، ويقاس عليه ما تقدم من الوقف والهبة والرهن والوصية ونحو ذلك فكلها لا تجوز كالبيع.
…وقال الظاهرية وهو مذهب طائفة من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كعلي بن أبي طالب وابن عباس والزبير وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم: أن بيع أمهات الأولاد جائز، وأثر علي بن أبي طالب ثابت في مصنف عبد الرزاق بإسنادٍ صحيح أنه قال: "اجتمع رأيي ورأي عمر - وهذا يدل على أن المسألة رأي عمر في أمهات الأولاد ألا يبعن -، ثم رأيت أن يبعن"، ثم قال له عبيدة: " رأيك في الجماعة أحب إلىّ من رأيك في الفرقة ". وهذا يدل على ما تقدم وأن المسألة رأيٌ من عمر، وأما أثر ابن عباس فهو ثابت في سنن سعيد بن منصور بإسنادٍ صحيح عنه، وهو كما تقدم اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، واستدلوا بما روى النسائي وابن ماجة وابن حبان وهذا لفظه والإسناد صحيح عن جابر قال: (كنا نبيع سرارينا أمهات الأولاد والنبي - صلى الله عليه وسلم - حي لا يرى بذلك بأساً) وهذا القول هو القول الأرجح في هذه المسألة مع أن الأحوط ما ذهب إليه جمهور العلماء، فالأصح ما ذهب إليه علي ومن وافقه من الصحابة من أن أمهات الأولاد يجوز بيعهن، وعليه فيجوز كذلك سوى البيع من الأحكام المتقدمة لأنها مبنية على البيع متفرعة عنه.
الدرس العشرون بعد الثلاثمائة
كتاب النكاح
وأصله الضم يقال تناكحت الأشجار أي انضم بعضها إلى بعض.
النكاح في اللغة: الوطء والعقد فهو مشترك وقيل متواطئ وهو حقيقة فيهما، والقرآن الكريم لم يرد النكاح فيه إلا بمعنى العقد سوى قوله تعالى: ﴿فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره﴾ أي حتى يطأها كما ثبت في السنة الصحيحة.
قال: [وهو سنة]
…فالنكاح سنة، لمن له شهوة ولا يخاف على نفسه العنت أي الزنا، فهو سنة في مذهب جماهير العلماء، وقال الظاهرية وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها طائفة من أصحابه كأبي بكر عبد العزيز وأبي حفص البرمكي وابن أبي موسى من أصحاب الإمام أحمد: أن النكاح لمن له شهوة وعنده قدرة مالية على ذلك فإنه واجب في حقه، واستدلوا بما ثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) ، والشاهد قوله – فليتزوج – والأمر للوجوب، وهذا القول هو الأظهر لموافقته لظاهر قوله - صلى الله عليه وسلم - - فليتزوج – والجمهور حملوا الأمر الوارد في الحديث على الاستحباب، والأظهر أنه للوجوب.
…وأما إذا كان غير قادر على النكاح بماله فلا يجب عليه النكاح بل يستحب، لمفهوم قوله - صلى الله عليه وسلم - - يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة – والباءة هي مؤنة النكاح من مهر وغيره، فقد أوجب الزواج على من استطاع الباءة، فدل على أن الفقير لا يجب عليه، لكن يستحب له، وقد قال تعالى: ﴿إن يكونوا فقراء يغنيهم الله من فضله﴾ هذا إن كان له شهوة، وأما من لا شهوة له كالعنين الذي لا يأتي النساء، أو الكبير الهرم فلا يجب النكاح ولا يستحب في حقهم، وذلك لزوال المعنى المقتضي للإيجاب والإستحباب فيكون مباحاً في حقه لكن من غير أن يترتب على هذا ضرر على المرأة، فإن طلبت الطلاق ونحوه فسيأتي الكلام عليه في بابه، ولكن هنا حيث لا ضرر على المرأة بذلك، فإن فيه مصلحة له بقيام هذه المرأة بشأنه وهي أيضاً لها مصلحة بإنفاق هذا الزوج عليها، إذن من لا شهوة له وعنده قدرة مالية فإن النكاح يباح وقد يستحب حيث كان في ذلك مصلحة ظاهرة للمرأة كأن تكون المرأة محتاجة.
قال: [وفعله مع الشهوة أفضل من نوافل العبادات]
…ففعل النكاح مع الشهوة أفضل من الاشتغال بنوافل العبادات من صيام وصلاة ونحو ذلك، ذلك لما فيه من المصالح الكثيرة من تحصيل النسل وتكثير الأُمة وتحصين الفرج وغض البصر له ولزوجه، ولما فيه من القيام بشأن المرأة والإنفاق عليها وهذه المصالح تربو على نوافل العبادات.
قال: [ويجب على من يخاف الزنا بتركه]
…إذا كان يخاف الزنا بتركه فيجب عليه النكاح اتفاقاً وذلك لأن إعفاف نفسه وصيانتها من المحرم واجب _ وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب –
في الإقناع: ولا يكتفى في الوجوب بمرة واحدة بل يكون في مجموع العمر خشية الوقوع في المحظور.
قال: [ويسن نكاح واحدةٍ دينةٍ أجنبيةٍ.
بكرٍ ولودٍ بلا أم]
هذا ذكر لصفات المرأة المنكوحة التي يسن أن تكون عليها، أما دليل كونها واحدة، فقوله تعالى: ﴿فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا﴾ ، أي أن الإكتفاء بالواحدة أقرب من ألا تعولوا من النساء فتميلوا إلى إحداهن وتجوروا بين نسائكم وهذا فعل محرم، فكان في نكاحه الواحدة دفعاً لتعرضه في الوقوع في المحرم، وقال بعض الحنابلة، وهو القول الثاني في المسألة: بل يستحب ذلك لفعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولقوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ ،أما استدلالهم بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - فظاهر، أما استدلالهم بالآية الكريمة ففيه نظر، وذلك لأن هذه الآية مسبوقة بقوله سبحانه: ﴿فإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث﴾ ، ومعنى الآية كما فسرته أم المؤمنين عائشة في الصحيحين بما معناه: إن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى اللآتي تحت أيديكم فتبخسوهن مهورهن فانكحوا ما طاب لكم من النساء سواهن – أي فالباب مفتوح لكم، هذا في الرجل تكون عنده اليتيمة كابنة عمه وتكون تحت ولايته فيرغبها لمالها ولجمالها فينكحها بمهرٍ أقل من مهر مثيلاتها أو ينكحها بلا مهر وهذا فيه ظلم لها، ولكن فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، وما يترتب على ذلك من المصالح من تكثير النسل وتمام العفة، ونحو ذلك يدل على استحبابه ما لم يترتب على ذلك مفسدة أعظم، فإذا ترتب على ذلك مفسدة أعظم فلا، فالأصح وهو القول الثاني في هذه المسألة وقد قال به بعض الحنابلة: أنه يستحب له أن يتزوج أكثر من واحدة ما لم يترتب على ذلك مفسدة أعظم لفعل النبي - صلى الله عليه وسلم -. وأما دليل كونها دينة: هو ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك) .
ويستحب أيضاً أن تكون جميلة، ولذا استحب الشرع أن ينظر إليها ولأنها أعف لنفسه وأحصن لفرجه وأتم لمودته.
وأن تكون أجنبية أي لا تكون من بنات عمه، وذلك لأنها أنجب ولداً يقال – الغرائب أنجب وبنات العم أصبر – فالغرائب أنجب أي يتوفر في الابن صفات زائدة على صفات أهله بما يكون في صفات أخواله التي تنتقل إلى الولد.
وأن تكون بكراً لقوله - صلى الله عليه وسلم - لجابر لما تزوج ثيباً – هلا بكراً تلاعبها وتلاعبك – إلا أن تكون المصلحة من نكاح الثيب أرجح.
وأن تكون ولوداً لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة) رواه أبو داود والنسائي، قاله لرجل قال له: إني أصبت امرأة ذات حسب ومال أو قال جمال لكنها لا تلد فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا) ثم أتاه مرة أخرى فنهاه، ثم أتاه ثالثةً منها، ثم قال: (تزوجوا الولود الودود …. الحديث) هو من حديث معقل بن يسار، ونحوه في مسند الإمام أحمد وصحيح ابن حبان من حديث أنس بن مالك.
ويعرف كونها ولوداً بالنظر في نسائها أي إلى أمها وأخواتها وبنات عمها ونحو ذلك.
حسيبة: كما في الإقناع طيبة الأصل.
روى أحمد والنسائي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قيل له أي النساء خير فقال: (التي تسره إذا نظر وتطيعه إذا أمر ولا تخالفه في نفسها ومالها بما يكره) وهو صحيح.
وأن تكون بلا أم: قالوا لأنها ربما أفسدتها أمها أي قد تثير بعض المشاكل بين الزوجين وتأمر المرأة بالمطالبة بشيء كثير قد يكون حقاً لها وقد رضيت بتركه أو يكون لاحق لها.
ولكن هذا فيه نظر ظاهر، فإن هذا ليس على إطلاقه فربما كانت الأم معينةً للزوج على ابنتها مصلحة لها قائمة بشؤونها، ولو قيل – ويستحب أن تكون لها أم عاقلة صالحة لكان أولى من أن يقال بلا أم.
قال: [وله نظر ما يظهر غالباً مراراً]
فللخاطب أن ينظر إلى ما يظهر غالباً ممن يريد خطبتها، فيباح له أن ينظر إلى ما يدعوا إلى نكاحها.
ودليل هذا: ما ثبت في صحيح مسلم أن رجلاً قال يا رسول الله أصبت امرأةً فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (أنظرت إليها) فقال لا فقال: (اذهب فانظر إليها) .
وفي الترمذي بإسناد صحيح: (انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما) أي أن تدوم المودة بينكما، رواه أحمد والنسائي وبن ماجة، وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا خَطب أحدكم امرأة فلينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها) ، فهذه الأحاديث تدل على أن له أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها، والحنابلة صرحوا بالجواز كما ذكر المؤلف هنا وهو مصرح به في غير ما كتاب من كتب الحنابلة وهو الصحيح من مذهب الحنابلة.
واختار ابن عقيل وصوب ذلك صاحب الإنصاف وحكي إجماعاً: استحباب ذلك، وهو ظاهر الأحاديث المتقدمة كقوله: – اذهب فانظر إليها -، فالراجح أنه يستحب له أن ينظر منها إلى ما يظهر منها غالباً من الوجه واليدين والرقبة والشعر والقدمين ونحو ذلك مما يدعوه إلى نكاحها، وينظر إليها بإذن وليها أو بغيره، بعلمه أو بغير علمه وكذلك هي بإذنها أو بغير إذنها، بعلمها أو بغير علمها وذلك لإطلاق الحديث.
فلو نظر إليها على غفلة منها أو من وليها فإن ذلك جائز لكن لا يجوز له أن يفعل ذلك حتى يغلب على ظنه إجابتهم إلى نكاحها وإلا فلا يجوز له ذلك.
إذن: ما يظهر منها غالباً هو الذي ينظر إليه الخاطب.
وقال الظاهريه وهو رواية عن الإمام أحمد: بل ينظر إلى كل شئ منها سوى العورة المغلظة - أي القبل والدبر -، لكن هذا فيه نظر ظاهر لأنه قد يدعوه إلى الزنا المحرم، وقال داود ينظر إليها متجردة وهي رواية عن أحمد، لكن النظر إلى الساق ونحو ذلك يقوى القول بجوازه وهو قول لبعض الحنابلة، وفي مصنف عبد الرزاق ومسند سعيد بن منصور: " أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لما خطب أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب كشف عن ساقها "، فلا بأس، وأما سوى ذلك مما لا تطلع عليه النساء غالباً، فلا يظهر القول بجوازه.
[مراراً] أي يكرر النظر حتى يحصل مقصوده، وقد صعّد النبي - صلى الله عليه وسلم - البصر وصوّبه (1) .
قال: [بلا خلوة]
فلا يجوز أن يخلو بها، وذلك لأنها أجنبية عنه والخلوة بالأجنبية محرمة، وهذا أيضاً ذريعة إلى الوقوع بما حرمه الله عز وجل فلا يجوز له أن يخلو بها.
الدرس الحادي والعشرون بعد الثلاثمائة
قال رحمه الله: [ويحرم التصريح بخطبة المعتدة من وفاة والمبانة دون التعريض]
وهو مالا يحتمل غير النكاح، إذا توفي رجل عن زوجته أو طلقها ثلاثاً كانت بائناً، فلا يحل لأحد أن يصرح بخطبتها كأن يقول لها رجل (أريد أن أتزوجك) وكذا المختلعة والبائن بفسخ ونحوه، وأما التعريض كأَن يقول: (إني في مثلك لراغب) فإنه جائز قال تعالى ﴿ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم﴾ فلا جناح في التعريض، أما التصريح فإنه محرم.
قال: [ويباحان لمن أبانها دون الثلاث]
يباحان – أي التعريض والتصريح – لمن أبانها دون الثلاث كالمختلعة والبائن بفسخ ونحو ذلك، فالمبانة دون الثلاث يجوز لمن أبانها أن يخطبها تصريحاً وتعريضاً لأنه هو صاحب العدة، فلو أن امرأة طلبت الخلع من زوجها فرضي بذلك، فإذا تم الخلع فإنه يأتيها كغيره من الخطاب، ولكن الخطاب لا يجوز لهم أن يخطبوها حتى تنتهي من عدتها، وأما من اختلعت منه فله أن يخطبها قبل أن تنتهي من عدتها تصريحاً أو تعريضاً، وأما غيره فلا يحل له إلا التعريض، أما البائن بثلاث فإنها لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره وسيأتي ذكر هذا إن شاء الله.
قوله: [كرجعية]
الرجعية زوجة، فكما أن الرجل يراجع زوجته في عدتها وهو بعلها، فكذلك في البائن دون الثلاث كالرجعية.
قال: [ويحرمان منها على غير زوجها]
أي يحرم التصريح والتعريض من الرجعية على غير زوجها، فالمطلقة طلاقاً رجعياً لا يحل لأحد أن يخطبها تعريضاً ولا تصريحاً، وكذلك لا يحل لها أن تقبل هذه الخطبة لا تعريضاً ولا تصريحاً لأنها زوجة.
قال: [والتعريض: إني في مثلك لراغب، وتجيبه: ما يرغب عنك ونحوهما]
أي نحو هذه الألفاظ التي هي من باب التعريض.
قال: [فإن أجاب ولي مجبَرَة أو أجابت غير المجبَرَة لمسلم حرم على غيره خطبتها]
قوله لمسلم أي لو كان ذمياً فإنه يجوز، ولا يحل لمسلم أن، يخطب على خطبة أخيه، فإذا خطب مسلم امرأةً فأجابت ورضيت وهي غير مجبرة أي من النساء اللاتي لا يجبرن، أو أجاب وليها وهي ممن يجبر على النكاح، فلا يحل لأحد أن يخطبها بعد ذلك، لما ثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له) .
وهذا الحكم لأن خلافه يورث العداوة والبغضاء، فإنه لا يأمن أن يرد الأول وهو كفؤٌ لها لفضيلة في الثاني فيورث ذلك عداوة في قلب الأول.
كذلك إذا سكنت إليه أو ركنت إليه أو سكن إليه ولي المجبرة وركن إليه، وما بقي إلا أن يتلفظ بالقبول فقد ظهرت علامات الرضا فلا يحل أيضاً للحديث المتقدم.
وأما إذا لم تسكن إليه المرأة غير المجبرة أو ولي المجبرة ولم يظهر ما يدل على الرضا فيجوز أن يخطب المسلم على خطبة أخيه، يدل على هذا ما ثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لفاطمة بنت قيس: (إذا أحللت فأخبريني) فلما حللت ذكرت للنبي - صلى الله عليه وسلم - أن أبا جهم ومعاوية قد خطباني فقال: (أما أبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقه – أي يضرب النساء – وأما معاوية فصعلوك لا مال له – أي فقير – انكحي أسامة بن زيد) ، فهنا قد خطب النبي - صلى الله عليه وسلم - لأسامة على خطبة أبي جهم ومعاوية وذلك لأنه لم يظهر سكون ولا ركون فيجوز حينئذٍ.
قال: [وإن رُدَّ أو أَذن ….. جاز]
إذا رُدّ الخاطب الأول أو أذن للخاطب الثاني أن يخطب جاز ذلك، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: (إلا أن يترك الخاطب قبله أو يأذن له) .
قال: [أو جهل الحال جاز]
إذا خطب زيد فلانة، ثم لم يظهر ما يدل على الرضا، ولا ما يدل على الرد وجهل الحال، أي جهل غيره ممن يريد أن يخطب هذه المرأة وجهل هل رضوا بهذا النكاح أم لا، فيجوز له أن يتقدم لخطبتها، هذا هو أحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد، والوجه الثاني وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: أنه لا يجوز وهذا هو الراجح لظاهر الحديث المتقدم (لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه) ، وهنا الخطبة ثابتة ولا يستثنى إلا حيث ظهر عدم الرضا أو عدم السكون والركون إليه، وهنا لم يظهر شيء من ذلك فيدخل في الحديث المتقدم.
قال: [ويسن العقد يوم الجمعة]
لما روى أبو يعلى عن ابن عباس من قوله: (يوم الجمعة يوم تزويج وباءة) ، لكن الحديث فيه يحي بن العلاء وهو متروك الحديث فعليه الحديث لا يحتج به.
قال: [مساءً]
لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (أمسوا بالإملاك فإنه أعظم للبركة) والحديث رواه أبو حفص العكبري كما ذكر الحنابلة.
وقال الألباني في إرواء الغليل – لم أقف على إسناده -، وعليه فلا يقال باستحبابه يوم الجمعة ولا بتخصيصه في مسائها لعدم ثبوت الحديث.
قال: [بخطبة ابن مسعود]
وهي ثابتة في مسند أحمد والسنن الأربعة وحسن هذا الحديث الترمدي وغيره والحديث صحيح، وفيه أن ابن مسعود قال كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعلمنا الخطبة في الحاجة: (إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا – وفي ابن ماجة (ومن سيئات أعمالنا) – من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله) ثم يقرأ ثلاث آيات.
وفي النسائي الآية الأولى في آل عمران ﴿ياأيها الذين أمنوا اتقوا الله حق تقاته …﴾ الآية.
والآية الثانية في سورة النساء ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم ….﴾ الآية.
والثالثة في سورة الأحزاب ﴿يا أيها الذين أمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً.
... ﴾ الآية.
فهذه هي خطبة الحاجة، وفي البيهقي أن شعبة قال لأبي إسحاق السبيعي - هذه الخطبة في النكاح وفي غيره - فقال: - في كل شيء -، فخطبة الحاجة تقال عند النكاح وعند غيره، ولكن لا تجب لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقلها في حديث الواهبة نفسها، عندما قال - صلى الله عليه وسلم -: (اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن) ، وليس فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تَشهّد وهي مستحبة عند جماهير العلماء.
فصل
قال: [وأركانه الزوجان الخاليان من الموانع]
فأركان النكاح ثلاثة:
الركن الأول: أن يكون الزوجان خاليين من الموانع، كأن تكون المرأة معتدة فهذا في المرأة مانع يمنع من صحة النكاح.
قال: [والإيجاب]
وهذا الركن الثاني: وهو الإيجاب وهو قول ولي المرأة أو من يقوم مقامه.
قال: [والقبول]
هذا هو الركن الثالث: وهو القبول وهو قول الزوج أو من يقوم مقامه، مثال ذلك إذا قال الولي: زوجتك ابنتي – فهذا هو الإيجاب – فقال الزوج: قبلت – فهذا هو القبول -، ولو هازلاً لحديث: (ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة) رواه أبوداود والترمذي وحسنه.
قال: [ولا يصح ممن يحسن العربية بغير لفظ زوجت أو أنكحت]
لا يصح من العربي، ولا ممن يحسن العربية من غير العرب أن يقولوا بغير لفظ – زوجت أو أنكحت -، فإذا قال: ملكتك ابنتي أو وهبتك أو جوزتك ابنتي أو نحو ذلك، فالنكاح لا يصح، فلا يصح إلا بلفظ أنكحت أو زوجت، قالوا لأنه هو الوارد في القرآن، قال تعالى: ﴿زوجناكها﴾ وقال: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف﴾ هذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد.
والقول الثاني في المسألة: وهو مذهب الجمهور وهو اختيار شيخ الإسلام: أنه يصح بكل لفظ دل على النكاح، وهو القول الراجح.
قال شيخ الإسلام: وينعقد – أي النكاح – بما عده الناس نكاحاً بأي لغة ولفظ وفعل كان.
آهـ
سواء كان باللغة العربية أو باللغة الأعجمية، وسواء دل عليه الفعل أو دل عليه القول، لأن المقصود هو الدلالة على الرضا وهذا يحصل بكل قول أو فعل يدل على ذلك، وهذا في كل عقد كما تقدم في غير ما مسألة، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - في حديث الواهبة نفسها: (اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن) ، فعلى ذلك يصح النكاح بكل قول أو فعل دل عليه، فلو تكلم من يحسن العربية بغير لفظ العربية وهو قادر على أن يتكلم العربية فإن النكاح يصح، أو تكلم من يحسن الفصحى بالعامية فإن النكاح صحيح.
قال: [وقبلت هذا النكاح أو تزوجتها أو تزوجت أو قبلت]
هذه ألفاظ القبول
قال: [ومن جهلهما لم يلزمه تعلمهما وكفاه معناهما الخاص بكل لسانٍ]
على المذهب أنه يجب على من يحسن العربية من الأعاجم أن يتلفظ بالألفاظ العربية بالنكاح، فإن كان لا يحسن العربية بل هو جاهل فيها، فهل يلزمه التعلم، قال المؤلف:– لا يلزمه التعلم –، لأن هذه الألفاظ مما لا يتعبد بلفظه، وهذا مما يدل على ضعف هذا القول، إذ لو كان ذلك واجباً لأوجبنا عليه التعلم، والصحيح ما تقدم من أن النكاح يصح بكل قول أو فعل دل عليه.
قال: [فإن تقدم القبول لم يصح]
مثاله إذا قال الخاطب:– زوجني فلانة، فيقول الولي:– زوجتكها -، فلا يصح النكاح، وذلك لتقدم القبول على الإيجاب، قالوا: ولا يكون قبولاً وقد تقدم على الإيجاب، وهذا هو المشهور في المذهب، وأن القبول لا يصح قبل الإيجاب، وهذا من مفردات الحنابلة، وقال جمهور العلماء، بل يصح ذلك، وهذا هو القول الراجح وذلك لظهور الرضا من الطرفين بالألفاظ الدالة على ذلك، فيحصل بذلك المقصود، فإن المقصود حاصل بهذه الألفاظ تقدم القبول أو تأخره، ولأن الرجل في قصة الواهبة نفسها قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - - إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها - ... الحديث وفيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: (اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن) ، فهذا إيجاب، وقد تقدم عليه القبول وهو قوله – فزوجنيها -.
قال: [وإن تأخر عن الإيجاب صح ما داما في المجلس ولم يتشاغلا بما يقطعه]
إذا تأخر القبول عن الإيجاب، كأن يقول الولي:– زوجتك ابنتي فلانة -، فسكت الخاطب عن القبول فتأخر القبول عن الإيجاب فإن ذلك يصح ماداما في المجلس، ولم يتشاغلا بما يقطعه كأن يتشاغلا ببيع وغيره من الأمور الخارجية، لكن لو تشاغلا بما لا يقطعه كأن يقول له:– زوجتك ابنتي – فيقول: أي بناتك فيقول:– البنت الكبرى – فيقول: كم قدر المهر؟ فيقول:– كذا – فيقول: رضيت بهذا ولا يقطعه، لكن لو تشاغلا بأمر أجنبي عن موضوع النكاح ثم قال بعد ذلك: رضيت فحينئذٍ لا يصح.
قال: [وإن تفرقا قبله بطل]
مثاله: إذا قال الولي:– زوجتك ابنتي – ثم تفرقا من المجلس والخاطب لم يقل:– رضيت – ثم بعد ذلك اتصل بالهاتف أو غيره فقال:- قد رضيت -، فلا يصح لأنهما تفرقا عن المجلس، وعن الإمام أحمد أنه لا يبطل، وأنه لو تشاغلا عنه بما يقطعه أو تفرقا قبله فإنه لا يبطل، ويدل على ذلك قصة الواهبة نفسها، ففي الصحيحين عن سهل بن سعد الساعدي قال: جاءت امرأة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله جئت أهب لك نفسي فنظر إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصعد النظر فيها وصوبه، ثم طأطأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأسه، فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئاً جلست، فقام رجل من الصحابة فقال: يا رسول الله – إن لم تكن لك بها حاجة فزوجنيها – فقال: (فهل عندك من شيء) فقال:– لا والله يارسول الله – فقال: (اذهب إلى أهلك فانظر هل تجد شيئاً) ، فذهب ثم رجع فقال:– لا والله ما وجدت شيئاً – فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (انظر ولو خاتماً من حديد) ، فذهب ثم رجع فقال:– لا والله يا رسول الله ولا خاتماً من حديد – ولكن هذا إزاري – قال سهل: ما له رداءٌ فلها نصفه فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (ما تصنع بإزارك إن لبسته لم يكن عليها منه شيء، وإن لبسته لم يكن عليك منه شيء) فجلس الرجل حتى إذا طال مجلسه قام فرآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مولياً فأمر به فدعي فلما جاء قال: (ماذا معك من القرآن) قال:– معي سورة كذا وسورة كذا – عددها فقال: (تقرأهن عن ظهر قلبك) قال:– نعم – قال: (اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن) ، فهنا قد وقع فاصل طويل عرفاً وتفرقاً في المجلس ومع ذلك لم يأمره بإعادة القبول، هذا القول هو القول الراجح مالم يكن تشاغله أو تفرقه عن المجلس دالاً على عدم رضاه.
الدرس الثاني والعشرون بعد الثلاثمائة
فصل
قال: [وله شروط]
فهذا الفصل في شرط من شروط النكاح، فللنكاح شروط لا يصح إلا مع توفرها.
قال: [أحدهما: تعيين الزوجين]
فيشترط أن يُعيَّن الزوجان – الذكر والأنثى – بما يتميز به كل واحد منهما كالبيع، فكما أنه يشترط في المبيع عدم الالتباس بأن، يتميز المبيع عن غيره فكذلك في النكاح.
قال: [فإن أشار الولي إلى الزوجة أو سماها أو وصفها بما تتميز به…..صح]
إذا أشار الولي إلى الزوجة فقال: زوجتك هذه فقال:– زوجتك هذه – أو سماها فقال:– زوجتك فاطمة – أو وصفها بما تتميز به كأن يقول:– زوجتك ابنتي الكبرى أو الصغرى أو نحو ذلك.
قال: [أو قال: زوجتك بنتي الكبرى أو الصغرى أو نحو ذلك]
إذا قال – زوجتك ابنتي، وليس له إلا هي فإن الزواج يصح لعدم الالتباس، أما إذا لم يعينها تعيناً يزيل الالتباس كأن يقول: زوجتك ابنتي وله غيرها، فإن النكاح لا يصح للالتباس المتقدم.
مسألة: إن عيناها في الباطن ولم يعيناها في العقد فإذا عين الولي والزوج المرأة أو المعقود عليها في الباطن، وأما في الألفاظ فلم يقع منهم تعيين – أي حال العقد – فهل يصح أم لا؟
وجهان عند الحنابلة:
الوجه الأول: الصحة.
الوجه الثاني: البطلان.
والراجح هو صحة النكاح لعدم الالتباس، لأن اتفاقهما في الباطن يزيل الالتباس.
فصل
قال: [الشرط الثاني: رضاهما]
أي رضا الزوجين، فيشترط الإذن، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا تنكح الأيِّم حتى تستأمر ولا تنكح البكر حتى تستأذن) ، وقياساً على البيع فإنه يشترط فيه الرضا فكذلك في النكاح.
قال: [إلا البالغ المعتوه والمجنونة والصغير والبكر ولو مكلفة، لا الثيب فإن الأب ووصيه في النكاح يزوجانهم بغير إذنهم]
المعتوه: درجة لا تصل إلى الجنون.
فالبالغ المعتوه يجوز للأب أو وصيه أن ينكحه بلا إذنه، لعدم اعتبار إذنه، فإن إذنه لا فائدة منه فهو غير معتبر، وكذلك البنت المجنونة يجوز لأبيها أو لوصيه – وهو من يقوم مقام الأب بعد موته – أن ينكحاها، وكذلك يجوز للحاكم أن ينكح المعتوه أو المجنونة أو الصغير، عند الحاجة إلى النكاح، بل يجوز على الراجح لسائر الأولياء ذلك.
إذن الأصل أن الصبي العاقل لا يزوجه إلا الأب أو الوصي، وكذلك البالغ المعتوه والمجنون أو المجنونة ونحو ذلك، لكن كما هو المشهور في مذهب الحنابلة يجوز للحاكم أي عند فقد الأب والوصي، يجوز للحاكم أي القاضي أن يزوجهم عند الحاجة أي عند الحاجة للوطء أو للخدمة أو نحو ذلك، كأن يكون الصبي العاقل غير البالغ يحتاج إلى الخدمة كأن يكون معوقاً فيزوجه الحاكم، وهو مختص بالحاكم، والذي يترجح أنه عام في الحاكم وفي سائر الأولياء عند الحاجة لمصلحة موليه، والصغير يجوز لأبيه أن ينكحه بلا إذنه، والصغير هو العاقل غير البالغ، هذا لا خلاف فيه بين أهل العلم.
قوله: [والبكر ولو مكلفة]
البكر لها ثلاث أحوال:
الحالة الأولى: أن تكون البكر مكلفة أي بالغة عاقلة، فجمهور العلماء على أن للأب ووصيه من بعده أن ينكحها بلا إذنها أي أن يجبرها على النكاح.
هذا هو مذهب الحنابلة والمالكية والشافعية، واستدلوا بما روى مسلم في صحيحه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (الثيب أحق بنفسها من وليها والبكر تستأمر وإذنها سكوتها) قالوا فقوله - صلى الله عليه وسلم - (الثيب أحق بنفسها من وليها) مفهومه أن غير الثيب ليست بأحق بنفسها من وليها، وعليه فإن وليها أحق بها من نفسها فله أن يجبرها.
وذهب الأحناف وهو رواية عن الإمام أحمد واختارها طائفة كثيرة من أصحابه، واختار هذا القول شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم والشيخ محمد بن إبراهيم والشيخ عبد الرحمن السعدي رحمهم الله جميعاً، قالوا: لا يجوز له أن يجبرها بل يشترط إذنها، واستدلوا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث المتقدم: (البكر تستأمر) أي يطلب أمرها في النكاح وبقوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا تنكح البكر حتى تستأذن) قيل فكيف إذنها قال (أن تسكت) .
فهذان الحديثان يدلان على وجوب استئذانها، وعليه فلا يجوز له أن يجبرها.
قالوا: وأما ما استدللتم به فغايته أن يكون مفهوماً، والمنطوق مقدم على المفهوم.
فإن قيل: لم قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:- الثيب أحق بنفسها –؟
فالجواب: لأنها تصرح بلفظها، فإن الثيب تصرح بلفظها فتقول: قبلت أو رضيت، بخلاف البكر فإنها لا تصرح بلفظها حياءً.
وهذا هو القول الراجح
الحالة الثانية: أن تكون البكر دون تسع سنين، فقد أجمع أهل العلم على أن البكر دون التسع، يجوز للأب ووصيه من بعده – أن يجبرها على النكاح – هذا بإجماع العلماء حكاه ابن المنذر وغيره.
الحالة الثالثة: البكر بنت تسع سنين، فجمهور العلماء على أن لأبيها أن يجبرها ومنهم الأحناف كما تقدم فإن الجمهور يقولون: البكر تجبر ولو كانت بالغة، فأولى من ذلك بنت تسع.
وعن الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام واختاره أبو بكر من الحنابلة، وقال بعض الحنابلة:– هو المنصوص عن الإمام أحمد –: أنه ليس للأب أن يجبرها وأن لها إذناً معتبراً وذلك لأن إمكان الحيض منها كثير، ولأنها تتطلع إلى النكاح أكثر من دونها، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (البكر تستأذن) هو عام في كل بكر فلا يخصص منه إلا مادل الإجماع على تخصيصه وهي ما دون تسع، وهذا هو القول الراجح في هذه المسألة، فعليه البكر تستأذن إلا أن تكون دون تسع فلأبيها ولوصيه من بعده أن يجبراها على النكاح بإجماع أهل العلم.
أما الثيب فلا يجوز للأب ولا لوصيه ولا غيرهما أن يجبروها على النكاح، والمراد بالثيب التي قد تم لها تسع سنين، فقوله:– لا الثيب – أي الثيب التي تم لها تسع سنين، وظاهر ذلك أنها إن كانت دون تسع وهي ثيب أن له أن يجبرها وهو الصحيح في مذهب الحنابلة، وهذا القول ظاهر إذ لا فرق بين البكر والثيب إلا في أمر واحد وهو كيفية بيان الرضا، فالثيب تصرح بلفظها، والبكر يمنعها الحياء من ذلك فتصمت، وقال بعض الحنابلة، وعبر عنه صاحب الإنصاف بقوله، وقيل أنه ليس للأب أن يجبر الثيب دون تسع، وفيه نظر لما تقدم، إذ لا فرق بينهما إلا فيما تقدم من حيث أن الثيب تبين رضاها بصريح قولها، وأما البكر فإنها تصمت ويكون صماتها دليلاً على رضاها.
قال: [كالسيد مع إمائه]
فالسيد ينكح إماءه البالغات وغير البالغات بغير رضاهن لأنه يملك منافع بضعهن، فإنهن ملك له وهذا ظاهر.
قال: [وعبده الصغير]
فيجوز له أن يجبر عبده الصغير على النكاح، لأن هذا - رأى السيد - أولى من الأب، وأما العبد الكبير البالغ فلا يجوز له إجباره، لأنه يملك الطلاق وإذا كان يملك الطلاق فلا يملك إجباره على النكاح كالحر.
قال [ولا يزوج باقي الأولياء صغيرة دون تسع سنين]
حتى الجد في الصحيح من قولي العلماء - وهو مذهب الحنابلة - وقالت الشافعية: بل الجد له أن يجبر البكر على النكاح لأن ولايته بسبب الولادة فأشبه الأب وحكاه صاحب الإنصاف اختياراً لشيخ الإسلام وهو روايه عن الإمام أحمد والصحيح ما ذهب إليه الحنابلة من أن الجد ليس له أن يجبر البكر _دون تسع سنين _ على النكاح وليس له _ على المذهب _ أن يجبرها بعد تسع وذلك لقوله - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه أبو داود والنسائي (ليس للولي مع الثيب أمر واليتيمة تستأمر) ، واليتيمة: هي من ليس لها أب ولأن شفقة الجد ليست كشفقة الأب فالصحيح أن سائر الأولياء كالأخ والعم وكذالك الجد ليس لهم أن يجبروا البكر وإن كانت محلاً للإجبار كالبكر دون تسع.
قال [ولا صغيرة ولا كبيرة عاقلة ولا بنت تسع سنين إلا بإذنها]
لما تقدم إلا مع الحاجة - على الراجح - وعند الحنابلة أن ذلك للحاكم خاصة والراجح أنه لسائر الأولياء وعندما يحتاج موليه إلى النكاح للوطء أو للخدمة فإنه ينكحه لما في ذلك من مصلحته.
قال [وهو صمات البكر]
هذا هو الإذن فإذا قيل لها: خطبك فلان أترضين به؟
فسكتت، فهذا هو رضاها وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - (وإذنها سكوتها) .
قال [ونطق الثيب]
فالثيب تبيّن وتعرب عن نفسها _ كما تقدم في الحديث السابق تستأمر أي تأمر فيطلب أمرها – والثيب في المذهب هي الموطوءة من قبل في حل أو في حرمة وعليه فالمزني بها مكرهة أو غير مكرهة تدخل في هذا الحكم هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة.
وقالت المالكية والأحناف: الموطوءة فجوراً ليست بثيب، وهذا هو الراجح واختاره ابن القيم، ويرجحه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لاتنكح الأيم) فتفسر الثيب بالأيم، والموطوءة بالزنا ليست بأيم سواء كانت مكرهه أو غير مكرهه بل الأيم من فارقها زوجها بطلاقٍ أو فسخ أو موت وهذه الأيم قد باشرت النكاح سابقاً، وحينئذٍ فلمباشرتها السابقة يزيل هذا الحياء الذي يمنعها من التصريح به حيث خُطِبَت مرةً أخرى، ومن وطئت بالزنا ليس أمرها كذلك.
فالراجح ما ذهب إليه المالكية والأحناف: أن الموطوءة بالزنا سواءً كانت مكرهة أو غير مكرهة ليست بثيب بل هي في حكم الأبكار في هذه المسألة.
فالذي يتبين من الأدلة الشرعية أن الثيب هي الأيم، والأيم من فارقها زوجها بطلاق أو فسخ أو موت وإن لم يطئها، فلو عقد عليها فمات عنها قبل أن يطئها فهي في حكم الثيب، فلا يكفي صماتها بل لابدَّ أن تعرب عن نفسها فتتلفظ بما يدل على رضاها.
الدرس الثالث والعشرون بعد الثلاثمائة
فصل
قال: [الثالث: الولي]
هذا هو الشرط الثالث من شروط النكاح وهو الولي فلا يصح النكاح إلا بولي لما روى الخمسة وصححه أحمد وابن المديني والبخاري والذهبي وغيرهم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا نكاح إلا بولي) ، أي لا نكاح صحيح إلا بولي، ولما روى أحمد والترمذي وابن ماجة والحديث من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فإذا دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له) ، هذا هو مذهب عامة أهل العلم.