شرح زاد المستقنع للحمدصفحات 105-144
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قالوا: كما ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان يذكر الله على كل أحيانه) 1 قالوا: وقراءة القرآن من ذكر الله.
قالوا: والأصل جواز ذلك ما لم يدل دليل صحيح على المنع منه.
قالوا: ولا دليل صحيح يدل على ذلك.
أما الحديثان اللذان استدللتم بهما فهما ضعيفان: أما الحديث الأول: فإن فيه: عبد الله بن سلمة وهو ضعيف، وقد قال فيه الشافعي: " كان أهل الحديث يوهنونه "، وممن ضعفه الإمام أحمد.
أما الحديث الثاني: فإن فيه: إسماعيل بن عياش وقد رواه عن الحجازيين، وروايته عنهم ضعيفة، لذا اتفق الحفاظ على تضعيف هذا الحديث وممن نص على تضعيفه شيخ الإسلام ابن تيمية.
فإذن: هذان الحديثان ضعيفان.
قالوا: والأصل معنا، فإن الأصل هو الجواز حتى يرد الدليل الدال على تحريم ذلك، ولا دليل صحيح يدل عليه.
نعم: يستحب له ذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال - كما في أبي داود بإسناد صحيح -: (فإني كرهت أن أذكر الله على غير طهر) 2 أما أن يذكر الله أو يقرأ القرآن على غير طهر فذلك جائز، ولكن مع ذلك يستحب له أن يتطهر لذلك من غير إيجاب.

فيستحب له إذا أراد القراءة أن يتطهر، ولكن من غير إيجاب.
وهذا المذهب هو مذهب ابن عباس، كما صح ذلك عنه في البخاري معلقاً، فقد قال البخاري: " ولم ير ابن عباس بالقراءة للجنب بأساً " 1 وقد وصله ابن المنذر.
فعلى ذلك: هذا يعارض ما ثبت عن علي، والصحابة إنما تكون أقوالهم حجة إذا لما تتعارض.
فإذن القول بجواز القراءة هو قول ابن عباس وهو قول البخاري وابن المنذر والطبري وهو مذهب الظاهرية، وهو الراجح، لكن يستحب له أن يغتسل لذلك، وكذلك هو – أي القول بالجواز- مذهب طائفة من التابعين كسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب وعكرمة وهو مذهب ذهب إليه أئمة كالبخاري وابن المنذر والطبري، وهو الراجح.
وأولى منه الحائض، فإذا ثبت الحكم للجنب فأولى منه أن يثبت للحائض خلافاً للجمهور أيضاً.
إلا أن الإمام مالك أجازه إذا خشيت أن تنسى المرأة حفظها للقرآن فيجوز لها – وهو اختيار شيخ الإسلام –. والقول بالتعميم هو الراجح لما تقدم، فإن الحائض أولى من الجنب لأمرين:

1 – الأمر الأول: أن الحائض ما عليها من الحدث بغير اختيارها ولا يمكنها أن تزيله إلا أن يذهبه الله عنها، وأما الجنب فليس أمره كذلك بل يمكنه أن يغتسل بمجرد أن يؤمر بذلك.
وأما الحائض فليس لها ذلك بل هو أمر قد كتبه الله على بنات آدم – كما قال النبي صلى الله عليه وسلم 2 -. 2- الأمر الثاني: أن الحائض قد تطول مدتها، فقد يبلغ سبعة أيام أو دون ذلك أو أكثر من ذلك فتحتاج أن تقرأ القرآن.

بخلاف الجنب فإن مدته تقصر، لأنه مطالب بالصلاة، وألا يصلي إلا بطهارة كبرى وصغرى، فيجب أن يتطهر، فمدته قصيرة غالباً.
فإذا ثبت لنا جوازه في الجنب فأولى منه أن يثبت للحائض، وهذا اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وغيرهما.
قوله: (ويعبر المسجد لحاجة) فإن لم يكن هناك حاجة فلا يجوز له أن يعبر المسجد.
ولو قيل: (ولا يعبر المسجد إلا لحاجة) لتبين الحكم ووضحت العبارة، بخلاف: (ويعبر المسجد إلا لحاجة) 1 وإن كان يفهم منها أنه لا يجوز له ذلك لكن لو قال: (ولا يعبر إلا لحاجة) لكان أصرح في الحكم.
هذا هو المشهور في المذهب وأنه لا يجوز للجنب العبور في المسجد إلا لحاجة.
إذن: مكثه في المسجد ولبثه فيه محرم، فلا يجوز للجنب أن يلبث في المسجد، أما المرور فيجوز إن كانت هناك حاجة.
واستدلوا: بقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة﴾ 2 قالوا: أي مواضع الصلاة وهي المساجد: ﴿وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنباً﴾ أي لا تقربوا المساجد وأنتم جنب: ﴿إلا عابري سبيل﴾ فإذا كنتم عابري سبيل فيجوز لكم أن تعبروا المساجد.

وبما رواه أبو داود والترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا أحل المسجد لحائض ولا جنب) 1 وهو مذهب الشافعية كذلك وأن اللبث في المسجد محرم إلا إذا كان على هيئة العابر المار فإنه يجوز له ذلك.
لكنه يكره له ذلك إن لم يكن هناك حاجة؛ لأن اتخاذ المساجد طرقاً مكروه، فلا يجوز للمسلم سواء كان جنباً أو غير جنب أن يعبر المساجد إلا إذا كانت هناك حاجة، لأن المساجد يكره أن تتخذ طرقاً كما ورد النهي عن ذلك في الطبراني في الكبير وغيره – وسيأتي في باب المساجد – لذا قال: (إلا لحاجة) ؛ لأن مروره من غير حاجة مكروه سواء كان جنباً أو غير جنب.
إذن: الحنابلة والشافعية: قالوا: لا يجوز المكث في المسجد للجنب إلا إذا كان عابراً للسبيل فإنه يجوز له ذلك.
ويكره له أن يعبر لغير حاجة سواء كان جنباً أو لم يكن جنباً.
ووافقهم بقية المذاهب الأربعة بأن اللبث محرم استدلالاً بحديث: (لا أحل المسجد لحائض ولا جنب) . ولكنهم لم يوافقوهم في جواز العبور، بل ذهبت المالكية والأحناف: إلى أنه لا يجوز العبور.

وأجابوا عن الاستدلال بالآية، وقالوا: معنى: ﴿لا تقربوا الصلاة﴾ أي لا تصلوا: ﴿وأنتم سكارى …. ولا جنباً﴾ أي ولا تصلوا وأنتم جنباً فإن الصلاة لا تحل للجنب ﴿إلا عابري سبيل﴾ أي إلا مسافرين، فإذا كنتم مسافرين فيجوز لكم أن تصلوا وأنتم جنب إذا تيممتم، ثم ذكر الله بعد ذلك التيمم.
وهذا التعبير أصح، ذلك لأن هذا التعبير لا يحتاج فيه إلى تقدير محذوف، قوله: ﴿لا تقربوا﴾ أي لا تصلوا فإن المعنى هو الظاهر.
وأما إذا قلنا: (لا تقربوا مواضع الصلاة) فقد احتجنا إلى أن نقدر محذوفاً، والأصل ألا يكون هناك تقدير محذوف وهذا هو الراجح في تفسيرها 1

إذن: مذهب المالكية والأحناف في تفسير هذه الآية أصح.
لكن ما ذهبوا إليه من تحريم اللبث والمكث في المسجد قد خالفهم فيه بعض العلماء فقالوا: يجوز المكث للجنب في المسجد.
وهو مذهب ابن المنذر والمزني، وهو رواية عن الإمام أحمد وهو مذهب الظاهرية.
قالوا: يجوز للجنب أن يمكث في المسجد.
قالوا: والحديث ضعيف، وقد ضعفه البيهقي وعبد الحق الأشبيلي وابن حزم.
وفيه جَسْرة وقد ذكر البخاري أن في أحاديثها مناكير، فإذا ثبت ذلك فإنه يجب التوقف في حديثها، فإن في بعض أحاديثها مناكير فوجب أن يتوقف في حديثها، ولم يوثقها إمام معتبر بل وثقها ابن حبان والعجلي فلم يكن من الحق اعتماد حديثها في مسألة من المسائل الشرعية والأمر كذلك.
فإذن: الحديث ضعيف لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم للتوقف في حال جسرة، فإن ثبت التوقف كان العمل كذلك، والحديث المتوقف فيه – كما ذكر ابن حجر في النزهة – كالحديث المردود تماماً.
إذن: الحديث لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وعلى ذلك فيجوز مطلقاً كما هو رواية عن الإمام أحمد وهو مذهب المزني من كبار أئمة الشافعية، وهو مذهب ابن المنذر وهو إمام مجتهد مشهور، فهذا هو مذهبهم؛ لضعف الحديث، ولأن الآية الكريمة الصحيح في تفسيرها ما ذهب إليه المالكية والأحناف، وأن المراد بقوله: ﴿لا تقربوا الصلاة﴾ أي لا تصلوا، فعلى ذلك لا تصلوا وأنتم جنب، إلا إذا كنتم مسافرين فلم تجدوا ماءً فتيمموا وصلوا – وإنما استثنى في الجنب المسافر؛ لأن الغالب فيمن يفقد الماء إنما هو المسافر.
بخلاف الحاضر فإنه يقل فقده للماء فلم يحتج إلى التنبيه عليه.
إذن: الراجح مذهب بعض العلماء وهو مذهب الظاهرية وأن المكث في المسجد – للجنب – جائز مطلقاً.

أما الحائض فلا يجوز لها كما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم: (أمر الحيض أن يعتزلن المصلى) 1 وثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: (ناوليني الخمرة من المسجد فقالت: إني حائض فقال: إن حيضتك ليست بيدك) 2 فهذا يدل على أنه قد تقرر عندها – وقد أقرها النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك – أن الحائض لا تدخل المسجد ولا يجوز لها ذلك.
ومن ثمَّ نهيت عن الطواف بالبيت، فقد قال صلى الله عليه وسلم لعائشة: (غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري) 3 متفق عليه.
فإذن: الراجح أنه يجوز المكث واللبث في المسجد للجنب، أما الحائض فلا يجوز لها مطلقاً المكث في المسجد واللبث فيه.
وقبل ذلك: مرورها إلا عند الضرورة، لأن المرور نوع مكث، فلا يجوز لها المرور إلا للضرورة.

قوله: (ولا يلبث فيه بغير وضوء) هذه هي مسألة اللبث، فيكون هذا تصريح منه بأن اللبث ينهى عنه الجنب، والحائض ممن يلزمه الغسل فلا يجوز له اللبث إلا بوضوء.
وهذا من مفردات المذهب وأن الجنب – وهذا على القول بتحريم مكثه في المسجد – لا يجوز له أن يلبث في المسجد إلا إذا توضأ فيجوز له اللبث.

وحجتهم: ثبوت ذلك عن الصحابة، كما روى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن عطاء بن يسار قال: (كان رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضؤوا وضوء الصلاة) 1 وسيأتي الكلام على أن الوضوء مخفف للجنابة عند الكلام على استحباب الوضوء عند النوم.
فإذن: مذهب الحنابلة – ولو قلنا بتحريم المكث واللبث لقلنا به - لأن هذا فعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فلو احتلم رجل في المسجد ثم قام فتوضأ ثم عاد فنام فإنه قد فعل أمراً جائزاً، فيجوز له أن يمكث إذا توضأ.
ومثله – كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية – النفساء والحائض إذا توقف عنهما الدم، فإنهما في حكم الجنب، فإذا توضآ جاز لهما المكث، فإذا قلنا أنه لا يجوز للجنب المكث في المسجد إلا إذا توضأ، فكذلك الحائض والنفساء إذا انقطع عنهما الدم.
وما ذكره شيخ الإسلام قد يقال فيه شيء من النظر وهو أن الحُيَّض في الغالب، فيهن من يتصف بهذا الوصف وهو الانقطاع عن الدم، ولم يستثن النبي صلى الله عليه وسلم عند أمرهن باعتزال المصلى، لا سيما النفساء – على القول بأن النفساء لا تطهر بانقطاع دمها – فهذا فيها أوضح.
فأمرهن باعتزال المصلى ولم يستثن النساء اللاتي انقطع عنهن، وهن في الغالب يكن كثيرات.
وقد يقال: لم يستثن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك؛ لأن الغالب أن من انقطع دمها فإنها تغتسل وتحضر الصلاة فيذهب هذا التنظير.
فعلى ذلك قول شيخ الإسلام لا يحمل على انقطاعه أثناء مدة الحيض أو النفاس وإنما يحمل على انقطاعه الذي يجب منه الغسل، ومتى كان كذلك فلها أن تتوضأ وتلبث أو تمكث في المسجد.
إذن: ما ذكره شيخ الإسلام – وهو على المذهب – وجيه واضح.
فالحائض لا يجوز لها المكث في المسجد فإن انقطع دمها فيجوز لها المكث بعد الوضوء، وهو اختيار شيخ الإسلام وهو قياس واضح بيِّن.

قوله: (ومن غسل ميتاً أو أفاق من جنون أو إغماء بلا حلم سن له الغسل) (ومن غسل ميتاً) : تقدم استحباب الغسل من غسل الميت للحديث: (من غسل ميتاً فليغتسل) (1) وقد تقدم تصحيحه.
وفيه استحباب الغسل من غسل الميت، وأن من باشر غسل الميت سواء باشره كله أو بعضه فإنه يستحب له الغسل.
(أو أفاق من جنون أو إغماء بغير حلم) : لأنه إذا ثبت الاحتلام فقد وجب الغسل، وقد ثبت في الصحيحين 2 أن النبي صلى الله عليه وسلم: (لما أغمي عليه في مرض موته اغتسل بعد أن أفاق) فهذا يدل على استحبابه في المغمى عليه.
ومثله من أفاق من جنون من باب أولى، وقد قال الموفق: " ولا أعلم فيه خلافاً ".

قوله: (بلا حلم) : أما إذا وقع احتلام في الإغماء أو نحوه فإنه يجب عليه أن يغتسل؛لأن ذلك موجب من موجبات الغسل كما تقدم لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (نعم إذا رأت الماء) 1 . والحمد لله رب العالمين

الدرس الرابع والثلاثون (يوم الأحد: 27 / 11 / 1414 هـ)

قال المؤلف رحمه الله: (والغسل الكامل أن ينوي ثم يسمي ويغسل كفيه ثلاثاً …..) قوله: " والغسل الكامل " أي الغسل الجامع بين ما يفترض وما يسن.
قوله: " أن ينوي " لقوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) 2

قوله: " ثم يسمي " قياساً على الوضوء، فإن الغسل إحدى الطهارتين.
قوله: " ويغسل كفيه ثلاثاً " ثبت في الصحيحين عن عائشة قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه (وهنا قال المؤلف: ويغسل كفيه ثلاثاً) ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه ثم يتوضأ ثم يأخذ الماء فيُبلغ أصول الشعر، ثم حثى على رأسه ثلاث حثيات ثم غسل سائر جسده) 1 . فهذا الحديث فيه صفة الغسل وأنه: يبدأ أولاً بغسل يديه ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه ثم يتوضأ وضوءه للصلاة ثم يأخذ الماء فيخلل به أصول شعره ثم يحثي علي رأسه ثلاث حثيات ثم يغسل سائر جسده، أي بقية جسده، فإن سائر الشيء بقيته.
وهنا عند قوله: (ويعم بدنه غسلاً ثلاثاً) هذا هو المذهب وأنه يستحب أن يعم بدنه غسلاً ثلاثاً قياساً على الوضوء.

لكن هذا القياس قياس ليس صحيحاً لمخالفته لظواهر الأدلة الشرعية كحديث عائشة وحديث ميمونة وليس في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم غسل جسده ثلاثاً، فظواهر الأدلة الواردة في غسل النبي صلى الله عليه وسلم ظاهرها أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما اكتفى بغسل يديه مرة واحدة.
وقد بوب عليه البخاري باباً بهذا المعنى وهو اختيار شيخ الإسلام وذهب إليه بعض الحنابلة.
إذن: ذهب بعض الحنابلة وهو اختيار شيخ الإسلام أنه لا يشرع له أن يعم بدنه ثلاثاً وأنه ليس بمستحب بل إنما يعم بدنه بالغسل مرة واحدة.
أما استحباب الثلاث فلا دليل عليه بل ظواهر الأدلة تدل على أنه يغسل بدنه مرة واحدة وبذلك بوب البخاري.
وقوله: (ويحثي على رأسه ثلاثاً يرويه) : عليه أن يروي رأسه ويتأكد من وصول الماء إلى أصول الشعر.
وعلى الرجل أن ينشر رأسه إن كان غير منشور لما ثبت في أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وأما الرجل فلينشر شعره فليغسله حتى يبلغ أصول الشعر) 1

وأما المرأة سواء كانت حائضاً أو جنباً – وقد ضفرت شعرها - فلا يجب عليها أن تنقضه، لما ثبت في مسلم أن أم سلمة سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله: إني امرأة أشد ضفر شعر رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة والحيضة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا إنما يكفيك أن تحثي علي رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين) 1 . أما الجنب فهو باتفاق العلماء.
وأما الحائض فهل يجب أن تنقض شعر رأسها عند الغسل أم لا؟ قولان في مذهب أحمد وغيره: أصحهما أنه لا يجب عليها ذلك للحديث المتقدم 2

وأما ما روي ابن ماجه في غسل الجنابة وفيه قال: (انقضي شعرك واغتسلي) فهذا يحمل على الاستحباب لحديث أم سلمة المتقدم وفيه: (إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات) ، فعلى ذلك قوله – في غسل الحائض -: (انقضي شعرك واغتسلي) يكون للاستحباب.
إذاً: أصح قولي العلماء أنه لا يجب على المرأة إذا كانت حائضاً أن تنقض شعر رأسها إذا ضفرته بل تحثي عليه ثلاث حثيات، وأما الرجل فيجب أن ينقض شعر رأسه وأن يصل الماء إلى أصول الشعر.
قوله: (ويدلكه) فيستحب له أن يدلك بدنه ليتأكد من وصول الماء إلى أجزاء البدن، ليتأكد من ذلك أو ليغلب على ظنه، ولا يجب عليه ذلك – أي الدلك – متى تيقن وصول الماء إلى أجزاء البدن أو غلب على ظنه.
إذن: لا يجب أن يدلك بدنه متى تيقن وصول الماء أو غلب على ظنه.
وإنما يشرع له ذلك ليتيقن.
أما إذا علم أن بعض أجزاء بدنه لم يصلها الماء فإنه يجب عليه أن يتأكد من وصول الماء إلى هذه الأجزاء.
قوله: (وتيامن) استحباباً، لحديث عائشة: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه التيامن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله) 1 والغسل من الطهور، فيستحب له أن يتيامن فيه بأن يبدأ بشقه الأيمن ثم شقه الأيسر.
قوله: (ويغسل قدميه مكاناً آخراً)

فيستحب له إذا انتهى من الغسل على بدنه أن يغسل رجليه مكاناً آخر.
ودليل ذلك، حديث ميمونة وفيه: (ثم تنحى من مكانه فغسل قدميه) . فعلى ذلك يستحب له أن يتنحى عن موضعه الذي اغتسل فيه ثم يغسل قدميه.
وذهب بعض الحنابلة: إلى أنه لا يستحب مطلقاً بل عند الحاجة وهي ما إذا كان موضعه الذي اغتسل فيه قد حدث فيه الطين ونحوه، فينتقل إلى موضع آخر، وهذا القول أولى؛ لأن حديث عائشة ليس فيه غسل القدمين بعد غسله.
وأما ما رواه مسلم – من ذكر ذلك أي غسل القدمين بعد الغسل – فهي رواية معلومة، فهي من رواية أبي معاوية عن هشام، وروايته عن هشام فيها مقال، وقد تفرد بها عن أصحاب هشام، فلا يثبت هذا في حديث عائشة.
وإنما الأظهر أنه غسل قدميه لما قالت: (ويتوضأ) وفي ذلك غسل القدمين.
وما ذكره هؤلاء أولى؛ لأن مثل ذلك لا يتعلق بمثله استحباب، ولعدم ثبوته في حديث عائشة؛ ولأنهم كانوا يغتسلون في أراضي ترابية، فإذا اغتسل فإن الماء ينزل على موضعه فيتطين بذلك فيبقى على قدميه طين، فإذا انتقل إلى موضع آخر فغسل قدميه يكون أكمل لطهارته.
فإذن: الأظهر أنه لا يستحب ذلك مطلقاً، وإنما عند الحاجة كأن تكون الأرض قد أصيبت بالطين بسبب تنازل الماء من جسده.
قوله: (والمجزئ أن ينوي ثم يسمي ويعمم بدنه بالغسل مرة) . (أن ينوي) : إذن النية لا يجزئ الغسل بدونها، فهي شرط من شروطه لحديث: (إنما الأعمال بالنيات) 1 فلابد للغسل لأن يكون مجزءاً أن ينويه، فلو اغتسل لتبريد ونحوه فلا يجزئه ذلك.
لكن إذا اغتسل لرفع الحدث الأكبر عنه أو اغتسل لما لا يصح فعله إلا بالغسل بنية ذلك: فإنه يرتفع حدثه.
وما قيل في النية من مسائل في الوضوء، فهو كذلك في الغسل.

إذن: النية شرط من شروط الغسل، فإذا نوى رفع الحدث الأكبر أجزأه.
وإذا نوى أن يمس المصحف أو يقرأ القرآن – على القول باشتراط الطهارة من الجنابة –. أو اغتسل بنية دخول المسجد – على القول بعدم جواز دخول الجنب – فإن هذه النية تجزئ عنه.
أما إذا اغتسل بنية غسل الجمعة أو غسل عرفات أو غير ذلك من الاغتسال المستحبة فلا يجزئ عنه على الصحيح، ويجزئ على المذهب كما تقدم في الوضوء.
إذن: ما تقدم من نية الحدث الأصغر كذلك هي نفس الأحكام المترتبة على النية بالحدث الأصغر 1 . قوله: (ثم يسمي) : إذن التسمية ركن فيه قياساً – كما تقدم على الوضوء – (تراجع الشيخ عن ركنية التسمية في الوضوء إلى استحبابها، فكذلك الغسل) 2 . (ويعم بدنه بالغسل مرة) لما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال - من حديث عمران بن حصين – لمن أجنب: (اذهب فأفرغه عليك) 3 فهذا الحديث يدل على أن الواجب عليه في الغسل أن يعم بدنه أي يعم بشرته وأصول الشعر ونحو ذلك وكل أعضاء بدنه أن يعمها بالغسل.
وهل يدخل في ذلك المضمضة والاستنشاق أم لا؟ قولان لأهل العلم: فذهب الحنابلة والأحناف: إلى فرضية المضمضة والاستنشاق، فلو غسل بدنه ولم يتمضمض ولم يستنشق فإن غسله ليس بمجزئ.
وذهب الشافعية والمالكية: إلى أجزائه دون المضمضة والاستنشاق.

أما أهل القول الأول: فاستدلوا بحديث ميمونة في الغسل وفيه: (ثم تمضمض واستنشق وغسل وجهه وذراعيه ثم أفاض على رأسه الماء ثم غسل جسده) 1 . قالوا: فقد ثبت هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد تمضمض واستنشق والنبي صلى الله عليه وسلم إذا فعل فعلاً فيه بيان لمجمل القرآن فإنه يجب، فإن الله قال: ﴿وإن كنتم جنباً فاطهروا﴾ فتمضمض النبي صلى الله عليه وسلم واستنشق في غسله فعلى ذلك يجب؛ لأنه بيان لمجمل القرآن.

واستدل أهل القول الثاني: بالحديث المتقدم وهو حديث عمران بن حصين وفيه (اذهب فأفرغه عليك) 1

وليس فيه ذكر المضمضة والاستنشاق وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
وكذلك في حديث أم سلمة: (إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين) 1 . وهذا القول - فيما يظهر لي – أصح؛ ذلك لأن هذه الأحاديث ليس فيها ذكر المضمضة والاستنشاق.
وأما حديث ميمونة المتقدم فإن المضمضة والاستنشاق فيه ليس صريحاً أنها من الواجبات؛ لأنهم لم يوجبوا ما تضمنه هذا الحديث مما فيه سوى المضمضة والاستنشاق، من وضوئه قبل ذلك وفيما ذلك المضمضة والاستنشاق، فإن الوضوء ومنه المضمضة والاستنشاق وغسل الوجه وغسل اليدين وبقية الوضوء الذي يكون قبل الغسل بالاتفاق ليس بواجب، ومنه المضمضة والاستنشاق.
والأحاديث التي استدلوا بها ظاهرة في عدم وجوب المضمضة والاستنشاق لاسيما في قول النبي صلى الله عليه وسلم لأم سلمه: (إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين) ، والعلم عند الله تعالى 2

إذن: المسألة فيها قولان: وجوب المضمضة والاستنشاق، وهذا مذهب الحنابلة والأحناف.
عدم وجوبهما، وهو مذهب المالكية والشافعية.
قوله: (ويتوضأ بمد ويغتسل بصاع) لما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان يتوضأ بمد - وهو ربع الصاع – ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد) 1 ، هذا هو المستحب وهو فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
فإن غسل بدنه بأقل من الصاع أو توضأ بأقل من المد، لذا قال: (فأن أسبغ بأقل ... أجزأ) فإذا أسبغ بأقل من الصاع فإنه يجزئ عنه، ولكن عليه أن يتيقن الغسل أي غسل الأعضاء.
أما إذا كان مسحاً فإنه لا يجزئ عنه فلابد وأن يجري الماء على أعضائه.
قوله: (أو نوى بغسله الحدثين أجزأه) رجل اغتسل – وسواء قلنا أن المضمضة والاستنشاق من فرائض الغسل أو لم نقل ذلك – رجل اغتسل ونوى رفع الحدثين، الحدث الأكبر والحدث الأصغر، قال: (أجزأ عنه) . إذن لا يشترط أن يتوضأ، بل يجزئ عنه إذا نوى رفع الحدث الأصغر والأكبر.

  • وعن الإمام أحمد وهو قول للشافعي: أنه لا يجزئ عنه حتى يتوضأ؛ لأن الله قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا …﴾ 2 فيجب على من قام إلى الصلاة أن يتوضأ.
    واستدل الجمهور: بقوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنباً فاطهروا﴾ (3) فلم يوجب سوى الطهارة، ولم يوجب وضوءاً، والطهارة من الجنابة الغسل، فإذا اغتسل فقد طهر، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين) 3 ، وهذا هو الراجح – وهو مذهب جماهير العلماء - وأنه لا يشترط أن يتوضأ.

لكنه إن أحدث أثناء غسله كأن يمس ذكره فحينئذ لا يجزئ عنه الوضوء؛ لأنه قد انتقض أثناء الغسل.
أما إذا لم يحدث أثناء غسله فإن هذا الغسل يجزئ عنه إذا نوى رفع الحدثين.
إذن: لو أنه رفع الحدث الأكبر فحسب فإنه لا يجزئ عنه عن الوضوء، بل يجب عليه أن يتوضأ لحديث: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوي) 1 .

  • وذهب بعض الفقهاء، وهو رواية عن الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم واختيار الشيخ عبد الرحمن السعدي: إلى أنه يجزئ عنه إذا نوى رفع الحدث الأكبر، ويدخل في ذلك الحدث الأصغر تبعاً له.
    واستدلوا بالآية المتقدمة وهي قوله: ﴿وإن كنتم جنباً فاطهروا﴾ قالوا: فلم يوجب الله عز وجل وضوءاً ولا نيته بل أوجب علينا الطهارة، فمن طهر فإنه يرتفع بذلك حدثه الأكبر والأصغر.
    وهذا القول هو القول الراجح، وأنه متى اغتسل عن الحدث الأكبر فإنه يرتفع عنه الحدث الأصغر تبعاً؛ لأنه عز وجل قال: ﴿وإن كنتم جنباً فاطهروا﴾ ، والطهارة هي الغسل كما تقدم في الأحاديث المتقدمة، ولم يشترط الله عز وجل سوى ذلك فلم يشترط وضوءاً ولا نيته، فعلى ذلك: متى نوى رفع الحدث الأكبر بغسله فإنه يرتفع الحدث الأصغر تبعاً له، والعلم عند الله.
    قوله: (ويسن لجنب غسل فرجه، والوضوء لأكل ونوم ومعاودة وطء)

أما الأكل: فلِما ثبت في مسلم عن عائشة قالت: " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان جنباً فأراد أن ينام أو يأكل توضأ وضوءه للصلاة " 1 ، وفي الصحيحين عن عمر أنه قال: (يا رسول الله أيرقد أحدنا وهو جنب فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (نعم إذا توضأ فليرقد) وفي رواية: (اغسل ذكرك وتوضأ ثم نم) 2 ، فهذه الأحاديث واضحة في استحباب الوضوء للأكل والشرب وكذلك النوم.
وهي واضحة أيضاً في استحباب غسل الفرج عند النوم.

وأما استحباب غسل الفرج عند الأكل والشرب كما هو ظاهر قول المؤلف فليس هذا بواضح، ولم أر دليلاً يدل عليه.
وإنما يستحب له إذا أراد أن يأكل ويشرب أن يتوضأ وأما غسل فرجه فلم أر دليلاً من الأدلة الشرعية يدل على ذلك ولم أرهم استدلوا بدليل لهذه المسألة.
ولا يضره حدث؛ لأن هذا الوضوء ليس لرفع الحدث، لأنه محدث حدثاً أكبر وليس في هذا الوضوء إزالة حدث عنه وإنما فيه تخفيف الجنابة.
فعلي ذلك لو أحدث فيكفيه ما فعله من الوضوء السابق فلو أنه توضأ ثم أكل وشرب ثم أحدث وأراد أن يأكل ويشرب فلا يقال باستحباب الوضوء مرة أخرى؛ لأن هذا الوضوء إنما يراد بها 1 التخفيف للجنابة فلا يؤثر الحدث فيه.
قوله: (ومعاودة وطء) . لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعاود فليتوضأ بينهما وضوءاً) 2 ، وللحاكم بإسناد صحيح: (فإنه أنشط للعود) (3) . فالحكمة إذن هي التنشيط، وعليه فإنه إذا أحدث فلا يضره أيضاً؛ لأنه ليس المقصود من ذلك رفع حدث.

  • وما ذكرناه في الجنب مستحب أيضاً في الحائض والنفساء اللتين قد انقطع عنهما الدم، فإذا انقطع الدم عن الحائض والنفساء فيستحب لهما أن يفعلا ما يفعله الجنب، فهما في حكم الجنب تماماً.
    والحمد لله رب العالمين.

انتهي باب الغسل بحمد الله.
الدرس الخامس والثلاثون (يوم السبت: 17 / 12 / 1414 هـ) باب التيمم

التيمم لغة: القصد، يقال: تيممت الشيء أي قصدته.

اصطلاحاً: هو التعبد لله عز وجل بمسح الوجه واليدين على وجه مخصوص.
وسيأتي ذكر صفته.
وهو مشروع بالكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحدكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً﴾ 1 . ومن السنة ما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي – وذكر منها – وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) 2 أي بالتيمم.
وقد أجمع العلماء على مشروعيته.
قال المؤلف رحمه الله: (وهو بدل طهارة الماء) فالتيمم بدل طهارة الماء، والبدل له حكم المبدل.
فالبدل له حكم المبدل ما لم يثبت دليل يدل على اختصاص المبدل بحكم من الأحكام الشرعية – هذه قاعدة شرعية – وإلا فالأصل أن البدل له حكم المبدل منه، فكل حكم يثبت للبدل فهو ثابت للمبدل.
فعلى ذلك: كل حكم يثبت للغسل والوضوء فإنه يثبت للتيمم إلا إذا دل دليل على أن الوضوء والغسل لهما حكم مختص بهما.
فعلى ذلك يثبت التيمم للصلاة والطواف ومس المصحف وغير ذلك من الأحكام الشرعية.
فإذن كل حكم يثبت للغسل والوضوء فهو ثابت للتيمم؛ لأنه بدل عنهما.
فإذا قلنا – مثلاً – إن الطواف من شروطه الوضوء فلم يجد الماء فيجب عليه التيمم.
وإن قلنا إنه سنة – كما هو الراجح – فإنه يستحب له التيمم إذا لم يجد الماء، وكذلك غيره من الأحكام.
مسألة:

رجل ليس بجنب بل الطهارة الكبرى ثابتة له وهو في خلاء ولا ماء عنده فهل يجوز له أن يطأ زوجته فتنتقض بذلك طهارته الكبرى أم يكره أم ما الحكم؟ روايتان عن الإمام أحمد: الرواية الأولى: أنه يكره له ذلك ما لم يخف العنت؛ لأنه يبطل بذلك الطهارة الأصلية.
الرواية الأخرى – وهي المشهورة في المذهب، واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية –: أنه لا يكره له ذلك؛ لأن التيمم طهارة وهو عادم للماء، وكونه قد انتقضت طهارته باختياره فإن هذا لا يضر.
فعلى ذلك: لو وطئ من يعلم أنه عادم للماء وإنه متي أجنب فلا يمكنه الغسل بالماء إنما التيمم فإنه يجوز له ذلك ولا يكره له ذلك.
قوله: (إذا دخل وقت فريضة أو أبيحت النافلة) هذا هو الشرط الأول.
وقوله: (إذا دخل وقت فريضة) فمثلاً صلاة الظهر وقتها إذا زالت الشمس، فإذا زالت الشمس فيجوز له أن يتيمم لها – إن كان عادماً للماء وتوفرت فيه الشروط الأخرى –. وكذلك في النافلة، فلا يتيمم إلا إذا أبيحت له.
فمثلاً: رجل أراد أن يتطوع تطوعاً مطلقاً، فليس له أن يتيمم في وقت النهي؛ لأنها لم تبح له النافلة، بل لا يتيمم إلا إذا خرج وقت النهي.
مثاله: رجل أراد أن يصلي تطوعاً مطلقاً بعد طلوع الشمس، فليس له أن يتيمم قبل طلوعها، بل لا يتيمم إلا بعد طلوعها.
ومثل ذلك: إذا ذكر صلاة فائتة، فإن الفائتة وقتها عند ذكرها.
فليس له أن يتيمم إلا إذا أراد أن يصليها.
أما إذا قال أريد أن أؤخرها ساعة أو ساعتين فليس التيمم.
ومثل ذلك: إذا اجتمع الناس للاستقاء فإنه لا يتيمم إلا عند اجتماعهم، أما قبل ذلك فلا يتيمم.
ومثل ذلك إذا كسفت الشمس فإنه يتيمم لكسوفها.

  • هذا هو مذهب الحنابلة وهو مذهب جمهور الفقهاء.
    ودليل ذلك – عندهم -: هو أن التيمم مبيح للصلاة ونحوها وليس رافعاً للحدث.

بمعنى: أن الصلاة تكون مباحة لكن الحدث باق، فإن من أحدث حدثاً أصغر أو أكبر فتيمم فإن الحدث ما زال باقياً، لكن الشارع أباح له هذه العبادة التي تشرط لها الطهارة.
فإذن: عندهم أن التيمم مبيح، يعني يبيح الصلاة ونحوها، لكن الحدث باق غير مرتفع، وعلى ذلك: فيكون كمن به حدث متجدد – كالمستحاضة - فإنها تتوضأ إذا دخل وقت الصلاة، ووضوء المستحاضة لا يرفع حدثها بل يبيح لها الصلاة ونحوها وإلا فالحدث باق عليها.
واستدلوا: على أن التيمم مبيح لا رافع: بما ثبت في سنن الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الصعيد طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين فإذا وجد الماء فليمسه بشرته فإن في ذلك خيراً) 1 . قالوا: فالشاهد قوله: (فليمسه بشرته) .

وبما ثبت في الصحيحين – في قصة سفرٍ للنبي صلى الله عليه وسلم – من حديث طويل رواه عمران بن حصين، وفيه أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أصابتني جنابة ولا ماء فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (عليك بالصعيد فإنه يكفيك) 1 فلما أتى النبي صلى الله عليه وسلم بالماء أعطاه إناء من ماء وقال له: (اذهب فأفرغه عليك) . قالوا: فقد أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يفرغه عليه ولو كان رافعاً للحدث لما أمره بذلك.
وقد أجمع أهل العلم على أن المتيمم إذا وجد الماء فعليه أن يمسه بشرته.
وإنما اختلفوا في هل هو في هذه المدة التي يجوز له التيمم، هل التيمم يرفع حدثه أم لا؟ فذهب جمهور أهل العلم: إلى أنه مبيح.
وذهب أبو حنيفة وهو رواية عن الإمام أحمد واختاره جماعة من محققي العلماء كشيخ الإسلام وتلميذه، ذهبوا: إلى أن التيمم رافع للحدث.
واستدلوا: بقوله تعالى: ﴿ولكن يريد ليطهركم﴾ وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتقدم: (إن الصعيد الطيب طهور المسلم) وقوله: (وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) 2 . قالوا: فهذه الأدلة مصرحة بأن التيمم طهور، والطهور هو المطهر فاعل الطهارة.
فعلى ذلك إذا تيمم فإنه تثبت له الطهارة وهي رفع الحدث، فإن حقيقة الطهور هو المطهر أي المثبت وصف الطهارة في فاعل التطهر.
فحينئذٍ: يكون طاهراً، والطاهر من ارتفع حدثه، فالطاهر في الأصل من ارتفع حدثه كذا لما قال صلى الله عليه وسلم: (لا يمس القرآن إلا طاهر) (3) فهم من ذلك وجوب الوضوء والغسل أي فعل التطهر.
أما أدلة أهل القول الأول: فإن غايتها أن تدل على أنه مؤقت، وأن هذا الرفع مؤقت إلى أن يأتي الماء؛ لأنه بدل عنه، فمتى ما وجد الماء فإنه يبطل، فهو ما قائم مقامه ما لم ينب المبدل.
فما دام قد ثبت المبدل، فإن البدل يبطل، فيعود غير طاهر.

ومن الأدلة على القول الثاني: قالوا: إن الأصل أن البدل يقوم مقام المبدل منه، فالأصل أن التيمم يقوم مقام الوضوء والغسل، فما دام غير واجد للماء فمقتضى ذلك أن يرتفع الحدث.
وهذا هو القول الراجح.
وعليه: فلا يشترط أن يتيمم بعد زوال الشمس في صلاة الظهر – مثلاً –. وله أن يتيمم قيل أن تباح له النافلة ما لم يجد الماء، فإذا وجد الماء فيجب عليه أن يمسه بشرته.
وعليه كذلك: لا يبطل تيممه بخروج الوقت، بل إذا تيمم لصلاة الظهر فله أن يصلي فيه صلاة العصر والمغرب ونحو ذلك ما لم ينتقض بحدث.
ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يتيمم لكل صلاة ولا أمر بذلك، والأدلة الشرعية مطلقة ليس فيها تحديد بشيء من ذلك، فأين بيان الشارع؟! فالشارع قد أطلق التيمم ومقتضى هذا الإطلاق أن يرفع الحدث وأن له أن يتيمم قبل دخول الوقت وأن يبقى بعد خروج الوقت.
وهذا هو الراجح وهو أن التيمم رافع للحدث.

قوله: (وعدم الماء) هذا هو الشرط الثاني وهو أن يعدم الماء فلا يكون واجداً له، أي ليس ثمت ماء بعد تطلب الماء، فمتى عدم الماء وقد تطلبه بالطريق التي ستأتي ذكرها ثم لم يجده فهو عادم له.
فإذاً: الشرط الثاني أن يكون عادماً للماء.
فعلى ذلك: إذا كان واجداً للماء فلا يجوز له أن يتيمم إلا فيما سيأتي من المسائل، وهذا قد أجمع عليه أهل العلم.
وهذا الشرط دل عليه قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ (1) . فإذا نسي الماء؟ بمعني: رجل تيمم وصلى ثم تذكر أن عنده ماء فيجب عليه أن يعيد الصلاة ويكون معذوراً لنسيانه، كما لو صلى بلا وضوء فإنه يجب أن يعيد؛ لأن هذا من باب الأفعال، والأفعال لابد من فعلها وإنما يعذر الشخص بجهلها أو نسيانها وأما أن يسقط فلا.
قوله: (أو زاد على ثمنه كثيراً أو ثمن يعجزه) رجل غير واجد للماء لكن هذا الماء مملوك لغيره ولم يبذله إلا بثمن فهل يجب عليه أن يشتريه أم لا؟

لا تخلو هذه المسألة من ثلاثة أحوال: ا- الحالة الأولى: أن يبذله له بثمن مثله أي ثمنه العادي، فإنه يجب عليه أن يشتريه؛ لأنه في حكم الواجد للماء، لأنه مالك للثمن الذي يمكنه أن يشتري به الماء فكان في حكم الواجد للماء، وهذا بإجماع أهل العلم.

  • فإن كان المال ليس حاضراً عنده لكنه يمكنه أن يقترض وهو قادر على الوفاء في الحكم؟ قولان في المذهب: أظهرهما - وهو اختيار شيخ الإسلام – أنه يجب عليه أن يشتريه؛ لأنه في حكم من معه المال.
    فإن كان المال ليس حاضراً عنده ويمكنه الاقتراض لكن لا يمكنه الوفاء، فلا يجب عليه أن يشتريه.
  • فإذا وُهب الماء إليه: فالمشهور في المذهب أنه لا يجب عليه قبوله للحرج الواقع بسبب المنة.
    فإن لم تكن هناك مِنَّة فيزول ذلك ويجب عليه أن يقبل الماء.
    إذاً هذه الحالة الأولى وهي أن يكون الماء بثمن المثل.
    2- الحالة الثانية: أن يزيد على ثمن المثل يسيراً، كأن يكون ثمنه درهماً فيبيعه بدرهمين - والمرجع في ذلك إلى العرف – فيجب عليه أن يشتريه؛ لأن هذه الزيادة لا تلحقه حرجاً.
    3 – الحالة الثالثة: أن يكون ثمنه كثيراً.
    ففيه قولان في المذهب: القول الأول: أنه يجب عليه ما لم يجحف بماله – وهو رواية عن الإمام أحمد –. فمثلاً: رجل عنده مال كثير جداً ولا يجحف بماله مئة ألف، فوجد ماء قليلاً يكفيه للوضوء فأرُيد بيعه بمائة ألف فيجب عليه أن يشتريه.
    القول الثاني: أنه لا يجب عليه وإن كان لا يجحف بماله، وهذا هو الراجح؛ لأن الله عز وجل شرع التيمم لرفع الحرج وكونه كثيراً فيه حرج وإن لم يجحف بالمال – هذا هو المشهور في المذهب –، لذا قال المؤلف: (أو زاد على ثمنه كثيراً) أي كثيراً لم يجحف بالمال.
    أما إذا كان كثيراً يجحف بالمال فلا يجب عليه قولاً واحداً؛ لأن في ذلك ضرراً.
    فعلى ذلك:

إذا كان الثمن مثلياً أو زاد يسيراً فإنه يجب عليه أن يشتريه.
أما إذا كان كثيراً يجحف بماله أو لا يجحف لكنه كثير في إنفاقه حرج، فلا يجب عليه الشراء – هذا هو المشهور في المذهب – وهو الراجح.
ومثل ذلك في الحكم: ما يمكنه إخراج الماء به من حبل ودلو فإن كان بثمن المثل أو زاد زيادة يسيرة فيجب عليه أن يشتريه.
أما إذا زاد على ثمن مثله زيادة كثيرة فلا يجب عليه شراؤه.
ومثل ذلك استئجار من يخرج له الماء، فإنه إذا كان مثلياً أو زائداً زيادة يسيرة فيجب عليه أن يستأجر لأنه بحكم الواجد للماء.
قوله: (أو ثمن يعجزه) : ولو كان يسيراً، ولو كان أقل من ثمن المثل لكنه يعجزه فلا يجب عليه؛ لأن العاجز بحكم العادم.
بمعنى: رجل لا يملك قيمة الماء والمراد قيمته الأصلية وثمنه العادي فإنه يتيمم لأنه بحكم العادم للماء فالعاجز في حكم العادم للماء.

قوله: (أو خاف باستعماله أو طلبه ضرر بدنه أو رفيقه أو حرمته أو ماله بعطش أو مرض أو هلاك ونحوه شرع التيمم) قوله: (أو خاف باستعماله ضرر بدنه ... ... .إلى أن قال (بعطش) : فإذا خاف باستعمال الماء الضرر بالعطش، يعني معه ماء إن توضأ به فإنه يخاف على نفسه العطش فإنه يتيمم ولا يتوضأ ولا يغتسل، لأن في وضوئه منه أو غسله إلحاق لنفسه بالضرر، وقد قال تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ (1) وقال صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار) 12

، وثبت في مسند أحمد وسنن أبي داود بإسناد صحيح عن عمرو بن العاص قال: (بعثني النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة ذات السلاسل قال: فاحتلمت وكانت ليلة شديدة فخشيت على نفسي فتيممت فصليت بأصحابي فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب، فأخبرته بما منعني من الاغتسال قلت: قد سمعت الله يقول: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً﴾ 1 قال: فضحك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئاً) 2 أي أقره ولم ينكر فعله.
فإذا خشي على نفسه الضرر أو استعمل الماء بعطش أو مرض، فإن المرض مبيح للتيمم كما قال تعالى: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيداً طيباً﴾ (3) .

فإذا كان استعمال الماء يزيد مرضه أو يؤخر برؤه فيشرع له التيمم، وكذلك من خاف على نفسه المرض لقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ ولحديث: (لا ضرر ولا ضرار) ولأن في ذلك حرجاً وقد قال تعالى: ﴿ما يريد الله ليجعل عليكم في الدين من حرج﴾ 1 وإيجاب شيء يظن ثبوت المرض به ممنوع شرعاً، فلا يوجب الشارع أمراً يثبت به غالباً المرض، فما دام أن هذا الرجل متى توضأ خاف على نفسه فيجوز له التيمم.
ولا شك أن هذا الخوف مع توفر الأسباب، أما إذا كان خوفاً من غير وجود أسبابه فإن هذا الخوف ليس معتبراً.
وإنما كأن يكون في ليلة باردة وخشي المرض أو نحو ذلك من الأسباب.
أما إن تيمم بمجرد توهم فإنه لا يجوز ذلك، وكل الخوف المذكور إنما هنا مع توفر الأسباب التي هي مظنة وقوع الأمر الذي يخاف منه.
قال: (أو هلاك) : كذلك إذا خشي على نفسه الهلاك باستعمال الماء فكذلك كما تقدم في حديث عمرو بن العاص، كأن يكون ذلك في ليلة شديدة البرد ولا يمكنه أن يسخن الماء أو كان في مكان مكشوف ويخشى أن يصيبه الهواء فيضر بدنه فيلحقه موتاً أو – كما تقدم – مرضاً أو نحو ذلك.
قال: (أو رفيقه) : خشي العطش على رفقائه.
أو على (حرمته) : أي امرأة أو أخت أو نحو ذلك مما معه فإنه يتيمم.
بمعنى: رجل لا يخشى على نفسه العطش لكنه يخشى على رفيقه والمراد به رفيقه المحترم وهو من له حرمة كالمسلم والذمي.
وأما الحربي فليس له ذلك؛ لأنه حربي دمه هدر ومثل ذلك الزاني المحصن أو نحو ذلك فإن هؤلاء لا حرمة لهم.
(أو ماله) بأن يكون معه دواب ونحو ذلك من ماشية ونحوها فخشي عليها العطش فكذلك يجوز له التيمم مع وجود الماء.
إذن: متى خاف باستعمال الماء أو طلبه ضرر بدنه أو رفيقه أو حرمته أو ماله بعطش أو مرض أو هلاك ونحوه من الضرر فإنه يشرع له التيمم.

أو – كذلك خاف هذه المخاوف على بدنه أو رفيقه أو حرمته أو ماله – خاف ذلك بطلبه وليس باستعماله.
يعني: الماء قريب منه يمكنه أن يأتي به لكنه يخشى على نفسه كأن يكون بينه وبينه لص أو سبع أو امرأة وبينها وبينه فساق ويخشى على عرضها أو نحو ذلك فيجوز لهؤلاء أن يتيمموا.
فهم في الأصل واجدون للماء لأن الماء قريب منهم ويمكنهم استعماله ولكن المانع إنما هو وجود ما يلحقه الضرر، فيوجد بينه وبين هذا الماء القريب لص أو سبع أو نحو ذلك يخشون الضرر على أبدانهم وأموالهم أو تخاف المرأة على عرضها فإنهم يتيممون ويصلون بهذا التيمم.
إذن: القاعدة: (أنه إذا لم يجد الماء أو وجده لكنه خشي الضرر باستعماله أو بطلبه فيجوز له التيمم) سواء كان الضرر به أو برفقته أو حرمته أو بماله أو بمن معه من الناس.
ومثل ذلك من أتاه رجل فطلب منه الماء فإنه في مثل الرفيق وكان له حرمة ومتى منعه الماء فإنه يموت عطشاً فيلحق هذا الطالب الضرر، فإنه يجب عليه أن يدفع لهذا الطالب الماء ويتيمم للخوف من الضرر، ولهذا حرمة كما أن لنفسه حرمة.
والحمد لله رب العالمين

الدرس السادس والثلاثون (يوم الأحد: 18 / 12 / 1414هـ)

قال المؤلف رحمه الله: (ومن وجد ماءً يكفي بعض طهره يتيمم بعد استعماله) . صورة هذه المسألة: فيمن وجد ماء يكفي لبعض غسله أو بعض وضوئه، فلفظة (طهره) شاملة للغسل والوضوء.
كأن يجد رجل ماءً يكفي غسل وجهه ويديه ومسح رأسه دون غسل رجليه فما الحكم؟

قال هنا: (تيمم بعد استعماله) إذن: يجب عليه أن يستعمله لقوله: (بعد استعماله) فيجب عليه أن يستعمل هذا الماء فيغسل ما أمكنه من بدنه أو ما أمكنه من أعضاء وضوئه، لقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ ولحديث: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) 1

ويجب عليه أن يتيمم لقوله: (يتيمم) ؛ وذلك لأن هذا الماء الذي غسل به بعض بدنه أو بعض أعضاء وضوئه ليس متماً لطهارة البدن فوجب عليه أن يتيمم ليتم طهارته.
والواجب أن يكون هذا التيمم بعد الاستعمال، فلو تيمم قبل الاستعمال أو معه لم يجزئه، بل يجب أن يكون التيمم بعد استعماله للماء.
وعلة ذلك: أن العذر هو عدم الماء، فلو تيمم قبل أن يستعمل هذا الماء فإنه تيمم مع وجود الماء والواجب أن يكون التيمم عند عدم الماء، فإن عذره ليس لمرض أو حرج وإنما هو لعدم الماء، ولو تيمم قبل استعماله الماء فهو ليس عادماً له، بل الماء موجود فوجب أن يكون التيمم بعد استعماله، هذا هو تقرير مذهب الحنابلة وهو مذهب الشافعية.
إذن: من وجد ماءً يكفي لبعض طهره فإنه يجب عليه أن يغسل ما يمكنه غسله بهذا الماء ثم بعد ذلك يتيمم، فيجمع بين غسل ما أمكنه لقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ وبين التيمم للتعليل المتقدم.

  • وذهب المالكية والأحناف: إلى أنه يكتفي بالتيمم وأنه لا يغسل جسده، وعللوا ذلك بعلتين: العلة الأولى: أن التيمم بدل عن الغسل والوضوء، ولا يجمع بين البدل والمبدل منه.
    وأجيب عن هذا من أهل القول الأول: بأن التيمم هنا إنما هو بدل عن الأعضاء التي لم تغسل.
    ففي المثال المتقدم: التيمم إنما هو بدل عن غسل الرجلين فحسب، وليس بدلاً عما تم غسله من أعضاء البدن، بل هو بدل عما لم يغسل دون ما تم غسله.
    وأوضح من ذلك أن يقال: إنما هو هنا متمم للطهارة فلما غسل بعض بدنه وبقيت أعضاء لم يمسها الماء وعدم الماء فإنه يتيمم عن الباقي، فيكون التيمم هنا متمماً للطهارة.
    ولنا أن نضرب على هذا نظيراً، وهو قوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا فمن لم يجد فإطعام ستين مسكينا﴾ 1

قالوا: فلو أمكنه أن يعتق بعض الرقبة فإنه لا يفعل ذلك بل يعدل – بالاتفاق – إلى صيام شهرين متتابعين، لأن الله إنما أمر بعتق رقبة كاملة وكذلك قوله: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ 1 والمراد فلم تجدوا ماء تتطهرون به الطهارة الكاملة، فإنه – حينئذ – تعدلون إلى التيمم.
والعلة الثانية: أن غسل بعض البدن ليس هو الطهارة وإنما الطهارة غسل البدن كله، أي أن هذا الفعل منه لا تتم به الطهارة وإنما تثبت الطهارة بالماء بغسل البدن كله في الغسل، وبغسل الأعضاء الأربعة كلها في الوضوء، وأما غسل بعض الأعضاء أو غسل بعض البدن فليس طهارة.
وهذا هو قول أكثر أهل العلم كما قال ذلك البغوي وهو قول قوي إلا أن الاحتياط هو ما ذهب إليه الحنابلة من الجمع بين التيمم وغسل بعض البدن أو بعض الأعضاء فيغسل بعض بدنه أو بعض أعضاء وضوئه ثم يتيمم عن الباقي بعد استعمال الماء.
قوله: (ومن جرح تيمم له وغسل الباقي) إذا أصيب بجرح في بدنه وكان – مثلاً – جنباً وإذا مس الماء هذا الجرح فإنه يضر به أو يخشى الضرر وقد يكون هذا ليس خاصاً بمحل الجرح بل قد يكون فيما حوله ويعلم أنه متي غسل ما حوله فإن الماء يتساقط على هذا الجرح فيتضرر.
فالحكم هنا أنه: يغسل ما ليس مجروحاً من بدنه أو أعضاء وضوئه ويتمم عن الجرح.
ولو مسحه فكذلك حتى لو كان عليه جبيرة فمسح عليها فإنه يتيمم كذلك، لأن الواجب إنما هو الغسل، وهذا إذا مسح فإنما ذلك لأن ذلك استطاعته ويبقى واجب الغسل فيجبره بالتيمم.
وهنا لم يوجب أن يكون التيمم بعد الوضوء أو الغسل كما أوجبه في المسألة السابقة.
وعليه: فلو تيمم أثناء الوضوء، أو الغسل أو قبله أو بعده فإنه يجزئ عنه، فإنه قال هنا: (ومن جرح تيمم له وغسل الباقي) ولم يقل: (تيمم له بعد غسل الباقي) كما تقدم في المسألة السابقة.

  • واعلم أن من كان مجروحاً فإنه لا يخلو حكمه من حالتين:

الحالة الأولى: أن يكون الواجب عليه هو الغسل كأن يكون جنباً وجرح فإذا تيمم قبله أو معه أو بعده فإنه يجزئ عنه؛ لأن التيمم بدل غسل هذا الجرح، ومعلوم أن الترتيب في الغسل ليس بواجب فلو غسل أسفل بدنه قبل أعلاه أو أيسره قبل أيمنه فإنه يجزئ عنه فالغسل لا يجب فيه الترتيب، والتيمم بدل عن غسل هذا الجرح الذي أصابه.
فلو تيمم ثم اغتسل وترك موضع الجرح فإنه يجزئ عنه.
ولو غسل بعض بدنه ثم تيمم ثم أتم الباقي دون موضع الجرح فإنه يجزئ عنه.
ولو تيمم بعد الغسل فإنه يجزئ عنه.
الحالة الثانية: أن يكون الواجب عليه وضوءاً، والوضوء الترتيب فيه واجب، وعليه: فإنه يجب عليه أن يتيمم في موضع غسل هذا العضو.
فإذا كان مثلاً الجرح في يده فإنه يغسل وجهه ثم يتيمم ثم يمسح رأسه ثم يغسل رجليه.
وإن كان الجرح ليس عاماً في اليد كلها فإنه يغسل ما أمكنه من اليدين ويتيمم أو يتيمم ثم يغسل ما أمكنه من اليدين ثم يمسح رأسه ثم يغسل رجليه؛ لأن التيمم هنا بدل عن غسل هذا الجرح، فإذا كان بدلاً عنه فإنه يجب أن يكون في موضعه لأن الترتيب واجب في الوضوء.
إذن: على ذلك يجب على من أصيب بجرح أن يغسل بدنه الذي لم يصبه الأذى، وما أصابه الأذى فإنه يتيمم عنه، وإن كانت عليه جبيرة مسح عليها مع التيمم.
وعليه - إن كان وضوءاً - أن يتيمم مرتباً التيمم مع الوضوء، فيجعل التيمم في موضع العضو الذي سقط غسله بسبب هذا الجرح.
وأما إن كان غسلاً فلا يجب فيه الترتيب هذا هو المذهب.

  • وذهب بعض الحنابلة وهو اختيار المجد ابن تيمية وحفيده شيخ الإسلام ابن تيمية: إلى أن الترتيب ليس بواجب فلا يجب أن يجعل التيمم موضع العضو المجروح.
    قال: - أي شيخ الإسلام -: لأن إدخال التيمم بين أعضاء الوضوء بدعة، فالمشروع أن يتوضأ ما أمكنه ثم بعد ذلك يتيمم أو يتيمم قبل ذلك.

أما أن يدخل التيمم أثناء الوضوء فإن إدخال شيء من الطهارة بين أعضاء الوضوء بدعة، وما دام بدعة فإنه لا يكون مشروعاً.
ولكن إن فعل ذلك فإنه يجزئ عنه لكونه قد فعل ما وجب عليه، وإنما الابتداع في كونه قد فعله أثناء الوضوء.
فشيخ الإسلام – إذن – يقول: الأصل في الوضوء الوارد عن الشارع أن يتوضأ الوضوء بقدر ما استطاع من غير أن يدخل بينه التيمم.
والعلة الأخرى: أن التيمم طهارة أخرى، والوضوء طهارة، فكل طهارة متباينة عن الطهارة الأخرى، فهذه طهارة بالماء، وهذه طهارة بالتراب، والأصل في مثل ذلك أن يفرق بينهما.
إذن الراجح - هو ما ذهب إليه شيخ الإسلام من - أنه لا يجب عليه الترتيب بوضع التيمم في موضع العضو الواجب عليه التيمم عنه لوجود جرح أو نحوه.
بل له أن يتيمم قبل الوضوء وله أن يتيمم بعده؛ لأن الشارع قد ثبت عنه الوضوء من غير أن يثبت في خلاله التيمم، ولأن التيمم طهارة أخرى.
وقال الحنابلة أيضاً – يجب الموالاة – فعلى ذلك يكون التيمم كأنه غسل للعضو تماماً.
فعلى ذلك إذا قلنا إن التيمم مبيح – كما هو مذهب الحنابلة – فإذا خرج الوقت فإنه يبطل التيمم، فما حكم الغسل؟ بمعنى: رجل غسل بدنه كاملاً أو رجل توضأ وضوءاً تاماً سوى موضع جرح تيمم له فخرج الوقت، فإنه يبطل التيمم ويبطل الغسل أيضاً، فيجب إعادة الغسل لوجوب الموالاة.
وقد تقدم ترجيح: أن التيمم أولاً طهارة منفردة، وتقدم أن الصواب أن التيمم رافع لا مبيح.
فعلى ذلك: الصحيح أنه إذا حدث فيه ذلك وخرج الوقت فإن التيمم يبقى صحيحاً ولا يبطل بخروج الوقت.
ولو قلنا إنه مبيح فإنه لا يجب عليه أن يعيد ما غسله من الأعضاء بل يكفيه التيمم لأن التيمم طهارة منفردة.
إذاً: يجب على من كان في شيء من بدنه جرح أن يغسل بدنه ويتيمم للباقي.
وذهب – من ذهب من أهل القول المخالف في المسألة السابقة – إلى خلاف هذه المسألة فقالوا: يكتفي بالتيمم.

وهذا فيه شيء من النظر، لأن الله عز وجل قال: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ ، وقال صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) (1) وهنا ليس عادماً للماء كما في المسألة السابقة – بل الماء موجود لكنه عجز عن استعمال الماء في موضع من المواضع فناب عنه التيمم.
ويستأنس له بالحديث الضعيف الذي تقدم ذكره، وهو ما رواه أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قتلوه قتلهم الله ألا سئلوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال إنما يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها) 2 . فجمع بين المسح والتيمم – وهو الاحتياط -. فعلى ذلك: إذا أصاب شيء من جسده جرح فإنه يغسل سائر جسده ويتيمم لجرحه.
والمشروع أن يكون ذلك التيمم قبل الغسل أو بعده، ولا يشرع أن يكون أثناءه خلافاً لما ذهب إليه الحنابلة في الوضوء وجوباً، وما ذهبوا إليه في الغسل جوازاً، بل المستحب والسنة ألا يفعل ذلك أثناء الوضوء والغسل وإنما يفعله قبلهما أو بعدهما.
قوله: (ويجب طلب الماء في رحله وقربه) فيجب عليه أن يتطلب الماء.

بمعني: رجل ليس الماء حاضر عنده فإنه لا يكتفي بمجرد ذلك من غير أن يتطلبه ويبحث عنه، بل يجب عليه أن يتطلبه عن يمينه وشماله وأمامه ووراءه، وإذا كان هناك محلاً خضراً أو ربوة أو مكاناً مرتفعاً يحتمل أن يكون فيه الماء وهو قريب إليه فعليه أن يبحث فيه.
إذن: عليه أن يتطلب الماء في الأماكن القريبة منه وإذا كان هناك أهل خبرة - ممن معه – بمواضع الماء فإنه يسأله، فإن كان قريباً عرفاً فيجب عليه أن يذهب إليه، وإن كان بعيداً فلا يجب عليه ذلك؛ لأنه لا يمكن أن يحكم عليه بأنه غير واجد للماء إلا بفعل ذلك.
كما أنه لا يحكم عليه بأنه غير واجد للرقبة فينتقل إلى صيام شهرين إلا بمثل هذا من التطلب.
فلابد من تطلب الماء والبحث عنه في المواضع القريبة وسؤال أهل الخبرة وسؤال من معه من الرفقة، فإذا لم يجد ماءً فإنه يتيمم ولا شيء عليه في ذلك وهو في حكم غير واجد للماء.
لذا قال: (ويجب طلب الماء) للدليل المتقدم وهو قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ ولا يحكم عليه بأنه غير واجد للماء إلا بتطلبه والبحث عنه بحيث لا يلحقه الحرج في ذلك، لذا قلنا إنه إذا كان يعلم أن هناك ماء لكنه بعيد يلحقه الحرج والمشقة في الذهاب إليه فإنه لا يجب عليه أن يتطلبه ويذهب إليه، بخلاف ما إذا كان قريباً فإنه يجب أن يذهب إليه.
قوله: (في رحله) : الرحل هو المنزل.
(وقربه) : أي ما قرب من منزله، والقرب هنا قرب عرفي.
أما إذا كان بعيداً في العرف – وهذا يختلف من زمن إلى زمن باختلاف وسائل النقل – فإنه لا يجب عليه أن يذهب إليه.

قوله: (فإن نسي قدرته عليه وتيمم أعاد) نسي أنه قادر على وجود الماء ليس الماء بعيداً عنه بل هو قريب إليه وهو يعلم قربه إليه ونسي ذلك فتيمم فإنه يجب عليه أن يعيد – تقدمت هذه المسألة في الدرس السابق.

فصول الكتاب · 11 فصل · 298 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للحمد · 298 صفحة
المقدمة
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب المناسك
كتاب الجهاد
كتاب الوصايا
كتاب الوصايا
كتاب الفرائض
كتاب الطلاق
كتاب الحدود
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل