.
المناسك: جمع منسَك ويصح: منسِك بكسر السين وهما لغتان مشهورتان.
والقراءة المشهورة لقوله تعالى: ﴿ولكل أمة جعلنا منسَكاً﴾ 1 هي بفتح السين، وقرئ بكسرها وهي من نسك وتنسك أي تَعبد، ويقال: ناسك أي عابد، وأطلقت في الغالب في الشرع على متعبدات الحج فيقال لها مناسك كما أن الغالب أن يسمى الحج نسكاً، كما أن الصلاة والزكاة نسكٌ وهكذا سائر العبادات لكن الغالب أن يطلق النسك ويراد به الحج.
قال: (الحج والعمرة)
الحَج: بفتح الحاء وكسرها، وهما قراءتان سبعيتان في قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حَِج البيت﴾ 2 . والحج لغة: القصد، وفي الاصطلاح: قصد مكة لعمل مخصوص في زمن مخصوص.
" هكذا يعرفه الفقهاء "، ومعرفة حقيقة الحج تتبين وتتضح بمعرفة أحكامه ومسائله.
والعمرة في اللغة: الزيارة.
واصطلاحاً: زيارة مكة على وجه مخصوص، وكذلك فالعمرة حقيقتها الشرعية تتضح وتتبين في معرفة مسائلها وأحكامها.
قال: (واجبان)
أما الحج فهو فرض بالإجماع، قال تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ومن كفر فإن الله غني عن العالمين﴾ وثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بني الإسلام على خمس – وذكر فيها – حج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً) 1 وقد قال عمر – كما في سنن البيهقي بإسناد صحيح: (من أطاق الحج فلم يحج فسواء مات يهودياً أو نصرانياً) 2 والأثر إليه إسناده صحيح وهذا من باب الترهيب وإلا فإن من ترك الحج على وجه التكاسل فإنه لا يكفر باتفاق العلماء إلا ما روى عن بعض السلف من تكفيرهم له، والصحيح المشهور الذي تدل عليه الأدلة الشرعية أنه لا يكفر إلا تارك الصلاة، وتقدم في حكم تارك الصلاة، وإنما يكفر من جحد وجوبه وأنكره سواء فعله أم لم يفعله وأثر عمر الذي تقدم رواه الترمذي مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ: (من ملك زاداً وراحلة فلم يحج فلا عليه مات يهودياً أو نصرانياً) 3 لكن الحديث لا يصح مرفوعاً وإنما يصح موقوفاً على عمر.
والعمرة واجبة في المشهور من مذهب الحنابلة ومذهب الشافعية سواء كانت العمرة منفردة أو كانت مع حجة سواء كان الحج تمتعاً أو قراناً.
ويدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم – في مسلم -: (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة) 1 وثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة – وكانت قد حجت قارنة كما هو مشهور في حجتها قال لها: (قد حللت من حجك وعمرتك) 2 وأما إذنه لها بأن تعتمر من التنعيم فذلك تطيباً لخاطرها وليس ذلك من باب عدم إجزاء القران عن العمرة كيف وقد صرح – النبي صلى الله عليه وسلم – بقوله: (قد حللت من حجك وعمرتك) فسألته ذلك وأعمرها أخوها عبد الرحمن وسيأتي ذكر الحديث إن شاء الله.
ونص الإمام أحمد – وهو قول ابن عباس كما في مصنف ابن أبي شيبة وقول عطاء وطاووس 3 – إلى أن وجوب العمرة إنما هو على الآفاقيين، أما أهل مكة فلا تجب عليهم العمرة وجزم شيخ الإسلام (4) بأن أهل مكة من الصحابة لم يكونوا يعتمرون وأن ذلك لو كان ثابتاً منهم لنقل إلينا فإن الهمم تتوافر لنقل مثل ذلك.
والمعنى يدل على ذلك فإن العمرة هي الزيارة، والزيارة إنما تكون لمن ليس من أهل المحل، وأهل مكة هم أهل المحل، وأهل الحرم فلم تشرع لهم العمرة ولم تجب عليهم كما أنهم يقومون بالطواف، والطواف بالبيت هو ركن العمرة الأعظم وإن كان ظاهر قول المؤلف وهو مذهب القاضي من الحنابلة (5) وغيره أن الوجوب عام في الآفاقيين والمكيين لكن الصحيح ما تقدم وهو نص الإمام أحمد واختاره الموفق وشيخ الإسلام وغيرهم، على ما سيأتي من النقل عن شيخ الإسلام أنه لا يرى الوجوب.
فالمشهور في مذهب الحنابلة وهو مذهب الشافعية وهو وجوب العمرة واستدلوا بأدلة منها:
1- ما ثبت في مسند أحمد وسنن ابن ماجه بإسناد صحيح عن عائشة أنها قالت: (يا رسول الله على النساء جهاد؟ فقال: عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة) 1 ولفظة " على " تفيد الوجوب كما هو مقرر في أصول الفقه أي أيجب على النساء الجهاد.
2- ما ثبت عند الخمسة بإسناد صحيح عن أبي رَزين العُقيلى أنه قال: (يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج والعمرة ولا الظعن؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حج عن أبيك واعتمر) 2 وإن كان الأمر ليس للوجوب هنا، لأنه أمر بعد سؤال لكن نفي الوجوب إنما يتوجه إلى السائل فلا يجب على السائل أن يعتمر عن أبيه ولا أن يحج وإنما ذلك على وجه الاستحباب كما هو معلوم، لكن يدل ذلك على إدخال العمرة في حكم الحج، فإن هذا السائل قد سأل عن والده الكبير الذي عجز عن أداء فريضة الله عز وجل فهل يجزئ عنه أن يقوم هو عنه بهذه الفريضة فأجابه – صلى الله عليه وسلم - بأمره له أن يحج عن أبيه وأن يعتمر، فيكون ذلك بياناً للفريضة الواجبة عليه.
3-وبما ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح عن الصُبي بن معبد أنه قال لعمر بن الخطاب: (إني كنت أعرابياً نصرانياً فأسلمت فرأيت الحج والعمرة مكتوبين علي – وفي رواية: (مفروضين علي) – فأهللت بهما معاً فقال له: (هديت لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم) 1 فقد أقره عمر على قوله: (مكتوبين علي) وبين أن ذلك سنة النبي صلى الله عليه وسلم فيكون ذلك مرفوعاً وفيه – أيضاً – دليل على المسألة السابقة وأن من اعتمر مع حجه قارناً أو متمتعاً فإن ذلك يجزئه فهذا السائل رأى أن العمرة والحج مكتوبان عليه فأهل بهما معاً ورأى أنه بهذا الإهلال يجزئ ذلك عن حجه وعمرته جميعاً فقال له: (هديت لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم) . واستدلوا: برواية لابن خزيمة في حديث جبريل الطويل الذي سأل فيه النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام والإيمان والإحسان – وفيه: (وأن تحج وتعتمر) 2 وإسناده صحيح ولا يقال هنا – فيما يظهر لي – بالشذوذ، وذلك لأن هذه اللفظة تكون تفسيرية للحج المذكور في اللفظة المتفق عليها وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة) 3 هذا مذهب الحنابلة والشافعية وهو مذهب أكثر العلماء واختاره البخاري في صحيحه وإسحاق وداود وغيرهم.
وذهب المالكية والأحناف إلى عدم وجوب العمرة واستدلوا: بالحديث المتفق عليه من حديث طلحة في سؤال الأعرابي للنبي صلى الله عليه وسلم عن شرائع الإسلام، وذكر فيها الحج فقال: (هل علي غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوع) قالوا: فهذا يدل على أن ما سوى المذكور في هذا الحديث تطوع وليس بفريضة ومن ذلك العمرة فإنها ليست بمذكورة.
واستدلوا: بما روى الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: (يا رسول الله: العمرة أواجبة هي؟ فقال: لا وأن تعتمر خير لك) 1 .
وقد أجاب أهل القول الأول قالوا: أما الحديث الثاني فإسناده ضعيف فإن فيه الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف الحديث.
وأما الحديث الأول: قالوا: العمرة داخلة في الحج لحديث: (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة) 2 فعدم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم لها في حديث الأعرابي لا يدل على عدم وجوبها.
ولا يظهر لي على القول بوجوب التمتع كما سيأتي تقريره إن شاء الله 3 – أي إشكال في ذلك، فإن الراجح مذهب ابن عباس وأن التمتع واجب، وحيث قلنا بوجوب التمتع فإنه لا إشكال في هذا الحديث؛ لأن التمتع فيه عمرة وكما تقدم فقد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة، هذا الجواب الأول وهو جواب ظاهر بين.
والجواب الثاني: أن يقال: إن أحاديثنا التي استدللنا بها أحاديث صريحة صحيحة تدل على وجوب العمرة وأما هذا الحديث فليس بصريح، فإنه من دلالة المفهوم وحديثنا دلالته دلالة منطوق، ودلالة المنطوق مرجحة على دلالة المفهوم.
فعلى ذلك الراجح ما ذهب إليه أهل القول الأول.
واختار شيخ الإسلام القول الثاني وهو عدم الوجوب والصحيح ما تقدم – وهو القول الأول إلا ما تقدم من استثناء المكيين.
إذن العمرة واجبة على الآفاقيين.
قال: (على المسلم)
أما الكافر بالإجماع على أنه لا يجب عليه الحج، وهذا من حيث الأداء، أما من حيث العقوبة فإنه يعاقب عليها فإنهم مخاطبون بفروع الشريعة فيؤاخذون عليها أما في الدنيا فلا يصح منهم أداؤها، وقد قال تعالى: ﴿وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا إنهم كفروا بالله وبرسوله﴾ 1 فلكفرهم بالله ورسوله لم تقبل نفقاتهم والنفقة أولى بالقبول لأنها من باب النفع المتعدي فهي أولى من العبادات اللازمة ومع ذلك لم تقبل فغيرها من العبادات اللازمة أولى بعدم القبول وقد أجمع أهل العلم على أن الوجوب مختص بالمسلم على أنه يؤاخذ - أي الكافر – يوم القيامة على تركه لفروع الدين.
قال: (الحر) .
أما العبد فلا يجب عليه الحج – وهذا باتفاق العلماء – ويدل عليه ما رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي والحديث إسناده صحيح – ورجح بعض العلماء وقفه والصحيح ثبوته رفعاً ووقفاً عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أيما صبي حج ثم بلغ الحنث فعليه أن يحج حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه أن يحج حجة أخرى) 2 فدل على أن حجته حيث كان رقيقاً لا تجزئ عن حجة الإسلام وحينئذ فلا تجب ولأن العبد متعلق بحق سيده، ولا شك أن الحج يطول زمانه لاسيما في الأزمنة المتقدمة فيفوت بذلك شيء كثير من حق سيده على أنه يحتاج إلى مال، والرقيق لا مال له، وتكليف السيد بأن يدفع له مالاً يحج به، فيه تكليف للسيد بما فيه مشقة ولا نفع له بذلك.
قال: (المكلف)
أي البالغ العاقل، وقد تقدم الحديث الدال على ذلك: (أيما صبي حج ثم بلغ الحنث فعليه أن يحج حجة أخرى) وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (رفع القلم عن ثلاثة – وذكر منهم – الصبي حتى يبلغ والمجنون حتى يفيق) 1
قال: (القادر) .
القادر بماله وبدنه – وسيأتي شيء من التفصيل في هذا في موضع آخر إن شاء الله – ودليل أصل هذه المسألة قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً﴾ فدل على أن من لم يستطع إليه سبيلاً فإن الحج غير واجب عليه والأدلة العامة أيضاً تدل على ذلك كقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ 2 ولا خلاف بين أهل العلم في هذه الشروط كما قرر ذلك الموفق في المغني وهذا الوجوب شامل للمسلم سواء كان ذكراً أم أنثى.
قال: (في عمره مرة)
فلا يجب الحج وكذلك العمرة إلا مرة واحدة في العمر؛ لما ثبت عند الخمسة إلا الترمذي وأصله في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله كتب عليكم الحج، فقام الأقرع بن حابس فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ فقال: لو قلتها لوجبت الحج مرة فما زاد فهو تطوع) 3 ولفظه في مسلم: (لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم) الحديث.
فإذا حج مرة واحدة وقد توفرت فيه شروط صحة الحج على وجه الفرضية فإنه يجزئ عنه ذلك – وكذلك العمرة -.
قال: (على الفور)
فالحج يجب على الفور، فإذا بلغ فيجب عليه أن يحج فليس له أن يؤخر الحج إلا ألا يكون قادراً – هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة –
واستدلوا: بما روى أبو داود من حديث ابن عباس، وفيه راوٍ ضعيف، لكن ورد من طريق آخر يتقوى به الحديث فيثبت حسنه، فالحديث وارد عند أبي داود من طريقه إلى ابن عباس وعند أحمد من طريق آخر يثبت بذلك حسن الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أراد الحج فليتعجل) 1 ، وثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كُسر أو عَرَج فقد حلَّ وعليه الحج من قابل) 2 فمن حصل له شيء من الإحصار بأن حصل له كسر أو عرج فقد حل وسقط عنه الحج تلك السنة – وسيأتي الكلام على هذه المسألة في موضعها من الفوات والإحصار – لكن الشاهد قوله: (وعليه الحج من قابل) فيجب على من حصل له شيء من الإحصار وتحلل أن يعود السنة القادمة فيحج وهذا يدل على التعجل في الحج ووجوبه على الفورية، ولا شك أن وجوبه على الفور على من لم يحج أصلاً أولى من وجوبه على من حصل له حج فيه شيء من الإحصار وللقاعدة الأصولية أن الأوامر على الفور، فالأصل في الأمر الفورية، فإذا أمر السيد عبده بأمر فالأصل أنه يجب عليه أن يفعله فوراً إلا أن يأتي دليل يدل على التراخي.
وقال الشافعية: لا يجب على الفور وإنما على التراخي.
واستدلوا: بقوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ 1 ووجه الاستدلال: أن هذه الآية نزلت في السنة السادسة للهجرة والنبي صلى الله عليه وسلم لم يحج إلا في السنة العاشرة.
وأجيب عن هذه الآية بأن الآية ليست لفرضية الحج بل في إتمامه فالله أمر في هذه الآية بأن يتم الحج والعمرة، وهما معروفان في الجاهلية، وإنما الآية التي أوجبت الحج وفرضيته هي قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً﴾ وأما الآية التي استدلوا بها فليس فيها ما يدل على وجوبه أصلاً وإنما فيها ما يدل على وجوب إتمامه إن دخل فيه ومعلوم أن الحج والعمرة معروفان عند الصحابة وكان منهم من يحج البيت ويعتمر ممن يأذن له كفار قريش بذلك ممن له عندهم منزلة ووجاهة وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقر ذلك كله ولا ينكره وهما معروفان في الجاهلية.
وأما الآية الأخرى فهي التي دلت على وجوب الحج وقد نزلت في السنة التاسعة للهجرة، فهي من سورة آل عمران وصدر هذه السورة نزل في نصارى نجران، وقد قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الجزية والجزية إنما شرعت في تبوك في السنة التاسعة – كما قرر ذلك ابن القيم رحمه الله – وهذا هو الراجح.
فإن قيل: يبقى الاستدلال لهم فإن هذه الآية فرض الله فيها على العباد الحج والعمرة وكان ذلك في السنة التاسعة والنبي صلى الله عليه وسلم لم يحج إلا في السنة العاشرة.
والجواب على ذلك من وجهين:
الوجه الأول: أن يقال: ليس عندنا ما يدل على أن الآية أوجبت الحج والعمرة في وقت يتمكن فيه من أدائهما في السنة التاسعة فيحتمل أن يكون ذلك في آخر أشهر الحج، ويحتمل أن ذلك في وقت لا يتمكن منه النبي صلى الله عليه وسلم من الذهاب إلى مكة وأداء الحج ومع الاحتمال يبطل الاستدلال.
الوجه الثاني: أن يقال: لنفرض أنها فَرضَت الحج في وقت يتمكن منه النبي صلى الله عليه وسلم من أداء الحج والعمرة فإن النبي صلى الله عليه وسلم إنما لم يحج تلك السنة لتتطهر مكة من أهل الشرك ومن هنا بعث النبي صلى الله عليه وسلم علياً – كما ثبت في الصحيحين – ينادي في الناس: (ألا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان) 1 وكان ذلك في السنة التاسعة.
ولمصلحة أخرى عظيمة وهي اجتماع الناس لمعرفة حج النبي صلى الله عليه وسلم وتهيؤهم فإن الرسول صلى الله عليه وسلم وإن كان أدرك وقتاً يمكنه وأهل المدينة أن يتهيئوا فإن أهل البوادي ونحوهم ممن يريدون الحج مع النبي صلى الله عليه وسلم ورؤية منسكه لا يتمكنون من ذلك، فلمصلحة بيان الشرع لم يحج الرسول صلى الله عليه وسلم تلك السنة، فالراجح أن الحج واجب على الفور.
وكذلك يدل على ذلك: أن التراخي مظنة الترك والإهمال فإنا إذا قلنا بالتراخي فإنا لا نحد لذلك حداً – لأنه لا دليل على التحديد – فيقال له: إن حججت وأنت شيخ هرم فلا بأس عليك ولا حرج، وحينئذ فإن ذلك مظنة للترك، ولا شك أن الشارع متشوف لإقامة الحج.
قال: (فإن زال الرق والجنون والصبا في الحج بعرفة وفي العمرة قبل طوافها صح فرضاً)
تقدم أن من كان رقيقاً أو صبياً فإن حجه يكون نفلاً ولا يجزئ عن حجة الإسلام.
فإذا بلغ الصبي أو أعتق الرقيق أو عقل المجنون في الحج بعرفة أو في العمرة قبل الطواف فيصح ذلك فرضاً فمثلاً: رجل رقيق أحرم بالحج بنية التنفل لأنه لا فرض عليه وأثناء ما هو واقف بعرفة أعتق، فيصح ذلك فرضاً له أو أحرم بعمرة وقبل أن يشرع بالطواف أعتق فإنه يصح له ذلك فرضاً.
قالوا: أما الوقوف بعرفة فهو فرض الحج الأكبر، والطواف يقابله في العمرة وهما في الأصل أول الأركان فحينئذ يكون قد فعل الأركان وهو حر، وهذا وهو بالغ، وهذا وهو عاقل، فيصح ذلك منهم فرضاً – هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة والشافعية –
ومثل ذلك لو أفاض الناس من عرفة إلى مزدلفة – ومعلوم أن الوقوف بعرفة لا ينتهي وقته إلا بأذان الفجر فلو أعتق بالمزدلفة فعاد فوقف فإن ذلك يجزئ عنه: قالوا: لأنه فعَل هذه الأركان وهو حر وهذا وهو عاقل، وهذا وهو بالغ فأجزأ ذلك عنه.
وقال الإمام مالك: بل لا يجزئ ذلك عنه؛ لأنه قد أحرم بنية التنفل فلم يجزئ ذلك عنه، فإنه حين إحرامه كان متنفلاً فلا ينتقل النفل إلى الفرضية.
وأجاب أهل القول الأول بأن الإحرام ليس مقصوداً لذاته وإنما المقصود لذاتها هي الأركان كالوقوف بعرفة والطواف في العمرة.
ومع قوة ما ذهب إليه الإمام مالك فإن الأظهر – لي – هو ما ذهب إليه أهل القول الأول، وذلك تحصيلاً لمصلحة الفرضية لهما، ولمشقة الحج في الغالب وقد قاموا بفرائض الحج وهم من أهله فيتساهل حينئذ بالإحرام الذي هو ليس مقصوداً لذاته.
فالمشهور عند الشافعية والحنابلة أن من أحرم بالحج وهو من أهل التنفل وليس من أهل الفرضية ثم أدرك الوقوف بعرفة وهو حر أو بالغ – في الحج – وفي العمرة قبل الطواف فإن حجه ينتقل إلى الفرضية – وهذا القول مروي عن ابن عباس في مصنف ابن أبي شيبة لكن فيه ليث بن أبي سليم 1 وهو ضعيف الحديث.
والله أعلم.
والحمد لله رب العالمين
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وفعلهما من الصبي والعبد نفلاً)
" وفعلهما " أي الحج والعمرة.
فإذا حج الصبي والعبد فإن حجهما نفل لهما، وكذلك إذا اعتمرا فإن عمرتهما نفل لهما ولا يجزئ ذلك عن حجة الإسلام وهذا مما اتفق عليه العلماء.
ويدل عليه حديث ابن عباس المتقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أيما صبي حج ثم بلغ الحنث فعليه أن يحج حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه أن يحج حجة أخرى) (1) والحديث روى مرفوعاً وموقوفاً، والصحيح صحته رفعاً ووقفاً وعلى القول بوقفه فلا يعلم لابن عباس مخالف من الصحابة فيكون قوله حجة فالصبي والعبد إذا حجا فلا يجزؤهما عن حجة الإسلام.
وهنا قول المؤلف: (الصبي) عام في الصبي المميز وغير المميز فكلاهما حجهما يصح ويكون له نفلاً، أما المميز فلا إشكال فإن العبادات كالصلاة ونحوها تصح منه كما تقدم، وأما غير المميز فدليله ما ثبت في مسلم أن امرأة رفعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم صبياً فقالت: (ألهذا حج؟ قال: نعم ولكِ أجر) 2 .
وهو مذهب جمهور العلماء خلافاً للحنفية، والحجة مع ما ذهب إليه الجمهور لهذا الحديث الثابت في مسلم.
والصبي غير البالغ لا يصح أن يحج إلا بإذن وليه فإن حج بغير إذن وليه لم يصح حجه؛ وذلك لأن الحج عبادة متضمنة لعقد يلزم به المال، فهو عقد تعبدي لله عز وجل يلزم به المال على الحاج من هدي وفدية ونحو ذلك، والصبي ليس له أن يتصرف بالتصرفات التي تلزم بها الأموال إلا بإذن وليه وإلا لم يصح تصرفه، والصبي المميز إذا أذن له وليه فإنه يصح حجه ويفعل مناسك الحج وينوي الإحرام وغير ذلك.
أما الصبي غير المميز فإن وليه يحرم عنه، أي ينوي له الحج أو العمرة، ولا يشترط أن يكون الناوي محرماً بل لو كان حلالاً فإن حج الصبي يصح، وذلك لأن النية في الأصل تكون من غير المحرم ثم بعد ذلك ما يمكنه فعله من المناسك لا يجزئ أن يفعل عنه كالوقوف بعرفة والمبيت بالمزدلفة ونحو ذلك فإن هذه أفعال لا يعجز عنها الصبي غير المميز؛ لأن المقصود هو مجرد الوقوف، وهذا يحصل من الصبي المميز وغير المميز وغيرهما، والمقصود أيضاً المبيت بمزدلفة.
أما الأفعال التي لا يقدر على فعلها كالرمي ونحوه فإنها تفعل عنه ويجزئ ذلك عنه.
واستدل أهل العلم بما روى ابن ماجه من حديث جابر قال: (حججنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ومعنا النساء والصبيان فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم) 1 ، لكن الحديث في إسناده أشعث بن سُوار وهو ضعيف الحديث، لكن العمل عليه عند أهل العلم، قال ابن المنذر: (كل من حفظت عنه من أهل العلم يرى الرمي عن الصبي الذي لا يقدر على الرمي وكان ابن عمر يفعل ذلك) ، فهو اتفاق من أهل العلم، والأصول الشرعية تدل على ذلك من قيام الغير بفعل الآخر عند العجز عنه كما سيأتي في غير ما مسألة إن شاء الله في الدرس القادم في الحج عن العاجز وغيره.
أما الطواف فإنه يحُمل، فهو قادر على الطواف لأن الطواف ليس من شرطه أن يطوف ماشياً بل لو طاف محمولاً يصح طوافه وكذلك السعي فإنه يحمل ويسعى به؛ لأن السعي ليس من شرطه المشي وهو من كماله.
وإذا طيف بالمميز فإنه ينوي عن نفسه، أما الصبي غير المميز فإذا طيف به فإنه ينوي عنه الطائف به.
وهنا مسألة: هل هذا الطواف يجزئ الحامل والمحمول أم لا يجزئ إلا المحمول؟
فإذا طاف رجل بابنه ونوى لابنه الطواف، ونوى لنفسه الطواف أيضاً فهل يجزئه ذلك أم لا يجزئ إلا المحمول؟
قال الحنابلة: لا يجزئ إلا المحمول، وأما الحامل فلابد وأن يستأنف طوافاً جديداً، قالوا: لأن هذا الفعل أجزأ عن المحمول وهو الصبي أو غيره من العجزة ونحوهم ممن يحملون في الطواف، فهذا الفعل قد أجزأ عن المحمول، فلم يجزئ عن الحامل.
وهذا تعليل ضعيف.
وذهب الأحناف وهو قول في مذهب الإمام أحمد واستحسنه الموفق واختاره الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: أن الطواف يجزئ عنهما جميعاً؛ وذلك لأن كلاً منهما قد نوى وطاف طوافاً صحيحاً فلكل منهما طوافه ونيته، فالمحمول طوافه الركوب، وقد نوى له الطواف ولا دخل له بحركات هذا الطائف ولذا لو طيف به على دابة لأجزأ ذلك وهذا الحامل قد نوى لنفسه الطواف وطاف ماشياً فهو طواف مستقل عن طواف المحمول – وهذا القول هو القول الراجح.
قال: (والقادر من أمكنه الركوب ووجد زاداً وراحلة)
تقدم أن من شروط وجوب الحج أن يكون قادراً فالقادر بينه المؤلف بقوله: (من أمكنه الركوب ووجد زاداً وراحلة) .
(أمكنه الركوب) أي يستطيع الركوب إلى مكة، ويقدر على الركوب للتنقل هناك بين مواضع المناسك فيها، أما غير القادر على الركوب فلا يجب عليه الحج لأنه غير مستطيع وقد قال تعالى: ﴿من استطاع إليه سبيلاً﴾ .
(ووجد زاداً وراحلة) لابد وأن يجد زاداً وراحلة.
"زاداً ": من مأكل ومشرب وملبس.
(وراحلة) يركبها مما يوافق عرف الناس في زمنهم من المركوبات التي تختلف باختلاف عادات الناس وأعرافهم فالقادر هو من وجد زاداً وراحلة سواء كان ذلك في الراحلة استئجاراً وهو قادر على المبلغ الذي يستأجر به أو كانت الراحلة مملوكة له والزاد كذلك سواء كان محصلاً له وهو بيده أو يكون له حرفة يعلم أو يظن ظناً غالباً أنه يستطيع أن يتكسب بها في طريقه وينفق على نفسه مأكلاً ومشرباً وكسوة خلال أيام الحج ومناسكه فإنه حينئذ – يعتبر مالكاً للزاد.
فالقادر هو من ملك زاداً وراحلة، وبه فُسر قوله تعالى: ﴿من استطاع إليه سبيلاً﴾ ففسر السبيل بأنه الزاد والراحلة ودليل ذلك ما رواه الترمذي وحسنه من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: ما السبيل؟ قال: (الزاد والراحلة) 1 ونحوه من حديث أنس في الدارقطني، وإسناد الحديثين ضعيف لكن الحديث له شواهد كثيرة يرتقي بها إلى درجة الحسن ومن هنا حسنه الترمذي وحسنه شيخ الإسلام، وجود بعض أسانيده ابن عبد الهادي، وقال الضياء صاحب المختارة في بعض أسانيده لا بأس به والحديث – كما تقدم – له شواهد كثيرة يرتقي بها إلى درجة الحسن وبه استدل جمهور العلماء على أن السبيل هو الزاد والراحلة فلا يجب على من لا راحلة له ولا زاد أن يحج، وحينئذ فلا يجب عليه أن يحج ماشياً وإن كان قادراً على المشي للمشقة التي تلحق الماشي لكن استثنوا أن يكون موضعه الذي هو فيه دون مسافة القصر فإنه إن لم يجد راحلة فيجب عليه السير راجلاً إلى بيت الله تعالى.
والذي يظهر لي: أن تقييده بمسافة القصر محل نظر، والذي ينبغي أن يقال فيه: أنه إذا كان قريباً عرفاً بحيث أنه لا يلحقه بالمشي مشقة ظاهرة فإنه يجب عليه أن يحج ماشياً كما يكون هذا في القرى القريبة المجاورة لمكة ممن لا يلحقهم حرج ظاهر في المشي إلى بيت الله وأما مسافة القصر، وهو في المشهور من المذهب 80 كيلو متراً هذا فيه في الظاهر مشقة ولا شك أنه يختلف باختلاف الأجناس والبلدان، لكن المقصود وضع ضابط لهذه المسألة والضابط أن يقال إنه إذا كان قريباً عرفاً بحيث لا يكون فيه مشقة في الغالب فإنه يجب عليه السعي إلى بيت الله.
ودليل ذلك: أن الآية عامة فيمن كان إلى مسافة القصر أو إلى دون مسافة القصر وهي قوله: ﴿من استطاع إليه سبيلاً﴾ والسبيل هو الزاد والراحلة وهو عام فيمن كان فوق مسافة القصر أو من دون مسافة القصر، لكن يستثنى من ذلك من كان قريباً عرفاً لا يلحقه في الغالب مشقة فلا يكون له هذا الحكم لأنه بحكم واجد الزاد والراحلة.
قال: (صالحين لمثله)
وعبر صاحب المقنع بقوله: (صالحة لمثله) أي الراحلة فإذا كان الرجل من أهل الوجاهة والغنيمة والغنى القوي فإنه لا يناسبه أي راحلة يركبها غيره، فلابد وأن تكون صالحة لمثله، والمقصود ما يكون من مركوبه أو نحو مركوبه، لكن إذا كان من مركوب عامة الناس ممن يلحقه مشقة بأن يركب مركوبهم فإنه لا يجب عليه الحج، لأن قوله " الراحلة "، يرجع إلى الراحلة في عرف الناس، ولا شك أن الراحلة في عرف الناس تختلف باختلافهم.
قالوا: ولأن المقصود بالراحلة وعدم إيجاب المشي عليه سيراً هو دفع المشقة، وإلا فإن الإنسان قادر أن يذهب إلى مكة وإن كان في مكان بعيد، ومع ذلك عفي عنه وكان الوجوب مختصاً بمن كان مالكاً للراحلة أو قادراً على استئجارها وذلك لدفع المشقة عنه، وهنا كذلك فكونه يؤمر أن يركب راحلة غير صالحة لمثله هذا فيه مشقة عليه تشبه المشقة التي تلزم القادر على المشي أن يمشى إلى بيت الله وإن كان قادراً على ذلك لكن في ذلك مشقة.
وأما الزاد فإن عبارة صاحب المقنع ظاهرها أن الشرط إنما يكون للراحلة وأما الزاد فلا يشترط أن يكون الزاد صالحاً لمثله بل أي زاد يمكنه أن يتقوت به ولا يلحقه ضرر به وإن كان دون أكله ودون ما اعتاده من الطعام، فلو أنه وجد زاداً يطعمه عامة الناس وهو من كبراء الناس ممن لم يعتد هذا الطعام لكن لا يلحقه ضرر بذلك وإن لم يجد الزاد الصالح لمثله – هذا ظاهر كلام الموفق في المقنع وهو الصحيح في مذهب الحنابلة.
وأما المؤلف هنا فإن ذهب إلى قول آخر وجهه صاحب الفروع وهو قول عند الحنابلة: وهو أنه الزاد كذلك، قالوا: كما أن الراحلة يلحقه بها مشقة وإن كانت توصله إلى حاجته لكن في ذلك مشقة على نفسه فكذلك في الزاد فإن كونه يطعم طعام الناس فيه مشقة عليه.
وما اختاره الموفق أظهر فإن المسافات بعيدة ولا شك أنه يلحقه مشقة بأن يركب مركوب عامة الناس الذي هو دون مركوبه وقد يكون من أمراء الناس ونحو ذلك فيكون في ذلك مشقة بأن يركب مالا يناسبه من المركوبات.
وأما الأطعمة فإن الطعام لا يلحقه ضرر، لا يظهر أنه يكون شرطاً في فرضية الحج عليه بل متى ما وجد من الزاد ما يدفع عنه الجوع والعطش فإنه يجب عليه ذلك، والله أعلم.
وهذا لعموم قوله تعالى: ﴿من استطاع إليه سبيلاً﴾ وهذا مستطيع إلى الحج سبيلاً، ولا يلحقه المشقة بهذا الزاد الذي هو من زاد الناس ويندفع به الجوع والعطش ولا يلحقه به ضرر والله أعلم.
والأحسن أن يفصّل في مسألة الزاد، فإن الزاد منه ما يكون قريباً إلى زاده أو نحوه من زاد الناس مما تتحمله كبراؤهم، ومنه ما يكون فيه مشقة.
والراحلة أمر ظاهر أمام الناس بخلاف الزاد فإنه يأكل زاداً من طعام الناس كالخبز مثلاً ويأكله في موضعه المعد له، هذا لا يلحقه مشقة كما يلحقه في مركوب يركبه أمام الناس ويكون غير صالح لمثله.
أما لو كان الزاد في شوارع ونحو ذلك، فإن لم يستطع زاداً إلا مع سوقة الناس في الشوارع والأسواق فيقال فيها بعدم الوجوب.
قال: (بعد قضاء الواجبات)
فهذا بعد ما يقضي الواجبات عليه، كأن تكون عليه زكاة أو كفارة يمين أو أن يكون عليه ديون للعباد، فهذه العبادة لا يجب عليه الحج إلا بعد قضائها.
مثال ذلك: رجل عليه دين وهو يريد قضاءه فهل يجب عليه أن يحج مع ثبوت هذا الدين في ذمته الذي يريد سداده ووفاءه؟
فالجواب: أنه لا يجب عليه الحج وذلك لأن حقوق الآدمين مبنية على المشاحة، وأما حقوق الله عز وجل ومنها الحج فهي مبنية على المسامحة فمن هنا قدم حق العباد على حق الله تعالى.
وما تقدم ذكره متعلق بحقوق العباد، فإن الزكاة ينصرف إلى حقوق العباد فهي تنصرف إلى الفقراء والمساكين ونحوهم وهكذا الكفارات ومن هنا قدمت هذه على أداء فريضة الحج.
قال: (والنفقات الشرعية)
إذا كان عليه نفقات، نفقة لوالده أو من يعول فلا يجب عليه الحج حتى يدخر مالاً يكفي لنفقة أهله.
فرجل – مثلا – معه مبلغ من المال ويعلم أنه إذا حج أضر بمن يجب عليه أن ينفق عليه من ولده أو من يعول فإنه لا يجب عليه الحج وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت) 1 وهذا حق لآدمي، وحقوق الآدمي مقدمة في الوفاء على حق الله عز وجل لأنها مبنية على المشاحة.
قال: (والحوائج الأصلية)
أي الحوائج اللازمة أو يلحق حرج بالاستغناء عنها، وهذه تختلف باختلاف الناس.
فمثلاً: السكن هذا من حوائج الناس فلا يلزم ببيع بيته من أجل الحج، وكذلك السيارة، وكذلك الكتب لطالب العلم وغير ذلك.
فالحوائج الأصلية التي يحتاج إليها من كسوة وسكن وكتب علم ومن مركوب ونحوه مما تحتاج إليه فلا يجب عليه أن يبيعه حتى يؤدي الفريضة، فإن هذه من الحوائج الأصلية التي يلحق الناس بتكليفهم بالحج وبيعها يلحقهم حرج في الاستغناء عنها، وقد قال تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ 1 .
أما ما فضل عن حوائجه الأصلية فيجب عليه أن يبيع هذا ويحج بماله كأن يكون له بيتان يحتاج أحدهما ولا يحتاج الآخر، لكن إن كان الآخر يؤجره وينتفع من ماله في النفقة الواجبة عليه فلا يجب عليه؛ لأن هذه تكون من جنس التجارات، لكن إن كان عنده شيء فاضل يستغني عنه ولا يؤثر في نفقته ونحو ذلك كأن يكون له مسكنان أو مركبان، أو المرأة يكون عليها حلي زائد عن حاجتها الأصلية، وهكذا كل من كان عنده أي شيء من الأمور التي ليست من حوائجه الأصلية فيجب عليه أن يبيعها ليؤدي فريضة الحج.
وهذا وإن كان عيناً لكنه بمعنى النقد لأنها ذات قيمة نقدية وهو مستغن عنها لا يحتاج إليها حاجة أصلية.
مسألة: في الدين:
إذا كان الدين حالاً فلا إشكال في أنه لا يجب عليه الحج، أما إذا كان الدين غير حال فلا يخلو من حالين:
- الحالة الأولى: أن يكون قد امتنع من الحج لوفاء هذا الدين ولتخليص ذمته منه فحينئذ لا يجب عليه الحج؛ لأن الشخص يحتاج إلى تبرئة ذمته من الديون المتأخرة كما هو محتاج إلى تبرئتها من الديون الحالة.
الحالة الثانية: أن يكون لا يريد سداد دينه وهذا المال سينفقه في أمور أخرى مما لا يحتاج إليه، وهذا الدين مقسط أقساطاً لا يرغب أن يسدده إلا في أوقاته، فإن ذلك لا يمنع وجوب الحج عليه؛ لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً والعلة هنا غير موجودة بل منتفية.
ولو أن رجلاً عنده مال يكفي للحج لكن قال: أريد أن أسدده لأحد من الناس، الذين لهم عليه ديون متأخرة فإنه يفعل ذلك.
والحمد لله رب العالمين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإن أعجزه كبر أو مرض لا يرجى برؤه لزمه أن يقيم من يحج ويعتمر عنه)
هذه مسألة في المستطيع بغيره، وهو من عنده استطاعة مالية وهو غير قادر على الحج ببدنه، أو له ولد ذو مال وقدرة مالية على الحج وهو يطيعه في أمره – فيجب عليه أن ينيب من يحج عنه إما بماله وإما بأن يأمر ولده المطيع بذلك – أي بالحج والعمرة عنه هذا هو المستطيع بغيره.
ودليل هذه المسألة: ما ثبت في الصحيحين: (أن امرأة من خثعم قالت يا رسول الله إن فريضة الله على عباده قد أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: نعم) 1 وفي رواية لمسلم: (إن أبي شيخ كبير عليه فريضة الله في الحج وهو لا يستطيع أن يستوي على ظهر بعيره قال: فحجي عنه) .
ووجه الاستلال ليس في أمر النبي صلى الله عليه وسلم للمرأة بأن تحج، فإن هذا الأمر بعد سؤال، والأمر بعد السؤال لا يفيد الوجوب، وإنما الاستدلال بإقرار النبي صلى الله عليه وسلم قولها: (إن فريضة الله) وقولها في رواية مسلم: (عليه فريضة الله) فدل على أن الشيخ الكبير العاقل والمريض الذي لا يرجى برؤه الحج فرض عليهما، لكن ليس بأبدانهما لعجزهما، وإنما بأموالهما أو بمن يطيعهما من ولدٍ ونحوه.
وحينئذ: النائب ما يثبت من غرامة مالية بدم ونحوه إن كان هذا بسبب ما يترتب على الحج أصلاً كدم التمتع أو القران ونحو ذلك فإنه واجب على صاحب المال المحجوج، ومثل ذلك ما يأذن له فيه – كأن يكون محتاجاً إلى أخذ شيء من شعر رأسه لمرضٍ أو نحوه ويكون عليه الفدية فإذا أذن له في ذلك فإن هذه الفدية تلزم صاحب المال.
أما إذا فعل شيئاً لم يؤذن له فيه كجناية في مثل صيد أو سلك طريقاً بعيداً مع إمكانية سلوك طريق أقرب فإنه يلزم النائب لا المنوب عنه؛ لأن هذا فعل ليس بمأذون فيه.
قال: (من حيث وجبا)
يعني: من حيث وجب عليه الحج أو العمرة، فلو أن رجلاً وجب عليه الحج وهو في المشرق فالواجب أن ينيب من موضعه الذي وجب عليه الحج فيه فليس له أن ينيب رجلاً في بلدة أخرى دون بلدته، أو من عند الميقات أو في مكة.
قالوا: لأن البدل يقوم مقام المبدل عنه، فهذا المحجوج عنه لو حج لحج من موضعه الذي وجب عليه الحج فيه وهذا بدل عنه فوجب عليه أن يحج من موضع المبدل عنه – وهذا تعليل لا يقوم به حجة فهوتعليل ضعيف.
ولذا ذهب جمهور العلماء إلى أنه له أن ينيب من الميقات من يحج عنه.
وظاهر قول الجمهور أنه لو أناب عنه رجلاً من مكة – أنه لا يجزئ عنه –.
والذي يظهر أنه يجزى عنه أيضاً وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى.
وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال للمرأة: (حجي عن أبيك) أطلق عليه الصلاة والسلام ولم يشترط أن يكون ذلك من حيث وجب عليه الحج، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ثم إن المعنى يقتضي ذلك، فإنه لا فائدة من ذلك والشارع إنما أوجب الحج على العباد لأداء مناسك الحج، وأوجب على من وراء الميقات أن يحرم منه، ومن دونه أن يحرم من موضعه، وأما المسافة التي تكون من بلدته إلى الميقات الذي يحرم منه فإنها ليست مقصودة لصاحب الشريعة، وإنما هي من باب مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
بدليل أنه لو كان شخص من الآفاقيين صادفه الحج وهو في مكة فأحرم من مكة أجزأ ذلك عنه ولم يوجب عليه أن يحرم من بلده، فليس ذلك مقصوداً لصاحب الشريعة بل المقصود أن يحج حجاً صحيحاً، والنظر في الحج إنما هو إلى البدل لا إلى المبدل عنه والبدل في بلدة دون الميقات كأن يكون في مكة، أو هو في الميقات دون بلدة ذلك.
فالصحيح أن هذا ليس بشرط مطلقاً لا من الميقات ولا من ورائه خلافاً للمشهور عند الحنابلة.
واعلم أن المريض الذي يرجى برؤه، أو المحبوس الذي يرجو خروج نفسه من الحبس فليس له أن يقيم غيره فيحج عنه؛ لأن الحديث قد ورد في الشيخ الكبير، وهو لا يرجى استطاعته على الحج، وألحق به المريض الذي لا يرجى برؤه.
وأما من يرجى برؤه أو المحبوس الذي يرجو الخروج فليس أن ينيب غيره عنه لأن الأصل هو وجوب الحج بالنفس لا بالغير وهذا مرجو زوال العلة.
قال: (ويجزئ عنه وإن عوفي بعد الإحرام) .
لهذه المسألة صورتان:
الأولى: أن يشفى هذا المريض من مرضه الذي كان ميئوساً منه بعد قيام البدل بالحج وانتهائه منه، فإنه يجزئ عنه حجه ولا يجب عليه الحج، وهذا ظاهر؛ وذلك لأنه قد فعل ما أمر به، فقد أمر أن يدفع من ماله ما يحج به عنه ففعل ما أمر به فأجزأه ذلك عن حجة الإسلام وخرج ذلك من عهدته، ولأن هذا الحجة قد وقعت صحيحة مجزئة فلا دليل على إبطالها.
الثانية: أن يعافى المريض الذي لا يرجى برؤه بعد إحرام النائب عنه وقبل انتهائه من الحج.
مثال: رجل مريض لا يرجى برؤه دفع مالاً لمن يحج عنه، فلما أحرم هذا النائب وقال: لبيك عن فلان شفي هذا المريض، فإنه يجزئه ذلك عن حجة الإسلام ولا يجب عليه الحج – هذا قول في مذهب الإمام أحمد.
والقول الثاني: وهو وجه عند الحنابلة، وهو أظهر الوجهين عند الشيخ تقي الدين – كما قال ذلك صاحب الإنصاف وغيره – أنه لا يجزئه ذلك؛ قالوا: لأنه قدر على الأصل قبل تمام الحج من البدل " وهو النائب عنه " فوجب عليه أن يحج عن نفسه ولا يكتفي بهذا الحج وظاهر هذا التعليل أن هذا ولو كان بعد الوقوف بعرفة ولو كان ذلك أثناء الطواف ما لم يتم الحج، فإذا تم الحج فحينئذ يسقط عنه الفرض.
أما حجة القول الأول وهو المشهور في المذهب فحجتهم: أنه قد شرع في البدل، والقاعدة أن من شرع في البدل لعجزه عن الأصل فإنه يجزئ عنه ذلك وإن قدر على الأصل أثناء فعله للبدل وهذا له صور عند أهل العلم.
منها: رجل غير قادر على الهدي فبدل الهدي الصيام، فإذا شُرع الصيام ثم قبل أن يتم الصيام قدر على الهدي فإن الصيام يجزئ عنه ولا يجب عليه أن يعود إلى الأصل.
ومنها: رجل عليه كفارة يمين فعجز عن إطعام عشرة مساكين فشرع في الصيام، فلما صام الأول قدر على الإطعام فهو بالخيار إن شاء استمر على الصيام ويجزئ عنه ذلك، وإن شاء عاد إلى الأصل وهو إطعام عشرة مساكين قالوا: فهنا كذلك ولا شك أن إلحاق الشيء بمثيله ظاهر في الشريعة، فالشريعة لا تفرق بين المتماثلات فهذا قد شرع في البدل وأثناء ذلك قدر على الأصل فلم يجب عليه أن يعود إليه وكان ذلك مجزئاً عنه – وما ذكروه أصح مما ذكره أصحاب القول الثاني فالراجح ما ذكره المؤلف: وأنه إذا أناب عنه غيره فأحرم " أي نوى الدخول في الحج " ثم قدر المنوب عنه على الحج فإنه لا يجب عليه أن يحج، وإن حج فإن ذلك تطوع له، ويجزئ عنه حجة النائب عنه لأن القاعدة التي دلت عليها الشريعة: أنه إذا شرع في البدل فإن الأصل يسقط ويجزئ البدل عن الأصل، ولو قدر على الأصل أثناء اشتغاله بالبدل.
مسألة:
لا يجزئ المنوب عنه حج النائب إن كان النائب لم يحج حجة الإسلام فيشترط في النائب أن يحج حجة الإسلام.
ودليل ذلك: ما ثبت في سنن أبي داود وابن ماجه من حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (سمع رجلاً يقول لبيك عن شبرمة، قال: من شبرمة؟ قال: أخ لي أو قريب فقال: حججت عن نفسك؟ قال: لا، فقال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة) 1 وقد اختلف فيه رفعاً ووقفاً والراجح وقفه – فهذا الحديث دليل على هذه المسألة فلا يجوز لمن لم يحج عن نفسه أن يحج عن غيره.
فإن عجز عن الحج عن نفسه بسبب عدم القدرة المالية، لكنه قادر بنفسه فهل له أن يحج عن غيره أم لا؟
المشهور في المذهب أنه لا يجزئ ذلك المنوب عنه للحديث المتقدم.
وذهب الإمام أحمد في رواية عنه وهو قول سفيان الثوري: إلى أنه يجوز له ويجزئ عن المنوب عنه وهذا أرجح؛ فإن الأصل أن النائب يجزئ حجه عن المنوب عنه، وإنما لم تصح حجته حيث كان قادراً على الحج لأن حجه عن غيره مزاحم لحجه عن نفسه، فهو وإن صح عن غيره فاته حج نفسه والواجب عليه أن يحج عن نفسه.
فهناك مزاحمة وأما هنا فليس ثمت مزاحمة فإنه ليس بقادر على الحج، فإن لم يحج عن غيره فإنه لا يحج.
والحديث المتقدم فيه قرينة تدل على أن ذلك الرجل قادر على الحج عن نفسه وهي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (حج عن نفسك) ولا يوجه هذا الخطاب إلا للقادر على الحج، وثمت قرينة أخرى وهي قوله: (أخ لي أو قريب) والغالب فيمن يحج عن قريبه ألا يكون ذلك من مال القريب أو الأخ وإنما يكون ذلك بتبرع محض منه بالمال والبدن جميعاً.
فالراجح: أن من حج عن غيره – وهو غير قادر على الحج عن نفسه – فإن ذلك يجزئ عن المنوب عنه.
- فإن حج عن غيره مع قدرته على الحج عن نفسه، فهل يصح الحج لأحد منهما أم يبطل لهما جميعاً؟ ثلاثة أقوال:
الأول: أن الحج يقع عن المحجوج له.
الثاني: يقع عنه هو " أي النائب ".
الثالث: أنه لا يصح منهما جميعاً.
أما حجة أهل القول الأول: فإنهم قالوا: الرجل لو أخرج زكاة أخيه قبل أن يخرج زكاة نفسه أجزأ ذلك، وهذا يخالف الحديث المتقدم وكل قياس يخالف النص فاسد.
على أن هناك فارق بين المسألتين، فإن إخراج الزكاة عن الغير ثم إخراجها عن النفس لا يؤثر ولا يزاحم فإنه يخرجها عن غيره ثم عن نفسه في وقتها ولذا لو أنه أخرجها عن أخيه مثلاً بحيث أنه لا يستطيع أن يخرجها عن نفسه إلا في سنة أخرى فإنه لا يجوز له ذلك، والحج هنا كذلك فإنه إذا حج عن غيره لم يستطع الحج عن نفسه إلا في سنة أخرى.
وإلى هذا القول ذهب الأحناف والمالكية.
وأما القول الثاني فهو مذهب الشافعية والحنابلة: وهو أنه إن حج عن غيره فإنه ينصرف الحج إلى نفسه؛ لأن الحديث بين بطلان الحج عن الغير قبل الحج عن النفس وحينئذ ينصرف الحج إلى النفس.
وأما القول الثالث فهو رواية عن الإمام أحمد واختارها بعض أصحابه قالوا: يبطل ولا يصح من أحدهما فلا يصح من الحاج ولا المحجوج عنه –. وهذا القول هو الراجح، أما كونه لا يصح من المحجوج عنه فلأن النبي صلى الله عليه وسلم أفسده وأبطله ونهى عنه، أما كونه لا يصح من الحاج نفسه فلأن الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى وهذا لم ينوه لنفسه، والحج عبادة وحيث لم ينوه لنفسه فحينئذ لا يجزئ عنه، وشرط العمل النية.
فإذا أُخبر فنوى عن نفسه قبل الوقوف بعرفة فإنه يجزئ ذلك عنه وتكون حجة صحيحة له.
قال: (ويشترط لوجوبه على المرأة وجود محرمها)
هذا شرط وجوب، والفرق بين شرط الصحة وشرط الوجوب: أن شرط الصحة إذا انتفى بطلت العبادة، وأما شرط الوجوب فإذا انتفى فإن العبادة لا تبطل لكن لا يجب في الأصل بهذا الشرط بمعنى أن انتفاء شرط الوجوب يعني انتفاء الوجوب يعني إن حج فالحج صحيح.
وعليه: فالمرأة إذا حجت بلا محرم فحجها صحيح وهي آثمة، وهذا قد اتفق عليه العلماء لأنه شرط وجوب لا شرط صحة، وهي آثمة لما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم فقال رجل: يا رسول الله: إن امرأتي خرجت حاجة وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا فقال: انطلق فحج مع امرأتك) 1 ، وفي الدارقطني وصححه أبو عوانة: (ولا تحجن امرأة إلا ومعها ذو محرم) .
فإن حجت مع جماعة النساء فهل يجوز لها ذلك ويسقط عنها الإثم؟
ذهب إلى جواز ذلك الإمام مالك واختار ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وأن المرأة إذا ذهبت في قافلة آمنة ومعها جماعة النساء فإن ذلك يجوز لها.
واستدلوا: بما روى البخاري: أن عمر أذن لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في آخر حجة حجها وبعث معهن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف " 2 وكان ذلك بمحضر من الصحابة، والشاهد أنه قد بعث معهن عثمان وعبد الرحمن وهما ليس بمحارم لهن.
وهذا الاستدلال فيه ضعف من وجهين:
الوجه الأول: - وهو أضعف من الوجه الثاني – أن يقال: إن نساء النبي صلى الله عليه وسلم لهن من حفظ الله وعنايته لحفظ عرضه صلى الله عليه وسلم ما ليس لغيرهن، ولهن من الصيانة والعفاف أعظم ذلك، فلا يقاس غيرهن بهن – هذا لو سلمنا أنه ليس معهن محرم.
الوجه الثاني: أن يقال: إن هذا الأثر ليس فيه أنه ليس معهن محرم، وإنما فيه أن عمر بعث معهن على القافلة عثمان وعبد الرحمن أي أمراء على القافلة، فهما أمراء القافلة التي فيها أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وليس في الأثر أنه ليس معهن محارم فإن الأثر لم يتعرض لذلك، وهنَّ أجلَّ من أن يخالفن النبي صلى الله عليه وسلم في نهيه العام أن تسافر المرأة بلا محرم.
لذلك الصحيح ما هو مشهور في المذهب من: أن المرأة ليس لها أن تسافر إلا مع ذي محرم.
ثم إن الفارق ظاهر، فإن المحرم لا يقوم مقامه شيء فلا يقاس به غيره، فكونها تكون مع جماعة النساء لا يغني ذلك عن محرمها ولا يقوم مقامه، والأصل في القياس هو التماثل فلا يلحق هذه المسألة بمسألة المحرم مع وجود الفارق، فإن مظنة [الحفظ] قوية وإن كانت موجودة مع صحبة النساء أو في صحبة منه ولا يشبه ذلك وجود محرمها.
واعلم أن من شروط المحرم أن يكون بالغاً – باتفاق العلماء، فالصبي وإن كان مميزاً ليس بمحرم لا في الخلوة ولا في السفر؛ ذلك لأن الحفظ والصيانة لا يكون إلا بمن كان بالغاً وهذا هو المقصود من المحرم.
قال: (ومحرمها هو زوجها)
فالزوج محرم لها وهذا ظاهر.
ولا يجب على الزوج أن يحج بها إذ لا دليل على إيجاب ذلك عليه، وأما قوله صلى الله عليه وسلم: (انطلق فحج مع امرأتك) 1 فإن هذا أمر بعد سؤال فلا يدل على الوجوب؛ ولأن في ذلك مشقة وليس من التعبد المختص بنفسه والأصل في مثل ذلك ألا يكون واجباً إلا بدليل ظاهر يدل عليه، وليس عندنا ما يدل على إيجابه على الزوج ولكن ليس للزوج أن يمنعها من حج الفريضة، فهو حق الله عليها بخلاف حج التطوع فله أن يمنعها.
قال: (أو من تحرم عليه على التأبيد)
فيخرج من ذلك من تحرم تحريماً غير مؤبد، فمثلاً: الزوج ليس محرماً لأخت زوجته وعمتها وخالتها لأنها لا تحرم تحريماً مؤبداً، بل هو مؤقت ببقاء عصمته على أختها، أما إذا زالت هذه العصمة بطلاق أو وفاة، فإنها تحل له.
نساء النبي صلى الله عليه وسلم يحرمن على التأبيد لكن ليس هذا للمحرمية وإنما للتحريم، فليس الرجال من المؤمنين بمحارم لهن، لكنه لا يحل لأحد منهن أن ينكح إحداهن بعد النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا تحريم وليس بمحرمية.
قال: (بنسب)
أي بقرابة، كالأم والأخت والعمة، فالرجل محرم لأمه وأخته وعمته وخالته.
قال: (أو سبب مباح)
كالمصاهرة فهي سبب مباح تثبت به المحرمية كأم الزوجة وبنت الزوجة، فهي تحرم على التأبيد بسبب مباح وهو النكاح الذي أباحه الله فتثبت به المصاهرة.فالرجل محرم لأم زوجته وبنت زوجته.
والرضاع أيضاً سبب مباح فعمته وخالته من الرضاع هو محرم لها ولا شك أن مثل هذا مع أمن الفتنة، فإذا أمنت الفتنة جاز ذلك.
وقيَّد السبب بالمباح، ليخرج السبب المحرم كالملاعنة، فإن الرجل إذا لاعن امرأته حرمت عليه على التأبيد لكن ليس له أن يسافر محرما لها لأن هذا السبب سبب محرم لا تكتسب به محرمية وإنما تكتسب به تحريم وكذلك تخرج بنته من الزنا، فليس له أن يسافر بها وإن علم أنها ابنته من الزنا لأن هذا سبب محرم لا يثبت به المحرمية.
إذن المحرمية: تثبت بمن تحرم عليه على التأبيد بنسب أو سبب مباح.
قال: (وإن مات من لزماه أخرجا من تركته) .
لزماه: أي الحج والعمرة.
فإذا مات الرجل وقد لزمه الحج وهو لم يحج فإنه يخرج من أصل تركته قبل قسمة الميراث – يخرج مالاً يحج عنه به ويعطى حكم الديون.
ودليل ذلك: ما ثبت في البخاري أن امرأة من جهينة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: (يا رسول الله أن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حجي عنها أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته اقضوا الله فالله أحق بالوفاء) 1 فجعله النبي صلى الله عليه وسلم من الديون التي تقضى وحينئذ تخرج من تركته كسائر الديون كما تخرج الزكوات ونحوها.
مسألة:
رجل عاجز أو قادر – على الحج هل يجوز أن يوكلا من يحج عنهما تطوعاً؟
قال الحنابلة: نعم في الصورتين في العاجز والقادر فعندهم باب التطوع ليس كباب الفريضة.
والراجح: أنه لا يحج أحد عن أحد كما قال ذلك ابن عمر وهو ثابت عنه بإسناد صحيح، وقال تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ 2 وإنما يستثنى العاجز في حجة الفريضة، أما القادر فلا يصح أن يناب عنه لا في حج فرض ولا نفل، وأما العاجز فلا يجوز في النفل ويجوز في الفرض
والحمد لله رب العالمين.
باب المواقيت.
المواقيت: جمع ميقات من وقت الشيء أي حدده وقدره.
ومواقيت الحج قسمان:
مواقيت مكانية: وهي المواضع التي يهل منها الحاج وسيأتي ذكرها.
مواقيت زمانية: وهي الأشهر التي يهل بها الحاج وسيأتي ذكرها أيضاً.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وميقات أهل المدينة ذو الحليفة)
شرع المؤلف في بيان المواقيت المكانية، فبدأ بميقات أهل المدينة وهو ذو الحليفة وهو ما يسمى عند العامة بـ " آبار علي " وسمي بذلك لقصة كاذبة مختلقة أن علياً قاتل الجن فيها لكن هذه القصة لا أصل لها كما بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية.
وهو وادي العقيق 1 الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم فيما ثبت في البخاري: (أتاني آت من ربي فقال: صل في هذا الوادي فإنه مبارك) 2 .
قال: (وأهل الشام ومصر والمغرب الجُحفة)
والجُحفة: موضع يبعد عن مكة نحو ثمانين كيلو متراً، لكنه موضع خراب وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت في الصحيحين: (دعا أن تنتقل حمى يثرب إليه) 3 فكانت فيه حمى يثرب، فانتقل إلى رابغ وهو موضع بحذائه فميقات أهل مصر والشام الآن هو رابغ.
قال: (وأهل اليمن يلملم)
وهو ما يسمى الآن بـ " السعديَّة " وهو جبل في تهامة.
قال: (وأهل نجد قرن)
والقرن في اللغة: الجبل المنفرد وهو ما يسمى الآن بالسيل الكبير.
قال: (وأهل المشرق ذات عرق)
فأهل المشرق من أهل العراق وأهل خراسان ونحوهم ميقاتهم ذات عرق، وهو ما يسمى الآن بـ " الضريبة " فهذه هي مواقيت الحاج.
ودليل ذلك ما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال: (وقت النبي صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة) وفي النسائي (ولأهل الشام ومصر الجحفة) 1 (ولأهل نجد قرن المنازل ولأهل اليمن يلملم هن لهن ولمن أتى عليهن من غيرهن ممن أراد الحج والعمرة ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة) 2
فهذه مواقيت أربعة وأما ذات عرق فثابت في حديث آخر، وهو ما ثبت في أبي داود والنسائي من حديث عائشة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم: وقت لأهل العراق ذات عرق) 1 وأصله في مسلم 2 من حديث جابر إلا أن الراوي شك في رفعه، لكن ورد الجزم بأنه من قول النبي صلى الله عليه وسلم من حديثه في مسند أحمد بإسناد حسن، وقد وقته عمر فخفي عليه ميقات النبي صلى الله عليه وسلم، فإن توقيته كان مظنة الخفاء لأن العراق لم تكن مفتوحة في عصره عليه الصلاة والسلام، فكان ذلك من أعلام نبوته، وأما المواقيت الأخرى فكان يحرم منها ويهل في عصر النبي عليه الصلاة والسلام فخفي ذلك على عمر فأجتهد فأصاب السنة، فقد ثبت في البخاري: (لما فتح المصران " البصرة والكوفة " أتوا عمر فقالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل نجد قرناً وإنه جور عن طريقنا " أي مائل ومنحرف عن طريقنا " وإنا إن أردنا قرناً شق علينا فقال: انظروا إلى حذوه فوقت لهم ذات عرق) 3 وفي قوله رضي الله عنه: (انظروا إلى حذوه) ما يدل على أنه إن كان الطريق لبلدة من البلاد إلى مكة ليس إلى ميقات وإرادتهم الميقات وانصرافهم إليه فيه مشقة فإنهم يحرمون مما يحاذي الميقات وهذا مما اتفق عليه العلماء.
قال: (وهي لأهلها)
فهذه المواقيت لأهلها، فذو الحليفة لأهل المدينة.
قال: (ولمن مر عليها من غيرهم)
فمن مر على هذه المواقيت من غير أهل هذه البلاد فهي مواقيتهم أيضاً، فإذا مر المدني بميقات أهل الشام أهلّ منه والعكس كذلك وهكذا، لقوله صلى الله عليه وسلم: (هن لهن ولمن أتى عليهن من غيرهن) 1 فالشامي إذا مر بميقات أهل المدينة فإنه يحرم منه – هذا هو المشروع في حقه باتفاق العلماء وهل لشخص من أهل الشام مر على المدينة – هل له أن يتجاوز ميقات أهل المدينة حتى يأتي إلى ميقات أهل الشام فيهل منه أم لا؟
والمستحب له بالاتفاق أن يهل من ميقات أهل المدينة، لكن هل يجوز له ويجزئه أن يتجاوز إلى ميقاته أم لا؟ قولان لأهل العلم:
قال جمهور العلماء من الحنابلة والشافعية: لا يجوز له أن يهل إلا من هذا الميقات الذي مر به، فإن تجاوزه إلى ميقات أهل بلده فإن عليه دماً.
واستدلوا: بقوله صلى الله عليه وسلم: (هن لهن ولمن أتى عليهن من غيرهن) .
قالوا: فمعنى قوله: (هن لهن ولمن أتى عليهن من غيرهن) أي هذه المواقيت مواقيت لأهل هذه البلاد، ولأهل البلاد الأخرى إذا مروا عليهن وحينئذ فما دام ميقاتاً فلا يجوز أن يتجاوز، فهو ميقات لهم بنص النبي صلى الله عليه وسلم فليس لهم أن يتجاوزوه.
وذهب الإمام مالك إلى أن له أن يتجاوزه وإن كان الأفضل في حقه ألا يفعل، لكن إن فعل فإنه يجزئ عنه.
واستدل بعموم قول ابن عباس: (وقت النبي صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة ذا الحليفة ولأهل الشام الجحفة..) فهذا الحديث يدل على أن ذا الحليفة – مثلاً – ميقات لأهل المدينة سواء كانوا في بلادهم أو في غير بلادهم، وأن لهم أن يتجاوزوا البلاد حتى يأتوا ميقات بلادهم.
وفيما قاله – رحمه الله – نظر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد نص على ما تقدم وأن هذه مواقيت لمن مر عليها من أهل البلاد الأخرى.
وأما قوله: (وقت لأهل الشام) فإن هذا من باب الغالب ولا شك أنه يسمى ميقات أهل الشام وهذا يسمى ميقات أهل المدينة ونحو ذلك فهو ميقاتهم أي ميقات بلدهم، وأما الأشخاص الذين يمرون عليه فسواء كانوا من أهل هذه البلدة أو من غيرهم فهذا هو ميقات من يذهب إلى مكة من جهة الشام وهذا ميقات من يذهب إلى مكة من جهة المدينة – وهكذا – فقوله صلى الله عليه وسلم: (هن لهن ولمن أتى عليهن من غيرهن) يدل على أنه ميقات له، والميقات لا يجوز لأحد أن يتجاوزه.
فما ذهب إليه جمهور العلماء أصح مما ذهب إليه الإمام مالك.
فعليه: إذا تجاوز الشامي ميقات أهل المدينة حتى أتى ميقات أهل الشام فأحرم منه فإنه قد ترك ما أوجبه الله عليه فيكون عليه دم لتركه واجباً من واجبات الحج وهو الإحرام من الميقات.
قال: (ومن حج من أهل مكة فمنها)
من حج من أهل مكة سواء كان مقيماً أو غير مقيم – وهذا باتفاق العلماء – وقد يقال أن مثل هذه المسألة تدل على ضعف ما ذهب إليه الإمام مالك فإنه باتفاق العلماء لمن كان من أهل المدينة وقد مر على ميقات أهل الشام مقبلاً من جهة الشام أنه يحرم منه ولو قلنا بأن هذا الميقات خاص بأهل الشام وهذا خاص بأهل المدينة لم نقل بجوازه، فتبين أن المراد من مر به سواء كان من أهل تلك الجهة مقيماً بها أو كان ماراً غير مقيم.
فهنا من كان في مكة مقيماً أو لم يكن مقيماً باتفاق العلماء
لمن صادفه الحج وهو في مكة، أو نوى العمرة وهو في مكة فإنه يهل من مكة بالاتفاق، لقوله صلى الله عليه وسلم: (حتى أهل مكة من مكة) 1 فأهل مكة المقيمون وغير المقيمين يهلون بالحج من مكة وهذا مما لا خلاف بين أهل العلم ومما يدل على دخول غير المقيمين ما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أعمر عائشة من التنعيم، ومعلوم أن عائشة من أهل المدينة فأعطاها حكم أهل مكة في كونها تهل من الحل وهذا إنما يكون لأهل مكة.
قال: (وعمرته من الحل)
للحديث الذي تقدم ذكره وهو ما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم: (أمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يعمر عائشة من التنعيم) 2 والتنعيم هو أدنى الحل إلى مكة والحكم عام في التنعيم وغيره من الحل وإنما أعمرها من التنعيم لقربه من الحرم فهو أدنى الحل.
فعلى ذلك المكيون إذا أرادوا العمرة وكانوا في الحرم فإنهم لا يعتمرون في موضعهم الذي هم فيه بل من أدنى الحل، وكذلك الآفاقي إذا كان بمكة وأدركه الحج أو أراد العمرة وهو في الحرم فيجب أن يحرم من الحل للحديث المتقدم.
والعلة من التفريق بين الحج والعمرة: أن الحج فيه جمع بين الحل والحرم، فإن فاعل أنساك الحج يجتمع فيه الحل والحرم فعرفة مثلاً في الحل ومنى في الحرم، أما المعتمر فإنه إن لم يخرج إلى الحل فإن مناسكه لا يكون فيها حل – هذا ما ذكره أهل العلم – من التفريق.
ويظهر لي أيضاً معنى آخر للتفريق وهو أن العمرة هي الزيارة والزيارة إنما تكون من الخارج لا من الداخل، فيخرج إلى الحل ويأتي معتمراً.
إذاً: اتفق أهل العلم على التفريق بين الحج والعمرة في الإحرام فقالوا: يحرم من مكة للحج وأما العمرة فلابد أن يخرج إلى الحل سواء كان ذلك من التنعيم أو غيره.
إذاً: عندنا هنا طرفان:
الطرف الأول: من كان في المواقيت فما وراءها وتقدم الكلام عليه.
الطرف الآخر: من كان في مكة في الحرم فتقدم حكمه وأنه يحرم للحج من موضعه، وأما العمرة فمن الحل.
الطرف الثالث: من كان بين ذلك كالقرى والمدن التي تكون دون المواقيت إلى مكة فهؤلاء باتفاق العلماء يحرمون من مواضعهم، فكل يحرم من مكانه وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: (ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ) 1 وإن كان بينه وبين الميقات مسافة يسيرة.
قال: (وأشهر الحج شوال، وذو القعدة وعشر من ذي الحجة)
(ذو القعدة) بالفتح ويصح الكسر " أي كسر العين [لعل الصواب: القاف] " القعِدة.
(ذو الحجة) بكسر الحاء ويصح بفتحها، والمشهور هو الكسر، فعكس ذي القعدة فالمشهور فتح العين ويصح كسرها هذه أشهر الحج عند جمهور العلماء.
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج﴾ 1 ووجه الاستدلال: قوله: ﴿فمن فرض فيهن الحج﴾ قالوا: ولا يمكن لأحد أن يفرضه إلا في عشر ذي الحجة فما قبلها فحينئذ: الأيام الأخرى من ذي الحجة ليست من أشهر الحج لأنه لا يفرض فيها الحج أي لا يهل بالحج، فإن الحج ينتهي الإهلال به بأذان الفجر من ليلة النحر.
وهذا القول ثابت عن ابن عمر كما في البخاري معلقاً ووصله ابن جرير أنه قال: (أشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة) 2 .
ويورد إشكال على ما ذهب إليه الجمهور وهو أن يقال: إن الله عز وجل قال في كتابه: ﴿الحج أشهر﴾ والأشهر جمع، والجمع إنما يكون في الأصل بثلاثة، وهذه شهران وبعض شهر، وليست بجمع.
فأجابوا عن ذلك بأن هذا من باب إطلاق الكل وإرادة الجزء وهذا مشهور في لغة العرب، فإن الرجل يقول قمت الليل ولم يقم إلا بعضه، ويقول: رأيت فلاناً اليوم، ولم يره إلا بعضه، وهذا أسلوب معروف في لغة العرب.
- وذهب المالكية: إلى أن أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة كاملاً.
واستدلوا: بقوله تعالى: ﴿الحج أشهر معلومات﴾ فقوله: (أشهر) جمع، وهذا يصدق في الأصل على ثلاثة، وما ذكرتموه – أي الجمهور – تأويلٌ، فإن إطلاق الكل على الجزء تأويل، والأصل إطلاق الكل على الكل، فإذا قال رجل: قمت الليل، فالأصل أنه قامه كله إلا أن تكون هناك قرينة تدل على أنه لم يقمه كله.
قال الجمهور – قرينتنا – قوله تعالى: ﴿فمن فرض فيهن الحج﴾ فهذه قرينة تدل على أنه أطلق الكل وأراد به الجزء.
ويمكن أن يجاب على هذا بأن يقال: إنكم قد أدخلتم فيها العاشر من ذي الحجة ومعلوم أن يوم النحر وهو يوم الحج الأكبر لا يفرض الحج فيه، فإن الحج ينتهي بما يمكن أن يدرك فيه عرفة، وعرفة يدرك بإدراك جزء يسير قبل أذان الفجر من يوم النحر.
فعليه تبين أن ما ذهب إليه المالكية أصح في هذه المسألة، فإن يوم الحج الأكبر أعظم أيام الحج لا يفرض الحج فيه ومع ذلك قطعاً هو من أيام الحج، على أن اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر أيام فيها مناسك الحج.
فما ذهب إليه المالكية أصح.
وأما قوله تعالى: ﴿فمن فرض فيهن الحج﴾ فإن ذلك يرجع إلى السُّنة وقد بينت السنة أن أشهر الحج التي يفرض فيها الحج ما يمكن أن تدرك فيه عرفة، فيبقى هذه خصيصة لما قبل يوم النحر في إدراك الحج وفرضه فيه، وتبقى الأيام الأخرى من شهر ذي الحجة من أشهر الحج.
وهذه المسألة لا يترتب عليها كبير ثمرة في المسائل الفقهية ومع ذلك فإن الراجح ما ذهب إليه المالكية في هذه المسألة وأن أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة بتمامه وهو ثابت عن ابن عمر كما عند ابن جرير بإسناد صحيح 1 وعليه فقد اختلف قول ابن عمر في هذه المسألة.
مسألة:
إذا أهل بالحج قبل أشهره، وهذا وإن كان لا يتصور كثيراً في هذه الأزمان لكنه يتصور في الأزمنة السابقة لمّا كان الناس يبكرون إلى الحج لبعد المسافة، فإذا أهل قبل أشهر الحج كأن يهل بالحج في رمضان فهل يصح حجه أم لا؟
قولان لأهل العلم:
قال الحنابلة: يصح حجه لكن يكره – وهو مذهب جمهور العلماء.
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج﴾ والأهلة هي أهلة القمر أي أهلة الشهور، فهنا قال تعالى: ﴿يسألونك عن الأهلة﴾ أي بيِّن لنا الأهلة، فصرفهم الله إلى الفائدة منها فقال: ﴿هي مواقيت للناس والحج﴾ ، قالوا: فقوله: ﴿مواقيت للناس والحج﴾ يدل على أن الأشهر كلها مواقيت للحج.
وقال الشافعية: إذا أهل قبل أشهر الحج لم يجزئه ذلك.
قال الشافعية: قوله تعالى: ﴿الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج﴾ دليل على أنه لا يجوز له أن يحرم قبل هذه الأشهر، فإن قوله تعالى: ﴿الحج أشهر﴾ خبر من الله تعالى بأن الحج أشهر، والحج لا يوصف بكونه أشهر، فإنه فعل مناسك، فتبين أن هناك محذوف مقدَّر تقديره: " مواقيت الحج أشهر " وهذا من باب حذف المضاف وإبقاء المضاف إليه، فدل على أن مواقيت الحج هي هذه الأشهر، ومعلوم أن الميقات لا يجوز أن يتجاوز لا بتقديم ولا بتأخير وقد قال تعالى: ﴿فمن فرض فيهن﴾ فدل على أن الفرض لا يكون إلا فيهن.
وما ذهبوا إليه أصح.
وأجابوا عن الآية المتقدمة قالوا: قوله تعالى: ﴿يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج﴾ هنا جعل الله الأهلة مواقيت للحج؛ لأن أشهر الحج تعرف بمعرفة بقية الشهور، فإنا نحتاج إلى معرفة شهر شوال بمعرفة خروج شهر رمضان وبمعرفة صحة دخوله وهكذا.
فعلى ذلك هذه الآية فيها بيان [أن] الأهلة يستعان بها على معرفة الحج.
أو أن المراد أن بعض الأهلة مواقيت للحج وهي الأشهر الثلاثة.
ومذهب الشافعية أصح وأن الإهلال لا يصح، وحينئذ فينقلب عمرة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه وقد أهلوا بالحج أن يحلقوا رؤوسهم فتكون لهم عمرة.
مسألة: " في المواقيت المكانية "
تقدمت المواقيت المكانية وأن الواجب هو ألا يتجاوزها، فإذا أحرم قبل الميقات المكاني فهل يجزئ ذلك عنه أم لا؟