شرح زاد المستقنع للحمدصفحات 1-40
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الزكاة في لغة العرب: هي النماء والزيادة، يقال: زكا الزرع، إذا نما.
وسميت الزكاة الشرعية زكاة؛ لأنها تنمي الغني والفقير.
أما كونها تنمي الفقير، فهذا ظاهر.
وأما كونها تنمي الغني، فإنها تنمي ماله، ولذا ثبت في مسند أحمد وسنن الترمذي بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (ثلاث أُقسم عليهن: ما نقص مال من صدقة، ولا ظُلم عبد مظلمة صبر عليها إلا زاده الله عز وجل عزاً، ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر) 1 . فالصدقة لا تنقص المال، لكنها تبارك فيه، كما أنها تطهر المال من الوسخ، ولذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إنها لا تحل لآل محمد، إنها من أوساخ الناس) 2 . وهي في الشرع: حق واجب في مال مخصوص لطائفة مخصوصة في وقت مخصوص.
" في مال مخصوص ": ستأتي الأموال الزكوية من بهيمة الأنعام والحبوب والثمار ونحوها.
" لطائفة مخصوصة ": وهم أهل الزكاة.
" في وقت مخصوص ": وهو مضي الحول إلا ما استثني من المعشرات ونحوها.
قال المؤلف: [تجب] فالزكاة واجبة شرعاً، ودليل ذلك كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وإجماع الأمة.
أما الكتاب، فقد قال تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ 3 .

وأما السنة، فقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: (وأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم) 1 . وقد أجمعت الأمة على فرضيتها، وأن منكر وجوبها كافر خارج عن الإسلام؛ لأن فرضيتها معلومة من الدين بالضرورة.
والقاعدة: أن ما علم من الدين ضرورة كفرضية الصلاة والزكاة والحج ونحوها من الأحكام الشرعية – أن – إنكارها كفر بالله؛ لأنه تكذيب لدلالة الكتاب والسنة.
أما من تركها بخلاً، فإنه لا يكفر بذلك، كما هو مذهب جماهير أهل العلم، ودليل ذلك: ما ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صُفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فتكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أُعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد، فيُرى – وضبطت: فيَرى – سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار) 2 . والكافر لا يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار على التخيير، بل سبيله إلى النار على وجه التحتم، فدل هذا على أن تارك الزكاة تكاسلاً مع إقراره بوجوبها أنه لا يكفر.
فإن كان تاركها تحت يد الإمام، فإنه يلزمه بها ويأخذ شطر ماله، كما سيأتي تقريره، لحديث: (ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا) 3 رواه أحمد وأبو داود بإسناد حسن وقال أحمد: " هو عندي صالح الإسناد ". 4

وأما إذا كان تاركها ليس تحت قبضة الإمام، بأن كانت طائفة ممتنعة، كأن تمتنع جهة من الجهات عن أداء الزكاة للإمام ولهم قوة وشوكة، فإن الإمام يقاتلهم حتى يؤدوا الزكاة، كما قاتل أبو بكر مانعي الزكاة، ولا تكفر.
وقد حكى شيخ الإسلام اتفاق المسلمين على أن الطائفة الممتنعة عن أداء شعيرة من الشعائر الإسلامية الظاهرة، كالصلاة والزكاة ونحوها، أو الممتنعة عن ترك شيء من المحرمات الظاهرة كالربا والزنا أنها تقاتل.

قال: [بشروط خمسة] هذه شروط وجوب الزكاة، فلا تجب الزكاة إلا بتوفرها.

قال: [حرية] والمكاتب قنٌ، والعبد لا يملك بالتمليك في الصحيح من المذهب.
هذا هو الشرط الأول، وهو الحرية، فالعبد لا زكاة عليه؛ وذلك لأنه لا مال له، والزكاة إنما تؤخذ من أصحاب الأموال.
وأما العبد فإنه مال ولا يملك، ولذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (من باع عبداً وله مال – أي معه مال هو مختص به – فماله للذي باعه) 1 .

قال: [وإسلام] فالكافر لا تجب عليه الزكاة، ولا خلاف بين أهل العلم في هذا، وقد قال تعالى: ﴿وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله﴾ 2 . فالزكاة منهم لا تصح، ولا تجب، ولا خلاف بين أهل العلم في هذا، وهذا بإجماع الصحابة رضي الله عنهم، ولذا لم يكونوا يأخذون من الذميين الزكاة، وإنما كانوا يلزمونهم بالجزية.
فالزكاة لا تجب على كافر.

وإن أسلم فلا تجب عليه قضاؤها، ويستأنف حولاً جديداً، أي يستأنف الحول من إسلامه؛ لقوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ 1 ، فإذا أسلم ترتبت عليه الأحكام الشرعية، فإذا تم لإسلامه حول أخذت منه الصدقة.

قال: [وملك نصاب] هذا هو الشرط الثالث: أن يملك النصاب الزكوي من الأموال الزكوية.
وسيأتي الكلام على الأنصبة.
فمن ملك النصاب من الغنم فعليه الزكاة، وهكذا في بقية الأموال الزكوية التي فيها الأنصبة.
أما إن كان ماله لا يبلغ النصاب، فإنه لا تجب عليه الزكاة، فنصاب الذهب مثلاً: عشرون ديناراً، فإن ملك تسعة عشر ديناراً، فلا زكاة عليه، ونصاب الغنم مثلاً: أربعون شاة، فإن ملك تسعاً وثلاثين شاة، فلا زكاة عليه.
وهذا باتفاق العلماء.
وهو ظاهر الأحاديث النبوية في تقدير الأنصبة، فإن ظاهرها أن من لم يملك النصاب المسمى، فإنه لا زكاة عليه.
لكن إن كان الناقص عن النصاب الشيء اليسير عرفاً، فإنه لا عبرة بنقصه، فتبقى الزكاة عليه واجبة، كأن تنقص الحبة والحبتين من أوسق الحبوب أو الثمار، فإن نصاب الحبوب والثمار خمسة أوسق وهو ستون صاعاً، فكون الصاع الأخير ينقص منه شيء يسير هذا نقص لا يعتد به؛ لأن الشارع لا يعلق الحكم بمثل هذا، ولذا فإن الشارع لم يبطل الصلاة بالعمل اليسير الخارج عن الصلاة، وعفا عن النجاسات اليسيرة ونحو ذلك.

قال: [واستقراره] فالمال غير المستقر ناقص لا تام.
" استقراره ": أي استقرار النصاب في ملكيته.
ويعبر عنه صاحب المقنع بتمام الملك، وتمام الملك: هو أن يكون الملك تاماً غير ناقص، وهو الملك المستقر الذي لا يكون عرضة للسقوط، فإن كان ملكاً ناقصاً، بأن كان غير تامٍ أو معرضاً للسقوط، فإنه لا تجب فيه الزكاة.

مثال ذلك: على القول بوجوب الزكاة في الدين، فلو أن سيداً باع على عبده نفسه، وهو المكاتبة، فإن هذا المال يبقى ديناً على المكاتب وهو العبد، فهذا الدين لا تجب فيه الزكاة، كأن يشتري العبد نفسه من سيده بألف إلى سنتين، فإن السيد لا يزكي عن هذه الألف؛ لأن هذا المال ليس ملكه تام فيه، فإن هذا العبد يمكنه أن يعجز نفسه فيعود عبداً، وحينئذ، فإن هذا الدين يسقط، فمتى عجز نفسه فإنه يسقط، فأصبح هذا الدين ليست ملكيته تامة كالديون المتعلقة في ذمم الناس من بيع أو نحو ذلك، فهي ديون مستقرة ثابتة.
ومثل ذلك: الوقف الذي يكون لمعين، فلو أوقف رجل مالاً على ذريته، فلا زكاة فيه؛ لأن ملكيتهم ليست بتامة، فإنه لا يمكنهم التصرف فيه ببيع ولا شراء ولا نحو ذلك، ولا يورث منه مطلقاً، بل يجري على ما أوصى به صاحب الوقف، فلا تجب فيه الزكاة؛ لأن الملك فيه غير تام، فلابد أن يكون الملك تاماً.
ودليل هذا قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ (1) ، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم) 2 ، وهذا ليس بمال مستقر.
فعلى ذلك الشرط الرابع تمام الملك أو استقراره.

قال: [ومضي حول]

هذا الشرط الخامس، وهو مضي الحول، والحول هنا هو الحول الهلالي القمري بلا خلاف بين العلماء، كما قال تعالى: ﴿يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج﴾ 1 أي أهلة القمر التي تثبت بها السنة القمرية.
فالحول هنا هو الحول القمري أي السنة القمرية، فإذا مضى الحول بالسنة القمرية وهي اثنا عشر شهراً، فإن الزكاة تجب، وهذا باتفاق العلماء.
وفي سنن أبي داود بإسناد حسن عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول) 2 ، والصحيح وقفه على علي رضي الله عنه، ونحوه عن عائشة في سنن ابن ماجه 3 ، والصحيح الوقف أيضا.
وعن ابن عمر عند الترمذي 4 والصحيح الوقف، فهذا آثار موقوفة على الصحابة لا يعلم لهذه الآثار مخالف.

قال: [في غير المعشر] المعشرات: هي الحبوب والثمار، فهذه لا ينتظر لوجوب الزكاة فيها مضي الحول، بل متى حُصدت زكيت، لقوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ 5 . ويلحق بها: زكاة المعادن والركاز والعسل، فهذه تخرج زكاتها عند الحصول عليها في المعادن والركاز، وعند جني العسل.

وإنما فرق الشارع بين المعشرات وغيرها؛ لأنها ليست معدة للنماء، بل متى حصدت استهلكت، بخلاف بهيمة الأنعام وعروض التجارة والذهب والفضة، فإنها معدة للنماء، فناسب في إيجاب الزكاة فيها مضي الحول.
وأما هذه فإنها ليست بمعدة للنماء، فمتى حصد الزرع أو جني الثمر، فإن الزكاة تجب فيه؛ لأنه حينئذ يكون معرضاً للاستهلاك، فلا فائدة حينئذ من أن يتربص به حولاً.

قال: [إلا نتاج السائمة وربح التجارة] فما تنتجه السائمة من بهيمة الأنعام فنتاجها وكذلك ربح التجارة هو فرع يلحق بأصله في الحول، فحوله حول أصله.
مثال ذلك: رجل عنده أربعون شاة، وقبل أن يتم عليها حول أنتجت كل شاة منها سخلتين أو أكثر بحيث أنها زادت على ما يجب في أصلها، فأصلها أربعون، فيجب فيها شاة، وإذا نظرنا إلى النتاج وأضفناه إلى أصله فإن الواجب شاتين، فحينئذ نوجب فيها شاتين، فنعتدّ بالصغار، فتلحق بأصولها في مضي الحول.
وعليه عمل السعاة في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، وقد ثبت في موطأ مالك بإسناد صحيح عن سفيان بن عبد الله أن عمر بعثه مصدقاً، فكان يعتد على الناس بالسخل "، يعني يحتسب عليهم السخل، فقالوا: إنك تعتد علينا بالسخل ولا تأخذها – فإن الساعي لا يأخذ الصغار بل يأخذ وسْط المال، الجذعة والثنية، فذكر ذلك لعمر، فقال عمر: " نعم نعتد عليهم بالسخلة يحملها الراعي – أي يحملها بيده – ولا نأخذها، ولا نأخذ الأكولة " وهي التي تسمن لتؤكل، وهي من خيار المال، " ولا الرُبَّى " وهي المرضع تربى ولدها، " ولا الماخض " وهي الحامل، " ولا فحْل الغنم، وتأخذ الجذعة والثنية، وهذا عدل بين غذاء الغنم " 1 أي صغاره وخياره.

أي كوننا نحسب عليكم السخلة ولا نأخذها منكم، وإنما نأخذ منكم أكبر منها، يقابل هذا أنا لا نأخذ منكم خيار المال، بل نترك خياره لكم من الأكوله والربى وغيرها، فهذا قول عمر رضي الله عنه ولا يعلم له مخالف.
ومثل ذلك أيضا: ربح التجارة، فمثلاً: رجل عنده عروض تجارة تساوي ألف ريال، فلما مضى الحول فإذا بها تساوي أربعة آلاف، فإنه يزكي زكاة أربعة آلاف، فهذا المتولد من هذه الألف له حكمها.
إذاً نتاج بهيمة الأنعام وأيضا ما ينتج من التجارة من ربحها، فإن له حكم أصله، كما دل على ذلك أثر عمر المتقدم، وعليه العمل في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، فإنهم ما كانوا يستثنون السخلة أو صغار الإبل أو البقر، بل يحسبون ذلك كله.

قال: [ولو لم تبلغ نصابا] أي وإن كانت السخال لم تبلغ نصاباً، فإنها محسوبة مع أصلها.

قال: [فإن حولها حول أصليهما إن كان نصاباً] أي إن كان هذا الأصل نصاباً كما تقدم في التمثيل السابق.

قال: [وإلا فمن كماله] صورة ذلك: رجل في الشهر المحرم امتلك ثلاثين شاة فأخذت بالنتاج، فبلغت بعد ثلاثة أشهر، أربعين - ثلاثون شاة وعشر سخال - فهذه أربعون، ثم أخذت بالنتاج بعد ذلك، فإن الحول لا يكون من الشهر المحرم؛ لأنها كانت فيه ثلاثين، وإنما يكون هذا بعد ثلاثة أشهر منه، أي في شهر ربيع الثاني، حيث بلغت أربعين.
إذاً: النتاج له حول الأصل حيث كان الأصل نصاباً، أما إن لم يكن الأصل نصاباً، فإن الحول يكون من الكمال.
وظاهر كلام المؤلف أن ما يطرأ على المال من جنسه مما لم يتولد منه أن له حولاً جديداً، وهذا مذهب جمهور العلماء.

صورة هذا: رجل عنده مائتا دينار، امتلكها في شهر المحرم، ثم أهدي إليه بعد شهر أو شهرين مئة دينار، أو ورث مئة دينار، فهذا الإرث وهذه الهبة ليست متولدة من ماله الأول، فيستأنف بها حولاً جديداً؛ لعموم الآثار المتقدمة التي فيها أنه ليس في المال زكاة حتى يحول عليه الحول، وهو مال له حكم مستقل، فليس بمتولد من المال الأول.
وإن كانت زكاته مع الأول أبرأ للذمة وأيسر، لكن هذا ليس بواجب عليه.
وعند قوله: " وملك نصاب "، علّق الزكاة بملك النصاب، فتثبت الزكاة بملك النصاب، ولو كان المالك غير عاقل أو غير بالغ، ولذا لم يذكر التكليف في الشروط.
فالزكاة تجب على الصغير في ماله، وتجب على المجنون في ماله.
ويؤدي ذلك وليهما عنهما بنيته من مالهما وجوباً؛ وذلك لأن الزكاة متعلقة بالمال، فلم ينظر فيها إلى المالك، فأشبهت قيم المتلفات وأروش الجنايات والنفقة على الأقارب، فإن هذا كله يجب على غير المكلف.
فلو أن غير مكلف قتل، فإن الدية تثبت، وأيضاً النفقة تثبت في مال الصبي والمجنون وأروش الجنايات تثبت كذلك، وقيم المتلفات كذلك، لتعلق حق الآدمي بها، وهنا كذلك، فإن الزكاة تتعلق بها حق الآدمي من أصحاب الزكاة.
هذا مذهب جمهور العلماء، وعليه تدل آثار الصحابة، كقول عمر فيما صح عنه عند الدارقطني: " اتجروا بمال اليتيم لا تأكله الصدقة " 1 . والبالغ لا يسمى يتيماً، وإنما اليتيم هو الصبي، ونحوه عن عائشة، ولا يعلم لهم مخالف.

  • وقال الأحناف: لا تجب إلا على المكلف؛ واستدلوا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (رفع القلم عن ثلاثة، وذكر منهم: (والصبي حتى يبلغ والمجنون حتى يعقل) 1 . والجواب عن هذا بأن يقال: ... 2 (رفع القلم) أي قلم التكليف في العبادات التي.... بحق الغير، أما العبادات التي لا تعلق بحق الغير، فهذه.... ما تقدم من نفقة الأقارب وقيم المتلفات، فإنها متعلقة بحق الآدمي فلا ينظر فيها إلى المكلف، بل إلى المال نفسه.
    كما أن هذا الحديث مُخَصص بأقوال الصحابة، فإن الصحابة أقوالهم تخصص الأدلة، فعلى القول بدخول الزكاة في هذا الحديث من باب العموم، فإن آثار الصحابة تدل على تخصيص الزكاة.
    فالراجح هو مذهب جمهور أهل العلم من وجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون.
    والحمد الله العالمين.
    والذي دلت عليه الآثار أنه – أي النصاب – تحديد وتقريب في الجمع، وهو رواية عن أحمد، عنه تقريب الأثمان والعروض، وتحديد في غيرها.
    واختار شيخ الإسلام أنه لا حول لأجره، وهو رواية عن أحمد ومنقول عن ابن عباس، قال لا يصح أن يشترط رب المال زكاة رأس المال أو بعضه؛ لأنه قد يحط بالربح، حكاه في الفروع وغيره.
    الدرس السابع والتسعون بعد المئة (يوم السبت: 2 / 12 / 1415 هـ)

قال المؤلف رحمه الله: [ومن كان له دين أو حق من صداق أو غيره على مليء أو غيره أدى زكاته إذا قبض لما مضى] هذه مسألة زكاة الديون.
الديون على ضربين:

الضرب الأول: أن يكون الدين على مليء باذل، أي يكون المستقرض غني باذل، كأن يستقرض رجل من رجل، ويكون المستقرض باذلاً أو يكون لامرأة صداق مؤخر على زوجها، وزوجها باذل مليء، أو رجل باع سلعة على آخر بثمن مؤجل، فهذا داخل في الديون.
الضرب الثاني: أن يكون هذا الدين على غير مليء، بأن يكون معسراً أو يكون على غني مماطل، أو أن يكون الحق محجوراً أو مسروقاً أو مغصوباً، كرجل سُرق ماله أو غُصب.
أما الضرب الأول: فتجب عليه الزكاة عند جماهير العلماء؛ لأن هذا الدين داخل في عموم المال، وقد قال تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ ، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم) ، فهذا الدين مال فيدخل في عموم الأدلة الدالة على الزكاة؛ ولأنه شبيه بالوديعة، والوديعة يجب أن يزكيها مودعها، وهذا المال شبيه بالوديعة؛ لأنه يمكنه أن يتصرف به متى شاء، فمتى أراد أن يتصرف به فإنه يطلبه من هذا المدين فيتصرف به وينميه.
وهل تجب عليه الزكاة عند مضي الحول وإن لم يقبضه، أو أن الزكاة لا تجب إلا عند قبضه، فيزكيه لما مضى؟ قولان لأهل العلم: ذكر المؤلف القول الثاني، وأنه يزكيه إذا قبضه لما مضى، فإذا أقرض زيد عمراً مئة ألف، فإنه يزكيها إذا قبضها، ولو كان ذلك بعد عشر سنوات، فيزكي عن العشر سنوات، ولا يجب عليه أن يزكيها عند مضى كل حول.
فإن زكاها عند مضي الحول، أجزأ، لكن لا يجب عليه ذلك.
هذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد، وهو مذهب جمهور العلماء، وهو قول علي كما روى ذلك عنه أبو عبيد في كتاب الأموال بإسناد صحيح؛ ولأنه دين ثابت في الذمة فلم يجب الإخراج قبل قبضه كما لو كان على معسر.

والقول الثاني: أنه يجب أن يزكيه عند مضي كل حول وإن لم يقبضه، وهو قول الشافعي، قال في المغني: " وهو قول عمار وابن عمر وجابر "؛ وذلك لعموم الأدلة الدالة على وجوب الزكاة عند مضي الحول للمال، وهو عام في الدين وغيره.
وهذا القول أظهر؛ لأنه مال فيدخل في عموم الأدلة القاضية بإيجاب الزكاة عند مضي الحول، ولا دليل على إخراجه منها.
وقال أهل القول الأول: هو مال لا ينتفع به صاحبه، فلم يجب أن يزكيه إلا عند قبضه.
وفي هذا نظر، فإن مقتضى التعليل الذي ذكروه، أولاً: عدم وجوب الزكاة فيه مطلقاً، وهم لا يقولون بهذا.
والوجه الثاني: أنه يمكنه الانتفاع به بأن يأخذه من صاحبه فيتصرف به كيف شاء، فإن هذا المليء الباذل يدفعه له متى طلبه، وحيث كان كذلك، فإنه يمكنه الانتفاع به متى شاء.
فالراجح مذهب الشافعية، وأنه يجب أن يزكيه عند مضي كل حول وإن لم يقبضه.
أما الضرب الثاني: وهو ما إذا كان الدين على مماطل أو جاحد أو معسر، أو أن يكون المال مغصوباً أو مسروقا، فهل تجب فيه الزكاة أم لا؟ قولان لأهل العلم، وهما قولان في مذهب أحمد والشافعي: القول الأول: أن الزكاة واجبة، وهو ما ذكره المؤلف هنا، ويزكيه عند قبضه لما مضى.
هذا هو المشهور في مذهب أحمد والشافعي؛ قالوا: لأنه مال فيدخل في عموم الأدلة الدالة على فرضية الزكاة في الأموال.
وعن أحمد، وهو قول مالك واختاره الشيخ محمد: أن يزكيه إذا قبضه لسنة واحدة.

والقول الثاني في مذهب أحمد والشافعي، وهو مذهب أبي حنيفة: أن الزكاة لا تجب فيه، واختاره شيخ الإسلام؛ قالوا: لأن هذا المال لا يمكنه أن ينتفع به ولا يتصرف به، فليس محلاً للنماء والزيادة، والأصل في مشروعية الزكاة إنما هي في الأموال التي يمكن أن تنمى، وهنا هذا المال ليس كذلك.
وهذا القول أظهر، وأن الزكاة لا تجب.
فهو وإن كان مالاً، وهو داخل في عموم الأموال، لكنه في الحقيقة بمعنى الدين على المكاتب.
وقد تقدم أن الدين على المكاتب لا يزكى بالاتفاق؛ لأن الملك فيه ليس بتام، إذ يمكن أن يسقط، وهنا هو بمعناه؛ لأنه لا يمكنه أن يتصرف به، ولا أن ينتفع به، وحيث كان كذلك، فإنه لا يلزم بإخراج الزكاة عنه، لأنه ليس تحت يده حكماً، وحيث كان كذلك، فإنه لا يلزم بأن يزكيه.
وهذا القول أظهر.
وحينئذٍ فإنه إذا قبضها استأنف الحول من جديد، فإذا قبض الدين أو وجد المسروق أو أتاه المال الغصوب، فإنه يستأنف حولاً جديداً، فإذا مضى الحول الجديد بالشروط السابقة، فإنه يزكيه.
وقوله [أو حق] من مغصوب أو مسروق.
وقوله [من صداق أو غيره] : كقرضٍ أو ثمن مبيع.
قال: [ولا زكاة في مالِ من عليه دين ينقص النصاب] هذه مسألة أخرى: في حكم الزكاة على من عليه دين ينقص النصاب.
تقدم أن الزكاة لا تجب إلا إذا كان النصاب تاماً، فإذا كان على صاحب النصاب دين، لكنه دين بحيث إن هذا الدين ينقص النصاب، فلا تجب عليه الزكاة.
مثال هذا: نصاب الذهب عشرون ديناراً، فإذا كان يملك عشرون ديناراً لكن عليه دين لفلان خمسة دنانير، فهي تنقص النصاب، فيكون في الحقيقة مالكاً خمسة عشر ديناراً.
مثال آخر: عنده خمس من الإبل، وعليه دين ينقصها، أي بقدر بعير.
أو عليه دين شاة أو شاتين وعنده أربعون شاة.

أما إذا كان الدين لا ينقص النصاب، فلا إشكال في إيجاب الزكاة عليه، مع حذف الدين من عليه، فإذا كان عنده ثلاثون ديناراً وعليه عشرة دنانير، فهذا الدين لا ينقص النصاب، فإذا حذفنا عشرة دنانير من ثلاثين ديناراً بقي له عشرون دينارً، وهو النصاب الزكوي، فيجب عليه أن يزكي العشرين.
وأما إذا كان الدين ينقص النصاب، فإنه لا زكاة عليه.
وهذا كله بيان كلام المؤلف، وسيأتي الكلام في هذه المسألة.

قال: [ولو كان المال ظاهراً] الأموال على قسمين: أموال باطنة: وهي الأثمان وعروض التجارة، فالأثمان وهي الذهب والفضة أو ما يقوم مقامها من العملة المعاصرة، هذه أموال باطنة، وعروض التجارة كذلك أموال باطنة؛ لأن قيمتها أثماناً، فكانت بحكمها.
وقال بعض الحنابلة: بل الأموال الباطنة هي الأثمان فقط، وأما عروض التجارة، فهي أموال ظاهرة.
وهذا فيما يظهر لي أظهر؛ لأنها في الحقيقة ظاهرة، فإن أنفس الفقراء تتشوف إليها، وهي أموال بينة بخلاف الأثمان، فإنها تتصف بأنها أموال باطنة، إذ لا يظهر إلا بإظهار صاحبها لها.
وأما عروض التجارة فهي وإن كانت قيمتها أثماناً، لكنها في الحقيقة أموال ظاهرة شبيهة بالمواشي والحبوب والثمار وغيرها.
أموال ظاهرة: وهي المواشي والحبوب والثمار.
فهنا المؤلف ذكر أن الديون التي تنقص النصاب لا توجب الزكاة، سواء كانت الأموال باطنة كالذهب والفضة وعروض التجارة، أو كانت الأموال ظاهرة كالمواشي وغيرها.

فمن كان عليه دين، وعنده مواشي أو عنده حبوب وثمار أو ذهب وفضة قد بلغت أنصبتها، وهذه الديون التي عليه تنقص النصاب، فإن الزكاة لا تجب عليه.
هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة؛ قالوا: لأن الزكاة المقصود منها مواساة الفقير، وصاحب الدين بمعنى الفقير، ولذا هو من أهل الزكاة، فلم يكن مناسباً أن يؤخذ منه مال فيجبر به غيره مع حاجته إليه، فليس من المناسب أن تعطل حاجته لدفع حاجة غيره، قالوا: ولأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (ابدأ بنفسك) 1 ، فالشريعة أقرت هذا، وهو أن يبدأ بحاجة نفسه، فليس من الشرع حينئذ أن يؤمر بما يناقض هذا فيبدأ بغيره مع حاجة نفسه.
قالوا: ولما ثبت في موطأ مالك وكتاب الأموال لأبي عبيد بإسناد صحيح: أن عثمان رضي الله عنه في بعض الروايات على منبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين فليؤده حتى تخرجوا زكاة أموالكم " 2 ، قالوا: فقد قال عثمان هذا في محضر من الصحابة ولم ينكر عليه، فكان ذلك إجماعاً.
وثبت في سنن البيهقي بإسناد جيد عن ابن عباس وابن عمر في الرجل يستقرض المال فينفقه على ثمرته وأهله، فقال ابن عباس: " يخرج ما أنفق على ثمرته وأهله ثم يزكي ما بقي " 3 ، وقال ابن عمر: " يخرج ما أنفق على ثمرته ثم يزكي ما بقي " 4 . ويصح أن يكون قول ابن عمر مخالفاً لقول عثمان المتقدم وهي مخالفة في الأموال الظاهرة فقط، وأما قول ابن عباس فهو موافق لقول عثمان.

أما الدين المنقص للنصاب في الأموال الباطنة، فما ذهب إليه الحنابلة هو مذهب الجمهور، وأدلتهم في هذا قوية ظاهرة.

  • وقال الشافعية: بل عليه الزكاة؛ لأنه مال، فيدخل في عموم الأموال التي يجب أن تزكى.
    والظاهر ما ذهب إليه الجمهور؛ لأنه وإن كان مالاً، لكن صاحبه ليس بغني، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (تؤخذ من أغنيائهم) 1 ، وقال: (لا صدقة إلا عن ظهر غنى) 2 ، وهذا عليه دين ينقص المال عن النصاب، فلا يكون حينئذ غيناً.
    ولأنه كما تقدم يحتاج إلى المواساة وحاجته أولى من حاجة غيره.
    فما ذهب إليه الجمهور في الأموال الباطنة أظهر، ولأثر عثمان ولا يعلم له مخالف، وأما أثر ابن عمر فقد تقدم أن المخالفة في الأموال الظاهرة دون الباطنة.
    وأما الأموال الظاهرة، فإذا كان عليه دين ينقص النصاب:
  • فجمهور العلماء: على أن الدين لا يمنع الزكاة فيها، بل تجب؛ وذلك لأن السعاة في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعهد أصحابه لم يكونوا يستفصلون، فلم يكونوا يسألون أصحاب المواشي وأصحاب الحبوب والثمار هل عليكم ديون تنقص النصاب أو لا؟ فكانوا يأخذون منهم الزكاة من غير استفصال.
    والدليل الثاني، وهو نظري: أن الفقير تتشوف نفسه إلى هذا المال الظاهر، ويتعلق به، فلم يكن من المناسب أن يمنع الدين الزكاة فيه، لتشوف الفقراء عليه، وهذا بخلاف الأموال الباطنة.
    فهو ظاهر لأعين الفقراء.
    وأما الحنابلة، فقالوا: الدين إذا كان ينقص النصاب في الأموال الظاهرة، فإنه لا تجب فيها الزكاة؛ قالوا: لعموم قول عثمان التقدم " هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين فليؤده حتى تخرجوا زكاة أموالكم "، قالوا: هذا عام في الأموال الظاهرة والباطنة.
    لكن تقدم أن أثر ابن عمر مخالف له في الأموال الظاهرة دون الأموال الباطنة.

واستدلوا بالحديث المتقدم (لا صدقة إلا عن ظهر غنى) ، وأن هذا من أهل الزكاة، فليس من المناسب أن يعطى من الزكاة لديونه، وتؤخذ منه الزكاة.
فالزكاة إنما تؤخذ من الأغنياء الذين ليسوا بحاجة إلى الزكاة، وهذا بحاجة إلى الزكاة.
وهذا القول فيما يظهر لي أقوى؛ لقوة ما عللوا به هذا القول واستدلوا به، من أن حاجة صاحب المال مقدمة على حاجة غيره، ويبدأ المرء بنفسه قبل غيره، ولا صدقة إلا عن ظهر غنى، وكيف تدفع له الزكاة من جهة وتؤخذ منه من جهة أخرى! . أما ما ذكره أهل القول الأول، فإن عدم استفصال السعاة بناء على الأصل، فإن الأصل هو براءة الذمة من الديون، ولأن من عليه دين فإنه يخبر بذلك ويقول: إن عليّ دين، فهم لم يكونوا يستفصلون لهذا، بناء على الأصل، ولأن من كان عليه دين فإنه يخبر عن نفسه.
وأما كون الفقراء تتشوف نفوسهم إلى المال، فحاجة صاحب المال أولى من حاجة غيره، فإن صاحب المال متشوفة نفسه لقضاء دينه وإبراء ذمته، وهو محتاج إلى هذا المال الذي يؤخذ منه، فكان أولى من غيره.
فالأظهر ما ذهب إليه الحنابلة في هذه المسألة، وهو أن زكاة المال لا تجب على من عليه دين ينقص النصاب، سواء كان المال باطنا أو ظاهراً.
أما المسألة الأولى في الأموال الباطنة، فهو مذهب جمهور العلماء.
وأما ما يكون في الأموال الظاهرة، فهو مذهب طائفة من التابعين.
وقول المؤلف [ولو كان المال ظاهرا] ، قوله " ولو " إشارة إلى خلاف بعض الحنابلة، وهو أحد الوجهين في المذهب: على أن الزكاة في الأموال الظاهرة واجبة وإن كان الدين ينقص النصاب، وهو رواية عن الإمام أحمد، وهو مذهب جمهور العلماء كما تقدم.

قال: [وكفارة كدين] فمن عليه كفارات كمن عليه ديون.

فلو أن رجلا عليه كفارة عتق رقبة أو كفارة إطعام أو دم لحج، وكانت هذه الكفارة تنقص النصاب الزكوي، فلا تجب عليه الزكاة أيضاً، فلو أن رجلاً عنده مال، لكن وجب في ذمته عتق رقبة حقاً لله عز وجل أو وجب في ذمته إطعام حقا لله بحيث إن هذه الكفارة تنقص المال، فإن الزكاة تسقط عنه أيضا.
وهذا هو أحج الوجهين في مذهب الإمام أحمد؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (اقضوا الله، فالله أحق بالقضاء) 1 ، فدين الله كدين الآدمي، فالحقوق الواجبة على العبد من الكفارات ونحوها إن كانت تنقص النصاب فلا زكاة على صاحبها.

  • والوجه الثاني في المذهب: أن الزكاة واجبة عليه، وهذا أظهر؛ وذلك لأن الزكاة متعلقة بعين المال، فهي حق لله متعلق بالمال بعينه، كما أنه متعلق أيضا بالذمة، فهو متعلق بالمال وبذمة صاحب المال، وأما الكفارات فإنها متعلقة بالذمة فحسب، وما كان متعلقاً بعين المال وذمة مالكه أولى مما تعلق بالذمة فقط، وكلاهما حق لله تعالى.
    بخلاف المسألة المتقدمة، فإن الديون وإن كانت متعلقة في الذمة فقط مع أن الزكاة متعلقة بعين المال، لكن هي حقوق للآدميين، والحقوق للآدميين مبنية على المشاحة بخلاف الحقوق التي لله، فهي مبنية على المسامحة.
    فالأظهر، وهو أحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد: أن من عليه كفارات، فإن الزكاة واجبة عليه وإن كانت الكفارات تنقص النصاب، لأن الزكاة متعلقة بعين المال وهي حق لله تعالى، فقدمت على الكفارات المتعلقة بالذمة.

قال: [وإن ملك نصاباً صغاراً انعقد حوله حين ملكه] فلو أن رجلاً عنده نصاب من المواشي، لكنها صغار من صغار الإبل أو صغار الغنم أو صغار البقر.

كأن يملك أربعين سخلة أو أربعين من الفصلان أو الفحول، فهي صغار، وهذا بشرط أن تكون سائمة، أما إذا كانت تطعم اللبن فإنه لا زكاة فيها؛ لأن الزكاة إنما تجب في السائمة.
فإذا كان عنده صغار من الإبل أو صغار من البقر أو صغار من الغنم، وهي سائمة ليست مما تطعم اللبن، فإن الزكاة تجب فيها وينعقد الحول من حين ملكها، فلا ننتظر حتى تبلغ السن المجزئة في الأضحية، فلا ننتظر في الشاة حتى تكون مسنة، أو في الضأن حتى تكون جذعاً، بل بمجرد ما يملكها انعقد الحول.
ودليل هذا عموم قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (في الغنم في سائمتها) 1 الحديث، وهم غنم، فالصغار غنم، ومثلها الإبل والبقر، فإذا تم الحول، فإنها تزكى وتكون في كثير منها قد بلغت السن المجزئة، كما يكون هذا في الغنم.
لكن إن وجبت الزكاة ومضى الحول في مواشي، وكلها صغار، يعني من السخال أو الفصلان أو غيرها،فهل يُخرج صغيراً أم يجب أن يشتري كبيراً فيخرجه في الزكاة؟ قولان لأهل العلم؟ 1 – فذهب مالك: إلى أنه لا يجزئه إلا أن يخرج المجزئ في الأضحية، فعليه أن يشتري ما يجزئ ويخرجه؛ لأن هذا هو الواجب في الزكاة أصلاً، وهو أن يخرج ما يجزئ في الأضحية.
2 – والقول الثاني، وهو مذهب الحنابلة والشافعية في المشهور عندهم: أنه يجزئه إخراج الصغير.
وهذا أظهر؛ وذلك لأن المخرج يكون من جنس المال في الأصل، لقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ ، ولقول عمر فيما تقدم: " هذا عدل بين غذاء الغنم وخياره " 2 فكما أخذت الجذعة والثنية لأنها عدل بين صغاره وبين خياره، وهنا العدل أن يؤخذ صغيراً، لأن المال كله صغار.

وأما ما استدل به مالك، فإن هذا حيث كان في المال خياراً وصغاراً، أما والمال كله صغار، فهذا يخالف الأصل، فكان العدل أن يؤخذ من الصغار، فالعدل هنا أن يؤخذ من الصغار؛ لأن المال كله صغار، ولأن الأصل في الزكاة أن تؤخذ من المال نفسه إلا أن يدل دليل على أخذها من غيره؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (خذ من أموالهم صدقة) . والله أعلم.
والحمد لله رب العالمين.
الدرس الثامن والتسعون بعدالمئة (يوم الأحد: 21 / 12 / 1415 هـ)

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن نقص النصاب في بعض الحول.. انقطع الحول] إذا نقص النصاب الزكوي في بعض الحول، فإن الحول ينقطع.
مثال ذلك: رجل ملك أربعين شاة في أول محرم، فيجب عليه في آخر السنة أي في آخر شهر ذي الحجة أن يزكيها، لكن في أثناء الحول نقصت شاة واحدة، كأن يهب شاة أو يضحي بها، ونحو ذلك، ثم أنتجت الشياه شاة مكانها، فمثلاً في العاشر من ذي الحجة ضحى بشاة منها، وفي الخامس عشر من الشهر نفسه أنتجت بعض الشياه شاة، فتم النصاب، فإن الحول ينقطع، ويبدأ من تمامها النصاب مرة أخرى أي في الخامس عشر من ذي الحجة؛ وذلك لأن الشرط أن يمضي الحول على نصاب زكوي تام، وهنا لم يمض الحول على هذه الصفة، بل قد نقص النصاب أثناء الحول.
مثال آخر: نصاب الذهب عشرون دينارًا، فلو ملك رجل عشرين ديناراً فبقيت عنده حولاً، إلا أنه في أثناء الشهر نقص دينار، ثم وهب ديناراً، فتم له عشرين ديناراً، فهنا لم يمض الحول على نصاب تام، بل في أثناء الحول نقص النصاب، فهنا ينقطع الحول.
إذاً الشرط أن يكون مالكاً للنصاب، وأن يمضي الحول كله وهو مالك للنصاب، فإن كان في أثناء الحول نقص النصاب، فإنه يستأنف الحول من جديد.

لكن يستثنى من ذلك الزمن اليسير عرفاً، كالساعة أو الساعتين ونحو ذلك، كأن تموت له شاة في أول النهار، ثم وهبت له شاة بعد زمن يسير عرفاً، كالساعة أو الساعتين، فإن هذا لا يؤثر.

قال: [أو باعه أو أبدله بغير جنسه] المبادلة نوع من البيع، ومراد المؤلف هنا بالبيع أن يكون بنقد، وبالمبادلة بغير نقد، وإلا فإن المبادلة نوع من أنواع البيع.
ولعل المؤلف هنا فرّق بين البيع والمبادلة للإيضاح، وهذا الأسلوب في الحقيقة ليس أسلوباً يناسب المتون العلمية، وإنما يناسب الشروح.
أو أن يكون المؤلف يرى – وهو قول يخالف الصواب – أن المبادلة ليست ببيع.
المقصود من ذلك أن مراده بالبيع أن يكون بنقد أي بذهب وفضة، أي بالدراهم وبالدنانير، أي أن يبيع الإبل مثلاً بالدراهم والدنانير.
وبالمبادلة، بغير نقد، كمبادلة الإبل بالغنم، ومبادلة البقر بالإبل، ونحو ذلك، فهذه مبادلة، وهي في الحقيقة بيع.
فإذا باع النصاب الزكوي أو أبدله بغير جنسه، انقطع الحول.
مثال ذلك: رجل عنده أربعون شاة، فباعها وأبدلها بإبل، أو باع إبلاً بدراهم، فإنه ينقطع الحول.
فلو أن رجلاً عنده خمس من الإبل – وهو نصاب الإبل -، فمضى عليها ستة أشهر،فباعها بدراهم، وبقيت الدراهم عنده ستة أشهر، فلا يزكيها حتى يتم عليها حولاً كاملاً؛ لأن حول الإبل قد انقطع، واستأنف للدراهم حولاً جديداً.
ومثل ذلك: لو باع هذه الإبل التي مضى عليها ستة أشهر بأربعين شاة، فإن هذا الأربعين يستأنف حولاً جديداً، فإذا مضى عليها حول كامل وجبت فيها الزكاة؛ وذلك لما تقدم من الآثار التي رُفعت، وتقدم ترجيح وقفها من أنه لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول، وهذه الشياه التي قد اشتريت بالإبل، وهذه الدراهم التي بيعت بها الإبل، هذه أموال لم يمض عليها حول، فلا تجب فيها الزكاة حتى يمضى عليها الحول.

إذاً: إذا باع نصابه الزكوي بنصاب زكوي آخر من جنس آخر، فإنه يستأنف لهذا النصاب الجديد حولاً جديداً؛ لعموم الآثار من أنه ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول.

قال: [لا فراراً من الزكاة] إن فعل هذا فراراً من الزكاة أي حيلة، فإنه لا ينقطع الحول، كأن يكون عنده أربعون شاة، فمضى عليها تسعة أشهر، ثم باعها بدراهم حتى يفر من الزكاة، ثم يعود بعد ذلك فيشتري بها شياه، فإنه تجب عليه الزكاة إذا مضى الحول المتقدم؛ لأنه فعل ذلك فراراً من الزكاة.
وهذا لا شك أنه يحتاج إلى قرينة، أي قرينة تدل على أنه فعل ذلك فراراً، أما إذا لم تكن هناك قرينة، فإن القول قوله بلا يمين، فإذا قال: أنا لم أفعل ذلك هروباً من الزكاة، فإن القول قوله ولا نحتاج إلى يمينه؛ لأن الأصل معه، فإن الأصل براءة ذمته من هذا القصد المحرم.
لكن إن كانت هناك قرينة تقوي أنه إنما فعل ذلك فراراً من الزكاة، كخصومة بينه وبين الساعي أو نحو ذلك، فإنه يحكم بهذا؛ وذلك لأن الحيلة لا تسقط الواجب، وهي قاعدة شرعية يقررها فقهاء المالكية والحنابلة دون فقهاء الشافعية والأحناف، فإن الحيلة عند فقهاء المالكية والحنابلة لا تسقط الواجبات، فمن احتال لإسقاط واجب، فإن هذه الحيلة باطلة لاغية غير مؤثرة، وأما فقهاء الشافعية والأحناف، فإنهم يصححون الحيل، وإن قالوا بالإثم فيها.

والراجح ما ذهب إليه المالكية والحنابلة في هذه المسائل؛ وذلك لأن تصحيحها يخالف مقصود الشارع من تحريم الحيل، وقد نهى عنها الشارع، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم فيما رواه ابن بطة بإسناد حسن: (لا تفعلوا كما فعلت اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل) 1 ، والحيلة ليس عليها أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكل عمل ليس عليه أمره فهو رد، فالحيل لا غية مردودة غير نافعة لأصحابها، وعليه: فإذا احتال لإسقاط الزكاة فإن هذه الحيلة لا تكون مقبولة منه وغير مؤثرة في إسقاط الزكاة.
لكن كما تقدم هذا يحتاج إلى قرينة تدل عليه، أو اعتراف من فاعل ذلك، وأما أن يحكم عليه بمجرد التهمة فلا؛ لأن الأصل معه وهو براءة ذمته من الحيلة.
والمحتال يعاقب بنقيض قصده، وهنا قصده الهروب من الزكاة، فيعاقب بإثباتها، كما فعل الله عز وجل من العقوبة في أصحاب الجنة في قصتهم المذكورة في سورة القلم، فيما ذكره الله عنهم من احتيالهم لإسقاط الصدقة الواجبة عليهم للفقراء إلى أن قال الله في جنتهم: ﴿فأصبحت كالصريم﴾ 2 الآيات، فدل هذا على تحريم الحيل، وحيث حرمت فكما تقدم هي باطلة ومردودة في الشرع.
إذاً من احتال لإسقاط الزكاة أو لقطع الحول فإنها تجب عليه، والحول لا ينقطع، كما هو مذهب المالكية والحنابلة.
وأما الأحناف والشافعية، فإنهم قالوا: لا تجب الزكاة إلا حيث وجد النصاب ومضى عليه الحول، ولم يروا إثبات الزكاة لوجود هذه الحيلة.
والصحيح كما تقدم خلافه.

قال: [انقطع الحول] في المسائل الثلاثة كلها.

قال: [وإن أبدله بجنسه بنى على حوله] اعلم أن الذهب والفضة وعروض التجارة جنس واحد.

أما الذهب والفضة؛ فلأنهما قيم الأشياء، فمؤداهما واحد، فهما من جنس واحد، ولذا يضم بعضهما إلى بعض في الزكاة، كما سيأتي، فمن كان عنده عشرة دنانير ومئة درهم، فإن الزكاة واجبة عليه كما سيأتي.
فلو أنه عنده فضة، فمكثت ستة أشهر ثم أبدلها بذهب، فبعد مضي ستة أشهر تجب عليه الزكاة في الذهب، فحولهما حول واحد، فلا يستأنف حولاً جديداً للذهب.
وأما عروض التجارة، فهي من جنس الذهب والفضة بالنظر إلى قيمتها، فإنها مقومة على الاستمرار، فهي معروضة للتجارة، فقيمها الذهب والفضة، وتزكى أيضاً بتقويمها ذهباً أو فضة، فكانت من جنس الذهب والفضة.
فلو أن عنده ثياباً للتجارة، مضى عليها ستة أشهر، ثم باعها بدراهم، ثم مضى على هذه الدراهم ستة أشهر، فإنه يزكيها؛ لأنهما من جنس واحد، فالثياب عروض تجارة، وهي من جنس الأثمان من الذهب والفضة، لأن قيمتها الذهب والفضة.
فإذا أبدل النصاب الزكوي بجنسه، بنى على حوله.
فلو أن عنده أربعين شاة، فأبدلها بأربعين شاة، فإن هذه الأربعين الممتلكة حديثاً لا يستأنف لها حولاً جديداً، بل حولها حول ما قبلها،، فالشياة قد باعها بشياه أخر، فمقصود الشارع حاصل في الشياه الأخر كما هو حاصل في الشياه الأولى، فوجبت الزكاة في الشياه الأخر مبنية على حول الشياه الأولى.
حتى لو كانت الشياه الأخرى أكثر من الشياه الأولى، كأن يستبدل أربعين شاة بمئة وثلاثين شاة فيها سخال ونحو ذلك، فإنه يجب عليه أن يزكي عن المئة والثلاثين.
فإن قيل: هذا الزائد لم لا يُستأنف له حول جديد؟ فالجواب: أنه شبيه بنتاج السائمة، فإن الزائد على الأربعين تبع للجنس الأول المستبدل، لأنه بدل له.
فإذا كان عنده جنس من الأجناس الزكوية، فاستبدل له بجنسه، فإنه لا يستأنف حولاً جديداً، بل يبني على الحول الأول.

لكن إن استبدل أربعين شاة سائمة بأربعين شاة عروضاً، فإن الجنس يختلف، فهي وإن كانت كلها شياه، لكن هذه شياه تسوم، وهذه شياه للتجارة، ولذا لو أن رجلاً عنده أربعون شاة فمضى عليها ستة أشهر وهي سائمة، ثم أعدها تجارة للبيع والشراء، فإنه ينقطع الحول ويستأنف حولاً جديداً؛ لأنها تحولت إلى جنس آخر، فهي في الوضع الأول كانت سائمة، وهنا أصبحت من باب التجارة.
قال: [وتجب الزكاة في عين المال ولها تعلق في الذمة] هل تجب الزكاة في ذمة المسلم صاحب المال الزكوي، أو أنها تجب في عين المال، بمعنى: هل هذا المال الذي يمتلكه المسلم إذا أوجبنا عليه الزكاة فيه، هل هذه الزكاة واجبة في عين المال بمعنى: أنها جزء من المال وداخلة فيه بنفسه أم أنها متعلقة في ذمة المزكي، وإن كان لها تعلق بالمال، لكن أصل تعلقها بالذمة؟ قولان لأهل العلم، هما قولان للحنابلة:

القول الأول: أن الزكاة متعلقة بعين المال، ولها تعلق في الذمة، لكن أصل تعلقها في عين المال.
واستدلوا: بقوله عز وجل: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ 1 ، و ﴿من﴾ هنا تبعيضية، ومفادها أن الزكاة بعض المال المتوفرة فيه شروط وجوب الزكاة.
وبقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (في الغنم في سائمتها في كل أربعين شاة شاة) 2 ، و (في) هنا ظرفية، فتفيد أن هذه الشاة الواجبة زكاةً داخلة في هذا المال، فهي فيه، وهذا المال الزكوي شامل لها.
قالوا: لكن لها تعلق في الذمة من حيث أنه لا تجب عليه أن يخرجها بعينها، بل لو أخرج مالاً خارجاً عنها، فإن ذلك يجزئ عنه، وهذا ما اتفق عليه العلماء، من أن الرجل إذا وجبت عليه شاة في أربعين شاة، فلا يجب عليه أن يخرجها من هذه الأربعين، بل له أن يشتري بدراهمه شاة أو أن يأخذ شاة من شياه غيره شراء أو هبة، ثم يدفعها للسعاة، ولو لم يرض الساعي بذلك، فلا يشترط رضا الساعي بذلك.
قالوا: فلذا لها تعلق في الذمة، لكن أصل تعلقها في عين المال، ولكن رُخص للمكلف ألا يدفعها من عين المال الزكوي، ويبقيه على هيئته، ويدفعها من جهة أخرى؛ لأن المزكي قد يكون له تعلق في عين ماله، فيرغب أن يخرجها من غيره.
ولأن مقصود الشارع يحصل بذلك، فإن المقصود هو إخراج شاة سواء كانت الشاة من عين ماله أو من غيره.
القول الثاني، قالوا: تجب في الذمة، لكنها لها تعلق بالمال، لكن أصل وجوبها أن تجب في الذمة.
واستدلوا: بما تقدم من أنه يجوز له أن يخرجها من غير عين ماله، وما جاز هذا إلا لوجوبها في الذمة، قالوا: ولو كانت واجبة في عين المال لوجب عليه أن يخرجها من عين ماله.

وفيما ذكروه نظر، ولذا أجاب أهل القول الأول بأنه إنما جاز له أن يخرجها من غير عين ماله رخصة له، فهو من باب الرخصة.
ومما ينبني من الخلاف على هذين القولين: لو أن رجلاً عنده أربعون شاةً، مضى عليها حولان، فهل يجب عليه شاة واحدة أو يجب عليه شاتان؟ إن قلنا: إن الزكاة تجب في عين المال، فلا تجب عليه إلا شاة واحدة.
وإن قلنا: إنها تجب في الذمة، فيجب عليه شاتان.
بيان هذا: عنده شاتان 1 مضى عليها حولان، إذا قلنا بقول الحنابلة هنا، وأنها متعلقة بعين المال، فلا يجب عليه أن يزكي إلا شاة واحدة؛ لأنا إذا أخرجنا عن الحول الأول شاة، فما بقي عنده إلا تسع وثلاثون شاة، والزكاة متعلقة بعين المال، فلتعلقها بعين المال، فإذا أوجبناها عليه في الحول الأول، فإن الزكاة متعلقة بهذه، فلا نحسب في السنة الأخرى، بل يبقى عنده تسع وثلاثون شاة، فلا يجب عليه إلا أن يزكي الحول الأول، وأما الحول الثاني فإن النصاب يكون قد نقص، أما إذا قلنا: إنها متعلقة بالذمة، فهو في الحول الأول قد ملك أربعين شاة، فعليه زكاة شاة، وفي الحول الثاني عنده أربعون شاة، فعليه شاة أخرى، هذا إذا لم نقل إن الدين الذي لله عز وجل الذي ينقص النصاب تجب فيه الزكاة، وقد تقدم الخلاف في هذا.
المقصود من هذا: أن الأدلة الشرعية المتقدمة دلت على أن الزكاة متعلقة في عين المال لا في الذمة فقط، بمعنى أنه قد وجب لله - عز وجل - في هذه الأربعين شاة أو في هذه العشرين ديناراً وجب لله فيها هذا الجزء المحدد من الزكاة، وإن كان لها تعلق في الذمة من حيث أن صاحبها لا يجب عليه أن يدفع هذا الجزء، بل له أن يخرجه من جهة أخرى رخصة له.
قال: [ولا يعتبر في وجوبها إمكان الأداء] أي لا يعتبر في وجوب الزكاة إمكان الأداء، فالضمير في " وجوبها " يعود على الزكاة.

رجل وجبت عليه زكاة، لكنه معسر، قالوا: لا يعتبر في وجوبها إمكان الأداء.
1 فيقال له: الزكاة واجبة عليك وإن لم تتمكن من أدائها، وإنما قلنا: الضمير في " وجوبها " يعود على الزكاة؛ لنبيِّن أن إخراجها لا يجب عليه، فالزكاة واجبة، لكن لا يجب عليه أن يخرجها؛ لأنه عاجز عن إخراجها، فالزكاة تبقى متعلقة في ذمته متى ما قدر زكى، لكن لا يجب عليه الإخراج؛ لأنه غير قادر عليه، فتتعلق الزكاة في ذمته حتى إذا ما استطاع زكى.
فلو أن رجلاً عنده أربعين شاة، وقد مضى عليها الحول، لكنه معسر لا يستطيع إخراج شيء من الزكاة، فهو معسر محتاج إلى ما عنده من هذه الشياه في قيام بيته أي يحتاج إلى لبنها ونحو ذلك، فقيام معيشته بها، فلا يستطيع أن يخرج منها شيئاً، هو لا يمكنه الأداء، لكن الزكاة تبقى متعلقة في ذمته متى ما قدر زكى.هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة، والشافعية.

  • وعن الإمام أحمد، وهو مذهب المالكية وهو القول الثاني للشافعي، قالوا: إن لم يمكنه الأداء، فإن الزكاة لا تجب عليه؛ قالوا: لأن الزكاة عبادة، ومن شروط إيجاب العبادات إمكان أدائها، وقد قال تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ 1 ، ولأن الزكاة إنما وجبت من باب المواساة، وهذا معسر يحتاج إلى المواساة، فلم تجب عليه.
    وليست كالديون على الآدمي، لأن الديون التي على الآدميين فيها محض حق الآدمي، وليست من باب المواساة، بل هي حقوق الآدميين، أما في الزكاة فإن حق الآدمي مشوب بحق الله - عز وجل -، وهي إنما وجبت مواساة من الغني للفقير، فإذا كان هذا محتاجاً إليها أو معسراً، فهو أولى بالمواساة من الفقير.
    فالراجح القول الثاني، وأن الزكاة لا تجب إلا مع إمكان أدائها.
    أما أهل القول الأول، فإنهم استدلوا بالأدلة الدالة على وجوب الزكاة بمضي الحول، قالوا: وقد مضى الحول، فتعلقت الزكاة في ذمته.
    والجواب: ما تقدم من أنها وإن مضى الحول، لكن لا نقول بإيجابها؛ لأن العبادات لا تجب إلا مع إمكان الأداء، ولأنها من باب المواساة، وما كان كذلك، فإنه يسقط عن صاحب المال، لأنه هو أحق بالمواساة من الفقير، لأنه صاحب المال.
    قال: [ولا بقاء المال] فبقاء المال ليس شرطاً في إيجاب الزكاة.
    صورة هذا: رجل ملك نصاباً، ومضى عليه الحول، وقبل أن يزكيه تلف المال، بتفريط منه أو غير تفريط، فإن الزكاة واجبة عليه، وكما تقدم الإخراج لا يجب حتى يتمكن، لكن المقصود أن الزكاة تتعلق في ذمته.
    هذا هو المشهور عند الحنابلة؛ قياساً على دين الآدمي، قالوا: من كان له على آدمي دين، فإنه يجب عليه أن يعطيه إياه وإن كان معسراً، لكن يتربص به حتى يكون موسراً، لكن لا يسقط عنه الدين لإعساره، فكذلك الزكاة.
  • وقال شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو قول الموفق ابن قدامة: إن كان بتفريط، فإن الزكاة تتعلق في ذمته، وإن كان بغير تفريط، فإن الزكاة تسقط عنه؛ قالوا: لأن الزكاة هنا أصبحت كالأمانة في يده، ومن كانت عنده لأحد أمانة، فتلفت بلا تفريط، فلا ضمان عليه اتفاقاً، كما دلت عليه الأدلة الشرعية فكذلك في الزكاة.
    أما إذا تلفت الزكاة بتعد وتفريط، فإنه يضمن، كما يضمن الأمانة التي تلفت عنده بتعد منه وتفريط.
    وهذا القول هو القول الراجح.
    وأما الجواب عن قياسهم على دين الآدمي، فيقال: بينهما فرق، فإن دين الآدمي محض حق للآدمي، وأما الزكاة ففيها حق الله المبني على المسامحة.
    هذا الوجه الأول.
    وأما الوجه الثاني: فهو أن ديون الآدميين لا دخل لها في باب المواساة، بخلاف الزكاة، فإنها إنما شرعت مواساة من الغني إلى الفقير، وحيث كان ذلك، فإنه لا يضر بالغني ولا يشق عليه لمواساة غيره.
    فالراجح ما اختاره شيخ الإسلام.
    قال: [والزكاة كالدين في التركة] إذا مات صاحب المال وعليه ديون، فإن الديون تقدم على الإرث كما هو مقرر في علم الفرائض، قال تعالى: ﴿من بعد وصية يوصي بها أو دين﴾ 1 ، فالديون مقدمة على الورثة، فكذلك الزكاة.
    فلو أن رجلا مات قبل أن يخرج زكاة ماله، فإنها تخرج من تركته قبل الإرث؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (اقضوا الله، فدين الله أحق بالقضاء) 2 ، فدل هذا على أن دين الله كدين الآدمي في القضاء، فيقدم حينئذ على الإرث.

وهل يقدم دين الله الزكوي على ديون الآدميين المطلقة التي لم تتقوى برهن في هذا المال -، لأن الديون منها ما هو دين برهن، ومنها ما هو دين مطلق، فالدين برهن هذا دين متعلق بالتركة، أما الديون المطلقة فهي التي لا رهن فيها، فهل تقدم الديون المطلقة على دين الله أو يقدم دين الله على الديون المطلقة، أم نجعلها حصصاً ونساوي بينها؟ المشهور عند الحنابلة: الثالث، فلو أن رجلا مات وعليه زكاة، فما بقي له من المال إلا شاة واحدة، الواجب عليه في الزكاة شاة وعليه دين لآدمي بقدر شاة، فإن هذه الشاة تقسم بين دين الله وبين دين الآدمي بالمحاصة، فإذا كان من له الدين واحد، فنصف الشاة للزكاة والنصف الآخر لهذا الدائن، وإن كانوا اثنين فالثلث للزكاة والثلث للدائن الأول، والثلث الأخير للدائن الثاني.
وذهب بعض الحنابلة: إلى أن الزكاة مقدمة على دين الآدمي، إلا أن يكون دين الآدمي مرتبط برهن.
وهذا القول أظهر، ودليل هذا ما تقدم من أن الزكاة متعلقة بعين المال، فهي جزء منه متعلقة به، وإنما أذن له أن يخرجها من غيره من باب الرخصة، فحيث كان ذلك، فهي مقدمة على الدين المطلق المتعلق بالذمة.
وأما الدين الذي يكون برهن، فإنه مقدم على الزكاة؛ لأنه مرتبط بعين هذا المال بخصوصه، فالزكاة متعلق بجزء منه لا على التعيين، وأما الدين الذي برهن، فهو متعلق بجزء من المال بعينه.
والوجه الثالث: يقدم دين الآدمي؛ لأن حقه مبني على المشاحة.
والحمد لله رب العالمين.
... 1

الدرس التاسع والتسعون بعد المئة (يوم الاثنين: 22 / 12 / 1415هـ)

باب زكاة بهيمة الأنعام

[تجب في إبل وبقر وغنم]

هذه بهيمة الأنعام، فهي الإبل والبقر والغنم، فتجب الزكاة فيها سواء كانت الإبل بَخاتياًّ، وهي الإبل المتولدة من الإبل العربية والعجمية، وهي ذات السنامين، أو كانت عِرابا، وهي المشهورة عندنا، فكلها من بهيمة الأنعام.
والبقر: كل ما يسمى بأنه بقر، ومن ذلك الجواميس باتفاق العلماء.

  • وأما بقر الوحش، فعن الإمام أحمد روايتان: الرواية الأولى: أنها داخلة في البقر التي تجب فيها الزكاة، وهكذا غنم الوحش؛ وذلك لأنها داخلة في عموم الاسم، فلفظ البقر كما أنه شامل للبقر الأهلي، فإن البقر الوحشي يدخل فيه، وهكذا الغنم.
    الرواية الثانية، وهي مذهب جمهور العلماء: أن بقر الوحش لا يدخل في وجوب الزكاة؛ وذلك لأن اسم البقر لا يشمله إلا بالإضافة، فيقال: بقر وحشي، أما الاسم المطلق وهو " البقر "، فإن بقر الوحش لا يدخل فيه.
    ولأنه ليس من بهيمة الأنعام، ولأن المعنى الذي من أجله شرعت الزكاة من النماء ليس ثابتاً فيه.
    فالراجح مذهب الجمهور، وهو رواية عن الإمام أحمد: من أن الوحشي من البقر والغنم ليس فيه الزكاة، إذ هو ليس من بهيمة الأنعام، ولأن الاسم الذي ورد في الشريعة لا يشمل الوحشي إلا بالإضافة.

والمشهور عند الحنابلة: أن المتولد من الوحشي والأهلي تجب فيه الزكاة.
وقال الشافعية، وهو اختيار الموفق ابن قدامة: إن الزكاة لا تجب فيه.
وهذا هو الراجح؛ لأن المتولد من الوحشي والأهلي نوع آخر، كما أن البغل المتولد من الفرس والحمار نوع آخر.
فهو نوع آخر، فليس بمنصوص عليه ولا بمجمع عليه ولا بمعناهما، ولأن الأصل براءة الذمة من الزكاة، والأصل عدم إيجاب الزكاة إلا بنص أو إجماع، ولا نص ولا إجماع ولا قياس.

فعلى ذلك: حاصل ما يجب فيه الزكاة من بهيمة الأنعام ما يصدق عليه أنه من بهيمة الأنعام من الإبل والبقر والغنم، فيخرج من هذا الوحشي من البقر والغنم، والمتولد من الوحشي والأهلي، فإنهما ليسا من بهيمة الأنعام، وبالتالي لا تجب فيهما الزكاة.
قال: [إذا كانت سائمة الحول أو أكثره] السائمة: هي الراعية التي ترعى الكلأ.
فأما المعلوفة التي يؤتى لها بالكلأ ويجمع لها، أو يشترى لها، فإن الزكاة لا تجب فيها.
فالزكاة إنما تجب في السائمة التي ترعى، أما التي يتكلف صاحبها بشراء علفها أو يتكلف جمع الكلأ والعشب لها، فإن الزكاة لا تجب فيها.
ودليل هذا: ما ثبت في صحيح البخاري من حديث أنس بن مالك فيما كتب له أبو بكر: " هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على المسلمين " الحديث وفيه: " وفي صدقة الغنم في سائمتها " 1 ، فقوله " في سائمتها " قيد يجب مراعاته، فهو قيد وشرط فيما تجب الزكاة فيه من الغنم، وهكذا الإبل والبقر، وقد ورد هذا في الإبل، فقد ثبت في مسند أحمد وسنن أبي داود بإسناد جيد من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (في كل سائمة إبل أربعين بنت لبون) 2 . فهنا قيد الإبل بكونها سائمة.
والبقر كذلك من باب القياس الجلي؛ لأنها بمعنى الإبل والغنم.
إذاً: لا تجب الزكاة في بهيمة الأنعام إلا أن تكون سائمة.
وظاهر الأحاديث أن تكون سائمة الحول كله، بحيث أنها وإن علفت يوماً أو يومين، فإن الزكاة تسقط منها.
هذا ظاهر الأحاديث، وهو قول ضعيف في مذهب الإمام أحمد.

والجمهور: على أنها إن كانت تسوم أكثر الحول، فإن الزكاة تجب فيها وإن كان تعلف بعضه.
وذلك لندرة السوم السنة كلها، فإن هذا نادر قلّ أن يقع، ولاشك أنا إذا لم نوجب الزكاة إلا بهذا القيد، فإن هذا فيه إجحاف بالفقراء، مع أن الزكاة كانت تؤخذ في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كثيراً من الإبل والبقر والغنم، فدل على أن المراعى إنما هو الأكثرية، ولاشك أنها توصف بأنها سائمة بناء على الأغلب.
فالتي ترعى تسعة أشهر في السنة، وثلاثة أشهر تعلف، تسمى سائمة من باب النظر إلى الأمر الغالب فيها.
فإذا كانت سائمة الحول كله أو أكثره، فإنها تجب فيها الزكاة.
لكن إن كانت تسوم ستة أشهر، وتعلف ستة أشهر أو كانت تعلف أكثر السنة، فإن الزكاة لا تجب فيها.
قال: [فيجب في خمس وعشرين من الإبل بنت مخاض] وبنت المخاض: هي الأنثى من الإبل التي تم لها سنة وشرعت في السنة الثانية.
وسميت بنت مخاض؛ لأن أمها في الأغلب تكون ماخضاً أي حاملاً، فمن ملك خمساً وعشرين من الإبل، فعليه بنت مخاض.
قال: [وفيما دونها في كل خمس شاة] فإذا كان لا يملك إلا أربعاً وعشرين من الإبل، فعليه في كل خمسٍ شاة، فيجب عليه في أربع وعشرين من الإبل أربع شياه.
وفي عشر من الإبل شاتان، وفي خمس عشرة من الإبل فيها ثلاث شياه، ففي كل خمسٍ شاة.
وما بين العشرين – مثلاً – وخمس وعشرين وَقْص، أي لا ينظر إليه في الزكاة، إذا بلغت عشرين، ففيها أربع شياه، وكذا إذا بلغت إحدى وعشرين أو اثنتين وعشرين أو ثلاث وعشرين أو أربع وعشرين، فكلها فيها أربع شياه.
فهذا هو الوقص: وهو ما بين الفريضتين.
فالوقص في بهيمة الأنعام لا شيء فيه.
أما إذا لم تبلغ خمساً من الإبل، فلا شيء فيها، فمن عنده أربع من الإبل، فلا شيء فيها.
قال: [وفي ست وثلاثين بنت لبون]

إذاً: من خمس وعشرين إلى خمس وثلاثين فيها بنت مخاض.
فإذا بلغت ستاً وثلاثين ففيها بنت لبون.
وبنت لبون: هي ما لها سنتان وشرعت في السنة الثالثة، وسميت بنت لبون؛ لأن أمها في الغالب تكون ذات لبن، لأنها قد حملت فنتجت فكانت ذات لبن.
إذاً: إذا بلغت ستاً وثلاثين إلى خمس وأربعين، فيها بنت لبون.
قال: [وفي ست وأربعين حقة] فإذا بلغت ستاً وأربعين ففيها حقة.
والحقة: هي طروقة الجمل، ويمكن أن تحمل وتركب، وهي ما تم لها ثلاث سنين وشرعت في السنة الرابعة.
فإذا بلغت ستاً وأربعين إلى ستين، فيها حقة.
قال: [وفي إحدى وستين جذعة] فإذا بلغت إحدى وستين، ففيها جذعة: وهي ما تم لها أربع سنوات وشرعت في السنة الخامسة.
فإذا بلغت إحدى وستين إلى خمس وسبعين، فيها جذعة.
قال: [وفي ست وسبعين بنتا لبون] فإذا بلغت ستاً وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون.
قال: [وفي إحدى وتسعين حقتان] فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى مائة وعشرين ففيها حقتان.
قال: [فإذا زادت على مئة وعشرين واحدة، فثلاث بنات لبون، ثم في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة] فإذا زادت على مئة وعشرين، ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة.

هذه هي فريضة الإبل، ودليلها: ما ثبت في البخاري عن أنس بن مالك أن أبا بكر الصديق كتب له: " هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله، في كل أربع وعشرين من الإبل الغنم، في كل خمس شاة، فإذا بلغت خمساً وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض أنثى، فإن لم يكن فابن لبون ذكر – وسيأتي الكلام على هذه المسألة – فإذا بلغت ستاً وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون، فإذا بلغت ستاً وأربعين إلى ستين ففيها حقة طروقة الجمل، فإذا بلغت واحدة وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة، فإذا بلغت ستاً وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومئة ففيها حقتان، فإذا زادت على عشرين ومئة واحدة، ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، فإن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها " 1 . إذاً: إذا زادت الإبل على مئة وعشرين من الإبل، فإن الواجب عليه في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة.
فإذا كان عند مثلاً 300 من الإبل، فعليه ست حقق، في كل خمسين حقة، وإذا كان عنده 200 من الإبل فعليه أربع حقق أو خمس بنات لبون، وهكذا.
وعند قول المؤلف [وفيما دونها في كل خمس شاة] لا يجزئ من الغنم في صدقة بهيمة الأنعام إلا ما يجزئ في الهدي والأضحية من باب القياس، ولأثر عمر المتقدم في قوله: " نأخذ الثنية والجذعة ". وإن كان الإبل رديئة، فتكون الشاة رديئة، وإن كانت الإبل جيدة، فتكون الشاة المخرجة جيدة، فبحسب الإبل تؤخذ الغنم جودة أو رداءة.
فإن كانت الإبل سماناً، أخرجت شاة سمينة، وإن كانت هزالاً، أخرجت شاة هزيلة.
فإن كانت الإبل مراضاً أخرجت شاة صحيحة، لكنها في قيمتها تناسب الإبل المريضة.

فمثلاً: إذا كانت الشاة الطيبة تساوي خمسة دراهم، والإبل الصحيحة، الواحد منها يساوي مئة درهم، ووجدنا أن الإبل المراض يساوي الواحد منها ثمانين درهما، فإنا نخرج شاة قيمتها أربعة دراهم؛ نظراً للفارق بين الصحيحة والمريضة من الإبل، فبقدر النسبة بين الإبل الصحيحة والمريضة تكون النسبة في المخرج.
بقى ما تقدم إذا كانت الدراهم للإبل الصحيحة مئة، وللمريض ثمانون، فإن النقص بقدر الخمس، فيكون النقص في قيمة الشاة أيضا بقدر الخمس.
إذاً يكون المخرج من الغنم جودة أو رداءة بالمراعاة إلى الإبل جودة أو رداءة، فإن كانت الإبل مراضاً أخرجت شاة صحيحة، لكن قيمتها تناسب الإبل المراض.
واعلم أن أظهر قولي العلماء - وهما قولان في مذهب أحمد – أن الواجب عليه أن يخرج أنثى من الغنم، وأن الذكر لا يجزئ؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ذكر صدقة الإبل إنما ذكر الشاة في قوله: (في كل خمس شاة) فقد نص على الأنثى، فلم يجزئ غيرها، وقد تقدم قول عمر: " نأخذ الجذعة والثنية ". واختلف أهل العلم، هل يجزئ أن يخرج الإبل عن الشاة، أم لا يجزئ؟ فلو أن رجلاً عنده خمس من الإبل، فالواجب عليه شاة واحدة، فإذا أخرج عنها بعيراً، فهل يجزئ أم لا؟ قال الحنابلة: لا يجزئ؛ نظراً للنص، فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما نص على الشاة.
لكن هذا القول ضعيف، بل هو قريب من طريقة الظاهرية.
وذهب الشافعية والمالكية: إلى أن ذلك يجزئ؛ لأن الإبل تجزئ في العدد الأكبر، فإجزاؤها في العدد الأقل من باب أولى.
فبنت المخاض تجزئ في خمس وعشرين من الإبل، فإجزاؤها فيما أقل من ذلك من باب أولى.
وأما النص الوارد، فهو من باب ما يجب عليه، لكن إن زاد خيراً، فهو خير له، وهو تطوع منه.

ويدل على هذا ما ثبت في مسند أحمد وسنن أبي داود بإسناد حسن أن رجلاً وجبت عليه بنت مخاض في إبله، فقال: " ذلك ما لا لبن منه ولا ظهر، ولكن هذه ناقة سمينة فتيَّة " فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: (ذاك الذي عليك، فإن تطوعت بخير آجرك الله فيه وقبلناه منك) 1 ، قال الراوي: " فأخذت صدقته في عهد معاوية ثلاثين حقة "، أي قد بلغت إبله ألفاً وخمسمئة.
فالشاهد قوله (فإن تطوعت بخير آجرك الله فيه وقبلناه منك) ، فقبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم منه الناقة عن بنت المخاض، فدل هذا على أن من تصدق بفريضة أعلى من الفريضة الواجبة عليه، فإن ذلك يجزئ عنه، ومن ذلك إن تصدق بناقة عن شاة، فإن ذلك يجزئ عنه.
ولا خلاف بين أهل العلم في أنه إن تصدق ببنت لبون عن بنت مخاض أو بحقة عن بنت لبون أو بجذعة عن حقة، فإن ذلك يجزئ بلا خلاف، فكذلك في المسألة المتقدمة.
واعلم أن من وجبت عليه سن فلم يجدها، ووجد سناً أعلى منها أو أنزل منها، كأن تجب على رجل حقة، فلم يجدها، ووجد أعلى منها – أي جذعة – وأنزل منها – بنت لبون -، فهو بالخيار، إن شاء أن يدفع أعلى منها ويأخذ شاتين أو عشرين درهماً جبراناً له، وإن شاء أن يدفع أنزل منها ويعطي شاتين أو عشرين درهماً جبراناً للصدقة.
وكذلك إن لم يجد السن التي تليها، ووجد السن التي تلي ما بعدها، فإن جبرانه أربع شياه أو أربعون درهماً، كأن يجب على رجل بنت مخاض، فلم يجدها وفي ماله حقة، فإنه يجوز له أن يدفع الحقة ويُدفع له أربعون درهماً، أو أربع شياه، جبراناً له.

فقد ثبت في حديث أبي بكر المتقدم أنه قال: " من بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة وليست عنده الجذعة وعنده الحقة، فإنها تقبل منه وتؤخذ منه شاتين إن استيسرتا أو عشرين درهماً، ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده الحقة وعنده الجذعة فإنها تقبل منه، ويعطيه المصدق شاتين أو عشرين درهماً ". والجبران مختص بالإبل دون البقر والغنم.
أما الغنم فلا إشكال، فإن الغنم الفريضة فيها واحدة، فلا تختلف السن فيها كما تختلف في الإبل، فالواجب هو شاة أو شاتان أو ثلاث أو أربع، وهكذا، فلا تختلف السن فيها، فلا مدخل للجبران فيها.
وأما البقر، فإن النص لم يرد فيها، والوقص فيها يختلف عن الوقص في الإبل، فلا يصح القياس.
فمن وجبت عليه سن في البقر وليست عنده، وعنده سن أكبر منها، فإنه يدفعها إن شاء ولا يعطى جبراناً، وإن شاء اشترى من السوق السن المطلوبة وأعطاها المصدق.
إذاً: هذا الجبران المتقدم مختص في الإبل فقط، فلا مدخل للبقر والغنم فيه، والنص إنما ورد في الإبل وليست البقر بمعناها.
وأما الغنم، فإن هذه المسألة ليست بمفروضة فيها أصلاً، إذ السن فيها واحدة وإن اختلف عدد الغنم بحيث يختلف عدد الفريضة فيه، فإن الفريضة لا تختلف.
الدرس المئتان (يوم الثلاثاء: 23 / 12 / 1415 هـ)

فصل

قال: [ويجب في ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة] التبيع: ماله سنة، وهو الذكر من أولاد البقر.
والتبيعة: الأنثى وهي مالها سنة وقد شرعت في الثانية.
قال: [وفي أربعين مسنة] المسنة: ما لها سنتان، وهي الثنية، وقد تقدم أنها تجزئ في الأضحية، فالبقر يجب في ثلاثين منه تبيع أو تبيعة، فإذا بلغت أربعين فالواجب مسنة.
قال: [ثم في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة]

ثم بعد ذلك في كل ثلاثين من البقر تبيع، وفي كل أربعين مسنة.
فإذا كان عنده تسعون بقرة، فيجب عليه ثلاثة أتبعة، وإذا كان عنده مئة بقرة فيجب عليه تبيعان ومسنة، وهكذا.
ودليل هذا ما رواه الخمسة، وحسنه الترمذي، وهو كما قال، لكن لشواهده،عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعثه إلى اليمن، فأمره أن يأخذ من كل ثلاثين من البقر تبيعاً أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة، ومن كل حالم ديناراً أو عدله معافرياً) 1 ، وهذه جزية وسيأتي الكلام عليها.
فإن لم تبلغ البقر ثلاثين، فلا تجب الزكاة فيها، وهو ما يسمى بالشَنَق، فالشنق: هو ما دون النصاب.
والوقص: هو ما بين الفريضتين.
قال: [ويجزئ الذكر هنا] الذكر هنا وهو التبيع يجزئ عن التبيعة، أما الأربعون فلا يجزئ فيها إلا مسنة.
قال: [وابن لبون مكان بنت مخاض] هذا في صدقة الإبل 2 ، فابن اللبون يجزئ عن بنت المخاض، لكن ثمت فارق بين هاتين المسألتين.
ففي صدقة البقر يجزئ التبيع عن التبيعة مطلقاً، وأما في صدقة الإبل فإن ابن اللبون لا يجزئ عن بنت المخاض إلا عند عدمها.
فلو أن رجلاً وجبت عليه بنت مخاض وليس في ماله بنت مخاض، فإنه لا يكلف شراءها بل يخرج ابن لبون من إبله.
وهل له أن يخرج موضع بنت لبون حقاً، أو أن يخرج موضع الحقة جذعاً أم لا؟ فلو أن رجلاً وجبت عليه بنت لبون وليس في ماله بنت لبون، وفي ماله حق، فهل يجزئه الحق عن بنت اللبون، قولان في مذهب الإمام أحمد:

فصول الكتاب · 11 فصل · 298 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للحمد · 298 صفحة
المقدمة
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب المناسك
كتاب الجهاد
كتاب الوصايا
كتاب الوصايا
كتاب الفرائض
كتاب الطلاق
كتاب الحدود
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل