ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (ثم أخالف إلى قوم لا يشهدون الصلاة في الجميع) أي لا يشهدون الصلاة معه مع أنه يحتمل [أنهم] كانوا يصلون في بيوتهم جماعة، وكذلك حديث الأعمى: (أتسمع النداء؟ قال: نعم.
قال: لا أجد لك رخصة) .
وأما الجواب عما ذكروه فيقال: هو حديث عام وإنما ذكره النبي - صلى الله عليه وسلم - لبيان فضيلة هذه الأمة على سائر الأمم من أن الصلاة ليست مخصوصة بمواضع، بل هي عامة في المساجد وغيرها ولا يعني ذلك أنه مع سماع النداء لا يحضره ولا يجيبه فيصلي في بيته جماعة وغيره، لا يدل على هذا.
وقد تقدمت الأحاديث وهي تدل على وجوب الإجابة فهو حديث عام مخصص بها.
فيكون للعبد أن يصلي في أي بقعة شاء إلا أن يسمع نداء فيجب عليه أن يجيب نداء الله في المساجد
فالراجح إحدى الروايتين عن الإمام أحمد وهي غير المشهور عنه وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم: وجوب صلاة الجماعة في المسجد ولا يثبت الثواب المذكور إلا بذلك.
والله أعلم.
قال: (وله فعلها في بيته)
هذا على المشهور في المذهب وقد تقدم ترجيح خلافه.
قال: (ويستحب صلاة أهل الثغر في مسجد واحد)
الذين يكونون على مواضع المخافة وهي الثغور الإسلامية التي تكون في حدود المسلمين مع الكفار ويخشى أن يتطرق إليها العدو فينبغي لهم أن يصلوا في مسجد واحد لأنه أهيب للعدو وأجمع للكلمة وأسرع للرأي وأسهل للمشورة ونحو ذلك من المصالح.
قال: (والأفضل لغيرهم في المسجد الذي لا تقام فيه الجماعة إلا بحضوره)
مثلاً كأن يحتاج لأن يكون إماماً، لما فيه من مصلحة عمارة المسجد وإقامة الجماعة وإعانة المكلفين على القيام بالواجب عليهم، فهذه مصالح ترجح على ما سيذكره المؤلف بعد ذلك.
قال: (ثم ما كان أكثر جماعة)
فإذا كثرت الجماعة في المسجد وكان أكثر من غيره، فالصلاة فيه أفضل لحديث (صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل وما كان أكثر فهو أحب إلى الله) .
قال: (ثم المسجد العتيق)
لسبق الطاعة فيه.
والمشهور عند الحنابلة تقديمه على الأكثر جماعة خلافاً لما ذكره المؤلف هنا، وهو قول لبعض الحنابلة.
وفضيلة المسجد العتيق تحتاج إلى دليل شرعي ولا دليل يدل على ذلك، فكونه عتيقاً لا يستفاد أنه أفضل من غيره لا سيما ما نص النبي - صلى الله عليه وسلم - على تفضيله في قوله: (وما كان أكثر فهو أحب إلى الله) .
قال: (وأبعد أولى من أقرب)
فالأبعد من المساجد أولى من الأقرب لما فيه من كثرة الخطا إلى المساجد وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (أعظم الناس أجراً في الصلاة أبعدهم ممشى فأبعدهم) .
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لبني سلمة وقد أرادوا أن يتركوا منازلهم وينزلوا قريباً من المسجد قال: (يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم) .
وما ذكروه من الأدلة صحيح لكن الاستدلال به فيه نظر.
أما كونه يدل على فضيلة من كان يأتي إلى المساجد وبيته بعيد والآثار له تكتب وأنه أعظم الناس أجراً في الصلاة فنعم.
وأما كونه يدل على ترك المسجد الأقرب إلى مسجد أبعد فإن الصحابة لم يكونوا يتكلفون ذلك، ولم يرد أن أحداً منهم ممن كان قريباً إلى المسجد تكلف البعد عنه لينال ذلك الثواب المذكور بل هذا الحديث فيه ترغيب من كان بعيداً عن المسجد أن يحضر إلى المساجد وأن يشهد الجماعة مع بعد منزله.
ولا يدل على أنه يشرع تكلف ذلك وترك المساجد القريبة إلى مساجد بعيدة، كيف وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه الطبراني في الكبير والأوسط بإسناد جيد: (ليصل أحدكم في المسجد الذي يليه ولا يتبَّع المساجد) .
فالراجح: أن المستحب له مطلقاً أن يصلي في المسجد الذي يليه لا سيما إن كان هذا المسجد لا تقام الجماعة إلا بحضوره، هذا هو الأفضل له.
فإن وافق ذلك أن هذا المسجد أكثر جماعة أو أنه بعيد عن منزله فإنه له فضيلة أخرى زائدة على الفضيلة المتقدمة.
نعم، في مسألة الاختيار هذا حسن: كأن يختار – عندما يرتاد منزلاً – محلاً فيه مسجد كبير ويرتاده الناس أكثر من غيره فينزل بهذا أصلاً من غير أن ينتقل بمنزله.
وأما أن يتكلف ذلك فلا؛ لأن السنة دلت على فضيلة هذه الأشياء مع وجودها من غير أن يحدث من المكلف تتبع لها: (ليصل أحدكم في المسجد الذي يليه ولا يتبع المساجد)
إذن: المشهور عند الحنابلة: أن المسجد الذي لا تقام فيه الجماعة إلا بحضوره وهذا راجح ثم ما كان أكثر جماعة، - والمشهور تفضيل المسجد العتيق على ما كان أكثر جماعة - ثم ما كان عتيقاً، والأبعد أولى من الأقرب، وتقدم أنه لا يشرع تتبع المساجد.
والحمد لله رب العالمين
قال المؤلف رحمه الله: (ويحرم أن يؤم في مسجد قبل إمامه الراتب إلا بإذنه أو عذره)
يحرم على المصلي أن يؤم في مسجد من المساجد قبل إمامه الراتب المعين لهذا المسجد، إلا بإذنه أو عذره.
وأصل النهي ما ثبت في مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه) والمسجد سلطانه إمامه الراتب.
قوله: (أو عذره) أي ثبت عذر للإمام منعه من إمامة الناس فإنه يجوز أن يصلي بالناس غيره، فإذا ثبت له عذر وخشي المصلون فوات الوقت جاز لهم أن يقدموا غيره.
ومثل ذلك لو ظن عدم حضوره ظناً غالباً فالحكم كذلك فيجوز أن يتقدم غيره.
ومثل ذلك إن ظن حضوره لكن علم أنه لا يكره ذلك فهو حقه وهذا يكون بمعنى الإذن.
والأظهر أيضاً أنه متى ثبت الوقت المستحب المعتاد ولم يحضر الإمام جاز لهم أن يقدموا غيره لمصلحة المأمومين لئلا تلحقهم المشقة في انتظاره، ولمصلحة الصلاة في وقتها المستحب، يدل على ذلك ما ثبت في مسلم: (أن عبد الرحمن بن عوف صلى بالصحابة في غزوة تبوك وقد تأخر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن حضور الصلاة فلما صلى وراء عبد الرحمن وقضى ما فاته من الصلاة قال: أحسنتم أو قال: أصبتم، يغبطهم أن صلوا الصلاة لوقتها) .
وثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (ذهب ليصلح بين بني عمرو بن عوف وحانت الصلاة فجاء المؤذن إلى أبي بكر الصديق فقال: أتصلي بالناس فأقيم؟ فقال: نعم، فصلى أبو بكر ثم أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فتأخر أبو بكر فأشار إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - بالثبات فتأخر وتقدم النبي - صلى الله عليه وسلم -) – الحديث – وفيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: (يا أبا بكر ما منعك أن تثبت) وفيه أنه قال: (وحانت الصلاة) فظاهره أن ذلك وقتها المستحب.
فالأظهر أن حق الإمام يزول بحضور الوقت المعتاد والمستحب لئلا يلحق المأمومين المشقة في انتظاره وهذا من باب ترجيح المصلحة العامة على المصلحة الخاصة.
تقدم أنه لا يجوز أن يصلي إلا بإذنه، فإن صلى بغير إذنه فهل تصح الصلاة أم لا؟
قولان في المذهب:
- أظهرهما الصحة مع التحريم.
أما دليل من أبطلها فللنهي والنهي يقتضي الفساد.
وأما دليل من صححها فلأنها صلاة قد ثبتت فيها شروطها وأركانها واجباتها الشرعية وهذا الأمر خارج عنها فلا يؤثر فيها بطلاناً – هذا هو القول الراجح.
قال: (ومن صلى ثم أقيم فرضٌ سن له أن يعيدها إلا المغرب)
من صلى الفرض في جماعة أو منفرداً – هذا هو ظاهر إطلاقه وهو المذهب – ثم أقيم فرض من قبل مؤذن في مسجد - ولم يقيده المؤلف هنا بالمسجد، وقيده الشارح وغيره وهو قيد دل عليه الحديث – سن واستحب أن يعيد الصلاة إلا المغرب.
فالمسألة: أنه إذا صلى منفرداً أو في جماعة ثم أقيمت الصلاة في مسجد آخر سن له أن يعيد الصلاة إلا المغرب فلا يسن له أن يعيدها – هذا المشهور في المذهب – وهنا مسائل:
1- المسألة الأولى: أن ظاهر إطلاق المؤلف هنا أن من صلى منفرداً أو جماعة أنه يشرع له أن يعيد الصلاة التي أقيمت وهذا هو ظاهر إطلاق النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله: (لا تفعلا إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معه تكن لكما نافلة) فقوله: (إذا صليتما في رحالكما) فيحتمل أن يكون ذلك جماعة ويحتمل أن يكون فراداً، وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال – كما هي القاعدة الأصولية – كما أن هذا اللفظ ظاهره الإطلاق.
وهذا هو المشهور في المذهب.
2-المسألة الثانية: أن يكون ذلك المسجد الذي أقيم الفرض فيه مسجد جماعة، لظاهر الخبر فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (ثم أتيتما مسجد جماعة) وعليه فإنه إذا أقيمت الصلاة في غير مسجد جماعة فهذا الحديث لا يرد فيه.
المسألة الثالثة: عن قوله (سن) هذا هو المشهور في المذهب وأن ذلك سنة.
وعن الإمام أحمد: أنها تجب مع الإمام الراتب.
وعنه: أنها تجب مطلقاً – وهذا هو الأظهر – وأقربها إلى ظاهر الحديث، فإنه قد أمر بذلك، وأنكر ذلك على الصحابيين الذين حضرا معه وأمرهما بأن يصليا إذا حضرا في مسجد جماعة في قوله: (لا تفعلا) وهذا نهي وهو للتحريم، ثم قال: (إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معه تكن لكما نافلة) وهذا أمر وهو للوجوب.
وهذا القول أظهر وهو رواية عن الإمام أحمد.
ولا شك أن تركه للصلاة مع إقامتها في مسجد جماعة مظنة سوء الظن فيه فلئلا يتطرق إليه الظن السيء بأنه لا يصلي أو نحو ذلك شرع مثل هذا، وهذه علة مستنبطة لا مانع أن تكون العلة سواها، لكن الحديث ظاهر في الوجوب.
المسألة الرابعة: وهي أن هذه الصلاة التي صلاها في جماعة أو فرادى هي الفرض بالنسبة له، والجماعة الثانية نافلة.
فالأولى فرض، والثانية نافلة.
يدل عليه حديث: (تكن لكما نافلة) ، ولما ثبت في مسلم من حديث أبي ذر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: في أمراء السوء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها قال: (صلوا الصلاة لوقتها ثم اجعلوا صلاتكم معهم نافلة) .
وفي قوله: (إلا المغرب) :
هذا المشهور في المذهب وهي الرواية الشهيرة عن الإمام أحمد: وأن المغرب لا يشرع فيها هذا الحكم؛ وذلك لأنه لا يشرع من الصلوات وتر إلا الوتر، وكونه يصلي مع الإمام ثلاث ركعات تكون له وتراً ولا يشرع له الوتر إلا في صلاة الوتر.
وعن الإمام أحمد: أنه يصليها مع الإمام ثم يشفعها رابعة لتكون صلاته شفعاً.
والقول الثالث، وهو وجه عند الحنابلة وهو مذهب الشافعية وهو القول الراجح في هذه المسألة: أنه يصليها وراء الإمام وتراً كما يصليها الإمام، لظاهر الحديث فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره أن يصلي معه وظاهر ذلك أنه يصليها كما يصليها الإمام بعدد ركعاتها.
ثم على القول بأن العلة هي مظنة إساءة الظن به فإن ذلك لا يزول إلا بأن يصليها وراء الإمام كما صلاها الإمام.
فالراجح: أنه يصليها وراء الإمام – وحينئذ – تكون مستثناة مما تقدم، فحينئذ لا يشرع الوتر بالتطوع سوى الوتر وإعادة الجماعة إن وافقت المغرب لأن الحديث صالح الاستثناء.
فالراجح في هذه المسألة بعمومها: أنه يجب على المصلي إذا صلى في جماعة أو منفرداً ثم أتى مسجد جماعة فيجب عليه أن يصلي معهم وتكون له نافلة وهو عام في الصلوات كلها حتى المغرب.
قال: (ولا تكره إعادة الجماعة في غير مسجدي مكة والمدينة)
إذا صلى في مسجد إمامه الراتب، ثم حضر بعدهم جماعة فهل يشرع لهم أن يصلوا جماعة أم لا؟
قولان لأهل العلم:
القول الأول: وهو المشهور في مذهب الحنابلة: وهو مشروعية ذلك.
القول الثاني: وهو قول جمهور الفقهاء: وهو القول بكراهية ذلك، فيكره أن تعاد الجماعة في مسجد من المساجد التي فيها إمام راتب ويستثنى من ذلك عندهم المساجد المطروقة وهي التي تكون في الأسواق ويطرقها الناس فإن المنع من ذلك يشق، وهي في الغالب ليس لها إمام راتب، لكن مع ثبوت الإمام الراتب فالناس يحتاجون لمرورهم من عندها أن يصلوا جماعة مرة بعد مرة.
واستدلوا: بما رواه الطبراني في الأوسط من حديث أبي بكرة الثقفي قال: (جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - من ناحية من نواحي المدينة يريد الصلاة فوجد الناس قد صلوا فعاد إلى بيته فجمع أهله فصلى فيهم) .
قالوا: فالنبي - صلى الله عليه وسلم - قد ترك الصلاة في المسجد جماعة ورجع إلى أهله فصلى بهم، قالوا: فيدل ذلك على أنه لا يشرع له أن يصلي في المسجد جماعة.
واستدلوا بما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن الحسن البصري قال: (كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أتوا إلى المسجد وقد صلى فيه صلوا فرادى) قالوا: فهذا فعل الصحابة.
قالوا: ولأن هذا ذريعة إلى البغضاء والعدوان بين هؤلاء وبين إمامهم، ولأن ذلك يورث تهاوناً لحضور الجماعة الأولى.
وأما الحنابلة: فاستدلوا بما ثبت في مسند أحمد وسنن أبي داود والترمذي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال – والحديث صحيح -: (ألا رجل يتصدق مع هذا فيصلي معه) قالوا فهذه جماعة.
واستدلوا: بحديث ابن عمر المتقدم وحديث أبي سعيد.
ولفظ حديث ابن عمر: (صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة) قالوا: فهذه صلاة جماعة وتلك صلاة فردية وصلاة الجماعة أفضل وهذا الحديث عام في فضليتها مطلقاً.
قالوا: وروى البخاري في صحيحه معلقاً ووصله البيهقي وأبو يعلى الموصلي بإسناد صحيح: أن أنس بن مالك: (أتى إلى مسجد قد صلى فيه فأذن وأقام ثم صلى جماعة) ، وفي البيهقي " في عشرين من فتيانه "، وهو أثر صحيح عن أنس بن مالك.
واستدل الجمهور أيضاً بأثر رواه الطبراني في الأوسط والكبير بإسناد جيد: (أن ابن مسعود أقبل ومعه الأسود وعلقمة إلى المسجد فاستقبلهم الناس وهم خارجون من المسجد فرجع إلى بيته وجعل أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله) أي فصلى بهم.
قالوا: وهذا يدل على أنه لا يشرع أن يصلي في المسجد جماعة، إذا لو كانت مشروعة لصلى ابن مسعود بمن معه في المسجد.
ومع ذلك فقد ذكر الحنابلة ولم أره معزواً عندهم في قولهم هذا أنه قول ابن مسعود.
ولا يبعد هذا، فإن ما ذكره الجمهور من أثر ابن مسعود ليس صريحاً في هذه المسألة، فإن ابن مسعود أتى ومعه صاحباه وقد صلي في المسجد فرجع فصلى في بيته، ولا مانع أن يكون ابن مسعود امتنع عن الصلاة جماعة في المسجد خشية الفتنة، إما أن يكون هناك سلطان فيخشى الفتنة وأنه تقصد التأخر عن الصلاة فيه.
ويحتمل أنه يرى أن حينئذ لا فرق بين الصلاة في المسجد والصلاة في البيت، فصلى بهم جماعة ولم يقصد المسجد لأنه لا فرق بينهما، فليس صريحاً عن ابن مسعود، بخلاف أثر أنس بن مالك فإنه صريح في ذلك.
وأما ما ذكروه من حديث أبي بكرة، ففيه الوليد بن مسلم وهو مدلس وقد عنعنه، وفيه علة أخرى وهو أنه من رواية معاوية بن يحيى وهو مختلف فيه توثيقاً وتضعيفاً، وله مناكير وقد ذكر ابن عدي والذهبي هذا الحديث من مناكيره.
على أن الحديث ليس صريحاً في هذه المسألة فغايته أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رجع إلى بيته ولم يصل في المسجد، فيستفاد منه أنه إذا صلى في المسجد فلا فرق بين أن يصلي في المسجد جماعة أو في بيته جماعة.
وما ذكروه من أثر الحسن البصري في ابن أبي شيبة فالأثر ضعيف لأن فيه أبا هلال الراسبي وهو ضعيف.
ثم إنه قد ورد في رواية لابن أبي شيبة قال: (كانوا يكرهون أنه يجتمعوا مخافة السلطان) أي لئلا يظن أنهم يقصدوا عدم الصلاة خلفه.
وما ذهب إليه الحنابلة أرجح لصحة الأدلة.
إلا أن ما ذكره الجمهور مما يقع في الصلاة جماعة من إثارة الفتنة ونحو ذلك هذا – في الحقيقة – فيه قوة، لكنه لا يقوى على رد ما تقدم ومع ذلك فإن المخرج منه أن يقال: إن صلاة الجماعة الأولى صلاة واجبة لا يعذر المكلف بالتخلف عنها، فهى الجماعة الواجبة أصلاً لكن إن تخلف عنها بعذر جاز له أن يصلي جماعة.
أما إذا كان متقصداً التخلف فإنه يكون آثماً لتركه الواجب لكن الجماعة الأخرى تصح منه.
إذن: الراجح ما ذهب إليه الحنابلة من أن إعادة الجماعة ليست بمكروهة بل هي مشروعة بل هي واجبة؛ لأن الصلاة في الجماعة واجب.
وقول المؤلف: (ولا يكره) لا يعني ذلك أنه مباح وإنما أراد دفع القول بالكراهية لكن يبقى الحكم على الوجوب كما تقدم.
وأما قوله: (غير مسجدي مكة والمدينة) :
هذا في المشهور من المذهب.
وعن الإمام أحمد أيضاً: والمسجد الأقصى؛ تعظيماً لهذه المساجد أن يتخلف عن جماعتها الأولى.
فكره الإمام أحمد أن يصلي في هذه المساجد الثلاثة الجماعة للمتخلفين، فلا يشرع لهم أن يصلوا جماعة في هذه المساجد إلا أن يكونوا معذورين كمن أتوا من سفر أو غيره.
وعن الإمام أحمد: أن هذه المساجد كغيرها من المساجد لا فرق، وهو القول الراجح.
لأن قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه) قد قاله - صلى الله عليه وسلم - في المدينة وقضية العذر واردة في المسألتين كلتيهما، لكن مع البقاء على القول بمشروعية الجماعة.
أما كونه غير معذور فإن هذا يلحقه إثماً لتخلفه عن الجماعة الأولى لكن مع ذلك يحق أن يصلي جماعة.
فعلى ذلك: يشرع أن تعاد الجماعة في المساجد كلها لعذر أو غير عذر بل يجب ذلك لكن من كان غير معذور فإن الإثم يلحقه لتخلفه عن حضور الصلاة جماعة.
والحمد لله رب العالمين
قال المؤلف رحمه الله: (وإذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة فإن كان في نافلة أتمها، إلا أن يخشى فوات الجماعة فيقطعها) .
فإذا أقيمت الصلاة أي شرع المؤذن في الإقامة، فلا صلاة مبتدأة المكتوبة.
فإذا سمع المقيم قد شرع في الإقامة فليس له أن يشرع بعد في صلاة مطلقاً، سواء كانت هذه الصلاة نفلاً مطلقاً أو كانت تنفلاً مقيداً من الرواتب أو غيرها سواء كان قد سمعه في بيته – والمراد وهو يحضر المساجد ويصلي فيها – أو كان ذلك في المسجد، فليس له أن يشرع، فإذا فعل ذلك فالصلاة باطلة.
ودليله: ما في مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال من حديث أبي هريرة: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) وثبت في الصحيحين عن ابن بحينة – وهذا لفظ مسلم – قال: (أقيمت الصلاة فرأى النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلاً يصلي والمؤذن يقيم فقال: أتصلي الصبح أربعاً) فقد أنكر النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاة بعد الإقامة، وعن عبد الله بن سرجس - رضي الله عنه - قال: (دخل رجل المسجد والنبي في صلاة الغداة فصلى ركعتين في جانب المسجد، فلما سلم النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: يا فلان بأي الصلاتين اعتددت بصلاتك وحدك أم بصلاتك معنا) رواه مسلم.
وضابط الشروع في الإقامة أن يشرع فيها الإقامة بقول: (الله أكبر …) وقد ثبت التصريح بهذا في ابن حبان: (إذا أخذ المؤذن في الإقامة فلا صلاة إلا المكتوبة) هذا هو تقرير المذهب، فليس لأحد إذا شرع المؤذن بالإقامة ليس له أن يبتدأ صلاة مطلقاً سواء كانت تنفلاً مطلقاً أو من الرواتب.
واستثنى بعض العلماء: ركعتي الفجر، واستدلوا برواية للبيهقي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة إلا ركعتي الفجر) .
لكن هذه الزيادة لم تصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وإسنادها لا يثبت وحديث عبد الله بن سرجس في مسلم يرد ذلك.
فكل الصلوات لا يجوز الشروع فيها بعد الإقامة.
أما إذا كان قد شرع في صلاة قبيل الإقامة ثم أقيمت الصلاة فما الحكم؟
قال: (فإن كان في نافلة أتمها) حفيفة، كما في مسلم من حديث سليك الغطفاني في حديث ركعتي التحية في يوم الجمعة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: (صل ركعتين وتجوز فيهما) فإن كان في نافلة أتمها خفيفة.
قالوا: ولا يزيد على ركعتين فإن كان شرع في ثالثة فله – للعذر – أن يسلم ثلاثاً وإن كانوا ينهون عن التطوع بثلاث لكنه للعذر، وله أن يتمها أربعاً، فيجوز له كلا الأمرين.
ودليل إتمام النافلة قوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ وهذا عمل قد شرع فيه فلا يبطل.
وهذا هو مذهب جمهور الفقهاء من إتمام النافلة المشروع بها قبل الإقامة.
وذهب الظاهرية: أنها تبطل، وهو الذي يدل عليه الحديث المتقدم: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) فقد قال: (فلا صلاة) وهي نكرة سياق النفي فتفيد العموم أي لا صلاة مطلقاً سواء كانت الصلاة مشروعاً فيها أو كانت مبتدأة قبل ذلك، أي سواء كانت مبتدأة مع الإقامة أو أثناءها أو قبيل الإقامة.
وأما قوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ فإن هذا ليس إبطالاً من المكلف وإنما إبطال من الله عز وجل، فإن الله قد أبطلها بكونه قد أخبر على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم - أنه لا صلاة إذا أقيمت المكتوبة.
كما أن حديث ابن بحينة ظاهر في ذلك فإن لفظه (أقيمت الصلاة فرأى النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلاً يصلي) والظاهر أنه كان يصلي قبل الإقامة.
وعموم الحديث المتقدم كاف في ذلك.
وأما جمهور العلماء فإنهم لا يبطلون الصلاة – على تفصيل مختلف فيه بينهم -.
(إلا أن يخشى فوات الجماعة) هذا استثناء فهو يتمها خفيفة وإن فاتته تكبيرة الإحرام، وإن فاتته ركعة أو ركعتين ما لم يخش فوات الجماعة لأن الصلاة نفل وحضور الجماعة واجب، فوجب عليه أن يقطع صلاته ليشهد ما وجب عليه من حضور الجماعة فالبقاء على النفل قد عارضه واجب وهو حضور الجماعة فكان عليه ألا يتمها إذا خشي فوات الجماعة.
ومذهب الظاهرية: أنه متى ما أقيمت صلاة الإمام بطلت صلاة المأموم، وهذا فيه من المصالح ما فيه من تسوية الصفوف وشهود تكبيرة الإحرام ومتابعة الإمام ونحو ذلك من المصالح.
وهذا القول هو الأظهر فهذا تنفل تعارضه المصالح الشرعية من إقامة الصفوف وتسويتها فكان هو المشروع نظراً لمصلحة صلاة الإمام ومن معه.
قال: (ومن كبّر قبل سلام إمامه لحق الجماعة)
رجل أتى والإمام يصلي وهو في التشهد الثاني فقبل أن يسلم الإمام كبر المأموم فقال: (الله أكبر) فإنه يدرك الجماعة – - هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة وهو مذهب الجمهور.
واستدلوا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: (فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) وقوله: (فما أدركتم فصلوا) ظاهر ذلك مطلق الإدراك وإن أدرك قدر تكبيرة الإحرام.
وذهب المالكية: إلى أنه لا يدركها إلا بإدراك آخر ركوع فيها.
واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة) وهذا عام في إدراك الوقت وإدراك صلاة الإمام، ولذا ورد في مسلم لفظ: (من أدرك ركعة من صلاة الإمام فقد أدرك الصلاة) .
قالوا: وقد روى النسائي في سننه بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك الجمعة) قالوا: ولا يحصل إدراك الجمعة – حتى عند الحنابلة - إلا بإدراك ركعة منها، قالوا: فكذلك غيرها من الصلوات والمعتبر عند الشارع هو الركعة كما تقدم في إدراك الوقت وأما إدراك أي جزء وإن كان بقدر تكبيرة الإحرام فإن هذا لا يعلق به الشارع فالتعليق به غير معتبر.
وهذا ما رحجه شيخ الإسلام وهو الراجح: وأن صلاة الإمام إنما تدرك بإدراك الركوع الأخير من صلاته.
وأما قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (فما أدركتم فصلوا) فليس فيه أن من فعل ذلك فقد أدرك صلاة الإمام، وإنما فيه أنه يدخل مع إمامه فيصلي مما أدرك ويتم ما بقى وهو مشروع وسيأتي دليل مشروعيته.
ثم إن هذا الحديث عام، والحديث المتقدم يخصصه.
وليس معنى ذلك أن من أدرك الإمام قبل أن يسلم يثبت له فضل الجماعة، وهو الذي عليه السنة وأن من أدرك مع الإمام شيئاً من صلاته بل من أتى والإمام قد سلم من صلاته وقد توضأ وأحسن وضوءه وراح إلى المسجد فوجد الناس قد صلوا فإنه يثاب كأجر المصلين مع الإمام.
فقد روى أبو داود في سننه بإسناد صحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من توضأ فأحسن وضوءه ثم راح فوجد الناس قد صلوا أعطاه الله أجر من صلاها وحضرها لا ينقص ذلك من أجرهم شيئاً) .
وهذا مثال يتضح فيه الخلاف وفائدته:
لو أن رجلاً مسافراً دخل مسجداً - إمامه رجل مقيم - فأدركه في الركوع من الركعة الأخيرة فإنه يجب عليه أن يصلي أربعاً لأنه قد ارتبطت صلاته بصلاة إمامه.
أما إذا أدركه بعد الركوع فهو في حكم المسافر ولم ترتبط صلاته بصلاة إمامه فيصلي ركعتين أي قصراً وله أجر الصلاة كاملاً.
والمستحب لمن أتى والإمام على حال أن يصنع كما يصنع الإمام – كما صرح بذلك الحنابلة.
وظاهر ذلك وإن رجا حضور جماعة.
يدل عليه ما ورد في الترمذي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا أتى أحدكم والإمام على حال فليصنع كما يصنع الإمام) إسناده ضعيف لكن له شواهد كثيرة يرتقي بها إلى درجة الحسن.
قال الترمذي: " وعليه العمل عند أهل العلم " (انظر آخر هذا الدرس) .
قال: (وإن لحقه راكعاً دخل معه في الركعة وأجزأته التحريمة)
هذه مسألة في بيان أن الركعة تدرك بالركوع وهذا مذهب عامة أهل العلم.
ودليل ذلك ما ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من أدرك الركوع فقد أدرك الصلاة) والركوع معتبر في إدراك الصلاة.
وفي حديث أبي بكرة وفيه: أنه تعجل الركوع مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وليس لذلك فائدة إلا إدراك الركعة، وسيأتي ذكر الحديث في موضعه إن شاء الله.
فالركعة تدرك بالركوع.
والمجزئ من ذلك أن يركع ركوعاً مجزئاً بحيث يصل إلى الركوع المجزئ ووافق إمامه فيه ولو كان هو في الهوي والإمام في الرفع فإذا هوى راكعاً فأمكنه أن يضع راحتيه على ركبته والإمام في مثل هذا الموضع من وضع الراحتين على الركبتين، فوافقه في ذلك وإن كان الإمام في الرفع وهو في الهوي فإنه يدرك بذلك الركعة لإدراك ركوعها.
(وأجزأته التحريمة)
فعندما يدخل والإمام راكع فيكبر تكبيرة الإحرام وهي ركن، ولا تصح إلا وهو قائم في الفريضة أما النافلة فلا يشترط وهو قائم.
ولكن: هل يجزئه تكبيرة الإحرام عن تكبيرة الركوع؟
قال عامة أهل العلم وحكاه الموفق عن ابن عمر وزيد بن ثابت قال: ولا يعلم لهم من الصحابة مخالف،: أن تكبيرة الإحرام تجزئه عن تكبيرة الركوع.
والنظر يدل عليه أيضاً: فإنه قد اجتمع واجبان من جنس واحد في محل واحد فأجزأ أحدهما عن الآخر مع حصول المعنى المقصود من الآخر كما أنه إذا أخر طواف الإفاضة إلى اليوم الثالث عشر فإنه يجزئه عن طواف الوداع لأن المقصود حصل لطواف الإفاضة وكذلك هنا فإن المعنى الذي شرعت له تكبيرة الركوع قد حصل حينئذ وهو الانتقال من ركن القيام إلى ركن الركوع.
وظاهر كلام المؤلف أنه تجزئه مطلقاً.
لكن استثنى الشارح وهو قول القاضي من الحنابلة: استثنى ما لو نواهما جميعاً.
وليتبين ذلك هنا صور:
الصورة الأولى: أن يكبر للإحرام بنية الإحرام فإنها تجزئه عن تكبيرة الركوع.
الصورة الثانية: أن ينوي بالتكبيرة تكبيرة الركوع ولا ينويها تكبيرة الافتتاح، فإنه لا يجزئه اتفاقاً.
الصورة الثالثة: أن يكبر للافتتاح وينويها للركوع فيجمع بينهما بالنية.
فما الحكم؟
قال الشارح وهو قول القاضي من الحنابلة: أن ذلك لا يجزئه.
وأنكر ذلك الموفق وذكر أن المنصوص عن الإمام أحمد خلاف ذلك وهو مذهب جماهير العلماء وأنه يجزئه.
أما دليل من قال إنه لا يجزئه فقال: إنه شرَّك بينهما فأثَّر هذا التشريك.
وأما دليل من قال: إنه يجزئه فقال: هذه النية وهي نية الركوع لا تنافي نية الافتتاح فقد نوى الافتتاح ونوى الركوع ونية الركوع لا تنافي نية الافتتاح فلم تؤثر فيها، فكونه نوى الركوع، هذا لا يؤثر مطلقاً في نية الافتتاح فقد نواها فأي دليل يبطلها.
وأما كونه شرَّك لو بينها، فقد شرك بينهما على وجه لا يؤثر ولا ينافي وهذا هو الراجح.
الصورة الرابعة: أن يكبر للافتتاح ويكبر للركوع، وقد استحبه الحنابلة وهو كذلك ظاهر كلام الإمام أحمد؛ وذلك لأنه ليس بين أهل العلم خلاف في جواز هذه الصورة وهذا ظاهر، فإنه – حينئذ – ثبت منه تكبيرة الإحرام التي هي ركن وكذلك تكبيرة الركوع.
كما أنه إذا أخر طواف الإفاضة فطافه ثم طاف طواف الوداع كان ذلك أفضل في حقه.
فالمستحب له أن يكبر للإحرام ويكبر للركوع.
وأما المجزئ فهو أن يكبر للإحرام بنية الافتتاح فقط على المشهور في مذهب المتأخرين من الحنابلة.
والقول الثاني: أنه ولو نوى أنها عن تكبيرة الإحرام والركوع معاً.
وهو القول الراجح كما تقدم.
- صرح الحنابلة باستحباب الدخول مع الإمام على أي حال، وهو - أي هذا الاستحباب – غير ظاهر فيما إذا كان يدرك صلاة الإمام في واجب فهو واجب.
أما إذا أتى وهو في التشهد الأخير فهو لا يدرك الجماعة فهو مستحب لأنه قد يصلي مع جماعة فيصيب أجر الجماعة.
وأما إذا كان يدرك الركوع فالظاهر أنه يجب عليه أن يدخل كما هو ظاهر الحديث، ولما تقدم من وجوب إدراك الجماعة الأولى ولا يتم إدراك الجماعة إلا بهذا. - في مسألة: ما إذا أقيمت الصلاة وهو يصلي نافلة فظاهر الحديث أنه يقطعها مطلقاً وإن كان في التشهد الأخير، لكن هذا في الحقيقة مشكل والقول بإخراجه قوي من باب أنه لا معنى مقصود من منعه من إتمام صلاته، فغايته أن يكون جالساً فيقوم فيسوي نفسه مع الصفوف وهذا هو الظاهر عندي، والله أعلم، لأنه لا معنى من إدخالها في العموم المتقدم.
- واعلم أن المسائل المختلف فيها، فالصحيح أنه يكون فيها الإنكار كما هو قول في مذهب الإمام أحمد وهو الراجح خلافاً للقول الثاني في المذهب.
وذلك لأن من مسائل الإنكار ما يكون مخالفاً لنصوص شرعية، نعم هناك مسائل غايتها الاجتهاد المحض والأذهان تختلف فيها اختلافاً قوياً فمثل هذه يقوى ترك الإنكار فيها أما المسائل التي يكون الحديث فيها ظاهر، فظاهر الحديث الإنكار.
والحمد لله رب العالمين
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ولا قراءة على مأموم)
أي يتحمل الإمام عن المأموم قراءة الفاتحة، فعلى ذلك لا تجب قراءة الفاتحة على المأموم.
1- وهذا هو المشهور في مذهب الحنابلة وهو مذهب جمهور الفقهاء.
واستدلوا: بقوله تعالى: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ .
ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: (وإذا قرأ فأنصتوا) رواه مسلم من حديث أبي موسى.
وبما رواه الأربعة عن أبي هريرة بإسناد صحيح قال: (انصرف النبي - صلى الله عليه وسلم - من صلاة جهر فيها فقال: هل قرأ أحد منكم معي آنفاً؟ فقال رجل: نعم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: فإني أقول ما لي أنازع القرآن، فانتهى الناس عن القراءة خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما جهر به حين سمعوا ذلك) .
وبما رواه أحمد وابن ماجه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة)
2- وذهب الشافعية وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها الآجرى من أصحابه، واستظهرها صاحب الفروع وهي اختيار البخاري ومذهب أهل الظاهر: إلى أن قراءة الفاتحة على المأموم فرض في الصلاة.
واستدلوا: بحديث عبادة بن الصامت المتفق عليه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب) .
قالوا: فالحديث عام في الإمام والمنفرد والمأموم وقد تقدم أن أهل العلم قد اتفقوا على فرضية الفاتحة على الإمام والمنفرد فهذا الحديث عام في المأموم كما هو عام في المنفرد والإمام.
قالوا: وقد ورد التصريح بفرضيتها في حق المأموم برواية رواها أبو داود والترمذي من حديث عبادة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لعلكم تقرؤون خلف إمامكم؟ قالوا: نعم، قال: لا تفعلوا إلا بأم الكتاب فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها) فهذا الحديث نص في دخول قراءة المأموم الفاتحة في عموم الحديث (لا صلاة لمن لا يقرأ بأم الكتاب) والحديث في أبي داود والترمذي فيه عنعنة ابن إسحاق، لكنه صرح بالتحديث عند البيهقي والدارقطني وابن حبان وقد تابعه زيد بن أرقم في سنن أبي داود فلم يتفرد بها، وزيد بن أرقم ثقة.
والحديث أيضاً له شاهدان:
شاهد في مسند أحمد من حديث محمد بن أبي عائشة عن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - بإسناد حسن.
وشاهد آخر عند ابن حبان من حديث أنس بإسناد حسن.
فالحديث حسن بطريقه الأول، وصحيح بطريقه الثاني، وهو صحيح أيضاً بشاهديه.
فالحديث لا مطعن فيه مطلقاً وقد صححه البخاري والبيهقي وصححه ابن القيم وحسنه الترمذي والدارقطني وغيرهم، وقال الخطابي: إسناده جيد لا مطعن فيه.
قالوا: ويقوى ذلك أنه مذهب الراوي، فإن عبادة ثبت في سنن أبي داود أن كان يقرأ بالفاتحة خلف الإمام.
فهذا مذهبه وهو راوي الحديث المتقدم.
واستدلوا: بأنه قول عمر - رضي الله عنه - فقد صح في كتاب جزء القراءة للبخاري، والدارقطني بإسناد صحيح: أن شريك بن يزيد: (سأل عمر عن القراءة خلف الإمام؟ فقال: اقرأ بفاتحة الكتاب قال: وإن كنت أنت؟ قال: وإن كنت أنا، قال: وإن جهرت وإن جهرت) .
واستدلوا: بما رواه مسلم عن أبي هريرة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم الكتاب فهي خداج خداج خداج) فقيل لأبي هريرة: (إنا نكون وراء الإمام؟ فقال: اقرأ بها في نفسك فإني سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: قال الله تعالى: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين) الحديث.
فهذا الحديث فيه أنه قول أبي هريرة، وفيه أيضاً استدلال أبي هريرة على فرضيتها على المأموم بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - – فيما يرويه عن الله عز وجل: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين) فقد سماها صلاة فلم تكن لتسقط بحال.
وهذه أدلة ظاهرة في فرضها.
فالراجح مذهب الشافعية وهو رواية عن الإمام أحمد.
وأما الإجابة على ما استدل به الجمهور وهو اختيار شيخ الإسلام:
أما الآية الكريمة: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ فهي آية عامة في الصلاة وفي غيرها.
وعلى القول بأنها في الصلاة كما هو مذهب عامة المفسرين فإنها عامة في قراءة الفاتحة وغيرها، وحديث عبادة خاص فالحديث يخصصها.
أما قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (وإذا قرأ فأنصتوا) فهذه اللفظة قد قال البيهقي (أجمع الحفاظ على خطأ هذه اللفظة) وذلك لتفرد سليمان التيمي عن قتادة بها، وعامة أصحاب قتادة – كهمام وهشام الدستوائي وحماد بن سملة وغيرهم - لم يذكروا هذه اللفظة في حديثه، وممن أعلها البخاري وأبو داود وأبو حاتم وغيرهم.
وعلى القول بتصحيحها فالجواب عنها: أنها عامة وحديث عبادة خاص.
وأما حديث أبي هريرة الذي قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (فإني أقول ما لي أنازع القرآن) فكذلك حديث عام وحديث عبادة خاص فيخصص بالعموم.
وفي حديث عبادة التصريح بالتخصيص، ففي رواية لأبي داود عن عبادة: (مالي أنازع القرآن فلا تقرؤوا بشيء إلا بأم القرآن) .
وأما قوله: (فانتهى الناس عن القراءة خلف النبي - صلى الله عليه وسلم -) فإنه ليس من قول أبي هريرة فيكون له حكم الرفع، بل هو من قول الزهري كما بين ذلك أبو داود في روايته، ونص على ذلك الإمام البخاري وأبو داود وأن هذه اللفظة من قول الزهري.
ومما يقوي ما تقدم من التخصيص بحديث عبادة أن هذا هو مذهب أبي هريرة راوي هذا الحديث، فقد تقدم أنه قال: (اقرأ بها في نفسك) فهذا قوله.
وأما حديث: (من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة) فالحديث لا يصح، بل اتفق الحفاظ على تضعيفه، قال البخاري: (لا يثبت هذا الحديث عند أهل العلم من أهل العراق وأهل الحجاز وغيرهم لإرساله وانقطاعه) .
فتبين من ذلك القول بفرضيتها كما هو مذهب الشافعية ورواية عن أحمد.
فما استدلوا به إما حديث ضعيف وإما حديث عام وحديث عبادة خاص فيخصص به العموم، على أنه سيأتي بيان لما يكون مخرجاً للإنصات والاستماع لقراءة الإمام في مسألة السكتة بعد قراءة الفاتحة من الإمام.
فعلى القول بها وهو الراجح لا يكون هناك إشكال فإن الإمام يسكت فيقرأ المأموم فاتحة الكتاب وحينئذ يستمع للفاتحة ويقرأ هو فاتحة الكتاب.
قال: (ويستحب في إسرار إمامه وسكوته)
أي يستحب للمأموم أن يقرأ بفاتحة الكتاب في إسرار إمامه وسكوته ويستحب ذلك ولا يجب وهما قولان في المذهب.
فالقول الأول: أنه يستحب للمأموم إذا سكت الإمام أو كان في سرية أن يقرأ بفاتحة الكتاب.
فعليه: لا يجب أن يقرأ بفاتحة الكتاب في الصلاة السرية وإنما ذلك مستحب، وكذلك لا يجب عليه إذا كان الإمام يسكت بعد قراءة الفاتحة.
واستدلوا: بحديث: (من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة) وتقدم ضعف الحديث.
والقول الثاني في المذهب: أنها تجب في سكوت الإمام وإسراره فيجب عليه أن يقرأ في الصلوات السرية بفاتحة الكتاب.
واستدلوا: بأن الأحاديث المتقدمة إنما هي فيما إذا جهر الإمام لقوله: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ وحديث: (وإذا قرأ فأنصتوا) فهذه تخصص حديث عبادة فيما إذا جهر الإمام، أما إذا أسر الإمام فلا.
وهذا القول أصح على القول بأن القراءة لا تجب على المأموم وإلا فقد تقدم وجوبها على المأموم مطلقاً لكن المسألة المتقدمة على المشهور في المذهب من عدم وجوب قراءتها على المأموم.
مسألة:
هل يستحب للإمام أن يسكت بعد فاتحة الكتاب ليقرأ المأموم أم لا؟
قولان لأهل العلم هما:
فالمشهور عند الحنابلة وهو مذهب الشافعية ومذهب الأوزعي: أن ذلك مستحب.
وذهب الأحناف والمالكية وهو اختيار المجد ابن تيمية، وشيخ الإسلام: إلى أنها لا تستحب
أما أهل القول الأول فاستدلوا:
بما رواه أبو داود وهو ثابت في المسند وسنن ابن ماجه من حديث سمرة قال: (حفظت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - سكتتين إذا كبر وإذا قرأ غير المغضوب عليهم ولا الضالين) وفي رواية: (وإذا فرغ من القراءة) .
فهذا فيه أن للنبي - صلى الله عليه وسلم - سكتتين، سكتة إذا كبر للافتتاح وهي السكتة التي يقفها الإمام والمأموم لقراءة دعاء الاستفتاح، ويدل عليها حديث أبي هريرة المتقدم في سكوت النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد التكبير.
والسكتة الثانية: إذا قرأ " غير المغضوب عليهم ولا الضالين " والحديث صححه ابن حبان وقواه ابن القيم وابن حجر وحسنه الترمذي وهو كما قالوا والحديث أعل بعلتين:
الأولى: أن الحديث من رواية الحسن عن سمرة، والحسن لم يسمع من سمرة.
الثانية: أنه فيه تدليس الحسن البصري وهو قد عنعن.
أما العلة الأولى: فالجواب عنها: أن الصحيح من أقوال أهل العلم أن الحسن سمع مطلقاً من سمرة ومن ذلك حديث العقيقة الثابت في البخاري، وحديثه المثلة الثابت في سنن النسائي وهو قول البخاري وابن المديني وغيرهم، وهما متعاصران والسماع ممكن جداً لا مانع منه فبينهما معاصرة، وسمرة قد سكن البصرة.
وأما العلة الثانية: وهي تدليس الحسن، فالجواب: أن تدليس الحسن محتمل عند الأئمة، وقد ورد في البخاري ومسلم وغيرها أحاديث مصححة عند أهل العلم فيها تدليس الحسن لذا ذكره ابن حجر في رسالته في المدلسين، وذكره في الطبقة الثانية وهو من احتمل الأئمة تدليسهم.
فعلى ذلك الصحيح أن الحديث صحيح لا علة فيه وله شواهد من الأثر والمعنى.
فمن شواهده الأثرية ما رواه ابن أبي شيبة بإسناد حسن: (أن عمر بن عبد العزيز كان له وقفتان: وقفة إذا كبر، ووقفة إذا قرأ غير المغضوب عليهم ولا الضالين) وقد ثبت أن عمر بن عبد العزيز كان من أشبه الناس صلاة بصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان ذلك مشهوراً عند السلف، ففي البيهقي بإسناد صحيح أن أبا سلمة ابن عبد الرحمن بن عوف – من كبار فقهاء التابعين – سئل عن القراءة خلف الإمام، وقيل له: (إنا نكون وراء الإمام والإمام يقرأ فقال: اغتنمها في سكتة الإمام إذا قرأ غير المغضوب عليهم ولا الضالين) .
وأما النظر فهو أن الله قد أمر بالإنصات والاستماع للقرآن وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقراءة الفاتحة للمأموم كما تقدم فكان حينئذ الجمع بينهما أن يشرع مثل هذا.
ومن هنا قال شيخ الإسلام أن الأمر بقراءة الفاتحة مع الاستماع عبث تنزه عنه الشريعة "؛ وذلك لأنه لا يعقل أن يأمر الشارع بالإنصات ثم يأمر بقراءة الفاتحة.
وعلى التسليم بما ذكره شيخ الإسلام فإن المخرج منه ما ذكرناه.
وقد ذكر ابن القيم هذا الحديث وقواه ثم قال: (وقيل إن هذه السكتة لقراءة المأموم فاتحة الكتاب قال: وعلى هذا ينبغي أن تكون بقدر الفاتحة) .
فعلى ذلك الراجح: أنه يستحب للإمام أن يسكت سكتة بقدر الفاتحة ليتمكن المأمومون من قراءتها
قال: (وإذا لم يسمعه لبعد لا لطرش)
ويعني يستحب للمأموم أن يقرأ بالفاتحة إذا لم يسمع قراءة إمامه كأن يصلي رجل وراء إمامه ولا يسمع قراءة الإمام فإنه يستحب له أن يقرأ بالفاتحة.
وعلى القول بالوجوب – كما هو أحد القولين في المذهب – فإنه يجب عليه ذلك.
فإذا كان صوت الإمام لا يتضح، بل يصل المأموم ما يسمى بالهمهمة فهل يستحب له أن يقرأ أم لا؟
المشهور في المذهب أنه لا يستحب له ذلك.
الثاني في المذهب: وهو رواية عن الإمام أحمد واختاره شيخ الإسلام وهو الراجح: أنه يستحب له؛ لئلا يخرج عن كونه قارئاً أو مستمعاً – وهذا على القول بأنها لا تجب على المأموم – ومتى قلنا بوجوبها فهي واجبة مطلقاً وهذا الترجيح على المذهب وعلى القول في المسألة السابقة بالوجوب فإنه يجب لئلا يخرج المأموم عن كونه قارئاً أو منصتاً، وهنا الإنصات ممتنع لأن القراءة لا تتضح له.
وأما إذا كان لا يسمع قراءة الإمام لطرش: (وهو ما دون الصمم) :
فالمشهور في المذهب: أنه لا يقرأ.
والقول الثاني في المذهب: أنه يستحب له أن يقرأ ما لم يكن في ذلك تشويشاً على جاره في الصلاة وهذا القول الراجح.
وعلى القول بالوجوب تجب.
قال: (ويستفتح ويستعيذ فيما يجهر فيه إمامه)
رجل جاء والإمام يقرأ فكبر فهل يستحب له أن يستفتح ويستعيذ فيما يجهر فيه الإمام؟
قال: هنا يستحب وأولى من ذلك في سكوت الإمام أي في صلاة سرية ونحو ذلك.
أما حال سكوته فإنه يستحب – كما تقدم – لفعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، والمأموم يقتدي بالنبي - صلى الله عليه وسلم - لقوله: (صلوا كما رأيتموني أصلي) .
لكن هنا إذا كان الإمام يجهر فهل يستحب أن يستفتح ويستعيذ أم لا؟
قال: يستحب له وهو المشهور في المذهب.
قالوا: لأن قراءة الإمام لا تغني عن استعاذته واستفتاحه تحملاً، فالإمام إنما يحمل عنه القراءة والإمام قد أسر بالاستفتاح والاستعاذة فلم يجهر بهما فلم يتحمل ذلك عن المأموم فكان مستحباً له.
وعن الإمام أحمد: أنه لا يستحب ذلك، وهذا القول أصح وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وهو قول أكثر العلماء وأنه لا يستحب أن يستفتح، لقوله تعالى: ﴿وإذا قرأ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون﴾ .
وإنما استثنينا الفاتحة للدليل المتقدم.
أما الاستفتاح فلم يرد دليل يدل على استثنائه، فلا يشرع له أن يستفتح، بل يسمع وينصت.
وأما الاستعاذة، فالأظهر استحبابها على القول بفرضية الفاتحة؛ لأنها تبع للقراءة، وعلى القول بوجوب الاستعاذة، فتجب.
مسألة:
هل ما يقضيه المسبوق هو أول صلاته أو آخرها؟
رجل دخل مع الإمام، فأدرك ركعتين من الصلاة، فهل ما يدركه هو أو صلاته أو آخرها؟
إن قلنا: إنه أول الصلاة، فيستحب له أن يستفتح ويستعيذ ويقرأ السورتين.
وإن قلنا: إنه آخر صلاته، فلا يستحب له أن يستفتح.
قولان لأهل العلم، عما روايتان عن الإمام أحمد:
الرواية الأولى، وهي المشهورة عند الحنابلة: أن ما أدركه هو آخر صلاته؛ نظراً لصلاة الإمام، وما يقضيه هو أولها.
واستدلوا: برواية النسائي: (فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا) .
قالوا: والقضاء إنما يكون للفائتة، فدل على أن ما يصليه قضاء، فيشرع فيها قراءة سورة مع الفاتحة ونحو ذلك.
الرواية الثانية، وهو أصح: أن ما أدركه هو أول الصلاة، وما يقضيه هو آخرها.
للرواية الصحيحة المتفق عليها في هذا الحديث: (وما فاتكم فأتموا) ، ولفظ الإتمام إنما يكون في آخر الشيء.
وأما لفظة (فاقضوا) ، فإن القضاء في عرف الشارع ليس بمعنى القضاء في عرف الفقهاء – وهو ما يكون للفوائت -، بل القضاء في عرف الشارع هو الأداء والإتمام نفسه، كقول الله تعالى: ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض﴾ ، أي إذا أديتموها، وغير ذلك من الأدلة الشرعية.
فالقضاء هو الإتمام.
ويدل عليه النظر الصحيح، فإن النظر يدل على أن المصلي تكون صلاته بحسب نفسه، وهو إنما قد صلى أولها، فكانت أولاً، وبقي عليه أن يتمها، وأما الإمام فإنما يتابع فيما لا يؤثر في صلاة المأموم، أما أن يؤدي ذلك إلى تعطيل صفة صلاة المأموم عن صفتها الشرعية فلا.
فالراجح أن ما يصليه المأموم إتمام؛ لحديث: (وما فاتكم فأتموا) .
وأما لفظة (فاقضوا) فهي بمعنى الإتمام، على أن لفظة الإتمام أصح منها؛ لثبوتها في الصحيحين.
والقضاء يأتي في عرف الشارع بمعنى الأداء، كما يأتي بمعنى الشيء الفائت، والحديث المتقدم يبين أن المراد به الأداء.
والحمد لله رب العالمين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ومن ركع أو سجد قبل إمامه فعليه أن يرفع ليأتي به بعده، فإن لم يفعل عمداً بطلت)
هذه مسائل في متابعة الإمام في الصلاة.
اعلم أن للمأموم مع الإمام أربع أحوال:
الحال الأولى: المتابعة.
الحال الثانية: المسابقة.
الحال الثالثة: التخلف.
الحال الرابعة: المقارنة.
أما الحالة الأولى: وهي المتابعة التي أمر الشارع بها، فقد ثبت في سنن أبي داود والحديث أصله في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إنما جعل ليؤتم به فإذا كبر فكبروا ولا تكبروا حتى يكبر، وإذا ركع فاركعوا ولا تركعوا حتى يركع، وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا ولا تسجدوا حتى يسجد وإذا صلى قائماً فصلوا قياماً، وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً أجمعين) .
والمتابعة أن يفعل المأموم ما فرض عليه من أفعال الصلاة عقيب إمامه وأثره كما يدل عليه: (فإذا كبر فكبروا) فإن الفاء للتعقيب فتفيد الترتيب مع التعقيب فلا يفعل الركن قبل إمامه متراخياً ولا معه ولا بعده 1 بل يكون عقيب فعل إمامه له.
أما الحالة الثانية: فهي المسابقة: وهي ما ذكرها المؤلف هنا وهي: أن يفعل الركن قبله ويشرع فيه قبله وهي حرام باتفاق العلماء؛ لما ثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال – من حديث أبي هريرة -: (أما يخشى أحدكم – أو قال: ألا يخشى أحدكم – إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار أو يجعل الله صورته صورة حمار) والشك فيه من شعبة وقد رواه الطاليسي في مسنده من وجه آخر بغير شك (أن يجعل الله رأسه رأس حمار) .
والمسابقة لها صورتان:
الصورة الأولى: أن يسبقه إلى الركن فينتظره ويأتي بالركن معه، كأن يسبقه إلى الركوع فينتظر حتى يركع الإمام فيرفع رأسه معه.
الصورة الثانية: أن يفعل الركن قبله، ومثله لو سبقه بركعتين أو أكثر، كأن يرفع من الركوع قبل إمامه، أو يرفع ويسجد.
قال المؤلف: (من ركع أو سجد قبل إمامه) هذه الصورة الأولى فيما إذا سبقه إلى الركن فركع قبل أن يركع إمامه أو سجد أو رفع رأسه من الركوع أو السجود قبل إمامه قال: (فعليه) ، إذن الصلاة تصح (أن يرفع ليأتي به بعده، فإن لم يفعل عمداً بطلت) .
فيجب عليه إذا سجد أو ركع قبل الإمام ونحو ذلك أن يعود إلى الإمام ثم يأتي بالركن بعده، فمن ركع قبل إمامه فيجب عليه أن يعود فيركع بعد إمامه.
.
(فإن لم يفعل ذلك عمداً بطلت صلاته) :
هذا القول الأول وهو المشهور في المذهب.
والقول الثاني في المذهب – بعكسه – قالوا: الصلاة تصح، فإذا أتى بالركن بعد الإمام فالصلاة تبطل؛ لأن في الصلاة زيادة فإذا سبق الإمام إلى الركوع فلا يجوز له أن يرجع إلى الإمام فيأتي به بعده، لأن هذا الفعل يتضمن زيادة في الصلاة فوجب عليه أن ينتظره فيأتي بالركن معه.
والقول الثالث وهو رواية عن الإمام أحمد واختيار طائفة من أصحابه وهو مذهب أهل الظاهر: أن الصلاة تبطل، والمراد أن يتعمد السبق لأنه فعل في الصلاة فعلاً من جنسها لا يشرع فيها على وجه التعمد.
فإنه إذا سبق الإمام فقد أتى بالركن على صفة غير مشروعة وما كان في الصلاة من شيء أتى به على صفة غير مشروعة فإنه يبطل الصلاة.
وهذا القول أرجح، وأن الصلاة تبطل بذلك لثبوت النهي عنه ولأنه فعل في الصلاة على وجه غير مشروع يبطلها عمده وقد تقدم أن تعمد الركوع مبطل للصلاة فهنا قد [فعل] فعلاً في الصلاة غير مشروع فيها على وجه التعمد فبطلت به الصلاة.
قال: (وإن ركع ورفع قبل ركوع إمامه عالماً عمداً بطلت)
هذه الصورة الثانية: وهي ما إذا سبقه بركن ففعله قبل إمامه، فتبطل الصلاة بذلك إن كان عامداً، ويستدل لهذا بأنه فعل الركن على هيئة غير مشروعة وكل عمل ليس عليه أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو رد، فهو فعل غير مشروع وعلى وجه الزيادة وقد حصل ذلك على وجه التعمد فأبطل الصلاة.
قال: (وإن كان جاهلاً أو ناسياً بطلت الركعة فقط)
تقدم أن في مسابقة الإمام صورتين.
الصورة الأولى: فيما إذا سبقه إلى الركن لكنه لم يرفع منه حتى ركع إمامه فأتى به مع الإمام، فقد تقدم أنه إن فعل ذلك عمداً فالصلاة تبطل على الراجح.
فإن فعله ساهياً أو جاهلاً فإن الصلاة صحيحة باتفاق العلماء للعذر، وقد تجاوز الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه.
الصورة الثانية: إذا سبقه إلى ركن أو ركنين فإن فعل ذلك عمداً بطلت الصلاة، فإن فعله جاهلاً أو ناسياً بطلت الركعة فقط؛ لأنه قد فعل الركن على هيئة غير مشروعة فكما لو لم يفعله فكان مردوداً أو كان في حكم من لم يفعله، فهو وإن كان جاهلاً أو ناسياً لكنه وضع في غير موضعه فكان كأنه قد ترك هذا الركن فتكون الركعة باطلة.
ومحل ذلك حيث لم يأت به مع الإمام.
صورة إتيانه به مع الإمام: سبقه إلى ركن فرفع منه ناسياً فعلم أن إمامه لم يركع فركع مع الإمام فلا يضره ذلك وتصح ركعته، فيكون قد زاد في الصلاة زيادة على وجه السهو أو الجهل فلم يضره ذلك.
إذاً إن كان منه نسيان أو جهل فسبق الإمام بركن أو ركنين فلا يخلو من حالتين:
أن يأتي به معه فإنه حينئذ لا يضره ذلك ويعتد بركعته.
ألا يفعله مع الإمام بل فات فلا يعتد بركعته.
قال: (وإن ركع ورفع قبل ركوعه ثم سجد قبل رفعه بطلت إلا الجاهل والناسي ويصلي تلك الركعة قضاء)
هنا: فيما إذا سبقه بركنين فقد رفع وسجد قبل رفعه، فهي كالمسألة السابقة تماماً فلا فرق بين أن يسبقه بركن أو ركنين، فتبطل بها الصلاة عمداً.
وإن كان جاهلاً أو ناسياً فإنه يصلي تلك الركعة قضاء إن لم يأت بها مع الإمام أما إذا أتى بها مع الإمام فإنها لا تضر.
أما الحالة الثالثة: فهي التخلف وهي مثل المسابقة عند الفقهاء، والتخلف: هو أن يفعل الركن بعد إمامه متراخياً، وله صورتان:
أن يكون ذلك بأن يدرك الإمام في الركن كأن يدرك الإمام في آخر ركوعه، فهنا الصلاة صحيحة باتفاق العلماء، لكنه ترك ما يشرع له من المتابعة بل الظاهر أنه ترك ما وجب عليه من المتابعة.
أن يتخلف عنه بركن أو ركنين، كأن يركع الإمام ثم يرفع أو يسجد كذلك والمأموم قائم فهي كحكم السابقة المتقدمة.
فيقال: إن تخلف عنه بركن أو ركنين عامداً بطلت صلاته، وأما إن كان جاهلاً أو ناسياً فلا تبطل الصلاة، لكن الركعة تبطل لأنها قد اختلت بفعل ركن أو ركنين منها على وجه غير مشروع فكما لو لم يفعلهما فكان في حكم التارك لركن أو ركنين.
أما الحالة الرابعة: فهي المقارنة: وهي أن يفعل الركن مع الإمام بأن يركع أو يسجد أو يكبر للإحرام معه ونحو ذلك فهي مكروهة عند أهل العلم.
إلا أن التكبير معه تكبيرة الإحرام فإن الصلاة لا تصح، ومثل ذلك ما إذا سبقه – عندهم – بتكبيرة الإحرام؛ لأنه عقد صلاته قبيل تمام انعقاد صلاة الإمام فتكون متعلقة بعدم فلا تصح، لأنها قد سبقت انعقاد صلاة إمامه، وإن قارنه فإن صلاة الإمام لم يتم انعقادها بعد فتكون باطلة – وهذا مذهب جمهور العلماء.
أما المقارنة بغير تكبيرة الإحرام كأن يسلم معه ونحوه فهي مكروهة عندهم والصلاة صحيحة.
- وذهب بعض العلماء من الحنابلة: إلى أن الصلاة تبطل أيضاً مع التعمد، وهو قول قوي، لأن الشارع قد أمره بفعل الركن بعد إمامه وعقيبه كما في الحديث المتقدم: (فإذا كبر فكبروا ولا تكبروا حتى يكبر) ففيه أمر المصلي أن يكون ركوعه وسجوده عقيب فعل إمامه وذلك متضمن للنهي عن أن يكون ذلك مع إمامه، وحيث فعل ذلك فيكون مخالفاً لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - تاركاً لهديه فتبطل به الصلاة ويكون الركن واقعاً غير مشروع.
وهذا هو الأظهر وأنه إن فعل ذلك متعمداً فتبطل الصلاة، أما ناسياً أو جاهلاً فتصبح الصلاة للعذر.
فالصحيح أنه مبطل لها؛ لأن الشارع أمر بالمتابعة وأوجبها، والمقارنة ترك للمتابعة فهي ترك لما أمر به الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وكل أمر على غير هديه وسنته مما يفعل تعبداً فهو مردود على صاحبه فكان ذلك باطلاً غير صحيح.
هذا الأظهر.
فإن قيل: ما هو أصل الحنابلة في أنه يعود إلى إمامه؟ فالجواب: ما رواه البخاري في صحيحه معلقاً عن ابن مسعود قال: (لا تبادروا أئمتكم بالركوع ولا بالسجود فمن رفع قبل إمامه فليسجد ثم ليمكث قدر ما سبقه به) ولا يعلم له مخالف.
لكن هذا الأثر ليس ظاهراً في أن ذلك في ما كان على وجه التعمد بل يحتمل أن يكون ذلك على وجه السهو والجهل.
فعلى ذلك: يبقى القول بأن من سها أو جهل فإنه يعود إلى إمامه فيأتي بالركن بعده؛ لأن ما فعله فقد فعله في غير موضعه ولا أثر له لأنه في غير موضعه.
- عندما يكون الإمام قد أسرع في فعل شيء من الأركان كالفاتحة فهل يتمه المأموم ثم يتابعه أم يدع الركن الذي هو فيه متابعاً لإمامه؟
الظاهر أنه يفارقه لكن ليس مطلقاً بل نوع مفارقة بقدرها لضرورة تعذر، فإذا جازت المفارقة لعذر عن الصلاة كلها، فأولى من ذلك – أن يجوز للعذر – المفارقة في بعض أركانها.
هذا ما استظهره شيخنا.
مسألة:
أتى والإمام قائم ومعه وقت لا يكفي لقراءة كل الفاتحة، فما الحكم؟
الأظهر أنه يقرأ الفاتحة بقدر ما يتمكن من ذلك وحينئذ يتحمل عنه الإمام ما بقى فإذا كان الإمام يتحمل الفاتحة كلها فأولى من ذلك بعضها.
مسألة:
ما هو المعتبر في متابعة الإمام؟
في الأصل أن المتابعة مربوطة بالتكبير كما في الحديث السابق.
لكن الأصل في قضية المتابعة أن تكون في فعل الأفعال، فلو تراخى الإمام في التكبير فالعبرة هي في الفعل، فمتى فعل الإمام الركن فعله المأموم وإن تأخر في تكبيره لأننا النبي - صلى الله عليه وسلم - ربطنا بالفعل عقيبه، فلو تأخر في التكبير فلم يفعل إلا بعد تكبيرة أدى ذلك إلى أن يكون فعلنا ليس عقيب فعله فتكون مخالفة من الإمام أدت إلى مخالفة السنة فلا عبرة بتكبيره.
أما هل يتابع الإمام عند بداية انحطاطه أم إذا وقع ساجداً تبدأ بفعل حركات السجود؟
روى البخاري عن البراء قال: (كنا إذا صلينا وراءه - صلى الله عليه وسلم - لم يحن أحد منا ظهره حتى يقع النبي - صلى الله عليه وسلم - ساجداً) .
لكن ليس هذا مطلقاً بل حيث كان يعلم أنه يدرك الإمام أما إذا علم أنه لا يدركه إذا فعل ذلك فيعفى عن ذلك؛ لإدراك الركن وهو مقدم على فعل ما يستحب من أن يكون شروعه بعد وقوع الإمام ساجداً.
إذاً: إذا استقر الإمام راكعاً أو ساجداً شرع المأموم في الحركات المؤدية للركوع أو السجود إلا أن يخشى فواتاً فيرجح خلاف ذلك لإدراك الركن.
مسألة:
كبر إمام وكبر المأمومون خلفه ثم شك في تكبيره فكبر مرة أخرى، فما الحكم في المأمومين؟
فالأظهر أن تكبيرهم صحيح فلا يعيدوه لأن تكبيرهم وقع صحيحاً فلا دليل على إبطاله كما لو كبروا مع إمام فتبين محدثاً فاستخلف فكبر ذلك المستخلف، فالتكبير حينئذ يكون صحيحاً منعقداً لا شيء فيه.
الحمد لله رب العالمين.
قال المؤلف رحمه الله: (ويسن للإمام التخفيف مع الإتمام) . تدل عليه السنة قولاً وفعلاً.
أما قولاً: فقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: قال رسول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إذا صلى أحدكم للناس فليخفف فإن فيهم السقيم والضعيف) - وفي البخاري: (والكبير) وفي مسلم: (وذا الحاجة) - وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء) .
وثبت في الصحيحين عن أبي مسعود الأنصاري قال: قال رجل: إني لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان مما يطول بنا، قال: فما رأيت رسول - صلى الله عليه وسلم - في موعظته أشد غضباً منه يومئذ فقال: (إن منكم منفرين فأيكم صلى للناس فليخفف فإنما يصلي وراءه الضعيف والكبير وذو الحاجة) ، وفي الصحيحين من حديث معاذ بن جبل: (أتريد أن تكون يا معاذ فتاناً) وفيه: (فإنه يصلي وراءك الضعيف والكبير وذو الحاجة) ، وثبت في سنن أبي داود والنسائي بإسناد صحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعثمان بن أبي العاص: (أنت إمامهم واقتد بأضعفهم) أي اقتد بصلاتك طولاً وقصراً بأضعف القوم وهم ذوو المرض والكبار وذوو الحاجات.
وأما فعلاً: ما ثبت في الصحيحين عن أنس قال: (ما كان أحد أخف صلاة من النبي - صلى الله عليه وسلم - في تمام) فهذه الأحاديث تدل على استحباب التخفيف للإمام.
وضابطه عند الحنابلة: أن يقتصر على أدنى الكمال من التسبيح وغيره من أجزاء الصلاة، فهذا ضابطه في المشهور من المذهب وذلك بأن يسبح الله في ركوعه وسجوده ثلاثاً وهكذا.
واختار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم أن المستحب له أن يصلي كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي، قال شيخ الإسلام: (وينبغي أن يفعل غالباً ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعل غالباً ويزيد وينقص للمصلحة كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يزيد وينقص للمصلحة) .
ومما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ينقصه للمصلحة ما ثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إني لا دخل في الصلاة أريد إطالتها فأسمع بكاء الصبي فأخفف من شدة وجد أمه به) فهنا كان يخفف للمصلحة.
كما أنه كان يطيل لها كما أنه كان يقرأ بالأعراف والأنفال في صلاة المغرب ونحو ذلك، فيفعل ذلك الإمام لبيان ذلك واستحبابه ولئلا يعتقد أن قراءة القصار من السنة المداومة عليها.
وليس ذلك – أي التخفيف - تبعاً لشهوة المأمومين كما قرره ابن القيم رحمه الله، بل ذلك التخفيف بالنظر إلى فعله، وما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ليأمر الناس بالتخفيف ويخالفه، لذا قال ابن عمر – كما في النسائي بإسناد صحيح قال -: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يأمرنا بالتخفيف ويقرأ بالصافات) ليبين ابن عمر أن أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتخفيف لا يخالفه قراءته بالصافات.
فعلى ذلك الظاهر مذهب شيخ الإسلام وتلميذه: من أن المستحب للإمام أن يقرأ كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ وكذلك السجود والتسبيح وغيرها، وذلك هو التخفيف المشروع.
قال: (وتطويل الركعة الأولى أكثر من الثانية)
يسمى له تطويل الركعة الأولى أكثر من الركعة الثانية كما تقدم في حديث أبي قتادة المتفق عليه وفيه أنه قال: (وكان يطول الركعة الأولى) ، فالسنة تطويل الركعة الأولى وتقصير الركعة الثانية.
والظاهر أنه لا أثر للتفاوت اليسير بين الركعة الأولى والركعة الثانية وإن كان ذلك من نصيب الثانية، وهذا هو الذي ذلك دلت عليه السنة، فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ بسبح والغاشية، والغاشية أطول من سبح وهذا تفاوت يسير.
ومن ذلك أن الفلق أقصر من سورة الناس بشيء يسير وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ بالفلق في الأولى وبالناس في الثانية.
وظاهر المذهب مطلقاً في قصار السور وغيرها، كما أطلق ذلك في الفروع، والأظهر اختصاصه بالقصار.
قال: (ويستحب انتظار داخل ما لم يشق على مأموم)
هذا هو المشهور في المذهب وهو مذهب الشافعية، لكن إن شق على أحد من المأمومين فلا يسن له ذلك.
واستدلوا: بما رواه أحمد وأبو داود من حديث عبد الله بن أبي أوفى قال: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يطيل الركعة الأولى من صلاة الظهر حتى لا يسمع وقع قدم) .
والقول الثاني: مذهب الأحناف والمالكية وهو رواية عن الإمام أحمد: أنه لا يستحب له ذلك.
واستدلوا: بقوله - صلى الله عليه وسلم -: (إذا سمعتم الإقامة فامشوا وعليكم السكينة والوقار فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)
قالوا: وكونه ينتظر الداخل فذلك مدعاة إلى الإسراع من الداخل وفيه تشويش على الإمام والمأموم في انتظار الداخل، وفيه مشقة في الغالب على بعض المأمومين.
وأما الحديث الذي استدلوا به: فالحديث ضعيف فإن فيه راو مجهول.
وهذا القول هو الأظهر؛ لظهور أدلته، وهو رواية عن الإمام أحمد.
قال: (وإذا استأذنت المرأة إلى المسجد كره منعها)
لما ثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) ، وفي سنن أبي داود من حديث ابن عمر – بإسناد لا بأس به – (وبيوتهن خير لهن) ، ونحوه من حديث أبي هريرة في المسند وسنن أبي داود بإسناد صحيح: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وبيوتهن خير لهن وليخرجن تفلات) أي غير متطيبات وغير متزينات.
وقد ثبت في مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيباً) فنهى عن مس الطيب والزينة وتخرج تفلة.
إذن: لا تمنع المرأة ويكره منعها.
ولعل الصارف لهذا الحديث عن التحريم الذي هو ظاهر قوله: (لا تمنعوا) - فالصارف فيما يظهر: - أن المصلحة الدينية غير ثابتة، بل المصلحة الدينية تثبت لهن في صلاتهن في البيوت لقوله: (وبيوتهن خير لهن) فلو كان المصلحة دينية لهن لكان النهي للتحريم، لكن لما قال: (وبيوتهن خير لهن) كانت المصلحة لهن أن يصلين في بيوتهن كان المنع ليس محرماً بل مكروهاً، وإن كان ظاهر كلام الموفق ابن قدامة التحريم.
لكن الأظهر ما ذهب إليه الجمهور من كراهية ذلك؛ لأن المصلحة لهن أن يصلين في بيوتهن.
قال: (وبيتها خير لها)
وقد تقدم الحديث الثابت في مسند أحمد من حديث أبي حميد الساعدي.
وتقدم أنه يمنعها إن خشي ضرراً أو فتنة، قالت عائشة كما في مسلم: (لو أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى ما أحدث النساء " أي من الطيب والزينة في الذهاب إلى المسجد " لمنعهن المسجد كما منعت نساء بني إسرائيل) فإذا ثبتت الفتنة أو الضرر فإنها تنهى سداً للذريعة.
ومثل ذلك أنها تنهى أن تذهب منفردة كما ذكر ذلك الحنابلة؛ لأن انفرادها مظنة الفتنة.
أما إذا كانت غير منفردة أو في طرق ممتلئة بالذاهبين والآيبين فإنها ليست في حكم المنفردة، فرجع ذلك إلى أمن الطريق بإن كان آمناً لكثرة الذاهب والآيب ولا يخشى عليها فتنة.
أما إذا كان انفرادها مظنة للفتنة فإنها تمنع.
إذن: المشهور في المذهب أنها تمنع إن كانت منفردة وظاهر ذلك مطلقاً.
والأظهر: ألا تمنع مطلقاً بل تمنع إن كانت منفردة وظنت الفتنة كأن تكون الطرق غير آمنة، فإن كانت الطرق آمنة فإنها لا تمنع.
والحمد لله رب العالمين.
فصل قال المؤلف رحمه الله تعالى: (الأولى بالإمامة) قال هنا: (الأولى) وفيه أن ما يذكره من الأحكام من تقديم الأقرأ فالأفقه في الإمامة أن ذلك سبيله سبيل الأولية لا سبيل الوجوب والفرضية، وهذا باتفاق العلماء.
فإن خولف ذلك فلا بأس لكن الأولى ذلك.
يدل على ذلك ما ثبت في مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إن كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم وأحقهم بالإمامة أقرؤهم) .
فهذا يدل على أنه إن صلى أحدهم ممن يحسن القراءة أجزأ ذلك وصح، لكن أولاهم بذلك وأحقهم به هو الأقرأ.
قال: (الأقرأ العالم فقه صلاته)
الأقرأ هو الأولى بالإمامة للحديث المتقدم: (وأحقهم بالإمامة أقرؤهم) ، ولما ثبت في مسلم من حديث أبي مسعود الأنصاري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء، فأقدمهم سلماً " أي إسلاماً " وفي رواية " سناً " ولا يؤُمّنّ الرجل الرجل في سلطانه ولا يقعد على تكرمته إلا بإذنه) .
ففي هذا الحديث تقديم الأقرأ لكن بالشرط المتفق عليه بين أهل العلم – وهو ما ذكره المؤلف بقوله: (العالم فقه صلاته) أي الذي يعلم من الصلاة ما يحسنها بتمام شروطها وأركانها وواجباتها، فإن كان جاهلاً بأحكام الصلاة التي لا تصح ولا تقوم إلا بها فلا يقدم وإن كان هو الأقرأ.
وقول: (الأقرأ) قال في الشرح: (جودة) وهذا هو المشهور عند الحنابلة وغيرهم فهو مذهب الجمهور، وأن الأقرأ هو الأجود قراءة أي الذي يحسن القراءة فيخرجها من مخارجها الصحيحة وغير ذلك من شروط القراءة الشرعية الصحيحة.
والقول الثاني في مذهب أحمد والشافعي وهو خلاف المشهور في مذهبيهما: أن المراد الأكثر قراءة.
لحديث عمرو بن سلمة في البخاري قال: (جاء أبي من عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: جئتكم من عند النبي - صلى الله عليه وسلم - حقاً، فقال: إذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم وليؤمكم أكثركم قرآناً) .
فهذا يدل على أن الأكثر قرآنا يقدم على الأجود الأقل حفظاً.
والمسألة فيها تفصيل، وهو أن يقال: الأكثر يقدم إن كان مجوداً وتلاوته صحيحة، وإن كان غيره أرجح منه، أما إن كان غير مجيد للتلاوة وله لحن فإمامته مكروهة، كما اتفق العلماء على ذلك – والمقصود اللحن غير المحيل للمعنى – فحينئذ يقدم عليه الأجود وإن كان أكثر منه حفظاً.
إذن: الراجح هو التفصيل في هذا، أن يقال: إن الأكثر يقدم لكن ليس مطلقاً بل حيث كان مجوداً لتلاوته وإن لم يكن أجود من غيره لكن تلاوته صحيحة ليس فيها لحن وإن كان غيره أتقن تلاوة.
لكن إن كان في قراءته لحن فإنه يكون مرجوحاً على من كان أقل منه قراءة.
فالراجح التفصيل، ودليل ذلك قوله: (ليؤمكم أكثركم قرآناً) ولم يعلقه بالجودة مع اختلاف الناس فيها فإنه يحتمل أن يكون هناك من هو أقل منه قراءة وهو أجود، مع العلم أنه في العهد الذي كان فيه مثل عمرو بن سلمة حيث كانت اللغة العربية هي اللغة الدارجة عندهم لا يقال لوجود اللحن في القراءة – لقوله: (ليؤمكم أكثركم قرآناً) فكلهم مجيدون للتلاوة لأن القرآن نزل بلغتهم فحينئذ يكون التفاضل بالرجوع إلى الأكثر قرآناً.
قال: (ثم الأفقه)
لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة) أي بالفقه وهذا باتفاق العلماء بل جمهور العلماء على أن الأفقه يقدم على الأقرأ – خلافاً للمشهور عند الحنابلة من أنه يقدم عليه الأقرأ.
واستدل الجمهور: بأن أبا بكر كان يؤم الناس في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان منهم أبي بن كعب وقد قال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم -: (وأقرؤهم لكتاب الله أبي) فكان أقرأ من أبي بكر ومع ذلك فقد قدم عليه أبا بكر في الإمامة.
والجواب على ذلك أن يقال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما قدم أبا بكر توطئة لخلافته، لذا استدل الصحابة على أخصية أبي بكر بالخلافة بتقديم النبي - صلى الله عليه وسلم - له في الإمامة.
وجواب آخر أن يقال: معلوم أن أبا بكر كان شبيه النائب للنبي - صلى الله عليه وسلم - وكان يسمر معه وعمر في مصالح المسلمين، فكان كنائب السلطان ونائب السلطان أحق بالنيابة من غيره عند غياب السلطان فالراجح ما نص عليه الحديث: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة) .
ويقدم الأفقه على الفقيه فيما إذا كان كلاهما فقيه.
ويقدم الأفقه في أحكام الصلاة على غيره ممن هو أفقه في أبواب أخرى كالجنايات والبيوع، لأن قوته في الفقه في أبواب الصلاة متعلقة بالصلاة وهو سبب في أدائها على أتم ما يكون وأكمل.
قال: (ثم الأسن)
يعني الأكبر سناً، لقوله - صلى الله عليه وسلم - لمالك بن الحويرث: (إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم) وسيأتي بيان الحق في هذه المسألة.
قال: (ثم الأشرف)
لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (قدموا قريشاً ولا تقدموها) رواه أحمد.
والأشرف المراد به القرشي، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: (الإمامة في قريش) وشيخ الإسلام لا يرى التقديم بالنسب، قال في الإنصاف: "ولم يقدم تقي الدين بالنسب " وذكره – أي صاحب الإنصاف – عن أحمد وصوَّبه.
وهو ظاهر، لأن الحديث الوارد في إمامة قريش إنما هذا في الإمامة العظمى.
فإن قيل: ألا تقاس الإمامة الصغرى على الكبرى؟
فالجواب: أولاً إن هذا القياس المذكور يقتضي أن يقدموا على الأقرأ كما قدموا على الأفضل والأصلح ممن هو ليس من قريش.
ثم أيضاً: إنما كانت الإمامة في قريش لأنهم رأس العرب وبهم تجتمع الأمة وتقوى شوكتها وتتآلف، ويبعد أن تتآلف على غيرهم فلذلك وضعهم الله في هذا الموضع وليس هذا في الصلاة فهي محل للعبادة الدينية أما هناك فلأنها تقوم بها مصالح الدنيا والدين.
قال: (ثم الأقدم هجرة)
وهذا هو المشهور في المذاهب
وظاهر كلام الإمام أحمد واختار ذلك طائفة من أصحابه: أن الأقدم هجرة يقدم على الأسن والأشرف.
فيكون الترتيب: الأقرأ فالأفقه فالأقدم هجرة أو سلماً أي إسلاماً.
ودليل ذلك الحديث المتقدم فإن فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلماً، وفي رواية: سناً) ، فهنا قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - الأقدم هجرة على الأقدم سناً.
فإن قيل: فما الجواب على حديث مالك بن الحويرث؟
فالجواب: أنهم كانوا متقاربين في العلم والهجرة، فلذا كان من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن أمرهم أن يتقدم أكبرهم، ففي أبي داود قال: (وكنا متقاربين في العلم) وكانت هجرتهم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في وقت واحد.
وهذا القول الراجح، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد واختيار طائفة من أصحابه.
فالأقدم هجرة يقدم ثم بعد ذلك الأقدم سلماً، وهو يرجح على الأسن؛ لأن الأقدم سلماً أكبر سناً في الإسلام ولا شك أن من كان إسلامه سابق لغيره فهو أرجح في الأصل من غيره، إلا أن يكون هناك مرجح آخر من علم أو فقه أو غير ذلك.
ثم بعد ذلك الأسن.
فعلى الراجح يكون الترتيب: الأقرأ ثم الأفقه ثم الأقدم هجرة ثم الأقدم سلماً ثم الأسن.
قال: (ثم الأتقى)
لقوله تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ ، ولا شك أنه عندما تستوي التي تقدم ذكرها من المرجحات وهي (القراءة والعلم والهجرة والسلم والسن) فإن الأتقى له مزية على غيره.
وقال بعض الحنابلة: الأتقى يقدم على الأشرف.
وهو أصح، ولكن مع ذلك تقدم ترجيح كلام شيخ الإسلام: من أن النسب ليس له محل في هذه المسألة أصلاً.
قال: (ثم من قرع)
أي في القرعة، فتوضع القرعة بينهم لدخول المسألة في القاعدة الشرعية وهي إذا استوى الناس بالاستحقاق لشيء ما ولم يكن ثمت طريق للجمع بينهم فإنه يسلك باب القرعة.
وقبل ذلك من يختاره الجيران فهو مرجح.
ومن كان أعمر للمسجد وبقاؤه أصلح لإمامة لمسجد، فهذا مرجح.
وقد يكون الأشرف يقدم ولكن هذا من باب الترجيح وليس أصلاً.
فالقول بأن الأشرف حيث استوت سابقٌ للقرعة قول قوي؛ لأنه يعتبر مرجحاً، ويكون على قول من قدم الأتقى على الأشرف فيكون من باب المرجحات.
قال: (وساكن البيت وإمام المسجد أحق إلا من ذي سلطان)
وقال: (ساكن البيت) ولم يقل (ورب البيت) ؛ لأنه قد يكون مستأجراً وإذا قيل (رب البيت) ، ظن أن ذلك للمالك فقط، لذا قالوا بتقديم المستأجر على المؤجر وتقديم المستعير على المعير؛لأنه أحق – حينئذ – بالبيت.
وذلك للحديث المتقدم: (ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه إلا بأذنه) ، وفي رواية لأبي داود: (ولا يؤمن الرجل الرجل في بيته ولا في سلطانه إلا بأذنه) ، وفي الترمذي وأبي داود بإسناد صحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من زار قوماً فلا يؤمهم وليؤمهم رجل منهم) .
فلا يؤمن الرجل الرجل في بيته ولا في مسجده إلا بأذنه، فهذا أحق بالإمامة وإن كان الزائر أقرأ أو أفقه أو نحو ذلك إلا أن يأذن إمام المسجد أو ساكن البيت.
(إلا من ذي سلطان) : فصاحب السلطان له الأحقية؛ لأن له عموم الولاية ومثل ذلك نوابه من الأمراء وغيرهم فلهم أن يتقدموا في أي مسجد أو أي بيت شاؤوا؛ لأنه لهم الولاية العامة.
قال: (وحر وحاضر ومقيم وبصير ومختون، ومن له ثياب أولى من ضدهم)
فالحر أولى من العبد، والحاضر أولى من البدوي، والمقيم أولى من المسافر، والبصير أولى من الأعمى، والمختون أولى من الأقلف، ومن له ثياب يستتر بها كمال الستر أولى ممن له ثياب يستر بها عورته فحسب.
ولم أر دليلاً يدل على ما ذكره الحنابلة هنا.
وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (يؤم القوم أقرؤهم) يدخل في ذلك العبد والحاضر والمسافر والبدوي وغيرهم – وإن كان من هذه الأشياء التي ذكرها المؤلف ما يكون مرجحاً.
فلا شك في ترجيح إمامه المقيم على إمامة المسافر مع التساوي، ولا شك بتقديم المختون المطبق للسنة على الأقلف الغير مطبق لها، فيقدم؛ لأنه أطوع لله عز وجل وأكثر تطبيقاً للسنة.
أما أن يكون هذا أولى مطلقاً فليس بصحيح.
فإذن: يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله مطلقاً، أما في مسائل الترجيح فإنه يرجح مثل من تقدم كالمقيم وغيره.
والحمد لله رب العالمين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ولا تصح خلف فاسق ككافر)
أي لا تصح الصلاة خلف الفاسق كما أنها لا تصح خلف الكافر، فالصلاة خلف الكافر فقد اتفق أهل العلم على بطلانها.
وهنا يقيس الفاسق في الإمامة على الكافر بجامع أن كلا منهما لا يقبل خبره لمعنى في دينه، فهذا للكفر وهذا للفسق.
وفي ابن ماجه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا يؤمن امرأة رجلاً ولا أعرابي مهاجراً ولا فاجر مؤمناً) لكن الحديث إسناده ضعيف جداً.
فالمشهور من المذهب: أن الصلاة خلف الفاسق باطلة لا تصح.
وهل المقصود بالفاسق من ظهر فسقه أم من خفي؟
قولان للحنابلة:
الأول: أن المقصود من ظهر فسقه.
الثاني: أنه وإن خفي فسقه فحكمه كذلك.
واستثنوا من ذلك صلاة العيد والجمعة، فقالوا: تصح خلف الفاسق؛ لأن صلاة الجمعة والعيد تكون في الأصل وراء إمام واحد فهذا هو أصل مشروعيتها ففي إبطالها وراء الفاسق تفويت لها.
وعليه فإذا كانت الجمعة تصلى مع أكثر من إمام وكذلك في العيد فيجب أن يتحرى الإمام العدل.
فرأوا بطلان الصلاة خلف الفاسق لكن إن رأى أن المصلحة في الصلاة وراءه ودرء المفسدة بذلك صلى وأعاد صلاته.
وله أن يصلي معه بنية المفارقة فيقتدي به في الظاهر وينوي في الباطن مخالفته.