وهناك صفة رابعة رواها سعيد بن منصور كما في المغني – لكن الاطلاع على سندها غير متيسر لأن الجزء المذكور فيه هذا الحديث لم يطبع ويخشى أن يكون مفقوداً – وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث علي -: (كان يسلم عن يمينه السلام عليكم وعن يساره السلام عليكم) 1 هذه الصفة يتوقف فيها حتى تثبت.
وهناك صفة خامسة لكن الحديث فيها ضعيف: وهي ما رواه الترمذي والحاكم أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان يسلم تسليمة قبل وجهه يأخذ عن يمينه قليلاً) 2 وقد أعله أبو حاتم والدارقطني وابن عبد البر وغيرهم من الأئمة المتقدمين.
والحديث من حديث زهير بن محمد ويروي هذا الحديث عن الشاميين وروايته عنهم ضعيفة منكرة فعلى هذا لا يثبت هذا الحديث.
المسألة الثالثة:
- ظاهر قول المؤلف هنا أن هذا السلام يكون عن اليمين وعن الشمال، فيتجه إلى يمينه ويقول: " السلام عليكم ورحمة الله " ثم يلتفت إلى يساره فيقول: " السلام عليكم ورحمة الله " هذا هو ظاهر قول المؤلف، وهو ظاهر الأدلة الشرعية المتقدمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم: " كان يسلم عن يمينه "، " كان يسلم عن يساره "، وغيرها، فظاهر هذه الأحاديث ما تقدم.
- وقال ابن عقيل: يبتدئ بالسلام إلى القبلة ثم يلتفت يميناً وشمالاً أي: يقول: " السلام عليكم ورحمة الله " ويلتفت إلى اليمين، " السلام عليكم ورحمة الله " ويلتفت إلى اليسار مبتدئا السلام إلى القبلة ثم يتمه إلى اليمين، ويبدؤه إلى القبلة ثم يتمه إلى اليسار.
وهذا ضعيف لعدم الدليل الدال عليه، ولأن ظاهر الأحاديث المتقدمة تخالفه.
- هل يجزئه أن يقول " السلام عليكم "؟
أما لو صح الحديث المتقدم في سنن سعيد بن منصور فلا إشكال في الجزم بصحة ذلك لثبوت السنة فيه، ولكن تقدم التوقف فيه لعدم معرفة سنده.
واختلف في ذلك على قولين: 1- القول الأول: وهو المشهور عند الحنابلة وهو مذهب الشافعية: أنه يجزئه ذلك.
2- قال ابن عقيل من الحنابلة: لا يجزئه ذلك.
قال: لأنه ليس بوارد هكذا، وإنما الوارد بزيادة لفظة: " ورحمة الله " فلم يجزئه لأنه لم يأت بما ورد بتمامه.
واستدل أهل القول الأول: بأن هذا تسليم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (وتحليلها التسليم) 1 وبالنظر إلى هذين الدليلين تبين ضعف ما استدل به أهل القول الأول، لأن هذا وإن كان تسليماً لكنه ليس هو الوارد.
لذا قال الحنابلة لو قال: " عليكم السلام " أو " سلام عليكم " لم يجزئه لأنه ليس وارداً؛ وهنا كذلك فإن الوارد أن يقول ذلك بتمامه.
لكن يستدل لأهل القول الأول بالحديث المتقدم: الذي فيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (عن يساره " السلام عليكم ") فحيث أجزأ في التسليمة الثانية فإنه يجزئ في التسليمة الأولى لأن بالهما 1 واحد، فهما تسليم في الصلاة فحيث ثبت في التسليمة الثانية فكذلك في التسليمة الأولى فالراجح إجزاء ذلك: " السلام عليكم " فهذا هو القدر المجزئ – وأما المستحب فهو أن يسلم بأحد الأنواع الواردة المتقدمة.
- ولو قال: " سلام عليكم " ونحو ذلك من الألفاظ الواردة فإنه لا يجزئه فهو وإن كان تسليماً لكنه تسليم غير وارد والواجب هو الوقوف على هديه.
مسألة: هل التسليم عن اليمين واليسار واجب أم مستحب؟ قال جمهور العلماء: أن ذلك مستحب فلو سلم تسليمة واحدة أجزأه.
وهو رواية عن الإمام أحمد وذهب إليه بعض المالكية وهو اختيار القاضي من الحنابلة: أنه لا يجزئه ذلك إلا أن يسلم تسليمتين.
استدل: أهل القول الأول بالحديث المتقدم الذي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم: كان يسلم تسليمة واحدة.
ولكن تقدم ضعف الحديث.
والراجح هو القول الثاني: وأن التسليمتين فرض.
ودليل ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك فيكون فعله بياناً لمجمل قوله: (وتحليلها التسليم) ولا يثبت ذلك إلا بالتسليم الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم لأنه بيان لمجمل، وما كان بياناً لمجمل من الفعل فحكمه حكم المجمل.
فقوله " تحليلها التسليم ": كان النبي صلى الله عليه وسلم يسلم تسليمتين لم يثبت عنه سوى ذلك، فلم يدع أحد التسليمتين في أي حديث.
قال: (وإن كان في ثلاثية أو رباعية نهض مكبراً بعد التشهد الأول وصلى ما بقي من الثانية بالحمد فقط) تقدم شرح هذا في الدرس السابق.
قال: (ثم يجلس في تشهده الأخير متوركاً) هذا هو المستحب في الجلوس بالتشهد الأخير: أن يجلس متوركاً.
وصفة التورك: أن يقدم رجله اليسرى وينصب اليمنى ويقعد على مقعدته.
لما ثبت في أبي داود والترمذي من حديث أبي حميد الساعدي والحدث صحيح – في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم: (فإذا جلس بعد الركعة الأخيرة قدم اليسرى ونصب اليمنى وقعد على مقعدته) 1 .
فإذا كانت الصلاة ذات تشهدين فيستحب في تشهدها الثاني.
وأما أن كانت الصلاة ذات تشهد واحد، كصلاة الفجر أو السنن التي تصلى مثنى مثنى، فإنه يجلس مفترشاً.
لما تقدم: فإنه ذكر الافتراش ثم ذكر السلام، وظاهره أن الصلاة إذا كانت ذات تشهد واحد فإنه يجلس فيها مفترشاً – هذا هو المشهور في المذهب وأن التورك لا يشرع إلا في الصلاة ذات التشهدين في تشهدها الثاني.
- واستحبه الشافعية في التشهد الأخير من الصلوات كلها سواء كانت ذات تشهد واحد أو تشهدين.
واستدلوا: بعموم الحديث المتقدم: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان إذا جلس في الركعة الأخيرة) الحديث، والركعة الأخيرة تقع في الصلوات ذات التشهد الواحد كما تقع في الصلوات ذات التشهد الثنائي.
والراجح ما ذهب إليه الحنابلة لما ثبت في سنن النسائي بإسناد صحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان إذا صلى الصبح جلس مفترشاً) 1 فعلى هذا يكون تخصيص للعموم المتقدم، وأنه إذا كان في الركعة الأخيرة في صلاة ذات تشهدين جلس متوركاً وأما إذا كانت ذات تشهد واحد كصلاة الفجر فإنه لا يجلس متوركاً فيها، بل مفترشاً.
قال: (والمرأة مثله)
فإن النساء شقائق الرجال كما ثبت في مسند أحمد 2 وغيره بإسناد صحيح.
فما ثبت للرجل فهو ثابت للمرأة إلا أن يأتي دليل يخصص الرجل بالحكم، لكن استثنى من ذلك مسائل:
قال: (لكن تضم نفسها وتستدل 3 رجليها في جانب يمينها)
يعني: فإنها إذا جلست في محل التورك فإنها لا تتورك وإنما تستدل 4 رجليها في جانب يمينها.
هذا هو المشهور في المذهب.
والأظهر: أن المرأة مثل الرجل مطلقاً في جلوسها ورفع اليدين، لكن يستثنى من ذلك المرأة في حضور الأجانب فإنها – حينئذ – تفعل ما يكون فيه ستر لها فتضم نفسها وتستدل رجليها ولا تبالغ في رفع يديها ولا تجافي يديها ونحو ذلك مما يكون فيه تمام لسترها، كأن تصلي في مسجد مكشوف.
وأما أن كانت لا تقع عليها نظرة الأجانب كأن تصلي وحدها أو بين نساء أو في بيتها بنظر محارمها فإنها في حكم الرجل تماماً إذ لا دليل يدل على التخصيص.
وإنما استثنى ما يكون في نظر الأجانب لأن أصول الشريعة قد دلت على ذلك من النهي عن الفتنة، وقد وردت صور كثيرة على ذلك – كما أن المرأة لا ترمل في طوافها ولا تسرع بين الميلين ونحوه مما يكون ظاهراً للرجال لسد باب الفتنة، وإن كان الأصل أنها تفعل ذلك لفعل الرجال له، لكن استثني من ذلك لما فيه من الستر لها والحفظ من الوقوع في الفتنة بها فكذلك في الصلاة.
وبقيت مسائل: في الذكر الوارد بعد الصلاة وفي التفات الإمام ونحو ذلك سيأتي ذكرها في الدرس القادم إن شاء الله.
والحمد لله رب العالمين.
الدرس الحادي والثمانون (يوم الأحد: 6 / 4 / 1415هـ)
مسائل في صفة الصلاة وتمامها: فمن مسائل صفتها: أنه يستحب إخفاء التشهد أي أن يكون سراً، لما ثبت في أبي داود والترمذي – والحديث صحيح – من حديث ابن مسعود قال: (من السنة إخفاء التشهد) 1 وهو مستحب اتفاقاً.
ويستحب له - في باب السلام – أن يحذفه ولا يمده بل يكون حذفاً، لما روى الترمذي من حديث أبي هريرة قال: (حذف السلام من السنة) 1 لكن الحديث فيه قرة بن عبد الرحمن وهو ضعيف، لكن عليه العمل عند أهل العلم: حتى قال الترمذي: " لا يعلم بين أهل العلم فيه خلاف" وقال الدارقطني: " والصحيح أنه من قول أبي هريرة فثبوته عن أبي هريرة ولا يعلم له مخالف يحتج به، والمسألة اتفاقية فلا خلاف فيها، فيستحب له أن يحذفه حذفاً.
ومما يكون من تمام الصلاة:
ويستحب للإمام أن ينفتل إلى المصلين مقبلاً بوجهه إليهم لا يخص ناحية دون ناحية، لما ثبت في البخاري من حديث سمرة قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم: إذا صلى أقبل علينا بوجهه) 2
وينفتل عن يمينه تارة وعن يساره تارة أخرى، ففي مسند أحمد بإسناد جيد عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يلتفت عن يمينه وعن يساره) 1 أي وهو متوجه إلى القبلة، في إقباله على المأمومين ينصرف تارة إلى اليمين وتارة إلى اليسار حتى قال ابن مسعود – كما في الصحيحين -: (لا يجعل أحدكم للشيطان نصيباً من صلاته يرى أن حقاً عليه أن ينصرف عن يمينه ولقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً ينصرف عن شماله) وفي مسلم: (أكثر ما ينصرف عن شماله) 2 لكن في مسلم عن أنس بن مالك قال: (أما أنا فأكثر ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ينصرف عن يمينه) 3
ومن هنا يكون كل صحابي منهما قد حدث بما رأى، فهذا رأى أن أكثر انصراف النبي صلى الله عليه وسلم وهو إليه، وأنس رأى أن أكثر انصرافه عن يمينه، فعلى ذلك كلاهما سنة ويستحب له أن يفعل هذا تارة وهذا تارة، ويكره أن يرى حقاً عليه ألا ينصرف إلا عن يمينه، فإنه حينئذ: يكون قد جعل للشيطان نصيباً من صلاته باعتقاد ما ليس بواجب.
فإذا أقبل على المأمومين: استغفر ثلاثاً وقال: " اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام "
فقد ثبت في مسلم عن ثوبان قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثاً وقال: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام) 1
وفي مسلم عن عائشة قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سلم لا يقعد إلا مقدار ما يقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام) 2
قال ابن القيم مستدلاً بهذا الحديث أنه يستحب للإمام أن يقول ذلك تجاه القبلة فينصرف إلى المأمومين وقد قال: " اللهم أنت السلام …. إلى قوله: " ذا الجلال والإكرام " أي لا ينصرف عن القبلة إلى المأمومين حتى يقول ذلك واستدل بحديث عائشة: (كان لا يقعد إلا مقدار ما يقول)
وقد سئل عن ذلك الإمام أحمد فقيل له: قول النبي صلى الله عليه وسلم " لا يقعد إلا مقدار ما يقول " أي لا يقعد إلى القبلة ثم ينصرف فقال: " لا أدري " أ. هـ.
والمستحب عند الحنابلة والشافعية: أن ينفتل بمجرد سلامه فيكون قوله: " اللهم أنت السلام … ذا الجلال والإكرام " بعد إقباله بوجهه إلى المأمومين.
والحديث ليس فيه ما يدل على ما ذهب إليه ابن القيم؛ إذ فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقعد إلا مقدار ما يقول وليس في ذلك أنه لا يقعد تجاه القبلة إلا مقدار ما يقول، فالحديث مطلق وظاهره أنه لا يقعد مطلقاً، أي لا يقعد في مصلاه الذي صلى فيه إلا بمقدار ما يقول، بل ليتعجل في القيام من مجلسه وينفتل عنه منصرفاً، وهذا ما كان عليه أبو بكر كما صح في مصنف عبد الرزاق بإسناد صحيح أنه: (كان إذا سلم من الصلاة فقال: السلام عليكم ورحمة الله، انفتل ساعتئذٍ كأنه على الرضف) 1
إذن الراجح: أن المستحب له ألا يقعد في مجلسه الذي صلى فيه إماماً كان أو مأموماً إلا بمقدار ما يقول: اللهم أنت السلام … ".
هذا ما ذهب إليه الموفق في المغني وظاهر ذلك أنه مذهب الحنابلة وهو المشهور عند الشافعية.
ويستثنى من ذلك ما إذا كان هناك نسوة يصلين في المسجد فإنه لا يستحب للإمام ولا المأمومين أن ينصرفوا حتى ينصرفن.
فقد ثبت في البخاري عن أم سلمة قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سلم من صلاته انصرف النساء اللاتي صلين معه فدخلن في بيوتهن قبل أن ينصرف النبي صلى الله عليه وسلم) 1
وذلك لئلا يختلط الرجال بالنساء فتقع الفتنة، فلذلك يكره أن ينصرف المأموم والإمام قبل انصراف النساء وذهابهن عن المسجد.
ومع ذلك فإنه إن جلس في مجلسه فقد أحسن لما ثبت في البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تزال الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه تقول: اللهم اغفر له اللهم وارحمه) 2 فهذا الحديث يدل على فضيلة الجلوس فإنه فاضل وحسن، وإذا انصرف فقد فعل السنة.
ولو قيل، وهو فيما يظهر لي تفصيل حسن: أنه يستحب للإمام أن ينصرف إذا قال ذلك ويبقى في مجلس آخر في المسجد - كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ذي اليدين – أو ينصرف عن المسجد فيسبح الله في طريقه، لأن الحديث المتقدم في النبي صلى الله عليه وسلم أبي بكر وكانا إمامين – هذا ما لم يكن هناك نسوة – وأما المأمومون فإنهم يستحب لهم أن يجلسوا مصلاهم فيذكروا الله فيه - للحديث المتقدم – فإنه فيه الترغيب في ذلك.
ولمصلحة أخرى وهي أن في استعجال المأمومين في الخروج وقد يكون ذلك قبل خروج الإمام أن فيه مفسدة متوقعة وهي أن يكون في الصلاة نقص، أو أن يحب الإمام إرشاد الناس وتعليمهم فيسبقوه بالانصراف – فلو قيل بهذا التفصيل فهو حسن.
– وفي انصراف الإمام عن مكانه تمام للإخلاص في الذكر وأكثر إقبالاً على الله تعالى.
ويستحب له أن يذكر الله تعالى بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم فمن ذلك ما ثبت في مسلم من حديث ابن الزبير: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سلم يقول: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون) 1
وثبت في مسلم من حديث المغيرة بن شعبة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا انصرف من صلاته: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد) 2
وفي النسائي وابن خزيمة بإسناد صحيح: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) 3 ثلاث مرات.
وفي الطبراني بإسناد صحيح: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له يحي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير هو على كل شيء قدير) 4
ويستحب له أن يسبح الله ويحمده ويكبره، ويهلله في نوع من الذكر الوارد وقد وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنواع من الذكر بعد صلاته المكتوبة وهي: 1- أن يسبح الله ثلاثاً وثلاثين ويكبره ثلاثاً وثلاثين ويحمده ثلاثاً وثلاثين؛ لما في المتفق عليه من حديث أبي هريرة من حديث: (ذهب أهل الدثور بالأجور ... ) وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين) وفي رواية قال بعض الرواة: (حتى يكون منهن كلهن ثلاثاً وثلاثون 1) 2 . 2- أن يسبح الله ثلاثاً وثلاثين ويحمده ثلاثاً وثلاثين ويكبره ثلاثاً وثلاثين، ويقول: تمام المائة: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) ؛ لما ثبت في مسلم من حديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من سبَّح الله دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وحمد الله ثلاثا وثلاثين، وكبر الله ثلاثا وثلاثين، وقال: تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر) 3
3- أن يسبح ثلاثاً وثلاثين، ويحمده ثلاثاً وثلاثين ويكبره أربعاً وثلاثين.
لما ثبت في مسلم من حديث كعب بن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (معقبات لا يخيب قائلهن أو فاعلهن يسبح الله دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين ويكبره أربعاً وثلاثين) 1
4- أن يسبح الله عشراً ويحمده عشراً ويكبره عشراً، وهو ثابت في مسند أحمد وسنن الأربعة بإسناد صحيح من حديث عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خصلتان أو خلتان من حافظ عليهن دخل الجنة هما قليل ومن يحافظ عليهن قليل أن يسبح الله دبر كل صلاة مكتوبة عشراً ويحمده عشراً ويكبره عشراً، فذلك مائة وخمسون باللسان وألف وخمسمائة في الميزان، ويكبر الله أربعاً وثلاثين عند مضجعه ويحمده ثلاثاً وثلاثين ويسبحه ثلاثاً وثلاثين فذلك مائة باللسان وألف في الميزان) 2
5- أن يسبح الله خمساً وعشرين ويحمده خمساً وعشرين ويكبره خمساً وعشرين ويهلله خمساً وعشرين.
لما ثبت في الترمذي والنسائي بإسناد صحيح، أن النبي صلى الله عليه وسلم علم أصحابه أن يسبحوا دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، ويحمده ثلاثاً وثلاثين، ويكبره أربعاً وثلاثين فرأى رجل من الأنصار أن قائلاً يقول: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمكم أن تسبحوا الله ثلاثاً وثلاثين وتحمدوه ثلاثاً وثلاثين وتكبروه أربعاً وثلاثين فاجعلوها خمساً وعشرين واجعلوا فيها التهليل) فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: (اجعلوها كذلك) وفي رواية: (فافعلوا) 1
وظاهر هذا: تفضيل هذا النوع على النوع المتقدم من أن يسبح الله ثلاثاً وثلاثين ويحمده ثلاثاً وثلاثين ويكبره أربعاً وثلاثين، والله أعلم.
ويستحب له أن يقرأ آية الكرسي لما ثبت في سنن النسائي بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قرأ آية الكرسي بعد كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت) 23
وعند الطبراني: استحباب قراءة " قل هو الله أحد " 1 وإسناده صحيح بعد كل صلاة.
وفي مسند أحمد وسنن أبي داود والترمذي من حديث عقبة بن عامر قال: (أمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أقرأ بالمعوذتين دبر كل صلاة) 234
والظاهر أن ذلك عام في الصلوات المكتوبة كلها، وأما مضاعفة ذلك في صلاة المغرب والفجر فالظاهر أن ذلك ليس لصلاة المغرب والفجر، وإنما ذلك للمساء والصباح فهو من أذكار الصباح والمساء.
ويستحب له أن يعقد التسبيح والتحميد والتكبير – بيده اليمنى لما ثبت في الترمذي والحاكم بإسناد صحيح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعقد التسبيح بيمينه) 1
ويستحب أن يكون عقده بأنامله لما ثبت في أبو داود ومسند أحمد والحديث حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للنساء: (واعقدن بالأنامل فإنهن مسؤولات مستنطقات) 2
والأنامل: جمع أنمله وهي أعلى الإصبع.
وإن عقد بأصابعه فلا بأس، فيكون من باب ذكر البعض وإرادة الكل، وإن عقد بأنامله فهو أولى لموافقة اللفظ.
- ولا يستحب له أن يكون بغير الأنامل كأن يعقد بحصى ونحوها.
- وهل يستحب له أن يرفع صوته بالذكر بعد الصلاة المكتوبة أم لا؟
قولان لأهل العلم:
1- مذهب جمهور أهل العلم: إلى أن المستحب له أن يسر به، للحديث المتفق عليه وأن النبي صلى الله عليه وسلم سمع أصحابه في سفر وقد رفعوا أصواتهم بالذكر فقال: (اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً ... .) 1 .
قالوا: فهذا يدل على أن المستحب هو خفض الصوت بالذكر وعدم الرفع فيه.
2- وذهب طائفة من السلف والخلف وهو اختيار شيخ الإسلام: إلى استحباب رفع الصوت بالذكر.
واستدلوا: بالحديث المتفق عليه من حديث ابن عباس قال: (كان رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم) وفي رواية: (كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته) 2 قالوا: فهذا الحديث واضح ظاهر في مشروعية ذلك، فهذا ابن عباس يخبر أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وحيث كان على عهده صلى الله عليه وسلم فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أقره، وحيث أن النبي صلى الله عليه وسلم أقره من أصحابه فيبعد أن أصحابه كانوا يفعلونه من تلقاء أنفسهم وإنما كانوا يقتدون به عليه الصلاة والسلام.
وهذا القول هو الراجح لهذا الحديث المتفق عليه.
وأجيب عنه: بأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما فعل ذلك للتعليم فحيث اُحتيج إلى التعليم استحب وإلا فلا.
والجواب على ذلك: إنه لا دليل على ذلك، بل الحديث فيه أنهم كانوا يرفعون أصواتهم بالذكر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم عامة وليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما فعل ذلك للتعليم فهذا تقييد لا دليل عليه.
ثم لو كان المراد منه التعليم، وسلمنا أن التعليم يحتاج إلى فترة زمنية محددة لما كان ذلك في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كله ولاكتفى برفع الصوت بقدر التعليم، فلما تعلم الناس اكتفى عن ذلك.
كما أن التعليم لا يحتاج إلى أن يرفع الناس أصواتهم بالذكر، بل إذا اكتفى الإمام برفع صوته بالذكر اكتفى بذلك ولم يشرع لبقية الناس.
ثم إنَّا لا نسلم أن التعليم يكتفى به لفترة زمنية محدودة بل الناس محتاجون إلى التعليم، والتعليم في كل زمن، فلا يخلو زمن من جاهل يحتاج إلى تعليم الذكر الوارد.
فإن قيل: إن فيه تشويشاً على المتم صلاته؟
فالجواب: أن هذا الوقت حق لهذا الذاكر فإن الأصل أن يصلي المأمومون مع الإمام فينصرفوا جميعاً، أما هذا المتم صلاته فإن الأصل فيه أن ينصرف مع الناس.
الأدعية الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في سنن النسائي وأبي داود بإسناد صحيح من حديث معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (يا معاذ إني أحبك فلا تدعن دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) 1
- متى يقال هذا الدعاء ونحوه قبل السلام أم بعده؟
في ذلك قولان:
الأول: أنه يقوله بعد سلامه لظاهر قوله: " دبر كل صلاة "
والثاني: أنه يقوله بعد تشهده قبل السلام، وهذا القول هو الراجح، وهذا اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وإنما رجح ذلك:
لأن دبر الصلاة يطلق ويراد به آخرها مما هو منها، ويطلق ويراد به ما بعدها، كما أن دبر كل شيء كذلك، فدبر كل شيء هو آخره أو هو ما بعده.
وإنما رجحنا هنا: أن يكون بمعنى آخرها قبل سلامها: لأن الدعاء الأولى فيه أن يكون حال الإقبال على الله ومناجاته وإنما هذا قبل سلامه، فلا يليق أنه إذا انصرف وسلم وأقبل على المخلوقين بعد انصرافه من خطاب الله تعالى أن يدعو الله بل اللائق أن يدعو الله قبل سلامه، لذا في الحديث بعد التشهد: (ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو) 1 استدراك: الإجابة على ما استدل به الجمهور في عدم سنية رفع الصوت بالذكر بعد الصلاة؟ أن يقال: هذا حديث عام وحديثنا خاص، والمقرر هو الإسرار كالنية فإن المقرر فيها أن تكون في القلب وألا يتلفظ بالمنوي به، هذه قاعدة لكن وردت النصوص بالتلفظ بالنية في الأضحية والحج فنخصص ذلك ويكون هذا لمعان رجحت ذلك.
وهنا كذلك، فإن الأصل بالذكر أن يكون بصوت خافض لأنه هو الأليق، فإن الله ليس بأصم ولا غائب.
لكن في هذا الموضع رجح رفع الصوت بالذكر لمعان منها: إظهار هذه الشعيرة ومعرفة الناس انصراف الإمام بذلك، فقد يكون صوت الإمام غير واضح بسلامه فيسمع برفع الصوت بالذكر ونحو ذلك من المعاني، وأظهرها إظهار هذه الشعيرة.
فهذه معان رجحت الرفع على الخفض.
وبهذا انتهى من صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم والحمد لله رب العالمين فصل الدرس الثاني والثمانون (يوم الاثنين: 7 / 4 / 1415هـ)
هذا فصل في مكروهات الصلاة وشيء من مستحباتها، وكذلك البحث في مبطلاتها.
قال المؤلف رحمه الله: (ويكره في الصلاة التفاته)
المكروه هو: ما يثاب العبد على تركه امتثالاً، ولا يأثم على فعله.
فيكره في الصلاة الالتفات، أي أن يلتفت عن يمينه وشماله برأسه وهذا باتفاق أهل العلم.
أما الالتفات ببدنه فهذا مبطل للصلاة؛ لأنه ينقل عن القبلة، فإذا التفت حتى استدار عن القبلة وانحرف عنها فصلاته باطلة.
أما الالتفات برأسه فإنه مكروه كما تقدم، لما ثبت في البخاري عن عائشة قالت: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الالتفات في الصلاة فقال: (هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد) 1 والاختلاس هو الاختطاف بسرعة.
وفي أبي داود – والحديث حسن – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يزال الله عز وجل مقبلاً على العبد وهو في صلاته ما لم يلتفت، فإذا التفت انصرف عنه) 2 فهذا يدل على كراهيته.
والذي يدل على جوازه للحاجة وزوال الكراهية بها كأن يسمع صوتاً أو حركة فيحتاج إلى الالتفات؛ ما ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح من حديث سهل بن الحنظلية قال: (ثُوِّب بالصلاة – يعني صلاة الصبح – فجعل النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم يصلي ويلتفت إلى الشعب) قال: وكان أرسل فارساً إلى الشعب من الليل يحرس " 1 فهو مكروه ليس بمبطل للصلاة وهذا مذهب عامة أهل العلم لكن هذه الكراهية تزول حيث اُحتيج إليه.
قال: (ورفع بصره إلى السماء) أي يكره رفع بصره إلى السماء وهو يصلي، لما ثبت في البخاري من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة أو ليتخطفن أبصارهم) 2
ورواه مسلم من حديث أبي هريرة نحوه 1 ، ورواه أيضاً من حديث جابر بن سمرة وفيه: (لينتهون 2 عن ذلك أو لا ترجع إليهم) 3 وهذا الحديث ظاهره فوق الكراهية، فإن ظاهره التحريم وهو قول في مذهب أحمد، وهو مذهب الظاهرية ومذهب الظاهرية أن الصلاة تبطل به.
والراجح أنها لا تبطل فهو محرم لا تبطل الصلاة به.
أما كونه محرماً فلظاهر الحديث المتقدم، فإن فيه وعيداً ولا يكون الوعيد إلى على فعل محرم.
لكنه لا تبطل به الصلاة خلافاً للظاهرية لأن النهي لا يعود إلى ذاتها، فالصلاة قد ثبتت بشروطها وأركانها وهذا خارج عن ذاتها.
إذن الراجح: أنه محرم كما هو قول في المذهب وهو مذهب الظاهرية، والراجح عدم بطلان الصلاة به وهو قول في المذهب خلافاً للظاهرية.
قال: (وتغميض عينيه) فيكره في الصلاة تغميض عينيه، فالمستحب له أن يفتحهما واستدلوا: بمجموع الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في مسائل وفيها دلالة على أنه كان يفتح عينيه في الصلاة فمن ذلك: أنه كان يرمي ببصره إلى موضع سجوده 4567
، وكذلك أنه كان يرمي ببصره إلى إشارته 1 وكذلك الحديث المتفق عليه في قصة انبجانية أبي جهم وفيه: (فنظر إلى أعلامها نظرة) 3 وكذلك حديث سهل بن الحنظلية المتقدم، فهذه الأحاديث وغيرها بمجموعها تفيد أنه – صلى الله عليه وسلم – كان يفتح عينيه فيها.
وكرهه الإمام أحمد وغيره من أهل العلم؛ لكونه من فعل اليهود كما قال الإمام أحمد وسفيان بن عيينة وغيرهم.2
فعلى ثبوت ذلك وهو قول هؤلاء الأئمة الذي يتلقى خبرهم بالقبول - على قولهم - يكون ذلك محرماً لأن التشبه باليهود وغيرهم من الكفار محرَّم، لحديث: (من تشبه بقوم فهو منهم) 1
- وذهب طائفة من أهل العلم – كما قال ذلك ابن القيم في زاد المعاد –: إلى إباحة ذلك.
واختار ابن القيم التفصيل في هذه المسألة: فقال: إن كان الخشوع يثبت مع فتح عينيه فهو المستحب له، ولا يغمض عينيه.
وإن كان أمامه شيء يحول بينه وبين الخشوع كزخرفة وبريق ونحوه يشوش عليه صلاته وكان في تغميض عينيه خشوع فهو المستحب له قطعاً، واستحبابه أقرب إلى مقاصد الشرع من القول بكراهيته.
قال شيخنا حفظه الله: " والذي تميل إليه النفس ما ذهب إليه أهل القول الأول مع ثبوت ما ذكروه من فعل اليهود، وحيث كان ذلك فإنه لا يشرع مطلقاً، بل القول بتحريمه أظهر لحديث: (من تشبه بقوم فهو منهم) " ومعلوم أن المصلي غالباً تحول بينه وبين القبلة لا سيما إذا كان في فضاء ومع ذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يفتح عينيه.
ومع ذلك فإن سنة النبي صلى الله عليه وسلم هي فتح العينين.
فالأظهر أن ذلك مكروه مطلقاً بل القول بتحريمه قول قوي؛ لأنه من فعل اليهود وفي الحديث: (من تشبه بقوم فهو منهم)
قال: (وإقعاؤه)
فيكره ذلك أي الإقعاء.
وصفته: عندهم: أن يجلس على عقبيه فقالوا: هذا مكروه.
وأما إقعاء الكلب وهو أن يجلس على أليته 1 وينصب فخذيه فهو مكروه اتفاقاً لحديث عائشة في صحيح مسلم وفيه: (وكان ينهى عن عقبة الشيطان) 2 وهو إقعاء الكلب كما فسره أبو عبيدة وغيره.
أما الإقعاء المتقدم – وهو أن يجلس على عقبيه فهو مكروه عند الحنابلة، واستدلوا: بما روى ابن ماجه أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى عن الإقعاء بين السجدتين) 3 .
والصحيح عدم كراهية ذلك وعليه عمل العبادلة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وبه ثبتت السنة فقد ثبت في مسلم من حديث ابن عباس: أنه قال له طاووس وسأله عن الإقعاء فقال: (هو السنة، فقال: إنا نراه من جفاء الرجل فقال: سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم) 4 .
فهو إذن من السنن الثابتة – وهذا القول هو رواية عن الإمام أحمد – خلافاً للرواية الأخرى المشهورة.
ويكره له أن يعتمد على يديه في الصلاة، لما ثبت في مسند أحمد وسنن أبي داود بإسناد صحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى أن يقعد الرجل في الصلاة معتمداً على يديه) 1 وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح أن ابن عمر: (رأى رجلاً وهو يصلي وقد اعتمد على يده اليسرى ومال إلى شقه الأيسر فقال: لا تجلس هكذا، فإن هكذا يجلس الذين يعذبون) 3 فهذه الجلسة في الصلاة منهي عنها وهي أن يجلس معتمداً على يديه أو أحدهما.
قال: (وافتراش ذراعيه ساجداً)
تقدم أن الصفة المستحبة في السجود أن يضع كفيه ويرفع مرفقيه.
فإذا افترش ذراعيه بأن يضع مرفقيه على الأرض باسطاً ذراعيه فإن هذا مكروه عند الحنابلة لما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اعتدلوا في السجود ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب) 4 وظاهره تحريم ذلك.
قال: (وعبثه)
يكره في الصلاة أن يعبث بيديه أو ثوبه أو نحو ذلك؛ لأن في ذلك منافاة للخشوع، وحيث كان كذلك كان مكروهاً وهذا باتفاق أهل العلم.
وهذا ما لم يكن هذا العبث كثيراً يخرجه عن الصلاة فإنه يكون مبطلاً لها – كما سيأتي تقريره إن شاء الله.
قال: (وتخصره)2
التخصر هو أن يضع يديه على خاصرته أي شاكلته وقد صرح المؤلف بكراهيته كما هو المذهب ودليل ذلك: ما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى أن يصلي الرجل مختصراً) 1 .
وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح من حديث زياد بن صُبيح: (أنه صلى إلى جنب ابن عمر فوضع يده على خاصرته فلما انصرف – أي ابن عمر – قال: هذا الصلب في الصلاة وكان النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عنه) 2
وهذا النهي هل هو للتحريم أم للكراهية؟
ظاهر النهي التحريم.
وقد صرح الحنابلة بالكراهية، والظاهر تحريم ذلك ويؤكده ما ثبت في البخاري عن عائشة: (أن هذا فعل اليهود في صلاتهم) 3 .
فالراجح أن الاختصار في الصلاة منهي عنه نهي تحريم لأنه من فعل اليهود، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه وظاهر النهي التحريم.
قال: (وتروحه)
أي تروحه بمروحة ونحوها فيكره ذلك؛ لأنه عبث في الصلاة وينافي الخشوع.
لكن إن احتاج إليه كأن يكون هناك حر شديد فيحرك يده بشيء ليحرك الهواء إلى بدنه من غير أن يكون ذلك مبطلاً للصلاة بأن يكون كثيراً عرفاً – فإنه لا بأس به للحاجة إليه أما دون حاجة فهو مكروه لأنه عبث.
وأما المراوحة بين القدمين: وهي أن يتكئ على أحد رجليه بثقل بدنه، فتكون القدم الأخرى في راحة من حمل بدنه، ثم يحمل بدنه على القدم الأخرى – هذه تسمى المراوحة.
وقد ورد في النسائي عن أبي عبيدة عن ابن مسعود: (أنه رأى رجلاً وقد رص 1 قدميه فقال: (أخطأ هذا السنة لو رواح في صلاته لكان ذلك أعجب إليّ) 2 .
واستدل به الإمام أحمد على استحباب ذلك، لكن الحديث ضعيف للانقطاع بين أبي عبيدة وأبيه ولكن مع ذلك يقوى القول باستحبابه حيث طال القيام لما فيه من الثبوت على العبادة وتهيئة النفس للاستمرار عليها لأنه إذا فعل ذلك فتكون عنده قدرة على الإطالة أكثر مما لو لم يفعل ذلك.
قال الأثرم: (رأيت أبا عبد الله وهو يصلي وقد فرَّج بين قدميه ورأيته وهو يراوح بينهما)
فاستحب ذلك الإمام أحمد، ولو قيل باستحبابه لكان قوياً لما فيه من التشجيع على الإطالة.
وقوله: (رأيت أبا عبد الله وهو يصلي وقد فرَّج بين قدميه)
هذا هو الأولى، لأن قبل هذا الفعل يجعل القدمين على طبيعتها، وحيث لم يرد نص في قدميه حال القيام فإنه يبقيهما على الطبيعة، وطبيعتهما أن يكونا بحيال المنكبين، فليستا بمرصوصتين بل يكون مفرجاً بينهما.
ومما يدل على ذلك: أن المصلي يستحب له أن يلزق كعبه بكعب صاحبه ومنكبيه بمنكبه وحيث كان ذلك فإنه لا يثبت إلا بأن يفرج بين قدميه، فعلى ذلك رص القدمين حال القيام غير مشروع، بل المستحب التفريج بينهما.
قال: (وفرقعة أصابعه)
أي يكره أن يفرقع أصابعه في الصلاة، لأنه عبث وهو – أي العبث – مكروه اتفاقاً.
وفي ابن أبي شيبة بإسناد صحيح: (أن شبيبة مولى ابن عباس صلى إلى جنب ابن عباس ففقع أصابعه فلما انصرف قال له ابن عباس: لا أم لك تفقع وأنت في الصلاة) 1 فهذا إنكار منه لذلك يدل على أنه مكروه.
قال: (وتشبيكهما)2
فتشبيك الأصابع مكروه، لما ثبت عند الدارمي بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا توضأ أحدكم في بيته ثم أتى المسجد فهو في صلاة فلا يفعل هكذا وشبّك بين أصابعه) 1 فإذا كان يكره له هذا وهو في طريقه إلى المسجد لكونه في حكم المصلين، فأولى من ذلك أن يكره أثناء الصلاة.
وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح أن ابن عمر سئل عن التشبيك في الصلاة فقال: (تلك صلاة المغضوب عليهم) 2 ويحتمل أن يكون المراد بهم اليهود لأنهم هم المغضوب عليهم وحيث كان هذا فهو يقوي التحريم لأنه تشبه بهم.
وحيث قلنا بالإطلاق أي عامة المغضوب عليهم فينهى العبد عن التشبه بهم لحديث: (من تشبه بقوم فهو منهم) ، وظاهر الحديث: (فلا يفعل هكذا، وشبك بين أصابعه) ظاهره التحريم.
والحمد لله رب العالمين.
الدرس الثالث والثمانون (يوم الثلاثاء: 8 / 4 / 1415 هـ)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وأن يكون حاقناً)
فيكره أن يصلي وهو حاقن، والحاقن: هو المحتسب بوله ومثله من احتبس غائطه أو ريحه، فإن الصلاة تكون مكروهة في هذه الحال، لأن هذا ينافي كمالها ويؤثر في الخشوع بها والإقبال على الله فيها.
ويدل عليه: ما ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان) 1 أي الغائط والبول ومثل ذلك الريح فإن الصلاة تكون مكروهة.
لكن الصلاة تصح إجماعاً كما حكاه ابن عبد البر.
ولهذا الإجماع فإن الحديث يؤول على (لا صلاة كاملة) أو - لو قلنا بالتحريم - (لا صلاة جائزة) ولا يقال: (لا صلاة صحيحة) لإجماع أهل العلم على صحة الصلاة فهذا الفعل مكروه أو محرم لظاهر الحديث المتقدم لكن الصلاة صحيحة إجماعاً.
قال: (أو بحضرة طعام يشتهيه)
أي تتوق إليه نفسه، فإن الصلاة مكروهة أيضاً للحديث المتقدم: (لا صلاة بحضرة طعام) ، ولما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قدم العشاء فابدؤا به قبل أن تصلوا المغرب ولا تعجلوا [عن] عشاءكم) 2 وثبت في البخاري نحوه من حديث ابن عمر – نحوه – وفيه: (وكان ابن عمر يوضع له الطعام وتقام الصلاة، فلا يعجل عن عشائه حتى يفرغ وإنه ليسمع قراءة الإمام) 3 .
وثبت في ابن شيبة بإسناد صحيح: (أن ابن عباس وأبا هريرة كانا يأكلان طعاماً في التنور شواء، فأراد المؤذن أن يقيم فقال له ابن عباس: لا تقم لئلا نعجل وفي أنفسنا شيء) وفي رواية (لئلا يعرض في الصلاة) 1 .
وفي هذا الأثر الصحيح يتبين أن هذا إنما هو خاص فيما إذا كان الطعام تتوق إليه النفس ويشتهى، وللنفس حاجة إليه – فيخشى أن يعرض في الصلاة فيؤثر في خشوعها، ومما يدل أنه ليس في مطلق الطعام ما ثبت في البخاري من حديث عمرو بن أمية قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يأكل كتفاً يجتز منها فدعي إلى الصلاة فطرح السكين فصلى ولم يتوضأ) 2 .
فهذا يدل على أنه إذا كان عنده طعام لا يشتهيه وليس للنفس حاجة فيه فإنه يصلي.
وإنما الذي ينهى عن الصلاة حيث وجد هو الذي تتوق إليه النفس 3 .
ومثل ذلك الشراب والجماع قياساً وقال صاحب الإنصاف: " بل هما أولى بالكراهية ".
فعلى ذلك يكره له أن يصلي حاقناً أو بحضرة طعام يشتهيه وإن أدى ذلك إلى فوات الجماعة.
لكن إن أدى ذلك إلى خروج وقت الصلاة فلا، لأن فوات الخشوع أهون من خروج وقت الصلاة وفواتها فإنه إذا صلاها بعد الوقت فإنه يكون قد خرج عليه وقتها، ولا شك أن فوات الخشوع أهون من فوات الصلاة.
فعلى ذلك: لا صلاة حيث كان الوقت متسعاً، أما إذا كان ضيقاً ويخشى خروج الوقت وفوات الصلاة فإنه يصلي على حاله ويجب عليه ذلك لئلا يخرج وقت الصلاة.
قال: (وتكرار الفاتحة)
فهو مكروه في الصلاة، وذلك لأنه 1 لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم وكان لا يكررها بل يقرؤها في كل ركعة من صلاته بلا تكرار وحيث كان ذلك، فإن هذا الفعل من المكرر خلاف هديه عليه الصلاة والسلام وحيث كان ذلك فهو محدث في الدين.
قال: (ولا جمع سور في فرض كنفل)
أي لا يكره جمع سور، فلو جمع السور في الركعة فلا يكره ذلك، وقد تقدمت الأدلة على ذلك كقراءته – صلى الله عليه وسلم – البقرة والنساء وآل عمران في ركعة 2 وكقول ابن مسعود: إنه يعرف القرائن التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرن بها في الصلاة 3 .
وقراءة الرجل بقل هو الله أحد وسورة في كل ركعة 4 .
فلا يكره أن يجمع بين السورتين فأكثر في الركعة، لا كراهية فرضاً ولا نفلاً كما تقدم في الأحاديث.
وإنما قال: (كنفل) لأن النفل مجمع عليه، فكذلك الفرض؛ لأن ما ثبت نفلاً فهو ثابت فرضاً، فلم يثبت دليل يدل على التخصيص.
على أن الأحاديث الواردة في هذا الباب منها ما هو في الفريضة كما كان من الإمام الذي يفتتح قراءته بعد الفاتحة بـ ﴿قل هو الله أحد﴾ فإنها كانت في الفريضة 1 .
ومما يكره له الإكثار من تسوية التراب حيث يسجد، فإنه مكروه أو خلاف الأولى.
لما ثبت في الصحيحين من حديث معيقيب أن النبي صلى الله عليه وسلم: (سئل عن الرجل يسوي التراب حيث يسجد فقال: (إن كان لابد فاعلاً فواحدة) 2 ، أما الإكثار من ذلك فإنه مكروه أو خلاف الأولى فإن كان لابد فاعلاً فليكتفي بواحدة يسوي بها التراب وإلا فإنه ينبغي أن يسوي التراب قبل صلاته لئلا ينشغل بتسويته أثناء الصلاة.
ومثل ذلك – أيضاً – مسح التراب عن الجبهة فإنه خلاف الأولى.
يدل عليه: ما رواه البيهقي عن ابن مسعود أنه قال: (أربع من الجفاء أن يبول الرجل قائماً " والسنة وردت بخلاف ذلك والحجة في قول النبي صلى الله عليه وسلم لا غيره " وصلاة الرجل والناس يمرون بين يديه وليس بين يديه شيء يستره ومسح التراب عن جبهته وأن يسمع المؤذن فلا يجيبه [في قوله] ) 1 فهذه هن الجفاء وهو غير مشروع في الصلاة فعلى ذلك هو خلاف الأولى أو مكروه.
فيكره أن يمسح التراب عن وجهه وهو يصلي وأولى من ذلك الإكثار منه لما فيه من الانشغال والإقبال على أمر آخر في الصلاة.
ويكره ألا يكظم التثاؤب أو أن لا يضع يده على فيه، فقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا تثاءب أحدكم - في الترمذي: في الصلاة - فليكظم ما استطاع) وفي مسلم: (فليمسك يده على فيه فإن الشيطان يدخل) 1
قالوا: ويكره له أن يصلي إلى نار أو قنديل أو نحو ذلك كأن يصلي إلى مدفئة ونحوها مما هو نار.
وظاهر ذلك – وهو قول – أنه يكره أن يصلي إلى شيء من الضوء وإن كان متولداً من كهرب ونحوه لأنه نار، فهذا كله مكروه، وهو مذهب الشافعية أيضاً.
واستدلوا بأن هذا من فعل المجوس من كونهم يصلون إلى نيرانهم فيكون في ذلك تشبه بهم.
وهو قول طائفة من السلف كابن سيرين ومقتضى هذا التعليل التحريم؛ لأن من تشبه بقوم فهو منهم.
وظاهر تبويب البخاري جواز ذلك حيث قال: (باب: من صلى وقدامه شيء من تنور أو نار أو شيء مما يعبد فأراد به الله) وذكر الحديث في صلاة الكسوف وفيه: (وعرضت لي النار وأنا أصلي) 1 فهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد عرضت له النار فكانت بين يديه وهو يصلي، ولو كان ذلك مكروهاً لما كان ذلك بين يديه.
وما ذهبت إليه البخاري أظهر وذلك لما استدل به من حديث النبي صلى الله عليه وسلم ولما ثبت في سنن النسائي وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (استتر بشجرة وصلى إليها) 2 ومعلوم أن الشجرة تعبد من دون الله.
وهذا العبد يصلي وبين يديه الأحجار، بل الكعبة التي يتوجه إليها المسلمون إنما هي من الأحجار، ومعلوم أن الأحجار تعبد من دون الله: لكن العبد أراد بتوجهه الله تعالى.
وأما ما ذكروه من أن ذلك فيه تشبه بالمجوس.
فيجاب عنه: أن هذه النار التي عرضت بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وأن هذا القنديل الذي يصلي إليه العبد ونحو ذلك أنه ليس هو ذات النار التي تعبد من دون الله.
فإن النار أنواعها كثيرة، وأما النار التي عبدت من دون الله فهي بخصوصها ينهى عن التوجه إليها، وأما أن يتوجه إلى نار أخرى فإنه لا يقال: إنه توجه إلى شيء يعبد من دون الله بذاته بل توجه إلى جنس ذلك.
فالنار التي تعبد من دون الله لا يجوز للعبد أن يصلي إليها لما فيه من التشبه بالمجوس، وأما عموم النار فإنه لا يمنع من ذلك؛لأن من النار ما لا يتوجه إليه ولا يصرف العبادة إليه.
كما أنه لو صلى بين يديه صنم يعبد من دون الله فإنه يمنع من ذلك، " فإن صلى وبين يديه حجارة ونحو ذلك لا يعبد، فلا يمنع من ذلك " 1 .
فالأرجح ما ذهب إليه البخاري في صحيحه، هو ظاهر تبويبه، وأن الصلاة إلى قنديل أو نار أو شمعة أنه ليس بمكروه خلافاً للشافعية والحنابلة.
قال: (وله رد المار بين يديه)
بل يسن له ذلك، فإن ظاهر لفظه " له " أنه يباح لكن ذلك مسنون ومستحب عند الحنابلة في المشهور عندهم لذا ذكر الشارح في الشرح بعد لفظة " ويسن ".
ودليل ذلك، ما ثبت في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان) 2 وفي مسلم من حديث ابن عمر: (فإن معه القرين) وبه يفسر قوله " فإنما هو شيطان " أي معه شيطان أو القرين.
أو أنه فعل ما يفعله الشيطان من تنقيص صلاة العبد وصرف قلبه عنها بمروره بين يديه.
فيشرع له أن يدفع المار بين يديه، فإن أبى فليقاتله أي يدفعه دفعاً شديداً، ومما يدل على أن المراد ذلك قصة هذا الحديث فقد بين في الصحيحين: (أنه صلى في يوم جمعة وبين يديه شيء يستره من الناس فأراد شاب من بني أبي مُعيط أن يجتاز بين يديه فدفعه في نحره فنظر الشاب فلم يجد مساغاً فعاد يجتاز فدفعه أشد من الأولى) 1 وحينئذٍ: لو ترتب على دفعه أذى في بدنه فإنه لا يضمنه لأن ما ترتب على المأذون فهو غير مضمون.
- وعن الإمام أحمد: وجوب ذلك وهو الراجح لقول النبي صلى الله عليه وسلم " فليدفعه " وظاهر الأمر الوجوب.
إذن: عن الإمام أحمد روايتان: أصحهما وهي غير المشهورة عنه وجوب ذلك لظاهر الحديث وقد قال صلى الله عليه وسلم: (لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خير له من أن يمر بين يديه) 2 فلا يجوز له أن يمر بين يدي المصلي سواء كان بين يديه سترة أم لا، بأن يمر بين يديه في موضع صلاته.
وللمصلي اتفاقاً دفعه إن مر وهل هو واجب أو مستحب؟ الراجح وجوبه كما هو رواية عن الإمام أحمد.
قال: (وعد الآي)
له أن يعد آيات القرآن التي يقرؤها، وهو وارد عن طائفة من السلف؛ وهل له أن يعد التسبيح فيه قولان في المذهب، وقد توقف الإمام أحمد فيه لعدم وروده عن أحد من السلف، وأجازه طائفة من أصحابه.
فعلى ذلك: عد الآي وجه واحد في المذهب أنه مباح وليس بمكروه، وأما التسبيح فهل يكره أم يباح؟
قولان في المذهب:
الصحيح في المذهب عندهم أنه يباح أيضاً.
وذهب الشافعية والأحناف: إلى أنه مكروه.