شرح زاد المستقنع للحمدصفحات 121-160
أهل الأثرالأرشيف العلمي

حيث وجب الدم سواء كان ذلك على التخيير كما يكون في فدية الأذى – فإن الواجب دم أو صيام أو إطعام – أو كان ذلك في ترك واجب من واجبات الحج فإنه يجب عليه دم – كما سيأتي ذكره إن شاء الله – فالدم شاة.
قال تعالى: ﴿ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾ وفسر النبي صلى الله عليه وسلم النسك بقوله في حديث كعب بن عجرة المتفق عليه بقوله: (أو ذبح شاة) وقال تعالى: ﴿فما استيسر من الهدي﴾ فيصدق ذلك على الشاة فالدم شاة أو سبع بدنة ويجزئ عن البدنة بقرة.
فالدم شاة أو سبع بدنة أو سبع بقرة.
أما الشاة فقد تقدم الاستدلال عليها.
وأما البقر والإبل فقد ثبت في مسلم عن جابر قال: (اشتركنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في الحج والعمرة كل سبعة في بدنة فقيل له: أيشترك في البقرة؟ فقال: ما هي إلا من البدن) 1 وثبت في مسلم عن جابر قال: (أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة في بدنة) 2 وليس كل بقرة أو بعير أو شاة تجزئ، وسيأتي شروط ما يهدى ويضحى ونحوه.
والحمد لله رب العالمين.

باب: جزاء الصيد تقدم في درس سابق ذكر بعض مسائل الصيد، وما فيه من الجزاء.
وهنا مسألة: - تقدم ذكرها – إذا أشار المحرم أو دل على صيد فهل عليه الجزاء مع ثبوت الإثم أم لا يثبت إلا الإثم؟ في هذه المسألة صورتان: الصورة الأولى: أن يدل المحرم حلالاً.
الصورة الثانية: أن يدل المحرم أو يشير إلى محرم مثله.

  • أما الصورة الأولى: وهي ما إذا دل المحرم حلالاً على صيد فصاده المحل: 1- قال الحنابلة: عليه مع الإثم الجزاء فيجب عليه الجزاء – أي على الدال المحرم -.

قالوا: لأنه قد حرم عليه أن يأكل منه كما في قوله صلى الله عليه وسلم: (هل منكم أحد أمره أو أشار إليه بشيء؟ فقالوا: لا قال: فكلوا مما بقي من لحمه) 1 قالوا: فيترتب على تحريم الأكل وجوب الجزاء.
وهذا ليس بظاهر، فإنه لا يظهر بترتب الجزاء على تحريم الأكل، فإنه من صيد لأجله يحرم عليه الأكل ولا يترتب على ذلك جزاء اتفاقاً ما لم يكن منه دلالة أو إشارة.
قالوا: ولنا دليل آخر، وهو أن الضمان لا يجب على المُحِل وهو المباشر للصيد، فلا يجب عليه الضمان لأنه محل، والضمان إنما يجب على المحرم، ومن باشر الصيد محل فينتقل الضمان إلى المتسبب وهو هذا المحرم الذي دل أو أشار.
وهذه قاعدة سيأتي ذكرها في الكلام على الحدود، وهي: أن الضمان يجب على المتسبب إن لم يمكن أن يكون على المباشر.
كأن يرمي رجل رجلاً عند أسد فيأكله، فإن الضمان لا يمكن أن يكون على المباشر فحينئذٍ يلزم المتسبب، وهذه قاعدة.
قالوا: فهنا كذلك.
هذا هو مذهب الحنابلة، وهو مذهب جمهور أهل العلم.
2- وقال الشافعية: لا يجب عليه الجزاء بل عليه الإثم فحسب.
قالوا: لأن الله عز وجل إنما رتب الجزاء على قتل الصيد والصيد لم يقتل، لأن فِعل المحل للصيد ليس بقتل للصيد، فقد صاده من غير أن يكون ذلك قتلاً، فهو صيد صحيح، ولذا يجوز للمحل أن يأكله فهو ليس بمقتول، فهو صيد حينئذٍ.
وهذا القول أظهر، لأن القاعدة المتقدم ذكرها وإن كانت صحيحة وهي وجوب الضمان على المتسبب إن لم يمكن وجوبه على المباشر فهنا نقول: أصل الضمان لا يترتب، لأن الضمان إنما يترتب على قتل الصيد والصيد لم يقتل وإنما ذبح ذبحاً صحيحاً شرعياً.
والقتل إنما هو حيث كان على هيئة غير شرعية، والمحل إذا دله المحرم على صيد فصاده فهو حلال للمحل حرام على المحرم فدل على أنه غير مقتول، وهذا القول هو الأرجح.

  • أما الصورة الثانية: وهي فيما إذا دل المحرم محرماً مثله على صيد فقتله: 1- قال الحنابلة: يشتركان في الجزاء أي المتسبب والمباشر.
    قالوا: لأن كليهما قد فعل المحظور، فهذا قد فعل المحظور بالقتل وهذا قد فعل المحظور بالإشارة والدلالة.
    2- وقال المالكية والشافعية: يجب الجزاء على المحرم الذي قتله مباشرة وأما المتسبب فعليه الإثم فحسب.
    وهذا هو الراجح، لأن الضمان يجب على المباشر ولا يجب على المتسبب إلا إذا لم تمكن إضافته إلى المباشر فإنه حينئذٍ يضاف إلى المتسبب وهنا يمكننا أن نضيفه إلى المباشر فيغلب جانب المباشر على المتسبب.
    قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾
  • جمهور أهل العلم على أن المثلية في الصورة والخلقة، فمن صاد صيداً فعليه مثله صورة وخلقة من النعم وهي بهيمة الأنعام من الإبل والبقر والغنم، وهذا تقريب لا تحقيق، فهو تقريب؛ لأن التحقيق متعذر، فالمسألة مسألة تقريبية.
    وفي قوله تعالى: ﴿هدياً بالغ الكعبة﴾ هل يشترط في الهدي الذي هو من جزاء الصيد، هل يشترط فيه ما يشترط في الهدي الذي هو واجب على المتمتع من السن ونحو ذلك من الشروط؟ آثار الصحابة تدل على خلاف هذا، فقد فرضوا العناق والجفرة ونحوها وهي لا تجزئ في الهدي ولا في الأضحية، هذا الذي يدل عليه إجماع الصحابة.
    فهو في حكم الهدي في كونه يكون لمساكين الحرم، ولا يشترط ما يشترط في الهدي من السن ونحوها.
    وقد قال تعالى قبل ذلك: ﴿يحكم به ذوا عدل منكم﴾ لا خلاف بين أهل العلم أن ما حكم به النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب فإنه يجب العمل به.
    كما قضى النبي صلى الله عليه وسلم: (أن في الضبع كبشاً) 1 كما ثبت هذا في أبي داود وغيره والحديث صحيح.

وجمهور أهل العلم على أن ما حكم به الصحابة كذلك، وهذا راجع إلى الاحتجاج بآثارهم هذا ما لم يعلم لهم مخالف.
أما إذا لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه جزاء في ذلك فإنه يحكم به ذوا عدل من أهل المعرفة والخبرة، فيحكم من أهل العدالة اثنان لهم معرفة وخبرة وفطنة في باب التماثل بين الصيد وبين جزائه من النعم.
ولا يشترط أن يكونا علماء بل يكفي كونهم عدولاً ثقات لهم خبرة وعلم بذلك، هكذا طريقة الحكم.
وإن لم يكن للصيد ما يماثله كبعض الطير والجراد فإنه يقوَّم ويشترى بقيمته طعاماً ويهدى إلى مساكين الحرم – كما هو مذهب الحنابلة،ومذهب الجمهور أن الإطعام لأهل الحرم وغيرهم، وقد تقدم البحث في ذلك – أو يصوم عدل ذلك.
قال: باب جزاء الصيد قال (في النعامة بدنة) النعامة: طير معروف وهي تشبه البعير إلى حد كبير في هيئته وحجمه ففيها بدنة وهي البعير.
قضى بذلك عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس ومعاوية كما في سنن البيهقي.
والمراد بالبدنة هنا: الإبل.
قال: (وحمار الوحش وبقرته والأيَّل والتيتل والوعل بقرة) هذه كلها من الأوعال وهي ما يسمى عندنا بـ تيس الجبل، أو " الْبِدَن " فهذه فيه بقرة.
قضى بذلك ابن عباس كما في سنن البيهقي 1 . قال: (والضبع كبش) كما قضى به النبي صلى الله عليه وسلم كما في سن أبي داود 2 . قال: (والغزالة عنز) حكم بذلك عمر كما في موطأ مالك والبيهقي بإسناد صحيح أنه قضى في الغزالة بعنز وفي الأرنب بعناق وفي اليربوع بجفرة.
3 والجفرة: ما له أربعة أشهر من أولاد المعز.
والعناق: أكبر من ذلك يصل إلى ستة أشهر إلى دون الحول وهي أنثى المعز.
ففي الأرنب عناق، وفي اليربوع جفرة.

قال: (والوبر والضب جدي) الضب: قضى به عمر كما في البيهقي.
والجدي: ما له ستة أشهر من ذكر المعز.
فالضب فيه جدي.
قالوا: ويقاس عليه الوبر، أما الأثر فهو وارد في الضب.
قال: (واليربوع جفرة) اليربوع معروف: وهو ما نبدل ياءه جيماً (الجربوع) هذا فيه جفرة وهي ما له أربعة أشهر من أولاد المعز وقد تقدم أثر عمر الدال على ذلك.
قال: (والأرنب عناق) لأثر عمر المتقدم.
قال: (والحمامة شاة) هذا ما قضى به ابن عباس فيما رواه البيهقي ابن عباس: (جعل في حمام الحرم على المحرم والحلال في كل حمامة شاة) 1 ولكن المماثلة بينهما التي ذكرها أهل العلم فيها شيء من الغرابة قالوا: الحمامة تعُبَّ الماء كما تَعَبُّه الشاة.
فالحمامة إذا شربت الماء فإنها تضع منقارها في الماء ثم تمصه مصاً كما تفعل الشاة، بخلاف غيرها من الطيور فإنه يأخذ القطرة ثم يرفع رأسه حتى تنزل ثم يعيده مرة أخرى وهكذا.
لكن هذه المماثلة – فيما يظهر لي – لا يترتب عليها مثل هذا الحكم وهو باب المماثلة.
لكن يشكل علينا قضاء ابن عباس رضي الله عنه فإنه قد قضى بذلك ولا يعلم له مخالف، لكن ذهب الإمام مالك إلى تفصيل في هذه المسألة فقال: هذا خاصٌ في حمام الحرم، وأما غيره مما يصيده المحرم من الحمام في غير الحرم فإن فيه الثمن أي القيمة.
ويعضد ذلك: ما ورد عن ابن عباس في البيهقي في بعض الروايات عنه والسند صحيح قال: (وكل ما سوى حمام الحرم ففيه ثمنه إذا صاده المحرم) فظاهر ذلك أن كلامه المتقدم خاص بحمام الحرم، وأما غيره من الحمام فإنه لا يلحقه هذا الحكم.
وهذا قوي لأن المماثلة بين الشاة والحمامة بعيدة جداً، لكن كونها تجب في حمام الحرم قويٌ لعظم الخطأ فتعظم العقوبة فلعل ذلك من ابن عباس من هذا الباب.

فالذي يظهر لي ما ذهب إليه المالكية من التفصيل: أما حمام الحرم فيجب فيه شاة كما قضى بذلك ابن عباس تغليظاً لهذا الفعل، وأما غيره من الحمام فإن صاده المحرم فلا يجب فيه إلا القيمة فيشترى بقيمته طعام ويهدى إلى مساكين الحرم، وتقدم.
مسألة: رجل وجبت عليه شاة فأهدى بدنة، فإن ذلك يجزئه لأنه فعل ما يجب وزيادة، فمن تطوع خيراً فهو خير له.
مسألة: الظاهر أنه يجوز نقل الهدي ونحوه عن مساكين الحرم إذا كانوا مكتفين.
والحمد لله رب العالمين.

باب: صيد الحرم أي الحرم المكي: ويتبعه المؤلف أيضاً بذكر حكم صيد الحرم المدني.
قال: (يحرم صيده على المحرم والحلال) يحرم صيد الحرم وهذا بالإجماع، فلا يجوز للمسلم - أن يصيد بالإجماع - أن يصيد صيد الحرم محلاً كان أو محرماً.
وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن هذا البلد حرمه الله لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده ولا تُلتقط لقطته إلا لمن عرَّفها ولا يختلى خلاها " وهو العشب الأخضر الرطب " فقال العباس: يا رسول الله: إلا الإذخر فإنه لقينهم ولبيوتهم " لقينهم " أي لصانعهم، يوقد به النار لصنعته " فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إلا الإذخر) 1 وهو عشب معروف هناك.
فهذا الحديث وغيره يدل على تحريم مكة – وهذا بإجماع العلماء وأن صيدها حرام على المحل والمحرم.
قال: (وحكم صيده كصيد المحرم) فحكم صيد الحرم كحكم صيد المحرم، وقد تقدم البحث في مسألة صيد المحرم في تحريم ذلك وأنه يثبت فيه الجزاء قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ... ﴾ فعلى ذلك كل ما يثبت من الجزاء فيما تقدم البحث فيه من وجوب المثلية أو القيمة أو الإطعام والصيام كل ذلك ثابت في صيد الحرم للمحرم والمحل، وهذا باتفاق العلماء.
ويدل على ذلك الأثر والقياس:

أما الأثر: فهو ما تقدم عن ابن عباس من إيجابه في حمام الحرم شاة على المحرم والمحل، وهو في البيهقي بإسناد صحيح.
وأما النظر: فهو قياس صيد الحرم على صيد المحرم بجامع أن الصيد ممنوع لحق الله فيهما.
فالصيد ممنوع لحق الله تعالى على المحرم، وممنوع لحق الله أيضاً عليه وعلى المحل في صيد الحرم.
فقد اتفق أهل العلم على ثبوت الجزاء في صيد الحرم على التفصيل المتقدم في النعامة بدنة وفي الضبع كبش ... وهكذا.
وفي قوله: (وحكم صيده كصيد المحرم) ظاهره أن الصيد المائي في الحرم جائز، كأن يكون في العيون أو المياه التي في الحرم – أن يكون فيها- شيء من صيد الحرم، فظاهر كلام المؤلف جواز اصطياده وهو رواية عن الإمام أحمد، وهذا من باب القياس فكما أن المحرم لا يحرم عليه صيد البحر فكذلك هو والمحل في الحرم.
والرواية الثانية عن الإمام أحمد: وهي أصح: أن صيد البحر محرَّم في الحرم أي الصيد المائي في العيون ونحوها.
وذلك لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (ولا ينفر صيدها) و" صيد " جمع مضاف فيفيد العموم أي كل صيدها، فيدخل في ذلك الصيد المائي.
وقياسهم قياس مع الفارق: فإن المحل يجوز له أن يقطع الشجر ويحش الحشيش وأما في الحرم فلا يجوز له ذلك فثبت بينهما الفارق.
والقياس مع الفارق غير صحيح.
إذاً: أصح قولي العلماء وهو رواية عن الإمام أحمد: أن الصيد المائي لا يجوز صيده في الحرم المكي لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (ولا ينفر صيدها) . قال: (ويحرم قطع شجره وحشيشه الأخضرين إلا الإذخر) يحرم قطع شجر الحرم – أي شجره النابت فيه بغير فعل من الآدميين كالشجر البري، فما ينبت فيه من الشجر البري وليس من صنع الآدميين لا يجوز بالإجماع أن يعضد ولا أن يحش الحشيش الأخضر وذلك للحديث المتقدم في قوله: (ولا يعضد شوكها) . فالشوك مع ما فيه من الأذى لا يجوز أن يعضد فالشجر أولى من ذلك وهذا باتفاق العلماء.

وكذلك الحشيش وهو العشب الأخضر النابت في الحرم مما هو ليس من صنع الآدميين لا يجوز للمحرم أو المحل أن يحتسه، لقوله صلى الله عليه وسلم: (ولا يختلى خلاها) والخلا هو العشب.
وهنا قال: (الأخضرين) فيخرج من ذلك اليابسان فيجوز أن تقطع الشجرة اليابسة التي لا حياة فيها، وأن يحتش الحشيش اليابس الذي لا حياة فيه لأنه ميت فلا قيمة له ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ولا يختلى خلاها) والخلا إنما هو الرطب لا اليابس فلا بأس بقطعه ما كان يابساً.
ويجوز بلا خلاف بين العلماء أن ينتفع بما يكون من الأغصان الساقطة أو الحشيش المقطوع في الأرض وإن كان رطباً ما دام مقطوعاً لأنه انتفاع بلا قطع، والنهي إنما هو عن قطعه.
ولا بأس أيضاً أن يؤخذ ما يكون من احتياجات الناس من النباتات الطبيعية كالسنا أو المساويك أو غير ذلك لا حرج في ذلك لأن الحاجة ثابتة إليه فلا حرج فيه كما استثنى النبي صلى الله عليه وسلم الإذخر فقد استثناه النبي صلى الله عليه وسلم لحاجة الناس إليه ويقاس عليه ما يحتاج إليه الناس من النباتات الطبيعية وما يحتاج إليه الناس من النبات أو الشجر الذي يقوم به حاجاتهم.
والظاهر أن مرادهم بالحاجة ما يلحق الحرج بتركه، فهذا ضابط الحاجة.
قال: " إلا الإذخر ": وقد تقدم دليل ذلك في المتفق عليه من قول العباس: إلا الإذخر فإنه لقينهم ولبيوتهم فقال: " إلا الإذخر " وتقدم أنه يقاس عليه ما يحتاج إليه الناس من النبات الطبي كالسنا وما يحتاج إليه الناس من السواك ونحوه.
واعلم أن الكمْأة: تستثنى من ذلك لأنها ثمرة، ولأنه لا أصل لها في الأرض كالنبات من عشب أو شجر، فعلى ذلك يجوز أخذ الكمأ.
واختلف أهل العلم في رعيه، فهل يجوز له أن يطلق غنمه أو إبله ترعى في الحرم أم لا؟ قولان لأهل العلم:

أصحهما جوازه: وذلك لما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فأرسلت الأتان ترتع) 1 وكان ذلك في منى، ومنى من الحرم؛ ولأن الناس في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يأتون بالهدايا من إبل وبقر وغنم فلم يكونوا يربطون أفواهها أن تأكل من حرم الله عز وجل، ولو كان هذا ثابتاً لنقل إلينا.
ولأن الحاجة إليه – أي للرعي – شبيهة بالحاجة إلى الإذخر بل أعظم فعلى ذلك الرعي جائز، لكن لا يجوز له أن يحتش لها بل يطلقها ترعى في الحرم.
هل في قطع شجر الحرم واحتشاش حشيشته هل فيه الجزاء؟ قال جمهور الفقهاء: فيه الجزاء.
ا) قال الحنابلة والشافعية: الدوحة " وهي الشجرة الكبيرة " فيها بقرة، والشجرة الصغيرة فيه شاة، وما دون ذلك فإنه يقوّم، كالحشيش فإنه بقيمته.
واستدلوا: بأثر ابن عباس أنه قال: (في الدوحة بقرة، وفي الجزْلة " وهي الشجرة الصغيرة " شاة) وهذا الأثر قال الألباني في إرواء الغليل 2 : " لم أقف عليه " وهو كما قال، وقد نظرت باحثاً عن هذا الأثر فلم أجده وإلا لو صح لقلنا به فإنه أثر صحابي لا يعلم له مخالف.
فعلى ذلك العمل به متوقف على تصحيحه، وتصحيحه متوقف على النظر في سنده، ولم يعزه الحنابلة إلى كتاب من الكتب المشهورة فينظر فيه كما تقدم.
ب) وقال الأحناف: جزاؤه قيمته، فيقوم ثم يتصدق بقيمته.
ودليل الجمهور على ثبوت الجزاء فيه: القياس على الصيد.
قالوا: كما أن الصيد يجب فيه الجزاء فكذلك قطع الشجر واحتشاش الحشيش يجب فيه الجزاء؛ بجامع أن كليهما مما يمنع في الحرم.

2- وذهب المالكية واختار ذلك ابن المنذر إلى أنه لا جزاء فيه وذلك لأن الضمان يحتاج إلى دليل ولا دليل يدل عليه، والأصل براءة ذمة المكلف من أن يلحق به غرامة مالية.
والأظهر ما ذهب إليه جمهور العلماء من وجوب الضمان قياساً على الصيد بجامع أن كليهما ممنوع في الحرم، ولما سيأتي في الكلام على شجر الحرم المدني من ثبوت السلب فيه، فأولى من ذلك أن يثبت في حرم مكة الجزاء.
والأصح من قولي الجمهور: ما ذهب إليه الأحناف من وجوب القيمة فيقوم ما قطع أو احتش.

  • واعلم أن القطع الذي يترتب عليه الجزاء إنما هو القطع المتلف، وأما إن قطعه ثم نقله إلى موضع آخر فلم يتلف الشجر فإنه لا يترتب عليه الجزاء حينئذٍ.
    ولا يجوز له أن ينقله إلى خارج الحرم لأن ذلك مظنة لإتلافه.
    واعلم أن الأغصان تلحق الأصل فلو أن شجرة في طرق الحرم جذرها، وأغصانها تخرج إلى الحل فإنه لا يجوز أن يقطع شيء من أغصانها لأنها تبع لأصلها وأصلها في الحرم 1 . قال: (ويحرم صيد المدينة) صيد المدينة يحرم لما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المدينة حرام ما بين عَيْر إلى ثور) 2 وفي مسلم: (لا يقطع عِضاها " وهو الشجر ذو الشوك " ولا يصاد صيدها) 3 وفي مسند أحمد وأبي داود وتمامه لأحمد: والحديث صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يختلى خلاها ولا ينفر صيدها ولا تلتقط لقطتها إلا لمن أشار بها ولا يقطع فيها شجرة إلا أن يَعْلِف رجل بعيره) 4

فالمدينة يحرم صيدها فلا ينفر فضلاً عن أن يقتل، وكذلك حشيشه كل ذلك محرم على التفصيل المتقدم في الكلام على حرم مكة من أن ذلك إنما هو في الأخضر الرطب لا في اليابس الميت، وأن ذلك فيما لم يكن للآدمي فيه فعل بخلاف ما يكون للآدمي فيه فعل فإنه جائز.
قال: (ولا جزاء) فمن فعل بأن صاد صيداً أو احتش حشيشاً أو قطع شجرة في حرم المدينة فإنه لا جزاء عليه.
قالوا: لأن ثبوت التحريم لا يستلزم ثبوت الجزاء فالأصل براءة الذمة من أن يلحقها شيء من الغرامة المالية، فهو محرم ولا يجب عليه الجزاء.
والنبي صلى الله عليه وسلم لم يبين ذلك وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ولما ذكر حرمها قال: (فمن آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) ولم يذكر جزاءً وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، هذا هو المشهور عند الحنابلة وغيرهم من أهل العلم.
وعن الإمام أحمد: أن من وجد فاعلاً لذلك فله سلبه، أي فله أن يأخذ ثيابه وما معه من متاع وما معه من آلة صيد وما على يديه من خاتم وساعة ونحو ذلك ولا يبقي عليه إلا ما يستر به عورته وهذا هو الثابت في السنة الصحيحة.

فقد ثبت في مسلم أن سعد بن أبي وقاص: (ذهب إلى البقيع فرأى غلاماً يقطع من شجر الحرم فأخذ سلبه، فأتى أهل الغلام يسألونه سلب غلامهم فقال: والله لا أعطيكم شيئاً نفلنيه النبي صلى الله عليه وسلم) 1 وهو أيضاً في أبي داود بلفظ: (إن النبي صلى الله عليه وسلم: نهى عن شجر المدينة وقال: من قطع منه شيئاً فلمن وجده سلبه) 2 إذاً: لا جزاء عليه لكن لمن وجده حاكماً أو محكوماً له سلبه وإنما المحكوم حيث لم يترتب على ذلك مفسدة أما إذا ترتب مفسدة فلا.
وهو رواية عن الإمام أحمد، وهو الراجح من أقوال العلماء.
لكن إن لم يؤخذ منه سلبٌ فلا جزاء عليه وعليه الاستغفار والتوبة.
قال: (ويباح الحشيش للعلف وآلة الحرث ونحوه) فيباح الحشيش للعلف بأن يحتشه ليعلف دوابه.
إذن: يفارق حرم مكة بجواز احتشاش العلف للبهائم.
ودليل ذلك: ما تقدم في مسند أحمد: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ولا يقطع من شجره إلا أن يعلف رجل بعيره) 3 قال: " وآلة الحرث ونحوه " فيجوز أن يقطع من الشجر ما يستخرج منه الخشب لآلة الحرث التي يحرث بها وهي تحتاج إلى أخشاب كالرحل وغيره.

واستدلوا: بما ذكره صاحب المغني وغيره أن الإمام أحمد روى أن النبي صلى الله عليه وسلم: لما حرَّم المدينة قالوا: يا رسول الله: إنا أصحاب عمل وأصحاب نضح، وليس لنا أرضاً سواها فرخص لنا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (القائمتان) وهي مقدمة الرحل ومؤخرته، أي ما يوضع على الناقة مما يتكئ عليه في مؤخرته، وما يستمسك به في مقدمته، (والوسادة والعارضة والمَسَدَّ) 1 والوسادة والمسد خشب يوضع في البكرة التي يستسقى بها الماء " والعارضة: خشب يوضع سقفاً للمحمل " وما سوى ذلك فلا يعضد ولا يؤخذ منه حطباً.
والحديث ذكره صاحب المغني – كما تقدم – ناسباً إياه إلى الإمام أحمد ولم أجده في المسند، وهكذا قال المعلق على كتاب المغني أنه لم يجده في المسند والاحتجاج به متوقف على النظر إلى إسناده ولعله في شيء من كتب الإمام أحمد سوى المسند.
لكن حاجة الناس من أهل المدينة ثابتة لذلك، فإن حاجتهم إلى ذلك أعظم من حاجة أهل مكة لاحتياجهم إلى الحرم بخلاف أهل مكة فإن الأمر يتسع لهم أعظم من أهل المدينة فيما سوى الحرم.
ولأن حرم المدينة مخفف عن حرم مكة كما تقدم من أنه لا جزاء في صيد صيده ولا في احتشاش حشيشه ولا قطع شجره إلا ما ورد من السلب وهو ليس من باب الجزاء على الإطلاق، وإنما قد يقع له، فإن لم يقع فلا جزاء، فلا شك أن حرم المدينة أخف من حرم مكة.
فعلى ذلك: إن احتاجوا إلى شيء من الأخشاب أو الحشيش ونحو ذلك فذلك جائز لهم.
قال: (وحرمها ما بين عَيْر إلى ثور)

عير: جبل في جهة الميقات، وأما ثور: فهو جبل خلف جبل أحد من جهة الشمال، فهذا " أي ثور " من جهة الشمال، وعير من جهة الجنوب وبينهما نحو أربعة فراسخ وهي تساوي اثنا عشر ميلاً أي نحو عشرين كيلو متراً أو نحو ذلك.
هذا من جهة الشمال والجنوب.
وأما من جهة الشرق والغرب: فالحرتان، فقد قال صلى الله عليه وسلم كما في مسلم من حديث أنس: (إني أحرم ما بين لابتيها) 1 واللابتان هما الحرتان.
فما بين الحرتين من جهة الشرق والغرب، وما بين جبل عير وثور من جهة الشمال والجنوب هذا هو حرم المدينة.
فعليه حرم المدينة بريدٌ في بريد أي أربعة فراسخ في أربعة فراسخ أي اثنا عشر ميلاً في اثني عشر ميلاً.
وأما حرم مكة فهو ظاهر فالأميال موضحة له ومبينة.
مسألة: هل يجوز أخذ سلب الجاهل؟ الجاهل إن صاد الصيد وهو محرم في الحرم فإنه لا جزاء عليه لجهله لقوله تعالى: ﴿ومن قتله منكم متعمداً …ليذوق وبال أمره﴾ فدل على أنه عالم بالحكم فأولى من ذلك هنا، فلا يجوز سلبه.
مسألة: حديث: (يا أبا عمير ما فعل النغير) 2 هذا دليل يعارض الحديث المتقدم فإن ظاهره جواز الصيد في الحرم؟ الجواب عن هذا: أن يقال: يحتمل أن يكون هذا قبل الحكم، فعندنا أحاديث ظاهرة ومحكمة في تحريم صيده فلا نتركها لمثل هذا المحتمل، ويحتمل أن يكون ممسكاً خارج الحرم ومحبوساً في الحرم، وهو جائز عند الحنابلة أن يمسك الصيد في الحل ثم يحبس في الحرم فهو جائز وقد تكون حاجة الناس إلى ذلك، فيجوز ذلك لأنه ليس مصيداً في الحرم.

وجعل الحنابلة هذا فارقاً بين صيد الحرم المدني وصيد الحرم المكي، وأن صيد الحرم المكي يجب أن يترك وإن صيد في الحل، فمن دخل الحرم ومعه صيد فيجب أن يفلته.
والظاهر أن هذه المسألة كتلك؛ لأنه لا فارق بين المسألتين لأن النهي إنما هو عن صيد الحرم نفسه وهذا ليس صيد الحرم وثبوت الإمساك فيه ليس بصيد ويثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً.
فعلى ذلك هذه القصة دليل على ما ذهب إليه الحنابلة من أن إمساكه في الحرم وقد صيد في الحل هذا جائز فيه.
ويحتمل ما تقدم وأنه قبل التحريم فإن هذا الطفل قد صيد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكر هذا أنس بن مالك.
مسألة: ثبت لنا أن المحرم لابد وأن يتوفر فيه الشروط حتى يثبت عليه الجزاء.
لكن هل هذا في صيد الحرم؟ قال فقهاء الحنابلة: إذا صيد في الحرم فإنه يثبت الضمان مطلقاً وإن كان صائده كافراً أو صغيراً غير مكلف أو غير عاقل؛ والنظر يقتضي ذلك، لأن التحريم ليس بالنظر إلى المكلف وإنما بالنظر إلى حرمة المصيد وحفظه.
فليس هذا بالنظر إلى المكلف كما يكون ذلك في تحريم الصيد على المحرم، فإن الصيد حلال ما دام خارج الحرم لكن حرم على المكلف الذي قد أحرم.أما هذا فهو صيد محرم لمعنى في المكان فهو قد ارتبط بمعنى في المكان خارج عن المكلف فعلى ذلك يجب الضمان مطلقاً وإن كان من صاده صغيراً أو غير مكلف.
وقد ذكر الموفق هذه المسألة ولم يذكر خلافاً بين أهل العلم فيها.
مسألة: رجل أراد أن يستظل تحت شجرة لها أغصان فاحتاج إلى أن يقطع من أغصانها – وكان ذلك في الحرم – فما الحكم؟ فيه تفصيل: إن كان يلحقه الحرج بترك الاستظلال في هذا المكان فنعم.
وإن لم يكن يلحقه حرج فلا.
مسألة: الثمار في الحرم يجوز قطعها لأن هذا لا يؤثر في أصلها كما تقدم في المساويك ونحوها.
والحمد لله رب العالمين.

باب: دخول مكة

هذا الفصل في سياق ما يستحب للمحرم من السنن عند دخول مكة في صفة طوافه بالبيت وبين الصفا والمروة وحلق رأسه أو تقصيره، فقال المؤلف هنا.
: (يسن من أعلاها) أي يسن لداخل مكة حاجاً أو معتمراً أن يدخل من أعلاها وهو الحجون وهو كداء، فيستحب أن يدخل منه سواء كان في طريقه أو لم يكن في طريقه فيسن له أن يعدل إليه.
ويستحب له أن يخرج من أسفلها وهو كدي وهو في سمت شعب الشاميين، ودليل هذه السنة: ما ثبت في الصحيحين عن عائشة قالت: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء إلى مكة دخل من أعلاها وخرج من أسفلها) 1 وفي الصحيحين عن ابن عمر: قال: (دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة من كداء " وهو الحجون " ثم خرج من الثنية السفلي " 2 وهو كدي ") . وظاهر ذلك كما تقدم أنه يستحب له ذلك ولو كان بأعلى مكة أو أسفلها عادلاً جائراً عن طريقه فإنه مستحب له تكلف ذلك.
وقال بعض الشافعية: بل لا يستحب ذلك.
وإنما كان هذا من النبي صلى الله عليه وسلم على وجه الاتفاق.
وهذا ضعيف، ولذا نظر فيه النووي فقال راداً على هذا القول: إن الآتي من المدينة ليس في طريقه الحجون " كداء " فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد عدل إلى أعلاها فليس هذا في سمت طريقه فيكون قد فعله على وجه الاتفاق، بل قد عدل عن طريقه وتكلف الدخول من أعلاها.
ثم هذا هو الأصل فيما ينقله الصحابة من أفعال النبي صلى الله عليه وسلم أن تكون على وجه الاستحباب لا على وجه الاتفاق.
قال: (والمسجد من باب بني شيبة)

أي يسن دخول المسجد من باب بني شيبة: روى ذلك الطبراني عن ابن عمر: (أن النبي صلى الله عليه وسلم: دخل من باب بني شيبة) 1 وإسناده ضعيف لكن له شواهد يرقي به إلى درجة الحسن.
فلذا: يستحب لمن دخل البيت أن يدخله من باب بني شيبة لفعل النبي صلى الله عليه وسلم فينظر فإن كان باب بني شيبة في سمت طريقه أعلى مكة فإنه يقوى أن يكون هذا قد وقع من باب الاتفاق إذ لا مزية لباب بني شيبة على غيره من الأبواب ولا يسن معنى لذلك بخلاف دخوله من أعلاها وأن يأتيها مشرفاً عليها، فإن ذلك أعظم في نفسه، بخلاف الخروج منها فيكون شبيهاً بذهاب الرجل إلى العيد يأتي من طريق ويرجع من طريق آخر.
قال: (فإذا رأى البيت رفع يديه وقال ما ورد) يستحب عند فقهاء الحنابلة: إذا دخل البيت فرآه أن يرفع يديه وأن يقول ما ورد وهو قوله: (اللهم زد هذا البيت تشريفاً وتكريماً وتعظيماً ومهابة وزد من شرفه وكرمه وعظمه ممن حجه أو اعتمره تكريماً وتشريفاً وتعظيماً وبراً) 2 روى هذا الحديث البيهقي في سننه بإسناد ضعيف معضل.
فعلى ذلك: لا يستحب لعدم الدليل الصحيح فيه.
قال الشافعي: " ليس في رفع اليدين عند رؤية البيت شيء فلا أستحبه ولا أكرهه) قال البيهقي: (ولعله لم يعتمد عليه لانقطاعه) فعلى ذلك لا يقال بالاستحباب لضعف الحديث.
لكن صح عن عمر بن الخطاب كما في البيهقي بإسناد جيد: أنه كان إذا نظر إلى البيت قال: (اللهم أنت السلام ومنك السلام فحينا ربنا بالسلام) 3 . ومعلوم أنه يستحب له ما يستحب للمساجد من تقديم الرجل اليمنى وذكر ما ورد عند الدخول والخروج منه، لأنه مسجد فاستحب له بل هو أولى من غيره باستحباب ذلك.
قال: (ثم يطوف مضطبعاً)

صفة الاضطباع: أن يضع وسط رداءه تحت عاتقه الأيمن ويرد طرفيه على عاتقه الأيسر – فحينئذٍ -: ينكشف عاتقه الأيمن، هذا مستحب في طواف القادم وطواف المعتمر.
ودليله: ما ثبت عند الخمسة إلا النسائي بإسناد صحيح عن يعلى بن أمية قال: (طاف النبي صلى الله عليه وسلم بالبيت مضطبعاً ببرد أخضر) 1 وفيه أنه لا حرج في لبس غير الأبيض في الإحرام وإن كان المستحب هو الأبيض.
وهو مستحب في الطواف خاصة فلا يشرع في بقية المناسك كالسعي بين الصفا والمروة وغيره لأن هذه الصفة صفة غير معتادة، فوردت في الطواف للقادم والمعتمر وقياس غيره عليه لا يصح؛ لأن هذه الصفة غير معتادة ولم ينقل لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد فعلها في طوافه بين الصفا والمروة لذا لما سُئل الإمام أحمد عن ذلك قال: (ما سمعنا) أي ما سمعنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد فعل ذلك في سعيه بين الصفا والمروة، والأصل في العبادات التوقف.
فعلى ذلك: إذا طاف سبعاً أعاد إحرامه إلى هيئته الطبيعية، وثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح عن عمر أنه قال: (فيم الرملان اليوم والكشف عن المناكب وقد أطَّأ الله " أي ثبت " الإسلام ونفى الكفر وأهله مع ذلك لا ندع شيئاً كنا نفعله مع النبي صلى الله عليه وسلم) 2

ففي هذا الأثر: أن مشروعيته – أي الاضطباع – كانت لإظهار قوة المسلمين أمام الكفار وكان ذلك في عمرة القضية في السنة الثامنة للهجرة، وسميت قضية لأنها كانت قضاءً لعمرة الحديبية التي أحصر عنها النبي صلى الله عليه وسلم " فكان الكفار يقولون: يأتيكم محمد وأصحابه وقد وهنتهم حمى يثرب " وكانت يثرب معروفة بالحمى فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يظهر للكفار جلد المسلمين وقوتهم فأمرهم بالرمل في الأشواط الثلاثة وبالكشف عن المناكب في الطواف كله، فإن في ذلك كله إظهاراً للجلد.
ومع ذلك قال عمر: (مع ذلك لا ندع شيئاً كنا نفعله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم) وذلك: لأنه لا مانع أن يستحب الشيء لمصلحة ثم يبقى استحبابه بعد ذلك فإن فيه تذكيراً لنعمة الله عز وجل بعد أن كان المسلمون ضعفاء وينظر إليهم الكفار أنهم ضعفاء فاحتاجوا إلى أن يظهروا قوتهم، وكانوا كذلك – بعد أن كانوا – على ضعف، فيتذكر المسلم كذلك ما كان عليه المسلمون من الضعف السابق لقوتهم.
قال: (يبتدئ المعتمر بالطواف للعمرة والقارن والمفرد للقدوم) هذا هو السنة والمستحب للقادم مكة حاجاً أو معتمراً أن يكون أول شروعه بالاشتغال بالطواف فلا يسبق ذلك اشتغال بشيء من العبادات من قراءة قرآن أو ذكر أو تحية مسجد أو نحو ذلك بل يستحب له أن يتعجل بطوافه بالبيت.
فقد ثبت في الصحيحين عن عائشة قالت: (أول شيء بدأ به النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم البيت أن توضأ ثم طاف بالبيت) 1 فالمستحب للمعتمرين أن يشرعوا بطواف عمرتهم ومثل ذلك المتمتع الذي أول نسكه العمرة يشرع بطواف عمرته، والقارن والمفرد طوافهم حينئذٍ طواف القدوم فيطوفون بالبيت طواف القدوم، والنبي صلى الله عليه وسلم كان قارناً فكان طوافه طواف القدوم.

قال: (فيحاذي الحجر الأسود بكله) يقف محاذياً للحجر الأسود بكل بدنه وذلك ليستوعب البدن البيت كله – أي حتى يكون البدن قد طاف على البيت كله -. وحينئذٍ إذا انتهى من الشوط الأول وشرع في الثاني يكون البدن قد طاف على البيت كله.
ولا أعلم بين أهل العلم خلافاً في فرضية ذلك، وأن الطواف لا يجزئ إلا بأن يستوعب البيت كله بالطواف.
قال: (ويستلمه) إذا حاذى الحجر فإنه يستلمه واستلام الحجر مسحه باليد.
وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: (لم أر النبي صلى الله عليه وسلم يستلم من البيت إلا الركنين اليمانيين) 1 ففيه مشروعية استلام الحجر الأسود ومشروعية استلام الركن اليماني، فالحجر الأسود والركن اليماني هما الركنان اليمانيان لأنهما من جهة اليمين.
قال: (ويقبله) لما ثبت في الصحيحين: أن عمر قبَّل الحجر وقال: (إني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر ولولا أني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك) 2 فإن استلمه بيده فقبلها فذلك سنة ففي صحيح مسلم: (أن ابن عمر كان يستلم الحجر بيده ثم يقبلها ويقول: ما تركته مذ رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفعله) 3 والأفضل هو تقبيل الحجر لأن ذلك مباشرة للتقبيل لكن حيث كان فيه شيء من الزحام أو لتطبيق هذه السنة أحياناً فإنه يقبل يده، ولذا قال: (فإن شق قبَّل يده) أي قبل يده بعد الاستلام؛ لأنها يد استلمت فاستحب تقبيله، فانتقل ذلك إلى تقبيلها، فاستحب - لفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم – أن تقبل.

قال: (فإن شق اللمس أشار إليه) فإن شق استلامه بيده فإنه يشير إليه، فقد ثبت في البخاري عن ابن عباس: (أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف على بعير فكان كلما مرَّ على الركن أشار إليه بشيء في يده وكبَّر) 1 ولا يستحب تقبيل هذا الشيء من يد مشيرة أو عصا قد أشير به لأنه لم يمس الحجر، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقبله، لأنه لم يباشر اللمس وإنما أشير به فحسب.
فإذن: إن شق فإنه يشير بيده أو بعصا ونحوه ولا يقبل ذلك لأنه لم يرد، ويكبَّر " يقول: الله أكبر ". ويستحب له أن يستلمه بشيء كأن يكون على بعير أو يكون هناك بعدٌ عن الحرم أو زحام ويمكنه أن يمد إليه شيء فإنه يُمس هذا العصا ونحوه الحجر ويقبله.
فقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس: (أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت على بعير فكان يستلم الحجر بمِحْجن " 2 وهو العصا المعكوف.
ونحوه في مسلم من حديث أبي الطفيل وفيه: (ويقبل المحجن) فهذه من الصفات الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم، من تقبيل مباشر أو استلام باليد أو استلام بعصا ونحوه وتقبيله، كل ذلك ثابت عنه عليه الصلاة والسلام.
وثبت عن عمر: أنه كان يلتزمه ففي مسلم: (أنه – رضي الله عنه – قبَّله ثم التزمه وقال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم كان بك حفياً " 3 أي معتنياً ")

وإن سجد عليه فحسن فقد صح عن ابن عباس كما في البيهقي: (أنه كان يقبل الحجر ويسجد عليه) 1 فهاتان الصفتان ثابتتان عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم.
قال: (ويقول: ما ورد) وقد تقدم ورود التكبير في حديث ابن عباس: (أنه كان يشير إلى الحجر بشيء ويكبَّر) 2 أي يقول: " الله أكبر " وليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستقبله ببدنه فالاستقبال بالبدن لا أصل له ولو كان ثابتاً لنقل، بل كان يشير إليه وهو ماشي.
ووردت التسمية عن ابن عمر، ففي المسند بإسناد جيد: (أن ابن عمر كان إذا استلم الحجر قال: بسم الله والله أكبر) قالوا: ويستحب له أن يقول: (اللهم إيماناً بك وتصديقاً بكتابك ووفاءً بعهدك واتباعاً لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم) رواه البيهقي من حديث عبد الله بن السائب والحديث إسناده ضعيف فلا يحتج به.
فإذن: الوارد عند الإشارة أو الاستلام قول: " بسم الله والله أكبر " أما الركن اليماني فلا يستحب فيه إلا الاستلام، فلا يستحب فيه تقبيل اليد ولا تقبيله مباشرة ولا يستحب أن يقول: " بسم الله والله أكبر " لعدم وروده عن النبي صلى الله عليه وسلم أو أحد من أصحابه.
ويستحب له بين الركنين أن يقول: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) 3 كما ثبت ذلك في أبي داود بإسناد صحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم: كان يقول بين الركنين:: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار)

ويشتغل في الطواف بما أحب من ذكر ودعاء وقراءة للقرآن أو صمت أو نحو ذلك، يشتغل بما أحب من التعبد لله بالعبادات القولية، ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم نوع معين من الدعاء خاصٌ بالطواف أو بشيء من مواضعه سوى ما تقدم من قوله بين الركنين.
قال: (ويجعل البيت عن يساره) وهذا بإجماع العلماء ولفعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله: (لتأخذوا عني مناسككم) 1 ولا يصح الطواف إلا به.
قال: (ويطوف سبعاً) لا يجزئه خمساً ولا ستاً، لفعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله: (لتأخذوا عني مناسككم) قال: (يرمل الأفقي في هذا الطواف ثلاثاً ثم يمشي أربعاً) الآفاقي: وهو غير المكي – القادم من الأماكن البعيدة – سوى أهل مكة فالآفاقي يستحب له الرمل في الطواف.
والرمل: هو إسراع المشي مع تقارب في الخطا بلا وثب، فلا يستحب له الوثب، والوثب لا أصل له، بل الرمل مشي سريع مع تقارب في الخطا هكذا عرَّفه الموفق وابن مفلح والنووي وغيرهم من أهل العلم وهو المعروف في لغة العرب.
والرمل مستحب في الأشواط الثلاثة الأولى كلها إن كان آفاقياً، أما أهل مكة فلا يستحب لهم ذلك؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما شرعه للقادمين فلا يلحق بهم غيرهم.
وهو مستحب في طواف العمرة وطواف القدوم فلا يستحب في طواف الإفاضة ولا في غيرها مما يطوفه الحاج، فقد ثبت في أبي داود بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: (لم يرمُل النبي صلى الله عليه وسلم في طوافه الذي أفاض فيه) 2 أي في طواف الإفاضة.
والرمل مستحب في الأشواط الثلاثة دون الأربعة الأخيرة، لما ثبت في مسلم عن ابن عباس قال: (رمَل النبي صلى الله عليه وسلم من الحجر إلى الحجر ثم مشى أربعاً) 3

فإن قيل فما الجواب عما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يرملوا في الأشواط الثلاثة ويمشوا بين الركنين) 1 فالجواب عن هذا: أن يقال: هو في عمرة القضية، وأما حديث ابن عباس فهو في حجة الوداع.
فحديث ابن عباس هو [آخر] الأمرين عنه صلى الله عليه وسلم.
فإن فاته الرمل في الشوط الأول فعله في الثاني والثالث، وإن فاته في الأول والثاني فعله في الثالث، وإن فاته في الثلاثة لم يفعله في الأشواط الباقية لأنها سنة فات محلها فهي مشروعة عند ابتداء الطواف في الأشواط الثلاثة فإن فاتته فلا يشرع له أن يفعلها في الرابع والخامس.. . قال: (يستلم الحجر والركن اليماني كل مرة) هذا جواب عن سؤال وهو أن يقال: هل استلام الحجر إنما يستحب في الشوط الأول أم هو مستحب في الأشواط كلها وكذا استلام الركن اليماني؟ فأجاب بقوله: أنه يستحب في كل مرة أي في الأشواط السبعة كلها.
ودليل ذلك: ما ثبت في النسائي بإسناد صحيح عن ابن عمر قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يستلم الحجر الأسود والركن اليماني في كل طوافه) 2 لكن لا يستلمه عند نهاية الشوط السابع لأنه ينتهي الطواف بوصوله إلى الحجر الأسود.
مسألة: في الرمل تستثنى المرأة فلا يشرع لها ذلك لما فيه من منافاة لسترها وكذلك في الإسراع في المسعى بين العلمين الأخضرين لما فيه من منافاة سترها.
ورد في المسند: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر: (إنك رجل قوي فلا تؤذِ الضعفة أشر إليه وكبر) روى في المسند ورأيت فيه شيئاً من الجهالة لكن المعاني الشرعية تدل على ذلك فإن فيه أذية للضعيف.

ولا سيما إذا كان فيه اختلاط نساء فإن الفضيلة تكون للإشارة حيث كان فيه مشقة.

  • ظاهر قول عمر: (مع ذلك لا ندع شيئاً كنا نفعله مع النبي صلى الله عليه وسلم) 1 فظاهر ذلك أنه قد خفي عليه رمل النبي صلى الله عليه وسلم في الطواف في حجة الوداع وإن كان الظاهر أنه حج مع النبي صلى الله عليه وسلم لكن قد يكون خفي عليه فاجتهد رأيه فأصاب.
    قاعدة: الرمل والاضطباع خاص للآفاقيين في طواف العمرة والقدوم فقط.
    والحمد لله رب العالمين.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ومن ترك شيئاً من الطواف … لم يصح) " شيئاً " نكرة في سياق الشرط فتفيد العموم فإن ترك طوافاً أو بعضه.
فإن ترك شيئاً من الطواف ولو كان يسيراً، كأن ينصرف من الطواف قبل خطوات يسيرة من وصوله إلى الحجر الأسود فإن طوافه لا يصح ولا يجزئه؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد طاف بالبيت سبعاً وفعله صلى الله عليه وسلم بيان لقوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ وما كان من الفعل هكذا فإنه له حكم ما بينه أي حكم المجمل، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لتأخذوا عني مناسككم) فلا يجزئه إلا أن يطوف بالبيت أسبوعاً – أي سبعاً.
قال: (أو لم ينوه) طاف بلا نية فإنه لا يجزئه ذلك لحديث: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) ولأن الطواف بالبيت صلاة فكما أن الصلاة تشترط فيها النية فكذلك الطواف – هذا مذهب الحنابلة –. واعلم أن الطواف الخارج عن الحج والعمرة وهو طواف التطوع يشترط فيه نية لأن هذا الطواف عبادة والعبادات شرطها النية وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات) – ولا نزاع في هذا بين أهل العلم وإنما النزاع بين أهل العلم في شرطية النية لطواف الحج والعمرة سواء كان طواف إفاضة أو طواف قدوم أو طواف عمرة أو طواف وداع، هل يشترط فيه النية أم لا؟ أي هل يشترط له فيه خاصة أم يكتفي فيه بنية الحج العامة؟

قال الحنابلة: أنها شرط، لحديث: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) . وذهب الشافعية إلى أن النية ليست بشرط، لكن يشترط ألا ينوي غير نسكه.
فإن نوى غير النسك لم يجزئه ذلك كأن يطوف حول البيت بقصد البحث عن أحد من الناس أو نحو ذلك فإنه هنا قد نوى البحث عن هذا الشخص بغير نية للطواف أصلاً أو نية منافية للطواف.
واستدلوا: بأن الحج كالصلاة فكما أن الصلاة تكفي نيتها لركوعها وسجودها وقيامها وقعودها فلا يشترط أن يجدد نية لكل ركن من أركانها، فكذلك الحج يكتفي بنيته أي بنية الحج - وهو الدخول في النسك تكفي - عن الطواف والوقوف بعرفة والسعي ونحو ذلك من المناسك.
وهذا القول هو الراجح وهو مذهب أكثر العلماء فكما أن الصلاة تكفي نيتها عن نية أفعالها التي أجزاء منها فكذلك الحج فإن نيته وهي نية الدخول في الإحرام تكفي عن أفعال الحج.
وبدليل أن أهل العلم أجمعوا على أن الواقف بعرفة الناسي يجزئه وقوفه فكذلك هنا.
وتفريق من فرّق بين الوقوف بعرفة وبين الطواف: بأن الوقوف بعرفة مجرد مكث وأما الطواف ففعل، فهو تفريق غير مؤثر لأن الوقوف بعرفة وإن كان مجرد مكث فهو عبادة من العبادات والعبادات لا تصح إلا بنية وإن كانت مجرد مكث.
فعلى ذلك: الصحيح ما ذهب إليه أكثر العلماء من أن أفعال النسك.
" وأفعال الحج والعمرة " ومن ذلك الطواف لكن بشرط أن [لعل الصواب: ألاّ] ينوي غير نسكه، فإن نوى غير النسك كأن يطوف باحثاً عن غريم أو شخص أو نحوه فإنه لا يجزئه ذلك.
فالطواف نية الحج تكفي عنه ولا نقول: إنه لا يحتاج إلى نية أصلاً.
قال: (أو نسكه) 1

ويصح أيضاً: " أو نكَّسه " فإن التنكيس في الطواف لا يصح إجماعاً بل الواجب في طوافه أن يجعل البيت عن يساره فلو جعله عن يمينه لم يصح إجماعاً لأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف جاعلاً البيت عن يساره وقال: (لتأخذوا عني مناسككم) . وإن لم ينو نسكه، بأن لم يبين النسك، وقد تقدم الكلام على هذه المسألة وأن من أحرم إحراماً مطلقاً فإنه يجزئه ذلك لكن يجب عليه أن يعينه بعد ذلك إما حجاً وإما عمرة.
فلو نوى رجل الدخول في النسك " أي الإحرام المطلق " ولم يعين أهو حج أم عمرة ثم طاف قبل التعيين فإنه لا يجزئه هذا الطواف لأن العمل يجب فيه التعيين وهنا لم يعين فواجب في النية تعيينها أهي للعمرة أم للحج وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) فهو لم ينو بعد أنسكه حج أم عمرة وحينئذ لا يجزئه ذلك لأنه لم يعين، وفرض تعيين نية العبادة، لحديث (وإنما لكل امرئ ما نوى) . كأن يكون رجل أحرم مطلقاً نسكه فلم يعينه لأنه غير واجد المال يشتري به هدياً وهو يرجو حصوله قريباً فيحرم إحراماً مطلقاً، فإذا حصل له أهل بعمرة حتى يكون متمتعاً وإلا أفرد.
قال: (أو طاف على الشاذروان) الشاذروان: وهو ما فضل من جدار الكعبة وهو ما يحيط بالبيت، فيما يرتقيه بعض الناس عند التزام جدران الكعبة – وهو لا يصل إلى المتر.
فلو طاف مضطراً على الشاذروان فهل يجزئه ذلك أم لا؟ 1 – قال المؤلف: لا يجزئه؛ وذلك لأن الشاذروان وهو ما فضل من جدران الكعبة من البيت فهو جزء من البيت، وفرض عليه أن يطوف حول البيت كله، فإذا طاف على الشاذروان أو بعضه فإنه لا يصدق عليه أنه طاف على البيت كله فلم يجزئه ذلك.
2-وقال شيخ الإسلام: بل يجزئه وذلك لأن الشاذروان ليس من البيت بل هو عماد له فلو طاف على الشاذروان فإنه يصدق عليه أنه طاف على البيت لأن الشاذروان ليس من البيت بل هو عماد له.

وما ذكره شيخ الإسلام أظهر، وذلك: لأن الشارع استحب استلام الركنين اليمانيين؛ لأنهما أركان البيت وأطرافه ولم يستحب استلام الركنين الشاميين لأن الحجر من البيت وقد قصرت النفقة الخالصة من الإثم بقريش فلم يدخلوها في بناء الكعبة وإلا فإن حجر إسماعيل من البيت، ولذا لا يستلم الركنان الشاميان لأنهما من البيت وليست بأركان له.
فالصحيح ما ذهب إليه شيخ الإسلام من أن الشاذروان ليس من البيت بدليل استحباب استلام الركنين اليمانيين فهما أركان الحرم وأطرافه، ولو كان الشاذروان من البيت لم يكونا أطرافاً له وأركاناً بل كانا منه.
ومع ذلك فإن الأحوط هو عدم فعل ذلك لقوة الخلاف في هذه المسألة.
واعلم أن الحجر من البيت، فقد ثبت في مسلم أن عائشة: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحِجْر؟ فقال: هو من البيت) 1 . والحِجْر: ما يكون في الجهة الشامية من البيت، وقد قصرت – كما تقدم – النفقة الخالصة من الإثم على قريش فبنوه على هذه الهيئة غير الكاملة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة – كما في الصحيحين -: (لولا حدْثان قومك بكفر لهدمت الكعبة وبنيتها على قواعد إبراهيم) 2 فمن طاف على الحِجْر أو فيه فلا يجزئه الطواف لأنه لم يطف بالبيت كله ولذا قال المؤلف.
قال: (أو جدار الحجر) لأن جداره من البيت ولذا لم يشرع أن يستلم أركانه من جهة الحِجر ولا أن يستلم جدار الحجر لأنه من البيت وليس ركناً له.
قال: (أو عرياناً)

فشرط في الطواف ستر العورة قال تعالى: ﴿يا بني آدم حذوا زينتكم عند كل مسجد 1 ﴾ وقد نزلت هذه الآية في الطواف على هيئة غير ساترة كما ثبت في مسلم عن ابن عباس أن المرأة كانت تطوف بالبيت وهي عريانة وتقول: ومن يعيرني ثوباً تجعله على فرجها فنزل قوله تعالى: ﴿يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ ، وثبت في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (بعث مؤذناً يؤذن في حجة أبي بكر بالناس قبل حجة الوداع: ألا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان) 2 فمن طاف عرياناً فإن طوافه غير صحيح لنهي النبي صلى الله عليه وسلم المقتضي لفساد ذلك.
قال: (أو نجساً) . هذه مسألة اختلف فيها العلماء وهي من طاف بالبيت نجساً أو محدثاً حدثاً أكبر أو أصغر فهل يصح طوافه أم لا؟ بمعنى: هل يشترط الطهارة بقسميها: الطهارة من الأحداث والأنجاس في الطواف أم لا؟ 1- ذهب جمهور أهل العلم إلى اشتراطها من الحدث والنجس في الطواف فيشترط كونه طاهراً من الحدثين الأصغر والأكبر ومن النجس فلو طاف جنباً أو غير متوضئ أو عليه نجاسة لم يجزئه ذلك.
واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين عن عائشة قالت: (أول شيء بدأ به النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم البيت أن توضأ ثم طاف بالبيت) 3 قالوا: وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لتأخذوا عني مناسككم) واستدلوا: بما رواه النسائي والترمذي وغيرهما: عن ابن عباس مرفوعاً: (الطواف بالبيت صلاة فمن نطق فيه فلينطق بخير) 4

قالوا: فلما كان الطواف صلاة فيشترط فيه ما يشترط في الصلاة من الطهارة من الأحداث والأنجاس.
2- واختار شيخ الإسلام وهو قول في مذهب الإمام أحمد ومذهب أبي حنيفة وهو مذهب طائفة من السلف: إلى أن ذلك ليس بشرط، بل هو مشروع مستحب.
واستدل: بالأصل فإن الأصل فيه عدم اشتراط ذلك.
وأجاب عن أدلة الجمهور: أما وضوء النبي صلى الله عليه وسلم وقوله: (لتأخذوا عني مناسككم) فالوضوء فعل، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب أما قوله: (لتأخذوا عني مناسككم) فإن الوضوء خارج عن المناسك، فأنتم - أي الجمهور – لم توجبوا الاضطباع ولا الرمل ولا غير ذلك مما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في طوافه وهما أولى بالإيجاب من الوضوء الخارج عن المناسك.
والاضطباع والرمل من سنن الطواف بالإجماع فأولى من ذلك الوضوء الخارج عن الطواف وأما الحديث – حديث ابن عباس - فإنه لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعاً بل هو موقوف على ابن عباس، قال شيخ الإسلام: (أهل العلم لا يرفعونه) . قلت: ونحوه عن ابن عمر في النسائي 1 . ولكن هذا الجواب يمكن أن يقال في رده: إنه قول صحابي اشتهر ولا يعلم له مخالف فيكون إجماعاً.
والجواب عن ذلك هو ما ذكره شيخ الإسلام وتلميذه – من أن قول الصحابي هنا -: (الطواف بالبيت صلاة) لا يقتضي اشتراط ما ذكرتموه بدليل أن استقبال القبلة ليس بشرط في الطواف، والحركة الكثيرة المبطلة للصلاة لا يبطل الطواف اتفاقاً، وبدليل جواز الأكل والشرب فيه، وبدليل جواز الكلام فيه وغير ذلك مما ينهى عنه في الصلاة.

فكل هذه المنهيات والشروط التي في الصلاة من استقبال قبلة ونحوها ليست ثابتة في الطواف بالاتفاق فيتعين أن يكون مراد الصحابي أنه في حكم الصلاة في الإقبال على الله عز وجل والتعبد له، وهذا نظير قول النبي صلى الله عليه وسلم في الماكث ينتظر الصلاة هو: (في صلاة) 1 مع أنه لا يشترط عليه ما يشترط على المصلين وهو مع ذلك في صلاة.
أو أن الطواف يجتمع هو والصلاة في كونهما حول البيت فكما أن المصلي يتوجه إلى القبلة فإن الطائف يتعلق طوافه بالبيت وهذا هو الجامع بين الطواف والصلاة، والمفارقات بينهما كثيرة جداً.
وحيث كانت كذلك فلا يمكننا أن نلحق ما اشترطه الجمهور والمفارقات على هذه الطريقة وعلى هذه الكثرة.
فالراجح: ما اختاره شيخ الإسلام من أن الطهارة من الأحداث والأنجاس ليست شرطاً في الطواف.
مسألة: طواف الحائض هل يصح أم لا؟ 1- ذهب جمهور أهل العلم إلى أن طوافها لا يصح.
واستدلوا: بقوله صلى الله عليه وسلم لعائشة لما حاضت بسرف وكانت قد أهلت بعمرة فأمرها أن تهل بالحج: (افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري) 2 وفي رواية لمسلم: (حتى تغتسلي) قالوا: فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الطواف يقتضي فساده.
2- وذهب الأحناف وهو رواية عن الإمام أحمد إلى أن طواف الحائض صحيح محرم وعليها إن فعلت الدم.
قالوا: لأنها إنما نهيت عن ذلك مع جواز سائر الأنساك لها – لكون الطواف بالبيت، والحائض تنهى عن دخول المساجد والمكث فيها فنهى النبي صلى الله عليه وسلم الحائض من الطواف بالبيت ليس لمعنى الطواف لكن لمعنى المسجد وطوافها في المسجد يلزم منه أن تكون ماكثة ولابد منه ومكثها محرم.

فحينئذ: إن طافت فطوافها صحيح لأن النهي لم يتعلق بالطواف بل تعلق بالمكث في المسجد وهو أمر خارج، فتكون حينئذ آثمة.
3- واختار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم أن طواف الحائض لا يصح إلا لضرورة.
قالوا: لأن الواجبات تسقط بالعجز عنها كما يسقط عن العريان ستر عورته في الصلاة، فإنه إذا لم يجد ثوباً يستر به عورته فإنه يصلي عرياناً، فكان واجباً عليها ألا تطوف إلا وهي طاهرة فعجزت عن ذلك واضطرت فيجوز لها حينئذ أن تطوف للضرورة.
وجمهور أهل العلم: يقولون: إذا خشيت الحائض فوات رفقتها مثلاً فإنها ترجع إلى ديارها محرمة فلا تفعل شيئاً مما يحرم على الحاج ثم تأتي بالطواف بعد ذلك.
ولا خلاف بين أهل العلم أن طواف الإفاضة ليس له وقت محدد ينتهي فيه فلو طاف الإفاضة بعد شهر ذي الحجة فإنه يجزئ عنه اتفاقاً.
وإنما اختلف أهل العلم في وجوب الدم فيه: فأوجبه المالكية: إذا أخره إلى بعد شهر ذي الحجة.
وأوجب الأحناف الدم فيه إذا أخره عن أيام التشريق.
وأما الحنابلة والشافعية فلم يوجبوا فيه الدم مطلقاً.
فعلى ذلك مذهب الجمهور أنها إذا اضطرت فإنها لا تطوف بالبيت بل ترجع ثم تطوف بعد ذلك ولو كان ذلك بعد سنة أو سنتين.
واختار شيخ الإسلام صحة طوافها إذا اضطرت إلى ذلك.

ومما يؤيد صحة طوافها إذا اضطرت إلى ذلك ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أسماء بنت عميس: (أنها نفست في ذي الحليفة فأمرها أن تحرم وتغتسل) 1 ولم ينهها النبي صلى الله عليه وسلم عما نهى عنه عائشة من ألا تطوف بالبيت حتى تطهر وذلك لأن ذلك فيه مشقة ظاهرة عليها فإن النفاس في الغالب يطول وهي قد نفست ولم يبق من ذي القعدة إلا أربعة أيام، فلم يبق ليوم النحر إلا نحو أربعة عشر يوماً، والنفساء لا تطهر غالباً في مثل هذه المدة، فلم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أسماء بما أمر به عائشة ألا تطوف بالبيت حتى تطهر لمشقة ذلك.
وأظهر الأقوال – فيما يتبين لي والعلم عند الله عز وجل - ما ذهب إليه الأحناف وهو رواية عن الإمام أحمد: أن طوافها صحيح مطلقاً لكنها آثمة وحينئذ إذا اضطرت فلا إثم.
وذلك لأنه لا معنى يقتضي نهيها عن الطواف وهي حائض، وقد فارقنا بين الطواف والصلاة – فلا معنى يقتضي أن تنهى عنه إلا أن الطواف بالبيت وفي المسجد والحائض نهيت عن المكث فيه، والله أعلم.
والأظهر ألا دم عليها لعدم الدليل.
قال: (ثم يصلي ركعتين) وهما ركعتا الطواف فيستحب له إذا انتهى من طوافه أن يصلي ركعتين.
ودليله: ما ثبت في مسلم من حديث جابر " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما طاف نفذ إلى مقام إبراهيم فقرأ: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ فجعل المقام بينه وبين البيت، وكان يقرأ في الركعتين بـ ﴿قل هو الله أحد﴾ ، و ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ ثم رجع إلى الركن فاستلمه – وفي رواية النسائي: (بقل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد) – " 2 . والواو لا تفيد الترتيب.
واختلف أهل العلم في هاتين الركعتين أهما سنة أم واجبتان؟

1- فذهب جمهور العلماء إلى أنهما سنة لفعل النبي صلى الله عليه وسلم المجرد، وفعله المجرد لا يفيد وجوباً.
2- وذهب الأحناف إلى وجوبهما وبجبران يوم.
واستدلوا: بقوله تعالى: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ ، وهذا القول رواية عن الإمام أحمد استظهرها صاحب الفروع.
قالوا: هذا أمر والأمر يقتضي الوجوب.
والصحيح ما ذهب إليه جمهور أهل العلم.
أما استدلال الأحناف بالآية ففيه نظر، لإجماع العلماء على أنه لا يجب أن يصلي الركعتين خلف المقام فلا يجب عليه أن يتخذ مقام إبراهيم مصلى، حكى هذا الإجماع ابن المنذر وغيره، وأن له أن يصليهما في أي موضع شاء، وقد ثبت في البخاري معلقاً: (أن عمر طاف بالبيت فركب فصلى ركعتين بذي طوى) 1 والشاهد من هذا الأثر أنه يجوز له أن يصلي ركعتي الطواف في أي موضع شاء، فثبت لنا أنه لا يجب عليه أن يتخذ مقام إبراهيم مصلى بالإجماع، فتعين أن يكون الأمر للاستحباب في الآية.
إذن: يسن له أن يصلي ركعتين بعد طوافه، ويستحب له أن يقرأ فيهما بقل يا أيها الكافرون وبقل هو الله أحد.

  • فإن كرر الطواف بأن طاف سبعاً ثم سبعاً فله أن يصلي سنة الطواف لكل أسبوع أن يصليها بعد هذه الأسابيع.
    بمعنى: طاف أسبوعاً ثم أسبوعاً ثم صلى أربع ركعات ركعتين للأسبوع الأول، وركعتين للأسبوع الثاني، فلا بأس بذلك روى ذلك البيهقي عن عائشة رضي الله عنها ولأنه لا تشترط الموالاة بين الركعتين وبين الطواف بدليل فعل عمر المتقدم فإنه قد صلى بذي طوى.
    فعلى ذلك: إذا طاف سبعاً ثم سبعاً ثم جمع الركعات بعد الانتهاء من الطواف فصلى لكل أسبوع ركعتين فإن ذلك يجزئه، والمستحب له أن يتبع كل أسبوع ركعتيه.
    وهل تجزئ المكتوبة عن ركعتي الطواف كأن يطوف سبعاً ثم يصلي مكتوبة فهل يجزئ عن ركعتي الطواف؟

قال الحنابلة: يجزئه كما أنه يجزئه في ركعتي الإحرام الفريضة – وقد تقدم – أن الحنابلة يستحبون ركعتي الإحرام فإذا أحرم فيستحب له أن يصلي ركعتين فإذا صلى الفريضة أجزأت عن ركعتي الإحرام وكلاهما سنة شرعت للنسك، فركعتا الطواف وركعتا الإحرام شرعتا للنسك فتجزئه المكتوبة عن ركعتي الطواف كما تجزئه المكتوبة عن ركعتي الإحرام.
وفي هذا نظر، فقد ذهب جمهور العلماء وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها طائفة من أصحابه: إلى أن المكتوبة لا تجزئه وذلك لأن ركعتي الطواف مقصود لذاتهما فلم يجزئ عنهما المكتوبة أشبه ذلك ركعتي الفجر فإنهما لا يجزئ عنهما قضاء أو فريضة فهما مقصودتان لذاتهما فكذلك هنا.
أما ركعتا الإحرام على القول بهما – فإنهما غير مقصودتين لذاتهما بل المقصود هو الصلاة فإذا صلى فريضة أو نافلة مقيدة أو مطلقة فإنه يجزئه لأن المقصود هو الصلاة أما هنا فإن المقصود هو سنة الطواف.
فإذاً: لا تجزئه المكتوبة عن ركعتي الطواف كما هو رواية عن الإمام أحمد اختارها طائفة من أصحابه وهو مذهب جمهور أهل العلم.
قال: (خلف المقام) استحباباً فليس من شرط ركعتي الطواف أن يصليا خلف المقام بل لو صلاهما في موضع آخر أجزأه إجماعاً، وقد تقدم ما رواه البخاري معلقاً في صحيحه: (أن عمر طاف بالبيت ثم ركب فصلى ركعتين بذي طوى) . وهنا مسألتان في الطواف: المسألة الأولى: وأن الموالاة شرط من شروط الطواف عند جمهور أهل العلم.
فليس له أن يوجد فاصلاً بين طوافه يثبت أنه قاطع في العرف وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف موالياً وقال: (لتأخذوا عني مناسككم) . قالوا: فإن حضرت فريضة فإنه يتوقف عن الطواف ويصلي الفريضة ثم يتم طوافه – هذا مذهب جمهور أهل العلم – وخصه المالكية بالفريضة.
وعدى الحنابلة والشافعية كل فعل مشروع يخشى فواته كصلاة الجنازة ونحوها.
قالوا: لأنه فعل مشروع أثناء الطواف فلم يبطله كاليسير.

وذهب الحسن البصري: إلى أنه إذا قطعه لفريضة أو صلاة جنازة ونحو ذلك أنه يجب عليه أن يستأنف الطواف من جديد.
وهذا القول أقيس وأظهر؛ وذلك لأن الواجب في الطواف الموالاة وكونه يكون معذوراً بقطعه لصلاة الفريضة فإن هذا العذر إنما يكون لجواز القطع مع منافاته للموالاة، فكونه يقف لصلاة الفريضة هذا ينافي ما فرض من الموالاة فإنه حينئذ تنقطع الموالاة.
وهو إنما يكون معذوراً لخشية فوات الفريضة أما أن يكون هذا العذر يصحح طوافه فلا، فإن ذلك قاطع.
فما ذهب إليه الحسن البصري – فيما يظهر لي – أقيس فيجب عليه حينئذ أن يستأنف، لانتفاء الموالاة بصلاة الفريضة أو غيرها فإن الموالاة شرط وقد انتفت حيث قطعها بقاطع سواء كان هذا القاطع مشروعاً على وجه الفريضة أو مشروعاً على وجه الاستحباب أو لم يكن مشروعاً.
(وهنا في أثر البخاري معلقاً عن ابن عمر 1 أنه صلى الفريضة ثم أتم طوافه، قال شيخنا: قول المالكية) . وعلى القول بأنه لا يستأنف كما هو مذهب جمهور أهل العلم إذا قطع طوافه فهل يبتدئ بالطواف من الحَجَر أم من الموضع الذي وقف عنده؟ قولان لأهل العلم: المشهور عند الحنابلة أنه يبدأ من الحَجَر.
وقال بعض العلماء: بل يبدأ من الموضع الذي وقف فيه، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعي وهو القول الراجح.
وهذا متفرع على الترجيح في المسألة السابقة، فلو رجحنا ما ذهب إليه الجمهور فإن هذا أقيس، لأن الطواف عبادة واحدة فسواء قطع الطواف لأمر لا يوجب الاستئناف من أول الطواف أو من أثنائه فالطواف عبادة واحدة فهذا هو الأقيس والأظهر.
المسألة الثانية: أن طواف المحمول والراكب لعذر كمرض ونحوه صحيح بلا خلاف بين العلماء.

ودليل ذلك: ما ثبت في الصحيحين عن أم سلمة قالت: (شكوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم أني أشتكي فقال: طوفي من وراء الناس وأنت راكبة) 1 . أما طواف غير المعذور راكباً أو محمولاً فاختلف فيه أهل العلم على ثلاثة أقوال: هي روايات عن الإمام أحمد: الرواية الأول: أن الطواف لا يجزئه قالوا: لأن الطواف بالبيت صلاة فكما أن الصلاة لا تصح من الراكب غير المعذور فكذلك الطواف لا يصح من الراكب غير المعذور.
الرواية الثانية: وهو مذهب المالكية والأحناف: قالوا: يجزئه لكن عليه دم لأن الطواف ماشياً واجب فيجب في تركه الدم.
الرواية الثالثة: وهي مذهب الشافعية: يجزئه ولا شيء عليه وهو اختيار ابن المنذر وهذا القول الراجح لأن النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس: (طاف وهو راكب على بعير له) 2 والنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن معذوراً في ركوبه عذراً يجيز ذلك وإنما مجرد درء مفسدة لا تصل إلى أن تكون عذراً، فقد ثبت في مسلم عن ابن عباس – وهو سبب ركوب النبي صلى الله عليه وسلم - قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كثر عليه الناس يقولون: هذا محمد هذا محمد حتى خرجت العواتق من البيوت " أي في محبته " ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يضرب الناس بين يديه فلما كثر عليه ركب والمشي والسعي أفضل) فالمشي والسعي أفضل لكن إن ركب لغير عذر فإنه يجزئه؛ ذلك لفعل النبي صلى الله عليه وسلم والله أعلم.
والحمد لله رب العالمين.

فصل قال: (ثم يستلم الحجر)

إن أتم طوافه بالبيت سبعاً وصلى ركعتي الطواف فيستحب له أن يرجع إلى الركن فيستلمه، وقد تقدم حديث مسلم الدال على ذلك وهو حديث جابر وفيه: (ثم رجع إلى الركن فاستلمه) 1 . قال: (ويخرج إلى الصفا من بابه) وهو باب الصفا وهو باب بني مخزوم وإنما يخرج منه لأنه أقرب الأبواب إلى الصفا فليس هذا لتميزه عن سائر الأبواب بفضله وإنما لكونه أقرب الأبواب إلى الصفا.
وقد كانت الصفا والمروة خارج المسجد، وباب بني مخزوم باب يدخل منه إلى المسجد ويخرج منه إلى الصفا والمروة فلم تكن الصفا والمروة في المسجد ومن هنا جاز للحائض أن تسعى بين الصفا والمروة مع أنها تنهى عن دخول المسجد لأن الصفا والمروة كانت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم خارج المسجد، فلم يتسع بناء المسجد في عهده عليه الصلاة والسلام، لتدخل فيه الصفا والمروة كما اتسع في الأزمنة المتأخرة فدخلت فيه.
قال: (فيرقاه حتى يرى البيت ويكبر ثلاثاً ويقول ما ورد)

يرتقي على الصفا وهو جبل صغير، فيرتقيه حتى يرى البيت، فلا يزال في صعوده حتى يتمكن من رؤية البيت فيستقبل القبلة ويكبر ثلاثاً ويقول ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر قال: (ثم خرج النبي صلى الله عليه وسلم من باب الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ ابدأُ بما بدأ الله به، فرقي الصفا حتى رأى البيت فاستقبل القبلة فوحد الله " أي قال: لا إله إلا الله " وكبَّره) وفي النسائي: (وكبره ثلاثاً) ثم قال: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء لا إله إلا الله وحده أنجز وعده، ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده " ثم دعا بين ذلك، فعل هذا ثلاث مرات) 1 فالذكر الوارد بعد أن يرقى الصفا ويرى البيت ويستقبل القبلة يقول: " لا إله إلا الله " الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده) ثم يدعو بما شاء ثم يعيد الذكر مرة ثانية ثم يدعو ثانية بما أحب ثم يعيده ثالثة.
قال: (ثم ينزل ماشياً إلى العلم الأول ثم يسعى سعياً شديداً إلى الآخر ثم يمشي ويرقى المروة ويقول ما قاله على الصفا)

بعد أن يرقى الصفا ينزل ماشياً حتى يأتي العلم الأول وهو العلم الأخضر الذي هو علامة ابتداء بطن الوادي فيسعى سعياً شديداً حتى يصل إلى العلم الثاني وهو علامة انتهاء بطن الوادي فإذا انتهى من ذلك مشى حتى يأتي المروة ويقول ما قاله على الصفا.
وتمام القطعة من حديث جابر الذي تقدم سياقها قال: (ثم نزل إلى المروة حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى حتى إذا صعدتا " أي عن بطن الوادي " مشى حتى أتى المروة ففعل في المروة كما يفعل في الصفا) 1 . وظاهره أنه يجمع بين الذكر الوارد والفعل الوارد فيرقى المروة حتى يرى البيت ويستقبل القبلة ويقول: الذكر الوارد كما في الصفا.
وفي النسائي بإسناد صحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقطع الوادي إلا شداً) 2 والمراد هنا بالوادي بطنه وهو ما بين الميلين.
ويستحب له أن يقول: ما ورد عن ابن مسعود في البيهقي بإسناد جيد أنه كان يقول بين العلمين: (اللهم اغفر وارحم فإنك أنت الأعز الأكرم) . واعلم أن أهل العلم قد أجمعوا على أن المرأة لا يستحب لها أن تسعى بين الميلين ولا أن ترمل في الأشواط الثلاثة الأولى في الطواف وفي البيهقي بإسناد صحيح عن ابن عمر قال: (ليس على النساء سعي في البيت " وهو الرمل " ولا بين الصفا والمروة) . واعلم أن السعي بين الصفا والمروة المجزئ هو ما يكون بين الجبلين " الصفا والمروة " بحيث أنه يستوعبهما أي يستوعب ما بينهما بالسعي من غير اشتراط رقي فإن الرقي مستحب وليس بواجب فالواجب عليه أن يضع عقبه على طرف الصفا ثم يمشي حتى يصل إلى طرف المروة ثم يعود سبعة أشواط.

فصول الكتاب · 11 فصل · 298 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للحمد · 298 صفحة
المقدمة
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب المناسك
كتاب الجهاد
كتاب الوصايا
كتاب الوصايا
كتاب الفرائض
كتاب الطلاق
كتاب الحدود
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل