شرح زاد المستقنع للحمدصفحات 3-42
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قوله (على التأبيد) احتراز من الإجارة، فإن الإجارة ليست على التأبيد، فإذا تعاقدا على منفعة أرض سنة أو سنتين أو نحو ذلك فهذا ليس بيعا، بل هو إجارة، فقيده بقوله (على التأبيد) ليكون كل منهما قد ملك ما أخذه ملكية تامة مؤبدة.
قوله (غير ربا أو قرض) فالربا ليس بيعا، ولذا قال تعالى ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ ففرق بينهما، فدل على أن الربا ليس بيعا.
وقوله (قرض) فالقرض حقيقته فيه المبادلة المتقدمة، فإنه مثلا يعطيه عشرة دنانير إلى سنة، فيعطيه الآخر مثلها، فهذا فيه مبادلة، لكنه لما كان بغير طريق المعاوضة لم يكن بيعا، فالبيع فيه معاوضة، وأما القرض فإن فيه إرفاقا ورحمة، وليس بمعاوضة، وعلى هذا فالقرض ليس بيعا، وإن وقعت فيه المعاوضة المذكورة.

قوله [وينعقد بإيجاب وقبول بعده وقبله] ينعقد البيع بإيجاب وقبول بعده، أي القبول بعد الإيجاب، والإيجاب هو قول البائع الدال على الرضا بالبيع، كقوله: بعتك، وأما القبول فهو قول المشتري الدال على الرضا بالبيع، كقوله: قبلت.
وقوله (بعده) فيه أنه يشترط أن يكون القبول بعد الإيجاب، فيقول البائع للمشتري بعتك هذا الثوب بدرهم، ثم يقول المشتري: قبلت، فهذا هو الإيجاب والقبول.

قوله (وقبله) وهذا فيه إطلاق، وتقييده أن يقال أمرا أو ماض مجرد عن الاستفهام أو نحوه، فمثال الأمر أن يقول المشتري: بعني هذا الثوب بدرهم، فيقول البائع: قبلت، فكل لفظ منهما دل على الرضا، ومثال الماضي: أن يقول المشتري: اشتريت هذا الثوب منك بدرهم، فيقول البائع: قبلت، أما إذا كان الفعل ماضيا سبق باستفهام أو نحوه كالتمني فإنه لا يدل على الرضا، كأن يقول المشتري: أتبيعني هذا الثوب بكذا، فيقول: نعم أو بعتك، فقول المشتري أتبيعني هذا الثوب لا يدل على رضاه إذ ليس جازما بالبيع، فقد يخبر بالقبول ولا يرضى، إنما هو مستفهم، ومثل ذلك لو تمنى فقال: ليتك تبيعني هذا الثوب بكذا.

قوله [متراخيا عنه] ينعقد متراخيا عنه، فإذا تراخى القبول عن الإيجاب فلا بأس، فإذا قال رجل: بعتك هذا الثوب بدرهم، فسكت المشتري ثم قال: قبلت: فإذا ذلك يصح لعدم ما ينافي الرضا المشروط، فإن الألفاظ وضعت للدلالة على الرضا، فإذا قلت: قبلت، فإن الرضا ثابت من الطرفين، ولو كان ذلك على سبيل التراخي، لكن قيده بقوله:

قوله [في مجلسه] فلو تفرقا عن المجلس فلا، وذلك لأن تفرقهما عن المجلس من غير أن يتم البيع دليل على عدم الرضا، ودليل على الإعراض عنه، فإذا تفرقا ولم يقع القبول فلا بيع، ومثل ذلك:

قوله [فإن تشاغلا بما يقطعه بطل] فإذا تشاغلا بما يقطع القبول عرفا بطل البيع، كأن يقول بعتك، ثم يتحدثا في أمر خارج عن البيع، ثم قال: قبلت، فلا، وذلك لوجود القاطع، والرجوع في ذلك إلى العرف، فما كان قاطعا في العرف فإن القبول يبطل، ونحتاج إلى استئناف الإيجاب والقبول مرة أخرى.

ويشترط أيضا موافقة القبول الإيجاب، فلو قال: بعتك هذا الثوب بعشرة دراهم، فقال: قبلته بخمسة، أو قال: بعتك هذا الثوب إلى شهرين بمائتي درهم، فقال: قبلت إلى شهر بمائة، فهذا لا يصح، وذلك لعدم موافقة الإيجاب للقبول، فإن الرضا بذلك لم يثبت.

قوله [وهي الصيغة القولية] صيغة الإيجاب والقبول هي الصيغة القولية، ولا يشترط لفظ خاص، بأن يشترط أن يكون اللفظ: بعتك أو قبلت، بل كل لفظ دل على البيع بأي لغة كانت فإن الإيجاب والقبول يتمان به، فلو قال: بعتك أو أعطيتك أو خذ هذه السلعة بكذا، وقال المشتري رضيت أو اشتريت أو تم أو قبلت أو نحو ذلك فكل ذلك مما ينعقد به البيع، وذلك لأن الشارع لم يحدد لفظا معينا، فكان المرجع إلى العرف.

قوله [وبمعاطاة وهي الفعلية]

هذا هو النوع الثاني مما يثبت به البيع، فالصيغة الأولى: الصيغة القولية، والصيغة الثانية: الصيغة الفعلية، وهي المعاطاة، سواء كانت من الطرفين أو من أحدهما، مثال كونها من الطرفين أن يضع المشتري الثمن ويأخذ السلعة، بحيث تكون السلعة معروفة الثمن، فهنا وقعت المعاطاة من الطرفين، ومثال المعاطاة من المشتري أن يقول البائع للمشتري خذ هذا الثوب بدرهم، فيضع الدرهم عند البائع ويأخذ الثوب، فهذه معاطاة من طرف واحد وهو المشتري، ومثال المعاطاة من البائع أن يقول المشتري أعطني هذا الثوب بدرهم، فيعطيه إيه من غير أن يقول قبلت، أو رضيت، فهذه معاطاة من البائع، فسواء كانت المعاطاة من الطرفين أو من أحدهما فهي جائزة، قالوا: لحصول المقصود بها من الدلالة على الرضا، وقد قال تعالى ﴿إلى أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ ، والمقصود حاصل بالصيغة الفعلية كما هو حاصل بالصيغة الفعلية، قالوا: ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه لم يصح عنهم أنهم كانوا في تبايعهم يأتون بالصيغة القولية، قالوا: ولو ثبت لنقل نقلا شائعا فدل على أنهم كانوا يتعاملون بالمعاطاة، ثم لو ثبت شيء من الأدلة يدل على وجود القبول والإيجاب في شيء من عقودهم فإن غالب عقودهم إنما هي على صورة المعاطاة المتقدمة، قالوا: وعليه عمل المسلمين قديما وحديثا، ولو كانت الصيغة القولية شرطا في البيع لنقل لنا ذلك نقلا ظاهرا شائعا مشهورا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولبينه للأمة بيانا واضحا إذ يتعلق بأمر مهم في حياتهم ألا وهو البيع، وعند الشافعية لا يصح البيع بالمعاطاة مطلقا، وعند الحنفية يصح في المحقرات فقط، والصحيح ما ذهب إليه المالكية والحنابلة وكثير من الشافعية أن البيع بالمعاطاة جائز، فالخلاصة أن هناك صيغتان يثبت بهما البيع:

الصيغة الأولى: الصيغة القولية: وهي صيغة الإيجاب والقبول، ويشترط أن يكون الإيجاب متقدما على القبول، إلا أن يكون القبول فعل أمر أو فعلا ماضيا مجردا عن الاستفهام ونحو ذلك، ويشترط ألا يكون هناك فاصل عرفا بينهما، ويشترط أن يقع القبول في نفس المجلس الذي وقع فيه الإيجاب، ويشترط أن يكون القبول موافقا للإيجاب.
الصيغة الثانية: صيغة المعاطاة، وهي الصيغة الفعلية، ويثبت بها البيع لدلالتها على الرضا.

قوله [ويشترط التراضي منهما] سيذكر المؤلف شروط البيع وهي سبعة شروط لا يصح البيع إلا بها.
الشرط الأول: التراضي منهما.
قال تعالى ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ ، وفي سنن ابن ماجة بإسناد صحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إنما البيع عن تراض) 1 [جه 2185] ، فلا يصح البيع إلا بالتراضي بين الطرفين، ولذا قال المؤلف:

قوله [فلا يصح من مكره بلا حق] بيع المكره لا يصح لعدم الرضا، فإذا انتفى الرضا فلا بيع صحيح، وهو مذهب الجمهور، وهناك قول آخر بأنه يحتمل الصحة وثبوت الخيار عند زوال الإكراه، وهو مذهب الأحناف بناء على أنه تصرف فضولي، ففي المسألة قولان، وقيد المؤلف ذلك بقوله (إلا بحق) فإن أكره بحق فإن البيع صحيح، كأن يكره السلطان أحدا على بيع شيء من ماله لوفاء دينه، فهذا الإكراه غير مؤثر في العقد، فالعقد صحيح.

وكره الحنابلة الشراء من المكره، وهذه المسألة تسمى بيع المضطر، مثال ذلك: رجل أكرهه السلطان على ضريبة من المال، فباع شيئا من ماله لبعض ليسدد الضريبة، فالشراء من هذا المكره مكروه، وقال شيخ الإسلام يجوز بلا كراهة، قال: لأن امتناع الناس من شراء ما يبيعه أشد ضررا عليه، لأنه متوعد بما يضره في نفسه أو أهله أو ولده إلا إن دفع ذلك المال الذي أكره عليه، فإذا امتنع الناس من الشراء منه كان في ذلك ضررا عليه، ولا دليل على الكراهة، بل الظاهر هو خلاف ذلك، وهو عدم الكراهية، فالصحيح جواز ذلك، إلا أن يكون في امتناعهم من الشراء زوال للإكراه عنه فيمتنعوا ليزول الإكراه.

  • واعلم أن من المسائل التي تترتب على هذا الشرط بيع التقية أو بيع التلجئة، وهي أن يبدي المتعاقدان بيعا وهما غير مريدين له في الحقيقة، لكن من أجل التقية يريدان البيع، كأن يخشى ظالما فيظهر البيع على أحد من الناس وهما في الباطن غير مريدين للبيع، فهنا البيع باطل ولا يصح على ما بيناه، لعدم الرضا منهما، وقال الشافعية يصح البيع، والصحيح هو مذهب الحنابلة لما سبق من الأدلة، وهناك مسألة أخرى شبيهة بها وهي فيما إذا أظهرا ثمنا في العقد وهما يبطنان بينهما ثمنا آخر في السر، فإن العمدة على ما أبطناه لأن الرضا مرتبط به، فهما لم يتراضيا إلا على هذا الثمن الذي اتفقا عليه في الباطن، ومثل ذلك في أصح الوجهين في مذهب الحنابلة وهو المشهور في المذهب خلافا لقول أبي الخطاب بيع الهازل غير الجاد، فلا يقع بيع الهازل، بل هو باطل، وذلك لانتفاء الرضا، فإن الهازل غير راض بالبيع لكن بشرط أن يكون هناك دليل أو قرينة تدل على الهزل في البيع، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه الترمذي وغيره بإسناد صحيح: (ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة) [ت 1184، د 2194، جه 2039] فدل على أن الجد جد والهزل هزل في سواهن.

قوله [وأن يكون العاقد جائز التصرف] هذا هو الشرط الثاني وهو أن يكون البائع والمشتري جائزا التصرف.
والعاقد: يشمل البائع والمشتري، فيشترط أن يكون البائع والمشتري جائزا التصرف، وجائز التصرف هو: الحر المكلف الرشيد، وعليه فالعبد لا يصح تصرفه وذلك لأن ما في يده من مال لسيده فلا يصح أن يتصرف إلا بإذن سيده، وأن يكون مكلفا أي بالغا عاقلا، كما يشترط أن يكون رشيدا، أي يحسن التصرف في ماله، ودليل ذلك قول الله تعالى ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليه أموالهم﴾ فقوله ﴿وابتلوا اليتامى﴾ أي اختبروهم في بعض التصرفات المالية ليثبت لكم حسن تصرفهم في المال، وقوله ﴿حتى إذا بلغوا النكاح﴾ دليل على البلوغ، أي اشتراط البلوغ، وقوله ﴿فإن آنستم منهم رشدا﴾ أي ظهر منهم الرشد في التصرف، وهذا يدل على اشتراط العقل والرشد في التصرف، فإن غير العاقل لا شك أنه ليس برشيد، فهذه الآية دليل على اشتراط التكليف والرشد، فجائز التصرف هو الحر المكلف الرشيد، ولذا قال المؤلف:

قوله [فلا يصح تصرف صبي وسفيه] الصبي لأنه غير بالغ، والسفيه لأنه ليس برشيد، وليس المراد بالسفيه غير العاقل.

قوله [بغير إذا ولي] فلا بد من إذن الولي، وعلى هذا فيصح تصرف الصبي بإذن وليه، ويصح تصرف السفيه بإذن وليه، ويصح تصرف العبد بإذن سيده، أما العبد فظاهر، فإن صاحب المال هو السيد، وقد أذن له بالتصرف في ماله، وأما الصبي والسفيه فلقوله تعالى ﴿وابتلوا اليتامى﴾ أي اختبروهم، فهم لم يثبت بعد رشدهم، ومع ذلك قد أمر الله بابتلائهم واختبارهم وهذا لا يكون إلا بالإذن لهم بشيء من التصرف ليثبت رشدهم، فدل هذا على جواز تصرفهم بالإذن، وعن الإمام أحمد أنه يصح تصرفهم ويكون موقوفا على إجازة الولي، وهذا القول فيه قوة.

ولكن ليس للولي أن يأذن لهم بما يكون فيه ضرر عليهم لأنه مؤتمن، بمعنى أن يأذن لهم في أمور يغلب على الظن نجاحهم فيها، وعدم خسارتهم فيها، وعدم لحوق الضرر بهم.
ويستثنى من ذلك أيضا الشيء اليسير عرفا كشراء بعض الأطعمة أو شيء من ذلك، فيجوز تصرف الصبي المميز وغير المميز والسفيه بغير إذن الولي، وذلك لأنه لا ضرر فيه عليهم، فلا بأس أن يتصرف الصبي أو السفيه بما هو يسير عرفا من غير إذا الولي، وهذا يختلف باختلاف البلدان والأزمان.

قوله [وأن تكون العين مباحة النفع من غير حاجة] هذا هو الشرط الثالث: وهو أن تكون العين مباحة النفع لغير حاجة.
فهنا ثلاثة أوصاف: 1- النفع، وهذا احتراز مما لا نفع فيه كالحشرات ونحوها.
2- أن تكون مباحة، وهذا احتراز من بيع المحرم كالخمر والخنزير والأصنام والصور والميتة ونحوها.
3- ألا تكون إباحتها لحاجة، فإن كانت لحاجة أو لضرورة أي أن الأصل أنها محرمة لكن أبيحت لحاجة أو ضرورة، فلا يجوز بيعها،كالكلب، فإنه يجوز اقتناؤه لحاجة، وكالميتة فإنه يجوز أكلها لضرورة، ومع هذا فلا يجوز بيعها، فإن اختل شيء من هذه الأوصاف الثلاثة لم يصح البيع.

قوله [كالبغل والحمار ودود القز وبزره] دود القز الذي يستخرج منه الحرير، وبزره أي ولده، وذلك للمآل، فإنه ينتفع به في استخراج الحرير في المآل أي بعد تربيته، وهذا كله للتمثيل.

قوله [والفيل] لأنه ينتفع به منفعة مباحة لغير حاجة.

قوله [وسباع البهائم التي تصلح للصيد] كالفهد، فهو يصلح للصيد، فيجوز بيعه.

  • وهل يجوز بيع الهر؟ 1- قال جمهور أهل العلم يجوز ذلك.

2- وعن الإمام أحمد وهو اختيار طائفة من أصحابه وهو مذهب طائفة من التابعين واختاره شيخ الإسلام وابن القيم أن ذلك لا يجوز، ودليله ما ثبت في مسلم عن جابر أنه سئل عن ثمن الكلب والسنور - أي الهر - فقال: (زجر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك) [م 1569] أي نهى عنه، وظاهر النهي التحريم، وحمله الجمهور على الكراهة التنزيهية لا الكراهة التحريمية، وأنه ليس من اللائق بيعه، ولكن هذا ليس بصحيح، إذا الأصل هو حمل النهي على ظاهره، وقد قرن بالكلب، والكلب محرم كما سيأتي، وهذا هو الراجح.

قوله [إلا الكلب] فلا يجوز بيعه، وإن كان كلب صيد، وذلك لما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود الأنصاري قال: (نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن) [خ 2237، م 1567] وتقدم حديث جابر في مسلم، والنهي يقتضي التحريم، ولا فرق بين ما يجوز اقتناؤه ومالا يجوز اقتناؤه، وأما ما رواه النسائي في حديث جابر المتقدم وفيه (إلا كلب صيد) [ن 4295، 4668، وهو في سنن الترمذي من حديث أبي هريرة (1281) وقال الترمذي عقب روايته للحديث:" قال أبو عيسى هذا حديث لا يصح من هذا الوجه وأبو المهزم اسمه يزيد بن سفيان وتكلم فيه شعبة بن الحجاج وضعفه وقد روي عن جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحو هذا ولا يصح إسناده أيضا "، ويقصد بحديث جابر، حديثه الذي في سنن النسائي] فإن هذه اللفظ منكرة كما بين ذلك الإمام النسائي نفسه، وعليه فلا يجوز بيع الكلب مطلقا، وهو مذهب جمهور الفقهاء، فالكلب فيه منفعة مباحة لكن لحاجة، فيخرج من الضابط المتقدم.

قوله [والحشرات] لأنه لا منفعة فيها، فلا يحل بيعها، وفي ذلك أكل للمال بالباطل.

قوله [والمصحف] وشك أن إدخال المؤلف للمصحف بحرف العطف على هذه الصورة غير لائق، والذي ينبغي أن يفرده بجملة فيقول: ولا يصح بيع المصحف.

وهذا هو المشهور في المذهب أنه لا يجوز بيع المصحف، وهو أحد الروايات الثلاث عن الإمام أحمد، فعن الإمام أحمد ثلاث روايات: الأولى: وهي موافقة للمشهور من المذهب، وأنه لا يجوز بيع المصحف.
الثانية: أن ذلك جائز مع الكراهة، وهو المشهور في مذهب مالك والشافعي.
الثالثة: أن ذلك جائز بلا كراهة، وهو المشهور عند الأحناف.
واستدل القائلون بالنهي عن ذلك بما رواه عبد الرزاق في مصنفه عن ابن عمر أنه قال:" وددت أن الأيدي تقطع في بيع المصاحف " [المصنف 8 / 112، برقم 14525، وسنن البيهقي 6 / 16] وقال ابن عباس كما في مصنف عبد الرزاق:" اشترها ولا تبعها " [المصنف 8 / 112، برقم 14521] ، قالوا: ولما في بيعها من ابتذالها، ولا يجوز ابتذال المصحف.
وأما القائلون بالجواز فقالوا: قد ثبت في الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله) [خ 5737] ، قالوا: فيدخل في عموم ذلك بيع المصحف، فإنه يأخذ أجرا على كتابته، فقد كتب المصحف وجلده، واشتغل بإصلاحه، قالوا: ولا ابتذال في بيعه، فإن بيعه لا يعني ابتذاله، نعم إن كان على الصور المبتذلة فلا يجوز ذلك، وأما مطلق البيع فإنه ليس فيه ابتذال، قالوا: ولعل كراهية الصحابيين - ابن عمر وابن عباس - إنما هو لخشية ابتذالهما، وقال بعض العلماء: لعل هذا النهي منهما لقلة المصاحف وقتئذ، فيكون بيعها بأسعار غالية مرهقة للناس، فأمر بإعطائها من غير بيع لها يرهق الناس، من أجل حصولهم على المصاحف، بخلاف الأزمنة المتأخرة التي كثرت فيها طباعة المصاحف، وأصبحت تباع بأسعار مناسبة، فحينئذ المعنى الذي من أجله كره ابن عمر وابن عباس بيع المصاحف غير موجود، وهذا هو الأصل، فإن الأصل في البيوع الحل، وأرجح الأقوال هو جواز بع المصحف، وهو رواية عن الإمام أحمد كما سبق، وهو مذهب الأحناف، لكن على وجه لا يبتذل.

قوله [والميتة] الميتة لا يجوز بيعها، لما ثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة فإنها تطلى بها السفن وتدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس فقال - صلى الله عليه وسلم - لا هو حرام) [خ 2236، م 1581] ، وقوله (لا هو حرام) أي البيع، فبيع الميتة حرام، ولا يجوز ولو كان المشتري مضطرا لها، لكن إذا كان مضطرا لها ولم يعطاها إلا ببيع فله أن يشتريها فدعا للضرورة، فإنه إذا جاز أن يأكلها دفعا للضرورة فأولى من ذلك أن يشتريها دفعا للضرورة.
كذلك في المصاحف على القول بتحريم بيعها، فيجوز للمحتاج إلى المصحف أن يشتريه من بائعه، لأنه محتاج إليه، فجاز الشراء إذا لم يعطاه إلا ببيع.

قوله [والسرجين النجس] السرجين: هو ما نسميه بالسماد، وهو ما يوضع لإصلاح النبات، فالسرجين النجس يحرم بيعه، لقوله - صلى الله عليه وسلم - لما قيل له: (أرأيت شحوم الميتة فإنها تطلى بها السفن وتدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس، فقال: لا هو حرام) فدل على أن النجس لا يجوز بيعه، ومن ذلك السرجين، أما الانتفاع به فجائز، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث المتقدم أقرهم على الانتفاع به، ونهاهم عن البيع.
وتقييد المؤلف له بـ (النجس) يدل على أن السرجين الطاهر يجوز بيعه كروث الإبل والبقر والغنم وغيرها من مأكول اللحم، فإن روثه طاهر، وعليه فيجوز بيع السرجين الطاهر لأن فيه منفعة.

قوله [والأدهان النجسة والمتنجسة]

فالأدهان النجسة لا يجوز بيعها لما تقدم: لما سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن شحوم الميتة فقال: (لا هو حرام) ، وقوله (المتنجسة) فالأدهان النجسة والمتنجسة لا يجوز بيعها، والفرق بينهما أن الأدهان النجسة هي النجسة بأصلها، أما المتنجسة فهي التي طرأت عليها النجاسة، كدهن طاهر وقعت فيه نجاسة، فالأدهان المتنجسة يحرم بيعها على المذهب، وهذا بناء على أن الدهن المتنجس لا يمكن تطهيره، وتقدم أن المائعات تطهر ويمكن تطهيرها، وعليه فيجوز بيعه، أي المتنجس، لإمكان تطهيره، وقد سبق هذا في كتاب الطهارة، وعلى هذا فالراجح أن الأدهان المتنجسة لا حرج في بيعها.

قوله [ويجوز الاستصباح بها] أي بالمتنجسة لا النجسة، والاستصباح بها أي جعلها مادة لاشتعال النار في المصابيح، فيجوز على هذا استعمال الأدهان المتنجسة دون النجسة في الاستصباح، وهذا هو المشهور من المذهب، واختار شيخ الإسلام وهو قول في المذهب الحنبلي، وقول في المذهب الشافعي جواز ذلك، وأنه لا حرج فيه، فيجوز الاستصباح بالأدهان النجسة، ودليل ذلك ما تقدم من قوله - صلى الله عليه وسلم - في شحوم الميتة (لا هو حرام) أي البيع، وأقرهم على الانتفاع بها كما تقدم، فدل هذا على جواز الانتفاع بالدهن النجس أو المتنجس، أما الأكل فإنه محرم، وأما الانتفاع بها في غير ما نهى الشارع عنه فهو جائز.

قوله [في غير مسجد]

فيجوز الاستصباح بالأدهان المتنجسة في غير المسجد، وذلك لأن الدخان يتحلل من هذا الدهن المتنجس فيكون في المسجد، والمسجد يجب أن يصان من النجاسات، فليست العلة أنه نجس موضوع داخل الإناء، فإن هذا لا يؤثر، فهذا يشبه النجاسة الباطنة في بدن الآدمي، لكن عندما يوقد فإن الدخان يتحلل منه فيكون في جو المسجد شيئا نجسا، والواجب أن يطهر المسجد من كل النجاسات، والراجح هو أن هذه المسألة مبينة على مسألة سابقة وهي أن ما يتحلل من النجاسة ليس بنجس، بل هو مادة أخرى، كما اختار ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، فالمتحلل من النجاسة ليس بنجس، وعليه فإن الدهان المتحلل من هذا النجس أو المتنجس ليس بنجس، بل هو مادة أخرى، فهو دخان وليس دهنا، وعليه فيجوز الاستصباح بالأدهان المتنجسة في المساجد، ومثل ذلك على الراجح الأدهان النجسة.

قوله [وأن يكون من مالك أو من يقوم مقامه] هذا هو الشرط الرابع: وهو أن يكون التصرف من مالك أو من يقوم مقامه.
أي أن يكون التصرف من مالك للسلعة والثمن أو من يقوم مقامهما، والذي يقوم مقامهما إما ولي أو وصي أو وكيل أو ناظر.
فالوكيل: هو النائب عن الحي.
والوصي: هو النائب عن الميت.
والناظر: للوقف خاصة.
والولي: هو القائم على من لا يجوز تصرفه بماله كاليتيم.
ودليل ذلك ما ثبت في المسند وهو عند الخمسة بإسناد صحيح من حديث حكيم بن حزام أن قال: (سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت يا رسول الله يأتيني الرجل فيسألني البيع ليس عندي أبيعه منه ثم أبتاعه له من السوق قال: لا تبع ما ليس عندك) [حم 14887، 14888، ت 1232، ن 4613، د 3503، جه 2187] ، فدل على أن البيع لا يصح إلا من مالك أو من يقوم مقامه.

قوله [فإن باع ملك غيره أو اشترى بعين ماله بغير إذنه لم يصح]

وهذا ما يسمى بتصرف الفضولي، فإذا باع ملك غيره بغير إذنه، كأن يبيع عمرو مالا لزيد بغير إذن زيد، أو اشترى بعين ماله بلا إذنه، كأن يكون عنده دنانير أو دراهم لزيد فاشترى سلعة من السلع لزيد، فإن هذا التصرف يسمى تصرف الفضولي، ولا يصح، وعليه فالبيع باطل، وهذا هو مذهب الشافعي والحنابلة، واستدلوا بحديث حكيم بن حزام: (لا تبع ما ليس عندك) ، وذهب المالكية وهو رواية عن أحمد إلى صحة البيع بشرط الإجازة، فإذا أجازه بأن قبل البيع أو الشراء فإن البيع يكون لزيد، وإن لم يقبل ذلك فإن البيع يبطل، وهذا القول هو الراجح، ودليله ما رواه الإمام أحمد في مسنده والبخاري في صحيحه وأبو داود والترمذي وابن ماجة في سننهم من حديث عروة البارقي: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطاه دينارا يشتري به أضحية أو شاة فاشترى شاتين فباع إحداهما بدينار فأتاه بشاة ودينار فدعا له بالبركة في بيعه، فكان لو اشترى ترابا لربح) [حم 18867، خ 3643، جه 2402، د 3384، ت 1258] وهذا هو تصرف الفضولي، ومع ذلك فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أجازه على ذلك وأقره، وهذا القول هو الراجح في هذه المسألة، وأن بيع الفضولي وإن كان البيع من غير المالك فإنه بيع صحيح لكنه موقوف على الإجازة، ويلزم بشرط الإجازة من صاحب المال، فإن لم يجزه فإن البيع يبطل، ويجاب عن استدلال أهل القول الأول بحديث حكيم بأن حديث عروة يصح أن يكون مخصصا للمسألة السابقة، وأن من باع ما لا يملك فإنه يتوقف اللزوم على إذن المالك، والمعنى يدل على هذا، فإن المنع إنما هو لحق المالك، وحيث أجازه فقد أسقط حقه ورضي به.

قوله [وإن اشترى له في ذمته بلا إذنه ولم يسمه في العقد صح له بالإجازة وإلا لزم المشتري بعدمها ملكا]

بمعنى أنه عقد صفقة ذكر فيها الثمن، وهو ينوي أن تكون السلعة لغيره، ولم يسمه في العقد، ولم يكن بعين مال ذلك الغير، مثاله: رجل اشترى بيتا، ونوى أن يكون لزيد، وقال: اشتريته بعشرة دنانير، وكانت هذه العشرة في الذمة، وليست بعين مال زيد، ولم يسم زيدا في العقد، فإنه يصح له بالإجازة، وإلا لزم المشتري بعدمها ملكا، فيصبح هذا المبيع له إن أجاز، وإلا لزم الفضولي فيكون ملكا له.
وقول المؤلف هنا: (ولم يسمه) ظاهره أنه لو سماه فقال اشتريت هذه الدار لزيد بعشرة دنانير، فإن المسألة تكون كالمسألة السابقة فلا تصح مطلقا، وهذا هو المشهور من المذهب، وظاهر كلام صاحب المقنع أنه إذا سماه في العقد فكذلك وهو الظاهر، فيرجع فيه إلى إجازة من اشترى له في الذمة سماه أو لم يسمه، فإن أجازه كان ملكا له، وإلا فإنه يلزم المشتري.

  • مسألة: إن وكل رجلين في بيع سلعة، فباع كل واحد منها بثمن مسمى فالبيع للأول، لأن الوكيل الثاني زالت وكالته بانتقال ملك الأول عن السلعة، وصار بائعا ملك غيره بغير إذنه.

قوله [ولا يباع غير المساكن مما فتح عنوة كأرض الشام ومصر والعراق بل تؤجر] هذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، وغيرهم، فهو مذهب جمهور العلماء، أن ما فتح من الأرض عنوة فأوقفه الإمام على المسلمين فإن بيع الأراضي لا يجوز، وإنما يجوز بيع المساكن وكذلك إجارتها، وهذه كأرض مصر والشام والعراق مما أوقفه أمير المؤمنين عمر على المسلمين، ولم يقسمه بين الناس فكان وقفا، وقد أجمع العلماء على أن بيع المساكن وإجارة البيوت فيما فتح عنوة أنه جائز ولا بأس به، قالوا: وهؤلاء الصحابة لما سكنوا هذه البلاد كانوا يبيعون المساكن من غير نكير فكان ذلك إجماعا، وما زال المسلمون يتبايعون مساكن أراضي العنوة فلا نكير فكان ذلك إجماعا، قالوا: وإنما الأرض لا يجوز بيعها لأنها وقف، والوقف لا يباع ولا يوهب.

وقال الأحناف: بل يجوز بيع الأراضي أيضا، وهو أحد القولين في مذهب الشافعي وهو رواية عن الإمام أحمد واختار هذا القول شيخ الإسلام، وذلك لأن الوقف فيها ليس كالوقف الذي لا يجوز بيعه، بل هو وقف عام، يقصد منه إعطاء من كانت بيده الخراج عليها، فالمقصود أن من كانت بيده ينتفع بها فإنه يعطي بيت المال خراجها، ولذا جاز فيها التوارث، مع أن الوقف لا توارث فيه، وهذا القول هو الراجح، قال شيخ الإسلام:" وعليه عمل الأمة " ا. هـ، فالصحيح أن أراضي العنوة كأراضي مصر والشام والعراق يجوز بيعها، كما يجوز بيع المساكن وإجارتها.

  • مسألة: الصحيح من أقوال أهل العلم أن مكة قد فتحت عنوة، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إنما أحلت لي ساعة من نهار) [خ 104، م 1354] لكن اختلف العلماء في رباع مكة، هل يجوز بيعها وإجارتها أم لا يجوز؟ والمراد بالرباع: المنازل.
    القول الأول: وهو مذهب الجمهور من الأحناف والمالكية والحنابلة أن ذلك لا يجوز، فالبيع والإجارة غير جائزين، بل صاحب المنزل أحق به ما دام محتاجا إليه، فإذا استغنى عنه فليس له أن يبيعه ولا أن يؤجره، واستدلوا بما رواه الحاكم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (مكة كلها حرام، وحرام بيع رباعها وحرام أجرته) [كم 2 / 35] ونحوه عند سعيد بن منصور في سننه عن مكحول مرسلا، قالوا: ومكة حريم البيت الحرام الذي جعله الله للناس سواء العاكف فيه والباد، فلا يجوز لأحد تحجيره، وعليه فإن احتاج ما في يده سكنه، وإلا بذله للمحتاج إليه.

القول الثاني: وهو قول الشافعية، أنه يجوز بيعها وإجارتها، واستدلوا بما ثبت في الصحيحين عن أسامة بن زيد أنه قال: (يا رسول الله أين تنزل غدا إن شاء الله - وذلك زمن الفتح - قال: وهل ترك لنا عقيل من منزل) [خ 4283، م 1351] وفي رواية: (من رباع أو دور) [خ 1588، م 1351] ، فدل هذا على أن عقيلا تصرف فيها ببيع، وكذلك قال: (هل ترك لنا) فدل على أنها لو تركت لكانت له ولقرابته، وكذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (من دخل دار أبي سفيان فهو آمن) [م 1780] وذلك ما دخل مكة، فأضاف الدار إليه، والأصل أنها إضافة ملك، قالوا: وأما ما استدللتم به فالحديث الذي رواه الحاكم فيه عبيد الله بن زياد وهو ضعيف، وأما الثاني فهو مرسل، والمرسل ضعيف، فلا يعارض بهما ما استدللنا به.

القول الثالث: وهو الوسط، وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم أنه يجوز بيع الرباع ولا تجوز إجارتها، فالبيع جائز لأنها ملك له بدلالة الحديثين الذين استدل بهما الشافعية، وأما الإجارة فمحرمة، قالوا: لما في ذلك من التضييق على الحجاج والزائرين، فمكة دار منسك، والذي يأتيها ممن يحتاج إلى استئجار فيها إنما هو في الغالب الحجاج والزائرين، قالوا: وقد قال عمر - رضي الله عنه - كما صح ذلك عند في مصنف عبد الرزاق وقد ثبت ذلك عنه من غير ما وجه أنه قال:" يا أهل مكة لا تضعوا على بيوتكم أبوابا حتى يدخل البادي " [مصنف عبد الرزاق 5 / 147، برقم 9211] والبادي: هو من أتى من خارج الحرم، وهذا الأثر يدل على أنهم ليس لهم أن يمنعوا البادي من سكنى لا يحتاجون لها، وهذا القول هو الراجح، فلا يحل لأحد أن يؤجر فيها لقول عمر، وقول الصحابي يخصص عموم الأدلة ولما في ذلك - أي في إجازة الإجارة - من التضييق على الحجاج والزائرين، وأما البيع فجائز لأنها ملك لأصحابها، والأصل في البيوع الجواز، ولما استدل به الشافعية من الأحاديث وقد تقدمت، لكن إن رأى الإمام أن المصلحة تقتضي الإذن بالإجارة فلا بأس، كأن يرى أن أهل مكة لا يصلحونها للسكنى إلا بالإجارة فلا بأس أن يأذن لهم فيها.

قوله [ولا يصح بيع نقع البئر] إذا حفر رجل بئرا، فسقى منه بهائمه وزرعه، وفضل من ذلك فضل زائد عن حاجته فليس له أن يبيعه، وبيعه محرم، والمال الذي يكسبه منه محرم، لأن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه، وقد ثبت في المسند أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه) [حم 2956، د 3488، بلفظ: (وإن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه) ، وفي الصحيحين: (قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها) ]

ودليل هذه المسألة ما ثبت في مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (نهى عن بيع فضل الماء) [م 1565] ، وفي صحيح البخاري أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به فضل الكلأ) [خ 2354] ، وظاهر الحديثين العموم سواء كانت البئر والعين في أرض مملوكة له أو في أرض غير مملوكة له، وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار) [د 3477 بلفظ: (المسلمون شركاء في ثلاث في الكلأ والماء والنار) ] وثبت في سنن ابن ماجة بإسناد صحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (ثلاث لا يمنعن الماء والكلأ والنار) [جه 2473] ، وفي المسند بإسناد حسن أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من منع فضل مائه أو فضل كلئه منعه الله فضله يوم القيامة) [حم 6635] فلا يجوز لأحد أن يمنع غيره فضل مائه، لكن إن حازه فوضعه في ظرف أو جعله في ساقية أو بركة ونحوه فله بيع هذا الماء، ودليل ذلك ما ثبت في صحيح البخاري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة الحطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه) [خ 1471، م 1042] فدل هذا على أن الحطب - وهو من الكلأ وهو مما لا يجوز بيع فضله - إذا جز ثم وضع في حبل فكان حزما فإنه يجوز بيعه، وكذلك الماء، وليس له أن يمنع أحدا من أن يدخل أرضه ليأخذ من الماء الفاضل عن حاجته، وذلك لأنه حق لهذا الداخل فليس له منعه، إلا أن يترتب على ذلك ضرر عليه كأن يكون في محل محوط، ويكون فيه شيء من أمواله، ويخشى عليها من الضياع أو السرقة، فحينئذ له أن يمنع الناس ليحتاط لماله وعوراته، فلا يلزمه نفع غيره بضرر نفسه.

  • مسألة: هل يملك نقع البئر بملك الأرض؟ قولان هما روايتان عن الإمام أحمد، والصحيح أنه لا يملك لإطلاق الأدلة.

قوله [ولا ما ينبت في أرضه من كلأ وشوك] كذلك ما نبت في أرضه من عشب أو شجر أو كلأ أو شوك، فإنه لا يحل له أن يمنع غيره منه للحديث المتقدم (الناس شركاء في ثلاث) وهو أحق به لكونه في أرضه، وليس له أن يبيع فاضله، وليس له أن يمنع أحدا من الناس من فضله، لكن إن كان ذلك الكلأ لا يكفيه فله منع الناس منه، واستثنى شيخ الإسلام ابن تيمية ما إذا قصد استنباته لأن له عملا فيه، كأن يحرث أرضه للكمأة.

قوله [ويملكه آخذه] إذا أخذ الماء أو الكلأ فإنه يملكه بأخذه، وحينئذ يجوز له أن يتصرف فيه كما شاء.

قوله [وأن يكون مقدورا على تسليمه] هذا هو الشرط الخامس من شروط البيع: وهو أن يكون المبيع مقدورا على تسليمه.
ويدل لهذا الشرط حديث حكيم بن حزام: (لا تبع ما ليس عندك) ولما ثبت في مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (نهى عن بيع الغرر) [م 1513] ، وكون البائع يبيع شيئا وإن كان ملكا له لكن لا يقدر على تسليمه فإن هذا غرر، وقد نهى عنه الشارع، وقد باع ما ليس عنده، فليس هذا المبيع مقدورا على تسليمه وقد مثل لهذا المؤلف فقال:

قوله [فلا يصح بيع آبق] الآبق: هو العبد الهارب من سيده، فلا يجوز أن يبيعه لأنه غير مقدور على تسليمه.

قوله [وشارد] هو الجمل الشارد، فلا يجوز بيعه، لأنه غير مقدور على تسليمه.

قوله [وطير في الهواء] لأنه غير مقدور على تسليمه.

قوله [وسمك في ماء]

والعلة في ذلك قد تقدمت، ظاهر كلام المؤلف وإن كان المشتري قادرا على تحصيله، فإنه لا يجوز، كأن يبيع العبد الآبق على من يقدر على تحصيله، ويكون ذلك مع الفسخ إن عجز عن الحصول عليه، فظاهر كلام المؤلف النهي عن هذا، وهو المشهور من المذهب، واختار الموفق ابن قدامة وهو قول لبعض الحنابلة وهو صاحب الإنصاف أن بيع غير المقدور على تسليمه للقادر على تحصيله جائز، وإن عجز عنه فله الفسخ، لأنه لا غرر في هذا، وهذا القول هو الراجح، فإنه لا غرر في ذلك، حيث باعه شيئا يمكنه أن يحصله، وعلى هذا فغير المقدور على تسليمه قسمان: 1- غير مقدور على تحصيله، فهذا لا يجوز بيعه قولا واحدا.
2- مقدور على تحصيله، فهذا يجوز في أصح القولين.
وقياسا على بيع المغصوب على من يقدر على أخذه من غاصبه، فسيأتي كلام المؤلف في جوازه، فكذلك هنا، فإن المقدور على تحصيله وهو غير موجود يشبه المغصوب، فكلاهما غير مقدور على تسليمه، ومقدور على تحصيله.
وتقييد المؤلف في قوله (وطير في هواء وسمك في ماء) هذا حيث كان لا يقدر على تسليمه، أما إذا كان يقدر على تسليمه ولو بمشقة فإن ذلك جائز، كأن يكون الطير في برج مغلق يمكن أن يسمك به فيه لكن مع المشقة، أو يكون السمك في موضع محصور، فهذا يقد على تسليمه، فيجوز بيعه، حتى مع وجود المشقة، وعلى هذا إذا كان يقدر على تسليمه بمشقة فإن ذلك جائز.

قوله [ولا مغصوب من غير غاصبه أو قادر على أخذه]

المغصوب لا يجوز بيعه، لاختلال هذا الشرط، وهو القدرة على التسليم، فإن غير المقدور على تسليمه فيه غرر، واستثنى المؤلف أن يبيعه على غاصبه، فإن باعه على غاصبه فإنه يجوز، لكن بالشروط المتقدمة، ومنها شرط الرضا، أما إذا كان مكرها ملجئا إلى ذلك فلا يجوز، واستثنى بيع المغصوب على القادر على أخذه، كالأمير ونحو ذلك، فذلك جائز لأن المشتري لا غرر عليه، ويثبت له الفسخ، لأننا إذا أثبتنا البيع عليه بدون فسخ كان في هذا غررا، فقد يحصله وقد لا يحصله، فيكون حينئذ معرضا للخسارة، فيكون في ذلك غرر ظاهر.

قوله [وأن يكون معلوما برؤية أو صفة] هذا هو الشرط السادس من شروط البيع: أن يكون المبيع معلوما.
لأن بيع المجهول فيه غرر، وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الغرر، كما نهى عن بيع حبل الحبلة كما في الصحيحين [خ 2143، م 1514] وهو نتاج النتاج للجهالة كما سيأتي، فعليه يشترط أن يكون المبيع معلوما بأي طريق من طرق العلم، وذكر المؤلف هنا الرؤية والصفة.
أما الرؤية فيرى إما رؤية كاملة أو يرى بعضه الدال عليه، كأن يرى ظاهر الصرة - كومة الطعام - الذي يستدل به على الطعام نفسه، أو يرى وعاء التمر فينظر في أعلاه فيستدل بأعلاه على أسفله، ويستدل بظاهر الصرة على باطنها، فهذا جائز.
ويشترط أن تكون الرؤية مقارنة للبيع أو سابقة له بزمن لا تتغير فيه السلعة تغيرا ظاهرا غالبا، كالدور والعقارات والمركوبات، وإن كان تغيرا يسيرا يعفى عن مثله فهذا لا بأس به، ولا يؤثر، وذكر المؤلف الرؤية ومثلها الشم والذوق ونحوها من طرق المعرفة، فالطيب يعلم بالشم، وبعض المطعومات تعرف بالتذوق، كالعسل والسمن ونحو ذلك، وعليه فالشرط أن يعرف السلعة، أي يعرفها معرفة لا يلحقه بها غرر.

أما الصفة فهي أن يوصف له المبيع وصفا منضبطا بما يؤثر في اختلاف الثمن، أي بالوصف المؤثر في الثمن، ودليل جواز بيع الموصوف في الذمة جواز بيع السلم، وسيأتي الكلام عليه، وهو تعجيل الثمن وتأخير المثمن، ولأنه يحصل به العلم ولا غرر فيه.

قوله [فإن اشترى ما لم يره] فإن اشترى ما لم يره ولم يوصف له لم يصح، لاختلال هذا الشرط، فإن المبيع غير معلوم، إذا لم يره، ولم يوصف له.

  • مسألة: إن اشترى ما لم يره ولم يوصف له، لكن ذكر له جنسه، كأن يبيع عليه سيارة بعشرة آلاف، ولم يرها ولم توصف له، فعن الإمام أحمد وهو مذهب أبي حنيفة واختاره شيخ الإسلام في موضع وضعفه في موضع آخر كما في الاختيارات أنه يصح، وعليه فله الخيار إن رآه، فإن شاء أمضى، وإن شاء فسخ، والحاجة داعية إلى مثل هذه المعاملة، والضرر مدفوع بالخيار، ويكون النماء من العقد.

قوله [أو رآه وجهله] أي رأى المبيع لكنه قد جهل ما هو، كأن يرى وعاء من طعام، فيباع الطعام في هذا الوعاء، فلا يدري نوعية الطعام الذي في الوعاء، ولا قدره، فإن ذلك لا يجوز للجهالة أيضا، وقوله (ولم يره) يغني عن هذه الجملة فإن فيها تكرارا، فالمقصود بالرؤية رؤية المبيع.

قوله [أو وصف له بما لا يكفي سلما لم يصح] هذا هو المشهور في المذهب، وعن الإمام أحمد وهو أحد قولي الشافعي أنه يصح بما لا يكفي سلما، وهذه المسألة متعلقة بمسألة يأتي فيها البحث في باب السلم، وأن من شروط السلم صفته، وسيأتي الكلام عليه في بابه، والضابط المقصود في هذا الباب أنه متى وصف بوصف منضبط يعلم به المبيع فإن البيع صحيح.

قوله [ولا يباع حمل في بطن]

للجهالة، ففي الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (نهى عن بيع حبل الحبلة) أي نتاج النتاج، بمعنى أن نبيع نتاج نتاج بهيمة الأنعام، وفي مسند البزار والحديث حسن لشواهده أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (نهى عن المضامين والملاقيح) [مجمع الزوائد 4 / 104، الطبراني في الكبير 11 / 230، برقم 11581] ، والمضامين ما في بطون الأنعام، أي الحمل، والملاقيح ما في ظهور ذكورها، وقد: (نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن عسب الفحل) [خ 2284] أي عن نزوه، فإن بيع نزوه لا يجوز، فذلك كله بيع محرم.
إذن لا يجوز بيع الحمل في البطن، ومثله الأمة فلا يجوز بيع حملها وهو في بطنها وذلك للجهالة والغرر.

قوله [ولبن في ضرع منفردين] بيع اللبن في الضرع لا يجوز لما فيه من الغرر، وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الغرر، وفي مصنف ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن ابن عباس قال:" لا تبتاعوا صوف الغنم على ظهورها، ولا اللبن في الضروع " [مصنف بن أبي شيبة 5 / 222، كتاب البيوع - بيع اللبن في الضروع] ورواه البيهقي مرفوعا ولا يصح [سنن البيهقي 5 / 340] والصواب وقفه على ابن عباس.

وقوله (منفردين) أي لا يجوز بيع الحمل في البطن، واللبن في الشرع منفردين، أما لو باع الأم وحملها، والبهيمة ولبنها، فذلك جائز لأنه يثبت تبعا ما لا يثبت استقلالا، فبيع اللبن في الضرع منفردا لا يجوز، واستثنى شيخ الإسلام خلافا لجمهور العلماء بيع اللبن الموصوف في الذمة وإن شرط المشتري أن يكون من بقرة أو غنمة معينة، فإذا اشترى من صاحب غنم لبنا موصوفا في الذمة من غنمة أو بقرة معينة فذلك جائز، قال: لأنه لا غرر فيه، وهو كما قال، فإنه لا غرر فيه، فإذا أعطاه اللبن الموصوف في الذمة أعطاه ثمنه، وإلا فسخ البيع، واستثنى أيضا ما يوجد في هذا الزمان من استئجار البقر أو الغنم أو الإبل وقت الدر، فتستأجر للبنها، فهذا جائز، قال: لأنه لا غرر فيه، فإن قيل: قد لا تدر عليه شيئا؟ فأجاب شيخ الإسلام ابن تيمية أن الغالب أنها تدر، وكونها لا تدر هذا شيء نادر، فلا يترتب على مثله غرر، كاستئجار الأرض لغرسها وزرعها، فإنها قد لا تنبت، ومع ذلك فإنه يجوز استئجارها لأن الغالب هو أن يخرج زرعها وشجرها، وقياسا على الظئر وهي المرضعة، وذكر شيخ الإسلام هذا قولا لبعض أهل العلم، وما ذكره شيخ الإسلام ظاهر لما تقدم إذ لا غرر فيه، فعليه لا يجوز بيع اللبن في الضرع إلا في الصورتين التين استثناهما شيخ الإسلام.
والذي نهي عنه إنما هو بيع الموجود في الضرع لأنه لا يعرف مقدار ما وقع عليه البيع فإنه يخلفه غيره على وجه لا يتميز به ما وقع عليه البيع عما لم يقع عليه، فيكون في ذلك غرر.

قوله [ولا مسك في فأرته]

الفأرة: هي الوعاء، أي ولا مسك في وعائه، والمسك معروف وهو نوع من الطيب بل هو أفضل الطيب، فالمسك لا يجوز أن يباه في وعائه الذي خلق فيه، لما في ذلك من الغرر، فإن قدر المسك وكميته مجهولة، فيكون في ذلك غرر، واختار ابن القيم ووجهه صاحب الفروع وجها واحتمالا في المذهب أن ذلك جائز، قال ابن القيم: لأن أهل الخبرة يعرفون باطنه بظاهره، فإنهم يستدلون بمعرفة الظاهر على الباطن، ولأن اشتراط الرؤية بإزالة وعائه عنه يعرضه إلى شيء من الفساد، بذهاب شيء من رائحته ورطوبته، وما ذكره ابن القيم ظاهر في هذا وهو الراجح (وفصل الشيخ عبد الرحمن بن سعدي في هذه المسألة فقال: إن بيع على أهل الخبرة فجائز، وإن بيع على غيرهم فلا يجوز، فإن الغرر يزول ببيعه على أهل الخبرة دون غيرهم) ، والراجح ما تقدم وعلى ذلك فبيع الذهب في الأرض أو النفط في الأرض أو نحو ذلك على قول ابن القيم يجوز، لأن أهل الخبرة يستدلون على معرفة ما في الباطن بما عندهم من الآلات والأجهزة، وعلى المذهب فإن ذلك محرم، والصواب أنه جائز.

قوله [ولا نوى في تمره] فالنوى فيه منفعة مباحة لغير حاجة، فإنه قد يطعم، وقد يستخدم لبعض الاستخدامات، لكن في مثل هذا الزمن ثبت أنه لا قيمة له، فإن بيعه محرم، لأنه في الحقيقة لا قيمة له، إلا أن يكون مطعوما للدواب ونحوها فذلك جائز، والمقصود أن بيعه في التمر منهي عنه، لما في ذلك من الغرر، إذ لا يدري قدر النواة، وهل هي صغيرة أم كبيرة، والراجح جوازه لأن أهل الخبرة يعرفون ذلك، فهم يعرفون قدر النواة المعتاد من كل نوع من أنواع التمر، فلا يكون في ذلك غرر، والمشهور في المذهب أن بيعه لا يجوز وهو في تمره، أما إذا استخرج فإن ذلك جائز لمنفعته.

قوله [وصوف على ظهر]

فلا يجوز بيع الصوف على الظهر، لما في ذلك من الغرر، وذلك لأنه يزداد نموا فيكون في ذلك غرر، وقد تقدم الأثر عن ابن عباس في هذا، وقوله:" لا تبتاعوا صوف الغنم على ظهورها "، وهذا هو القول الأول في هذه المسألة، وهو المشهور في المذهب، وعن الإمام أحمد وهو قول لبعض الشافعية أن ذلك جائز بشرط أن يجز في الحال، وهذا هو الراجح لأنه إذا جز في الحال فلا غرر.

قوله [وفجل ونحوه قبل قلعه] أي من أنواع الحضروات التي يكون مأكولها في باطن الأرض ولا يظهر منها إلا شيء من الورق ونحوه مما ليس بمطعوم كالبصل والفجل ونحوها، فهنا قال: لا يجوز بيعه قبل قلعه، وعن الإمام أحمد وهو مذهب المالكية أن ذلك جائز، وهذا هو الراجح، وذلك لأن أهل الخبرة يستدلون بما يظهر منه فيعرفون الباطن، ولأن اشتراط ذلك سبب في إفساده، وعليه فيجوز بيع هذه الأطعمة، وعلى تفصيل الشيخ عبد الرحمن المتقدم يقال: بيعها على غير أهل الخبرة لا يجوز، لما فيه من الغرر.
واتفق أهل العلم على أن المطعومات التي هي في وعاء ويؤدي اشتراط رؤية ما في باطنها إلى فسادها فإن بيعها في وعائها جائز، كبيع الرمان ونحوه، فإن اشتراط رؤية ما في داخلها يفسدها فيجوز باتفاق أهل العلم بيعها وهي في وعائها.

قوله [ولا يصح بيع الملامسة والمنابذة]

وهذه المسألة محل اتفاق بين العلماء، والملامسة: أن يقول أي ثوب لمسته فهو لك بكذا، أو نحو ذلك، والمنابذة أن يقول: أي ثوب نبذته عليك فهو لك بكذا، ونحوه كأن يقول ما طرحته عليك من السلع فهو علي بكذا ونحوه، فهذا البيع محرم وباطل باتفاق أهل العلم، فقد ثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (نهى عن بيع الملامسة والمنابذة) [خ 5819، م 1511] وهو من الغرر وقد نهى الشارع عن الغرر وبيع الجهالة، ومثل ذلك بيع الحصاة، ففي مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (نهى عن بيع الحصاة) [م 1516] كأن يقول ارم بهذا الحصاة على أي سلعة أو على أي شاة أو نحو ذلك فهي لك بكذا، أو ارم بهذه الحصاة من موضعك فإلى أي مسافة وقعت من الأرض فهي لك بكذا ونحو ذلك، وهذا أيضا غرر وجهالة.

قوله [ولا عبد من عبيده ونحوه] كأن يقول أبيعك عبدا من عبيدي أو شاة من شياهي أو أرضا من أراضي أو نحو ذلك، فلا يجوز ذلك للجهالة، فإن العبيد تختلف أسعارهم وكذا الشياة وكذا الأراضي، فيكون فيه جهالة، وظاهر كلام أبي الخطاب من الحنابلة أن القيمة إذا تساوت فإن ذلك جائز، فإذا كان عنده قطيع من الغنم كل شاة فيه تساوي مائة درهم، فقال: أبيعك شاة من هذه الشياة بمائة درهم، فلا بأس بذلك، إذ لا غرر، أو قال: أبيعك سيارة من هذه السيارات أو خيلا من هذه الخيول بكذا، وكانت السلع متساوية القيمة، فهذا جائز، وما ذهب إليه أبو الخطاب ظاهر إذ لا جهالة ولا غرر، إلا أن يكون لهذا المشتري غرض صحيح كأن يكون غرضه شاة حاملا أو شاة سمينة وهو يريد الذبح، وهي متساوية القيمة لكن هذه شاة حامل، وهذه شاة سمينة، وهو له قصد في الذبح أو له قصد في النماء أو نحو ذلك فحينئذ لا يجوز للجهل، إذ يفوت مقصوده حيث أعطي غير ما يريد فيكون في ذلك جهالة.

إذن ما ذهب إليه أبو الخطاب ظاهر حيث تساوت القيمة ما لم يكن هناك غرض صحيح له، كما سبق، وينبغي أيضا جواز ما كان الغرر فيه يسيرا كما إذا كانت القيم متقاربة.

قوله [ولا استثناؤه إلا معينا] فإذا قال أبيعك هذا القطيع من الغنم إلا بعضه، لم يصح، لأنه لا يدري قدر هذا القطيع، ولا يدري هل هو كثير أم قليل، وحينئذ تثبت الجهالة والغرر، ولذا ثبت في السنن بإسناد صحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (نهى عن المحاقلة والمزابنة وعن الثنيا إلا أن تعلم) [ت 1290، ن 3880، د 3405، وأصله في مسلم دون قوله (إلا أن تعلم) ، م 1536] أي عن الاستثناء إلا أن يعلم.
وعلى هذا فإن علمت الثنيا - أي الاستثناء - فإن ذلك جائز، كأن يقول بعتك هذا القطيع إلا هذه الشاة، فحينئذ لا جهالة ولا غرر.
فإن قال: بعتك هذه الشياة إلا شاة، فتعود المسألة السابقة: فإن كانت القيم مختلفة فلا يجوز للغرر.
وإن كانت القيم متساوية فننظر هل لهذا المشتري غرض صحيح في شيء منها، فإن كان له غرض صحيح فلا يصح للجهالة، وإن لم يكن له غرض كأن يكون هدفه التجارة، والقيم متساوية فحينئذ يصح البيع كما تقدم.

قوله [وإن استثنى من حيوان يؤكل رأسه وجدله وأطرافه صح، وعكسه الشحم والحمل]

إذا قال: بعتك هذه الشاة إلا رأسها، أو جلدها، أو شيء من أعضائها فهذا جائز، وذلك لأن المستثنى معلوم، وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الثنيا إلا أن تعلم، والثنيا هنا معلومة، وحينئذ فإذا تم البيع فإن ذبح هذه الشاة فإن الآخر يأخذ ما استثناه، وإن أبى أن يذبحها فإنه يعطيه قيمتها، وعلى هذا فاستثناء شيء ظاهر من الحيوان المأكول اللحم جائز، وعكسه الشحم والحمل، فالشحم لا يجوز استثناؤه، لأنه مجهول، فلا يدري قدره، هل هو قليل أم كثير، فإنه ليس بمشاهد، وعليه فإن قدره كأن يقول لي من شحمها كذا، فإن هذا جائز، إذ لا جهالة فيه، لكن إذا أطلق فقال: إلا شحمها، فلا يجوز لأن الشحم غير معلوم القدر، وكذلك الحمل، فإذا باعه شاة حاملا فقال: أبيعك هذه الشاة إلا حملها فلا يجوز، وهذا هو المذهب، وعن الإمام أحمد وهو قول إسحاق أن ذلك جائز، وأن الصفقة إنما وقعت على شاة لا حمل فيها، فكأنه يقول: إن الحمل لا أبيعك إياه، وإنما أبيعك شاة خالية من الحمل، فأقدرها لك على أنها لا حمل فيها، فلم يقع البيع على الحمل بل هو استبقاء للحمل في ملكه، فلا يكون من باب بيع الحمل، وعلى هذا لو قال: بعتك هذه الشاة إلا حملها فإن ذلك جائز، وهذه الرواية عن الإمام أحمد أصح من الرواية المشهورة عنه.

قوله [ويصح بيع ما مأكوله في جوفه كرمان وبطيخ] وهذه المسألة محل وفاق، ومثل ذلك البيض، فما يكون مأكوله في جوفه يجوز بيعه من غير رؤية، لأن الحاجة داعية إلى مثل ذلك، ولأن النظر في الطعام وهو في جوف قشره فيه إفساد له، فيكون ذلك جائزا لا حرج فيه، فإن خرجت فاسدة فلا رجوع في البيع ما لم يكن هناك شرط في ذلك.

قوله [وبيع الباقلاء ونحو في قشره]

وكذلك يجوز بيع الباقلاء وهو الفول ونحوه كالحمص والجوز واللوز، فهذه المأكولات التي تكون ذات لب وقشر لا يشترط في بيعها النظر في لبها، بل تباع في قشرها من غير أن ينظر في اللب، لما تقدم من دعاء الحاجة إلى ذلك، ولأن في إزالة القشر إفسادا لها.

قوله [والحب المشتد في سنبله] ويجوز بيع الحب المشتد وهو ما زال في سنبله، وذلك لما ثبت في سسن الترمذي وغيره أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (نهى عن بيع الحب حتى يشتد) [ت 1228، د 3371، جه 2217، ونحوه في الصحيحين] ظاهره أن بيعه إذا اشتد جائز مطلقا، ولو كان في سنبله.

قوله [أن يكون الثمن معلوما] هذا هو الشرط السابع من شروط البيع: أن يكون الثمن معلوما.
والثمن ما دخلت عليه الباء، وهو في الغالب من النقدين، وقد تقدم أن المبيع يشترط أن يكون معلوما، فكذلك الثمن، لأن الثمن هو أحد العوضين الذين وقع عليهما عقد البيع، فكما أن المثمن يشترط فيه العلم، فكذلك يشترط في الثمن، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الغرر، واختار شيخ الإسلام صحة البيع وإن لم يسم الثمن وله ثمن المثل كالنكاح، ثم قال المؤلف مرتبا على ذلك:

قوله [فإن باعه برقمه..... لم يصح]

أي إن قال: أبيعك هذا الثوب بالرقم المكتوب عليه، فعليه ورقة مكتوب فيها السعر، يقول المؤلف هذا لا يصح، قالوا: لأن الرقم مجهول، سواء كان مجهولا للبائع أو للمشتري أو مجهولا لهما، أما البائع فقد يكون لا يحيط بأسعار السلع التي عنده أو أن تكون هذه السلعة جديد حضورها، وقد كتب البائع عليها سعرها، وأما المشتري فجهالته ظاهرة بالرقم المكتوب على هذه السلعة، قالوا: فلا تجوز للجهالة، وعن الإمام أحمد واختاره شيخ الإسلام أن ذلك جائز، قال: لأن الرقم المكتوب على السلعة هو الثمن الذي يشتري به الناس، أي قد رضي الناس بهذا الشراء، وبهذا الثمن، وحينئذ فإن هذا المشتري يسعه ما يسع الناس، فإنه يرضى بما يرضى به الناس، وهذا أمر ظاهر، فإن المشتري يرضى في الغالب بالسعر الذي يشتري به الناس، وما ذكره شيخ الإسلام ظاهر، حيث ثبتت هذه العلة التي ذكرها وهي حيث كان الرقم مما يشتري به الناس، وهذا إنما يكون في السلع التي يتعاطاها أكثر الناس وسعرها معروف لديهم كما في أقوات الناس ونحو ذلك، وأما ما ليس مشهورا عند الناس، فإن قبول طائفة من الناس للشراء به لا يعني قبول غيرهم، ففيه جهالة وغرر حينئذ، فمثلا الألبسة تختلف أسعارها، وهذا الذي يبيعها برقمها، يقبل قوله طائفة من الناس، فلا يعني هذا قبول سائر الناس لقوله، وحينئذ يكون فيه جهالة وغرر، فالأظهر ما ذهب إليه الحنابلة في هذه المسألة إلا أن بكون مما هو مشهور عند الناس سعره وقبوله بهذا السعر فإن المشتري يرضى غالبا بما يرضى به عامة الناس.

قوله [أو بألف درهم ذهبا وفضة] أي قال: بعتك هذا الثوب بألف درهم ذهبا وفضة، والمعنى: بعتك هذا الثوب بخليط من الذهب والفضة تساوي ألفا، فهنا القيمة هل هي معلومة أم مجهولة؟

إذا نظرنا إلى أنها محددة بالدراهم قلنا إن القيمة معلومة، فألف درهم، تساوي مائة دينار، فالدرهم عشر الدنانير، فإذا أعطى البائع تسعمائة درهم وعشرة دنانير فهنا أعطاه ذهبا وفضة تساوي مجموعها ألفا، إذن الجهالة ليست في القيمة، وإنما الجهالة هنا في الثمن، هل هو ذهب أم فضة، مع عدم تحديد مقدار كل منهما، فلم يحدد قدر الذهب، ولم يحدد قدر الفضة، وقد يكون له قصد في الذهب دون الفضة، لكن لا يظهر في هذا جهالة، فإن البائع إذا رضي بهذا فإنه قد رضي بهذه القيمة بغض النظر عن المعطى له هل هو ذهب أم فضة، فلا يتبين النهي عن مثل هذه الصورة، بخلاف ما إذا قال: بعتك بألف ذهبا وفضة، فحينئذ لا يدري ما القيمة، فقد نعطيه تسعمائة وتسعا وتسعين درهما، ودينارا واحدا، وقد نعطيه تسعمائة وتسعة وتسعين دينارا ودرهما واحدا، فالقيمة حينئذ مختلفة، ومثل ذلك لو قال في وقتنا الحاضر: بعتك بألف دولار وريال، والدولار أكثر من الريال، وحينئذ لا يدري أيهما أكثر فثبتت الجهالة والغرر، بخلاف الصورة الأولى.
ووجه صاحب الفروع الصحة ويلزمه النصف ذهبا وفضة، وفيه نظر، لعدم ثبوت الرضى.

قوله [أو بما ينقطع به السعر]

كأن يقول: هذه السلعة يوقف بها في المزاد، ويزداد عليها، فما وقفت عليه هذه السلعة فأنا أشتريها من ك بالثمن الذي تقف عليه، فقال المؤلف هنا: لا يجوز، لما فيه من الجهالة والغرر، فقد تباع بألف، وقد تباع بمائة ألف، واختار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وهو رواية عن الإمام أحمد جواز هذه الصورة، وذلك لما تقدم من العلة السابقة، فإن الثمن الذي تقف عنده هذه السلعة هو الثمن الذي تستحقه عند الناس، فيكون راضيا بسعرها الذي يشتري به الناس، وفي هذا نظر ظاهر، وذلك لأن هذه المحال التي يتزايد فيها على السلع تختلف القيم فيها اختلافا بينا ظاهرا، بحسب اختلاف عدد الراغبين في السلعة، فأحيانا يقلون وأحيانا يكثرون، فإن كثروا فإن هذه السلعة سيزداد سعرها، وحينئذ يكون فيه غرر وجهالة، كما أنه مدعاة للعداوة والبغضاء والاختلاف ونحو ذلك، فينهى عنها سدا لهذه الذريعة، فالأظهر هو ما ذهب إليه الحنابلة من النهي عن هذه الصورة خلافا لما اختاره شيخ الإسلام وهو أحد الروايتين عن الإمام أحمد، واختاره ابن القيم، وقال:" إنه لا نص في كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قول صاحب ولا قياس صحيح ينهى عنها، وإن الناس يتبايعون بها في كل عصر ومصر " ا. هـ. أما تعامل الناس بها فهذا لا يدل على جوازها، وأما أنه لا يمنعها نص من كتاب ولا سنة، فإن المانعين يقولون هما غرر، والنبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الغرر.

قوله [أو بما باع زيد وجهلاه أو أحدهما لم يصح]

أي قال: بعتك هذه السلعة بما بعته على زيد من الناس، فهنا لا يجوز إذا جهلاه أو جهله أحدهما وذلك للجهالة والغرر، وقال بعض العلماء إن ذلك جائز واختاره شيخ الإسلام وهو رواية عن أحمد، وذلك إن كان هذا المشتري ممن يثق بشرائه، بمعنى: رجل أراد أن يشتري سيارة، وهناك رجل معروف بمعرفته بقيم السيارات، فقال البائع: قد اشتراها مني فلان بثمن ما، فأنا أبيعك نفس السلعة بنفس الثمن الذي اشتراها مني به، فالأظهر جواز ذلك، لأنه لا دليل على الحرمة، وهو يشبه التوكيل، كما لو قال رجل لآخر: اشتر لي سيارة بالثمن المناسب لها، فاشترى السيارة له بالثمن المناسب لها فيجب أن يقبل ذلك، ومسألتنا هذه فيها شبه من مسألة الوكيل، ولأن هذا هو سعرها المعقول، وقد رضي بذلك ولا غرر منه، والجهالة إنما ينهى عنها لما فيها من الغرر، وحيث لا غرر، فيجوز حينذاك.

  • مسألة: إن قال: بعتك هذه السيارة بألف، فهل يصح هذا البيع أم لا؟ الجواب: إن كان هناك نقد غالب في البلد، أو لم يكن هناك سوى نقد واحد، فإن البيع صحيح، ويحمل هذا المبلغ عليه، فإن قال: بعتك بألف، فيحمل على الريالان في المملكة العربية السعودية، لأنها في النقد الغالب، ومثل ذلك وأولى إن لم يكن هناك إلا نقد واحد، أما إن كان هناك أكثر من نقد متداول، وكل من هذه النقود غالبة في تعامل الناس فهنا لا يصح للجهالة.

قوله [وإن باع ثوبا أو صبرة أو قطيعا كل ذراع أو قفيز أو شاة بدرهم صح]

الصبرة هي كومة الطعام، والقفيز: عدد من الأرطال، ومثال ما ذكره المؤلف: إن كان عنده قماش، فقال: أبيعك هذا القماش كل متر بكذا، فهما قد جهلا أو أحدهما قدر الأمتار من هذا القماش، لكنهما يعلمان المبيع والثمن، فكل متر بدرهم، وكل قفيز من الصبرة بكذا، وكل شاة من القطيع بكذا، وهو يريد بعيه كله، فالصفقة قد وقعت على الثياب كلها، وعلى الشياة كلها، وعلى الطعام كله، فالبيع صحيح، لتوفر الشروط في المبيع، فالمبيع معلوم، والثمن معلوم أيضا، ولا يؤثر الجهل بقدر العدد المشترى، فهذه جهالة غير مؤثرة لأن المبلغ معلوم والسلعة معلومة.

قوله [وإن باع من الصبرة كل قفيز بدرهم..... لم يصح] الفرق بين هذه المسألة والمسألة السابقة أن المسألة السابقة الصفقة قد وقعت على الصبرة كلها، وكذلك على الثياب كلها، وعلى الشياة كلها، أما في هذه المسألة فقد وقعت على البعض، كأن يقول: أبيعك بعض هذا القطيع كل شاة بدرهم، وأبيعك من هذا القماش كل ذراع بدرهم، وأبيعك من هذه الصبرة بعضها كل قفيز بدرهم، قالوا: لا يجوز ذلك، لأن هذا البعض قد يكون قليلا وقد يكون كثيرا، وحينئذ حصلت الجهالة، وقال بعض الحنابلة: هو جائز، وهو اختيار ابن عقيل، وذلك لأن الثمن معلوم، والمبيع معلوم،فلا جهالة، وكونه يجهل هل الأقل هو المشترى أم الأكثر هذا غير مؤثر كما أن جهالة أذرع القماش فيما إذا باعه كله غير مؤثرة، فكذلك هنا ولا فرق، وهذا الذي عليه عمل الناس اليوم في الأسواق، فإنه عندما يأتي إلى الطعام ليشتريه يقول: تأخذ كل قدر كذا من هذا الطعام بكذا، وهذا جائز ولا بأس به، فإنه لا جهالة فيه.
قوله [وبمائة درهم إلا دينار وعكسه]

إذا قال: أبيعك هذه الصبرة بمائة درهم إلا دينار أو عكسه بأن يقول أبيعك هذه الصبرة بمائة دينار إلا درهم، قالوا: هذا لا يجوز، لأن المستثنى منه مجهول، وهو الدينار في المسألة الأولى، والدرهم في المسألة الثانية، وكون المستثنى منه مجهولا يصير الشيء كله مجهولا أيضا، ويترتب على ذلك أن يكون الثمن مجهولا، وظاهر قول الخرقي من الحنابلة أن ذلك جائز، وهذا هو الظاهر، فإن قدر الدينار معلوم، ولعل هذه المسألة عندهم على أن الدينار مجهول، لا يعرف قدره بالدراهم، فإذا كان كذلك منع، وأما إذا كان قدر الدينار من الدراهم معلوما فإن هذا لا جهالة فيه، وعلى هذا فالصحيح أنه إذا كان قدر الدينار والدراهم معلوم جاز ذلك.

قوله [أو باع معلوما ومجهولا يتعذر علمه ولم يقل كل منهما بكذا لم يصح] إذا باع سلعتين في صفقة واحدة، إحداهما معلومة، والأخرى مجهولة يتعذر العلم بها، فباعهما بثمن واحد ولم يخبر المشتري ثمن كل سلعة فإن البيع لا يصح للجهالة، كأن يبيع فرسا وما في بطن فرس أخرى بمائة دينار، ولم يقل هذه بكذا وهذه بكذا، فحينئذ يكون البيع غير صحيح للجهالة بالثمن.
قال الموفق:" ولا أعلم بطلانه خلافا " ا. هـ

قوله [فإن لم يتعذر صح في المعلوم بقسطه]

صورة هذا: إن لم يتعذر علينا علم هذا المجهول، كأن يقول: أبيعك هذه الفرس وفرسا أخرى بالبيت من غير وصف لها بمائة دينار، فالأولى معلومة والأخرى مجهولة، فالبيع غير صحيح للجهالة، لكن هذه المجهولة يمكن التعرف على قيمتها فيذهب فيراها ويعرف قيمتها، وعلى هذا فالبيع باطل للمجهولة، وصحيح للمعلومة، وحينئذ يصح في المعلوم بقسطه من الثمن، فنقوم المعلومة، ونقوم المجهولة بعد أن نراها، فإذا وجدنا مثلا أن ثمن المعلومة ثلاثين دينارا، وثمن المجهولة يساوي ستين دينارا، فنسبة المعلومة للثمن الثلث، ونسبة المجهولة للثمن الثلثان، وكان السعر بينهما مائة دينار، فعلى هذا يكون ثمن المعلومة الثلث، وهو ثلاثة وثلاثون دينارا.
وهذه المسألة تسمى تفريق الصفقة، وهذه هي الصورة الأولى منها.
ومثل ذلك إذا باع عبدا مشاعا كما قال المؤلف بعد هذا:

قوله [ولو باع مشاعا بينه وبين غيره كعبد أو ما ينقسم عليه الثمن بالأجزاء صح في نصيبه بقسطه] وهو قول الجمهور وأحد الوجهين عند الشافعية، والمشاع ما كان الاشتراك فيه بكل جزء من الأجزاء، مثاله: رجلان يملكان عبدا، لكل واحد النصف، فباع أحدهما العبد بلا إذن الآخر، أو كانا يملكان أرضا مشاعة بينهما لكل منهما النصف، فباع أحدهما كل الأرض دون إذن الآخر، أو كان لكل واحد منهما نصيبه الذي ينقسم عليه الثمن بالأجزاء كأن يكون عندهم عشرة آصع من التمر، هذا له خمسة، وهذا له خمسة، وقد بيعت هذه الكومة من التمر مجتمعة، وهذا كله بلا إذن الآخر، فالحكم أنه يصح في نصيبه بقسطه.
مثاله: له من العبد النصف، فباعه بدون إذن صاحبه، فيقوم هذا النصف، ويقوم النصف الآخر، ويكون له نصف الثمن، فيدفع المشتري نصف المثمن له فيتملك نصيبه، وأما النصف الآخر فيبقى في ملك الأول.
وهذه هي الصورة الثانية من مسائل تفريق الصفقة، أما الصورة الثالثة فذكرها المؤلف بعد هذه:

قوله [وإن باع عبده وعبد غيره بغير إذنه، أو عبدا وحرا، أو خلا وخمرا صفقة واحدة صح في عبده وفي الخل بقسطه] مثاله: أخذ عبده وعبد غيره فباعهما معا، وقال: هذان العبدان بمائة دينار، أو أخذ عبدا وحرا، فباعهما بثمن واحد، والحر لا يصح بيعه، أو أخذ خلا وخمرا فباعهما بثمن واحد، فهنا قال المؤلف: (صح في عبده) أي الذي يملكه، (وفي الخل) ، لكن كيف نقوم ما صح بيعه؟ أما في الحر فإنه يقدر لو كان عبدا، وهذه في الحقيقة مشكلة، لأنه قد لا يرضى بذلك، بمعنى أنه يؤخذ هو والعبد فيقال كم يساوي هذا العبد في السوق، قالوا: خمسين دينارا، وكم يساوي هذا الحر لو كان عبدا، قالوا: مائة دينار، فصار العبد نصف الحر، فنصيب العبد الثلث من الثمن.
وإن كانت المسألة من عبدين فكذلك، يقال: كم يساوي هذا العبد - أي الذي هو ملك له - فيقال: خمسون دينارا، فيقال: كم يساوي هذا العبد الآخر - وهو العبد الذي بيع بدون إذن صاحبه - فيقال: مائة دينار، فحينئذ يكون نصيبه من الثمن الثلث.
وأما الخمر فإنه يقوم خلا، لأن بيع الخمر محرم، والخمر ليس له قيمة شرعا، فينظر في قيمة الخل، ثم في قيمة الخمر لو كان خلا، ويقوم الخل بقسطه كما سبق.

قوله [ولمشتر الخيار إن جهل الحال] هذا المشتري الذي تبعض عليه المبيع والسلعة ثبت له الخيار، بشرط أن يجهل الحال، فله أن يلتزم البيع، ويأخذ السلعة مبعضة، فإنه إذا اشتري الشيء على أنه تام فإذا به مبعض فله أن يقبله وله أن يرده، هذا إن جهل الحال، ولأنه إنما رضي على الصورة المتقدمة، فلم يثبت رضا على الصورة المتأخرة.

  • وهل له الخيار إن علم الحال؟

الجواب: ليس له ذلك، لأنه دخل على بصيرة، وهذا ما قيده المؤلف بقوله (إن جهل الحال) فظاهره أنه إذا علم الحال فلا، وذلك لأنه دخل على بصيرة، فإذا اشترى خلا وخمرا ويعلم أن هذا خمر، لا يجوز بيعه، فليس له بعد ذلك الخيار، بل هو ملزم بشراء الخل لأنه قد دخل على علم وبصيرة.
ولا خيار للبائع في المشهور في المذهب، وقال شيخ الإسلام يثبت له الخيار أيضا، ذكره عنه في الفائق وهذا ظاهر إن جهل الحال ولحقه ضرر، والشركة عيب.

فصل قوله [ولا يصح البيع ممن تلزمه الجمعة بعد ندائها الثاني] واتفق العلماء على تحريم البيع بعد النداء الثاني، واختلفوا هل يصح البيع أم لا يصح على قولين، فقال المالكية والحنابلة لا يصح، وقال الشافعية والأحناف: يصح.
قوله (ممن تلزمه الجمعة) احتراز ممن لا تلزمه، كالمرأة والعبد ونحوهما.
قوله (بعد ندائها الثاني) لا الأول.
والدليل على هذه المسألة قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾ فأمر الله عز وجل بترك البيع إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة، وأمر الله تعالى هذا يدل على أن تعاطي البيع والشراء حرام، وما كان محرما فهو فاسد، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد) [خ تعليقا، م 1718] فالبيع محرم وباطل، أما تحريمه فلقوله تعالى ﴿وذروا البيع﴾ وأما بطلانه فلأنه منهي عنه، والنهي يقتضي الفساد، وقال الشافعية والأحناف: هو صحيح، ولكن هذا القول ضعيف، لأن المنهي عنه فاسد كما سبق.

فصول الكتاب · 11 فصل · 298 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للحمد · 298 صفحة
المقدمة
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب المناسك
كتاب الجهاد
كتاب الوصايا
كتاب الوصايا
كتاب الفرائض
كتاب الطلاق
كتاب الحدود
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل