شرح زاد المستقنع للحمدصفحات 149-154
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الحامل لها النفقة إذا طُلقت، فإذا طلبت من زوجها الخلع على أنه لا نفقة لها فقالت: " أخلعني ولا نفقة لي عليك "، فيصح ذلك خلعاً وذلك لأن النفقة مستحقة بسبب موجود وهو الحمل، وهي في حكم المالكة له، ومثل ذلك لو أبرأته من دين لها في ذمته أو من نفقة ماضية واجبة في ذمته، فأبرأته من هذه النفقة الواجبة في ذمته على أن يطلقها، ولو خالعته على إرضاع ولده فكذلك، فإن النفقة واجبة لها عليه مقابل إرضاع الولد حولين كاملين فإذا قالت ارضع الولد وتطلقني – أي على الإرضاع مجاناً بلا أجرة – فإن هذا يصح المخالعة عليه.
قال: [ويصح بالمجهول] يصح الخلع بالشيء المجهول، كأن يقول: " أخلعتك على ما في يدك من الدراهم " وهو يجهل عددها، أو على ما في بيتك من المتاع أو نحو ذلك، وذلك لأن الخلع إسقاط حق، وإسقاط الحق فيه مسامحة ظاهرة فجاز كالوصية وغيرها كما سبق ومثل المؤلف على ذلك بمسائل فقال: [فإن خالعته على حمل شجرتها] كأن يكون لها نخل وتقول: " أخلعني ولك حمل نخلي "، وحمل النخل مجهول.
قال: [أو أمتها] أي أو على حمل أمتها.
قال: [أو ما في يدها أو بيتها من دراهم أو متاعٍ، أو على عبدٍ صح] أي عبدٍ غير موصوف فإن ذلك يصح لأن الخلع إسقاط حق، وإسقاط الحق فيه مسامحة ظاهرة، فما يحصل من الحمل من الشجرة له، وله ما يحصل من حمل الأمة، وله ما في يدها وله ما في بيتها وله المتاع المذكور.
قال: [وله مع عدم الحمل والمتاع والعبد أقل مسماه] إذا خالعها على حمل الشجرة أو الأمة ثم لم تحمل، أو خالعها على ما في بيتها من المتاع فلم يوجد شيء، أو خالعها على عبدٍ فلم يوجد لها عبد، فإن له أقل مسماه، أي ما يصدق عليه أنه عبد، وما يصدق عليه أنه حمل وهكذا، وذلك لأن الاسم يصدق عليه.
قال: [ومع عدم الدراهم ثلاثة] فإذا خالعها على ما في يدها من الدراهم، فلم يكن معها شيء فيكون العوض ثلاثة دراهم لأنها أقل الجمع.

الدرس الحادي والأربعون بعد الثلاثمائة فصل

قال: [وإذا قال متى أو إذا أو إن أعطيتني ألفاً فأنتِ طالقٌ طلقت بعطيته وإن تراخى] إذا قال الزوج لزوجته: إن أعطيتيني ألفاً فأنت طالق، أو قال الزوج لأجنبي: إن أعطيتني ألفاً فزوجتي طالق، طلقت بعطيته، وذلك لحصول المعلق عليه، فهو قد ربط الخلع والطلاق بصفة وقعت هذه الصفة، قوله " وإن تراخى " أي وإن كان هذا الإعطاء على سبيل التراخي، فلو أنها لم تعطه إلا بعد شهر أو نحو ذلك فإن هذه العطية تثبت مع الطلاق، وذلك لحصول المعلق عليه، هذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد، وفصل الشافعية في هذه المسألة فقالوا: إن أتى بلفظ متى ونحوه فإن الحكم المتقدم يثبت ولو مع التراخي وذلك لأن هذا اللفظ يدخل فيه ما لو تراخى، فإذا قال: " متى ما أعطيتني ألفاً فأنت طالق "، فأعطته بعد شهر فإن هذا الإعطاء داخل في لفظه المتقدم، أما إذا قال: "إذا أو إن أعطيتني ألفاً فأنت طالق"، فإنه لا يكون إلا على الفور، فإن أعطته على التراخي فإن المشروط وهو الطلاق لا يحصل وذلك لأن هذا الباب هنا باب فداء ومعاوضة، والمعاوضة إنما يكون قبولها على الفور، فإذا قال: " بعتك هذا الشيء بألفٍ " فيقول: " قبلت "، فإذا تراخى فإن هذه المعاوضة لا تثبت، فهنا معاوضة، والأصح ما ذهب إليه الشافعية.
قال: [وإن قالت؛ اخلعني على ألفٍ أو بألفٍ أو ولك ألفٌ ففعل بانت واستحقها] إذا قالت أخلعني على ألفٍ أو بألفٍ ففعل فوراً – حتى في المذهب – ونحن نستدل عليه بالدليل المتقدم وهو أنه من باب المعاوضة، والمعاوضة إنما تقبل على الفور ولا يتراخى فيها، فإذا فعل فقال: " خالعت " ولم يقل: " خالعتكِ على ألفٍ " فلم يأت بالمال الذي هو عوض عن هذا الخلع فإن الخلع يصح ويستحق المال الذي قد ذكرته في سؤالها، وذلك لأن السؤال كالمعاد في الجواب، فالسؤال كأنه معاد في الجواب، بمعنى لما قالت له: " اخلعني ولك ألف "، كأنه قال: " خالعتك على هذا الألف ".

قال: [وطلقني واحدة بألفٍ فطلقها ثلاثاً استحقها] إذا قالت له: " طلقني واحدة ولك ألف " فقال: " أنت طالق ثلاثاً "، فإنه يستحق الألف لأنه فعل ما استدعته وزيادة.
قال: [وعكسه بعكسه] إذا قالت له " طلقني ثلاثاً " فقال؛ " أنت طالق " فطلقها واحدة فلا يحصل له العوض المذكور وذلك لأنه لم يجبها إلى الشيء الذي قد بذلت العوض له، وهذا كله مبني على ما تقدم في المذهب من أن الخلع بلفظ الطلاق طلاق، والصحيح أن الخلع بلفظ الطلاق فسخ فلا فرق بين قوله: " أنت طالق " و " أنت طالق ثلاثاً ". قال: [إلا في واحدةٍ بقيت] إذا قالت: " طلقني ثلاثاً ولك ألف، فقال: " أنت طالق -" وكان قد طلقها طلقتين سابقتين - فهنا يأخذ العوض وذلك لحصول البينونة بهذه الطلقة، فالحاصل من قوله: " أنت طالق ثلاثاً " هو نفسه الحاصل من قوله: " أنت طالق " حيث كان قد طلقها طلقتين سابقتين، وهذا أيضاً مبنيٌ على المسألة التي تقدم أنها مرجوحة.
قال: [وليس للأب خلعُ زوجةِ ابنه الصغير ولا طلاقها] فليس للأب أن يخلع زوجة ابنه الصغير وليس له أيضاً أن يخلع زوجة ابنه المجنون، هذا في المشهور من المذهب وهو مذهب الجمهور، واستدلوا بما روى ابن ماجة والحديث حسن أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إنما الطلاق لمن أخذ بالساق) ، أي إنما الطلاق للزوج، والقول الثاني في المسألة وهو رواية عن الإمام أحمد: أن له الخلع والطلاق.

واختار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: أن له الخلع، وذلك لأن الأب له أن يمتلك من مال ولده ما شاء، وقد أجازته الشريعة كما تقدم، فأولى من ذلك أن يقبل الفداء من المرأة أي من زوجة ولده الصغير حيث ساءت العشرة بينهما، وهذا القول ظاهر، فهذا القول هو القول الأرجح، والحديث المتقدم إنما هو في الطلاق، كما أن الحديث عام، والذي يظهر أيضاً، استثناء الأب في مسألة الطلاق عن ابنه الصغير بشرط أن يكون للابن حظ ومصلحة في هذا الطلاق، فقد يتضرر الابن في هذا النكاح وتلحقه النفقة ولا فائدة له به فحينئذٍ لأبيه أن يطلق، حيث كان في ذلك مصلحة.
قال: [ولا خلع ابنته بشئ من مالها] تقدم البحث في هذا وترجيح خلافه.
قال: [ولا يسقط الخلع غيره من الحقوق] هذه مسألة ظاهرة جداً، فإن الخلع لا يسقط غيره من الحقوق، إذا كان للمرأة حقوق على زوجها كأن تكون لها نفقات ماضية في ذمة الزوج، ولها – مثلاً – مهر مؤخر ونحو ذلك، فخالعته على عشرة آلاف فقبل هذه العشرة آلاف، فثبوت الخلع لا يسقط ما في ذمته من الديون التي عليه لزوجته من نفقة أو مهر أو نحو ذلك، هذا ظاهر جداً، إذ لا دليل على إسقاطه، لكن لو شرطه في الخلع فقال: " بشرط ألا يكون في ذمتي لكِ شيء " فذلك يبرئ ذمته، أما إذا خالعته على شيء من المال ولم تتعرض على ما في ذمته من الديون لها، فإن هذه الديون يبقى ثابتة لها.
قال: [وإن علق طلاقها بصفة ثم أبانها فوجدت، ثم نكحها فوجدت بعده طلقت كعتقٍ وإلا فلا]

هذه مسألة تحتاج إلى إيضاح، قوله: " وإن علق طلاقها بصفة "؛ قال لزوجته: " إن دخلتِ هذه الدار فأنتِ طالق "، وسيأتي كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مثل هذه المسألة أي في مسألة التعليق، قوله: " ثم أبانها "؛ بخلع أو بطلاقٍ بثلاث أو بدون الثلاث ثم نكحها بعد ذلك، قوله: " ثم نكحها "؛ سواء شرطنا عليه أن يكون ذلك بعد زوج آخر أو لم يكن ذلك، قوله: " فوجدت "؛ أثناء البينونة دخلت هذه الدار أثناء البينونة، إذاً قال لها: " إذا دخلتِ هذه الدار فأنت طالق، ثم ثبت الخلع بينهما أو الطلاق البائن أو طلاق دون الثلاث ثبتت معه البينونة يعني إنتهت العدة ولم يراجعها، وفعلت في أثناء البينونة هذه الصفة فدخلت في هذه الدار، ثم نكحها بعد ذلك فوجدت بعد، أي دخلت هذه الدار مرة أخرى وهي في عصمته.
قوله: " طلقت كعتقٍ "؛ أي كمسألة العتق فالعتق أيضاً إذا قال للعبد: " إن فعلت كذا فأنت حر " ثم باعه ففعل هذا الشيء وهو مملوك لغيره، ثم اشتراه مرة أخرى ففعله مرة أخرى فإنه يعتق، قوله: " وإلا فلا "؛ أي وإن لم توجد هذه الصفة بعده فلا، إذا لم تدخل هذه الدار وهي في عصمته فإن الطلاق لا يثبت لعدم حصول المعلق عليه، هذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد، وذهب الجمهور، وهو القول الثاني في مذهب الإمام احمد إلى أنه: لا يحصل الطلاق بفعل هذا الشيء.
فإذا دخلت الدار بعد أن تزوجها فلا تكون طالقاً بهذا الدخول، وذلك لأن الشرط وهو دخول الدار قد حصل في وقت لا يمكن الطلاق معه وهو وقت البينونة، فحينئذٍ فلا يقع الطلاق في المرة الثانية لأنه لما حصل في المرة الأول كان ذلك في وقت لا يمكن إيقاع الطلاق معه وذلك لأن الزوجة بائن، فهي أجنبية عنه والأجنبية لا يقع عليها الطلاق وكذلك العبد غير مملوك له، وغير المملوك لا يحصل له عتق لأنه ليس بمملوك.

وهنا حالة أخرى وهي فيما إذا لم تفعل هذا الشيء في البينونة، يعني قال لامرأته: إن دخلتِ هذه الدار فأنت طالق ثم خالعها لم تفعله في البينونة، لكنها فعلته بعد النكاح الثاني، فالجمهور على أن اليمين تعود، فإذا فعلته في النكاح الثاني فإن الطلاق يقع، وعن الإمام أحمد وهو قول في مذهب الإمام الشافعي واختاره المزني من الشافعية وأبو إسحاق: أن اليمين لا تعود وهذا فيما يظهر لي أظهر، وذلك لأنه إنما أوقعها في النكاح الأول وهذا نكاح جديد وقد بطل النكاح الأول بالبينونة المتقدم ذكرها.
وهنا مسألة إذا كان الخلع حيلة لفعل المحلوف عليه أو لئلا يحنث فيقع الطلاق، مثال ذلك: إن قال لمرأته: " إن دخل شهر رمضان فأنت طالق " فقرب الشهر، فأراد أن يحتال على عدم طلاقها فأوقع بينهما خلعاً حتى خرج شهر رمضان فحينئذٍ هذه الحيلة لا تنفعهما شيئاً، وذلك لأن الحيل لا تحل ما حرم الله عز وجل والخلع باطل، وذلك لأن الخلع أذن فيه الشارع للفرقة ولقطع النكاح وهنا بخلاف ذلك، فإن المراد منه إبقاء النكاح فهو حيلة لإبقائه والشارع إنما أذن فيه مع أن النكاح في الأصل لازم وليس للزوج أن يفسخه إلا بالطلاق، أباح الشارع الفسخ للفرقة ولقطع النكاح، هذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد وهو ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وغيره.

الدرس الثاني والأربعون بعد الثلاثمائة

فصول الكتاب · 11 فصل · 298 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للحمد · 298 صفحة
المقدمة
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب المناسك
كتاب الجهاد
كتاب الوصايا
كتاب الوصايا
كتاب الفرائض
كتاب الطلاق
كتاب الحدود
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل