شرح زاد المستقنع للحمدصفحات 241-280
أهل الأثرالأرشيف العلمي

يجب عليه القضاء لظاهر الآثار فإن أثر عمر المتقدم ظاهره أنه عليه الحج من قابل مطلقاً ولم يستفصل عمر أهي حجة تنفل أو حجة فريضة، فلم يستفصل وأعطى حكماً عاماً فدل على أن الحكم يشمل الحجة التي فات الوقوف فيها وهي تطوع كما أنه شامل للحجة التي فات الوقوف فيها وهي فريضة.
قالوا: ولأن الله عز وجل قال: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ 1 فالحج يجب بالشروع فيه، وحيث وجب بالشروع فيه، فإذا فاته الوقوف في هذه السنة فيجب عليه أن يأتي به في سنة أخرى كالنذر.
وأما حُجة الإمام أحمد في الرواية غير المشهورة عنه: فهي أن الشارع لم يوجب الحج إلا مرة واحدة، وحيث كان ذلك فلا يوجب عليه حجة أخرى.
والراجح هو القول الأول لقوة دليله، فإن الله عز وجل قال: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ وحيث فاته الوقوف وقد شرع في الحج فإن الحج لازم في ذمته واجب عليه، فحيث لم يتمكن منه هذه السنة فإنه يجب عليه في السنة الأخرى.
ثم عندنا ذاك الأثر عن عمر ولم يستفصل وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال، ولا أثر يخالفه ولا حديث يخالفه عن النبي صلى الله عليه وسلم.
فالراجح أنه يجب عليه القضاء مطلقاً.
مسألة: إذا فات رجل الوقوف بعرفة فهل يجوز له أن يختار البقاء على إحرامه إلى السنة القادمة.
فيقول: أنا نويت الحج وأريد إبقاءه ولو كان ذلك إلى السنة القادمة.
هل يجوز له هذا؟ 1- قال الحنابلة: يجوز له هذا قياساً على العمرة، فكما أن العمرة يجوز أن يبقى محرماً بها السنة والسنتين والثلاث فكذلك الحج.
2- وقال جمهور العلماء وذكره الموفق احتمالاً: لا يجوز ذلك ولا يجزئ بل يجب عليه أن يتحلل منه بعمرة كما تقدم.

قالوا: لأن الحج لا يجزئ إلا بأشهره، فأشهر الحج هي مواضع إحرامه أي حج السنة نفسها، فلابد وأن يحرم في أشهر السنة نفسها.
وهنا قد أحرم في أشهر ليست في تلك السنة التي يقع فيها الحج.
والعمل والعبادة لا تصح قبل وقتها.
ولابد وأن يكون الإحرام – كما تقدم ترجيحه – في أشهر الحج للحجة نفسها.
وهذا فرق بين الحج وبين العمرة، فإن العمرة – كما تقدم – تجزئ في كل وقت فله في كل وقت أن يحرم بها.
وأما الحج فليس له أن يحرم به إلا في أشهره.
ولظاهر الآثار فإن الصحابة – كما تقدم في أثر عمر، أمره أن يتحلل بطواف وسعي وحلق أو تقصير – ظاهر الأمر الوجوب.
فالصحيح خلاف الحنابلة في هذه المسألة وأنه إذا فاته الوقوف فليس له أن يبقى محرماً إلى السنة القادمة بل يجب عليه أن يتحلل بعمرة كما هو مذهب جمهور الفقهاء.
قال: (ومن صده عدو عن البيت أهدى ثم حل) إن صده عدو عن البيت أهدى " أي نحر أو ذبح هديه " ثم حل أي تحلل.
رجل أحرم بحج أو عمرة ثم منع عدوٌ له عن أن يتم نسكه من حج أو عمرة فإنه ينحر الهدي ويتحلل.
لقوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ ولا خلاف بين أهل العلم في هذا.
ولم يذكر المؤلف الحلق، وهو أحد القولين في مذهب الحنابلة وأن الحلق أو التقصير لا يجب على المحصر.
قالوا: لأن الله لم يشترطه فقد قال تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ ولم يذكر حلقاً أو تقصيراً.
وقال بعض الحنابلة وهو أحد القولين في المذهب واختاره أكثر أصحابه: يجب عليه الحلق، وهذا هو الراجح، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به فقد ثبت في البخاري عن المسور بن مخرمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (حلق بالحديبية في عمرته وأمر أصحابه بذلك، ونحر قبل أن يحلق وأمر أصحابه بذلك) 1

وذلك لما أحصر كما ثبت ذلك في الصحيحين من حديث ابن عمر قال: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فحال كفار قريش دون البيت فنحر النبي صلى الله عليه وسلم هديه وحلق رأسه) 1 فقد نحر ثم حلق وأمر أصحابه بذلك، والسنة تدل على ما يدل عليه القرآن من فرض أو استحباب أو تحريم أو كراهية أو غير ذلك من الأحكام كما هو باتفاق أهل العلم.
فعلى ذلك فيه أمر النبي صلى الله عليه وسلم، فقد حلق رأسه وأمر بالحلق.
فأصح القولين في المذهب وهو اختيار أكثر الحنابلة: أن الحلق واجب فمن أحصر فيجب عليه أن ينحر ثم يحلق وليس له أن يحلق قبل أن ينحر لقوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ وإنما استثنى ذلك في يوم النحر للحرج فقدم الحلق على النحر وجاز ذلك كما تقدم في الحديث المتفق عليه رفعاً للحرج فما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء قدم ولا أخر في ذلك اليوم إلا قال: افعل ولا حرج 2 . أما في المحصر فإن ظاهر الآية الكريمة: أنه ليس له أن يحلق رأسه قبل أن ينحر.
وظاهر كلام المؤلف: أنه لا يجب عليه القضاء، فمن أُحصر فالواجب عليه أن ينحر ويحلق ولا يجب عليه الحج في السنة المقبلة، إلا أن تكون هذه الحجة حجة فريضة فيجب عليه الحج من قابل للأمر الأول.
وهذا هو المشهور عند الحنابلة وأن المحصر لا يجب عليه القضاء.
واستدلوا بطريقتهم السابقة في الاستدلال بالآية في قوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ ولم يوجب قضاء.
وعن الإمام أحمد أن القضاء واجب عليه.

فعن الإمام أحمد روايتان ودليل الرواية الثانية: ما ثبت عند الخمسة بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كُسر أو عُرج فليتحلل وعليه الحج من قابل) 1 ولقوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ فهذا قد نوى الحج فوجب عليه أن يتمه وحيث لم يمكنه الإتمام في هذه السنة فإن عليه أن يحج في السنة القادمة كما تقدم في استدلالهم في المسألة السابقة.
والنص المتقدم ظاهر في هذا والنبي صلى الله عليه وسلم قد أطلق ولم يفرق بين حجة الفريضة وحجة النافلة.
فمن أحصر في فريضة أو نافلة فإن عليه أن يحج من قابل، وهذا هو الأرجح.
فالراجح أن المحصر يجب عليه أن يحج من قابل، وهو رواية عن الإمام أحمد.
قال: (فإن فقده صام عشرة أيام ثم حل) أي فقد الهدي فإنه يصوم عشرة أيام ثم يحل.
فعندهم أنه يسقط عنه الهدي لبدلٍ وهو الصيام - وليس له أن يتحلل حتى يصوم؛ لأنه بدل عن الهدي، ولا يتحلل حتى ينحر الهدي – هذا هو المذهب.
وقد تقدم هذا وأن الراجح أنه يسقط عنه الهدي لا إلى بدل كما هو مذهب بعض أهل العلم، فقد تقدم ذكر هذه المسألة في باب سابق.
فالراجح: أن من عجز عن الهدي فإنه يسقط عنه لا إلى بدل لأن الله لم يذكر البدل وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
وتقدم إبطال قياسهم على هدي التمتع في باب سابق.
(انظر باب الفدية) قال: (وإن صد عن عرفة تحلل بعمرة) أي رجل لم يُصدَّ عن البيت فيمكنه أن يطوف ويسعى ولكنه صُد عن عرفة التي هي ركن الحج.
فحينئذٍ حكمه: أنه يتحلل بعمرة ولا هدي عليه ولا قضاء.
فلو أن رجلاً قال: لبيك حجاً فلما أتى مكة أُحصر عن الوقوف بعرفة فحينئذٍ نقول: اقلب حجك إلى عمرة فطف بالبيت وبالصفا والمروة وحلق أو قصر ولا شيء عليك.

وهذا ظاهرٌ فإنه تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة وقد أهلوا بالحج أمرهم أن يقلبوا إهلالهم بالحج إلى عمرة وحيث جاز هذا بلا إحصار فإنه مع الإحصار أولى.
أما إن حبس وصد هذا عن الطواف بالبيت، أي وقف بعرفة ورمى وحلق لكنه منع وصد عن الطواف – عن طواف الإفاضة -. قالوا: يبقى محرماً أبداً حتى يطوف بالبيت.
إن منع من الطواف وحبس عنه فإنه لا يمكنه أن يتحلل بعمرة كمن فاته الوقوف وحينئذٍ فليس له أن ينقل النسك وما تقدم قلبٌ للنسك لأنه يمكنه أن يقلبه من حج إلى عمرة، أما هنا فلا يمكنه أن يقلبه إلى عمرة لأن المنع متعلق بالبيت.
فحينئذٍ: عليه أن يبقى محرماً أبداً حتى يتمكن من الطواف بالبيت ولو بعد سنوات طويلة.
لكن هل له أن يتحلل كما يتحلل المحصرون فيذبح هدياً؟ قالوا: ليس له ذلك.
قالوا: لأن الإحصار إنما ورد من الإحرام التام وهو الذي يكون المحرم فيه ممنوعاً من جميع المحظورات وهذا يكون قبل التحلل الأول.
قالوا: وهذا هو الإحصار المشروع.
أما هنا فإنه ليس بإحرام تام لأنه قد حل التحلل الأول لوقوفه بعرفة ورميه جمرة العقبة ولم يبق محظوراً عليه إلا النساء، والشرع إنما ورد بالتحلل من الإحرام التام أما وقد بقي عليه طواف الزيارة فقد حل التحلل الأول فإنه لم يرد الشرع فيه، هذا مذهب الحنابلة.
وهذا لا شك أنه ضعيف.
ولذا ذهب الشافعية: إلى أنه يتحلل كما يتحلل المحصرون، فيذبح ثم يحلق.
قالوا: لأن الآية عامة: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ فالآية عامة في كل محصر سواء كان الإحصار قبل عرفة أم بعدها.
فمن أحصر ومنع سواء كان الإحصار بعد عرفة أو قبلها، بعد التحلل الأول أو قبله، فإن ذلك كله داخل في عموم الآية.
والمعنى يقتضي هذا، ثم إن التحلل من الإحرام الناقص أولى من التحلل من الإحرام التام، وهذا القول هو الراجح وفيه ما فيه من رفع الحرج.

فعلى ذلك: الصحيح ما ذهب إليه الشافعية وأن من صُد عن طواف الزيارة فإنه ينحر هديه ثم يحل.
فالصحيح أنه إن منع عن شيء من أركان الحج فإنه لا يبقى محرماً بل يتحلل من ذلك.
ومثل ذلك المرأة الحائض: لو قلنا أنها ليس لها أن تطوف بالبيت وهي حائض ضرورة كما هو مذهب الجمهور.
فالصحيح أنها تتحلل بعد هدي تذبحه وأنها في حكم المحصرين – كما هو مذهب الشافعية.
أما أن يمنع عن شيء من واجبات الحج فإن التحلل لا يقع، لأن التحلل إنما يكون لفعل المحظورات إن لم يقع له التحلل التام أو التحلل الناقص – على الراجح – والواجبات تجبر بالدماء فليس محلاً للتحلل وحينئذٍ فمن أحصر عن واجب من الواجبات كأن يحصر عن طواف الوداع كان عليه دماً في المشهور في المذهب.
وفي إيجاب الدم – فيما يظهر لي – نظر لأنه عاجز عنه وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم -، – وهم يقولون بوجوب الوقوف بعرفة من زوال الشمس إلى غروبها، والنبي صلى الله عليه وسلم قد نص على أن من فاته الوقوف بعرفة نهاراً وأدركه بشيء من الليل فمع فوات الواجب الذي هم يقولون به لم يوجب النبي صلى الله عليه وسلم عليه دماً فهنا كذلك.
فالأظهر أنه لا دم عليه، فمن أحصر عن شيء من مناسك الحج فإنه لا دم عليه ولا شك أن الأحوط هو الدم.
إذن: المشهور عند الحنابلة أن من منع من شيء من الواجبات فإنه لا يوجه إليه التحلل المختص بالمحصرين لأن حجه يصح من غير فعل هذا الواجب، فإن ترك الواجبات كرمي أو غيره لا يبطل الحج ويجبر بالدم فليس محلاً لتحلل المحصرين وحينئذٍ: فعليه أن يذبح دماً لتركه لهذا الواجب.
قال: (وإن حصره مرض أو ذهاب نفقة بقي محرماً إن لم يكن اشترط)

إذا حصره مرض كأن يكسر أو يعرج أو يصاب بشيء من الأمراض أو نفدت نفقته فلم يبق له ما ينفق منه على نفسه أو نحو ذلك من العوائق المانعة من تمام الحج سوى العدو – فقد تقدم أن العدو عند الحنابلة إن أحصر الحاج أو المعتمر فإنه يكون محصراً،وحينئذ ينحر ويحلق أو يقصر -. لكن هنا المسألة: إن كان هذا المعيق ليس عدواً وإنما مرض أو ذهاب نفقة أو نحو ذلك.
فقال الحنابلة، وهو مذهب الجمهور: يبقى محرماً ولا يكون له حكم المحصرين.
قالوا: لأن الله قال في كتابه: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ وهذه الآية نزلت في منع المشركين النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من العمرة فهي قد نزلت في الإحصار من العدو.
ولم يلحقوا به غيره.
فجعلوا هذه الآية دليلاً على هذه المسألة.
وصح عن ابن عباس أنه قال: (لا حصر إلا من عدو) رواه الشافعي بإسناد صحيح، ونحوه عن ابن عمر في الموطأ بإسناد صحيح.

  • وذهب الأحناف وهو رواية عن الإمام أحمد وهو قول ابن مسعود وقول طائفة من التابعين كمجاهد والحسن وعلقمة، وهو مذهب الظاهرية ومذهب أبي ثور، قالوا: بل الإحصار عام من العدو والمرض وذهاب النفقة وغيرها من العوائق المانعة من الحج أو العمرة.
    واستدلوا: بما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم: (من كسر أو عرج فليتحلل وعليه الحج من قابل) 1 رواه الخمسة وإسناده صحيح، وهو دليل على هذه المسألة ظاهر.
    فقد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم من كسر أو عرج وهما من الأمراض أعطاهما حكم المحصرين.
    قالوا: ولأنه داخل في عموم الآية: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ ومن منعه مرض أو ذهاب نفقة فهو محصر.

بل قال غير واحد من أهل اللغة: " الإحصار من مرض والحصر من عدو " وعليه حمل ابن القيم مقالة ابن عباس المتقدمة أي من حيث اللغة فهذه اللفظة " الإحصار " هي في المرض أظهر منها في الأعداء، فعلى ذلك يكون اختيارها في هذه الآية الكريمة تنبيهاً على دخول من منعه المرض من باب أولى لأن لفظة الإحصار أخص في منع المرض من منع العدو، وهذا هو اختيار ابن القيم.
وأما الجواب على دليلهم فيقال: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
هذا هو القول الراجح وهو اختيار ابن القيم.
إذن: اختلف أهل العلم هل يختص الإحصار بمنع العدو أو يعمه ويعم كل حبس ومنع سواء كان من عدوٍ أو من مرض أو ذهاب نفقة على قولين: الراجح: أنه عام في العدو وفي غيره وهذا هو الذي تدل عليه الأدلة الشرعية والنظر الصحيح إذ المعنى ثابت فيه كما هو ثابت في إحصار العدو.
هذا إن لم يكن اشترط، أما من اشترط فإنه يتحلل ولا شيء عليه فلا دم عليه ولا يبقى محرماً كما ثبت في قوله صلى الله عليه وسلم لضباعة بنت الزبير: (اشترطي أن محلي حيث حبستني) 1 وفي النسائي: (فإن لك على ربك ما استثنيتِ) . فإذا اشترط فقال: (إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني) فإنه يتحلل ولا شيء عليه لا هدي ولا قضاء وتقدم الكلام على الاشتراط.
والمسائل السابقة معروضة فيمن لم يشترط.
والحمد لله رب العالمين.

باب: الهدي والأضحية 2 الهدي: من الهدية وهو ما يهدى إلى حرم الله تعالى من النعم، وسيأتي الكلام عليه.

الأضحية: فهي ما يذبح يوم النحر وأيام التشريق من النعم تقرباً إلى الله تعالى.
وفيها أربع لغات: أضحية: كسر الهمزة، وضمها وتشديد الياء وتخفيفها " (أُضحية – إضحية – أضحيَّة، إضحيّة) وهنا لغة خامسة وهي " ضحيَّة " سيأتي الكلام عليها.
قال: (أفضلها إبل ثم بقر ثم غنم) الأفضل في الأضحية الإبل ثم البقر ثم الغنم، والبحث هنا في الأضحية وسيأتي الكلام على الهدي.
استدل الجمهور على أن أفضل الأضاحي الإبل ثم البقر ثم الغنم، بالحديث المتفق عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من راح يوم الجمعة في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن) 1 قالوا: فهذا الحديث يدل على أن الإبل هي الأفضل ثم البقر ثم الغنم " من الضأن أو المعز ". وقال المالكية: الأفضل في الأضاحي هو الغنم فهي أفضل من الإبل والبقر.
واستدلوا: بفعل النبي صلى الله عليه وسلم فقد ثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك قال: (ضحى النبي صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده وسمى وكبر ووضع رجله على صفاحهما) 2 والشاهد قوله: " ضحى بكبشين " فالنبي صلى الله عليه وسلم ضحى بالغنم ولما ثبت في الترمذي وابن ماجه بإسناد صحيح عن أبي أيوب الأنصاري قال: (كان الرجل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يضحي بالشاة الواحدة عنه وعن أهل بيته فيأكلون ويطعمون ثم تباهى الناس كما ترى) 3 .

وهنا ينكر على التباهي في هذا الباب فدل على أنه خلاف الهدي - وهذا القول فيه قوة – فالنبي صلى الله عليه وسلم قد ضحى بالغنم ولا شك أن فعله أولى في هذا الباب – وبخصوص الأضحية – أولى بالاستدلال من الحديث المتقدم الذي هو ليس مختص بباب الأضاحي.
فحديث الحنابلة وغيرهم في تفضيل الإبل هو حديث عام يدل على فضيلة الإبل على البقر والغنم وعلى فضيلة البقر على الغنم.
وحديث المالكية يدل على اختصاص الغنم بالفضيلة في باب الأضاحي فالذي يظهر لي أن ما ذهب إليه المالكية أقوى والله أعلم.
وأفضل كل جنس أسمنه فأغلاه وسواء كان ذكراً أو أنثى فلا بأس أن يضحي بالأنثى من الإبل أو بالذكر وكذلك في البقر والغنم، وأفضل ذلك أسمنه فاعلاه.
ففي البخاري معلقاً عن أبي أمامة معلقاً قال: (كنا نسمِّن الأضحية بالمدينة وكان المسلمون يسمنون) 1 ووصله أبو نعيم في مستخرجه.
وفي أبي عوانة في مستخرجه من حديث أنس المتقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم: (ضحى بكبشين أملحين أقرنين) 2 عند أبي عوانة: (سمينين) وفي بلوغ المرام لابن حجر 3 أن عند أبي عوانة: " ثمينين " فلعلها رواية أخرى غير الرواية التي تقدم ذكرها.
ولأن هذا من تعظيم شعائر الله، والأضاحي من شعائر الله، وقد قال تعالى: ﴿ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾ فأفضل الأضحية أسمنها فأغلاها.
قال: (ولا يجزئ فيها إلا جذع ضأن) الجذع من الضأن يجزئ من الأضاحي لا من المعز، وبينهما فارق فإن الجذع من الضأن يرد على الأنثى فيلقح بخلاف الجذع من المعز.
ويعرف الجذع بأنه ينام صوفه على ظهره.
وقال الحنابلة: وهو ما له ستة أشهر.
وقال الشافعية: ما له سنة.

قال ابن الأعرابي: - وهو من أهل اللغة المشاهير -: " الجذع إن كان من شابين أجذع لستة أشهر، وإن كان من هرمين أجذع لثمانية أشهر إلى عشرة أشهر " فدل هذا على أنه يصح أن يجذع وهو لستة أشهر لكن هذا ليس ثابتاً بل قد يجذع لستة أشهر أو لثمانية أشهر إلى عشرة أشهر، فمتى نام صوفه ويعلم هذا أهل الخبرة من أهل الغنم متى نام صوفه فقد أجذع.
فالجذع من الضأن هو المجزئ، ولا يجزئ من غيره إلا المسن، ولذا قال: قال: (وثني سواه) الثني هو المسن فلا يجزئ من غير الضأن إلا المسن، وهو ماله من الإبل خمس سنين ومن البقر سنتان، ومن المعز سنة.
لذا قال: (وهو ماله من الإبل خمس سنين ومن البقر سنتان ومن الغنم سنة) فلا يجزئ جذعاً إلا أن يكون من الضأن.
ودليل إجزاء الجذع من الضأن ما ثبت في سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الجذع يوفي مما توفي من الثنية) 1 ، وثبت في النسائي بإسناد جيد عن عقبة بن عامر قال: (ضحينا مع النبي صلى الله عليه وسلم بالجذع من الضأن) 2 وهو أيضاً ثابت في الصحيحين نحوه.
وأما ما ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعاً من الضأن) 3 فهذا الحديث يحمل على الاستحباب جمعاً بينه وبين الأحاديث المتقدمة أي: يستحب لكم ألا تذبحوا إلا المسن إلا إن عسر عليكم ذلك فاذبحوا الجذع من الضأن.

إذن: يجزئ الجذع من الضأن وهذا هو مذهب جماهير العلماء، ولا يجزئ من غير الضأن إلا الثنى أو المسن وهو ما له من الإبل خمس سنين ومن البقر سنتان ومن المعز سنة.
قال: (والضأن نصفها) أي ستة أشهر، هذا هو المشهور في المذهب وتقدم كلام ابن الأعرابي من أهل اللغة.
قال: (وتجزئ الشاة عن الواحد) أي عن الواحد وأهل بيته وعياله.
كما تقدم في حديث أبي أيوب في الترمذي وابن ماجه قال: (كان الرجل على عهد النبي صلى الله عليه وسلم يضحي بالشاة الواحدة عنه وعن أهل بيته فيأكلون ويطعمون) 1 فالشاة لا تجزئ إلا عن الواحد أي وأهل بيته.
ويريد المؤلف بقوله " ويجزئ عن الواحد " أي لا يصح الاشتراك فيها بخلاف الإبل والبقر.
وأما إجزاؤها عن أهل بيته وعياله فإنها تجزئ عند الحنابلة ودليل هذا قول أبي أيوب المتقدم وله حكم الرفع.
وأما الاشتراك فلا، فإنها لا يشترك بها وإنما يجزئ عن الواحد [و] من اتبعه من أهل بيته وعياله.
قال: (والبدنة والبقرة عن سبعة) تقدم ما يدل على هذا وهو حديث جابر في مسلم في قوله: (نحرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة) 2 فإذا اشترك سبعة فأقل من ذلك ببقرة أو بدنة أجزأ ذلك عنهم.
قال: (ولا تجزئ العوراء) وهي التي ذهبت إحدى عينيها.
قال: (والعجفاء) وهي الهزيلة الضعيفة التي لا مخ في عظامها.
قال: [والعرجاء] البين عرجها أي عرجها شديد يُضر بها في الرعي ولحاق الغنم في المرعى.

ويدل على هذا ما ثبت عند الخمسة بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البيِّن عورها " ودل هذا على أن إحدى العينين إذا كان فيها شيء من البياض من العور الخفيف فإنه لا يؤثر، وإنما المؤثر هو العور البيِّن- والمريضة البيِّن مرضها - أي فيها مرض بيّن مضر ببدنها سواء كان جرباً أو غيره خلافاً لمن قيده من أهل العلم بالجرب فالحديث عام فيه وفي غيره - والعرجاء البيِّن ظلعها - أي عرجها - والكسير - عند النسائي: والعجفاء – - التي لا تنقي) 1 أي التي لا مخ فيها.
فهذه الأربع لا تجزئ في الأضاحي، فإذا ضحى بها لم تجزئه.
قال: (والهتماء) وهو التي سقطت ثناياها من أصلها.
وقال شيخ الإسلام: بل هي التي سقط بعض أسنانها.
المشهور عند الحنابلة أن الهتماء لا تجزئ.
وذهب بعض الحنابلة وهو أحد الوجهين لمذهب الشافعية واختاره شيخ الإسلام أنها تجزئ وهذا هو الراجح إذ لا دليل يدل على عدم إجزائها.
وللحصر المتقدم فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد حصر غير المجزئ من الضحايا بأربع فدل هذا على أنها إن سقطت ثناياها أو سقط بعض أسنانها فإنه تجزئ خلافاً للمشهور عند الحنابلة.
قال: (والجدَّاء) من جدَّ الضرع إذا يبس وهي التي يبس ضرعها فلا لبن فيها، فهذه لا تجزئ.
قالوا: لأن هذا أولى من ذهاب شحمة عينها، فإن العوراء قد ذهبت شحمة عينها فهذه أولى منها بعدم الإجزاء.
وفي هذا نظر؛ فإن العوراء إنما ورد الشرع بعدم الإجزاء بها لأن عورها يضر برعيها، بخلاف الجداء " التي يبس ضرعها " فإن هذا لا يؤثر في رعيها ولا يؤثر في لحمها والمقصود هو اللحم.

فالأظهر أن الجدَّاء تجزئ التضحية بها مع أن الأولى أن تكون سليمة من ذلك لقوله تعالى: ﴿ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾ وهذا يقتضي اختيار الأفضل.
قال: (والمريضة) تقدم أن المريضة بجرب أو نحوه لا تجزئ، والمراد بالمريضة البين مرضها التي فيها مرض ظاهر مضرٍ للحمها فهذه لا تجزئ في الأضحية.
قال: (والعضباء) وهي التي ذهب أكثر أذنها أو قرنها – أي أكثر من النصف -. قالوا: لا يجزئ لما روى النسائي والترمذي وصححه عن علي: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى أن يضحي بأعضب القرن والأذن) 1 .

  • وذهب جمهور العلماء وهو اختيار طائفة من الحنابلة كصاحب الإنصاف واستظهره صاحب الفروع واختاره الشيخ عبد الرحمن السعدي: أن ذلك يجزئ.
    والحديث الذي استدل به الحنابلة يرويه قتادة عن جُري السدوسي عن علي بن أبي طالب، ولم يرو عن جُري إلا قتادة.
    وقال أبو حاتم: " لا يحتج بحديثه " أي بحديث جُري لأنه لم يرو عنه إلا قتادة.
    وتعقب الذهبي قول أبي حاتم المتقدم بقوله: " قلت: لكن أثنيَ عليه " فعلى ذلك حديثه لا بأس به.
    فعلى ذلك الحديث حسن إن شاء الله وقد صححه الترمذي وغيره فقد روى عنه قتادة وتفرد عنه بالرواية لكن أثنى عليه.
    ومن لم يرو عنه إلا راوٍ واحد لكن وثق سواء كان الموثِّق هو الراوي عنه أو غيره فإن حديثه مقبول.

لكن الحديث لا يظهر الاستدلال به على عدم الإجزاء، بل الظاهر أنه يدل على الكراهية، بدليل أن أهل العلم قد أجمعوا على أن التضحية بالخرقاء والشرقاء والمقابلة والمدابرة، وقد ثبت النهي عنها في حديث صحيح سيأتي أنه يجزئ في الأضاحي مع الكراهية وهنا كذلك فإن هذا لا يعدو إلا أن يكون أثراً في القرن أو الأذن ولا يؤثر هذا في اللحم.
وقد حصر النبي صلى الله عليه وسلم ما لا يجزئ بأربع ولم يذكر أعضب الأذن والقرن، فالأظهر حمله على الكراهية.
فالراجح من قولي العلماء أن التضحية بأعضب الأذن والقرن مجزئ مع الكراهية.
قال: (بل البتراء خلقة) البتراء 1 : هي التي لا أذن لها، وتقييد المؤلف بقوله: " خلقة " موهم أن هذا القيد معتبر عند الحنابلة وليس كذلك بل البتراء عندهم سواء كان ذلك خلقة أو مقطوعاً أنه يجزئ فلو قطعت الأذن كلها أو كان ذلك خلقة فإنه يجزئ في المشهور عند الحنابلة.
قال: (والجمَّاء) هي التي لا قرن لها، وهي مجزئة.
فالبتراء والجماء تجزئ عندهم ولم أر خلافاً بين أهل العلم في هذا.
ولأن هذا لا أثر له على لحمها فأجزأت.
ولا شك أن قولهم بإجزاء مقطوع الأذن وعدم إجزاء ما قطع أكثر الأذن أو أكثر القرن منه لا شك أن هذا فيه نظر ظاهر.
فعلى ذلك: العيب المتعلق بالأذن أو القرن سواء كان العيب بذهاب شيء يسير من الأذن أو القرن أو بذهاب الشيء الكثير منهما أو بذهابهما كلهما خلقة أو قطعاً أن هذا لا يؤثر في الأضاحي.
قال: (وخصي) الخصي: لا خلاف بين أهل العلم أنه يجزئ.
وفي أبي داود من حديث أنس المتقدم قال: (موجوءين) 2 من الوجاء وهي الخصاء.
فقد ضحى به النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أفضل للحم وأطيب وأسمن.

قال: (غير مجبوب) فإن ترتب على الخصاء أنه يُجب عضوه " ذكره " فإنه لا يجزئ في المشهور عند الحنابلة، لأنه قد ذهب شيء من أعضائه وهو ذكره.
وذهب بعض الحنابلة إلى أن الخصاء وإن كان معه جب للعضو فإنه يجوز التضحية به.
وهذا أظهر، لأنه لا يؤثر في اللحم، لأن عضوه ليس مقصوداً للأكل عادة.
فالأظهر أن الخصي وإن ترتب على خصائه أن جب ذكره، أنه يجزئ في التضحية.
قال: (وما بأذنه أو قرنه قطع أقل من النصف) إن كان في أذنه قطع أو قرنه قطع أقل من النصف فإنه يجزئ.
وقد تقدم أنه إذا كان القطع أكثر من النصف فهو الأعضب وهو لا يجزئ عند الحنابلة.
فإن كان القطع نصفاً فأقل فإنه يجزئ عندهم ولا خلاف بين أهل العلم في هذا كما تقدم، فإن قطع شيء من أذنه أو قرنه ولو كان ذلك النصف فإنه يجزئ لكن مع الكراهية.
ودليل الكراهية عندهم: ما ثبت عند أبي داود والترمذي بإسناد صحيح عن علي قال: (أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نستشرف العين والأذن وألا نضحي بعوراء ولا مقابلة ولا مدابرة ولا خرقاء ولا شرقاء) 1 المقابلة: هي التي قطع شيء من أذنها من جهة مقدم الأذن ويعلق ذلك بها.
والمدابرة: نحوها لكن القطع من مؤخر الأذن.
الخرقاء: التي في أذنها خرق مستدير وهذا يفعل سمة لها.
الشرقاء: التي في أذنها شق سواء مستديراً أو لا.
فعلى ذلك: ما كان في أذنها شق أو قطع ولم يصل ذلك إلى أكثر من النصف فإنه عند عامة العلماء أن ذلك لا يؤثر في باب الأضاحي.
أما إذا كان أكثر من النصف، فالمشهور في المذهب أنه لا يجزئ وهو الأعضب.
والصحيح القول بإجزائه.
كل ما كان فيه شيء من النقص والعيب من بهيمة الأنعام فإنه مكروه التضحية به.

  • النبي صلى الله عليه وسلم قال: (العوراء البين عورها) وألحق أهل العلم إجماعاً العمياء بها، والسؤال: هو إذا قام صاحبها بإطعامها – أي العوراء أو العمياء – فهل يجزئ أو لا؟ إذا نظرنا إلى ما تقدم من القاعدة فإننا نقول أنها تجزئ لأنها ذات لحم طيب، وهذا العور أو العمى لم يؤثر في بدنها.
    وإذا نظرنا إلى قوله صلى الله عليه وسلم: (العوراء البين عورها) قلنا أنها لا يجزئ لأن هذا الوصف بها.
    والذي يظهر لي – والله أعلم – هو القول بالإجزاء لكن مع ذلك الأولى عدم التضحية بها.
    وذلك لأن الأصل في العوراء أن يؤثر ذلك في رعيها لكن إن قام صاحبها برعيها، فلم يؤثر ذلك في رعيها فإن مثل عورها ليس في الحقيقة مؤثر، فذهاب شحمة في عينها غير مؤثر.
    ولا شك أنها مكروهة لأن هذا العيب يؤثر فيها كراهية، كما تقدم من نهي النبي صلى الله عليه وسلم عما هو دون ذلك مما هو مشقوق الأذن فأولى من ذلك العوراء وإن سُمنت.
    مسألة: هل يُضحي عن الميت؟ هذه ترجع إلى مسألة: هل تصل الأعمال الصالحة إلى الميت أم لا – سوى الصدقة والدعاء فقد أجمعوا على وصولهما -؟ . والذي يظهر لي عدم الوصول، وحينئذٍ هل الأضحية من جنس الصدقات أو لا؟ فإن قلنا إنها من جنس الصدقات قلنا بإجزائها لأن الصدقة تصل إلى الميت.
    والذي يتبين لي – والله أعلم – أن الأضحية ليست من الصدقات بدليل أن صاحبها لو لم يتصدق بشيء منها بل أكلها وأطعمها جاره وأهدى فإنها تجزئ.
    فالمقصود من الأضحية إراقة الدم في ذلك اليوم فلما كان الأمر كذلك – وهو أن المقصود إراقة الدم وهو نسك وعبادة – فإنه ليس صدقة ولا من جنس الصدقات.
    فالأظهر أنه لا يضحى عنه إلا أن يوصي بذلك.

والنبي صلى الله عليه وسلم لم يضحي عن أحد من أهل بيته كخديجة وحمزة مع أن المشهور عند أهل العلم أن الأضاحي شرعت في السنة الثانية للهجرة فالأظهر هو عدم مشروعية ذلك، لكن إن أوصى الميت بذلك فإنه يجوز؛ لأنه تصرف بالمال على وجه صحيح.
مسألة: الكبش الأبيض منه أفضل من الأسود كما قال الحنابلة وهو أظهر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بكبش أملح وهو ما فيه بياض وسواد لكن بياضه أغلب لسواده.
فالأظهر أن الأملح أفضل من الأسود – هذا في الأصل لكن لو كان هذا أسمن من هذا أو أغلى ثمناً من هذا فإنه أفضل.
مسألة: الأضحية لابد أن تكون كاملة فإن كانت مقطوعة الرجل أو نحو ذلك فإنها لا تجزئ لأنها ليست كاملة تامة.
أما إذا كان مما تقدم مما ليس بمقصود في الأكل عادة وإن كان ربما أكل لكن ليس هو المقصود في الأكل فإنه يجزئ.
مسألة: لابد أن تكون الأضحية من بهيمة الأنعام لقوله تعالى: ﴿ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام﴾ 1 ولابد وأن يكون مستأنساً ومن أبوين مستأنسين، فلو كان وحشياً أو أحد أبويه وحشي فإنه لا يصدق عليه ذلك ولا يجوز أن يضحي به.
والحمد لله رب العالمين.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: (والسنة نحر الإبل قائمة معقولةً يدها اليسرى فيطعنها بالحربة في الوَهدة التي بين أصل العنق والصدر) " الوهدة " هو المكان المطمئن.
هذه الصفة المستحبة في نحر الإبل أن تكون قائمة قد عقلت يدها اليسرى أي ربطت – فهي قائمة على ثلاثة أطراف – ثم تنحر بحربة في الوهدة التي بين عنقها وبين صدرها.
ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها 2 ﴾ قال ابن عباس كما في البخاري: " ﴿فاذكروا اسم الله عليها صواف﴾ أي قياماً " 3 ﴿فإذا وجبت جنوبها﴾ أي سقطت فهي قائمة.

وثبت في البخاري أن عمر أتى على رجل قد أناخ بدنته ينحرها فقال: (ابعثها قياماً مقيدة سنة محمد صلى الله عليه وسلم) 1 وفي مراسيل أبي داود: (معقولة اليسرى) 2 وهو مرسل فإن عقلت اليمنى فلا بأس لكن العمل بأن تكون المقيدة هي اليسرى أولى لثبوت هذا الأثر المرسل.
وكونها تنحر في الوهدة فلأن ذلك أسهل لخروج روحها وقد ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته) 3 فهذا الموضع أسهل لخروج روحها فيستحب ذلك.
قال: (ويذبح غيرها) غيرها من بقر وغنم، فإنها تذبح ذبحاً لا نحراً.
وقد تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم ذبح الكبشين الأملحين بيده ووضع رجله على صفاحهما أي على الجنوب.
فإذن: تضجع البقرة أو الغنمة على جنبها ثم توضع الرجل على الجنب الذي إلى السماء وذلك إراحة لها لئلا تتحرك فيكون الذبح عليها فيه عسر ومشقة فتوضع الرجل على جنبها وتوجه إلى القبلة استحباباً.
قالوا: ويستحب – وهذا باتفاق العلماء – أن تضجع على جنبها الأيسر وذلك من أجل أن يكون الذبح من الذابح باليد اليمنى وهذا أسهل للذبح.
وحينئذٍ: فإن كان أيسراً " أي يذبح بيده اليسرى " فإنه إن أضجعها على جنبها الأيمن فإن هذا أسهل.
إذن: تضجع إلى القبلة استحباباً ويكون اضجاعها على جنبها الأيسر ليكون ممسكاً بالسكين بيده اليمنى وهذا أسهل لذبحها وفي الحديث: (وليرح ذبيحته)

لكن إن كان الأسهل اضجاعها على جنبها الأيمن فإن هذا حسن ويضع رجله على جنبها البارز عن الأرض لئلا تتحرك البهيمة فيشق عليه الذبح وفي الحديث: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء) . قال: (ويجوز عكسها) فلو ذبح الإبل أو نحر في البقر والغنم فإن ذلك جائز لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المتفق عليه: (ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل) 1 فإذا أنهر الدم بالسكين نحراً أو ذبحاً فإنه يجزئ وإن كان المذبوح محله النحر والمنحور محله الذبح؛ لكنه خلاف المستحب.
قال: (ويقول: باسم الله والله أكبر) " باسم الله " وجوباً وسيأتي الكلام على حكم التسمية على الذبيحة في باب الذبائح إن شاء الله تعالى.
" والله أكبر " استحباباً، وقد تقدم حديث أنس وفيه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذبح الكبشين الأملحين سمى وكبر) 2 وفي مسلم قال: (باسم الله والله أكبر) قال: (اللهم هذا منك ولك) ثبت هذا في سنن أبي داود من حديث جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم هذا منك ولك) 3 والحديث فيه عنعنة محمد بن إسحاق لكن له شاهد عند أبي يعلى من حديث أبي سعيد.
وله شاهد آخر عند الطبراني من حديث ابن عباس فالحديث حسن.
" هذا منك " أي هذا نعمة منك وفضلاً.
" ولك " أي لك تعبداً ورقاً.
قال: (ويتولاها صاحبها)

المستحب أن يتولاها صاحبها وقد تقدم في حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم ذبحها بيده، (وقد نحر النبي صلى الله عليه وسلم في هديه ثلاثاً وستين بيده وأعطى علياً ما بقي وقد أشركه في هديه) . فهذا يدل على أن المستحب في الأضحية والهدي أن يتولى صاحبها الذبح أو النحر.
لكن لو تولاها غيره وكان هذا الغير صحيح الذبح فإن هذا جائز ولذا قال: (أو يوكل مسلماً) التوكيل إن كان لمسلم فلا خلاف بين أهل العلم في إجزائه، واتفقوا على أنه لو وكَّل وثنياً لذبح أضحيته فإنه لا يجوز ولا يجزئ لأن ذبيحته لا تحل.
لكن اختلفوا في إجزاء ذبح الكتابي فهل يجوز أن يوكل المسلم كتابياً بأن يضحي له أم لا؟ قولان لأهل العلم: أصحهما وهو المشهور عند الحنابلة ومذهب الجمهور: أن ذلك يجزئ.
قال المالكية: لا يجزئ لأنها قربة وعبادة فلا تصح من كافر.
والصحيح ما ذهب إليه الحنابلة، وهو مذهب الجمهور من الإجزاء وذلك لأن الكافر تصح منه القربة عن المسلم أي فعل القربة عن المسلم والقربة تقع للمسلم.
بدليل أنه يجوز بناء المساجد عمارة من الكفار فيجوز أن يتولى الكافر عمارة المساجد ونحوها، فهنا لا يعدو الأمر إلا أن يكون توكيلاً فليس من باب العبادة، فهذا الذمي لا يتعبد الله بالذبح بل هو موكل، وإنما الذي يتعبد الله بالذبح هو المؤمن بنيته وبماله الذي دفعه في هذه الأضحية، والذمي يجوز أن يتولى فعل القربة إن كان فعلها ليس على وجه التعبد وهنا فعل القربة ليس على وجه التعبد فإنه لا يعدو إلا أن يكون موكلاً بالذبح وهو صحيح الذبح.
فعلى ذلك الصحيح وهو المشهور عند الحنابلة أنه يجوز ذلك، وإن كان عندهم أن ذلك مكروه خروجاً من الخلاف.
والأظهر ألا يقال بالكراهية لعدم الدليل على ذلك، والخروج من الخلاف ليس بدليل يقتضي الكراهية.
قال: (ويشهدها)

أي يشهدها المسلم أي يستحب للمسلم أن ينظر إليها ذكراً كان أو أنثى واستدلوا بحديث رواه البيهقي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة: (احضري أضحيتك يغفر لك عند أول قطرة من دمها) 1 والحديث لا يصح، فقد رواه البيهقي وضعفه وهو كما قال.
قال: (ووقت الذبح بعد صلاة العيد) دليل ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كان ذبح قبل الصلاة فليعد) 2 فمن ذبح قبل صلاة العيد فإنها لا تجزئه أضحية وإنما هو لحم لأهله للحديث المتقدم.
وثبت في الصحيحين من حديث البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من ضحَّى قبل الصلاة فإنما هي شاة لحم ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين) 3 وظاهر هذه الأحاديث أن الوقت مقيَّد بفعل الصلاة نفسها لا بوقتها.
فلو أخرت صلاة العيد فلا يجزئ الذبح قبلها وإن ذهب من وقتها ما يكفي لفعلها، وهذا هو ظاهر كلام الإمام أحمد وهو مذهب جمهور العلماء.

  • وعن الإمام أحمد وهو ظاهر كلام الخرقي من الحنابلة وهو مذهب بعض الحنابلة: أنه إذا ذهب من وقت صلاة العيد قدراً يكفي لفعل الصلاة فإنه يجزئ الذبح.
    فإذا دخل وقتها – وهو يدخل بارتفاع الشمس قيد رمح – فإذا فات قدر يكفي لصلاة العيد فإنه يجزئ الذبح بعد ذلك وإن لم يصل الناس.

وهذا خلاف ظاهر الأحاديث، فإن الأحاديث المتقدمة ظاهرها أن الوقت مقيد بفعل الصلاة نفسها، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كان ذبح قبل الصلاة فليعد) فظاهره أن من ذبح قبل الصلاة وإن كان بعد مرور وقت يكفي لفعلها فإنها لا تصح منه وهذا هو ظاهر كلام الإمام أحمد وهو مذهب جمهور العلماء وهو الراجح.
لكن إن كان في موضع لا تقام به صلاة العيد فإنه إذا فات قدر ما يكفي لصلاتها بعد دخول وقتها فإنه يجزئ الذبح.
كمن يكون في بادية أو في سفر فأول وقت الذبح هو مرور قدر يكفي لصلاة العيد بعد دخول وقتها إذ لا صلاة في حقهم، وقبل ذلك لا يجوز الذبح لأن الصلاة غير مشروعة في حقهم والوقت حينئذٍ يقوم مقام ذلك.
لذا قال: (أو قدره) أي أو بعد قدره، و " أو " هنا ليست للتخيير وإنما هي للتفسير فمن كان في الأمصار التي تقام فيها صلاة العيد ولو لم يصل صلاة العيد فإنه لا يجزئه إلا بعد صلاة العيد.
وأما إن كان في موقع لا تقام فيه صلاة العيد فقدره أي قدر الوقت الكافي لصلاة العيد.
قال: (إلى يومين) هذا آخر وقتها إلى يومين من أيام التشريق، فعلى ذلك أيام النحر والذبح ثلاثة أيام: يوم النحر واليومان الأول والثاني من أيام التشريق، فعلى ذلك لا يجزئه الذبح في اليوم الثالث من أيام التشريق، وهو اليوم الثالث عشر من ذي الحجة هذا هو المشهور عند الحنابلة وهو مذهب جمهور العلماء.
واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى عن ادخار الأضاحي فوق ثلاث) 1 وقال الإمام أحمد: " عن خمسة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم " أي القول بأن أيام الذبح ثلاثة أيام (وهذه المسألة في الهدي والأضاحي) وذهب الشافعية إلى أن أيام الأضاحي أربعة أيام وأيام التشريق كلها، قالوا: هذه هي أيام النحر.

واستدلوا: بما رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث جبير بن مطعم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كل أيام التشريق ذبح) 1 قالوا: والحديث إسناده منقطع لكن للحديث شواهد وطرق يرتقي بها إلى الصحة فالحديث صحيح.
قالوا: وهو مروي عن علي وجبير بن مطعم، ولأنها – أي هذه الأيام – أيام رمي فكانت أيام ذبح أيضاً وهي من أيام الحج والنحر من مناسك الحج، وهذه المسألة في الهدي والأضاحي.
وما ذهب إليه الشافعية هو الراجح وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم.
لأن الحديث الوارد في هذا صحيح لشواهده وطرقه، ولأن أيام التشريق كلها أيام رمي وأيام مناسك فكذلك النحر.
وأما دليلهم الذي ذكروه فإنه ليس بدليل على هذه المسألة وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى عن ادخار الأضاحي فوق ثلاث) فهذا الحديث إنما هو في أيام الادخار وأنها ثلاثة أيام.
فلو ذبح في يوم النحر فليس له أن يدخر إلا في يوم النحر ويومين بعده، ولو نحر في اليوم الثاني من أيام النحر وهو أول أيام التشريق فليس له أن يدخر إلا فيه وفي اليوم الثاني والثالث من أيام التشريق، وهكذا.
فالمسألة في النهي عن الادخار، فعليه لو ذبح في اليوم الثالث من أيام التشريق فليس له أن يدخر ثلاثة أيام بل يدخر ذلك لليوم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر.
على أن الحديث منسوخ، فقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كلوا وتصدقوا وتزودوا وادخروا) 2 . وإنما نهوا عن الادخار فوق ثلاث لحاجة أصابت الناس في سنة من السنوات فنهي عن الادخار ثم نسخ ذلك.

فالمقصود من هذا: أن ما ذكروه لا يصح دليلاً في هذه المسألة.
وأما الآثار التي ذكرها الإمام أحمد فإنها معارضة بأثر علي المروي عنه، وبأثر جبير بن مطعم.
وبالحديث أيضاً فإن الحديث تقدم تصحيحه وهو حديث: (كل أيام التشريق ذبح) 1 فعلى ذلك: الراجح أن أيام التشريق كلها أيام هدي وأيام أضحية.
قال: (ويكره في ليلتهما) أي في ليلة اليوم الأول من أيام التشريق وفي ليلة اليوم الثاني من أيام التشريق، وأما ليلة يوم النحر فلا يجزئ فيها الذبح كما تقدم.
وأما ليلة الأول وليلة الثاني من أيام التشريق فيكره فيها الذبح، وإذا قلنا بجواز الذبح في اليوم الثالث من أيام التشريق فكذلك تكره الأضحية أو الهدي في ليلته.
وفي هذه المسألة قولان: الأول، وهو مذهب الجمهور: أن الذبح بالليل يجزئ.
قالوا: ولعدم الدليل المانع من ذلك.
وإنما كرهناه خروجاً من الخلاف، ولأنه إن ذبح ليلاً فإن اللحم لا يفرق رطباً وإنما يبقى ساعات طويلة ينتظر فيها دخول النهار ليوزع على المساكين أو يهدى على الجيران ونحوهم فكرهوه لذلك.
الثاني: وهو مذهب المالكية ورواية عن الإمام أحمد: أن الذبح لا يجزئ ليلاً.
قالوا: لأن الله عز وجل قال: ﴿ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام﴾ فجعل وقت الذبح الأيام، والأيام جمع يوم، واليوم هو النهار، فجعل الله الوقت للذبح هو النهار وأما الليل فليس وقتاً – حينئذٍ – للذبح.
وروى الطبراني: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى أن يضحي ليلاً) أجاب أهل القول الأول عن أدلة المالكية: قالوا: أما الآية: فإنها في مثل هذا يدخل في اليوم: الليل والنهار، كقوله تعالى: ﴿فتربصوا في داركم ثلاثة أيام﴾ أي بلياليهن وهنا كذلك.
فإذا ذكرت الأيام مجموعة دخل ليلها فيها إلا أن يدل دليل على خروج ذلك.

وأما نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن التضحية ليلاً فإن الحديث لا يصح بل هو متروك فإن فيه راوٍ متهم بالكذب فالحديث لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وما ذهب إليه الجمهور أقوى من أن الذبح ليلاً مجزئ.
وأما القول بالكراهية خروجاً من الخلاف فقد تقدم رد مثل هذا وأن الخلاف ليس دليلاً على الكراهية، إذ الكراهية حكم شرعي يحتاج إلى دليل مختص به.
وأما كونه يوزع رطباً وإذا ذبح ليلاً لا يمكن ذلك، فنعم، وهذا يختلف باختلاف الأزمان فحيث وجد ما يحفظ اللحم ولا يؤثر فيه فإنه لا مانع من ذلك.
كما أن هذه العلة لا تقوى على الكراهية.
فعلى ذلك الأولى أن يذبح نهاراً لكن إن ذبح ليلاً فإنه يجزئه ذلك على أن الأحوط هو الخروج من الخلاف في هذه المسألة فيضحي نهاراً.
وكذلك فإن في التضحية نهاراً إظهاراً لهذه الشعيرة والله أعلم.
قال: (فإن فات قضى واجبه) إذا خرج وقت الأضاحي بأذان المغرب من يوم التشريق الثالث - على الراجح – وبأذان المغرب من يوم التشريق الثاني – على المذهب -. فإذا خرج الوقت فلا تخلو الأضحية من: أن تكون واجبة أو مستحبة.
فإن كانت التضحية واجبة – وهذا حيث كانت منذورة أو وصية - فإنها تذبح ولو كان ذلك بعد خروج الوقت تحصيلاً لمصلحة تفريقها ويكون ذلك من باب القضاء.
أما إن كانت التضحية مستحبة: فإذا ضحى بعد خروج الوقت فهي ليست بأضحية، وإنما هي شاة لحمٍ، فإن فرقها على الفقراء والمساكين فهي صدقة من الصدقات.
إذن: إن كانت نذراً ففات وقتها فإنه يضحي بعد خروج الوقت من باب القضاء.أما إن كانت غير واجبة بل هي تطوع فهي سنة فات محلها فإن ذبحها فهي شاة لحم فإن تصدق بلحمها فهي صدقة من الصدقات.
والله أعلم.
والحمد لله رب العالمين.

فصل قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويتعينان بقوله: هدي أو أضحية)

فالهدي والأضحية يتعينان فيكونان واجبتين بعينهما بقوله: " هذا هدي أو أضحية " فإن هذه البهيمة تتعين هدياً أو أضحية باتفاق العلماء لا بالنية.
(لا بالنية) إن نوى أنها هدي أو أضحية فإنها لا تتعين بذلك، وذلك لأن ما أخرجه العبد على وجه القربة لا يثبت إلا بالتلفظ بالتقرب إلى الله عز وجل به لا بالنية المقارنة للشراء، فالنية المقارنة للشراء لا يثبت بها التعيين.
وإنما يثبت التعيين فيما أخرج على وجه القربة بالتلفظ بإخراجه كما لو اشترى رقيقاً بنية إعتاقه أو بيتاً بنية إيقافه فإن العبد لا يتحرر بذلك، والبيت لا يكون وقفاً بمجرد شرائه مع النية المقارنة للشراء، فإن قال هو حر أو هذا البيت وقف فإنه حينئذ يتعين العبد حراً والبيت وقفاً.
فكذلك هنا مما كان على وجه القربة فالنية المقارنة للشراء لا يثبت بها التعيين بل يثبت ذلك باللفظ فإن تلفظ بلفظ من الألفاظ والتي فيها دلالة على إخراج هذه العين من ملكيته لحق الله تعالى فإنه يثبت بذلك.
ومثل التلفظ تقليد الهدي وإشعاره أو ما يقوم مقام هذا في الأضاحي فإنه يثبت به التعيين.
والإشعار هو أن تدمى صفحة البعير اليسرى حتى يخرج الدم إظهاراً على أنه هدي، وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم: (أشعر بدنه وقلدها) والتقليد هو: أن يوضع فيها على سنة القلادة نعال ونحوها.
وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم: (أهدى غنماً وقلدها) وإشعار الغنم ليس مشروعاً بالإجماع، وإنما المشروع هو تقليدها هذا في الهدي، وأما الأضحية فلم يرد شيء ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.
فإذا قلد هديه أو أشعره فإن هذا الفعل يقوم مقام التعيين باللفظ وهذا أصح قولي العلماء، ففي هذه المسألة قولان للحنابلة: اختار الموفق أنها إن قلدت أو أشعرت فإنها لا يتعين هدياً إلا باللفظ.

واستظهر صاحب الفروع أنها تتعين بذلك، وهذا هو الراجح، كمن بنى مسجداً وجمع الناس للصلاة فيه، ولم يقل: هذا مسجد، فإن هذا الفعل منه يقوم مقام اللفظ.
فهذا المشعر لهديه أو المقلد له يقوم مقام قوله: " هذا هدي " كذلك إن وضع شيء من إشعار أو تقليد في أضحيته – وإن لم نقل بمشروعيته – لكن هذا الفعل يقوم مقام التلفظ فكما لو قال: هذه أضحية.
إذن: التعيين لا يثبت إلا باللفظ أو بالفعل الدال عليه كالإشعار والتقليد.
قال: (وإذا تعينت لم يجز بيعها ولا هبتها) فإذا تعينت البهيمة هدياً أو أضحية فلا يجوز بيعها، لأنها بتعينها خرجت من ملكه وأصبحت حقاً لله تعالى فليس له التصرف فيها كالوقف وغيره.
قال: (إلا أن يبدلها بخير منها) أي له إن اشترى أضحية من الغنم وعينها ثم رأى غيرها خيراً منها فله أن يبدلها خيراً منها.
قالوا: لمصلحة ذلك – هذا هو أشهر الوجهين عند الحنابلة.
والوجه الثاني وهو قول أبي الخطاب من الحنابلة قالوا: لا يجوز له ذلك لأنها قد تعينت بلفظه أو فعله فليس له والحالة هذه أن يبدلها ولو كان البدل خيراً منها.
وهذا هو مذهب الشافعية – وهذا هو الأرجح فيما يظهر لي – لأنه بتعينه لها قد أخرجها من ملكيته وأصبحت حقاً لله تعالى فليس له أن يبدلها ولو كان هذا البدل خيراً منها.
قال: (ويجز صوفها ونحوه إن كان أنفع لها ويتصدق به) إن كان جز الصوف من البهيمة أنفع لها كجزه في وقت الربيع ليكون أخف لها في رعيها فله ذلك لكنه يتصدق به.
أما إن كان هذا الجز لغير نفع لها فليس له ذلك لأنها حق لله تعالى فليس [له] أن يتصرف فيه إلا بما ينفعه.
مسألة: وهل له أن يركبها؟ قولان لأهل العلم: الأول: وهو مذهب الشافعية وأحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد: أنه ليس له أن يركبها إلا عند الضرورة إليها بمعنى: أن يلجأ إلى ركوبها فلا يجد ظهراً غيرها يركبه.

الثاني: وهو مذهب المالكية وأحد الوجهين في المذهب: أن له أن يركبها مطلقاً ولو لم يُضطر إلى ركوبها.
استدل أهل القول الأول: بما ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ركوب الهدي فقال: (اركبها بالمعروف إذا أُلجئت إليها حتى تجد ظهراً) واستدل أهل القول الثاني: بما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم: رأى رجلاً يسوق بدنةً فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (اركبها) فقال: (إنها بدنة) فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (اركبها ويلك) في الثانية أو الثالثة.
والقول الأول أظهر فإن الحديث فيه أخص وأوضح فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد قيَّد هذا بقوله: (إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهراً) . وهذا الذي قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: (اركبها) الظاهر أنه كان لا يجد ظهراً غيرها ولذا كان يسوقها.
فالأظهر أنه له أن يركبها إن اضطر إليها، وهكذا الأضحية إن تعينت، فإذا تعين بدنة يضحي بها فله أن يركبها إذا اضطر إلى ذلك.
ويتبعها ولدها سواء عُينت وهي حامل أو حملت بعد تعيينها فإن ولدها يتبعها فحكمه حكمها هدياً أو أضحية وهو قول علي بن أبي طالب ولا يُعلم له مخالف كما روى ذلك سعيد بن منصور كما في كتاب المغني.
وأما شرب لبنها، فإن لم يضر بولدها ولم يضر بلحمها فإنه يجوز وذلك لأنه هو الذي يعلفها ويطعمها ويقوم بشأنها فأشبه المرتهن، فإن المرتهن الذي يقوم بعلف الدابة المرهونة لبن هذه الدابة له مقابل ما ينفق عليها من علف ونحوه فكذلك هنا.
قال: (ولا يعطي جازرها أجرته منها)

الجازر لا يعطى أجرته منها، فليس لمن ضَحى له جزار أن يعطيه أجرته من لحمها أو جلدها أو صوفها أو نحو ذلك ودليل هذا: ما ثبت في الصحيحين عن علي قال: (أمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أقوم على بدنه أن أتصدق بلحومها وجلودها وأجلتها " وهي ما يوضع على ظهورها " وألا أعطي الجزار منها قال النبي صلى الله عليه وسلم: نحن نعطيه من عندنا) ولأنه إنما أذن له بالانتفاع بها أكلاً أو غيره وأما البيع فلا.
فعليه: لا يجوز أن يُعطي الجزار منها أجرةً لجزارته لكن إن كان الجزار فقيراً مستحقاً فأعطي منها لفقره وأعطي أجرته من غيرها فإن هذا جائز لا بأس به.
أو كذلك أعطي لكونه جاراً أو صديقاً ونحو ذلك مع إعطائه أجرته من غيرها فلا بأس.
قال: (ولا يبيع جلدها ولا شيئاً منها بل ينتفع به) لما تقدم، فإن الشارع إنما أذن له بأن يأكل منها وينتفع بها وأما أن يبيع جلدها فلا يجوز، وقد تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى أن يعطى الجزار شيئاً منها) ومثل ذلك: البيع، فإن هذا دليل بالتنبيه على النهي عن بيع شيء منها.
فلا يجوز له أن يبيع جلدها أو صوفها أو نحو ذلك.
لكن له أن ينتفع بها، لأنه أجيز له الانتفاع بأكلها فكذلك الانتفاع بجلدها.
فله أن ينتفع بجلدها وصوفها أو نحو ذلك لكن ليس له أن يبيعه.
قال: (وإن تعيَّبت ذبحها وأجزأته إلا أن تكون واجبة في ذمته قبل التعيين) صورة هذه المسالة: إذا عيَّن رجل أضحيته وقبل أن يأتي يوم النحر حدث فيها عيب يمنع الإجزاء بها أصلاً كأن يصيبها عرج بيِّن، أو نحو ذلك فإنها تجزئ عنه.
ومثل ذلك لو أنه عين هدياً على سبيل التطوع ثم حدث له عطب أو شيء يمنع من الإجزاء فإنه يجزئ عنه ولا يجب عليه أن يهدي غيره ولا أن يضحي بغيره.

وذلك لأنه ليس بواجب عليه فالأضحيه ليست بواجبه في الأصل والهدي – أي هدي التطوع – ليس بواجب وإنما وجب هذا المعين، فالواجب هو هذا المعيَّن، فحيث حدث له تلف أو عيب فإنه لا يجب عليه أن يبدله، فإن الوجوب المتقدم متعين به هو، أما ذمته فهي بريئة من أن يتعلق بها شيء، وإنما التعيين في هذه البهيمة نفسها فإذا حدث بها عيب فإنها تجزئ عنه لأنها تعينت فثبت حقاً لله.
فقد خرجت من ملكيته لحق الله تعالى حين عينها، ولا يجب عليه أن يذبح بدلها، لأن ذلك ليس بواجب عليه أصلاً وإنما وجبت هي بنفسها بتعيينها.
(إلا أن تكون واجبة في ذمته قبل التعيين) فإنه يجب عليه أن يذبح بدلها.
رجل معه هدي واجب فكان أن حدث في هذا الهدي الواجب عيب يمنع من الإجزاء وقد عينه بتقليده أو إشعاره أو بقوله: " هذا هدي " حدث فيه عيب يمنع الإجزاء قبل نحره.
أو قال هذه أضحية وكان قد نذرها فإنها إن تلفت أو عطبت أو حدث بها ممنع الإجزاء: فإن الواجب لا يسقط عنه وذلك لأن ذمته قد تعلقت بها إيجاب شاة أو نحوها سليمة من العيوب سواء كان ذلك بالنذر أو بالهدي الواجب فقد تعلق في ذمته أن يذبح شاة سليمة من العيوب وحيث لم يفعل ذلك فإن ذمته لا تبرأ بل تبقى مشغولة.
وذلك لأن الواجب عليه أن ينحر أو يذبح بهيمة سليمة من العيوب وحيث لم يفعل ذلك فإن ذمته تبقى مشغولة.
وحينئذٍ: فهل له التصرف بهذا المعيب أم ليس له التصرف به؟ جمهور أهل العلم أن له التصرف به وهو قول ابن عباس كما رواه سعيد بن منصور في سننه.
وذلك لأنه لا يجزئ عنه وقد أوجب الشارع عليه بدله وحيث كان كذلك فإن هذا يكون قد عاد إلى ملكيته وحينئذٍ يكون قد بطل تعيينه.
فإذن: حيث أوجبنا عليه غيرها فهذا إبطال لتعيينه المتقدم فله أن يتصرف فيها بما شاء من بيع أو أكل أو نحو ذلك.

وهدي التطوع إن حدث به عطب أو نحو ذلك فإنه ينحر ثم يؤخذ من دمه بالقلائد التي عليه وتلطخ به جوانبه ليعرفه الفقراء، وليس لمن هو سائق لهذه البدن أو رفقته ليس لهم أن يطعمون من ذلك فقد ثبت في مسلم عن دؤيبة أبي قبيصة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعثه على البدن فقال له صلى الله عليه وسلم: (إن عطب شيء منها " أي من هذه البدن وكانت على هيئة التطوع " فخشيت عليها موتاً فانحرها ثم اغمس نعلها " وهي القلائد التي على رقبتها " في دمها ثم اضرب على صفحتها " أي على جانبها وهذا من أجل معرفة الفقراء لها " ولا تطعم منها شيئاً ولا أحد من رفقتك) 1 وهذا لسد الذريعة لكي لا يكون سعي في إعطابها ليأكلها فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يطعمها سائقها ومن كان معه من رفقة.
قال: (والأضحية سنة) لفعل النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره ولا بشرته شيئاً) وفي رواية: (ولا يقلمن ظفراً) قالوا: فعلق النبي صلى الله عليه وسلم الأضحية بإرادة المكلف والواجبات لا تعلق بإرادته، فلا يقال في الواجبات " من أرادها " فإنها لا تعلق لها بإرادة المكلف بل يجب عليه أن يفعلها مطلقاً، يدل هذا على أنها – أي الأضحية – ليست بواجبة، هذا مذهب جمهور العلماء.
وذهب أبو حنيفة وهو رواية عن الإمام أحمد: أنها واجبة على الغني.
واستدلوا: بما روى أحمد وابن ماجه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من وجد سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا) والحديث الصحيح أنه موقوف على أبي هريرة – قال الحافظ ابن حجر – وقد ذكر تصحيح الحاكم له قال: " ورجح الأئمة غيره وقفه " وهذا هو الراجح فهو موقوف على أبي هريرة.

وهو مخالف لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ففي سنن البيهقي بإسناد صحيح: (أن أبا بكر وعمر كانا لا يضحيان مخافة أن يُقتدى بهما) أي مخافة أن يقتدي الناس بهما فيعتقدون أنها واجبة.
والقول الأول: هو الراجح، فليس في هذه المسألة إلا فعل النبي صلى الله عليه وسلم وفعله لا يدل على الوجوب.
وأما الحديث الذي ذكره الأحناف فهو موقوف على أبي هريرة وهو معارض لفعل أبي بكر وعمر، فيبقى فعل النبي صلى الله عليه وسلم وفعله لا يدل على الوجوب.
قال: (وذبحها أفضل من الصدقة بثمنها) فذبح الأضحية أفضل من التصدق بثمنها لفعل النبي صلى الله عليه وسلم، ولأن الصدقة بثمنها ذريعة لترك سنته، والنبي صلى الله عليه وسلم يختار الأضحية على الصدقة بثمنها فكان يضحي - صلى الله عليه وسلم -، فعلى ذلك الأفضل أن يضحي؛ لفعل النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: (وسن أن يأكل ويهدي ويتصدق أثلاثاً) يسن له أن يأكل ثلثها، وأن يتصدق بثلثها وأن يهدي ثلثها.
واستدلوا: بأثر عن ابن عمر ذكره الموفق في المغني ولم يعزه وبأثر ابن مسعود ذكره الإمام أحمد فقال الإمام أحمد " نحن نذهب إلى أثر عبد الله) أي ابن مسعود.
وحيث لم نقف على الأثر، فالذي يظهر لي هو اتباع الإمام أحمد في العمل بهذا الأثر فهو من أهل الحديث ومعرفة الآثار وحيث أنه احتج به وليس عندنا ما يضعفه فالأولى هو اتباع هذا الأثر الذي استدل به الإمام أحمد.
فعليه: المستحب أن يقسم الأضحية أثلاثاً فيتصدق بثلثها ويهدي – أي إلى الجار والقريب – ثلثها، ويدخر لنفسه ثلثها هذا في الأضحية.
وأما في الهدي له فالمستحب له أن يأكل شيئاً منه ويتصدق بالباقي، فقد ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم: (أمر ببضعة من كل بدنة فجعلت في قدر فأكلا منها وشربا من مرقها) أي هو وعلي رضي الله عنه فلم يأخذ النبي صلى الله عليه وسلم ثلثها بل أخذ ببضعة من كل واحد منها.

قال: (وإن أكلها إلا أوقية تصدق بها جاز) إذا وضع الأضحية كلها لبيته ادخاراً أو أكلاً فهو جائز بشرط أن يتصدق بجزء منها ولو كان هذا الجزء يسيراً، للإطلاق فإن النبي صلى الله عليه وسلم أطلق الصدقة والأكل فقال: (كلوا وتصدقوا) وحيث أطلق النبي صلى الله عليه وسلم فأي شيء يصدق عليه أنه صدقة فإنه يجزئ عنه، فلو أخذ بضعة فتصدق بها أجزأ عنه.
ولو كان ذلك مقدار أوقية أو أقل منها مما يصدق عليه أنه صدقة.
قال: (وإلا ضمنها) إن لم يخرج شيئاً منها، فإنه يضمن هذا الشيء المجزئ فيجب عليه أن يشتري لحماً يتصدق به، وذلك لأن الصدقة فيها واجبة عليه لقوله صلى الله عليه وسلم: (تصدقوا) وحيث أكلها أو تزود بها ولم يتصدق بها فإنها تبقى في ذمته فيجب عليه ضمانها فيخرج شيئاً من ماله يشتري به لحماً يتصدق به.
قال: (ويحرم على من يضحي أن يأخذ في العشر من شعره أو بشرته شيئاً) لا يجوز لمن أراد أن يضحي سواء باشر الأضحية هو أو باشرها غيره أو كان موكلاً غيره، فليس للمضحي أو المضحَى عنه ليس لأحد منهم أن يمس من بشرته ولا من شعره، وذلك للحديث المتقدم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا دخلت العشر) وذلك يكون من إهلال شهر ذي الحجة وهو ثابت في بعض روايات مسلم فإذا دخلت الليلة الأولى من شهر ذي الحجة فليس له أن يأخذ من شعره ولا من بشرته ولا من ظفره شيئاً للحديث المتقدم: (إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره ولا بشرته شيئاً) وفي رواية: (ولا يقلمن ظفراً) . وظاهر الحديث كما قال المؤلف التحريم – فإن نهي النبي صلى الله عليه وسلم ظاهره التحريم إلا أن يدل دليل على الكراهية.
وذهب جمهور أهل العلم إلى كراهية ذلك لا تحريمه.
الأظهر هو التحريم كما هو مذهب الحنابلة لظاهر الحديث.

واعلم أن من تعينت أضحيته المستحبة وقد تقدم أنه لا يجب عليه أحد إن حدث بها تلف أو عيب يمنع الإجزاء، لا يجب عليه أن يضحي.
اعلم أنها إن وقع فيها عيب من فعله فإنه يضمنها لأن على اليد ما أخذت حتى تؤديه.
فهي يد أمينة، فإن حدث في هذه البهيمة شيء من العيوب بغير فعله فلا شيء عليه.
وأما إن كان بفعله وتعديه وتفريطه فإنه يلزمه أن يذبح غيرها لأنها تلفت في يده وبتعديه وتفريطه، فهي قد تعينت وتعدى عليها أو فرط في حفظها فوجب عليه أن يضحي ببدلها.
مسألة: وهل الأضحية مشروعة للحاج؟ انظر الجواب في مطلع الدرس القادم " بعد هذا الدرس ".

والحمد لله رب العالمين.

تقدم البحث في حكم الأضحية، واعلم أن مذهب جمهور العلماء مشروعية الأضحية في يوم النحر مطلقاً للحاج وغيره، وأن الحاج يشرع له أن يضحي كغيره من المسلمين.
واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم: (ضحى في حجة الوداع عن نسائه بالبقر) . قالوا: فدل هذا على مشروعية الأضحية للحاج كغيره.

وقال المالكية وهو اختيار شيخ الإسلام: أنها لا تشرع للحاج بل يشرع له الهدي واستدل على هذا الشنقيطي في أضواء البيان بقوله تعالى: ﴿وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام﴾ قال: فبهيمة الأنعام المذكورة في هذه الآية الكريمة هي الهدي بدليل أن الله عز وجل ذكر الأذان بالحج إليها فقال: ﴿وأذن في الناس﴾ وقال: ﴿ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام﴾ فبين أن العلة من الأذان بالحج أن يشهدوا منافع لهم وأن يذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، ومعلوم أن الأضحية لا تحتاج إلى هذا فإن الأضحية تثبت بكل موضع فتبيَّن أن بهيمة الأنعام التي يذكر اسم الله عليها في هذه الآية الكريمة هي الهدايا لا الأضاحي.
ويستدل على هذا أيضاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصح عنه ولا عن أصحابه إلا الهدي في حجة الوداع.
وأما ما استدل به جمهور العلماء فإن هذه اللفظة وهي لفظة (ضحى) من تصرف بعض الرواة، بدليل أنها وردت في بعض الروايات (نحر) وفي بعضها (أهدى) . ويدل على هذا أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم كن قارنات فدل هذا على أن هذا الذبح كان لهدي التمتع بالقران، وأن لفظة (ضحى) من تصرف بعض الرواة.
فالراجح ما ذهب إليه المالكية وهو اختيار شيخ الإسلام وأن الهدي هو المشروع للحاج دون الأضحية وأن الأضحية لا تشرع له وإنما يشرع له الهدي فإن أحب استقل من الهدي وإن أحب استكثر كما تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم نحر مئة بدنة وأشرك علياً معه في ذلك.
وأما الهدي فهو مشروع للحاج وغيره، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يرسل الهدايا وهو غير حاج.

فصلٌ قال المؤلف رحمه الله تعالى: (تسن العقيقة)

العقيقة من العق وهو القطع، والعقيقة هي الذبيحة تذبح عن المولود، وسميت عقيقة لأنها تقطع أي تذبح، والذبح يكون بقطع الحلقوم وما معه مما تثبت به التذكية فسميت هذه الذبيحة التي تذبح للمولود عند ولادته بالعقيقة.
" تسن " فالعقيقة سنة وهو مذهب جمهور العلماء، واستدلوا على سنيتها بما ثبت في سنن النسائي بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم: (عق عن الحسن والحسين بكبشين كبشين) . أما ما رواه أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم: (عق عنهما كبشاً كبشاً) فإن الحديث ضعيف فالصواب أنه مرسل كما رجح ذلك أبو حاتم الرازي وغيره.
وفي الترمذي بإسناد صحيح عن عائشة قالت: (أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نعق عن الغلام شاتين وعن الجارية شاة) وإسناده صحيح.
ولا تجب – أي العقيقة – كما ثبت في سنن أبي داود والنسائي بإسناد حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن العقيقة فقال: (إن الله لا يحب العقوق - وكأنه كره الاسم - فمن ولد له ولد فأحب أن ينسك عنه فلينسك عن الغلام شاتان مكافئتان " متماثلتان متشابهتان في السن والإجزاء وفي السلامة من العيوب " وعن الجارية شاة) . قالوا: فقد قال صلى الله عليه وسلم: " من أحب أن ينسك " فعلقه بإرادة المكلف ومحبته، وحيث كان ذلك فإن هذا لا يدل على وجوبه وأنه راجع إلى اختيار المكلف، ولا شك أن الأحكام الواجبة ليست براجعة إلى اختيار المكلف، بل ملزم بها.

وفي قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا يحب العقوق) يدل على أن هذا الاسم (العقيقة) : يستحب ألا يداوم عليه، والمداومة عليه مكروهة، وإنما قلنا أن المكروه هو المداومة عليه دون إطلاق التسمية هكذا من غير مداومة – إنما قلنا ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم – فيما ثبت عند الخمسة بإسناد صحيح: (كل غلام رهينة بعقيقته) فسماها – أي هذه الذبيحة – عقيقة، فدل على أن المكروه هو أن تغلب هذه التسمية على أسمائها الأخرى فتكون هي التسمية السائدة الغالبة أما إن تسمى بهذا الاسم من غير أن تكون هذه التسمية غالبة فلا حرج في هذا، وهكذا تسمية المغرب بالعشاء وكتسمية العشاء بالعتمة فإنها إنما تكره إن كانت ثابتة غالبة على غيرها من الأسماء الشرعية فعلى ذلك تسمى بالنسيكة فإن سميت تارة بالعقيقة من غير أن يغلب هذا الاسم على اسمها الشرعي وهو النسيكة، فإنه لا حرج في هذا، وإنما قلت: إنها تمسى نسيكة لاختيار النبي صلى الله عليه وسلم الفعل المشتق منها، فقد قال صلى الله عليه وسلم وقد كره العقوق: (من ولد له ولد فأحب أن ينسك عنه) فدل هذا بالإشارة والتنبيه على أن المستحب أن تسميها بالنسيكة.
إذن: مذهب جمهور العلماء وهو المشهور عند الحنابلة أن العقيقة سنة وليست بواجبة.
وعن الإمام أحمد واختاره طائفة من أصحابه واختاره أهل الظاهر وهو قول الحسن البصري أن العقيقة واجبة.
واستدلوا: بما ثبت عند الخمسة بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كل غلام رهينة بعقيقته يذبح يوم سابعه ويحلق ويسمى) والشاهد قوله: " رهينة بعقيقته " قالوا: فهو محبوس مرتهن بعقيقته فلا فكاك له من هذا الحبس وهذا الارتهان إلا بالعقيقة.
وكما أن الرهن يجب أن يفك فكذلك يجب أن يفك رهن هذا الغلام فيعق عنه.

واستدلوا: - أيضاً – بحديث عائشة المتقدم: (أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نعق عن الغلام شاتين وعن الجارية شاة) وفي الاستدلال بهذين الدليلين – فيما يظهر لي – نظر.
أما الدليل الأول: فإن الله عز وجل لا يوجب على أحد – إلا أن يكون هذا صريحاً – لا يوجب على أحدٍ ما يكون فكاكاً لغيره إلا أن يرد هذا صريحاً كإيجاب صدقة الفطر على الولد أو من تحت اليد ممن ينفق عليه، وأما أن يوجب هذا لفك رهينة على الوالد فإن في هذا نظراً.
فالذي يظهر أن هذا لا يقوى على الإيجاب فهو مرتهن ومحبوس بذلك لكن لا يعني ذلك أن هذا واجب على الأب، كما أنه لا يجب على الأب أن يقضي دين ولده الذي توفي وعليه دين مع أنه محبوس بدينه أعظم من هذا الحبس فإن هذا يتعلق بحق الآدمي وأما الأول فغايته أن يكون متعلقاً بحق الله وحقوق الله عز وجل مبنية على المسامحة فلا يظهر لي الاستدلال بهذا على وجوب العقيقة.
وأما حديث عائشة: فلا يظهر الاستدلال به على الوجوب فالأمر فيه للاستحباب فيما يظهر، بدليل أنه لو عُق عن الغلام بشاة، فإنه ذلك يجزئ كما سيأتي الدليل عليه، فدل هذا على أن الأمر للاستحباب، فإن الحديث فيه الأمر أن يعق عنه بشاتين وقد دلت الأحاديث على أنه لو عق عنه بشاة، فإن ذلك يجزئ.
ففي سنن أبي داود بإسناد حسن عن بريدة قال: (كنا في الجاهلية إذا ولد لأحدنا غلام نذبح شاة ونلطخ رأسه بدمها فلما جاء الله بالإسلام كنا نذبح الشاة " أي عن الغلام " ونحلق رأسه ونلطخه بزعفران) فكره الشارع لطخ رأسه بدم العقيقة وشرع حلق رأسه وأن يلطخ بزعفران والشاهد أنه قال: (فلما جاء الله بالإسلام كنا نذبح الشاة) فالظاهر أن الشاة تجزئ لهذا الحديث.
فالأقوى ما ذهب إليه جمهور العلماء وأن النسيكة سنة مستحبة وليست بواجبة والله أعلم.
قال: (عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة)

لحديث عائشة المتقدم: (أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نعق عن الغلام شاتين وعن الجارية شاة) قال: (يذبح يوم سابعه) استحباباً لحديث سمرة الذي رواه الخمسة وقد تقدم وفيه: (تذبح يوم سابعه) فإن ذبحها قبل سابعه أجزأت عند جمهور العلماء ولم يجزئ عند المالكية.
أما جمهور العلماء فاستدلوا: بقوله صلى الله عليه وسلم: (كل غلام مرتهن بعقيقته) وحيث كان كذلك فإنها إن ذبحت قبل السابع فإنه يفك رهنه كما يفك الرهن بإعطاء الحق قبل أوانه.
وقالوا: قوله صلى الله عليه وسلم: (تذبح يوم سابعه) للاستحباب بدليل ما صحَّ مما سيأتي من السنة من جواز ذبحها بعد ذلك في اليوم الرابع عشر وفي اليوم الواحد والعشرين، فإذا ثبت هذا – وسيأتي – فإن هذا يدل على أن قوله صلى الله عليه وسلم: (تذبح يوم سابعه) أنه للاستحباب، ثم إن ذبحها قبل سابعه يحصل به المقصود.
وأما المالكية فقد استدلوا: بقوله صلى الله عليه وسلم: (تذبح يوم سابعه) قالوا: فقد وقت النبي صلى الله عليه وسلم للنسيكة يوم السابع فلا يجوز أن يقدم عليه كسائر المواقيت.
والأظهر ما ذهب إليه الجمهور، لما تقدم، فإن قوله: (تذبح يوم سابعه) للاستحباب بدليل جواز ذبحها بعد يوم السابع ولأن المعنى يقتضي ذلك فالمقصود يحصل بذبحها في اليوم الرابع أو في اليوم الثالث أو في اليوم الأول.
لقوله صلى الله عليه وسلم: (كل غلام رهينة بعقيقته) والرهن يفك متى دفع الحق وإن كان ذلك قبل أجله وأوانه.
والله أعلم.

فصول الكتاب · 11 فصل · 298 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للحمد · 298 صفحة
المقدمة
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب المناسك
كتاب الجهاد
كتاب الوصايا
كتاب الوصايا
كتاب الفرائض
كتاب الطلاق
كتاب الحدود
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل