وهذا قيد، فإن لم يضحِّ فإنه لا يترتب عليه شيء من السنة سواء أكل قبل الصلاة أو بعدها، فإنما استحب له ذلك ليكون طعامه من أضحيته.
قال: (وتكره في الجامع بلا عذر)
أي يكره للناس أن يصلوا في المساجد بلا عذر، فإن كان عذر من مطر أو برد شديد لا يتحملون أو يشق عليهم فإنهم يصلون في المساجد، لقوله تعالى: ﴿ما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ .
وروى أبو داود بإسناد ضعيف عن أبي هريرة: (أنهم أصابهم يوم عيد مطر فصلى بهم النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد) 1 لكن الحديث وإن كان ضعيفاً فإن الآية مقررة لذلك.
فإن لم يكن هناك عذر فالصلاة في المساجد مكروهة بل هي من البدع؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يظهر هذه الشعيرة في المصليات، واتخاذ المساجد لها خلاف السنة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (عليكم بسنتي ... . وإياكم ومحدثات الأمور) 1
فهذه محدثة في الدين وكل محدثة بدعة.
وصلاة العيد كصلاة الجمعة لا تشرع إلا في موضع واحد فيجتمع الناس عامة في موضع واحد.
لكن إن كان في ذلك مشقة عليهم فإن لهم أن يزيدوا من المصليات ما يدفع عنهم الحاجة بقدرها كما تقدم في صلاة الجمعة.
والحمد لله رب العالمين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويسن تبكير مأموم إليها ماشياً)
أي يسن أن يبكر المأموم لصلاة العيد وذلك لفضيلة الدنو من الإمام.
(ماشياً) : لما روى الترمذي بإسناد ضعيف لكن له شواهد يرتقى بها إلى درجة الحسن، ولذا حسنه الترمذي عن علي قال: (من السنة أن يخرج إلى العيدين ماشياً) 1 فالمستحب أن يغدو إليها ماشياً سواء كان إماماً أو مأموماً.
قال: (بعد الصبح)
أي بعد صلاتها، وهنا قيده الحنابلة بأن يكون ذلك بعد الصلاة، وإن كان ظاهر لفظه هنا (بعد الصبح) أي بعد أذانه، ولكنه مقيد عندهم بأن يكون ذلك بعد صلاة الصبح لا قبلها، فلا يستحب أن يذهب قبل صلاة الصبح بل بعدها.
وقد ثبت في الدارقطني بإسناد جيد: (أن ابن عمر كان يخرج إلى العيدين من المسجد - أي إذا صلى الصبح - فيكبر حتى يأتي المصلى ثم يكبر حتى يأتي الإمام) وسيأتي الكلام على التكبير إن شاء الله تعالى.
وظاهر قول المؤلف أن المستحب له أن يغدو قبل طلوع الشمس، ولم أر دليلاً يدل على ذلك، وحكى الموفق عن ابن عمر أنه كان يخرج إليها إذا طلعت الشمس، فإن كان ثابتاً عنه فهذا هو المستحب.
فإذن: يستحب للمسلم أن يغدو إليها بحيث يدرك خطبتها وصلاتها، وأما أن يستحب له ذلك بعد صلاة الصبح فإنه يحتاج إلى دليل.
وأما ما ثبت عن ابن عمر فليس فيه أنه بعد الصلاة مباشرة بل كان يغدو إليها من المسجد ويحتمل أن يكون هذا بعد ذكره وطلوع الشمس فيكون خروجه من المسجد إلى المصلى.
قال: (وتأخر إمام إلى وقت الصلاة)
فالإمام لا يستحب له أن يبكر كما يبكر المأمومون، بل المستحب له أن يتأخر فيكون ذهابه إلى المصلى بحيث يكون الوقت المستحب لإقامته للصلاة.
ودليل ذلك: ما ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى فأول ما يبدأ به الصلاة) 1 أي يذهب فيقيمها.
قال: (على أحسن هيئة) .
فيسن أن يكون الخروج على أحسن هيئة، وقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر المتقدم في رواية عنه: أن عمر قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (ابتع هذه فالبسها للعيد والوفد) 2 ؛ ولأن الجمعة عيد وهذا عيد فكان المستحب لهما جميعاً التزين باللباس والطيب.
وثبت عن ابن عمر من فعله بإسناد جيد عند البيهقي: (أنه كان يلبس في العيد أحسن ثيابه)
قال الإمام مالك: " سمعت أهل العلم يستحبون الزينة والطيب في كل عيد " أي في عيد الفطر وعيد الأضحى وفي الجمعة.
قال: (إلا المعتكف ففي ثياب اعتكافه)
لأن هذه الثياب فيها أثر العبادة والنسك فاستحب له أن يغدو إلى المسجد بها.
واستثنى بعض الحنابلة الإمام الأعظم، ومثله إمام الصلاة؛ لأنه منظور إليه، فاستُحب ألا يغدو بثياب اعتكافه بل يلبس أحسن ثيابه ويتطيب.
- وقال بعض الحنابلة: بل المعتكف كغيره في اللباس من الزينة والطيب، وهو قول القاضي من الحنابلة – وهو القول الراجح – فإنه لا دليل يدل على استحباب ذلك.
والأصل هو استحباب التزين والتطيب في العيد وهذا عام للمعتكف وغيره.
قال: (ومن شرطها: استيطان وعدد الجمعة لا إذن إمام) أي من شرط العيد: " استيطان " كما تقدم توضيحه في الكلام على صلاة الجمعة.
" وعدد الجمعة " ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصح عنه أنه كان يقيم العيد في السفر بل كان لا يقيمها في السفر ولا خلفاؤه من بعده، فدل ذلك على أن العيد يشترط فيها الاستيطان وعدد الجمعة كما يشترط ذلك في الجمعة.
ولأن الجمعة عيد فاشترط في العيد ما اشترط في الجمعة، وقد تقدم أن العيد يجزئ عن الجمعة فكان القياس ظاهراً حينئذ، فإن الجمعة عيد وتجزئ عن العيد وكذلك العيد يجزئ عنها، فكان القياس بينهما ظاهر وواضح، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل العيد في سفره ولا خلفاؤه الراشدون من بعده.
وقد تقدم البحث في مسألة العدد في باب الجمعة فكذلك العيد.
" لا إذن إمام " فلا يشترط أن يأذن الإمام، قياساً على الجمعة فهذه فريضة الله على عباده – وقد تقدم أنها عند الحنابلة فرض كفاية وأن الراجح أنها فرض عين.
فهي فرض من فرائض الله فلم يكن للإمام أن يتطرق بعدم الإذن فكان حكم الله فوق حكمه، فلا يرجع إلى إذن الإمام أو عدمه.
قال: (ويسن أن يرجع من طريق آخر)
يستحب له أن يكون ذهابه من طريق وإيابه من طريق آخر، وذلك لما ثبت في البخاري عن جابر قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم العيد خالف الطريق) 1 .
وقد ذكر أهل العلم لذلك عللاً كثيرة منها إظهار شعيرة الله بالذهاب والإياب لأداء هذه الفريضة.
ومنها إغاظة المنافقين.
ومنها السلام على أهل الطريقين، وغير ذلك.
ولا مانع من صحة بعض ما ذكروه من العلل كما أنه لا مانع أن تكون هناك عللاً أخرى، وكما أنه لا مانع أن تكون هذه العلل بمجموعها علة لهذه السنة، فإن السنة النبوية مشتملة على الحكم الكثيرة.
قال: (ويصليها ركعتين قبل الخطبة)
فصلاة العيد قبل الخطبة، فيبدأ بالصلاة ثم يخطب الناس.
فإن من أهم 2 بالخطبة قبل الصلاة لم يعتد بالخطبة وإن كانت الصلاة صحيحة بالاتفاق؛ لأن الخطبة سنة كما سيأتي تقريره فليست شرطاً في صلاة العيد بخلاف الخطبة يوم الجمعة فهي شرط فيها، لكن هذه الخطبة مردودة لأنها لم تقع حيث وضعها الله عز وجل.
ودليل ذلك: ما ثبت في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك، ففي الصحيحين عن ابن عمر قال: (صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر فكانوا يصلون قبل الخطبة) 3
قال: (يكبر في الأولى بعد الإحرام والاستفتاح وقبل التعوذ والقراءة ستاً وفي الثانية قبل القراءة خمساً)
يستحب له أن يكبر سبعاً في الركعة الأولى، وخمساً مع الركعة الثانية.
والسبع الأولى مع تكبيرة الإحرام، والخمس الأخرى دون تكبيرة الانتقال.
ودليل ذلك: ما ثبت في أبي داود، وصححه أحمد والبخاري وابن المديني من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (التكبير يوم الفطر سبع في الأولى، وفي الآخرة خمس) 1 .
وثبت بيانه في أثر ثابت عن ابن عباس عند ابن أبي شيبة بإسناد صحيح أنه: (كان يكبر في العيدين سبعاً في الأولى فيهن تكبيرة الافتتاح ويكبر في الآخرة ستاً مع تكبيرة الانتقال) .
وفي قوله: " قبل التعوذ والقراءة "؛ فللرواية المتقدمة وفي آخرها (ويقرأ بعدهما كلتيهما) 2 أي بعد هذا التكبير في الركعة الأولى وفي الركعة الثانية تكون القراءة.
قال: (يرفع يديه مع كل تكبيرة)
واستدلوا: بعموم الأدلة، فقد ثبت في أبي داود بإسناد صحيح عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم، الحديث وفيه: (وكان يرفعهما عند كل ركعة وتكبيرة قبل الركوع حتى تنقضي صلاته) ، فهذا الحديث عام في كل تكبيرة قبل الركوع وأنه يستحب له أن يرفع يديه فيها.
وثبت نحوه في أبي داود من حديث وائل بن حجر بإسناد حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان يرفع يديه مع التكبير) 1 وهذا عام، لذا قال الإمام أحمد – عند هذا الأثر – قال: (أرى أنه يدخل فيه هذا كله) أي يدخل فيه تكبيرات العيد وتكبيرة صلاة الجنازة لعموم هذا الأثر.
ورووا عن ابن عمر رضي الله عنه أنه كان يرفع يديه في تكبيرات العيد والجنائز، رواه الأثرم كما في كتاب المغنى وغيره ولم أقف على سنده.
وقال الموفق: " ولا يعلم له - أي لابن عمر - مخالف من الصحابة "، وهو مذهب الجمهور.
وخالف في ذلك بعض أهل العلم وهو رواية عن الإمام مالك، فرأوا أن ذلك لا يشرع لعدم ثبوته نصاً عن النبي صلى الله عليه وسلم.
والراجح ما تقدم؛ لعمومات الأدلة.
قال: (ويقول: الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً وسبحان الله بكرة وأصيلاً وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم تسليماً كثيراً) .
أي يقول ذلك بين التكبيرات في الصلاة، فإذا كبر تكبيرة الإحرام واستفتح قال: " الله أكبر " ثم قال هذا الذكر ثم كبر وهكذا … حتى ينتهي من التكبير، ومثله الركعة الثانية.
قال: (وأن أحب قال غير ذلك)
لعدم التنصيص عليه، فإنما ذكره لأنه يحصل به ما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه، فقد روى المحاملي بإسناد جيد: " أن عبد الله بن مسعود كان بين كل تكبيرتين يحمد الله ويثني عليه "، ورواه الأثرم وزاد: (ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم) . واحتج به الإمام أحمد.
فقد ثبت لنا أن ابن مسعود كان يحمد الله ويثني عليه ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بين كل تكبيرتين من تكبيرات العيد، وما ذكره المؤلف رأى أنه يحصل به ذلك، فلو قال غيره مما يكون فيه حمد وثناء وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كما لو قال: " الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، اللهم صلي على محمد " فإنه يحصل به الحمد والثناء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: (ثم يقرأ جهراً في الأولى بعد الفاتحة بسبح وبالغاشية في الثانية)
لما تقدم من حديث النعمان بن بشير الثابت في مسلم 1 ، ويستحب له أن يقرأ أحياناً ما ثبت في مسلم من حديث أبي واقد الليثي أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان يقرأ في الفطر والأضحى بـ " (ق) واقتربت " 2 .
فالمستحب له أن يقرأ هاتين تارة، وأن يقرأ بسبح والغاشية تارة أخرى.
والحمد لله رب العالمين.
قال المؤلف رحمه الله: (فإذا سلم خطب خطبتين كخطبتي الجمعة)
تقدم ما ذكره المؤلف من المسائل في خطبة الجمعة، فما ثبت فيها فهو ثابت في خطبة العيد، ومن ذلك أن خطبة العيد خطبتان، كما ذكر ذلك أهل العلم من الحنابلة والشافعية وأهل الظاهر وغيرهم ولم أر خلافاً بين أهل العلم في هذه المسألة.
ووردت أحاديث تدل على ذلك، منها أحاديث ضعيفة لا تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فمن ذلك: ما رواه ابن ماجه في سننه عن جابر قال: (خرج النبي صلى الله عليه وسلم في فطر أو أضحى فخطب قائماً ثم قعد قعدة ثم قام) 1 والحديث فيه أبو بحر وإسماعيل بن مسلم وهي ضعيفان فالحديث إسناده ضعيف جداً.
وروى سعيد بن منصور في سننه عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: (يكبر الإمام إذا صعد المنبر يوم العيد قبل الخطبة الأولى تسع تكبيرات وقبل الثانية سبع تكبيرات) لكن الحديث مرسل، ومع ذلك فإن عمل أهل العلم على ذلك، ولم أر خلافاً بين أهل العلم في هذه المسألة فتكون المسألة إجماعاً، ويمكن أن يستدل على هذه المسألة: بما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال: (شهدت صلاة الفطر مع نبي الله وأبي بكر وعمر وعثمان كلهم يصليها قبل الخطبة ثم يخطب فنزل - أي كان يخطب – نبي الله (أي مما ارتقاه سواء كان ذلك منبراً أو شيئاً عالياً) كأني أنظر إليه يجلس الرجال يشير بيده ثم أقبل يشقهم حتى أتى النساء فقال: ﴿يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات ….﴾ الآية فقال: أنتن على ذلك؟ فقالت امرأة: نعم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: فتصدقن) 2
والشاهد فيه قوله: (كأني أنظر إليه يجلس الرجال) لما انتهى من الخطبة الأولى وذهب إلى النساء يخطبهن، فدل على أنها خطبة أخرى، وإن كان السنة أن تكون هذه الخطبة الثانية موجهة إلى النساء، ولكن مع ذلك هي خطبة أخرى يجلس لها الرجال أي يستحب للرجال أن يجلسوا لها فتكون هي الخطبة الثانية.
- وهل يستحب له إذا قام على المنبر أن يجلس أم يشرع في خطبته من غير جلوس؟
قولان لأهل العلم من الحنابلة وغيرهم:
الأول: أنه يستحب له الجلوس كجلوسه يوم الجمعة؛ وذلك ليتراد إليه نفسه ويستريح.
2- الثاني: أنه لا يستحب له ذلك، لأن هذا الجلوس الذي شرع يوم الجمعة إنما هو للأذان بين يديه، فللأذان واستماعه كان المستحب أن يجلس ولا فائدة من القيام حينئذ.
وأما العيد فلا يستحب له أذان ولا إقامة كما تقدم في الأذان فكان المستحب له أن يشرع في خطبته من غير جلوس.
وهذا أولى؛ فإن ظاهر الأحاديث الواردة في سنته في الخطبة ليس فيها ذكر الجلوس، بل فيها أنه كان يقوم فيخطب، لكن إن جلس محتاجاً إلى ذلك ليستريح ويتراد إليه نفسه فلا بأس بذلك للحاجة.
قال: (يستفتح الأولى بتسع تكبيرات والثانية بسبع) هذا هو المستحب عند جمهور العلماء من الحنابلة وغيرهم.
قالوا: يستحب أن يفتتح الخطبة الأولى بتسع تكبيرات متواليات لا يفصل بينها بفاصل من ذكر ولا غيره ويفتتح الثانية بسبع تكبيرات.
واستدلوا بالأثر المتقدم الذي رواه عبيد الله بن عبد الله بن عتبة وأخرجه سعيد بن منصور وغيره.
لكن الحديث – كما تقدم – ضعيف مرسل، ولذا اختار شيخ الإسلام وتلميذه إلى أنه يفتتحها بالحمد؛ لأن الوارد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في خطبه كلها الافتتاح بالحمد له، وأما الافتتاح بالتكبير فلم يثبت عنه، وما روي عنه لا يصح ولا يثبت، فكان المستحب له الافتتاح بالحمد له، ولما تقدم من قوله - صلى الله عليه وسلم - فيما روي عنه والصواب أنه مرسل: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أقطع) 1 ، وروى ابن ماجه في سننه – بإسناد ضعيف – من حديث سعد المؤذن أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (كان يكثر من التكبير بين أضعاف خطبة العيد) 2 . قال: (يحثهم في الفطر على الصدقة ويبين لهم ما يُخرجون، ويرغبهم في الأضحى في الأضحية ويبين لهم حكمها) الوارد عنه – عليه الصلاة والسلام – في خطبة العيد في الفطر والأضحى – هو التذكير والوعظ والأمر بالتقوى والحث على طاعة الله عز وجل.
كما ثبت في الصحيحين عن جابر قال: (شهدت يوم العيد مع النبي صلى الله عليه وسلم فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة ثم قام متوكئاً على بلال فأمر بتقوى الله وحث على طاعته ووعظ الناس وذكرهم، ثم مضى إلى النساء فوعظهن وذكرهن وقال: تصدقن فإنكن أكثر حطب جهنم) 1 . وأما ما ذكره المؤلف من كون الخطيب يستحب له أن يذكرهم بمسائل الفطر في عيد الفطر، فإن في هذا نظراً؛ لعدم ثبوته أولاً – عن النبي - صلى الله عليه وسلم - –. وثانياً: فوات محله، فإن صدقة الفطر تشرع بل لا تجزئ إلا أن يكون قبل صلاة العيد، فإذا صلى الناس العيد فقد فات وقتها فلم يكن للتنبيه على مسائلها فائدة، بل كان الاشتغال بوعظ الناس وتذكيرهم وأمرهم بالتقوى وحثهم على الطاعة ونهيهم عن المعصية ونحو ذلك أولى من بيان ذلك.
- أما الأضحى فإنه قد صح ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإنه قد قال في خطبة كما في الصحيحين من حديث البراء، قال - صلى الله عليه وسلم -: (من ذبح قبل الصلاة فليذبح مكانها أخرى، ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين) 2 . وفي المسند وابن ماجه: (فاستقبلهم وهم جلوس وقال: تصدقوا) 3 فقد أمر الرجال بالصدقة.
فهنا النبي صلى الله عليه وسلم تكلم عن شيء من أحكام الأضاحي في خطبة في عيد الأضحى ولا شك أن الفائدة واضحة في هذا، فإن الأضاحي إنما تشرع بعد الصلاة فيكون في بيان أحكامها فائدة للمصلين وتعليم لهم.
إذن: ما ذكره المؤلف هنا وهو مذهب الحنابلة وغيرهم أن الكلام في خطبة عيد الفطر يكون عن إخراج الفطرة، في هذا نظراً لفوات وقته وعدم ثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما الكلام عن الأضاحي في خطبة عيد الأضحى فإن محل ذلك لم يفت، والمصلحة مقتضية الكلام على هذا ولثبوته أولاً عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: (والتكبيرات الزوائد والذكر بينها والخطبتان سنة)
التكبيرات الزوائد: وهي ستة تكبيرات زوائد في الأولى وخمساً في الثانية، فهذه التكبيرات سنة والذكر بينها المروي عن ابن مسعود من ذكر الله وحمده والثناء عليه والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم – كذلك سنة –، ولا خلاف بين العلماء في أن ذلك سنة، فلو صلى الإمام ولم يكبر التكبيرات الزوائد فإنه قد ترك سنة ولا يؤثر ذلك في صلاته باتفاق العلماء.
(والخطبتان سنة) فإن الصلاة تصح ولو لم يخطب، ولا يجب على الناس من الذكور والإناث أن يستمعوا إلى الخطبة.
يدل على ذلك ما ثبت في أبي داود والنسائي وابن ماجه من حديث عبد الله بن السائب قال: (شهدت النبي صلى الله عليه وسلم يوم عيد فلما قضى الصلاة قال: إنا نخطب فمن أحب أن يجلس [للخطبة] فليجلس ومن أحب أن يذهب فليذهب) 1 والحديث إسناده صحيح، وقد اتفق العلماء على القول به.
قال: (ويكره التنفل قبل الصلاة وبعدها في موضعها)
أي يكره لمن أتى للعيد أن يتنفل قبل الصلاة وبعدها، لما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال: (صلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم العيد ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما) 1 .
*وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة.
قال الإمام أحمد: " الكوفيون يصلون بعدها لا قبلها، والبصريون يصلون قبلها لا بعدها، والمدنيون لا يصلون قبلها ولا بعدها ".
وروى أبو يعلى الموصلي عن أنس بن مالك والحسن البصري: (أنهما كانا يصليان قبل خروج الإمام) .
وروى الطبراني في الكبير عن كعب بن عجرة أنه قال في الصلاة قبل العيد: (بدعة وترك سنة) .
فالصحابة ومن بعدهم قد اختلفوا في هذه المسألة.
والمشهور في المذهب – خلافاً للشافعية –: أنه لا يصلي قبلها ولا بعدها.
والصحيح في هذه المسألة: أنه إن صلى بعدها فحسن – وهو مستحب -، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم – كما ثبت ذلك في ابن ماجه بإسناد حسن كما قال الحافظ وهو كما قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يصلي قبل العيد شيئاً فإذا رجع إلى بيته صلى ركعتين) 2 .
فإن قيل: قد نفى ذلك ابن عباس في حديثه المتقدم؟
فالجواب: أن المثبت مقدم على النافي، فالمثبت معه علم زائد موجب للإثبات، وأما النافي فليس معه إلا العدم.
وأما قبل صلاة العيد فالصحيح أنه لا بأس له أن يصلي إذا طلعت الشمس وارتفعت قيد رمح؛ لأنه لا دليل يمنع من ذلك فيكون ذلك من التطوع المطلق كما يكون ذلك في صلاة الجمعة في سنتها القبلية، لأن هذا وقت جواز للصلاة ولا دليل يدل على المنع.
وأما كون النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يصلي – كما في حديث ابن عباس –، فإنه كذلك لم يكن يصلي يوم الجمعة قبلها، فيكون ذلك هو المشروع للخطيب، فالخطيب لا يشرع له أن يصلي قبل الجمعة وقبل العيد، وأما الناس فإن ذلك من التطوع المطلق أن يصلي ما كتب له.
وقال بعض الحنابلة: يصلي تحية المسجد.
وهذا ظاهر فيما إذا كانت صلاة العيد قد أقيمت في مسجد فإن هذا ظاهر، بل القول بوجوبه واضح لوجوب تحية المسجد سواء كان ذلك في وقت نهي أو لا.
وأما المصلى فظاهر كلام هذا القائل من الحنابلة: أنه كذلك، وهو قول قوي من إلحاق المصلى بالمسجد؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - للنساء الحيض: (ويعتزل الحيض المصلى) 1 ، فأعطى النبي صلى الله عليه وسلم المصلى حكم المسجد من وجوب اعتزال الحيض له، فكان كذلك في حكمه ذلك الوقت في تحية المسجد.
فالأظهر: أنه إذا أتى صلى ركعتين تحية المسجد، وإذا تأخر الإمام حتى ارتفعت الشمس صلى ما كتب له من الصلوات من باب التطوع المطلق، وعليه فيكون حكم العيد كحكم الجمعة، وهذا ما يدل عليه القياس فإن الجمعة عيد.
ويدل على ثبوت هذا القياس ثبوت صلاة الركعتين عن النبي صلى الله عليه وسلم في بيته كما كان يصليها بعد الجمعة في بيته.
فعلى ذلك التنفل يوم العيد: أما قبل صلاة العيد فإنه من التنفل المطلق إلا أنه يشرع له أن يصلي تحية المسجد.
وأما بعد العيد فيستحب له أن يصلي ركعتين في بيته.
والحمد لله رب العالمين
قال المؤلف رحمه الله: (ويسن لمن فاتته أو بعضها قضاؤها على صفتها)
" لمن فاتته " أي صلاة العيد.
فيسن القضاء لصلاة العيد ويسن أن يكون ذلك على هيئتها وصفتها، فهنا مسألتان:
المسألة الأولى: مشروعية قضاء صلاة العيد، وذكر المؤلف هنا أن ذلك سنة وهذا بناءً على أن صلاة العيد فرض على الكفاية فتكون على أفراد المكلفين على الاستحباب، وما كان مستحباً فإن قضائه مستحب.
وعلى القول بأنها فرض عين – كما تقدم ترجيحه – فيجب قضاؤها؛ لأن فعلها واجب فقضاؤها واجب أيضاً وقد قال صلى الله عليه وسلم: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك) 1 .
ويترتب الخلاف على ما تقدم في قضاء الصلاة هل يقضي المعذور وغيره، أم القضاء فقط للمعذور؟
وتقدم أن الراجح أن القضاء للمعذورين فقط، وأن غير المعذورين لا قضاء عليهم كما هو اختيار شيخ الإسلام.
المسألة الثانية: فهي داخلة تحت القاعدة المشهورة: وهي أن القضاء يحكي الأداء، فمن فاتته صلاة العيد قضاها على هيئتها وصفتها ركعتين يكبر في الأولى سبع تكبيرات وفي الثانية خمساً كهيئتها للقاعدة المشهورة: القضاء يحكي الأداء، والأدلة الشرعية تدل على هذه القاعدة.
فقوله: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها) الضمير يعود إلى الصلاة المتروكة نفسها فكان قضاؤها يحكي أداءها.
وقال ابن مسعود: يقضيها أربعاً، وهو قول لبعض الحنابلة.
وقال بعضهم: إن شاء صلى أربعاً وإن شاء صلى ركعتين.
وأثر ابن مسعود رضي الله عنه ثابت عنه في مصنف ابن أبي شيبة بإسناد صحيح أنه قال: (من فاتته صلاة العيد فليصل أربعاً) .
وأثره مخالف بأثر رواه البخاري معلقاً ووصله ابن أبي شيبة والبيهقي عن أنس: (أنه قضاها على هيئتها وصفتها) فيخالف الأثران والقياس مع قول أنس.
فإن القياس والنظر يقتضي أن يصلي هذه الصلاة التي هي من باب القضاء على هيئتها في الأداء.
وأما أثر ابن مسعود فإن هذا فيما يظهر من باب إلحاق العيد بالجمعة فإن الجمعة عيد، وإذا تركت صليت أربعاً فكذلك العيد.
لكن القياس هنا: ضعيف للفارق بين هاتين المسألتين في أن لصلاة الجمعة بدلاً وهو صلاة الظهر، وهو بدل في يومها فإذا فاتت رجع إلى المبدل، وأما صلاة العيد فليس لها بدل أصلي في سائر الأيام وإن كان غير أصلي في ذلك اليوم.
إذن: ما ذهب إليه جمهور العلماء أصح وأن صلاة العيد إن تركت صليت على هيئتها وصفتها بتكبيراتها الزوائد ونحو ذلك مما تقدم.
(ويسن التكبير المطلق في ليلتي العيد)
يريد الفقهاء بالتكبير المطلق، التكبير في غير أدبار الصلوات المكتوبة.
وإنما التكبير المقيد هو التكبير المرتبط بأدبار الصلوات، وأما المطلق فهو ما يكبره الشخص في سوقه وممشاه ومجلسه وفي بيته ونحوه.
فيسن التكبير المطلق في ليلتي العيدين، ليلة عيد الفطر وليلة عيد الأضحى.
أما ليلة عيد الأضحى فستأتي الآثار الدالة على ذلك، وأما عيد الفطر فدليله قوله تعالى: ﴿ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون﴾ أي لتكملوا عدة رمضان، ولتكبرون على ما هداكم من صيامه وقيامه ولعلكم تشكرون، فهذه الآية فيها أن التكبير يكون عند تمام عدة الشهر ويكون ذلك من رؤية الهلال، فيكبر من رؤية الهلال أو من ثبوت دخول الشهر الآخر بتمام عدة رمضان، فيكبر الله عند ثبوت رؤية الهلال وليلته تلك وصبيحته حتى يغدو إلى المسجد، وقد تقدم أثر ابن عمر: (أنه كان إذا غدا يوم فطر أو أضحى يجهر بالتكبير حتى يأتي المصلى ثم يكبر حتى يأتي الإمام) .
وروى نحوه ابن أبي شيبة عن الزهري عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً إلا أن فيه: (إلى أن يقضي الصلاة) ، ومعلوم أن الإمام يكبر في صلاته.
وله شاهد عند البيهقي مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيكون ثابتاً على وجه الرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى وجه الوقف عن ابن عمر رضي الله عنه – وهذا مذهب الجمهور –.
- وقال المالكية: لا يستحب له إلا عند غدوه بعد طلوع الشمس على خلاف بينهم إذا غدا قبل طلوع الشمس هل يكبر أم لا؟
لكن المقصود: أنهم لا يرون التكبير إلا في يوم العيد.
واستدلوا بأثر ابن عمر المتقدم.
والظاهر أن الآية عامة فيدخل فيها أثر ابن عمر والتكبير الوارد في الصلاة وفي أضعاف الخطبة، فإن ذلك كله من التكبير الداخل في قوله تعالى: ﴿ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون﴾ إذن: المشهور عند الحنابلة: أنه يكبر مع رؤية الهلال وأثناء ليلته تلك وصبيحتها ومن غدوه إلى الصلاة داخلة في ذلك، وما يكون في الخطبة داخل ذلك، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه التكبير في الغدو، وشرع التكبير في الصلاة، وكما تقدم عند عامة أهل العلم من التكبير أثناء الخطبة والآية أيضاً تشمل التكبير في ليلته.
قال: (وفي فطر آكد) للآية، فإن الله أمر بالتكبير فيه فقال: ﴿ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ….﴾ حتى ذهب بعض الظاهرية إلى وجوب التكبير، وهو قول قوي من أنه يجب عليه التكبير سواء كان ذلك في تكبيره في الصلاة، المقصود أنه يكبر الله عند تمام عدة رمضان.
قال: (وفي كل عشر ذي الحجة) لقوله تعالى: ﴿واذكروا الله في أيام معلومات﴾ والأيام المعلومات هي عشر ذي الحجة.
كما أن الأيام المعدودات هي أيام التشريق، وثبت في البخاري معلقاً: (أن ابن عمر وأبا هريرة كانا يخرجان إلى السوق في أيام عشر ذي الحجة يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما) 1 فهذا الكلام على التكبير المطلق.
قال: (والمقيد عقب كل فريضة في جماعة من صلاة الفجر يوم عرفة، وللمحرم من صلاة الظهر يوم النحر إلى عصر آخر أيام التشريق)
إذن: يسن التكبير المقيد.
أما المحرم فيسن له من صلاة الظهر يوم النحر، وأما غير المحرم فيسن له من صلاة الفجر يوم عرفة إلى آخر صلاة من أيام التشريق وهي صلاة العصر، ويكبر بعد العصر ما لم تغب الشمس.
ودليل ذلك: الآثار عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال الإمام أحمد: " الإجماع " أي إجماع الصحابة، عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود، أما أثر عمر فلم أقف عليه.
وأما أثر علي فهو ثابت في ابن أبي شيبة بإسناد صحيح: (أنه كان يكبر بعد صلاة الصبح من يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق ويكبر بعد العصر) .
ونحوه عن ابن عباس عند البيهقي.
ونحوه عن ابن مسعود عند الحاكم وهي أسانيد صحاح إليهم.
وقال ابن تيمية: " هو إجماع من أكابر أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - " أ. هـ
أما المحرم فإنه يكبر بعد صلاة الظهر من يوم النحر؛ لأنه منشغل قبل ذلك بالتلبية، فإذا صلى الظهر وقد رمى جمرة العقبة ضحى فإنه بعد صلاة الظهر يكون التكبير المقيد.
وعليه: فإن رمى - كما يكون هذا للضعفة، إن رمى - قبل الفجر عل قول فيكون قد انتهى من التلبية فإنها تنتهي برمي جمرة العقبة، وحينئذ يكبر بعد صلاة الفجر.
فإذن: قالوا بعد صلاة الظهر؛ لأنه هو الوقت الغالب في انتهاء الناس من رمي الجمار فيكبرون لانتهائهم من التلبية وحينئذ يكون انشغالهم بالتكبير.
ولكن مع ذلك فالأظهر أنه لا بأس أن يكبر ولا ينكر عليه، بدليل ما ثبت في البخاري وغيره عن أنس قال في غدوهم والنبي صلى الله عليه وسلم من منى إلى عرفة: (يلبي الملبي فلا ينكر عليه ويكبر المكبر فلا ينكر عليه) .
فإذن: إن كبر يوم عرفة فلا بأس.
ثم إن التكبير في الحقيقة لا يمنع من التلبية، فإن التلبية مشروعة على الإطلاق، وكونه يكبر بعد الصلوات المكتوبة هذا لا يشغله عن التلبية المشروعة، فإن التلبية ليست مشروعة في كل لحظة من لحظاته.
وهنا قال: " في جماعة ": فإذا صلى الصلاة المكتوبة في جماعة كبر، فإن صلاها منفرداً لم يكبر.
فالتكبير يشرع عقب الصلاة المكتوبة، لأن الصحابة كانوا يكبرون بعد صلاة الفجر، فكان التكبير مختصاً بالصلوات المكتوبة.
قالوا: ويكون ذلك في جماعة – خلافاً لمذهب مالك – فإن صلى المكتوبة منفرداً فإنه لا يكبر.
واستدلوا: بأثر رواه ابن المنذر واحتج به أحمد ولم أقف على سنده: أن ابن مسعود قال: (إنما التكبير على من كان في جماعة) ، قالوا: ولا يعلم له مخالف من الصحابة.
وهذا قوي في النظر، من باب أن التكبير إنما يشرع الجهر به وإظهاره وذلك إنما يكون بعد الصلوات التي يجتمع عليها الناس فيجتهدون في رفع أصواتهم وتظهر هذه الشعيرة من شعائر الله من التكبير.
وأيام التشريق يستحب فيها التكبير المطلق، فقد ثبت في البخاري معلقاً: " أن عمر كان يكبر في قبته بمنى فيسمع أهل المسجد تكبيره فيكبرون، ويكبر أهل السوق حتى ترتج منى "، " وكان ابن عمر يكبر تلك الأيام خلف الصلوات وعلى مجلسه في فسطاطه وممشاه، وكانت ميمونة تكبر يوم النحر، وكن النساء يكبرن خلف أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز أيام التشريق) 1 ، وهي الأيام المعدودات التي قال الله فيها: ﴿واذكروا الله في أيام معدودات﴾ .
قال: (وإن نسيه قضاه ما لم يحدث أو يخرج من المسجد)
إن نسى التكبير المقيد وهو ما زال دبر الصلاة المكتوبة، فإنه يقضيه؛ لأن السنة لم يفت محلها.
(ما لم يحدث أو يخرج من المسجد) : أما الخروج من المسجد فنعم، فإنه قاطع عرفاً، فإذا خرج من المسجد فإنه يكبر من باب التكبير المطلق، وأما التكبير المقيد فقد فاته لأن السنة قد فات محلها.
وأما الحدث، فاختار الموفق: أنه لا يؤثر في ذلك؛ لأن التكبير ليس من شرطه الطهارة.
وقال الحنابلة: الذكر تبع للصلاة فكان الحدث قاطعاً، والصحيح خلاف ذلك كما هو اختيار الموفق.
قال: (ولا يسن عقب صلاة عيد)
أي لا يسن له أن يكبر التكبير المقيد بعد صلاة العيد.
- أما عيد الفطر فهذا واضح؛ لأن التكبير المقيد بعد الصلوات المكتوبة لا يشرع في يوم الفطر بل في يوم النحر وفي يوم عرفة وأيام التشريق.
أما عيد الفطر فالتكبير فيه تكبير مطلق فلا يكون بعد الصلوات المكتوبة. - وأما عيد النحر فكذلك، فإذا صلى صلاة عيد الأضحى فلا يكبر بعدها.
قالوا: لأن الوارد عن الصحابة إنما هو التكبير خلف الصلوات المفروضة، وصلاة العيد ليست من الصلوات المفروضة فلا يكبر بعدها. - وقال بعض الحنابلة، كما هو اختيار الموفق: أنه يكبر بعد صلاة عيد الأضحى؛ قال: لأن صلاة العيد صلاة مفروضة فهي مفروضة على الكفاية – كما تقدم في مذهب الحنابلة – فيسن لها التكبير كغيرها من الصلوات المفروضة.
قال: بل هي أولى؛ لأن صلاة العيد مختصة بذلك اليوم، والتكبير مختص بالعيد فكانت أحق من غيرها بالتكبير لاختصاصها بيوم العيد – وما ذكره أظهر –. فالمستحب له أن يكبر بعد صلاة عيد الأضحى؛ لأنها صلاة مفروضة كسائر الصلوات المفروضة.
قال: (وصفته شفعاً: الله أكبر، الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد) " شفعاً " أي لا يثلث.
وهكذا ثبت عن ابن مسعود رضي الله عنه كما في مصنف ابن أبي شيبة أنه كان يقول في تكبيره: (الله أكبر، الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد) .
واختار الشافعية أنه يثلث، فيقول: (الله أكبر الله أكبر، الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد) لثبوت ذلك عن ابن عباس كما في سنن البيهقي بإسناد صحيح.
وكلا الصفتين ثابتتان عن هذين الصحابيين فأي منهما فعل فهو حسن.
قالوا: وتجوز التهنئة يوم العيد، وقد ثبت ذلك عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيما ذكره الإمام أحمد وذكره ابن التركماني في تعليقه على سنن البيهقي عن أبي أمامة وغيره من الصحابة أنهم كانوا إذا رجعوا من العيد يقول بعضهم لبعض: (تقبل الله منا ومنك) ، قال الإمام أحمد: وإسناده جيد.
وإن هنأ بما يتعارف عليه الناس من الألفاظ فلا بأس، فإن هذه من مسائل العادات ولا حرج في مثل ذلك.
والحمد لله رب العالمين.
انتهى باب العيدين
باب صلاة الكسوف
صلاة الكسوف من الصلوات المشروعة بإجماع أهل العلم.
والكسوف والخسوف: يطلقان على الشمس والقمر إذا ذهب نورهما واسود، فيقال في الشمس أو القمر: انكسفت أو انخسفت، فإذا ذهب ضوؤهما أو شيء منه يقال ذلك، وإن كان الغالب أن يطلق الكسوف على الشمس، والخسوف على القمر، ولكن مع ذلك فإن الخسوف يطلق على الشمس كما صحت بذلك الأدلة كما ثبت في قول عائشة: (انخسفت الشمس في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم) .
قال المؤلف رحمه الله: (تسن)
أي يسن صلاة الكسوف، وهذا مذهب جماهير أهل العلم حتى حكاه النووي وابن الوزير إجماعاً – أي أنها سنة مؤكدة -.
- وذهب طائفة من العلماء إلى وجوبها، وقد صرح به أبو عوانة صاحب المستخرج على صحيح مسلم فقال: (باب: وجوب صلاة الكسوف) ومال إليه الشوكاني والصنعاني.
قال الشوكاني: " والظاهر الوجوب إلا أن يصح الإجماع وإلا فلا صارف) أي ما ورد من الأوامر من النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين بإقامة الصلاة يوم تكسف الشمس أو القمر أوامر ظاهرها الوجوب لا صارف لها إلا أن يصح الإجماع المذكور، ومعلوم ما في حكاية الإجماع من التعسر.
فعلى ذلك القول بوجوبها قول قوي، فقد قال صلى الله عليه وسلم – كما في الصحيحين – من حديث المغيرة قال: (انكسفت الشمس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم يوم مات إبراهيم فقال الناس: انكسفت الشمس بموت إبراهيم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتموهما فادعوا الله وصلوا حتى تنكشف) ، وفي رواية للبخاري: (حتى يتجلى) .
فظاهر الأمر هو الوجوب فيتوجه ويقوي القول بوجوب ذلك إلا أن يثبت الإجماع، وفي إثباته – كما تقدم - عسر، فإن عامة ما مع من يذكر الإجماع عدم معرفة الخلاف بين العلماء، ومعلوم أن التفريق بالتلفظ بالسنية والإيجاب قليل عند السلف الصالح، فإنهم يقولون بالسنية ويريدون بذلك – كما هو مشهور من أقوالهم – الإيجاب.
وأما التفريق فهذا في المتأخرين أكثر منه في المتقدمين، والمقصود من ذلك أن حكاية الإجماع المتقدم فيها شيء من الصعوبة، فالقول بالإيجاب قول قوي وهو الذي يقتضيه المعنى، فإن هذه حال شديدة حيث كسفت الشمس أو خسف القمر وهما ما هما من نعم الله اللذان يقوم بهما مصالح العباد في حياتهم الدنيوية، فلا شك أن عليهم أن يلجؤوا إلى الله بالدعاء والصلاة وغير ذلك لرفع ما فيهم، وقد يكون ذلك من باب العقوبة فناسب أن يقبلوا إلى الله ويلجؤوا إليه ويسألوه كشف ورفع ما هم فيه مما قد يكون عقوبة من الله عز وجل.
قال: (جماعة وفرادى)
يسن صلاة الكسوف للمنفرد في بيته، وللجماعة في المسجد.
أما كونها تشرع جماعة في المسجد فهذا ظاهر في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد ثبت في الصحيحين عن عائشة قالت: (انكسفت الشمس في حياة النبي صلى الله عليه وسلم فخرج إلى المسجد وصف الناس وراءه) وفيه أن صلاة الكسوف تشرع في المساجد لا في المصليات.
وأما إقامتها فرادى فلإطلاقات الأحاديث كقوله صلى الله عليه وسلم: (فادعوا الله وصلوا) ، وقوله: (وصلوا) لفظ مطلق يشمل الأمر بالصلاة على هيئة الجماعة أو على هيئة الانفراد.
قالوا: لكن الأفضل أن يصلي جماعة لفعل النبي صلى الله عليه وسلم.
والأظهر على القول بوجوب صلاة الكسوف أن يقال بوجوب صلاتها جماعة وإن صحت فرادى، لأنها من الواجبات فأشبهت صلاة الفريضة، فكما أن الفريضة يجب أن تقام في الجماعة فكذلك صلاة الكسوف يجب أن تقام في الجماعة.
كما أنه يشرع حضور النساء لها، فقد ثبت حضور عائشة وأسماء بنت أبي بكر، لها كما ثبت في الصحيحين، فقد صليتا مع النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: (إذا كسف أحد النيرين)
الشمس أو القمر.
فإن قيل: لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا أنه صلى في كسوف الشمس فما هو الدليل الدال على صلاتها عند خسوف القمر؟
فالجواب: أنه قد ثبت في نص قوله - صلى الله عليه وسلم -: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فادعوا الله وصلوا) أي رأيتم إنكسافهما.
قال: (ركعتين)
لما ثبت في الصحيحين عن عائشة قالت: (جهر النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف بقراءته فصلى أربع ركعات " أي ركوعات " في ركعتين وأربع سجدات) .
فصلاة الكسوف ركعتان بأربع ركوعات وأربع سجودات.
قال: (يقرأ في الأولى جهراً) .
لحديث عائشة المتقدم وفيه: (جهر النبي صلى الله عليه وسلم بقراءته في صلاة الكسوف) فهذا يدل على أن المستحب هو الجهر.
فإن قيل: فما الجواب عن قول ابن عباس في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم قال – رضي الله عنه -: (انخسفت الشمس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فصلى فقام قياماً طويلاً نحواً من قراءة سورة البقرة) فلو كان النبي صلى الله عليه وسلم يجهر لصرح رضي الله عنه بقراءته ولما قال: (نحواً من قراءة سورة البقرة) ؟
فالجواب على ذلك: أن قول ابن عباس لا يعارض بحديث عائشة، فإن غاية قوله هو نفي الجهر وأن كان ليس صريحاً في ذلك فغايته عدم سماعه لجهر النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعائشة قد أثبتت جهره، والمثبت مقدم على النافي ويحتمل أن ابن عباس لبعده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ذلك.
ومعلوم أنه لم يكن من كبار الصحابة بل قد توفي النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد ناهز الاحتلام، فلعل هذه الصلاة في سنه العاشرة أو الحادية عشر فربما كان في أواخر الناس فلم يكن يتبين قراءة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، أما عائشة فقد صرحت بإثبات الجهر.
فعلى ذلك يستحب الجهر سواء كانت الصلاة لكسوف الشمس أو لخسوف القمر فإن الحديث المتقدم حديث عائشة في صلاة كسوف الشمس وهي في النهار فإذا كان ذلك في النهار الذي الأصل فيه أن تكون القراءة سرية فأولى من ذلك صلاة كسوف القمر الذي يكون ليلاً.
قال: (يقرأ في الأولى جهراً بعد الفاتحة سورة طويلة)
كما تقدم عن ابن عباس نحواً من سورة البقرة، وهذا على الاستحباب.
قال: (ثم يركع ركوعاً طويلاً ثم يرفع ويسمع ويحمد، ثم يقرأ الفاتحة وسورة طويلة دون الأولى، ثم يركع فيطيل وهو دون الأول، ثم يرفع ثم يسجد سجدتين طويلتين ثم يصلي الثانية كالأولى لكن دونها في كل ما يفعل، ثم يتشهد ويسلِّم)
دل على هذه الصفة ما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال: (انخسفت الشمس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فصلى فقام قياماً طويلاً نحواً من قراءة سورة البقرة ثم ركع ركوعاً طويلاً، ثم قام قياماً طويلاً وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعاً طويلاً وهو دون الركوع الأول، ثم سجد " ثم رفع ثم سجد " ثم قام قياماً طويلاً وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعاً طويلاً وهو دون الركوع الأول ثم ركع - هنا حذف أي ثم قام قياماً فإنه لابد بعد الركوع من قيام ليثبت الركوع الثاني فإنه لا يمكن أن يكون الركوع الثاني إلا بعد قيام - ثم ركع ركوعاً طويلاً وهو دون الركوع الأول ثم رفع رأسه ثم سجد ثم انصرف وقد انجلت الشمس فخطب الناس) . وقد ذكر المؤلف هنا: أنه يسمع ويحمد بعد رفعه من كل ركوع وهو ثابت في حديث عائشة في مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم (بعد ركوعه الأول والثاني من كل ركعة قال: (سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد) . وذكر المؤلف – هنا – أن سجوده سجود طويل وهذا وإن لم يثبت في حديث ابن عباس فهو ثابت في حديث عائشة في صحيح مسلم وفيه: (ثم سجد سجوداً طويلاً) . وثبت في أبي داود من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وفيه: (ثم سجد فلم يكد يرفع) 1 ، وهذا هو الذي تقتضيه سنته - صلى الله عليه وسلم – من كون قيامه فركوعه فرفعه من الركوع فسجوده فجلوسه بين السجدتين فانصرافه قريباً من السواء – كما في الصحيحين من حديث البراء، فناسب أن يكون سجوده طويلاً كطول قيامه أي بالمناسبة، فليس المقصود أنه يكون كقيامه بالقدر، لكن المراد بالمناسبة: فكما أنه أطال القيام على خلاف العادة فإنه يطيل السجود على خلاف العادة، لكن يكون ذلك بالتناسب والاعتدال.
إذن: يطيل السجود أيضاً السجدتين الأولى والثانية إلا أن سجدته الثانية تكون أخف من السجدة الأولى، وسجدتاه في الركعة الثانية تكون أخف من سجدتيه في الركعة الأولى.
فهذه صفة صلاة الكسوف الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهناك صفات أخر وردت في السنة سيأتي الكلام عليها في الدرس القادم.
قال: (فإن تجلى الكسوف فيها أتمها خفيفة) .
لظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: (فادع الله وصلوا حتى تنكشف) فظاهره أن الانكشاف غاية لهذه الصلاة وأن المستحب له إذا انكشفت أو تجلت أن يخفف الصلاة فيتمها خفيفة.
فإن انصرف من صلاته ولم يتجلى الشمس أو القمر بعد فيستحب له أن يكثر من الدعاء والذكر والصدقة، فقد قال صلى الله عليه وسلم كما في مسلم من حديث أبي موسى الأشعري: (فافزعوا إلي ذكر الله ودعائه واستغفاره) وتقدم في الحديث المتفق عليه: (فادعوا الله وصلوا) ، وفي ابن خزيمة أن النبي صلى الله عليه وسلم: (أمر بالصلاة والصدقة) ، وفي أبي داود وذكره البخاري: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (أمر بالعتاق) أي أن تعتق الرقاب.
فإذن: إذا انتهوا من الصلاة ولم تتجلى الشمس بعد أو لم يزل الخسوف فإنهم ينشغلون بالدعاء والذكر وقراءة القرآن وغير ذلك مما تقدم من الصدقة وعتق الرقاب مما هو سبب لإطفاء غضب الرب وإزالة ما وقع من الكسوف أو الخسوف.
- وهل له أن يشتغل بالصلاة أم لا؟
قولان لأهل العلم:
1 - فالمشهور عند الحنابلة وغيرهم: أن صلاة الكسوف لا تعاد فإذا انصرفوا ولم تتجلى الشمس فليس لهم أن يعيدوها.
2- قال بعض الحنابلة: بل لهم ذلك.
وهذا فيما يظهر لي – قوي – فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالصلاة فيشمل أن يصلي هاتين الركعتين أو غيرها من الركعات فقد أمر بالصلاة حتى يتجلى.
وقد انصرف النبي صلى الله عليه وسلم من صلته المتقدمة وقد انجلت الشمس فلا يصح أن يكون هذا دليلاً على منع الاستمرار بالصلاة والإكثار منها.
وهنا قد أمر في هذا الحديث بالصلاة والدعاء حتى تتجلى أو تنكشف.
والأظهر أنه لا مانع من أن يصلي وإن شاء أن يدعو ويذكر الله ويشتغل بالصدقة ونحو ذلك فهذا أيضاً حسن.
وهل يقضي صلاة الكسوف؟
قال أهل العلم: لا يقضي، ذلك لأنها عبادة قد فات محلها، فمحلها ما دامت الشمس خاسفة أو القمر، فإذا زال هذا الخسوف فإن محلها قد فات فلا تشرع كصلاة الاستسقاء وكتحية المسجد وغيرها من العبادات التي تشرع على حال فإذا ذهبت هذه الحال لم تشرع هذه الصلاة.
- وينادي لها بـ " الصلاة جامعة "؛ لما ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو قال: (انخسفت الشمس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فنودي بالصلاة جامعة) ولا يشرع لها أذان ولا إقامة.
مسألة: بماذا تدرك الركعة الأولى من صلاة الكسوف، بالركوع الأول أما بالركوع الثاني؟ الظاهر أنها تدرك بالركوع الثاني، لأنه هو الركوع الأصلي، فإن الركوع الأصلي في الصلاة ما يَعْقبه الرفع الذي فيه التحميد الذي يتبعه السجود.
بخلاف الركوع الأول فهو طارئ فهو مسبوق بقراءة وملحوق بقراءة، فهو ركوع طارئ في هذه الصلاة فإذا أدرك الركوع الثاني فإنه يدرك بذلك الركعة.
والحمد لله رب العالمين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإن غابت الشمس كاسفة، أو طلعت والقمر خاسف ... لم يصل)
إذا غابت الشمس وهي كاسفة، أو طلعت الشمس والقمر خاسف فإنه لا يصلي الكسوف.
ومثل ذلك: لو شرعوا في الصلاة وقد خسف القمر وطلعت الشمس أو كسفت الشمس وغابت فمثل ذلك فيكون في حكم الانجلاء فحينئذ يتموها خفيفة.
وذلك لأن وقت الانتفاع بهما – أي بالشمس والقمر – هو الليل للقمر والنهار للشمس، فإذا خرج النهار تصاب الشمس ومثل ذلك طلوع الشمس قليل فإنه حينئذ يذهب وقت الانتفاع بهما – هكذا علل الفقهاء –.
ويستدل له بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (حتى يتجلى) وقوله: (حتى تنكشف) وغياب الشمس وكذلك القمر هو في حكم الانجلاء لأنه لا يمكن أن يكون الانجلاء غاية وقد غابت الشمس فحينئذ لا يكون للصلاة مدى أو نهاية إلا نهاية طويلة قد لا تتضح إلا بعد ساعات طويلة وهذا متعذر لا يعلق الشرع بمثله.
قالوا - والقول هنا لفقهاء الحنابلة ومن وافقهم -: وكذلك إذا طلع الفجر والقمر خاسف فإنهم لا يصلون صلاة الكسوف، وإن كانوا قد شرعوا فيها فإنهم يتمونها خفيفة.
قالوا: لأن طلوع الفجر ينهى فيه عن الصلاة النافلة فهو وقت نهي – كما هو المشهور في المذهب –.
وعند جمهور العلماء: وقت النهي يبدأ من بعد الصلاة، والراجح كما تقدم أنه يدخل بطلوع الفجر.
ولكن مع ذلك فإن الصحيح ما ذهب إليه الشافعية، فقد قالوا: إن الصلوات ذات الأسباب تصلي في أوقات النهي ومن ذلك صلاة الكسوف؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم هنا: (فإذا رأيتموهما فادع الله وصلوا) وتقدم البحث هناك في حكم الصلاة في أوقات النهي ومن ذلك صلاة الكسوف فإنها من ذوات الأسباب فتصلي في أوقات النهي.
إذن الحنابلة ومثل ذلك من ذهب إلى مذهبهم: أن صلاة الكسوف لا تصلى في وقت النهي، قالوا: فإذا طلع الفجر – وهذا القول للحنابلة – أو صليت الفجر – وهو قول الجمهور – فإنهم لا يصلون صلاة الكسوف؛ لأن الوقت وقت نهي وإن كان الانتفاع موجود، فإن الانتفاع يبقى بالفجر وإن طلع الفجر فإنه يضيء في ذلك الوقت، لكن الأمر لمتعلق آخر وهو وقت النهي.
إذن المشهور عند الحنابلة أن صلاة الكسوف لا تصلى في أوقات النهي وحينئذ فيدعون الله ويذكرونه ويتصدقون ويكبرون فلا يصلون وإنما يشتغلون بالذكر والدعاء والصدقة والعتق ونحو ذلك من الأعمال التي تقدم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم لها ومشروعيتها في يوم كسوف الشمس أو ليلة خسوف القمر، والراجح ما تقدم.
قال: (أو كانت آية غير الزلزلة لم يصل)
إذا كانت هناك آية من الآيات العظام كنزول صواعق أو كثرة خسف أو سقوط شيء من الكواكب على هيئة ظاهرة مخوفة فهل يشرع لهم أن يصلوا؟
قالوا: لا يشرع لهم أن يصلوا باستثناء الزلزلة، لثبوت الأثر عن ابن عباس فيها، فقد صح في البيهقي عنه: (أنه صلى في زلزلة ست ركعات في أربع سجدات) أي صلى ركعتين في كل ركعة ثلاث ركوعات، صح عنه ذلك في البيهقي بإسناد صحيح، ورواه ابن أبي شيبة بلفظ " صلى بهم " أي صلى بهم جماعة وذلك في البصرة، وقد صلى ركعتين وقال: (هكذا صلاة الآيات) .
وذهب المالكية والشافعية: إلى أنه لا يشرع مطلقاً لا في الزلزلة ولا في غيرها؛ قالوا: لأنه لم يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عن خلفائه الراشدين أن صلوا في آية من الآيات لا في زلزلة ولا في غيرها.
وقال الأحناف: بل يصلي في كل آية، فكل آية من الآيات التي تشابه كسوف الشمس أو خسوف القمر، ومثل ذلك نزول الصواعق والزلازل ونحو ذلك من الآيات العظام التي يخوف الله بها عباده، قالوا: فإنه يصلي.
واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم: (أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده) .
قالوا: ومثل ذلك في الزلزلة ونحوها من الآيات فإن فيها تخويفاً من الله عز وجل، والأصل أن يتعدى الحكم، فما دام المعنى الموجود في خسوف الشمس والقمر موجوداً في الزلزلة والصواعق ونحوها من الآيات العظام المخوفة فإن الحكم يثبت – وهذا قياس ظاهر –.
قالوا: ولأن ابن عباس قال: (هكذا صلاة الآيات) وهذا عام، فكما أن الحنابلة استدلوا به على الزلزلة فينبغي أن يستدلوا به على عموم الآيات.
وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وهو قول ظاهر.
ثم إنا لا نقطع بحدوث آيات عظام كالزلازل ونحوها في عصر النبي صلى الله عليه وسلم ولا في عهد خلفائه الراشدين فلم يبلغنا وقوع مثل هذه الآيات العظام، وثبت لنا هذا القول من ابن عباس ومن صلاته ولم يعلم له مخالف.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يخوف الله بهما عباده) ، فالأظهر ما اختاره شيخ الإسلام وأن هذه الصلاة المتقدم ذكرها لا تختص بخسوف القمر أو الشمس وإنما يتعدى ذلك إلى سائر الآيات كالزلازل والصواعق ونحوها من الآيات العظام التي فيها تخويف من الله لعباده، والله أعلم.
وإن صلاها كما ذكر ابن عباس، أو كصفة صلاة الكسوف فلا بأس.
قال: (وإن أتى في [كل] ركعة بثلاث ركوعات أو أربع أو خمس جاز)
تقدم حديث ابن عباس المتفق عليه وحديث عائشة وفيهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في الكسوف ركعتين في كل ركعة ركوعان، وهنا قال المؤلف " أتى في كل ركعة بثلاث ركوعات أو أربع أو خمس جاز " له ذلك.
ومثل ذلك لو صلاها على هيئة التطوع فصلاها ركعتين كل ركعة فيها ركوع واحد.
واستدلوا بأحاديث وردت بهذه الصفات.
فقد ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم – من حديث جابر -: (صلى في الخسوف ست ركعات في أربع سجدات) أي في كل ركعة ثلاث ركوعات.
وفي مسلم عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم: (صلى ثماني ركعات في أربع سجدات) .
وفي أبي داود من حديث أبي بن كعب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى عشر ركعات في أربع سجدات
وفي أبي داود من حديث النعمان بن بشير وعبد الرحمن بن سمرة وعبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم: (صلاها ركعتين كهيئة التطوع) .
قالوا: فهذه الأحاديث تدل على جواز ذلك وأنه يجوز له أن يصلي على خلاف الصفة المتقدمة، بل له أن يصلي في كل ركعة ثلاث ركوعات أو أربع أو خمس أو يكتفي بركوع واحد.
- وذهب إسحاق بن راهويه وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه واستحسنه ابن المنذر وغيره من أهل العلم، قالوا: بل المشروع له أن يصلي في كل ركعة ركوعين ولم يصححوا الأحاديث التي تقدم ذكرها، ورأوا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل الكسوف في عصره إلا مرة واحدة يوم مات إبراهيم فصلى بالناس ركعتين وفي كل ركعة ركوعان، وهذا القول هو القول الراجح.
أما ما ذكروه من الأحاديث فإنها أحاديث ضعيفة.
أما ما رواه مسلم من حديث ابن عباس وجابر، فإن أحاديث مسلم لا شك أن أهل العلم قد اتفقوا على تصحيحها، لكن يستثنى من ذلك اليسير الذي خالفه فيها الأئمة الكبار كأحمد والبخاري وغيرهم، وحذاق أهل العلم ممن كان لهم بصيرة في هذا العلم، فكان لهم مخالفة في أحاديث من أحاديث مسلم، وفي أحاديث أقل منها في صحيح البخاري، والواجب على طالب العلم أن يصحح كل ما ثبت في صحيح مسلم إلا تلك الأحاديث التي انتقدها الأئمة النقاد أو بعضهم، فله مجال بتصحيحها أو القول بتضعيفها فلا تكون من الأحاديث التي تلقت بالقبول واتفق الحفاظ على تصحيحها، ومن ذلك هذان الحديثان " حديث ابن عباس وحديث جابر " فقد قال شيخ الإسلام: " وأما حذاق الأئمة فقد رأوا أنه غلط " يعني رواية ابن عباس ورواية جابر " ورأوا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل الكسوف إلا مرة يوم مات إبراهيم.
وقال ابن القيم: " وكبار الأئمة لا يصححونه " يعني بذلك حديث ابن عباس ومثله في الحكم حديث جابر.
وحديث ابن عباس من رواية: حبيب بن أبي ثابت عن طاووس عن ابن عباس، وحبيب بن أبي ثابت مدلس، لكن تدليسه في صحيح مسلم محمول على السماع عند الأئمة إلا مثل هذا الحديث الذي قد اختلف فيه فإنه يصح أن يعلل بهذا التدليس بخلاف غيره من الأحاديث التي لم ينتقدها الحفاظ فإنها محمولة على السماع.
وأما حديث جابر فهو من رواية عبد الملك بن سليمان عن عطاء عن جابر، وعبد الملك بن سليمان وإن كانت أحاديثه كلها صحيحة في مسلم لكن في حفظه شيء من الضعف وإذا خولف تبين أنه قد أخطأ في هذا الحديث، وهنا كذلك فقد روى هذا الحديث هشام الدستوائى عن أبي الزبير عن جابر بلفظ: (أربع ركعات في ركعتين) ورواية هشام هي الموافقة للأحاديث المحفوظة عن النبي صلى الله عليه وسلم، كحديث ابن عباس المتفق عليه المتقدم وغيره كحديث عائشة.
وحديث ابن عباس المتقدم، المحفوظ أيضاً عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما صلى أربع ركعات) كما في الحديث المتفق عليه.
بل قد ورد هذا من أكثر من طريق عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه صلى أربع ركعات في ركعتين) .
فعلى ذلك هذان الحديثان في مسلم معللان عند أهل العلم، والصواب مع من عللهما.
أما حديث أبي بن كعب في أبي داود: فإن فيه أبا جعفر الرازي وهو ضعيف الحديث.
وأما حديث النعمان بن بشير وعبد الرحمن بن سمرة وعبد الله بن عمرو في سنن أبي داود التي فيها أنه كان يصلي الخسوف كهيئة التطوع.
فحديث النعمان بن بشير مضطرب سنداً ومتناً، وحديث عبد الرحمن بن سمره فيه جهالة، وحديث عبد الله بن عمرو إسناده صحيح لكنه مخالف للمحفوظ عن ابن عمرو رضي الله عنه، فإن الثابت عنه من غير ما طريق عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يصل إلا أربع ركعات.
فعلى ذلك يترجح لنا القول الثاني من أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصح عنه في صلاة الكسوف إلا صلاة أربع ركوعات في ركعتين.
مسألة: هل يشرع بعد صلاة الكسوف الخطبة؟
لم يذكرها المؤلف هنا، وذلك لأن المشهور عند الحنابلة وهو مذهب الجمهور: أن الخطبة لا تشرع.
وذهب الشافعية وهو رواية عن الإمام أحمد واختيار طائفة من أصحابه كالقاضي وابن حامد وغيرهما: أن الخطبة مشروعة وأنه يشرع له أن يخطب فيها خطبتين كالجمعة.
والقول الثالث، وهو قول لبعض الحنابلة: أنه يشرع له أن يخطب لكن خطبة واحدة.
والقول الأخير هو أصحها، وذلك لصحة الأحاديث الواردة أولاً بأن النبي صلى الله عليه وسلم خطب، فقد تقدم حديث ابن عباس وفيه: (ثم انصرف وقد انجلت الشمس فخطب الناس) متفق عليه، وفي الصحيحين عن عائشة قالت: (وانصرف النبي صلى الله عليه وسلم وقد انجلت الشمس فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم من ذلك فادعوا الله وكبروا وصلوا وتصدقوا، ثم قال: يا أمة محمد والله ما أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته، يا أمة محمد لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً) .
وثبت أيضاً في الصحيحين من حديث أسماء وفيه: (أما بعد فإني قد رأيت في مقامي هذا ما لم أكن قد رأيته، حتى الجنة والنار، وأنه قد أوحى إلي أنكم تفتنون في قبوركم مثل أو قريباً من فتنة الدجال، يؤتى الرجل فيقال له: ما علمك بهذا الرجل، فأما المؤمن أو الموقن 1 - والشك من الراوي عن أسماء – فيقول: محمد رسول الله جاءنا بالبينات والهدى فأجبنا وآمنا واتبعنا فيقال له: نم صالحاً قد علمنا أن كنت لموقناً، وأما المنافق أو المرتاب – والشك من الراوي – فيقول: سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته) ، فهذا الحديث شيء من خطبة النبي صلى الله عليه وسلم بعد صلاة الكسوف.
فإذن هذه حجة ظاهرة في أنه قد خطب عليه الصلاة والسلام.
وأجاب عنه الحنابلة: بأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما خطب ليعلمهم حكم صلاة الكسوف ونحو ذلك.
لكن هذا الجواب ضعيف فإن النبي صلى الله عليه وسلم عندما خطب في عيد الأضحى في الأضاحي ولم يقل بعدم مشروعيتها لكلامه في الأضاحي، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم قد ذكّر الناس ووعظهم – كما تقدم في الخطب السابقة عنه، ثم إن الحاجة إلى بيان حكمها يحتاج إليها مطلقاً من النبي صلى الله عليه وسلم وغيره.
فإذن الصحيح هو مشروعيتها، لكن الأحاديث المتقدمة لا تدل على ما ذهب إليه الشافعية من أنه يشرع لها خطبتان وإنما ظاهرها أنها خطبة واحدة، وهذا ما ذهب إليه بعض الحنابلة وهو القول الراجح.
وهذه الخطبة ليست شرطاً في صحة الصلاة، كما أن حضورها سنة كما تقدم في الكلام على خطبة العيد؛ وذلك لأن ليس فيها إلا مجرد فعله – عليه الصلاة والسلام – ومجرد الفعل لا يدل على الوجوب.
مسألة: إذا اجتمع صلاة كسوف وشيء آخر كصلاة عيد أو مكتوبة أو نحو ذلك؟
إذا خشي فوات إحداهما فإنها تقدم على ما لم يخش فواته.
مثلاً: إذا لم يعلم بثبوت العيد إلا في الضحى الكبير وخشي إن اشتغلوا بصلاة الكسوف أن تفوتهم صلاة العيد وظنوا تأخر الكسوف، فحينئذ يشتغلون بصلاة العيد لخشية فواتها.
مثال آخر: إن كسفت الشمس وحضرت صلاة مكتوبة فخشوا إن اشتغلوا بالصلاة المكتوبة أن يفوت الكسوف مع أن وقت هذه الصلاة موسع، فحينئذ: يشتغلون بصلاة الكسوف.
أما إذا خشي فوات الجميع فإنهم يقدمون أوجبهما، وإن لم نقل بوجوب صلاة الكسوف فإنه يقال: يقدم أوكدهما.
والحمد لله رب العالمين
ا
انتهى باب صلاة الكسوف
باب: صلاة الاستسقاء
الاستسقاء هو طلب السقي أي بنزول المطر ونحوه.
فصلاة الاستسقاء هي الصلاة المشروعة لطلب السقي من الله تعالى.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (إذا أجدبت الأرض وقحط المطر صلوها)
" قحط المطر " أي احتبس، والجدب هو ضد الخصب.
فالجدب هو أن تمحل الأرض فلا تنبت، أو تنبت الشيء اليسير الذي لا تقوم به حاجة العباد.
وقحط المطر هو احتباسه.
ومثل ذلك: إن غاض شيء من الأنهار أو شيء من العيون أو نحوها التي تقوم بحاجة الناس من الماء الذي به حياتهم.
" صلوها " أي صلوا صلاة الاستسقاء.
ويدل على ذلك: ما ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن زيد بن عاصم المازني قال: (خرج النبي صلى الله عليه وسلم يستسقى فتوجه إلى القبلة يدعو ثم حول رداءه وصلى ركعتين) ولذلك غيره من الأحاديث.
قال: (صلوها جماعة وفرادى)
أي لهم أن يصلوها فرادى في البيوت، ولهم أن يصلوها جماعة، والأفضل عند جمهور العلماء أن يصلوها جماعة لفعل النبي صلى الله عليه وسلم فإنه إنما صلاها جماعة.
إذن: المستحب والمشروع له أن يصليها جماعة لفعل النبي صلى الله عليه وسلم، فإن صلوا فرادى فلا بأس.
قال: (وصفتها في موضعها وأحكامها كعيد)
أي صفة صلاة الاستسقاء أي هيئتها وكيفيتها، وموضعها الذي تصلي فيه، كصلاة العيد.
أما موضعها فهو المصلى، فالمستحب أن تصلى صلاة الاستسقاء في المصلى، ويدل على ذلك: ما ثبت في أبي داود بإسناد جيد عن عائشة قالت: (شكي الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم قحوط المطر، فأمر بمنبر فوضع له بالمصلى ووعد الناس يوماً يخرجون فيه مخرج حين بدا حاجب الشمس فقعد على المنبر فكبر رسول الله وحمد الله ثم قال: (إنكم شكوتم جدب دياركم وإن الله أمركم أن تدعوه ووعدكم أن يستجيب لكم،ثم قال: الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم ملك يوم الدين، لا إله إلا الله يفعل ما يريد، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء إليك، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلته علينا قوة وبلاغاً إلى حين، ثم رفع يديه فلم يزل حتى رئي بياض إبطيه ثم حول إلى الناس ظهره وقلب رداءه وهو رافع يديه، ثم حول إلى الناس وجهه ونزل فصلى ركعتين، فأنشاء الله سحابة فرعدت وبرقت ثم أمطرت) .
وأما كون هيئتها كهيئة صلاة العيد أي بالتكبير سبعاً في الأولى مع تكبيرة الإحرام، وخمساً في الثانية دون تكبيرة الانتقال، وأن يجهر فيها بالقراءة وأن يقرأ بسبح والغاشية ونحوها مما ورد في صلاة العيد، فيدل عليه: ما ثبت عند الخمسة ورواه الترمذي وصححه، وصححه ابن خزيمة وابن حبان، والحديث حسن عن ابن عباس قال: (خرج النبي صلى الله عليه وسلم متواضعاً متبذلاً متخشعاً مترسلاً فصلى ركعتين كما يصلي في العيد لم يخطب خطبتكم هذه)
والشاهد قوله: (فصلى ركعتين كما يصلي في العيد) أي كهيئة صلاة العيد من التكبير والجهر في القراءة وغيرها.
وأما الجهر بالقراءة فقد ثبت في حديث عبد الله زيد بن عاصم – المتقدم – فقد قال: (خرج النبي صلى الله عليه وسلم يستسقي ….. وتمامه " فصلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة) .
فإذن تصلى صلاة الاستسقاء كما تصلى صلاة العيد، بالتكبيرات السبع مع تكبيرة الإحرام في الركعة الأولى، وبالتكبيرات الخمس في الركعة الثانية دون تكبيرة الانتقال، وبما ورد عن ابن مسعود مما يقال بين التكبيرات ويجهر فيهما بالقراءة ويقرأ بما ورد في صلاة العيد.
قال: (وإذا أراد الإمام الخروج لها وعظ الناس وأمرهم بالتوبة من المعاصي والخروج من المظالم)
وذلك لأن المعاصي والمظالم سبب للقحط وزوال النعم، ويدفع هذا النقم بضد سببها وهو فعل الطاعات وتقوى الله عز وجل لذا قال تعالى: ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض﴾ .
فإذن يحثهم الإمام على تقوى الله وعلى الخروج من المظالم وعلى الاشتغال بطاعة الله فإن هذا هو السبب الأعظم في دفع ما هم فيه مما هو مظنة العقوبة.
قال: (وترك التشاحن) .
فإن التشاحن له أثر في ذلك، وقد تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر من الثلاثة الذين لا ترفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبراً – كما ورد في ابن ماجه وغيره: (أخوان مُتصارمان) 1 فالدعاء والصلاة لا يرتفعان مع التشاحن فكان على الإمام أن يحثهم على ترك التشاحن فإنه سبب عظيم لوقوع النقم.
وقد ثبت في البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خرجت لأخبركم بليلة القدر فتلاحى فلان وفلان فرفعت) رفعة هذه النعمة من الإخبار بليلة القدر رفعت بسبب شيء من التلاحي الذي وقع بين بعض المسلمين.
قال: (ويأمرهم بالصيام والصدقة)
والصيام سبب لإجابة الدعوة، كما قال صلى الله عليه وسلم في دعوت الصائم أنها لا ترد.
والصدقة أيضاً سبب لإطفاء غضب الرب، فالصدقة تطفئ غضب الرب كما صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال صلى الله عليه وسلم كما ثبت في ابن ماجه: (وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا) فدل على أن الصدقة تركها سبب لمنع القطر، فكان المستحب له أن يحثهم على الصيام والصدقة.
قال: (ويعدهم يوماً يخرجون فيه)
ليتهيئوا لهذا اليوم وقد تقدم قول عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ووعد الناس يوماً يخرجون فيه) ولم أر دليلاً يدل على تحديد يوم من الأيام وأنه يستحب أن يكون ذلك في يوم اثنين أو خميس أو نحو ذلك، فلم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فضيلة ليوم من الأيام في تحديد الاستسقاء.
قال: (ويتنظف)
أي الإمام والمصلي.
يتنظف بإزالة الأوساخ وبالغسل، أما إزالة الأوساخ فهو ظاهر لما في ذلك من الأذى.
وأما كونه يستحب له أن يغتسل فلا دليل عليه من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا من فعل أصحابه كما بين ذلك ابن قيم الجوزية.
فاستحباب الحنابلة للاغتسال له لا دليل عليه، وقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم – في الحديث المتقدم -: (متواضعاً متبذلاً " أي غير متزين في الهيئة " متخشعاً " أي مظهراً للخشوع " مترسلاً " أي على رسله في مشيه عليه السلام، ففيه استحباب ترك الزينة والغسل فيها، ألا أن يكون الأذى لا يزول إلا باغتسال فإنه ولا شك يستحب الاغتسال لإزالة الأذى الذي يؤذي المؤمنين عند اجتماعهم.
قال: (ولا يتطيب)
اتفاقاً، لقوله: (متبذلاً) فلا يستحب التطيب بل يخرج غير متزين ولا متطيب.
قال: (ويخرج متواضعاً متخشعاً متذللاً متضرعاً)
كما تقدم من فعله عليه الصلاة والسلام.
قال: (ومعه أهل الدين والصلاح)