ومن شروط العبادة النية فإنما الأعمال بالنيات، لذا أجمع أهل العلم على أنها لا تصح من المجنون وغير المميز.
قال: (ولا كافر) :
فلا تصح صلاته، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله﴾ 1
فإذا كانت النفقات التي فيها النفع المتعدي لم تقبل منهم بسبب كفرهم بالله وبرسوله فأولى من ذلك الصلاة التي نفعها لازم لصاحبها.
فإن قيل: فالمرتد؟
إذا أسلم ثم أرتد ثم أسلم، فما حكم صلاته؟
في هذه المسألة ثلاثة أقوال، وهي مبنية على مسألة حبوط العمل، هل يحبط العمل بالردة أم لا؟
- فذهب بعض أهل العلم: إلى أن الردة محبطة للعمل مطلقاً وإن مات على الإسلام.
فرجل حج وصلى ثم أرتد ثم عاد إلى الإسلام فأعماله التي قام بها قبل الردة هي أعمال حابطة فعلى ذلك يجب عليه أن يعيد الحج ونحوه مما فعله من الفرائض. - والقول الثاني: أن العمل لا يحبط إلا بالموت على الردة وهذا القول هو الراجح؛ لقوله تعالى: ﴿ومن يرتد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم﴾ 2 فشرط الله هذا الشرط، فمن ارتد عن دينه ومات على الكفر فهو حابط العمل، وأما من ارتد ثم عاد إلى الإسلام فإن عمله الصالح الذي قام به قبل ردته لم يحبط بل هو مكتوب له عند الله – هذا هو الراجح –.
وعلى هذا الخلاف اختلف العلماء في المرتد وهي ثلاث روايات عن الإمام أحمد.
1- الرواية الأولى - وهي مبنية على القول الأول –: وأن المرتد يحبط عمله وإن مات على الإسلام.
قالوا: لا يلزمه القضاء مطلقاً أي لا العبادات التي تركها في حال إسلامه ولا التي تركها في حال ردته.
فالعبادات التي تركها في حال كفره لا يجب عليه قضاؤها وهذا واضح ظاهر، فقد قال تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ 1 أما ما تركه من العبادات في حال إسلامه فهذه ينبغي أن تكون معلقة به قالوا: قد حبط عمله فأصبح في حكم الكفار، والكافر كما قال الله – فيه -: ﴿إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ 2 فهو في حكم الكافر في حال إسلامه وفي حال كفره.
2- والرواية الثانية: قالوا: يلزمه القضاء في حال إسلامه وفي حال كفره.
قالوا: لأن العمل لا يحبط إلا بالموت على الردة.
فعليه: ما تركه من الصلوات والصيام في حال إسلامه يجب عليه أن يقضيه، وما قام به من الأعمال الصالحة كالحج لا يجب عليه أن يعيده.
وأما ما فعله أثناء الردة فيجب عليه أن يقضيه، وهذا القول: أما في شقه الأول فراجح واضح، وأما في شقه الثاني فهو ضعيف؛ لأنه كيف نؤمر بالقضاء في حالة ردته، فهو في تلك الحال كافر بالله عز وجل فوجب أن يعطى حكم الكفار وليس هذا القول – في شقه الثاني – ليس له وجه صحيح.
3- ويتم الترجيح للرواية الثالثة واختارها طائفة من أصحابه فإنهم قالوا: يقضي ما تركه في حال إسلامه، وأما في حال ردته فهو بحكم الكفار وهذا القول هو الراجح.
فما تركه من الأفعال في حال الردة لا يجب قضاؤها؛ لأنه في تلك الحال كافر، وقد قال تعالى عن الكفار ﴿قل للذين كفروا أن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ أما التي تركها في حال إسلامه فإن عمله لم يحبط لكونه قد فقد الشرط الثاني من شروط حبوط العمل وهو أنه لم يمت وهو كافر، فعلى ذلك عمله الصالح الذي قام به حال إسلامه قبل ردته عمل ثابت له لكونه لم يمت على الردة – وحينئذ – يجب عليه قضاء ما تركه من العبادات أثناء إسلامه، لأنه في تلك الحال مخاطب وقد عاد إليه عمله كما كان.
قال: (وإن صلى فمسلم حكماً) رجل ذمي في بلاد إسلامية صلى صلاة المسلمين فحينئذ يحكم له بالإسلام بالظاهر فإذا مات يرثه المسلمون ويصلى عليه ويغسل ويكفن وغير ذلك من أحكام المسلمين هذا في الظاهر وأما السرائر فالله يتولاها ودليل ذلك: قوله صلى الله عليه وسلم: (من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله) (1) والحديث رواه البخاري ولما روى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة) (2) وقوله: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة) 3 . فهذه الأدلة تدل على أن من صلى صلاتنا فهو مسلم قد ثبت إسلامه بهذه الصلاة ما لم يفعل ناقضاً من نواقض الإسلام فإن فعل ناقضاً بعد أن صلى أو قال: كنت هازلاً في الصلاة أو نحو ذلك فلا يقبل ذلك منه بل يحكم أنه مرتد، ولا يعطى أحكام الكفار الأصليين بل يعطى حكم الكفار المرتدين، لأننا حكمنا عليه لما صلى بأنه مسلم في الحكم الظاهر، فإذا ادعى خلافه وأصر على الكفر فهذا ارتداد منه وله حكم المرتدين، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (من بدل دينه فاقتلوه) 4 ولا يحكم عليه بحكم أهل الذمة بتركهم في البلاد الإسلامية بالشروط بل يعطى حكم المرتد.
إذن: من صلى صلاة المسلمين بطبيعتها وهيئتها فإنه يحكم عليه بالإسلام للأدلة الشرعية المتقدمة.
والحمد لله رب العالمين.
الدرس الخمسون (يوم الثلاثاء: 11 / 2 / 1415هـ)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويؤمر بها صغير لسبع، ويضرب عليها لعشر)
يؤمر بها: أي الصلاة.
الصغير: سواء كان ذكراً أو أنثى حراً أو عبداً.
" لسبع ": أي تمام سبع سنين، فإذا شرع في الثامنة وقد تم له سبع سنين فإنه يؤمر بالصلاة.
وإذا تم له عشر سنين وشرع في السنة الحادية عشر فإنه يضرب ضرب تأديب على الصلاة.
وهذا خطاب للولي أو الوصي، أو القيم على أمر الصبي، فيجب على الولي، سواء كان أباً أو جداً أو غير ذلك.
فإن لم يكن ولياً، فيجب على الوصي، فإن لم يكن وصياً فيجب على القيم الذي يولى أمر الصبي من جهة القاضي أن يأمر الصبي بالصلاة لسبع ويضربه عليها لعشر أي إذا تم له عشر سنين.
- وظاهر المذهب وجوب ذلك، وأن هذا واجب على الأولياء، بل يثبت التعزير على الترك كما قال شيخ الإسلام: " فمن لم يفعل فإنه يعزر تعزيراً بليغاً "؛ لأنه ترك ما وجب عليه من الأمر بهذه الصلاة.
فالصبي وإن كانت الصلاة منه لا تكون على وجه الفرضية بل هي له نفل، لكن هذا الأمر لتعليمه وتعويده على الصلاة المكتوبة فيألفها ويعتادها فتسهل عليه بالغاً، وإلا فإن الصلاة غير مفترضة على من لم يبلغ لقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الخمسة: (رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق) 1
والصبي لا تجب عليه الصلاة إلا إذا بلغ، وهذا الأمر أمر وجوب للأولياء أو نحوهم، أما الصبي فإنه لا يعاقب عند الله على تركه الصلاة سواء كان هذا الترك بسبب تهاون الأولياء بأمره أو كان مع تشددهم وقيامهم لهذا الواجب تجاه الصبي، لكنه لا يجب عليه مطلقاً، فإن فِعْله تنفل ولكن الأمر من الولي أمر وجوب.
إذن: يجب على الولي ونحوه أن يأمر الصبي بالصلاة لسبع أي إذا تم له سبع سنين، وأن يضربه عليها إذا تم له عشر سنين، ويدخل في ذلك تعليمه الطهارة وما يشترط للصلاة، كتعليم صفتها فإن هذا واجب على الأولياء فإذا قصروا فيه أثموا.
وقد ثبت ما يدل على هذا في السنة الصحيحة، فقد روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والحديث عن غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهو حديث صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين وفرقوا بينهم في المضاجع) 1
قوله: (مروا) : أمر، والأمر للوجوب ما لم يأت صارف ولا صارف له.
إذن: الصلاة من الصبي تنفل وتطوع بشرط العقل، وهو أن يكون مميزاً.
أما إن لم يكن الصبي مميزاً فإن الصلاة لا تصح منه لما تقدم، فإن الصلاة لا تصح إلا بنية، وغير المميز لا نية له.
والنبي صلى الله عليه وسلم قد حدد بسبع سنين، أي بعد تمامها والشروع بالثامنة؛ لأن الغالب أن التمييز يكون في ذلك وإلا فإن مناط الحكم هو التمييز، فإن التمييز هو ثبوت العقل في الطفل بحيث يفهم الخطاب ويرد الجواب، فمتى كان ذلك فإنه مميز، وقد يميز وهو ابن خمس سنين أو ست سنين أو سبع سنين، فتصح منه الصلاة.
- ولكن هل يجب على الولي أن يأمره بالصلاة وهو ابن ست سنين وقد ميز؟
ظاهر المذهب: أن ذلك لا يجب وأنه معلق ببلوغ سبع سنين.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه متى ميَّز فإنه يجب عليه أن يأمره بالصلاة، وهذا قوي ظاهر؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم إنما علق ذلك بالسبع لكون هذا هو الغالب وإلا فقد يميز قبل ذلك فيجب أمره بذلك، وغاية ذلك إنما هو التعليم له وترغيبه بالصلاة وترهيبه من تركها، بخلاف ما إذا بلغ عشر سنين فإنه يضرب ضرب تأديب على ترك الصلاة.
قال: (فإن بلغ في أثنائها أو بعدها في وقتها أعاد) أمر الصبي بالصلاة فصلى وأثناء الصلاة بلغ، وهذا فيه إشكال، فكيف يكون البلوغ أثناء الصلاة، لكن لا بأس بذلك فقد يكون مثل ذلك.
إذن: يجب عليه إذا بلغ في أثنائها أن يعيدها، وكذلك إذا بلغ بعدها في وقتها أن يعيدها.
قالوا: الدليل على ذلك: أنها فريضة عليه وهو إنما صلى على هيئة التطوع والتنفل فلا يجزئ التنفل عن الفرض فصلاته إنما هي نفل وتطوع، وما يجب عليه إنما هو فرض وإلزام ووجوب، وهو إنما قام به على وجه التطوع والتنفل، فالواجب عليه أن يعيده على وجه الافتراض والوجوب.
- وذهب الشافعية وهو مذهب بعض أصحاب الإمام أحمد واختار ذلك ابن تيمية: إلى أن ذلك ليس بواجب، فلا يجب عليه أن يعيد الصلاة ولا يؤمر بذلك.
وعللوا ذلك: بأنه قد أمر من وليه بالصلاة وعوقب على تركها ولا يجمع عليه أمران فإنه قد أمر بالصلاة فأداها كهيئة صلاة الناس إلا أنها كانت له نفلاً وكانت لهم فرض بسبب عدم أهليته بذلك، وقد أمر بها وعوقب على تركها فلم يكن – حينئذ – للأمر الثاني وجه، فلا يؤمر بالإعادة مرتين.
قالوا: ونحن لا نقول أنها تنقلب من النفل إلى الفريضة لكننا نقول: أنه قد قام بالعبادة كما يقيمها 1 غيره، ولم يكن أهلاً لأن تكون فرضاً فإنه ليس مما يفترض عليه ذلك، فكانت في حكم الله له نفل وإلا فقد قام بها كما يقوم بها غيره فصلى صلاة غيره من الناس.
وهذا القول أظهر وأنه لا يجب عليه أن يعيدها؛ لأنه قد أمر بها كما تقدم من الولي بأمر الشارع للولي بذلك فلم يكن من الوجاهة أن يجدد له أمر جديد بذلك.
قال: (ويحرم تأخرها عن وقتها إلا لناوي الجمع ولمشتغل بشرطها الذي يحصله قريباً)
هذه المسألة هي في باب المواقيت أنسب منها في هذا الباب، فإنها في تأخير الصلاة عن وقتها، وستأتي الأدلة الدالة على أنه لا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها بل يجب أن تصلى في المواقيت التي وقتها الشارع.
فهنا قال: (ويحرم تأخرها عن وقتها)
إذن: يستثني من التحريم صورتان:
الصورة الأولى: ناوي الجمع، مثال: رجل أخر صلاة الظهر عن وقتها أخرها بنية أن يجمعها مع العصر جمع تأخير وهو ممن يجوز له الجمع، فيجوز له ذلك بالإجماع، وقد فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ودلت عليه الشريعة ومثل ذلك جائز إجماعاً.
الصورة الثانية: لمشتغل بشرطها " كالطهارة " الذي يحصله قريباً - وتقدم هذا في باب التيمم – فإذا اشتغل بالغسل وكان هذا من متناوله وهو قريب إليه فاشتغل بالطهارة حتى خرج الوقت فأخر الصلاة لاشتغاله بشرط الطهارة مثلاً فإن هذا جائز – وقد تقدم البحث في هذه المسألة في باب التيمم – وأن هذا جائز على مذهب طائفة من أهل العلم لاشتغاله بشرطها.
وهنا قد قيده بقوله: (الذي يحصله قريباً) فإن لم يحصله قريباً، بأن كان بعيداً بالعرف كأن يكون الماء بعيداً عنه وفي ذهابه إليه تفويت لصلاة الوقت وتأخير لها عن وقتها فإن ذلك لا يجوز له وليس معذوراً بذلك؛ لأن هذا الشرط ليس يحصله قريباً عرفاً بل هو بعيد عرفاً.
إذن: المشتغل بشرط من شروط الصلاة يجوز له أن يؤخر الصلاة حتى يتم له القيام بهذا الشرط، هذا على القول المتقدم.
وقد تقدم ترجيح وجوب الصلاة في وقتها كما في باب التيمم.
وفي قوله: (ويحرم تأخيرها عن وقتها) :
ظاهره جواز تأخيرها في وقتها، فله أن يصلي صلاة الظهر في آخر وقتها ونحو ذلك فإن هذا جائز ما لم يكن الوقت محرماً أي وقت ضرورة – وسيأتي بيانه في باب المواقيت –.
فإذن يجوز له أن يؤخر الصلاة في وقتها، وقيدوا هذا بشرطين:
الشرط الأول: ألا يظن وجود مانع، فمتى ظن وجود مانع فإنه لا يجوز له ذلك.
مثال ذلك: رجل أذن الظهر ويعلم أنه سيكون عليه مانع بعد ساعة يمنعه من الصلاة كقصاص ونحوه فإنه لا يجوز له أن يؤخرها؛ لأن في تأخيرها عن هذا الوقت تفويتاً وتضيعاً لها.
مثال آخر:
امرأة تظن أن يقع عليها الحيض بعد وقت من دخول وقت الفريضة فإنها يجب عليها أن تصلي في هذا الوقت قبل أن يقع عليها هذا المانع.
فإن أخرها وقد ظن المانع فيكون آثماً لتفريطه.
الشرط الثاني: قالوا: أن يعزم على الصلاة.
يعني: رجل قال: أريد أن أوخرها إلى قبيل أذان العصر أو امرأة ولم تظن مانعاً ولكنها لم تعزم في أول الوقت أن تصلي.
قالوا: فإنها تأثم وإن أدركت الوقت للصلاة.
- وذهب بعض الحنابلة: إلى أن هذا ليس بشرط، وهذا هو الراجح، فإنه لا دليل يدل عليه.
فإن هذا المصلي قد صلى الصلاة في وقتها الموسع الذي يجوز له أن يصليها فيه، وكونه لم يعزم أن يصليها في آخر وقتها فإن هذا لا يعني أن يكون آثماً، فهو وإن نوى ألا يصلي ثم صلاها في آخر الوقت فإن هذا لا يقتضي تأثيمه ما دام أنه قد قام بالواجب عليه، فقد صلى الصلاة في وقتها كما أمره الله تعالى.
وهذا ما ذهب إليه بعض الحنابلة وأنه لا معنى لاشتراط هذا الشرط.
فإذا توفر هذان الشرطان على المشهور في المذهب أو توفر الشرط الأول – على القول الراجح – فإنه يجوز أن يؤخر الصلاة إلى آخر وقتها.
وهذا ما لم تكن هناك جماعة يجب عليه أن يصلي معها فهذه مسألة أخرى.
فهذا حيث لم يكن هناك أمر آخر يتعلق بوجوب الصلاة في وقت ما من هذا الوقت الموسع.
إذا أخرها تأخيراً جائزاً له في وقتها الموسع فمات فهل يناب عنه أولاً، وهل يأثم ثانياً؟ الجواب: أنه لا يناب عنه فإن الصلاة بإجماع أهل العلم 1 لا تدخلها النيابة لا بالنفس بأن يصلي أحد عن أحد ولا نيابة بالمال بأن تكون فيها كفارة بإطعام أو نحو ذلك، بل قد أجمع أهل العلم – لعدم الدليل الشرعي الدال على ذلك – أن النيابة ليست مشروعة في الصلاة لا النيابة بالنفس ولا بالمال.
وهل يأثم أم لا؟ الجواب: بالإجماع أنه لا يأثم؛ لأنه قد فعل ما يجوز له وما يسوغ.
فإنه يجوز له تأخيرها إلى آخر وقتها فمات قبل أن يصليها ولم يكن يظن هذا المانع، وقد تقدم التقيد بهذا، فوقع عليه الموت من غير أن يظنه فلا يأثم لأنه فعل ما يجوز له.
ومثل هذا ونظيره – كما قال شيخ الإسلام: الرجل يؤخر الصوم من رمضان، يريد أن يؤخر قبيل رمضان الآخر، فإن هذا جائز له والقضاء من رمضان إلى رمضان وقت موسع، فالفضيلة في الاستعجال بذلك، ولكن الجواز وقته موسع، فإذا أخر القضاء – حيث يجوز له – فمات قبل أن يقضي فلا إثم عليه بالإجماع.
وهل يناب عنه أم لا؟
هذه مسألة أخرى دلت الشريعة عليها، وأنه يصام عنه على قول أهل العلم.
والقول الثاني: أن عليه الكفارة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) 1 والمسألة في صيام الفرض مختلف فيها.
والراجح: أن الفرض لا يصام عنه وإنما يصام النذر ونحوه من الواجبات.
وأما الفرض فإنه فيه الكفارة.
وليس هذا محل البحث في هذه المسألة وإنما المقصود أن من أخر الصيام حيث يجوز له التأخير كأن يمر عليه شوال وذي الحجة وما زال الوقت ممكنا له أن يصوم وكان عليه يوم مثلاً فمات قبل يومين من رمضان القادم فإنه لا إثم عليه بإجماع أهل العلم لأنه قد فعل ما يجوز له.
والحمد لله رب العالمين.
الدرس الحادي والخمسون (يوم الأربعاء: 12 / 2 / 1415هـ)
قال المؤلف رحمه الله: (من جحد بها كفر)
من جحد بالصلاة كفر وإن فعلها – إجماعاً – فمن جحد وجوبها وقال: هي ليست بواجبة وإنما هي نفل أو نحو ذلك فهو كافر، لأنه منكر لما ثبت بالتواتر من دين الله تعالى مما ثبت في الكتاب والسنة وأجمعت عليه الأمة، وأن الصلاة فريضة على عباد الله فمن أنكر ذلك وجحده فهو كافر لإنكاره ما أثبته الله ورسوله مما علم ضرورة من الدين.
إلا إذا كان يمكن أن يخفى عليه مثل ذلك كأن يكون حديث عهد بإسلام أو ناشئاً ببادية بعيدة عن الإسلام فإنه لا يكفر حتى يعرف.
إذن: جاحد فريضة الصلاة كافر بالإجماع فمن أنكر وجوب الصلاة فقد كفر وإن صلى.
قال: (وكذا تاركها تهاوناً)
فمن ترك الصلاة كسلاً تهاوناً فهو كافر أيضاً - وهذا هو مذهب الحنابلة – خلافاً لمذهب المالكية والأحناف والشافعية فإنهم قالوا: إن تارك الصلاة غير الجاحد لوجوبها لا يكفر وإن تركها مطلقاً.
واستدل الحنابلة – وهو مذهب جمهور السلف، وممن ذهب إليه إسحاق وابن المبارك -:
1- بقول الله تعالى: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين﴾ 1 فدل ذلك على أنهم إن لم يفعلوا ذلك فليسوا بإخوان لنا في الدين، والأخوة الدينية لا تنفى إلا مع الكفر بدليل أن الله تعالى أثبتها مع قتل النفس قال تعالى: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف﴾ 2
فإن قيل فلم لا تكفرون تارك الزكاة؟
فالجواب:
عن الإمام أحمد رواية أخرى بتكفير تارك الزكاة.
والمشهور في المذهب: أنه لا يكفر – وهذا هو الراجح – فعلى هذا ما الجواب؟
الجواب أن يقال: إن أدلة أخرى دلت على استثناء غير المؤدي للزكاة من نفي الأخوة، من قوله صلى الله عليه وسلم: (ثم يرى مقعده إن شاء في الجنة وإن شاء في النار) 3 فهذا يدل على أن تارك الزكاة لا يكفر.
إذن: هذه الآية تدل – سوى تارك الزكاة فإن الدليل الشرعي قد دل على استثنائه وسوى ذلك - فإنه يكفر، ﴿فإن تابوا﴾ من الكفر والشرك ﴿وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين﴾ .
2- واستدلوا بما ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة) 4 .
فجعل النبي صلى الله عليه وسلم ترك الصلاة فاصلاً بين الإيمان والكفر، وذكر الكفر معرفاً بأل الاستغراقية التي تفيد أن هذا مستغرق في الكفر، فدل على أنه هو الكفر الأكبر.
وهذا هو الأصل في إطلاق لفظة الكفر وأنها الكفر الأكبر إلا أن يأتي دليل يدل على أن المراد بها الكفر الأصغر.
3- واستدل [كـ]ـذلك بنحوه: بما ثبت عند أحمد والترمذي والنسائي وغيرهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) 1 .
4- واستدلوا: بإجماع الصحابة، فقد ثبت في سنن الترمذي بإسناد جيد عن عبد الله بن شقيق قال: (ما كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة) 2
قالوا: والصحابة أعلم من أن لا يروا أن هناك شيئاً من الأعمال تركه كفر أصغر، فإن الشريعة قد دلت على أن هناك من الأعمال ما هو شرك أصغر فرواه لنا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كالحلف بغير الله وكيسير الرياء، وكالنياحة، وكالفخر بالأحساب والطعن في الأنساب ونحو ذلك، فإنها من الأعمال التي فعلها كفر أصغر، وهنا قال الراوي " ما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة " فلما كانوا يرون أن هناك شيئاً من الأعمال تركه كفر أصغر دل على أن مراده بالكفر هنا، الكفر الأكبر.
لذا ذكر ابن حزم أن الصحابة قد أجمعوا على كفر تارك الصلاة.
وظاهر كلام الإمام أحمد وغيره من الأئمة كما قال ابن رجب: " ظاهر كلام الإمام أحمد وغيره من الأئمة الذين يرون كفر تارك الصلاة أنه يكفر بخروج وقتها ".
واختار شيخ الإسلام أنه لا يكفر إلا إذا كان تاركاً مطلقاً للصلاة، أما إذا كان يصلي تارة ويدع تارة كما يقع لكثير من المسلمين فإنه لا يكفر بذلك، واختار هذا الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب.
وسيأتي الدليل الدال على ذلك.
وأما الأحناف والشافعية والمالكية فاستدلوا:
1- بما ثبت في سنن ابن ماجه ومستدرك الحاكم بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدرى ما صلاة ولا صيام ولا صدقة ولا نسك وليسرى على كتاب الله في ليلة فلا يبقى منه في الأرض آية، ويبقى أناس فيهم الشيخ الكبير والعجوز يقولون أدركنا آبائنا يقولون " لا إله إلا الله " فنحن نقولها) قال صلة بن زفر - وهو الراوي عن حذيفة – " وهل تغنيهم هذه الكلمة وهم لا يدرون ما صيام ولا صلاة ولا صدقة ولا نسك؟ فأعرض عنه حذيفة فسأله ثلاثاً وهو يعرض عنه ثم قال: تنجيهم من النار – ثلاثاً - " 1 .
قالوا: فهذا يدل على أنهم ليسوا بكفار إذ لو كانوا كفاراً لما قال حذيفة: " تنجيهم من النار " وهذا الاستدلال ضعيف من جهتين:
*- الأولى: أن هؤلاء لهم حكم خاص، فإنهم لا يدرون ما صيام ولا صلاة ولا صدقة ولا نسك لارتفاع الشرائع فقد سري بكتاب الله ولم يبق من شريعة الله في الأرض إلا " شهادة أن لا إله إلا الله " فهم جهال بترك الصلاة ونحوها، وهم معذورون بذلك لذا قال: " تنجيهم من النار ".
وقد تقدم أن الجاحد لوجوبها والتارك لها إذا كان يمكن أن يجهلها فإنه لا يكفر، وهؤلاء قد عاشوا حياة قد ظهر فيها الجهل إلى الغاية، حيث لم يبق في الأرض كتاب ولا سنة فهم أولى بهذا الحكم من غيرهم.
*- الثاني: أن هذا قول حذيفة.
فلو سُلِّم أن مراده أن هؤلاء ينجيهم من النار قول لا إله إلا الله مع تركهم للصلاة وهم عالمون بذلك كما يريد المستدل بهذا الحديث فإن هذه غايته أنه قول حذيفة، وقوله لا تعارض به الأدلة الشرعية الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وهو مخالف بقول غيره من الصحابة كما تقدم من قول عبد الله بن شقيق.
هذا لو سُلم بأنه على هذا النحو قول حذيفة ولا نسلم بذلك بل هو قوله حيث كانوا جهالاً معذورين بالجهل، وإلا فإنا لا نجزم بأن قوله حيث كذلك فيما لو كانوا عالمين وتركوا ذلك تهاوناً وكسلاً.
2- واستدلوا: بما ثبت في البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال – فيمن يخرج من النار إلى أن قال -: (فيخرج منها قوم لم يعملوا خيراً قط) 1 وهذا من المتشابه الذي لا يترك به المحكم، ومما تقدم من الأدلة تدل على كفر تارك الصلاة وهذا من المتشابه؛ ذلك لأن هذا الحديث عام في هذه الأمة وغيرها ممن يدخل النار من هذه الأمة وغيرها، ولا تمنع أن تكون الصلاة مفروضة على طائفة من الأمم التي بعث إليها بعض أنبياء الله، ولا يمنع أن تكون قد فرضت ولكن لم يحكم بكفر تاركها كما في هذه الأمة، فإن قوله: " ثم يخرج منها قوم لم يعملوا خيراً قط " لا نسلم أنه في هذه الأمة التي فرضت عليها الصلاة وحكم بكون تاركها كافراً، فإنه من المحتمل – والحديث عام - أن يكون هذا في أمة من الأمم التي لم تفرض عليها الصلاة أو فرضت عليها الصلاة ولم يحكم بكون تاركها كافراً.
ثم لو قلنا بدخول هذه الأمة بهذا العموم فإنه لا مانع أيضاً أن يكون هؤلاء معذورون بشيء من الأعذار لأنها قضية عين فيحتمل أن يكون لهم عذر ما كجهل ونحوه ويكونون قد عوقبوا بدخولهم في النار بأسباب أخرى، بمعاصي أو نحوها قد فعلوها عالمين بحكمها فعوقبوا عليها فأما الصلاة فكانوا جاهلين بها فلم يعاقبهم الله بالخلود في نار جهنم.
إذن: هذا من المتشابه والواجب العمل بالمحكم وإرجاع المتشابه إليه.
3- واستدلوا بما ثبت عند الخمسة إلا الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خمس صلوات افترضهن الله تعالى من أحسن وضوءهن وصلاهن لوقتهن وأتم ركوعهن وخشوعهن كان له على الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يفعل فليس له على الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له) 1
قالوا: فهنا قال: (ومن لم يفعل فليس له على الله عهد إن شاء عذبه) قالوا: فدل هذا على أنه داخل تحت المشيئة ولا يدخل تحت المشيئة إلا المسلم.
والجواب على ذلك: أن قوله: " فمن لم يفعل " راجع إلى ما تقدم أي: من لم يفعل الصلوات الخمس على النحو المتقدم بأن يصليهن لوقتهن وقد أتم ركوعهن وخشوعهن وأحسن وضوءهن، فمن لم يفعل ذلك بأن أخل بشيء مما تقدم كأن يكون يصلي تارة ويدع تارة أو يؤخر الصلاة عن وقتها أو لا يتم خشوعها أو ركوعها أو نحو ذلك فإنه تحت مشيئة الله تعالى، أما من تركها فإنه لا يدخل في هذا العموم وقد استثنته الأدلة التي تقدم ذكرها القاضية بكفر تارك الصلاة.
والقول الراجح: هو ما ذهب إليه الحنابلة وجمهور السلف إلا أنه يقيد بما ذكره شيخ الإسلام، وأن من تركها تارة وتارة فإنه لا يكفر بذلك للحديث الآخر الذي تقدم الاستدلال به للقائلين بعدم كفر تارك الصلاة.
فإن من لم يحافظ على الصلوات محافظة تامة بحيث يحافظ عليهن خمساً فهو يصلي تارة وتارة فهو داخل تحت الوعيد إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له، والعلم عند الله تعالى.
قال: (وكذا تاركها تهاوناً ودعاه إمام أو نائبه فأصر وضاق وقت الثانية عنها)
إذن: ذكر شرطين في تكفيره:
الشرط الأول: أن يدعوه الإمام أو نائبه.
الشرط الثاني: أن يضيق وقت الثانية عنها.
أما الشرط الأول فقالوا: لا يكفر إلا إذا دعاه الإمام أو نائبه لأنه قد يظن أن له عذراً بترك الصلاة وليس ذلك بعذر فلا يكفر حتى يدعوه الإمام أو نائبه، وإنما خص ذلك بالإمام أو نائبه لأن الأحكام الشرعية أو الحدود إنما مرجعها إلى الأئمة ونوابهم دون غيرهم من آحاد الناس.
ولكن هذا القول ضعيف، لذا قال ابن رجب في تتمة كلامه المتقدم قال: " وظاهر كلام أحمد وغيره من الأئمة الذين يرون كفر تارك الصلاة أنه يكفر بخروج وقتها ولم يعتبروا دعاءه ولا الاستتابة " وهذا هو الواضح والحق.
فإن هذا ما دام أنه قد فعل ما دلت الأدلة الشرعية على تكفيره به، فإن اشتراط دعاء الإمام أو نائبه في تكفيره لا دليل عليه بل يكفر متى ترك الصلاة وإن لم يدعه إمام ولا نائبه.
أما قضية القتل فسيأتي الكلام عليها.
وكذلك الشرط الثاني: وهو قولهم " وضاق وقت الثانية عنها " يعني مثلاً: ترك صلاة الظهر حتى خرج وقتها، لا يكفر بذلك حتى يضيق وقت الثانية، فإذا ضاق وقت العصر فما بقي لوقت المغرب إلا ما يكون ضيقاً على العصر فإنه – حينئذ – يكفر بذلك.
قالوا: لأنا لا نجزم بأنه عازم على ترك الصلاة إلا بهذا.
ولكن هذا ضعيف، وتقدم ما قاله ابن رجب عن الإمام أحمد وغيره وأن ظاهر كلامهم أن المعتبر هو خروج الوقت الصلاة، وهذا هو اختيار المجد واستظهره في الفروع ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية – وهذا الترجيح لشيخ الإسلام إنما هو في القتل وأما التكفير فقد تقدم اختياره من أنه لا يكفر 1 ، ولكن هذا بناء على القول بالقتل وسيأتي دليله -.
إذن: أصح قولي المذهب – وهو رواية عن الإمام أحمد – أنه: إذا خرج وقت الصلاة عنها فإنه يكفر.
فهذان الشرطان الصحيح أنهما ليس بمعتبرين بل متى خرج وقت الأولى ولم يصل فإنه يكفر ولو لم يضق الوقت – هذا على القول بخلاف ما ذكره شيخ الإسلام.
قال: (ولا يقتل)
القتل عقوبة لتارك الصلاة في الدنيا، لما في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (نهيت عن قتل المصلين) 2 ، ولما ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن أنكر فقد برئ ومن كره فقد سلم ولكن من رضي وتابع قالوا: أفلا نقاتلهم يا رسول الله قال: لا ما صلوا) 3 وهو مذهب أكثر الفقهاء وأنه يقتل.
ويشترط ما تقدم من الشرطين السابقين: وهما أن يدعوه الإمام وألا يقتل حتى يضيق وقت الثانية عنها.
ولكن هذا أيضاً - أي في كونه يضيق وقت الثانية – ليس كافياً لأنه متى ضاق وقت الثانية حكم – حينئذ – بكفره فإذا حكم بالكفر فإن هذا مرتد، والمرتد يقتل كفراً، ولكن بشرط أن يستتاب ثلاثاً لذا قال:
(ولا يقتل حتى يستتاب ثلاثاً فيهما)
أي في جحود الصلاة أو في تركها تهاوناً وكسلاً؛ وذلك لأنه مرتد فمتى دعاه الإمام أو نائبه وضاق وقت الثانية فلم يصل فهو مرتد، والمرتد يُقتل ولا يقتل حتى يستتاب ثلاثاً كما هو مذهب الجمهور.
والصحيح أن الاستتابة ليست بواجبة كما هي إحدى الروايتين عن الإمام أحمد وأحد القولين للإمام الشافعي ومذهب طائفة من التابعين كما في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من بدل دينه فاقتلوه) 1 ولم يذكر استتابة.
وثبت في الصحيحين أن معاذ بن جبل قدم على أبي موسى الأشعري وعنده رجل موثقاً فقال: ما هذا؟ قال: كان يهودياً فأسلم ثم راجع دينه دين السوء، فقال: (لا أجلس حتى يقتل قضاء الله ورسوله فقال: اجلس، فقال: " لا أجلس حتى يقتل قضاء الله ورسوله قال ذلك ثلاثاً ثم أمر به فقتل) 2
فهذا الفعل من معاذ والإقرار من أبي موسى شرح لهذا الحديث النبوي، وأن من بدل دينه، وتارك الصلاة مبدل لدينه لا يستتاب ثلاثاً بل يقتل.
ولا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث في الاستتابة.
وكذلك لا يصح الأثر المروي عن عمر بن الخطاب، وقد رواه مالك في موطئه (3) بإسناد ضعيف فيه انقطاع وجهالة.
فالراجح: عدم اشتراط الاستتابة لكنها مستحبة من غير أن يشترط بيوم ولا يومين ولا ثلاثة وإنما بقدر المصلحة.
كما أن النظر يدل على أنها ليست بواجبة، لأن الكافر الأصلي المحارب المهدر دمه لا يستتاب وجوباً بل يقتل من غير استتابة ولا دعاية " أي دعوة إلى الإسلام " فيجوز أن يُغار على الكفار بحيث يقع المسلمون عليهم على غرة منهم فإن هذا جائز وقد دلت عليه الأدلة الشرعية ولم يوجب النبي صلى الله عليه وسلم استتابتهم ولا إنذارهم – وإنما لا يجوز قتل من لم يبلغه الشريعة حتى يدعى إليها – وهذا المرتد قد علم حكم الله ودعي إليه وكفر وثبتت ردته – فحينئذ – لا يجب أن يستتاب، لكن الاستتابة مستحبة.
إذن الراجح: عدم وجوب الاستتابة بل متى ثبت كفره وذلك يثبت بترك الصلاة مطلقاً على الراجح، وعلى القول المرجح 1 من قولي المذهب يكفر بترك صلاة حتى يخرج وقتها مصراً على ذلك فإنه يكفر ويقتل من غير أن يستتاب أي ما دام أنه قد بين له دين الله وشرع الله وعرف الحق من الباطل فإنه لا يجب أن يتربص به فترة ليستتاب بل متى ثبت كفره فإنه يجوز قتله من غير استتابة.
- واعلم أن شيخ الإسلام اختار – وهو القول الحق – أن من ترك الصلاة فإنه لا يقضيها بل ولا يصح منه بل يجتهد بقدر استطاعته بالتطوع.
وقد ثبت في الحديث الصحيح أن الله يقول يوم القيامة: (انظروا هل لعبدي من تطوع) 2 فيمن اختلت بعض فرائضه.
فلا يؤمر بقضاء الصلاة وقد فوتها بغير عذر؛ لأن الأدلة الشرعية لم تدل على ذلك بل أمرت الشريعة بأداء الصلاة في وقتها، وأمرت بالقضاء لمن كان معذوراً بنوم أو نحوه فلم يدخل بذلك من تركها بلا عذر وتكون مردودة عليه لو فعلها، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) 1 . فعلى ذلك: من تعمد تأخير صلاة الفجر عن وقتها فإنها لا تصح منه ولا تقبل منه ولا يؤمر بأن يصليها إذا استيقظ ما دام أنه قد تركها
متعمداً فلم يسع أو يجتهد بقدر استطاعته للقيام لها بل تعمد النوم عنها فلا يقبل منه بل عليه أن يجتهد بالاستغفار وبالتطوع ليسد الخلل الواقع في فريضته.
والحمد لله رب العالمين.
(انتهى هذا الباب، ويليه باب الأذان والإقامة)
الدرس الثاني والخمسون
(يوم السبت: 15 / 2 / 1415 هـ)
باب الأذان والإقامة
الأذان: في اللغة: الإعلام ومنه قوله تعالى: ﴿وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر﴾ 1 أي إعلام وإخبار.
أما اصطلاحاً فهو: الإعلام بوقت الصلاة بألفاظ مخصوصة.
والإقامة في اللغة: مصدر أقام يقيم إقامة، وحقيقتها الإزالة من القعود إلى القيام، وهذا واضح في الإقامة فإنها تزيلهم من القعود إلى الوقوف لأداء الصلاة المفروضة.
أما اصطلاحاً فهي: الإعلام بإقامة الصلاة بألفاظ مخصوصة.
وقد ورد في فضله أدلة كثيرة: تدل على فضل الأذان وعظيم الأجر بأدائه، فمن ذلك ما ثبت في الصحيحين: " أن أبا سعيد قال لأبي صعصعة: إني أراك تحب الغنم والبادية فإذا كنت في غنمك وباديتك فأذنت فارفع صوتك فإنه لا يسمع صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم) 2 .
وفي مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أطول الناس أعناقاً يوم القيامة المؤذنون) 3 .
- وقد اختلف أهل العلم في التفضيل بينه وبين الإمامة:
1- فالأصح في مذهب الحنابلة الذي اختاره طائفة من كبار الحنابلة وهو رواية عن الإمام أحمد وهو مذهب الشافعي واختاره شيخ الإسلام: أن الأذان أفضل.
واستدلوا: بما روى أحمد وأبو داود – والحديث صحيح – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين) 1 فالإمام ضامن أي ضامن للقيام بالصلاة على صفتها الشرعية.
وأما المؤذن فإنه مؤتمن بالقيام بالأذان على الوجه الشرعي فهي أمانة في عنقه يتعلق بها فريضتان من فرائض الله على عباده وهي الصيام والصلاة، ثم دعا للأئمة بالرشد وهو العلم النافع مع العمل به، ودعا للمؤذنين بالمغفرة.
قالوا: هذا الحديث يدل على تفضيل الأذان لكنه في الحقيقة ليس فيه دليل على ذلك إذ ليس فيه إلا الإخبار بأن الإمام في عمله ووظيفته ضامن، بألا يطرأ على الصلاة ما يخل بها من سهو ونحو ذلك.
وأما المؤذن فإنه مؤتمن بحيث لا يؤذن قبل دخول الوقت فيخون الناس في صلاتهم وفريضتهم.
ثم دعا للأئمة بالرشد وهم أحق به لأنهم موضع اقتداء فيكونون أحق بالعلم والعمل، ودعا للمؤذن بالمغفرة لكونه أحق بها، فقد يقع – وهذا لا يسلم منه المؤذن – بما يكون خطأ في الأذن 1 بالأذان قبل الوقت لا سيما في أوقات سابقة عندما كان الاعتماد على التحري فقد يقع مثل ذلك فدعا له بالمغفرة.
فهذا الحديث ليس فيه إلا الإخبار عن حالهما والدعاء لكل واحد منهما بما هو الأليق بحاله، وليس في هذا تفضيل لأحد منهما على الآخر.
2- وعن الإمام أحمد: تفضيل الإمامة.
واستدلوا: بأن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاءه الراشدين كانوا قائمين بهذا الواجب ولم يقوموا بالأذان ولم يكونوا ليختاروا إلا الأفضل.
ولكن هذا الاستدلال محل نظر، فإنهم كانوا قائمين بالإمامة العظمى من القيام بشأن الأمة ولا شك أن القيام بالأذان يخل بهذا فإنه شاق يحتاج إلى التحري بالنظر إلى أمارات وعلامات دخول الوقت وخروجه، والخلافة أهم من ذلك بكثير ولا شك ولا يقارن مثل هذا بها، لذا في البيهقي بإسناد صحيح أن عمر قال: (لولا الخلافة لأذنت) 2 فالخلافة مشغلة عن القيام بالأذان.
ولم يتبين لي ترجيح أحد القولين على الآخر، ومثل هذه المسائل – في الحقيقة – لا تحتاج إلى البحث في التفضيل بينهما بل كل منها له الفضل العظيم عند الله ولا شك أن الأذان قد يكون لبعض الناس أفضل كما أن الإمامة قد تكون لبعض الناس أفضل.
فمثلاً: من كان من أهل العلم وله قدرة على تعليم الناس في شأن الصلاة وغيرها فهذا الأولى له أن يتولى الإمامة لكونها محل الاقتداء والتلقي من المأمومين بخلاف الأذان، وأما من كان من عامة الناس وله معرفة بالأوقات وقدرة على تحريها والقدرة على الانضباط فالأولى له أن يقوم بالأذان، وكلاهما له فضيلته وأجره عند الله.
إذن: في هذه المسألة قولان هما روايتان عن الإمام أحمد:
الأولى: أن الإمامة أفضل.
والثانية: أن الأذان أفضل.
قال المؤلف رحمه الله: (هما فرض كفاية)
هما: أي الأذان والإقامة
" فرض كفاية " هو الذي إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين، فإذا قام به البعض من الأمة بحيث تسد بهم الخلة ويقومون بتبليغ الأذان إلى الأمة فإن ذلك كاف.
ودليل هذا: ما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمالك بن الحويرث: (إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم) 1
وفي رواية في الصحيحين: (ثم أذنا ثم أقيما)
والشاهد هنا قوله هنا قوله: " فليؤذن " وقوله: " ثم أذنا ثم أقيما " والأمر للوجوب.
ولما أمر به أحد الرجلين دل على أنه فرض كفاية.
قال: [على الرجال]
وهنا ذكرهم على وجه الجمع، وتثبت الجماعة باثنين فأكثر، فمن كانا اثنين فأكثر فيجب أن يؤذن أحدهما كما تقدم في حديث مالك: (فليؤذن لكما أحدكما)
أما إذا كان فرداً فلا يجب عليه الأذان ولا الإقامة لأن الحديث إنما هو وارد في الاثنين فأكثر.
أما الواحد فلا يجب عليه الأذان ولا الإقامة ولكن ذلك مستحب له، فقد ثبت في مسند أحمد وسنن أبي داود والنسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يعجب ربك لرجل في شظية لجبل يؤذن ثم يصلي فيقول الله (انظروا إلى عبدي هذا يؤذن ويقيم الصلاة، يخاف مني قد غفرت له وأدخلته الجنة) 1 لما فيه من عظم الإخلاص لله إذ لا يراه إلا الله ولا يسمعه غيره ومع ذلك أذن وأقام للصلاة خوفاً من الله.
وفي قوله: " الرجال " تخرج منه النساء، فالنساء كما في المشهور في المذهب: لا يشرع لهن الأذان ولا الإقامة.
واستدلوا بما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ليس على النساء أذان ولا إقامة) 1 ولكن الحديث إسناده ضعيف جداً وقد رواه البيهقي وغيره.
ورُوى موقوفاً إلى ابن عمر – كذلك عند البيهقي – وإسناده ضعيف فلا يثبت عنه.
بل قد ورد عن ابن عمر ما يخالفه، فقد ثبت عند ابن أبي شيبة بإسناد جيد أنه سئل هل تؤذن النساء وتقيم فقال: أنا أنهى عن ذكر الله؟ (2) على وجه الاستفهام أي لست أنهى عن ذكر الله، والأذان والإقامة من ذكر الله.
- وذهب الإمام أحمد في رواية عنه وهو قول للشافعي: إلى أن الإقامة مشروعة لهن دون الأذان، لما في الأذان من رفع الصوت الذي ينافي ما ينبغي أن تكون عليه المرأة من الحشمة ولأنه مثار الفتنة.
- وذهب الإمام أحمد في رواية أخرى عنه: إلى مشروعيتهما معاً، وهذا أصح ولكن هذا إذا أمنت الفتنة برفع صوتها كأن يكون صوتها محصوراً بين النساء بحيث لا يخرج الصوت إلى الرجال بحيث تفعله المرأة في مكان خال خاص بالنساء أو تفعله في بيتها بحيث لا تخرج الصوت إلى الأجانب لما فيه من الفتنة ويدل على هذا أن (النساء شقائق الرجال) 1 كما ثبت ذلك في المسند عن النبي صلى الله عليه وسلم فما ثبت في حق الرجل فهو ثابت في حق المرأة إلا أن يدل دليل على تخصيصه، لذا نحن خصصنا من ذلك ما يكون فيه فتنة لأن الشريعة قد وردت بمثل هذا، أما ما لم يكن كذلك فلها أن تؤذن أو تقيم.
لكن يشكل عليه ما ورد عن عائشة أنها قالت: (كنا نصلي بغير إقامة) 2 وإسناده جيد.
ويعارض هذا عن عائشة أنها كانت تؤذن وتقيم، رواه ابن المنذر 1 ، لكن إسناده ضعيف.
إذن يشكل على هذا قول عائشة والذي يظهر لي أن هذا الأثر يحمل على ما تكون فيه المرأة في الغالب من كونها تصلي منفردة، والمنفرد لا يجب عليه الأذان ولا الإقامة وإنما ذلك مستحب له.
ويعارضه كذلك قول ابن عمر فإنه قال: " أنا أنهى عن ذكر الله " ولو كان ذلك غير مشروع لنهى عنه.
والأظهر عندي أن يقال: إنه في 2 مشروع في حقهن بل قد يقال بوجوبه كما صرح به صاحب الروضة الندية " وهو قول قوي؛ لأن النساء شقائق الرجال إلا أنه بالقيد المتقدم حيث لا تكون مثاراً للفتنة.
أما إذا كانت منفردة فيشرع لها أن تؤذن وأن تقيم إن كانت في موضع ومحل أذان 3 .
أما إذا كانت في بلدة فإنها تكتفي بأذان الناس وتقيم لنفسها، والله اعلم.
قال: (المقيمين)
فيخرج: المسافرين، فالمسافرون – في المشهور من المذهب – لا يجب عليهم الأذان والإقامة بل هما مستحبان.
وهذا القول ضعيف، فإن الأدلة الشرعية السابق ذكرها يشمل المسافرين.
- لذا عن الإمام أحمد رواية أخرى اختارها بعض أصحابه كصاحب المبدع: أن المسافرين عليهم الأذان والإقامة فرض كفاية كالمقيمين، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد عمم في الأدلة الشرعية: (فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم) هذا عام في الحضر والسفر ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يترك الأذان والإقامة سفراً ولا حضراً فدل على فرضيتهما.
قال: (في الصلوات الخمس المكتوبة)
دون غيرها، كأن يوجب على نفسه صلاة أو صلاة الكسوف أو الاستسقاء أو صلاة العيد أو نحو ذلك من الصلوات فهذه لا يفرض فيها الأذان ولا الإقامة بل لا يشرع بل هو بدعة لأن الأذان والإقامة إنما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصلوات المكتوبة، وأما غيرها فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤذن فيها ولم يقم فدل على أن المشروع فيها هو ترك الأذان والإقامة كصلاة الكسوف والاستسقاء.
فالأذان والإقامة خاصان بالصلوات المكتوبة كما يدل عليه فعل النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو محل التشريع.
وهنا: الصلاة الفائتة والمقضية هل يشرع فيها الأذان والإقامة أم لا؟
الجواب: يشرع ذلك، فقد ثبت في الصحيحين من حديث عمران بن حصين في قصة نوم النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس قال فيه: (ثم أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بلالاً فأذن فصلينا ركعتين " أي سنة الفجر " ثم أقام فصلينا) 1
والذي يظهر لي هو القول بوجوبها فلا يستحب بل يجب ذلك وقد حكاه صاحب الفروع بلفظة " قيل " فهو قول لبعض أهل العلم، والذي يدل عليه: عمومات الأدلة الشرعية وما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم بلالا من الأذان والإقامة ولأن القضاء يحكى الأداء.
هذا إذا كانت في محل الصلاة المكتوبة تماماً، كأن يكون هناك جماعة في بر ونحوه فاتتهم صلاة الفجر فاستيقظوا بعد طلوع الشمس فإنهم يؤذنون ويقيمون فيرفعون النداء بالأذان ليتجمعوا على الصلاة بخلاف ما لو فاتته الصلاة في الحضر فإن الأمر يختلف.
نعم: إذا كانوا جماعة في بيت فأذنوا أذاناً يكفي أهل البيت فكذلك.
إذن: المذهب أن الأذان والإقامة للفائتة مستحب حيث توفرت فيها ما يكون في الحاضرة تماماً.
ولنا أن نقول: إذا كان في الحضر فإنه لا يفعل ذلك اكتفاء بالمؤذن الذي يسمعه.
لكننا نقول بوجوبه حيث كان في محل لا يؤذن فيه، كأن يكون في حضر أو سفر ولم يؤذن في موضعه الذي فيه فإن الأذان يقضى ويجب الأذان وتجب الإقامة لما تقدم من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأمره بلالاً والأمر للوجوب ولدخول ذلك في الأدلة الشرعية.
فإذا كان عليه مجموعة من الفوائت فإنه يكتفي بأذان واحد لأن هذا الأذان قد جمع الناس إلى هذا الموضع فيكتفي به، ولكن لكل صلاة إقامة.
يدل على ذلك: ما رواه أحمد والترمذي والنسائي والحديث حسن عن ابن مسعود قال: " شُغل النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق عن أربع صلوات، فأمر بلالاً فأذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ثم أقام فصلى المغرب ثم أقام فصلى العشاء " 1 فيكتفى بالأذان الأول وتقام لكل صلاة.
كما أنه لا يشرع للصلاة المجموعة إلا أذاناً واحداً كما دلت عليه السنة الصحيحة المتفق عليها.
قال: (يقاتل أهل بلد تركوهما)
لأنهما من الشعائر العظيمة في الإسلام.
وإذا تمالأ – كما في القاعدة الشرعية - أهل بلد على ترك شعيرة من الشعائر الإسلامية فإنهم يقاتلون وهذه المقاتلة ليست فرعاً عن التكفير، بل كونهم قد تمالؤوا على ترك شعيرة من الشعائر الظاهرة هذا يقتضي قتالهم على ذلك كما قرر ذلك شيخ الإسلام كأن يتمالؤوا على ترك الزكاة أو ترك غير ذلك من شعائر الإسلام الظاهرة كصلاة العيد ونحوها فإنهم يقاتلون ومن ذلك الأذان.
وقد ثبت في مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كان يغير إذا طلع الفجر فإذا سمع أذاناً وإلا أغار) 1 فمن تركوا شعيرة من الشعائر فإنهم يقاتلون حتى يظهروا هذه الشعيرة.
والحمد لله رب العلمين.
الدرس الثالث والخمسون (يوم الأحد: 16 / 2 / 1415 هـ)
قال المؤلف رحمه الله: (وتحرم أجرتهما لا رزق من بيت المال لعدم متطوع)
" أجرتهما ": أي الأذان والإقامة.
في هذه الجملة ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: أن الرزق على الأذان والإقامة من بيت المال لعدم المتطوع جائز.
وهذا مما اتفق عليه أهل العلم، وقد ذكر الموفق أنه لا يعلم بين أهل العلم فيه خلافاً وهذا كرزق الغزاة والقضاة وغيرهم.
فالرزق يجوز أخذه مطلقاً.
المسألة الثانية: أنه لا يجوز للإمام أن يدفع رزقاً للمؤذن إلا إذا عدم المتطوع.
أما إذا كان ثمت متطوع فلا يجوز ذلك حفظاً لمال المسلمين وصيانة له من الضياع، وهذه المسألة هي ظاهر المذهب في قوله " لعدم متطوع "
المسألة الثالثة: أن الأجرة محرمة على الأذان والإقامة.
والمراد بالأجرة: ما يأخذه من آحاد الناس، بمعنى لا يكون هذا من بيت المال، كأن يكون جماعة المسجد يضعون له راتباً فهذه هي الأجرة بخلاف الرزق فإنه يكون من بيت المال، فهذه الأجرة محرمة لقول النبي صلى الله عليه وسلم – كما في مسند أحمد وسنن أبي داود والترمذي والنسائي وغيرهم – بإسناد صحيح من حديث عثمان بن أبي العاص وفيه: (واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً) 1 هذا هو المشهور في المذهب.
- وعن الإمام أحمد رواية أخرى وهي اختيار شيخ الإسلام: أن ذلك جائز مع الفقر، فإذا كان المؤذن محتاجاً إلى الأجرة على الأذان فهذا جائز له، لقوله تعالى: ﴿ومن كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف﴾ 2 وهذا فيما يكون في مال اليتيم، فيجب عليه أن يتعفف عن أكله إلا أن يكون فقيراً فيحق له أن يأكل بالمعروف ومثل ذلك القيام بالأذان.
فالقيام على مال اليتيم قربة يتقرب بها إلى الله وكذلك القيام بالأذان وغيره من العبادات التي نفعها متعد إلى الغير فكذلك.
ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت) 1 وهذا قد فتح له باب رزق ليسد به فقره ويكفي به نفسه وعياله فحينئذ يجب 2 عليه قبوله.
وسيأتي مزيد بحث عن هذه المسألة في باب الإجارة إن شاء الله تعالى.
أما الرزق من بيت المال فإنه جائز مطلقاً عند جماهير أهل العلم إلا أن شيخ الإسلام حكى كذلك في هذه المسألة قولان مع الغنى، هل يجوز مع الغنى أم لا؟
وأما جماهير أهل العلم فإنهم على القول بجواز ذلك.
إذن: يجوز أن يأخذ على الأذان أجرة إن كان فقيراً أما إن كان غنياً فلا يجوز له ذلك.
قال: (ويكون المؤذن صيتاً)
أي رفيع الصوت، لما ثبت في سنن أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لعبد الله بن زيد بن عبد ربه وقد رأى الأذان: (فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن به فإنه أندى صوتاً منك) 3 أي أرفع صوتاً منك.
وعلة ذلك واضحة فإن الصوت كلما ارتفع كلما تم الإعلام وظهر ووضح.
فكلما كان الصوت أرفع كلما كان الإعلام أتم وأظهر.
ويسن أن يكون حسن الصوت: لما ثبت في ابن خزيمة من حديث أبي محذورة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أعجبه صوته فعلمه الأذان) (4) . وقد ذكر استحباب ذلك الموفق وغيره، وأن المستحب أن يكون المؤذن حسن الصوت.
قال: (أميناً 1)
فيستحب أن يكون أميناً لا فاسقاً وسيأتي البحث في آخر الباب عن حكم أذان الفاسق فالمستحب أن يكون أميناً عدلاً، يدل على ذلك ما تقدم من حديث: (والمؤذن مؤتمن) فهو مؤتمن على صلاة الناس وسحورهم مؤتمن على عوراتهم فكان المستحب أن يكو أميناً.
وروى البيهقي بإسناد ضعيف لكن له شاهد مرسل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المؤذنون أمناء الناس على صلاتهم وسحورهم) 2 والحديث حسن بشواهده.
قال: (عالماً بالوقت) فيستحب أن يكون عالماً بالوقت أي يعرف أمارات وعلامات يعرف بها دخول الوقت وخروجه ويعرف بذلك الأوقات كلها – هذا أمر مستحب وليس بواجب.
والذي يدل على أنه ليس بواجب ما ثبت في الصحيحين أن ابن أم مكتوم كان يؤذن للنبي صلى الله عليه وسلم وكان أعمى لما ثبت في البخاري قال: (وكان رجلاً أعمى لا يؤذن حتى يقال له: أصبحت أصبحت) 1 .
فإذا كان الأعمى يصح آذانه فأولى منه الجاهل بالوقت، إلا إذا كان لا يمكن معرفة الوقت إلا بالمؤذن – كأن يكونوا محتاجين لأن يضعوا مؤذناً في بلد ما لا يمكنهم أن يعرفوا الوقت إلا بأذانه – وليس هناك من يعينه على معرفة الوقت فيجب أن يختار فيها من يكون عالماً بالوقت لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
لكن لما كان الأصل في البلاد أن يكون فيها من يعين المؤذن على معرفة الوقت – حينئذٍ – كان هذا من الأمور المستحبة.
فكان مستحباً لوجود من يعينه على معرفته، وإنما استحب ذلك لأنه إن كان غير عالم بالوقت فلا يؤمن عليه الخطأ والغلط في الأذان فيلحق الناس الضرر في صلاتهم وفي سحورهم.
قال: (فإن تشاح فيه اثنان قدم أفضلهما فيه)
" تشاح ": أي اختلفا وتنازعا.
" قدم أفضلهما فيه ": أي في صفات الأذان وهي الأمانة وحسن الصوت وارتفاعه والعلم بالوقت، فمن كانت فيه الصفات أكمل فهو أولى وأحق بالأذان.
قال: (ثم أفضلهما في دينه وعقله)
واستدلوا: بما ورد في أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يؤذن لكم خياركم) 1 لكن الحديث إسناده ضعيف.
ولكن هذا أمر ظاهر فإنه أكرم عند الله ممن هو دونه – كما قال تعالى: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ 2 وكلما زادت هذه الصفة في العبد كلما زادت كرامته عند الله فكان أولى من غيره بالعبادة المتنازع فيها.
قال: (ثم من يختاره الجيران)
كلهم أو أكثرهم، فإن اختاروا أحد الرجلين قدم ذلك؛ لأنهم أعلم بهما من غيرهم، من حفظ عورة وقيام بالأذان على الوجه المستحق فلما كان كذلك رُجع بالأمر إليهم مما اختاره الجيران بالمرتبة الثالثة.
فنقدم: الأكمل في صفات الأذان ثم الأتقى ثم من يختاره الجيران، ثم بعد ذلك القرعة.
قال: (ثم قرعة)
ودليلها ما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليهما لاستهموا) 3 فهذا فيه إثبات القرعة.
ومن القواعد الشرعية أنه متى ثبت التنازع في شيء ما وليس ثمت مرجح وازدحمت فإنه يقدم من قدمته القرعة فهنا كذلك، فقد اختلفوا في الأذان ولا مرجح لأحدهما على الآخر فلم يكن ثمت مرجوع إليه سوى القرعة التي ثبت بها حكم الله تعالى.
قال: (وهو خمس عشرة جملة) وهو: أي الأذان.
" خمس عشرة جملة ": وهو الأذان المشهور عندنا وهو أذان بلال الثابت في الصحاح والسنن والمسانيد (1) ، وقد اختاره الإمام أحمد وأبو حنيفة.
واختار الشافعي ومالك أذان أبي محذورة الثابت في مسلم وهو كذلك ثابت في السنن (2) .
وعدد جمله تسع عشرة جملة " 19 " وفيها خفض الشهادتين بأن يقول بعد قوله " الله أكبر أربعاً " يقول: " أشهد ألا إله إلا الله، أشهد ألا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله " خافضاً صوته ثم يرفع صوته " أشهد ألا إله إلا الله، أشهد ألا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله "
وفي مسلم أنه قال: (أشهد ألا إله إلا الله، أشهد ألا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله – خافضاً صوته – ثم: أشهد ألا إله إلا الله أشهد ألا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول الله أشهد أن محمداً رسول الله رافعاً بها صوته ") 1 ويكون الخفض بحيث يسمع نفسه ويسمع القريب منه.
- واختار أبو حنيفة إقامة أبي محذورة، وهي سبع عشرة جملة، كأذان بلال بزيادة " قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة " بعد الحيعلتين.
- واعلم أن ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم على أوجه مختلفة فإن السنة أن يفعل هذا تارة وهذا تارة – كما قرر هذا شيخ الإسلام وغيره – وهذا كذلك.