شرح زاد المستقنع للحمدصفحات 41-45
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وقد اتفق العلماء على أن هبة المريض مرضاً مخوفاً متصلاً بالموت أن حكم هبته كالوصية، وسيأتي إيضاح هذا.

قال: [ومن أخذها الطلق] . أي المرأة يأخذها الطلق.

قال: [لا يلزم تبرعه لوارث بشيء] . فالمريض مرضاً مخوفاً أو من وقع في بلده الطاعون أو من كان عند التحام الصف والعدو يُخاف ونحوهم فهبته تكون في حكم الوصية.
فإن كانت لوراث فلا يلزم هذا التبرع لقوله - صلى الله عليه وسلم -???لا وصية لوارث) ? 1 ،?وهنا كما تقدم حكم الهبة كحكم الوصية.

قال: [ولا بما فوق الثلث إلا بإجازة الورثة لها إن مات منه] . فإذا وهب نصف ماله مثلاً لأجنبي في مرضه المخوف، فإذا مات الواهب، فلا يُعطى هذا الأجنبي نصف المال الذي وهبه إياه في مرض الموت بل يُعطى الثلث لقوله - صلى الله عليه وسلم -???الثلث والثلث كثير) ? 2 ? إلا أن يجيز هذا الورثة، فإذا رضي الورثة بذلك فإن هذا إسقاط لحقهم، فإنه إنما يمنع لحق الورثة، فإذا أجاز ذلك الورثة فقد أسقطوا حقهم.

قال: [وإن عوفي فكصحيح] . إذا عوفي هذا المريض مرضاً مخوفاً فإن هذه الهبات تلزم من جميع المال؛ وذلك لفقدان الشرط الآخر وهو أن يكون هذا المرض قد اتصل به الموت، وهنا لم يتصل به الموت لأنه لما لم يمت به فهذا يدل على أنه ليس مرض الموت.

ودليل ما اتفق عليه أهل العلم من أن المرض المخوف الذي يتصل به الموت له حكم الوصية، ما ثبت في مسلم: أن رجلاً من الأنصار أعتق ستة أعبد في مرضه ولا مال له غيرهم فاستدعاهم النبي - صلى الله عليه وسلم -?وجزأهم ثلاثة أجزاء وأقرع بينهم، فأعتق اثنين وأرقّ أربعة? 1 ?وهذا في العتق فكذلك الهبة.

قال: [ومن امتدَّ?مرضه بجذام أو سلٍ أو فالجٍ ولم يقطعه بفراش فمن كل ماله] . الجذام: مرض تتساقط به الأعضاء.
فإذا امتد به هذا المرض المخوف ولم يقعده على فراشه فإن ما يهبه من الهبات تكون من جميع المال لا من الثلث.
إذن: له حكم تصرف الصحيح.
أما إذا أقعده في فراشه فليس له حكم تصرف الصحيح بل له الحكم المتقدم فيكون له حكم الوصية، هذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد? ??القول الثاني?،?وهو رواية عن الإمام أحمد وهو وجه في المذهب???أنه له حكم الوصية أيضاً وإن لمم يقعده على فراشه، وهذا هو القول الراجح? إذ عدم قعوده في الفراش ليس بمؤثر مع أن هذا المرض مخوف، وعدم قعوده على الفراش مع أن هذا المرض بطبيعته مرض مخوف يخشى أن يتعجل معه الموت لا يكون مؤثراً.

قال: [والعكس بالعكس] . ??أي إذا كان يقطعه بفراشٍ فتصرفاته كتصرفات المريض مرضاً مخوفاً أي في حكم الوصية.

قال: [ويعتبر الثلث عند موته] . فيعتبر الثلث عند موته لا حال هبته وعطيته.
رجل يملك تسعين ألفاً وهو في مرض مخوف فأعطى رجلاً ثلاثين ألفاً أي هبة، فهي ثلث ماله حال العطية، ثم أنفق على نفسه من المال فبقى له عند موته ستون ألفاً، فأصبحت الثلاثون ألفاً نصف ماله.
فالحكم: أنه يعتبر الثلث عند موته؛ وذلك لأن هذا هو زمن استحقاق الوصية ولزومها، فكذلك الهبة.

وإذا أعتق عبداً في مرضه المخوف وليس له سوى هذا العبد، وعند الموت أصبح يملك ثلاثة أعبد فإنه يعتق عليه هذا العبد؛ لأنه ثلث ماله.
ولو وهب رجلاً ثلاثين ألفاً في مرضه المخوف، وعند موته كان عليه ديونه تستغرق هذه الثلاثين فحينئذ تقدم ديونه ولا شيء للمعطى.
إذن: العبرة بحال الموت، فيعتبر الثلث بحال موته لا عند العطية.

قال: [ويسوى بين المتقدم والمتأخر في الوصية، ويبدأ بالأول فالأول في العطية] . هنا فوارق بين الوصية والعطية.
الفارق الأول: أنه يُسوى بين المتقدم والمتأخر في الوصية، فإذا أوصى لزيدٍ بعشرة آلاف، ثم أوصى لعمرو بعشرةٍ آلاف ومات عن ثلاثين ألفا، فالثلث هو عشرة آلاف، فكل واحد منهما يأخذ خمسة آلاف فيسوى بين المتقدم والمتأخر.
وذلك لأن الوصية تبرع بعد الموت، فهو تبرع مشروط بالموت، والموت يحصل دفعةً واحدةً فاستويا ولم يسبق أحدهما الآخر في الملكية.
وأما العطية فيقدم الأول فالأول: فإذا وهب زيداً عشرة آلاف، في مرضه المخوف، ثم وهب عمراً عشرة آلاف، ثم مات وترك ثلاثين ألفاً، فالثلث عشرة آلاف نعطيها زيداً ولا يكون لعمرو شيئاً، لأن الأول يُقدم.
وهذا الفارق بينهما علته: أن العطية لازمة بخلاف الوصية فإنها جائزة ولا تلزم إلا بالموت، ففي العطية يكون ملك زيدٍ سابق لملك عمرو.

قال: [ولا يملك الرجوع فيها] . هذا فارق آخر بين العطية والوصية، هو أن العطية لا يملك الرجوع فيها.
فإذا وهب في مرضه المخوف زيداً عشرة آلاف وقبضها زيد فإنه لا يملك الرجوع فيها، لأنها أصبحت لازمة.
وأما الوصية فيملك الرجوع فيها.
فلو أن رجلاً في مرضه المخوف أو قبل ذلك أوصى بثلث ماله ثم بدا له أن يرجع، فله ذلك لأنها لا تلزم إلا بالموت وهذا فارق آخر.

قال: [ويعتبر القبول لها عند وجودها] .

فالعطية يعتبر القبول لها عند وجودها، فإذا قال: "وهبتك كذا" فيعتبر القبول عند وجود الهبة، فإذا لم يقبل الموهوب له حينئذ فللآخر أن يرجع عن هبته.
أما الوصية فإن قبولها يكون عند موت الموصي لأنه وقت استحقاقها ولزومها.
وهذا فارق ثالث.

قال: [ويثبت الملك إذن (والوصية بخلاف ذلك) 1 ] . هذا الفارق الرابع: العطية إذا قبضت فقد ثبت الملك فإنها تصبح ملكاً للمُعطى في أثناء مرضه المخوف، وذلك لأن الهبة تملك في الحال.
وأما الوصية فإنها إنما تملك بعد الموت.
فإذا قال: "أعطيتك يا زيد عشرة آلاف" وهو في مرضه المخوف، فقال زيد: قبلت" وقبضها فأصبحت ملكاً لزيد.
لكن يكون هذا المال منتظراً به ومرتقباً فلا يعطى هذا الموهوب له فيتصرف به تصرفاً لا يمكن الورثة أن يردوه، إن شاءوا الرد.
إذن يملكه لكن هذا الملك ملك موقوف.
فإذا شفي الواهب من هذا المرض فإنه يأخذ هذه العشرة آلاف من جميع المال، سواء كانت الثلث أو أكثر.
أما إذا مات من هذا المرض المخوف، فحينئذ ننظر إن كان وارثاً فلا شيء له، لأنه أصبحت بحكم الوصية ولا وصية لوارث.
وإن كان أجنبياً فننظر هل يستغرق الثلث أم لا؟ فإن كان بقدر الثلث أو أقل أعطيناه إياه، وإن كان أكثر من الثلث نظرنا إلى الورثة فإن أجازوا أعطيناه إياه، وإن لم يجيزوا اكتفينا بالثلث.

  • والمحاباة في المرض المخوف، في حكم العطية.
    فلو حابى وارثه ببيع دار بنصف ثمنها.
    فمثلاً: باع على بعض ورثته داره التي تساوي مائة ألف باعها له في مرضه المخوف بخمسين ألفاً فحينئذ ما زاد من هذه الدار فلا بيع فيه بل يثبت البيع فيها بقدر الثمن فحينئذ يكون المبيع هو نصف الدار.
    وللمشتري الخيار لتبعيض السلعة عليه، هذا إذا كان وارثاً.
    وأما إن لم يكن وارثاً فينظر إلى هذه المحاباة هل هي بقدر الثلث أم لا؟ فإن كانت بقدر الثلث فهي له.
    وإن كانت بأكثر من الثلث فينظر فيه إلى إجازة الورثة.

والحمد لله رب العالمين.
تم كتاب الوقف، ويليه كتاب الوصايا.
1

"

فصول الكتاب · 11 فصل · 298 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للحمد · 298 صفحة
المقدمة
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب المناسك
كتاب الجهاد
كتاب الوصايا
كتاب الوصايا
كتاب الفرائض
كتاب الطلاق
كتاب الحدود
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل