شرح زاد المستقنع للحمدصفحات 29-68
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وقال الأحناف وهو مذهب أبي حنيفة: بل يصح النكاح بلا ولي واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن﴾ ، فأضاف النكاح إليهن فدل على أنه من فعلهن، وهذا القول ضعيف جداً وقد قال تعالى: ﴿فلا تعضلوهن﴾ فأضاف العضل إلى أوليائهن فدل على أن لهم تصرفاً في انكاحهن ثم إن السنة تبين القرآن وقد دلت السنة على شرطية الولاية في النكاح.
فالصواب في هذه المسألة ما ذهب إليه عامة العلماء من شرطية الولاية في النكاح، وكما يدل عليه الأثر فإن النظر يدل عليه فإن المرأة قاصرة النظر فقد تخدع ويغرر بها بما يكون فيه استحلال لفرجها وأسر لنفسها فلا شك أن هذا مقام مهم جداً فكان الاحتياط للمرأة بأن لا تنكح إلا بولي، وذلك لقصور نظرها فقد تخدع وتغتر فيستباح فرجها وتكون أسيرة تحت من نكحها بغير ولي فاحتيط لها بأن لا يصح نكاحها إلا بولي، وهنا تخريج في مذهب الإمام أحمد رحمه الله أنه يجوز لها أن تنكح إن أذن لها وليها بالنكاح لظاهر قوله عليه الصلاة والسلام: (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها) ، فدل على أنه إن أذن لها فنكاحها صحيح، وهذا التخريج كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله – هذا تخريج غلط – آهـ، وذلك لدلالة السنة الصحيحة في أنه لا نكاح إلا بولي، وحينئذ فيكون قوله (بغير إذن وليها) مما يجري مجرى الغالب فيكون المراد إلا بإذن وليها مع ولايته، ولما فيه من تبذل المرأة المخالف لصيانتها فإن انكاحها لنفسها تبذل لها، والشرع يأتي بصيانتها لا تبذلها ولذا فالصحيح أنه لابد من ولي وأن إذن الولي لا يكفي حتى يكون هو المتولي للعقد.
قال: [وشروطه: التكليف] فيشترط التكليف لأن غير المكلف يحتاج لمن ينظر له وهو غير البالغ، وغير العاقل يحتاج لمن ينظر له فلا ينظر لغيره، فلابد أن يكون مكلفاً أي عاقلاً بالغاً.
قال: [والذكورية]

فلا تصح ولاية المرأة وإن كانت أُمّاً لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي رواه ابن ماجة وغيره وهو حديث حسن: (لا تنكح المرأة المرأة ولا تنكح المرأة نفسها) ، فالشرط الثاني هو أن يكون الولي ذكراً فالأنثى لا ولاية لها.
قال: [والحرية] فيشترط أن يكون الولي حراً لأن العبد لا ولاية له على نفسه فأولى من ذلك أن تكون لا ولاية له على غيره، فإنه لا ينكح إلا بإذن سيده فأولى من ذلك أن لا ينكح غيره.
قال: [والرشد] فيشترط أن، يكون الولي راشداً في العقد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: - الرشد في كل مقام بحسبه - آهـ، فالرشد في البيع شيء والرشد في النكاح شيء آخر وهكذا، فالرشد في النكاح: أن يكون عارفاً بالكفء وعارفاً بمصالح النكاح وإن كان غير رشيد في بيعه وشرائه ولكنه رشيد في النكاح، ولا شك أن اشتراط الرشيد في النكاح أولى من اشتراطه في البيع، فإن استحلال الفرج وما يترتب على النكاح من آثارٍ أولى من خروج شيء من ملكيته من الأشياء المالية.
قال: [واتفاق الدين] الشرط الخامس: اتفاق الدين فيشتَرط أن يكون الولي وموليته متفقي في الدين إما مسلمين أو نصرانيين أو يهوديين ونحو ذلك فلا بد أن يتفقا في الدين كالإرث لأن اختلاف الدين يمنع من التوارث فكذلك يمنع من الولاية، لأن القربة سبب ولاية ويترتب عليها الإرث فاختلاف الدين أزال أثرها في التوارث فكذلك يزيل أثرها في النكاح فهو من باب القياس على التوارث، فليس لمن لا يصلي – وهو تارك للصلاة – ولاية على بناته اللاتي يصلين وذلك لاختلاف الدين، وكذا ليس لليهودي ولاية على النصرانية وهكذا.
قال: [سوى ما يذكر]

كالسلطان فإنه لا يشترط أن يكون السلطان يوافق دين المرأة التي سيتولى انكاحها التي هي من رعيته، فإذا كان من رعيته امرأة ذمية فله أن ينكحها وهذا حيث ليس لها ولي ينكحها فإن وليها الأعظم وهو السلطان ينكحها أو القاضي الذي يتوب عن السلطان في ذلك ولو اختلف الدين، وكذا السيد ينكح أمته الكافرة.
قال: [والعدالة] الشرط السادس: أن يكون الولي عدلاً، قالوا: ولو ظاهراً.
آهـ، وهو مستور الحال فيكون في ظاهره عدلاً فلا يظهر عليه فسق باقتراف شيء ظاهر من المعاصي مع عدم ظهور التوبة، فالفاسق في الظاهر لا ولاية له وأما الذي فسقه باطن ليس بظاهر وهو مستور الحال فهو يُسر بالمعاصي ولكنه في الظاهر مستور الحال فإن ولايته صحيحة، هذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد وهو مذهب الشافعية.
قالوا: لأنها ولاية نظر فلم يستبد بها الفاسق، فيشترط أن يكون الولي عدلاً، فإذا كان الأب فاسقاً فإنه لا ولاية له وتنتقل إلى من بعده وهكذا حتى لو وصلت إلى السلطان.
وعن الإمام أحمد وهو أحد قولي الشافعي وهو مذهب الأحناف والمالكية: أن العدالة ليست بشرط في الولي في النكاح بل تصح ولاية الفاسق وهذا هو الراجح لعمومات الأدلة وعليه عمل الناس في كل عصر، وفي كل مصر من عهد السلف الصالح والعمل على هذا، ولذا قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله، والأدلة ترده أي القول الأول وعمل السلف يرده.
آهـ وهذا اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم واختاره الموفق ابن قدامة من الحنابلة واختاره الشيخ محمد بن إبراهيم، والفسق في الغالب لا يؤثر في مثل هذه المسائل لما له من الشفقة على موليته، ولأنه ليس له أن يعضلها وإن عضلها فإن ولايته تبطل وكذا لو أراد إجبارها على نكاح غير الكفء فكذلك كما سيأتي تقريره وعليه فولاية الفاسق صحيحة.
قال: [فلا تزوج امرأة نفسها ولا غيرها] كما تقدم في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا تنكح المرأة المرأة ولا تنكح المرأة نفسها) .

قال: [ويقدم أبو المرأة في إنكاحها] الأب هو المقدم في باب الولاية لأنه أشد شفقة وأكمل نظراً من غيره فيقدم الأب حتى على الأبناء.
وعن الإمام أحمد أن الأبناء يقومون على الأب وهو مذهب الإمام مالك قالوا: لأنهم أقرب عصبة من الأب، والصحيح الأول لأن نظر الأب أكمل وشفقته أشد وهو مذهب جمهور العلماء.
قال: [ثم وصيه فيه] أي ثم يقوم الوصي بعد الأب أي بعد موت الأب، فإذا أوصى الأب أن تكون ولاية بناته لفلان الأجنبي عنهم أو لأحد أولاده دون غيره أو لأحد أخواله مع وجود أبنائه ونحو ذلك فإن الولاية تكون للوصي، كالتوكيل في الحياة، فكما أن الأب لو وكل رجلاً في نكاح بناته فيصح اتفاقاً فكذلك في الوصية بعد الموت، ولأنه أقوى نظراً من غيره وغالباً لا يجعل الوصية إلا ممن يرى أن إنكاحه أصلح من إنكاح غيره.
قال: [ثم جدها للأب وإن علا] ثم بعد الوصي الجد للأب، أما الجد للأم فلا لأنه ليس من العصبة بل هو من ذوي الأرحام كما تقدم في باب الفرائض.
وعن الإمام احمد وهو مذهب المالكية: أن الإبن يقدم على الجد، والذي يترجح أن الجد يقدم على الإبن أيضاً لأنه أكمل نظراً ولما له من الإيلاد المشابه للأب فيه، وقد يقال في مثل هذه المسألة أنها ترجع إلى إجتهاد الحاكم أي القاضي لتعيين الأصلح منهما أي من الجد أو الإبن، وقد يقال هذا أيضاً في مسألة الإبن والأب لأنهم عللوا ذلك بقولهم أكمل نظراً وأشد شفقة، وقد يتبين للحاكم أن الإبن أشد شفقة وأكمل نظراً فتكون الولاية له، إلا أن هذا النظر في مسألة الجد أولى من الأب لأن الولاية ثابتة في الأصل للأب فلا ينتقل عنها إلا بدليل فتقديم الأب على الإبن أولى من تقديم الجد على الإبن.
قال [ثم إبنها ثم بنوه وإن نزلوا ثم أخوها لأبوين ثم لأب ثم بنوهما كذلك ثم عمها لأبوين ثم لأب ثم بنوهما كذلك] ترتيب العصبات كما تقدم في الفرائض.
قال [ثم أقرب عصبةٍ نسباً كالإرث]

أي ثم عم الأب ثم عم الجد وهكذا كما تقدم في الفرائض.
قال [ثم المولى المنعّم] بالعتق تكون الولاية له إن لم يكن هناك عصبة فمولاها المنعم عليها بالعتق يتولى إنكاحها.
قال: [ثم أقرب عصبته نسباً] أي ثم ينتقل إلى أقرب عصبة هذا المعتق نسباً.
قال: [ثم ولاء] يعني المولى فالمعتق إن كان له معتق فتكون الولاية للمعتق إلا على ثبوت الولاية كما تقدم في كتاب الفرائض.
قال: [ثم السلطان] ثم السلطان -وهو الإمام الأعظم ونائبه وهو القاضي لا الوالي كما نص أحمد - لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (فإن اشتجروا - أي الولي وموليته – فالسلطان ولي من لا مولى له) ، وقال الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله: في النساء اللاتي يسلمن في بلاد كافرة وأولياؤهن كفار قال يتولى ذلك رئيس المركز الإسلامي.
آهـ وهذا لما له من الولاية حيث لا سلطان، فإن تقدر وجود السلطان أو المركز الإسلامي فإنها توكل عدلاً ينكحها وقد روى البخاري معلقاً (أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال لأم حكيم بنت قارظ: أتفوضين أمركِ إلي قالت (نعم) ، قال: تزوجتك) . فهنا فوضت أمرها إليه فإذا انعدم السلطان فلها أن تفوض أمرها إلى عدل، ولكن يشكل على هذا أن السلطان موجود فقد يكون هذا برضا السلطان فإن السلطان إذا رضي أو أذن بذلك أو فوضت إلى غير هذا الأمر فإن ذلك جائز فللقاضي أن يولي عدلاً يقوم بالإنكاح.
قال: [فإن عضل الأقرب]

كأن يعضلها الأب مثلاً فمنعها من نكاح الكفء فيكون هذا فسق فيه وهنا يوجب هذا نقل الولاية عنه لأنه فعل أمراً محرماً يختص بالولاية فتبين أنه ليس بأهل للولاية، فإذا أعضل الأب أو الولي الذي بعده وهكذا فإن الولاية تنتقل إلى من بعده، قال شيخ الإسلام: وإذ1 امتنع الخطاب من الخطبة لشدته فإن الولاية تنتقل عنه.
آهـ، فتنتقل عنه ولما فيه من الإضرار بالمرأة وقد قال تعالى: ﴿فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف﴾ ، فإذا عضل الأقرب فتنتقل إلى الولي الأبعد وهكذا حتى تصل إلى السلطان.
قال: [أولم يكن أهلاً] كأن يكون غير بالغ فتنتقل إلى الأبعد البالغ فلو كان أخوها غير بالغ ولها ابن أخ بالغ فالولاية لأبن أخيها البالغ وهكذا لعدم أهلية الولاية.
قال: [أو غاب غيبة منقطعة لا تقطع إلا بكلفة ومشقة زوج الأبعد] فإذا غاب الولي غيبة منقطعة لا تقطع عرفاً إلا بكلفة ومشقة فحينئذٍ تنتقل الولاية إلى الأبعد فهو قد سافر سفراً ولا يأتي إلى هذه البلد ليقوم بولاية هذه المرأة إلا بكلفة ومشقة ومرجع هذا إلى العرف فحينئذٍ تنتقل الولاية إلى الأبعد لما في بقاء الولاية له من الإضرار بالمرأة فإذا كان في العرف يشق انتظاره لأن سفره سفر بعيد في العرف يشق معه أن يأتي لولاية المرأة أو أن يوكل فحينئذٍ تنتقل إلى الأبعد.
قال: [وإن زوج الأبعد أو أجنبي من غير عذر لم يصح]

إذا زوج الأبعد كالأخ مع وجود الأب أو الأجنبي يزوج مع وجود الغريب من غير عذر وتقدمت بعض الأعذار ومن ذلك العضل ومن ذلك أن يكون غائباً غيبة منقطعة لا تقطع إلا بكلفة ومشقة، أو أن يجهل وجود الأقرب كأن يكون لها أبناء عم أباعد لا يدرى بهم فيزوجها السلطان مثلاً ولا يدرى بوجودهم إلا بعد ثبوت النكاح فحينئذٍ هذا عذر في تصحيح النكاح فيصح النكاح حينئذٍ، أما إذا زوجها الأبعد أو الأجنبي من غير عذر فلا يصح النكاح، وعن الإمام أحمد أنه موقوف على إجازة الولي كالبيع، وفيه نظر للفارق بيين النكاح والبيع بدليل أن المرأة لا يحل لها أن تنكح نفسها بإذن وليها فكذلك إذا أنكحها غيره وإن كان الولي قد أذن بذلك، فإذا استوى الوليان كأن يكون لها اخوة هم أولياؤها فأي أحد منهم أنكح صح إنكاحه لأن كلهم أولياء لها، وكذا لو كان لها أبناء عم درجتهم واحدة وهكذا.
فإن أذنت لواحدٍ تعين ولم يصح نكاح غيره، والمستحب أن يقوم الأفضل ثم الأسن، فإن تشاحنوا في ذلك أقرع بينهم.
فإن زوجها وليان هذا زوج وهذا زوج فالزوج الأول وهو الصحيح لما روى الخمسة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (أيما امرأة أنكحها وليان فهي للأول منها) ، فإن جهل السابق أو علم فنسي فالمشهور في مذهب الإمام أحمد أن النكاحين يفسخان جميعاً، ولهما نصف المهر يقترعان عليه.
وعن الإمام أحمد رحمه الله أنه يقرع بينهما وهذا أظهر ممن خرجت قرعته فهو زوجها ولكن يجدد العقد للوطء وهذا هو الأصح لأن القرعة تفعل حيث استوت الحقوق فلا مرجح لأحدهما على الآخر فإنه يقرع بينهما فإذا أقرع بينهما فمن خرجت قرعته فهو زوجها ويجدد العقد للوطء.

الدرس الرابع والعشرون بعد الثلاثمائة فصل قال: [الرابع: الشهادة] أي الشرط الرابع من شروط النكاح الشهادة.
قال: [فلا يصح إلا بشاهدين عدلين ذكرين مكلفين سميعين ناطقين]

فالشهادة شرط في صحة النكاح عند جمهور العلماء واستدلوا بما روى البيهقي وغيره من حديث الحسن عن عمران بن الحصين رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا نكاح إلا بولي وشاهدين) ، والحديث إسناده ضعيف جداً فإن فيه عبد الله بن محِّرز وهو متروك الحديث ولكنه صحيح إلى الحسن مرسلاً، فالصواب فيه الإرسال وأما الوصل فإسناده ضعيف جداً.
وفي الدارقطني وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً: (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدلٍ) ، ولكن سنده ضعيف مرفوعاً، ولكنه صحيح موقوفاً على ابن عباس رضي الله عنه وقد صحح وقفه الترمذي والبيهقي وغيرهما، والعمل على هذا عند أهل العلم من اصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن بعدهم من التابعين كما قال ذلك الترمذي رحمه الله فهذا الحديث المرسل يشهد له عمل الصحابة رضي الله عنهم ويشهد له أيضاً الأثر الموقوف عن ابن عباس رضي الله عنهما ولا يعلم له مخالف، وهذا هو مذهب جمهور العلماء.
وقال المالكية وهو مذهب ابن المنذر واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وهو رواية عن الإمام أحمد – أن الإشهاد لا يشترط وإنما يشترط إعلان النكاح – واستدلوا بما ثبت في المسند بإسنادٍ صحيح من حديث عبد الله بن الزبير أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (أعلنوا النكاح) والأمر للوجوب وثبت عند الخمسة إلا أبا داود بإسنادٍ جيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (فصل ما بين الحلال والحرام – أي النكاح والسفاح – الصوت والدف في النكاح) ، ومن حديث عائشة رضي الله عنها نحو حديث ابن الزبير (أعلنوا النكاح) وفيه: (واضربوا عليه بالغربال) ، وهو الدف ولكن إسناده ضعيف.

فإذاً: مذهب مالك أن الشرط هو إعلان النكاح، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: لا أصل للإشهاد في الكتاب والسنة.
آهـ، والذي يتبين مما تقدم أن الحديث مرسل والعمل عليه عند أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فمن بعدهم ويعضده الأثر الموقوف عن ابن عباس رضي الله عنهما، فالذي يتبين هو شرطية الإشهاد، كما أن الراجح أيضاً هو وجوب إعلان النكاح كما هو مذهب مالك والجمهور على الاستحباب، والصحيح وجوب إعلانه وقد يقال – إن النكاح إذا أعلن فإنه يكتفي بإعلانه عن الإشهاد، فإن إعلانه يقوم مقام الإشهاد بل أعظم وقد يستدل على هذا بما روى أنس بن مالك رضي الله عنهما كما في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (اشترى جارية على سبعة أرؤس فقال الناس – ما ندري أتزوجها النبي - صلى الله عليه وسلم - أم جعلها أم ولد له، فلما ركب حجبها فعلم الناس أنه قد تزوجها) ، وليس في الحديث إشهاد.

وأجاب عنه الموفق رحمه الله، بأن هذا من خصائص النبي - صلى الله عليه وسلم -، كما أن من خصائصه: عدم الولي فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - نكح غير واحدة من نسائه بلا ولي فهو من خصائصه فكذلك في الشهادة، ومع ذلك فإن القول باشتراط إعلان النكاح فيه قوة لأن إعلان النكاح يقوم مقام الإشهاد، ولا شك أن الإحتياط هو أن يشهد على النكاح، وأن يعلن عليه.
ولا يشترط في المذاهب الأربعة - إلا وجهاً ضعيفاً للشافعي وأحمد كما قال ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله - لا يشترط الإشهاد على إذن المرأة فالإشهاد المتقدم إنما هو الإشهاد على تزويج الولي، بل لو قال الولي: أذنت لي، فإن قوله يقبل ولكن إن أنكرت بعد ذلك أن تكون أذنت لوليها فالقول قولها بيمينها.
ولذا: فينبغي كما قال شيخ الإسلام وغيره الإشهاد على إذن المرأة ليكون النكاح متفقاً على صحته، وليؤمن فسخه عند جحودها، فعلى ذلك يستحب الإشهاد على إذنها ولكن لا يشترط لعدم الدليل عليه.
فإذن: يشترط الإشهاد ويشترط على الراجح إعلان النكاح ويضرب عليه بالدف، فظاهر كلام الإمام أحمد رحمه الله وكلام أصحابه أن ذلك على التسوية للرجال والنساء وأن الرجال يضربون بالدف كالنساء، وقال الموفق رحمه الله تعالى: هو مخصوص بالنساء.
آهـ

وقوله أظهر لأن هذا غير معروف في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - _أي أن يضرب الرجال بالدف في النكاح بل المعروف هو ضرب النساء على بالدف، فدل على أن المراد بالأحاديث المتقدمة هو ضرب النساء عليه بالدف إذ لو كان المراد ضرب الرجال عليه أيضاً لفعل ذلك في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولكن إن سمع الرجال للدف مع كون الفتنة مأمونة كأن تكون الجواري هن اللآتي يضربن بالدف فإن ذلك جائز، ويدل عليه ما رواه الحاكم بسند صحيح عن عامر بن سعد قال: (دخلت على قرظة بن كعب وأبي مسعود الأنصاري في عرس وإذا جوار يضربن بالدف فقلت – أنتم أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وأهل بدر يفعل هذا عندكم – فقالا: إن شئت فأقم معنا وإن شئت فاذهب فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - رخص لنا باللهو في العرس) ، فدل على جواز السماع مع أمن الفتنة.
فالأظهر هو ما قاله الموفق رحمه الله وأن الضرب بالدف إنما هو للنساء خلافاً لما يفيده ظاهر نصوص الإمام أحمد وظاهر كلام أصحابه لأن هذا غير معروف في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -. ويشترط في الشاهدين العدالة ولو ظاهراً كما تقدم في الولي، وكذا أن يكونا ذكرين فلا تصح شهادة الأنثى ولا تصح شهادة رجل وامرأة ففي مصنف ابن أبي شيبة عن الزهري قال: مضت السنة أن شهادة المرأة لا تجوز في الحدود ولا في النكاح ولا في الطلاق.
آهـ، ولأن هذا الأمر يطلع عليه الرجال وليس بمالي فلم يحتج معه إلى شهادة النساء وسيأتي في الكلام على شهادة المرأة في باب الشهادة إن شاء الله، وأن يكون مكلفين وكذا سميعين فلوا كانا أصمين فلا يصح لأنه لا يمكنه أن يشهد لأنه لم يسمع، وكذا أن يكونا غير أخرسين فإن كانا أخرسين فلا تصح شهادتهما لأنهما لا يمكنهما الأداء، وقال الشافعية في وجه بل يصح أن يكونا أخرسين وهذا هو الراجح لأنه يمكنه أن يؤدي الشهادة بالإشارة.

قال: [وليست الكفاءة وهي دينٌ ومنصب، وهو النسب والحرية شرطاً في صحته] الكفاءة ليست بشرط في صحة النكاح ودليل ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في الصحيحين (لما عتقت بريرة خيرها من زوجها وكان عبداً) ، فهذا التخيير من النبي - صلى الله عليه وسلم - يدل على أن ذلك ليس شرطاً في صحة النكاح وإنما هو شرط في لزومه أي في أن لا يثبت فيه الخيار فلا فسخ، فإذا تزوج الرجل امرأة ليس بكفء لها فالنكاح صحيح ولكن يثبت الخيار للمرأة ولوليها الفسخ كما خير النبي - صلى الله عليه وسلم - بريرة لما أعتقها والعبد ليس بكفء للحرة وبريرة حرة وزوجها عبد فليس كفأً لها فلم يبطل النبي - صلى الله عليه وسلم - النكاح وإنما جعل لها الخيار.
فعليه ليست الكفاءة شرطاً في صحة النكاح بل هي شرط في لزومه بمعنى أن الكفاءة إن لم تثبت فالخيار ثابت واتفق أهل العلم أن الدين من الكفاءة، فالمرأة الصالحة لا تزوج الرجل الفاسق لأنه ليس بكفءٍ لها، فإذا زوجت امرأة صالحة بفاسق فلها الفسخ بالشرط الآتي ذكره، كما أن الفاجر ليس بكفء للعفيفة فإذا زوجت فلها الفسخ أو لأحد أوليائها مالم يدل دليل على الرضا منها بقولها أو فعلها أو من الولي بقوله فلا فسخ.
والثاني: النسب.
فالعربي كفء للعربية ولكن الأعجمي ليس بكفء للمرأة العربية.
فمثلاً: رجل ليس بقبلي تزوج امرأة قبلية لا يكون كفأً لها عند جمهور العلماء من الحنابلة والشافعية والأحناف، فإذا لم تعلم أنه غير قبلي فلها ولوليها الفسخ بل لأي أحد من الأولياء ذلك ولو بعد حين في أي زمن كان فله أن يفسخ العقد.
فمثلاً: امرأة تزوجها غير قبلي وهي قبلية ورضي الأولياء الحاضرون فولد بعد عشرات السنين ابن عم لها فقال: أن لا أرضى بذلك فحينئذٍ يفسخ النكاح كما سيأتي تقريره فالنسب من الكفاءة وفي البزار بسند جيد، قال سلمان الفارسي رضي الله عنه: (أنتم قد فضلكم الله علينا معشر العرب بألاننكح نساءكم ولانؤمكم) .

قال المالكية وهو مذهب البخاري واختاره ابن القيم وابن سعدي أن الكفاءة ليس منها النسب بل لو تزوج غير القبلي قبلية وهو رجل صالح فهو كفء لها: لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه فأنكحوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) رواه الترمذي والحديث حسن، وقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لفاطمة بنت قيس وهي عربية قال لها: (أنكحي أسامة بن زيد) وهو مولى، وفي البخاري (أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة تبنىَ سالماً وزوجه ابنة أخية هند بنت عتبة بن ربيعة وهو مولى لإمرأة من الأنصار) فسالم مولى وزوجه قرشية، وهذا الأرجح في هذه المسألة وأن مسألة النسب ليست من الكفاءة.
ثالثاً: الصنعة.
فصاحب الصنعة الدنيئة كالحجام والكساح ونحوهم لا يزوجون بنات أصحاب الصناعات الرفيعة فان تزوجها فلها الفسخ أو لأحد أوليائها الفسخ وهذا هو المشهور في المذهب.
ومذهب مالك: أن هذا ليس من الكفاءة فقد روى أبو داود بسند جيد (أن أبا هند حجم النبي - صلى الله عليه وسلم - من اليافوخ وهو مولى فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: يا بني بياضة – وهم عرب - أنكحوا أبا هند وأنكحوا إليه) ، وهو القول الراجح في هذه المسألة.
رابعاً: اليسار.
فإذا تزوج قرشي نسيب في قومه امرأة ذات يسار وهو فقير معسر فإن لها ولأحد أوليائها الفسخ حتى ولو قام بنفقتها الواجبة ولكنه ما دام لا ينفق عليها النفقة المناسبة لها فليس بكفء لها، فيشترط في لزوم النكاح أن يكون الزوج ذا يسار إذا كانت المرأة ذات يسار، وعن الإمام أحمد وهو الراجح أن ذلك ليس بشرط ولكن إن أعسر في النفقة الواجبة فسيأتي الكلام عليه في مسألة قادمة إن شاء الله.

خامساً: الحرية.
فالعبد ليس بكفء للحرة وهو ظاهر في قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث المتقدم الذي فيه إثبات الخيار لبريرة لما عتقت فدل على أن العبد المملوك ليس بكفء للحرة ولو كانت سابقاً مملوكة ولكنها أعتقت فأصبحت حرة فليس العبد المملوك كفأً لها.
قال: [فلو زوج الأب عفيفة بفاجر ... .، فلمن لم يرض من المرأة أو الأولياء الفسخ] هذا هو المذهب وأنه يصح تزويج العفيفة لمن عرف بالزنا، وعن الإمام أحمد رحمه الله وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن السعدي، المنع من ذلك وهو الصحيح الذي يدل عليه كتاب الله عز وجل حيث قال تعالى: ﴿الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زانٍ أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين﴾ ، فمن عرف بالزنا فلا ينكح العفيفة والنكاح باطل كما أن العفيف لا ينكح الزانية كذلك لنص الآية المتقدمة.
قال: [أو عربية بعجمي، فلمن لم يرض من المرأة أو الأولياء الفسخ] أي تزوجت امرأة قبلية برجل ليس بقبلي فلها الخيار، وقد أجمع أهل السنة والجماعة على أن جنس العرب أفضل من جنس العجم، ولكن هنا هل النسب من الكفاءة أم لا، كما لو تزوج بلال رضي الله عنه أو سلمان الفارسي رضي الله عنه تزوج بامرأة قرشية أو تميمية فللزوجة أو لأي أحد من الأولياء أن يفسخ النكاح، فلو رضيت المرأة والأب بهذا الرجل الصالح الذي ليس بعربي فاعترض بعض الاخوة فله الفسخ، ولو لم يكن موجوداً أثناء الزواج بل ولد بعده، هذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد.
وقال الشافعية والمالكية: بل إذا زوج الأقرب فليس للأبعد أن يفسخ فإذا زوج الأب ورضي فليس للأخوة أن يفسخوا، ذلك لأن رضاهم غير معتبر مع وجود الأقرب فالولاية للأقرب وهو الراجح وهذا على القول بأن النسب من الكفاءة.
ولكن هنا لو أن رجلاً زوج ابنته رجلاً غير صالح فاعترف بعض الاخوة على ذلك فهل يقبل هذا الاعتراض ويفسخ العقد أم لا؟

في المذهب نعم يفسخ، ومذهب المالكية والشافعية وهو الراجح: أنه ليس له حق الفسخ وذلك لأن الراضي هو الولي الأقرب والولي الأبعد ليس بمعتبر مع رضا الولي الأقرب، أما إذا كانوا في درجة واحدة كالاخوة مثلاً فجمهور العلماء على أن لكل واحدٍ منهم الفسخ، وأن رضا كل واحدٍ منهم معتبر ولأن الولاية حق مشترك لهم جميعاً.
وقال الأحناف: بل إذا رضي بعضهم ولم يرض الآخرون فالعبرة بمن رضى لا بمن سخط وذلك لأنه حق لا يتجزأ كالقصاص!، والقياس على القصاص فيه نظر لأن القصاص لا يمكن تجزؤه لأنه لا يمكن إقامة القصاص على بعضه ولا ينطبق على البعض الآخر وأما هنا فيمكن الفسخ ومع ذلك فما ذهب إليه الأحناف فيه قوة، لأن هذا ولي قد زوج، وقد تقدم أن الحق لمن تقدم، فالمرأة التي لها وليان فينكحاها فإن الحق للمتقدم وهنا كذلك فإذا زوجها أحدهم من ليس بكفء فليس للأخر الفسخ وذلك لأن الحق أصبح له لتقدمه.

الدرس الخامس والعشرون بعد الثلاثمائة باب المحرمات في النكاح المحرمات ضربان: الضرب الأول: محرمات على الأبد، فلا تحل له أبداً.
الضرب الثاني: محرمة إلى أمد أي إلى غاية، فمتى ما زال المانع فإنها تحل له.
وقد شرع المؤلف في هذا الباب بذكر المحرمات على الأبد: فقال: [تحرم أبداً الأم وكل جدة وإن علت] لقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ ، فتحرم الأم والجدة من الأم والجدة من الأب وإن علت، فكل أنثى لها إليك ولادة فهي أم لا تحل.
قال: [والبنت وبنت الإبن وبنتاهما من حلال وحرام وإن سفلت]

البنت محرمة لقوله تعالى (وبناتكم) وهكذا بنت البنت وإن نزلت وبنت الإبن وإن نزلت والبنت هي كل أُنثى لك إليها ولادة فالبنت تحرم سواءً كانت من نكاح حلال أو من نكاح شبهة أو من الزنا المحرم فالبنت من النكاح الصحيح محرمة والبنت من النكاح الشبهة محرمة وهذا بإجماع أهل العلم وكذلك المنفية باللعان فإذا نفى من زوجته ما في بطنها أو إبنة لها فإنها لا تحل له لإحتمال أن تكون من مائه، والإحتياط في الفروج واجب.
وأما التي هي من السفاح المحرم فالمشهور في مذهب الإمام أحمد: أنها تحرم عليه.
وقالت الشافعية: بل تحل له واستدلوا بأنها لا تنتسب إليه ولا ترث منه فهي أجنبية عنه.
والراجح هو القول الأول وذلك لأنها خلقت من مائه ولأنها بعض منه وهذا لا يترتب على حل ولا حرمه فهي بنت له فتدخل في عموم قوله (وبناتكم) وإنما لم تنسب إليه لأن السبب في كونها منه ليس سبباً شرعياً وإلا فهي بنته ومما يدل على أنها محرمة عليه قوله - صلى الله عليه وسلم - في امرأة هلال بن اُمية لما لاعنها زوجها قال (انظروه فإن جاءت به على كذا وكذا _ ووصفه - صلى الله عليه وسلم - _ فهو لشريك بن السمحاء وهو الزاني فقد قال (فهو لشريك) أي هو ابن له وهو وإن لم ينتسب له وإن لم يرث منه لكنه ابنٌ له وكذلك البنت.
قال: [وكل أخت وبنتها وبنت بنتها] وكل أخت سواء كانت من أبوين وهي الأخت الشقيقة أو من أبٍ وهي الأخت لأب، أو كانت من أم وهي الأخت لأم فكلهن محرمات لقوله تعالى: ﴿وأخواتكم﴾ ، وكذلك بنت الأخت وبنت بنت الأخت وإن نزلت لقوله تعالى: ﴿وبنات الأخت﴾ . قال: [وبنت كل أخٍ وبنتها وبنت ابنه وبنتها وإن سفلت] لقوله تعالى: ﴿وبنات الأخ﴾ ، بنت الأخ وبنت بنت الأخ وبنت ابن الأخ كلهن محرمات.
قال: [وكل عمة وخالة وإن علتا]

فالعمة الشقيقة والعمة لأب والعمة لأم، وعمة الأم وعمة الأب وعمة الجد كلهن محرمات، وهكذا الخالات، لقوله تعالى: ﴿وعماتكم وخالاتكم﴾ والجمع في الجمل المتقدمة في هذه الآية جمع مضاف والجمع المضاف يفيد العموم، وعليه فلا تحل له ممن يجمعه النسب وإياها إلا بنات العم وإن نزلت وبنات العمة وإن نزلن، وبنات الخالة وإن نزلت وبنات الخال وإن نزلت، والمراد بالنسب القرابة بخلاف الصهر وقد قال تعالى: ﴿يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللآتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك﴾ . قال: [والملاعنة على الملاعن] فالملاعنة تحرم على الملاعن على الأبد، ولذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - للملاعن (لا سبيل لك عليها) فتحرم عليها.
قال: [ويحرم بالرضا ما يحرم بالنسب] تقدم ذكر المحرمات بالنسب وهن سبع، وهؤلاء المحرمات بالنسب يحرم ما يقابلهن من الرضاع، فأم الرضاع محرمة وبنت الرضاع محرمة وهكذا لما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) . قال: [إلا أم أخته وأخت ابنه]

هذا استثناء، فأم الأخت من الرضاع لا تحرم، فإذا كان لك أخت ولها أم من الرضاع، فهذه المرأة لم ترضعك وإنما أرضعت أختك فإن هذه المرأة لا تحرم عليك وكذلك أخت ابنه من الرضاع فإذا كان له ابن ولإبنه أخت من الرضاع فللأب أن ينكح هذه المرأة وهذا الاستثناء الذي ذكره المؤلف فيه نظر من حيث الاستثناء لا من حيث الحكم أما من حيث الحكم فهو ظاهر وأما من حيث الاستثناء ففيه نظر، ولذا ذكر الزركشي وغيره أن جمهور الأصحاب من الحنابلة لم يستثنوه وذلك لأن المستثنى منه هن المحرمات بالنسب والمستثنى هنا من التحريم بالمصاهرة، فإن أم الأخت محرمه لأنها زوجة الأب فيقابلها من الرضاع أم الأخت من الرضاع وكذلك أخت ابنه فإن أخت الابن هي مقابلة للربيبة والربيبة تحريمها من باب التحريم بالمصاهرة وليس من باب التحريم بالنسب ولذا فإن الاستثناء هنا ليس بصحيح.
وهل يحرم من الرضاع ما يحرم من المصاهرة؟ الجمهور أن ذلك ثابت وأنه يحرم من الرضاع ما يحرم من المصاهرة.
وقوّى شيخ الإسلام خلاف هذا وهو القول الراجح وقواه ابن قيّم الجوزية لعدم الدليل على ذلك ولأن الله يقول (وأحل لكم ما وراء ذلكم) ونكتفي هنا بذكر ترجيح هذا القول ويأتي الاستدلال عليه في كتاب الرضاع بإذن الله.
قال [ويحرم بالعقد زوجة أبيه وكل جد] بمجرد العقد تحرم زوجة الأب وزوجة الجد سواءً كان جداً من أم أومن أب وإن علوا لقوله تعالى (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف) فزوجة الأب محرمة وكذلك زوجة الجد والأب من له عليك ولادة.
قال [وزوجة ابنه وإن نزل]

فزوجة الابن محرمة وإن نزل الابن فزوجة الابن من الصلب وزوجة ابن الابن وابن البنت كلهم من المحرمات ولذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحسن (إن ابني هذا سيد) وهو ابن بنته فكل ذكر لك عليه ولادة فهو ابن لك فحليلته محرمة عليك لقوله تعالى (وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم) فزوجة الابن محرمة بمجرد العقد –أي محرمة على الأب وإن علا الأب.
قال: [دون بناتهن وأمهاتهن] فزوجة الابن محرمة لكن بنتها ليست محرمة على الأب، وأمها ليست محرمة – أي على الأب – فله أن يتزوج أم زوجة ابنه، أو ابنة زوجة ابنه لقوله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ ، فليست مما حرمه الله عز وجل.
قال: [وتحرم أم زوجته وجداتها بالعقد] هذه المحرمة الثالثة من المحرمات بالصهر وهي أم الزوجة وكذلك جداتها فإنهن يحرمن بمجرد العقد وذلك لقوله تعالى: ﴿وأمهات نسائكم﴾ . قال: [وبنتها وبنات أولادها بالدخول] هذه المحرمة الرابعة بالصهر، وهي بنت الزوجة وبنات أولادها إذا دخل بها وهي الربيبة وهي لا تحرم إلا بالدخول، وقد اختلف أهل العلم في المراد بالدخول: فقال الحنابلة الدخول هو الوطء، وهو قول ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿وربائبكم الآتي في حجوركم من نسائكم اللآتي دخلتم بهن﴾ ، قال في الدخول: هو الجماع.
وعن الإمام أحمد أن الدخول هو الخلوة، فإذا خلا بها فقد دخل بها، وهذا الدخول في العرف، فإن الدخول في العرف هو الخلوة، يقال دخل بالمراة أي بنى بها وإن لم يطأها.
وهو مذهب أكثر الفقهاء أن الدخول هو أن يمسها بشهوة على اختلاف بينهم في تفصيل ذلك.

وأرجحها أن المراد به الوطء وهو تفسير ابن عباس ولا أعلم له مخالفاً، وقد رواه عنه ابن جرير في تفسيره واختاره، وحكي الإجماع على أن الدخول هنا لا يراد به الخلوة وهذا الإجماع يصرفنا عن تفسير الدخول بالخلوة ولكن تقدم ما روي عن الإمام أحمد في هذا الباب، ولكن مع ذلك يرجحه من جهة أخرى تفسير ابن عباس، والوطء ثابت في الوطء بالقبل بلا ريب.
وهل يثبت بوطئها في الدبر أم لا؟ المشهور في المذهب أنه يثبت بوطئها بالدبر قياساً على وطئها بالقبل وقال بعض الحنابلة لا يثبت الدخول بذلك حتى يطأها بالقبل وذلك لأن الله إنما حرّم بالمباح فهو الدخول المباح وهو وطؤها في قبلها، ووطؤها في دبرها محرم والمحرم مباين أعظم المباينة للنكاح وهذا هو الراجح قال [فإن بانت الزوجة أو ماتت بعد الخلوة أبِحن] إذا بانت الزوجة أي إذا طلقها بعد الخلوة وقبل الدخول فإن ابنتها حلال له للآية المتقدمة (فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم) وهو لم يطأها وكذلك إذا خلا بها ثم ماتت قبل أن يدخل بها فإن ابنتها تحل له وذلك للآية المتقدمة لأنه لم يدخل بها وكونها قد ماتت فإن موتها ليس في حكم الدخول بها.
إذن: المحرمات بالمصاهرة أربع كلهن يحرمن بمجرد العقد إلا الربيبة أي بنت الزوجة فإنها لا تحرم إلا بالوطء.
واختلف أهل العلم في قوله تعالى (وربائبكم اللاتي في حجوركم) هل هذا القيد له مفهوم أو لامفهوم له؟ فقالت: الظاهرية وهو قول علي بن أبي طالب كما في مصنف عبد الرزاق وقال الحافظ إبن كثير (إسناده ثابت قوي) وقال (هو غريب جداً) أي على علي بن أبي طالب وهو أن هذا القيد معتبر فعلى ذلك لا تحرم عليه إلا إذا كانت في حجره.
وقد قال ابن كثير حدثنا شيخنا الذهبي أنه سأل الإمام تقي الدين ابن تيميه عن هذا الأثر فاستشكله وتوقف في ذلك.

القول الثاني وهو قول عامه أهل العلم: أن القيد هنا لا مفهوم له وإنما هو يجري مجرى الغالب وذلك لأن الغالب أن بنت الزوجة تكون في حجره ويدل على ذلك أن كونها في حجره ليس بمؤثر شرعاً فإن الرجل لو ربى بنتاً كأن يربي بنت عمه أو بنت خاله فإنها لا تحرم عليه.
فدل هذا على قوة ما ذهب إليه جماهير أهل العلم من أن هذا القيد لا مفهوم له، وأما الأثر فضعفه ابن المنذر والطحاوي.
وكذلك ما كان من نكاح شبهة، فإذا وطئ رجل امرأة في نكاح شبهة ولها بنت فإنها تحرم عليه، وهذا بالإجماع، وهل تحرم عليه بنت من زنى بها؟ قال الحنابلة: تحرم عليه قياساً على النكاح.
القول الثاني في المسألة، وهو المشهور في مذهب الشافعية والمالكية أنها لا تحرم عليه واختاره شيخ الإسلام والشيخ عبد الرحمن بن سعدي وهو القول الراجح، إذ لا يصح –كما قال الشيخ عبد الرحمن – قياس السفاح بالنكاح بوجه من الوجوه، وأيضاً فإن الله عز وجل إنما حرم أم الزوجة وبنت الزوجة وزوجة الأب وزوجة الابن والمزني بها ليست بزوجة فلا تثبت لها هنا الأحكام، فإذا زنا الأب بامرأة فإنها لا تكون زوجة له فتحرم على إبنه , ومن غرائب العلم أن المشهور في مذهب الحنابلة أن اللواط تنتشر به الحرمة , وأن الرجل إذا فعل بآخر حرمت عليه أم المفعول به وابنة المفعول به وهكذا، وهذا من غرائب العلم وهو من القياس الباطل البعيد، وهذا من مفردات المذهب، وخالف في هذه المسألة أبو الخطاب من الحنابلة والموفق ابن قدامه.
الدرس السادس والعشرين بعد الثلاثمائة فصل قال: [وتحرم إلى أمدٍ معتدته وأخت زوجته وبنتاهما وعمتاهما وخالتاهما]

هذا الفصل في المحرمات إلى أمد، أما حرمة الجمع بين الأختين فقوله تعالى – في سياق ذكر المحرمات – (وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف) وأما الدليل على النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها فهو ما ثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال (لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها) وقوله (لا يجمع) خبر بمعنى الأمر كقوله تعالى (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) فيحرم الجمع بين الأختين وبين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها ومن باب أولى حرمة الجمع بين المرأة وابنتها، والقاعدة في المذهب: " المنع من الجمع بين كل أنثيين بينهما نسب أو رضاع بحيث لو كانت إحداهما ذكرا لما جاز له أن ينكح الأخرى "، هذا هو الضابط في المشهور من المذهب، وعليه فلا يجوز الجمع بين المرأة وعمة أبيها والمرأة وخالة أبيها، وكذلك لا يجوز الجمع بين الأختين من الرضاع ولا بين المرأة وعمتها من الرضاعة وهكذا.

وأختار شيخ الإسلام الجمع بين الأنثيين إن كان بينهما رضاع لا نسب، فله أن يجمع بين المرأة وعمتها من الرضاعة وبين المرأة وخالتها من الرضاعة وبين الأختين من الرضاعة وذلك لأن الجمع بين الأنثيين اللتين بينهما رضاع ليس تحريمه بمنصوص عليه وليس بمعنى المنصوص عليه، فليس بمنصوص عليه ولا يقاس على المنصوص عليه للفارق في المعنى، أما كونه ليس بمنصوص عليه، فلأن الأم إذا أطلقت والأخت إذا أطلقت والعمة إذا أطلقت والخالة إذا أطلقت لا تدخل فيها أم الرضاع ولا أخت الرضاع ولا عمة الرضاع ولا خالة الرضاع بدليل أن الله قال: في كتابه الكريم ﴿حرمت عليم أمهاتكم﴾ ، ثم قال: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم﴾ ، وقال: ﴿وأخواتكم﴾ ، ثم قال: ﴿وأخواتكم من الرضاعة﴾ ولو كان قوله: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ يدخل فيه أم الرضاع لما ذكر تحريم الأمهات من الرضاع بعد ذلك، وكذلك في الأخت فلو كان قوله: ﴿وأخواتكم﴾ تدخل فيه الأخوات من الرضاعة لما بين تحريمها في قوله: ﴿وأخواتكم من الرضاعة﴾ ، فعليه قوله: ﴿وأن تجمعوا بن الأختين﴾ وفي حديث (لا يجمع بين المرأة وعمتها) لا يدخل في هذه الألفاظ العمة من الرضاع ولا الخالة من الرضاع ولا الأخت من الرضاع.

وأما كونه لا يقاس على المنصوص عليه، فلأن العلة من تحريم الجمع بين الأختين وبين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها ما يفضي إليه الجمع من قطيعة الرحم التي أمر الله بصلتها والشارع إذ نهى عن شئ فإنه يسد الذرائع الموصلة إليه ومن ذلك ما يقع من العداوة من الجمع بين الأختين وبين المرأة وعمتها – مما يفضي كثيراً أو غالباً إلى قطيعة الرحم، وليس بين الأختين من الرضاعة ولا بين المرأة وعمتها من الرضاعة ليس بينهما رحم.
فالصحيح ما اختاره شيخ الإسلام.
وهل يجوز الجمع بين الأختين، وبين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها إن كنّ إماءً في الوطء أم لا؟ أي هل يجوز أن يكون تحت ملكه أمتان يطؤهما وهما أختان أو إحداهما عمة للأخرى أو خالة للأخرى أم لا يجوز ذلك؟ أما الجمع بينهما في الملك فلا خلاف بين أهل العلم في جوازه وذلك لأن الرجل قد يمتلك الأمة للخدمة ونحوها، وأما الجمع بينهما في الوطء فمذهب الأربعة وأكثر الصحابة أن ذلك محرم وهو اختيار شيخ الإسلام، والقول الثاني: وهو: مذهب الظاهرية على جواز ذلك وهو رواية عن الإمام احمد فإنه قال: لا أقول بتحريمه لكني أنهى عنه، أي لا أقول هو حرام لكني أحث على اجتنابه واستدلوا بقوله تعالى: ﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾ ، والقول الأول ارجح وذلك لأن قوله تعالى: ﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾ ، إنما إتاحة جنس المملوكات وليس فيه بيان ما يحرم منهن وما يحل، والجمع بينهن في الوطء يورث ما تقدم ذكره بين الحرائر فإنه يفضي إلى قطعيه الرحم التي أمر الله بصلتها.
قال [فإن طُلقَت وفرغت العدة أبحن]

إذا طلق المرأة وفرغت من عدتها فله أن ينكح أختها وله أن ينكح عمتها وله أن ينكح خالتها وذلك لأن التحريم إلى أمدٍ وليس بتحريم على الأبد.
فقد زال المانع وهو الجمع وهنا لا جمع، فإذا طلق المرأة وقضت عدتها أو ماتت ثم نكح أختها أو عمتها أو خالتها فذلك جائز لزوال المانع.
وقد اتفق عامة أهل العلم على جواز الجمع بين المرأة وربيبتها فالعلاقة بينهما ليست علاقة نسب وليست بعلاقة رضاع وإنما علاقة مصاهرة.
فله أن يجمع بين المرأة وبين ربيبتها أي المرأة وبنت زوجها، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ . قال: [وإن تزوجها في عقدٍ أو عقدين معاً بطلا] إذا تزوجهما في عقدٍ، بأن قال له الولي: (زوجتك ابنتي هاتين) ، أو قال له: (زوجتك أختي هاتين) ، فهذا العقد باطل لأنه منهي عنه، ولأنه لا مزية لإحداهما على الأخرى، وحينئذٍ فالنكاح باطل في حق الاثنتين، وكذلك لو كانا في عقدين معاً كأن يقول الأب قد زوجتك بنتي، ويقول الأخ قد زوجتك أختي، فإحداهما عمة للأخرى، فالعقدان وقعا معاً، فإن العقدين يبطلان لأنه لا مزية لإحداهما على الأخرى.
فإن لم يدرِ أيهما الأسبق: فإنه يجب عليه أن يفارق الاثنتين وذلك لأنه لا يدري أيهما نكاحها باطل فوجب عليه أن يفارق الاثنتين، لكن في باطن الأمر إحداهما نكاحها صحيح لأن إحداهما قد سبق نكاحها الأخرى لكنه يجهل أيهما السابق فحينئذٍ يكون الحكم كما تقدم وجوب فراق الجميع ثم يعقد عقداً جديداً على أيهما شاء، لكن في الباطن إحداهما نكاحها صحيح ولذا فيجب نصف الصداق لإحداهما، فيصطلحان على نصف الصداق، فإن أبيا الاصطلاح فحينئذٍ تكون بينهما القرعة، فمن خرجت لها القرعة فلها نصف المهر، فإن استباح فرج احداهما فلها مهر مثيلاتها بما استحل من فرجها، فإن كانت هي التي خرجت القرعة لها فيدخل نصف الصداق بالمهر كله.
قال: [فإن تأخر أحدهما]

إذا تأخر عقد أحدهما بطل المتأخر، فإذا عقد على فلانة ثم على أختها، فإن الأخرى نكاحها باطل، لأن الجمع المحرم المبطل للنكاح قد حصل بعقدها.
قال: [أو وقع في عدة الأخرى وهي بائنٌ أو رجعيةٌ بطل] إذا طلق المرأة ونكح أختها أو عمتها أو خالتها في عدتها فما الحكم؟ لا يخلوا هذا من حالتين: أن تكون العدة عدة الرجعيات، بمعنى تكون المرأة طلاقها رجعياً، فبإتفاق أهل العلم يبطل النكاح وذلك لأن الرجعية زوجه.
أن تكون العدة عدة البائنات أي كانت المرأة مطلقة طلاقاً بائناً كأن يطلق امرأته ثلاثاً، بأن يطلقها ثم يراجعها ثم يطلقها ثم يراجعها ثم يطلقها الثالثة فحينئذٍ تكون في بينونة فطلاقها طلاق بائن، فقد اختلف أهل العلم في ذلك أي في هل يجوز أن ينكح امرأة وقد طلق أختها أو عمتها أو خالتها وهي في عدة البينونة على قولين: القول الأول: وهو المشهور في مذهب الإمام أحمد ومذهب أبي حنيفة، ما ذكره المؤلف هنا وأن النكاح باطل.
وذهب الشافعية والمالكية إلى أن النكاح صحيح، وهو القول الراجح في هذه المسألة، وذلك لأنه لا سبيل له إليها ولأن العلة المتقدم ذكرها قد زالت فإن مثل هذا لا يورث عداوة ولا يفضي إلى قطيعة رحم فإن هذه المرأة قد آيست من رجوعها ولأنها ليست بزوجته فالمطلقة طلاقاً بائناً ليست بزوجته فإذا نكح عليها عمتها أو خالتها فإنه لم يجمع بين المرأتين في عصمته.
قال: [وتحرم المعتدة] لا يحل نكاح المعتدة لقوله تعالى: ﴿ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله﴾ . قال: [والمستبرأة من غيره] فالمستبرأة لا يجوز نكاحها لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حملٍ حتى تستبرأ بحيضة) ، والمستبرأة هي التي يطلب براءة رحمها – أي يراد إثبات أن رحمها بريء لا حمل فيه.
قال: [والزانية حتى تتوب وتنقضي عدتها]

الزانية لا يحل نكاحها في المشهور من المذهب خلافاً لمذهب الجمهور، والحجة مع ما ذهب إليه الحنابلة لقوله تعالى: ﴿الزانية لا ينكحها إلا زانٍ أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين﴾ ، وفي المسند وأبي داود والترمذي والنسائي بإسنادٍ صحيح أن مرثد بن أبي مرثد سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - في نكاح عناق وكانت امرأة تسافح في مكة فسكت النبي - صلى الله عليه وسلم - فنزلت ﴿الزانية لا ينكحها إلا زانٍ أو مشرك﴾ ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - (لا تنكحها) ، فنكاح الزانية لا يجوز حتى تتوب وتعرف توبتها في المشهور من المذهب بأن تراود فتمتنع، وأنكر هذا الموفق رحمه الله، والحق مع من أنكر هذا، وذلك لأن مراودتها منكر عظيم، ولذا قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: فإن المراودة أعظم المنكرات وأقرب الوسائل لوقوع الفاحشة، واختار هذا الشيخ محمد بن إبراهيم واستظهره صاحب الفروع فالصحيح أنها لا تراود، ولكن توبتها تعرف بأن يظهر من أحوالها ما يدل على صدق توبتها من مكثها في بيتها وبعدها عن وسائل الفاحشة واستخبار النساء العليمات بحالها، وكذلك إنكاح الزاني باطل حتى يتوب لقوله تعالى: ﴿والزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة﴾ كما هو اختيار الشيخ عبد الرحمن السعدي.
فلا يجوز نكاح الزانية حتى تتوب وتنقضي عدتها، وانقضاء عدتها إن كانت حاملاً بأن تضع حملها، وإن لم تحمل من الزنا فبأن تستبرأ بحيضة، ولا يحل للزاني إن تاب أن ينكحها في عدتها وإن كان ما يخشى من الحمل منه، وإن كان الإستبراء من مائه وذلك لأن الماءين مختلفان طيباً وخبثاً وكذلك الوطئان يختلفان حلاً وحرمة.
قال: [ومطلقة ثلاثاً حتى يطأها زوجٌ غيره] لقوله تعالى: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره﴾ ، أي حتى يطأها.
قال: [والمُحرمة حتى تحل]

لما ثبت في مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا ينكح المحرم ولا يُنكح) والنهي يقتضي الفساد، فإذا نُكحت المحرمة فالنكاح باطل.
الدرس السابع والعشرون بعد الثلاثمائة قال رحمه الله: [ولا ينكح كافر مسلمة] سواءً كان هذا الكافر كتابياً أو وثنياً لقوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا﴾ . قال: [ولا مسلم ولو عبداً كافرة إلا حرة كتابية] فلا يحل لمسلم ولو كان عبداً مملوكاً ان ينكح الكافرة لقوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾ ، إلا الحرائر الكتابيات العفيفات فيحل نكاحهن لقوله تعالى: ﴿والمحصنات من الذين أتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن﴾ ، وفي المذهب أن تركه أولى، أي ترك نكاح الكتابيات، واختار شيخ الإسلام كراهية ذلك وهو نص الإمام احمد وهو مذهب أكثر أهل العلم كما ذكر شيخ الإسلام، وقيده المؤلف هنا بالحرة، وذلك لأن الأمة الكتابية لا يحل نكاحها وإنما توطأ بملك اليمين وأما نكاحها فلا يحل لقوله تعالى: ﴿ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾ ، ولأن الأمة الكتابية إن نكحت جمع بين إرقاق الولد وبين كونه مع كافرة وهي الأمة الكتابية.
قال: [لا ينكح حر مسلم أمة مسلمة] فليس للمسلم أن ينكح الأمة المسلمة، فهذا أمر لا يجوز إلا بشرطين ذكرهما المؤلف: قال: [إلا أن يخاف عنت العزوبة لحاجة المتعة أو الخدمة ويعجز عن طول حرةٍ أو ثمن أمة] فالشرط الأول: أن يخاف عنت العزوبة.
والثاني: أن يعجز عن طول حرة أي عن مهرها سواء كانت الحرة كتابية أو مسلمة وأن يعجز عن شراء أمة لنفسه ودليل هذين الشرطين قوله تعالى: ﴿ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات ….. ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم﴾

فإن نكح مع عدم توفر هذين الشرطين فالنكاح باطل وإنما حرم لما في ذلك من إرقاق الولد، فإن الولد يكون رقيقاً لسيد الأمة لأنه ينكح الأمة وهي في ملك سيدها فيكون ولده ملكاً لهذا السيد.
قال: [ولا ينكح عبد سيدته] وذلك لما فيه من التنافي الكبير بين كونه مملوكاً وبعلها وبين كونها سيدته وموطوءته، وفي هذا تنافي كبير كما قرر هذا ابن القيم رحمه الله، وهذا فيه قبح ظاهر في الفطرة والعقل، فتنزهت الشريعة عن إباحته، ولذا حكى ابن المنذر تحريم ذلك عن أهل العلم إجماعاً وهو قول عمر كما في سنن البيهقي.
قال: [ولا سيدٌ أمته] وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم كما قال الموفق والعلة أن ملك اليمين أقوى من عقد النكاح فلا يحتاج إلى عقد النكاح مع ثبوت ملكه لها.
قال: [وللحر نكاح أمة أبيه] لأن أمة الأب ليست بملك له وليس ثمت شبهة ملك، فهي مملوكة لأجنبي وهذا بالشرطين المتقدم ذكرهما.
قال: [دون أمة ابنه] وذلك لأن أمة الابن فيها شبهة ملك، فإن الولد وماله لأبيه، فهنا شبهة ملك، وملك اليمين أقوى من عقد النكاح، وقال أبو حنيفة:- بل يجوز ذلك لأنها ليست مملوكةٍ له – والذي يتبين أن هذه المسألة راجعة إلى مسألة تقدم ذكرها وهي أنه إذا توفرت الشروط في جواز ملكية الأب لمال ولده فلا يجوز له أن ينكحها لأنه يمكنه أن يملكها وأما إذا كانت الشروط غير متوفرة كأن يكون الولد محتاجاً، فحينئذٍ ليس له أن يمتلكها وبالتالي له أن يعقد النكاح عليها.
قال: [وليس للحرة نكاح عبد ولدها] فلا يجوز للحرة أن تتزوج عبد ولدها، لأن شبهة الملك ثابتة ولكن هذا فيه نظر لأن شبهة الملك إنما تثبت للأب دون الأم كما تقدم تقريره في باب سابق، ولذا قال بعض الحنابلة بجواز هذا النكاح وهو القول الأظهر.
قال: [وإن اشترى أحد الزوجين أو ولده الحر أو مكاتبه الزوج الأخر أو بعضه انفسخ نكاحهما]

إذا نكح أمةً لغيره ثم اشتراها بعد ذلك فإن النكاح ينفسخ وذلك للعلة المتقدمة وهي أن ملك اليمين أقوى من عقد النكاح ومثل ذلك إذا اشتراها ولده الحر فإذا نكح أمة ثم اشتراها ولده الحر فإن النكاح ينفسخ، وكذلك لو اشتراها مكاتبه، وذلك لأن المكاتب ما يشتريه يكون ملكاً لسيده فهو قن ما بقي عليه درهم.
قال: [ومن حرم وطؤها بعقد حرم بملك يمين إلا أمة كتابية] فالقاعدة أن كل من حرم وطؤها بعقد فإنه يحرم وطؤها بملك يمين، فهذه قاعدة مطردة في المذهب، ويستثنى من ذلك الأمة الكتابية فإنها لا يحل وطؤها بعقد ويحل بملك يمين، وسبب المنع من النكاح هو عدم الجمع بين إرقاق الولد وبين كونه تحت كافرة، ومن أمثلة هذه القاعدة المجوسية مثلاً لا يحل له أن ينكحها لقوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات﴾ ، ولم يستثن الله إلا المحصنات من الذين أتوا الكتاب، وكذلك عابدة الوثن والملحدة لا يحل نكاحهن، فإذا كان لا يحل نكاحهن فكذلك لا يحل وطؤهن بملك يمين، فإذا وقعت المجوسية أوالوثنية سبياً فلا يحل وطؤها بملك اليمين هذا هو مذهب جماهير أهل العلم حتى حكي إجماعاً والذي رأيته من أدلتهم: القياس على الوطء في النكاح قالوا فكما لا يحل الوطء في النكاح فلا يحل الوطء في ملك اليمين.

واختار شيخ الإسلام وهو مذهب سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح وطاووس بن كيسان وعمرو بن دينار أن ذلك جائز واستدلوا بعمومات وخصوصات، أما العمومات فقوله تعالى: ﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾ ، وهو عام في الكافرة الكتابية والكافرة الوثنية وأما الخصوصات: فمنها ما تقدم أبي أبو داود وغيره وهو حديث صحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في سبايا أوطاس – وهن من عبدة الأوثان – قال: (لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة) ، فأجاز النبي - صلى الله عليه وسلم - للصحابة وطأهن بملك اليمين.
ثانيا: أن أكثر السبي في عهد النبوة كان من الكفار الوثنين لا يحرمونهن، ولم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - تحريم ذلك، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فكان من سبيهم سبي هوازن وسبي بني حنيفة وغيرهم، ثالثاً: أن الصحابة لما قاتلوا الفرس كان قتالهم مع الفرس كما هو معلوم بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، والفرس مجوس فكانت من أعظم الدول وأكثرها عدداً وقد وقعت تحت أيدي المسلمين فوقع السبي تحت أيدي الصحابة فلم ينقل أنهم كانوا يحرمونهن.
وحكاية الإجماع مع مخالفة مثل سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح وطاووس وعمرو بن دينار وهم أئمة بل بعضهم أعظم قدراً في الإسلام وجلالة من الأئمة الأربعة وحكاية الإجماع مع مخالفة هؤلاء لا شك أنه باطل وهذا هو القول الراجح وهو اختيار شيخ الإسلام.
قال: [ومن جمع بين محللة ومحرمة في عقد صح فيمن تحل] كأن يجمع بين نكاح بنتي عم وكانت إحداهما معتدة والأخرى غير معتدة وقد جمع بينهما في عقد واحد فإنه يصح في غير المعتدة ويبطل في المعتدة وهذا ظاهر لأن غير المعتدة محل للنكاح فلا موجب لبطلان نكاحها.
قال: [ولا يصح نكاح خنثى مشكل قبل تبين أمره] لأنه يحتمل أن يكون ذكراً فلا يحل نكاحه لعدم تحقق جواز النكاح.

مسألة: إذا أيسر الرجل وقد نكح أمة فاستطاع أن ينكح حرة أو نكح حرة فهل يبطل نكاح الأمة أو لا؟ الجواب: يبطل نكاح الأمة لزوال الحاجة الداعية إليه وهذا أحد القولين في المذهب، والمذهب أن النكاح يستدام ولكن الراجح أن النكاح يبطل وذلك لزوال الحاجة الداعية لذلك.

الدرس الثامن والعشرون بعد الثلاثمائة باب الشروط والعيوب في النكاح وهذا فصل في ذكر الشروط في النكاح وقد تقدم البحث في شروط النكاح، وهنا الكلام على الشروط في النكاح، والمراد بالشروط فيه، الشروط التي يشترطها أحد الزوجين على الآخر وله في ذلك غرض صحيح أي مصلحة، والمعتبر من الشروط ما كان في صلب العقد هذا هو المشهور في المذهب، وعليه فالشرط الذي يكون قبل العقد ليس بمعتبر، واختار شيخ الإسلام وهو ظاهر المذهب – كما قال رحمه الله، وهو منصوص كلام الإمام أحمد وهو ظاهر كلام متقدمي أصحابه وهو قول محققي المتأخرين منهم " أن الشرط قبل العقد معتبر ولازم، وهو القول الراجح لعموم الأدلة، فإن عموم الأدلة الدالة على وجوب الوفاء بالعقد كقوله تعالى: ﴿اوفوا بالعقود﴾ ، تتناول ما قبل العقد كما تتناول ما يكون في صلبه، وتقدم نظير هذه المسألة في كتاب البيوع، ولذا فإن هذه قاعدة في كل العقود وأن الشروط معتبرة فيها سواء كانت في صلب العقد أو كانت قبله، والشروط في النكاح منها ما هو شرط صحيح لازم ومنها ما هو شرط فاسد، والشرط الفاسد نوعان: الأول: شرط فاسد باطل مبطل للنكاح.
الثاني: شرط فاسد غير مبطل للنكاح.
والمذهب لا يجب الوفاء بالشرط وإنما يسن ولها الفسخ واختار شيخ الإسلام الوجوب وهو أصح.
وقد شرع المؤلف هنا في ذكر أمثلة للشروط الصحيحة فقال: [إذا شرطت طلاق ضرتها أو أن لا يتسرى أو أن لا يتزوج عليها يخرجها من دارها أو بلدها أو شرطت نقداً معيناً أو زيادةً في مهرها صح]

فهذه شروط صحيحة، قال الحنابلة الشرط في الشروط ألا تخالف مقتضى العقد.
وتقدم كلام شيخ الإسلام هذا وأن الراجح أن الشروط صحيحة ما لم تخالف الشرع، وأن الأصل في الشروط الجواز ما لم تخالف الشرع فتحل ما حرم الله أو تحرم ما أحل الله، تقدم الكلام على هذه القاعدة في كتاب البيوع.
وهنا كذلك فالشرط الصحيح في النكاح ما لا يخالف كتاب الله عز وجل، ودليل ثبوت هذه الشروط ولزومها ما ثبت في الصحيحين من حديث عقبة بن عامر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إن أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج) ، فدل هذا على أن الشروط في النكاح آكد من الشروط في غيره من العقود.
فإن قيل أليس في هذا تحريم ما أحل الله حيث اشترطت ألا يتزوج عليها وألا يتسرى ونحو ذلك؟ فالجواب: أنه ليس فيه تحريم ما أحله الله بل غايته ثبوت حق الفسخ لها بمعنى إن لم يوف بهذه الشروط فلها حق الفسخ ولذا قال المؤلف: [فإن خالفه فلها الفسخ]

فإن خالف الشرط فلها حق الفسخ، وحق الخيار في الفسخ ثابت لها على التراضي ما لم يدل دليل على رضاها بالزوج بعد مخالفته للشرط، فإن دل دليل قولي كأن تقول رضيت بذلك أو فعلي بأن تمكنه من نفسها بأن يطأها مع علمها بمخالفته للشرط فحينئذٍ لا حق لها في الفسخ لرضاها به، ويقبل قولها بيمينها إذا نفت علمها بمخالفته للشرط، فإذا نفت العلم فقالت: أنا مكنته من نفسي وأنا لا أعلم بمخالفته للشرط فيقبل قولها لأن هذا مختص بها وهو أمر خفي، هذا هو القسم الأول من الشرط في النكاح وهو شرط صحيح لازم وهو ما لا يخالف شرع الله، لكن لو شرط عليها ألا تنكح بعده أو شرطت عليه ألا ينكح بعدها فهذا شرط باطل ولا مصلحة لأحدهما فيه لأنه يكون بعد الفراق أو بعد الموت، واختار شيخ الإسلام أن المرأة إذا شرطت على زوجها شرطاً وقالت أنا أحق بنفسي إن خالفت ويكون الطلاق بيدها، فهذا شرط صحيح ولها أن تطلق نفسها لأن هذا يكون من باب التوكيل وسيأتي الكلام على توكيل الزوجة في الطلاق.
وهل يجب الوفاء بالشرط إذا كان بعد العقد؟ إذا قال بعد العقد لكي عليّ ألا أنكح فإن نكحت فلكي حق الفسخ، فهل يعتبر هذا الشرط أم لا؟ المشهور في المذهب أنه لا يلزم وذلك لفوات محله فإن محله في صلب العقد.
وقال ابن رجب يتوجه صحة الشرط، وما قاله قوي لوجوب الوفاء بالعقود ووجوب الوفاء بالعهود فهذا عهد فيجب عليه الوفاء به، فالأظهر وجوب الوفاء به لأن الله أمر بالوفاء بالعهد، وهذا عهد فيجب عليه أن يوفي به.
قال: [وإذا زوجه وليته على أن يزوجه الآخر وليته ففعلا ولا مهر بطل النكاحان]

إذا زوجه وليته بشرط أن يزوجه الآخر وليته فجعلوا بضع هذه مهراً لهذه وبضع الأخرى مهراً للأخرى فهذا لا يجوز وهو نكاح الشغار الذي نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم -، ففي الصحيحين من حديث ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - " نهى عن نكاح الشغار "، ونحوه في مسلم من حديث أبي هريرة فإذا زوج أحداهما وليته الأخر مشارطة بلا مهر فالنكاح باطل وهو نكاح الشغار الذي نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم -، والنهي يقتضي الفساد والشغار في الأصل هو الخلو، وسمي نكاح الشغار بهذا الاسم لخلوه من الصداق.
قال: [فإن سمي لهما مهر صح] إذا سمي للمرأتين مهر صح والمراد بالمهر هنا المهر المستقل الذي لا يكون قليلاً ولا حيلة، هذا هو المشهور في المذهب وقال بعض الحنابلة يشترط أن يكون مهر المثل وهذا ظاهر درءً للحيلة، فإذا سمى كل واحدٍ منهما لمنكوحته مهراً فالنكاح صحيح في المشهور من مذهب أحمد والشافعي.

قال نافع كما في الصحيحين وهو راوي حديث ابن عمر: " والشغار أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الأخر ابنته ولا صداق بينهما "، فهذا تفسير من نافع ولا يصح رفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وليس أيضاً من قول ابن عمر ولكنه تعريف صحيح للشغار، ولأنهما إذا سميا مهر المثل فلا محذور في مثل هذا النكاح إلا ما يكون من مسألة الرضا فيمن من يشترط رضاها، وقال الخرقي في مختصره: " لا يصح وإن كان بينهما صداق وهو رواية عن الإمام أحمد " ويستدل لهذا القول بما روى أبو داود في سننه وهو من حديث محمد بن اسحاق لكنه صرح بالتحديث: أن العباس بن عبد الله بن العباس أنكح عبد الرحمن بن الحكم ابنته، وانكحه عبد الرحمن بن الحكم ابنته وكانا جعلا صداقاً، فكتب معاوية إلى مروان بن الحكم – وكان واليه بالمدينة – بأن يفرق بينهما وقال في كتابه " لهذا الشغار الذي نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عنه"، فهذا الحديث قد يستدل به على أن هاذين الرجلين قد سميا صداقاً، وقد سماه معاوية رضي الله عنه شغاراً، وفسر صاحب عون المعبود قوله " وكانا جعلا صداقاً " بأن المفعول الأول لجعل محذوف والتقدير " وكانا جعلا إنكاح كل واحدٍ منهما الأخر ابنته صداقاً "، وهذا هو الظاهر في تفسير الحديث لأن الكلام الأول ليس فيه ذكر المشارطة وإنما فيه أن هذا أنكح ابنته هذا، وهذا أنكح ابنته هذا، وليس فيه ذكر المشارطة وإنما المشارطة مذكورة في قوله " وكانا جعلا صداقاً "، ويدل عليه ما تقدم من أن مثل هذا مع ثبوت رضا من يشترط رضاها وثبوت مهر مثلها لا محذور فيه مطلقاً، فالقول الراجح هو جواز ذلك، وهو اختيار شيخ الإسلام.
قال: [أو تزوجها بشرط أنه متى حللها للأول طلقها] هذا هو نكاح التحليل وهو من كبائر الذنوب فقد قال - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه وهو كما قال من حديث ابن مسعود (لعن الله المحلل والمحلل له) .

المحلِّل: هو الزوج الثاني في الظاهر.
المحلَّل له: فهو الزوج الأول.
وهو نكاح باطل، لأن النهي يقتضي البطلان قال [أو نواه بلا شرط] إذا نوى التحليل من غير شرط، فلم يشرط أو يُشترط عليه أنه متى ما نكحها ووطأها أنها تطلق عليه، فهذا محرم والنكاح باطل لقوله - صلى الله عليه وسلم - (إ نما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) ، ولما ثبت في مستدرك الحاكم بإسناد صحيح أن رجلاً سأل ابن عمر عن رجل طلق امرأته ثلاثاً فتزوجها أخ له من غير مؤامرة " أي من غير تواطؤ " ليحلها له فهل تحل له فقال (لا إلا نكاح رغبة، لقد كنّا نعد هذا على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - سفاحاً) . قال [أو قال: زوجتك إذا جاء رأس الشهر أو إن رضيت أمها] هذا من باب الشروط المستقبلة، والشرط ثلاثة أنواع: شرط حاضر: كأن يقول " زوجتكها إن شئت " فيقول الآخر " شئت " والمذهب أن هذا الشرط صحيح شرط ماضي: كأن يقول " زوجتكها إن كانت بنتي" وهي بنته في المضي وهو شرط صحيح في المذهب.
شرط مستقبل: كأن يقول " زوجتكها إن جاء زيد أو إن رضيت أمها، فهذا شرط باطل في المذهب، قالوا لأن وقف النكاح على شرط لا يصح، وهذا فيه وقف للنكاح على شرط.
واختار شيخ الإسلام وهو رواية عن الإمام أحمد وقوّى هذا القول ابن رجب واختاره صاحب الفائق من الحنابلة وهو القول الراجح في هذه المسألة أن هذه الشروط صحيحة، ولا دليل على المنع من وقف النكاح على شرط ولا محذور في مثل هذا، والأصل في الشروط الصحة ولا دليل يدل على بطلان هذا الشرط.
قال [أو إذا جاء غد فطلقها أو وقّته بمدّة بطل الكل]

هذا هو نكاح المتعة، وهو النكاح مع تحديد أجل له، وهو ممنوع منه شرعاً، ففي الصحيحين عن علي بن أبي طالب قال (نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن نكاح المتعة عام خيبر) وفي صحيح مسلم عن سلمة بن الأكوع قال: (رخص النبي - صلى الله عليه وسلم - في نكاح المتعة عام أوطاس ثلاثة أيام ثم نهى عنه) وعام خيبر قبل عام أوطاس، وعليه فيكون نكاح المتعة قد نهى عنه أولاً ثم أبيح ثلاثة أيام ثم نهى عنه، وليس له نظير في هذا، وفي صحيح مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال - من حديث الربيع بن سبرة (إني كنت قد أذنت لكم في الاستمتاع بالنساء وإن الله قد حرّم ذلك إلى يوم القيامة فمن كان عنده شئ منهن فليخل سبيلها ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً) ، فعلى ذلك نكاح المتعة محرم وهو النكاح إلى أجل أي ينفق هو ووليها على أن ينكحها شهراً أو أسبوعاً بأجرة مسماه هذا محرم باتفاق أهل العلم.
وهل يحل ما يسمى بالنكاح بنية الطلاق؟ وهو أن ينكحها بنية طلاقها المشهور في مذهب الإمام أحمد وهو قول الأوزاعي تحريم ذلك وبطلانه.
وذهب جمهور أهل العلم إلى الجواز.

وقال شيخ الإسلام: وهو مكروه، ثم قال في موضع آخر:" والكراهية تتردد بين كراهية التحريم وكراهية التنزيه " وليعلم أن النكاح بنية أنها إن أعجبته ورغب فيها وإلا طلقها هذا بابه باب آخر، فقد اتفق أهل العلم على إباحته فهو موجب النكاح والآخر ينافيه لقصده والفارق بينه وبين المسألة السابقة ظاهر التوقيت فإنه هنا ينوي الاستدامة إلا ألا يرغب فيها، وهذه نية أكثر من ينكح النساء، وأما المسألة السابقة فإنه ينوي طلاقها وهو عازم عليه فهو لا ينوي استدامتها وإن كان قد لا يطلقها، وهذا – كما قال شيخ الإسلام – مكروه، والكراهية تتردد بين كراهية التنزيه وكراهية التحريم، والجمهور على الجواز قياساً على ما إذا نوى أنها إن وافقته وإلا طلقها، ولكن هذا قياس مع الفارق كما تقدم، والذي يقوى عندي ما ذهب إليه أهل القول الأول، وذلك لأن الأصل الأبضاع التحريم.
فلا تحل إلا بنكاح شرعي صحيح تتوفر فيه شروط النكاح كما يتوفر فيه معنى النكاح، وهذا لا يتوفر فيه معنى النكاح فإن النكاح يقصد للمودة والسكنى كما دل على ذلك كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - وأما هذا فإنها كالمستأجرة، قالوا: وأيضاً قياساً على نية التحليل، فإذا نوى التحليل فإن ذلك محرم وهو نكاح باطل وإنما الأعمال بالنيات وكذلك هنا وهذا قياس صحيح وإن كان بينهما فارق في الشدة فإن النكاح بنية التحليل أشد من النكاح بنية الطلاق، وذلك لأن النكاح بنية التحليل نكاح لمن لا يريدها لنفسه، فهو لا يريدها لشئ إلا بان يحللها لغيره، وأما الآخر فله نية في الاستمتاع بها.
ومع ذلك فإن القياس لا ينتفي لأن هذا الفارق غير مؤثر وإنما هو فارق في الشدة، وعلى ذلك الأقوى ما ذهب إليه الحنابلة.
مسألة: إذا تزوجت المرأة بنية التحليل؟ أي تزوجت لكي يطلقها هذا الزوج ثم ترجع إلى زوجها، فهل هذه النية تبطل النكاح أم لا؟

  1. القول الأول: أن النكاح صحيح وهو المذهب، وذلك لأن المرأة لا يفوض إليها الطلاق، فليس الأمر بيدها بخلاف الزوج فإن الأمر بيده ولذا لعن النبي - صلى الله عليه وسلم - المحلِّل والمحلِّل له، ولم يذكر المرأة لأنه ليس بيدها شئ، وهناك قول في المذهب: أن النكاح صحيح في الظاهر باطل في الباطن وعليه فإنه تسعى ولو بالمخالفة لمفارقته لأنه باطل في الباطن، لأن المرأة أحد طرفي العقد، والذي يتبين هو القول الأول لأنها ليس بيدها.

الدرس التاسع والعشرون بعد الثلاثمائة فصل هذا الفصل في النوع الثاني من القسم الثاني من الشروط الفاسدة فقد تقدم أن الشروط الفاسدة نوعان:

  1. شروط فاسدة تبطل النكاح.
  2. وشروط فاسدة لا تبطل النكاح فالنكاح يصح والشرط يفسد.
    قال: [وإن شرط أن لا مهر لها] فإذا شرط ألا مهر لها فإن النكاح يصح والشرط يفسد وعليه، فيجب لها مهر المثل، واختار شيخ الإسلام وهو مذهب مالك، وقال شيخ الإسلام وهو مذهب أكثر السلف أن النكاح يفسد، فالعقد يفسد، وذلك لأن العقد الذي لا مهر فيه عقد فاسد كنكاح الشغار، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أبطل نكاح الشغار لأنه لا صداق فيه، ولم يصححه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأوجب مهر المثل، وهذا القول الراجح وأن النكاح لا يصح إلا بمهرٍ.
    قال: [أو لا نفقة أو أن يقسم لها أقل من ضرتها أو أكثر]
فصول الكتاب · 11 فصل · 298 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للحمد · 298 صفحة
المقدمة
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب المناسك
كتاب الجهاد
كتاب الوصايا
كتاب الوصايا
كتاب الفرائض
كتاب الطلاق
كتاب الحدود
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل