فإذا أبرأته المرأة من المهر قبل أن يفرضه الحاكم وذلك كأن تقولَ: " قد أبرأته منه" فحينئذٍ يسقط عنه، لأنها هي صاحبة الحق فذلك حقها وقد أبرأت زوجها منه، وقد صح النكاح لأن المهر ليس بمنفي، لكن لو كان المهر منفياً – ويدخل هذا في عموم عبارة المؤلف وهو المذهب أيضاً – لو كان منفياً فكذلك، لكن الصحيح كما تقدم أن المنفي باطل من أصله، ولو قبضت المهر ثم وهبته إياه وكانت جائزة التصرف فيجوز بلا خلاف.
قال: [ومن مات منهما قبل الإصابة والفرض ورثه الآخر ولها مهر نسائها]
فمن مات من الزوجين قبل الإصابة - أي قبل الجماع وقيل الخلوة وقيل الفرض أي قبل أن يفرض لها صداقاً- فإنه يرثه الآخر للحديث المتقدم: (فعليها العدة ولها الميراث) ، وكان لم يسم لها صداقاً وقد مات قبل أن يدخل بها.
قال: [وإن طلقها قبل الدخول فلها المتعة بقدر يسر زوجها وعسره]
إذا طلق المفوضة – بفتح الواو – أو المفوضة – بكسر الواو – وكذلك من لم يسمي لها مهراً، فإذا طلقها زوجها قبل الدخول فلها المتعة.
المفوضة: قد نفي مهرها حيث كان التفويض في بضعها وحيث لم يكن في بضعها بل بمهرها فالمهر مجهول، وكذلك إذا لم يسمِّ لها مهراً، فإذا طلقها زوجها قبل الدخول فلها المتعة بقدر يسر زوجها وعسره لقوله تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن وتفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعاً بالمعروف حقاً على المحسنين﴾ ، وفي قوله (حقاً) ما يدل على فرضيته، وفي قوله (متاعاً بالمعروف) ما يدل على أن هذا المتاع يرجع فيه إلى العرف من خادم أو سكن أو ثياب أو نحو ذلك مما تعارف الناس على أنه متاع للمطلقة، فإنه يجزئه أن يعطيه إياها.
واختار شيخ الإسلام وهو رواية عن الإمام أحمد: أن المطلقة بعد الدخول كذلك لها المتعة، خلافاً لمذهب جمهور العلماء لقوله تعالى: ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف حقاً على المتقين﴾ وما ذهب إليه ظاهر فالآية تدل عليه.
قال: [ويستقر مهر المثل بالدخول]
يستقر مهر المثل وكذلك المهر المسمى بالدخول والخلوة أيضاً، أما بالوطء فهو ظاهر قوله تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن﴾ ، فدل على أنه إن طلقها بعد المسيس فيجب المهر كاملاً، وأنه لا ينصف، هذا هو مفهوم المخالفة لهذ الآية فيجب للمرأة المهر كاملاً إذا مسها، وكذلك الخلوة في مذهب جمهور العلماء، فإذا خلا الرجل بالمرأة فيجب لها المهر وإن لم يمسها، وذلك لما روى سعيد بن منصور في سننه عن زُرارة بن أبي أوفى قال: " قضاءُ الخلفاء الراشدين: إذا أغلق باباً أو أرخى ستراً فقد وجب الصداق والعدة "، وزُرارة لم يدرك الخلفاء الراشدين، لكنه ثابت السند الصحيح في سنن البيهقي عن عمر بن الخطاب وعن علي بن أبي طالب ولا يعلم لهما مخالف فكان إجماعاً.
والقول الثاني وهو مذهب الشافعية وهو رواية عن الإمام أحمد قالوا: " لا يثبت لها المهر كاملاً إن خلا بها ما لم يمسها لظاهر الآية المتقدمة.
والراجح ما ذهب إليه أصحاب القول الأول لما تقدم، فهو قول عمر وعلي ولا يعلم لهما مخالف.
قال: [وإن طلقها بعده فلا متعة]
بالعقد وهو الوطء فقد فعلت ما يجب عليها، لكنه لم يطب وكان ذلك من جهته لا من جهتها ولأن التسليم المستحق وجد من جهتها فكان بوطئها.
وهل يجب المهر كاملاً بغير خلوة ولا وطء، وإنما بما دون الوطء كأن يستمتع بها في غير وطء بلا خلوة كمس يد أو قبلة أو نحو ذلك؟
قولان في المذهب:
القول الأول: وهو قول في المذهب وجوب المهر بذلك كالوطء، لأنه استمتاع فأشبه الوطء.
والقول الثاني: وهو اختيار الموفق وهو قول أكثر الفقهاء: أن المهر لا يثبت كاملاً بذلك، وهو الراجح لأن ظاهر الآية إنما دل على أن المهر يثبت بالمسيس أي بالوطء، وذلت أثار الصحابة على أنه يثبت بالخلوة، وليست القبلة ونحوها في حكم المسيس ولا في حكم الخلوة، والذي يتبين والله أعلم أن الخلوة لا تثبت بها هذا الحكم إلا إذا كانت بحيث يمكنه أن يطأها معها، أما إذا كانت خلوة يسيرة لا يتمكن من وطئها فلا يتبين أنه يجب المهر بمثل هذه الخلوة، وذلك لأن ظاهر الآية أنه لا يجب إلا مع المسيس، وإنما وجب مع الخلوة لأن الخلوة مظنة المسيس، ولأن الخلوة تمكين من المرأة لنفسها، وليس هذا في أي خلوة، وإنما يثبت بالوطء في القبل على الصحيح، وأما الوطء في الدبر فلا يثبت فيه هذا الحكم، لأنه ليس هذا المسيس المشروع.
قال: [وإن افترقا في الفاسد قبل الدخول والخلوة فلا مهر]
…إذا نكحها نكاحاً فاسداً كأن ينكحها بلا ولي ثم فارقها قبل أن يدخل بها، فلا مهر، وذلك لأن هذا نكاح فاسد فكان وجوده كعدمه، فالنكاح الفاسد وهو نكاح شبهة عقد، فإذا طلقها قبل الدخول فلا مهر لها، لأنه فاسد فكان وجوده كعدمه، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، ولها المهر بما استحل من فرجها) ، وظاهره أنه لا مهر لها إن لم يستحل فرجها.
قال: [وبعد أحدهما يجب المسمى]
فبعد الدخول أو الخلوة يجب المسمى، وإن لم يكن قد سمى المهر فيجب مهر المثل، أما إن مسها فهذا ظاهر لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث المتقدم: (ولها المهر بما استحل من فرجها) ، وأصرح منه ما ورد في رواية ابن حبان: (ولها ما أعطاها بما أصابها) ، أي لها ما أعطاها من المهر بما أصابها، وأما إن كانت مجرد خلوة ولم يطأها فلا يتبين أنه يجب عليه المهر، وذلك لأنه نكاح فاسد فكان وجوده كعدمه والنبي - صلى الله عليه وسلم - إنما أوجب المهر حيث أصابها وهنا لم يصبها، وهذا القول هو الراجح، وهو اختيار الموفق ابن قدامة ورواية عن الإمام أحمد.
وأولى من ذلك النكاح الباطل كنكاح الخامسة، والنكاح الباطل عند الفقهاء هو: ما أجمع على بطلانه كنكاح الخامسة، وأما النكاح الفاسد فهو: ما اختلف فيه كالنكاح بلا ولي، ففي النكاح الباطل إن طلقها قبل الدخول فلا شيء لها لأنه نكاح باطل فوجوده كعدمه، وإن كان بعد الخول، فالمذهب وهو الصحيح في هذه المسألة: أن لها المهر إن استحل فرجها للحديث المتقدم: (ولها ما أعطاها بما أصابها) ، ولا فرق فيما حرمه الشارع بين ما أجمع عليه أو لم يجمع عليه، لكن إن كانت عالمة بأن النكاح باطل أو فاسد فلا شيء لها لأنها زانية مطاوعة فلا شيء لها.
قال: [ويجب مهر المثل لمن وطئت بشبهة]
إذا وطئت بشبهة كأن يظنها زوجته فيطأها، فيجب مهر المثل، قال الموفق: بلا خلاف أعلمه.
قال: [أو زناً كرهاً]
فإذا أكرهها على الزنا فيجب لها المهر بما استحل من فرجها، هذا هو مذهب الجمهور للحديث المتقدم: (ولها المهر بما استحل من فرجها) ، وقال الأحناف وهو رواية عن الإمام أحمد، وهو اختيار شيخ الإسلام: أنه لا مهر لها ولا عوض لها وإن كانت مكرهة وذلك لأن هذا العوض خبيث وهو سحت فهو مقابل حرام فكان سحتاً محرماً ولم يكن حلالاً مباحاً ولا يقاس هذا بهذا، ولا يلحق ما أباحه الله بما حرمه الله، وهذا هو الراجح وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي.
قال: [ولا يجب معه أرش بكارة]
هذا على القول بوجوب مهر المثل، فهل يجب أرش البكارة؟
قال: لا يجب أرش البكارة، وذلك لأن مهر المثل يدخل فيه أرش البكارة، فإنها قدرت على أنها بكر، وقدر مهرها على أنها بكر، فنظر إلى بكارتها أثناء تقدير مهرها، وعلى القول الراجح المتقدم وهو أنه لا مهر لها فحينئذٍ يحتاج أن يجعل لبكارتها مهرا، ً وذلك لأنه قد أتلف عليها شيئاً مما ينتفع به، فكان عليه أرش ذلك، ويعرف أرش البكارة بأن ينظر إلى مهرها وهي بكر وينظر إلى مهرها وهي ثيب، والفارق بينهما هو أرش بكارتها.
قال: [وللمرأة منع نفسها حتى تقبض صداقها الحال]
فإذا تزوج الرجل امرأة على أن يصدقها عشرة آلاف حالةً، ثم قال: أريد أن أبني بالمرأة ولم يعطها صداقها فللمرأة أن تمتنع ولوليها أن يمنع من ذلك، وذلك لأن العوض وهو المهر لم يقبض فكان لهم المنع من تسليم المعوض، فلهم المنع من تسليم المعوض وهو البضع حتى يستلموا عوضه، وهذا بإجماع أهل العلم وهذا ظاهر، ولأنه قد يتعذر استيفاء العوض فيتعذر عليها إرجاع المعوض، وظاهر قوله: "حالاً" أنه لو كان مؤجلاً فليس لها أن تمنع ولذا
قال: [فإن كان مؤجلاٍ ….. فليس لها منعها]
فإذا كان المهر مؤجلاً كأن يقول: " أتزوجها على عشرة آلاف إلى سنة،" ثم أراد أن يبني بها فليس لها أن تمنعه من نفسها، وذلك لأنها قد رضيت بتأخير صداقها وهو متضمن رضاها بتسليم نفسها قبل قبض صداقها.
قال: [أو حل قبل التسليم]
إذا قال: المهر أدفعه لكم بعد شهر فرضوا بذلك فمر الشهر ولم يسلم الصداق، فيجب عليها أن تمكنه من نفسها وألا تمنع نفسها منه، وقالوا: وذلك لأنها قد وجب عليها واستقر وجوب تسليم بضعها قبل القبض فلم يكن لها أن تمتنع.
والقول الثاني في المذهب: أنه لا يجب عليها ذلك، وهذا فيما يظهر لي أظهر للعلة المتقدمة وهي منع تسليم المعوض قبل أخذ عوضه، ولأنه قد يتعذر استيفاء العوض فيفوت عليها منعه بضعها.
قال: [أو سلمت نفسها تبرعاً فليس لها منعها]
إذا اتفقوا على صداق حال، فسلمت نفسها له تبرعاً فليس لها أن تمنع نفسها بعد ذلك، وذلك لأن المهر قد استقر بهذا التسليم فلم يكن لها المنع، ولأنها قد رضيت فسلمت نفسها عن رضى فاستقر العوض بذلك.
والقول الثاني في المسألة، وهو مذهب أبي حنيفة النعمان ورواية عن الإمام أحمد واختيار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: أن لها أن تمنع نفسها وقد تبرعت له، وذلك لأن رضاها ليس مطلق بل هو مقيد بشرط وهو أن يعطيها صداقها، وأن يقبضها إياه، فقد مكنته من نفسها بهذا الشرط فليس رضاها رضا مطلقاً بل هو مقيد بهذا الشرط وهو أن يسلمها صداقها وحينئذٍ فلها أن تمنع نفسها، وهذا هو القول الراجح.
قال: [فإن أعسر بالمهر الحال، فلها الفسخ ولو بعد الدخول]
إذا أعسر بالمهر الحال قبل الدخول فلها الفسخ، وذلك لتعذر الوصول إلى العوض قبل تسليم المعوض، ولو كان بعد الدخول، فإذا دخل بها ولم يسلم مهرها الحال فلها أن تفسخ حيث أعسر، وذلك لأن لها حينئذٍ منع نفسها على الصحيح فكان لها الفسخ، ولأنها إنما مكنت نفسها لأخذ حقها وصداقها وحيث أعسر بذلك فلها الحق بالفسخ، لكن الفسخ لابد أن يكون بحكم حاكم في المشهور في المذهب ولذا قال المؤلف:
[ولا يفسخه إلا حاكم]
وتقدم كلام شيخ الإسلام في هذه المسألة وأن الفسوخ تصح بغير حكم حاكم، وأن الحاكم إنما يأذن بذلك.
الدرس السادس والثلاثون بعد الثلاثمائة
باب وليمة العرس
الوليمة: هي طعام العرس خاصة، فلا تطلق الوليمة في اللغة إلا على طعام العرس خاصة.
قال: [تسن]
فالوليمة سنة لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعبد الرحمن بن عوف كما في الصحيحين: (أولم ولو بشاة) ، ولما ثبت في الصحيحين من حديث أنس قال: ما أولم النبي - صلى الله عليه وسلم - على أحد من نسائه ما أولم عليها – يعني زينب بنت جحش – أولم بشاة، ولا خلاف بين أهل العلم في مشروعية الوليمة.
وإنما اختلفوا هل هي سنة مستحبة – كما ذكر المؤلف – أم هي واجبة؟
فالجمهور على أنها سنة، وقال بعض أهل العلم بوجوبها وهو مذهب الظاهرية وقول في مذهب الشافعي وحكاه ابن عقيل عن الإمام أحمد، وهو الراجح لظاهر الحديث: (أولم ولو بشاة) ، ولما ثبت في المسند بإسناد حسن أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعلي لما تزوج فاطمة: (لا بد للعرس من وليمة) ، والمذهب أنها تسن بالعقد، فوقتها المستحب في المشهور من المذهب العقد، وقال شيخ الإسلام: تسن بالدخول، وقال صاحب الإنصاف: " الأولى أن يقال إن وقت الاستحباب موسع من عقد النكاح إلى انتهاء أيام العرس "، وما ذكره أظهر، ومرجع ذلك إلى العرف، فإذا كان عرف الناس أن الوليمة تكون بعد العقد فتسن كذلك وإن كان عرفهم بالبناء بالمرأة والدخول بها فتستحب كذلك.
قال: [بشاةٍ فأقل]
لا حد لأكثر الوليمة – بإجماع أهل العلم – فلو أولم بخمس شياه أو عشر فذلك كله جائز ما لم يكن ذلك إسرافاً أو مخيله، والمستحب أن تكون بشاة فأقل، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (أولم ولو بشاة) ، ولما تقدم أنه أولم لزينب بنت جحش بشاة، لكن ظاهر قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (أولم لو بشاة) ، كما ذكر ذلك بعض الحنابلة أن الأولى أن تكون أكثر من شاة وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل كونها وليمة قليلاً، فقال (أولم ولو بشاة) أي أولم ولو بشيء قليل كالشاة، فدل هذا على أن الأولى أن تكون الوليمة بأكثر من شاة، ولو أولم بأقل من شاة فذلك جائز، ففي الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (أولم على صفية بالأقط والتمر والسمن) ، وفي البخاري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (أولم على بعض نسائه بمدين من شعير) ، لكن الأولى له أن يولم بشاة فأكثر.
قال: [وتجب في أول مرة إجابة مسلمٍ]
تجب إجابة مسلم في أول مرة أي في وليمة اليوم الأول من أيام العرس، لما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال: (شر الطعام وليمة العرس يدعى لها الأغنياء ويترك الفقراء ومن لم يجب فقد عصى الله ورسوله) .
وذكر بعض فقهاء الحنابلة كابن عقيل والشيخ عبد القادر الجيلاني استثناءً فيه قوة وهو: أنه يكره لأهل العلم والفضل الإسراع في إجابة الدعوة والتهاون لما فيه من البذلة والدناءة والشره، قالوا: لا سيما القاضي لأنه ربما كان فيه ذريعة إلى التهاون به وعدم المبالاة، وهكذا أهل العلم والفضل، ودرء المفسدة أولى من جلب المصلحة، فإنما تجب وليمة العرس في اليوم الأول، وأما اليوم الثاني فإجابتها سنة.
وأما في اليوم الثالث فتكره، وذلك لما روى الترمذي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (طعام الوليمة في اليوم الأول حق، وطعام اليوم الثاني سنة، وطعام اليوم الثالث سمعة ومن سمع سمع الله به) والحديث ضعفه الترمذي فقد رواه واستغربه فهو من حديث زياد بن عبد الله وعطاء بن السائب، وزياد بن عبد الله ضعيف الحديث، وعطاء بن السائب مختلط، وقد روى عنه زياد بن عبد الله بعد اختلاطه، وعلى ذلك الحديث ضعيف فيه علتان:
ضعف زياد بن عبد الله.
اختلاط عطاء بن السائب، وقد روى عنه عبد الله بن زياد بعد اختلاطه.
وبهذا الحديث احتج الحنابلة والشافعية على كراهية إجابة الدعوة في اليوم الثالث، وقال المالكية: لمن كان له سعة أن يولم سبعة أيام، لما روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح أن حفصة بنت سيرين قالت: " تزوج أبي فدعا الصحابة سبعة أيام " قال البخاري: " ولم يوقت النبي - صلى الله عليه وسلم - يوماً ولا يومين " وثبت في مسند أبي يعلى بسندٍ حسن: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما تزوج صفية " جعل عتقها صداقها وجعل الوليمة ثلاثة أيام "، والذي يتبين أن مرجع هذا إلى العرف، لكن لا يتبين وجوب إجابة الوليمة في أيامها كلها بل لو أجاب في اليوم الأول فإن ذلك يجزئ لما في ذلك من الحرج من إجابة الوليمة في أيامها كلها، ولأن تطيب خاطر الداعي يحصل في اليوم الأول، فالذي يتبين أنه يجب في اليوم الأول وأما سائر الأيام فيسن ولا يجب.
قال: [يحرم هجره إليها إن عينه]
فيجب إن عينه بالدعوة، وأما إذا كانت الدعوة عامة فسيأتي الكلام عليها، وبشرط أن يكون هذا المسلم ممن يحرم هجره، وأما إذا كان ممن يجب هجره فإن من الهجر عدم إجابة دعوته.
قال: [ولم يكن ثم منكر]
وسيأتي كلام المؤلف على هذا.
قال: [فإن دعاه الجَفلي]
الجَفَلى: هي الدعوة العامة كأن يقول: " يا أيها الناس احضروا ".
قال: [أو في اليوم الثالث أو دعاه ذمي كُرهت الإجابة]
تقدم أن الدعوة في اليوم الثالث لا تصح كراهيتها وكذلك دعوة الجفلى، فلا يثبت دليل يدل على كراهيتها، والقول الثاني في المذهب: أنها مباحة وهذا هو الراجح فلا دليل على كراهيتها، بل لو قيل باستحباب الإجابة لعمومات الأدلة لكان فيه قوة، ولا يقال بالوجوب.
إذا دعاه ذمي فتكره الإجابة قالوا: لأنه مطالب بإذلاله.
وهذا التعليل ضعيف ولا يقوى على الكراهية والراجح إباحة إجابة دعوته، وهو القول الثاني في المسألة، ويدل عليه ما ثبت في غير ما حديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه كان يجيب دعوة اليهود، فالراجح أن دعوة الذمي لا تكره إجابتها.
قال: [ومن صومه واجب دعا وانصرف]
فمن كان صومه واجباً فإنه يدعو لصاحب الوليمة وينصرف، وذلك لما ثبت في مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا دعي أحدكم فليجب فإن كان صائماً فليصل وإن كان مفطراً فليطعم) ، ولا يحل له أن يفطر لما تقدم في كتاب الصيام من أن الصوم الواجب لا يجوز الفطر فيه كصوم رمضان أو صوم النذر.
قال: [والمتنفل يفطر إن جبر]
أي إن جبر خاطر الداعي، فإذا كان في ذلك جبراً لخاطر الداعي فإنه يرجح الفطر، لما ثبت في البيهقي بإسنادٍ حسن عن أبي سعيد الخدري قال: " صنعت للنبي - صلى الله عليه وسلم - طعاماً فجاءوا أصحابه، فلما وضع الطعام قال رجل إني صائم فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (دعاكم أخوكم وتكلف لكم – ثم قال له: – أفطر وصم يوماً مكانه إن شئت) "، ولا تجب إجابة الدعوة في غير العرس كالوكيرة والنقيعة وغير ذلك وإنما يستحب.
والوكيرة: هي دعوة البناء أي بناء البيت.
والنقيعة: هي الطعام للغائب.
وظاهر الأحاديث المتقدمة وجوب إجابتها، لكن يدل على عدم الوجوب ما روى مسلم: " أن فارسياً كان طيب المرق فصنع للنبي - صلى الله عليه وسلم - طعاماً ثم جاء يدعوه فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: (وهذه) أي عائشة فقال: " لا " فقال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا) ثم جاءه يدعوه فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: (وهذه) قال: " لا " فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا) ثم جاءه يدعوه فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: (وهذه) فقال: " نعم " فقاما يتدافعان إلى منزله".، ولا يترك النبي - صلى الله عليه وسلم - الواجب لمثل هذا العذر، فهذا عذر لا يقوى على ترك الواجب، وهذا هو مذهب جمهور أهل العلم وأن إجابة غير وليمة العرس ليس بواجب بل مستحب.
قال: [ولا يجب الأكل]
إذا حضر الوليمة فإنه لا يجب عليه الأكل، وذلك لما ثبت في مسلم من حديث جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب ثم إن شاء فليطعم وإن شاء فليترك) ، فلا يجب الأكل إنما يستحب لما تقدم في حديث أبي سعيد عند البيهقي فقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - الرجل بالفطر.
قال: [وإباحته متوقفة على صريح إذن أو قرينة]
فلا يحل له أن يطعم إلا بإذن لفطر، أو إذن عرفي فالإذن اللفظي كأن يقول كلوا، والإذن العرفي بأن يدعى إلى الطعام سابقاً ثم تقدم بين يديه، وإلا فلا يحل له، وذلك لأنه مال غيره فلا يحل إلا بإذنه، ولا يحل مال امرئٍ مسلم إلا بطيب نفس منه، ولا يملكه بذلك فلوا أنه إذا وضع له الطعام تصدق به أو أخذه فلا يحل له ذلك، وذلك لأنه إنما أباحه له ليطعمه ولم يُمّلِكهُ إياه، فعليه يهلك في ملكية الداعي أي يفنى الطعام في ملكية الداعي فليس له أن يتصدق به إلا إذا أذن له بذلك صاحب الدعوة.
قال: [وإن علم أن ثم منكراً يقدر على تغييره حضر وغيّره وإلا أبى]
إذا علم أن ثم منكراً يقدر على تغييره فإنه يحضر وجوباً، أولاً؛ لوجوب إجابة وليمة العرس، وثانياً؛ لإزالة المنكر.
فإن كان فيه منكر لا يقدر على إزالته كأن يكون فيه سماع محرم كالغناء أو يكون أشياء مرئية محرمة كخلطة النساء فلا يحل ذلك، وفي الترمذي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس من مأدُبةٍ يدار فيها الخمر) ، وهو ثابت في المسند والحديث صحيح، وفي سنن البيهقي بإسنادٍ صحيح: أن أبا مسعود الأنصاري صنع له طعام فدعي إليه فقال: " أفي البيت صور " فقيل له: " نعم " فأبى أن يدخل حتى نزعت الصور ثم دخل.
قال: [وإن حضر ثم علم به أزاله]
فالمسألة الأولى قبل الحضور وهنا بعد الحضور، فلما حضر وأجاب الدعوة علم أن ثم منكراً فيجب عليه أن يزيله.
قال: [فإن دام لعجزه انصرف]
فإن دام المنكر لعجزه فهو غير قادر على إزالته، وإن كان أنكر بلسانه أو أنكر بقلبه لكنه لم يقدر على إزالة المنكر فإنه ينصرف، لئلا يكون مقراً للمنكر أولاً، ولئلا يكون هذا طريقاً لرؤيته للمنكر أو لسماعه له فلا يجوز أن يجلس وثمَّ منكر فإن قدر على إزالته جلس، وإلا فإنه يجب عليه أن ينصرف.
قال: [وإن علم به ولم يره ولم يسمعه خُيِّر]
إذا علم أن ثم منكراً لكنه لا يراه ولا يسمعه، كأن يكون في مجلس وفي مجلس آخر منكرات سوى المجلس الذي هو فيه، فإنه يُخير بين الجلوس وبين الإنصراف فإن شاء انصرف لوجود هذا المنكر الذي علم به، وإن شاء جلس، ولم يذكر المؤلف موقفه من هذا المنكر، وظاهر كلامه أنه لا يجب عليه إنكاره، والصحيح أنه يجب عليه الإنكار لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (من رأى منكم منكراً …) ، وهنا العلم يقوم مقام الرؤية فقد علم بالمنكر وتحقق منه فيجب عليه أن ينكره، وأما ما ذكر المؤلف من كونه بالخيار بين الجلوس والانصراف فهو ظاهر، وذلك لأنه لا يعد مقراً للمنكر ولا يتطرق المنكر -إن كان مسموعاً- إلى سمعه، -وإن كان مرئياً -إلى بصره لكونه في موضع آخر.
قال: [وكره النِّثارُ والتقاطُه]
النثار: هو أن يطرح طعام أو نحوه أي يرفع الطعام ثم يرمي في الهواء حتى يتساقط فهذا يكره فعله ويكره التقاطه، لما في ذلك من امتهان الطعام، ولما فيه من الدناءة.
قال: [ومن أخذه أو وقع في حجره فله]
من أخذه أو وقع في حجره فإنه يكون له، وذلك لأنه حازه بذلك وقد جعله مالكه لمن حازه.
قال: [ويسن إعلان النكاح]
تقدم الكلام على هذا ودليله.
قال: [والدف فيه للنساء]
وتقدم الكلام على هذه المسألة، وتقدم أن هذا هو اختيار الموفق، وظاهر كلام أصحاب الإمام أحمد التسوية بين الرجال والنساء.
الدرس السابع والثلاثون بعد الثلاثمائة
باب عشرة النساء
العشرة: في اللغة الاجتماع.
وفي الاصطلاح: ما يكون بين الزوجين من ألفةٍ وحسن صحبة.
قال تعالى: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ وقال ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف﴾ .
قال: [يلزم الزوجين العشرة بالمعروف]
للآيتين المتقدمتين.
قال: [ويحرم مطل كل واحدٍ بما يلزمه للآخر والتكره لبذله]
المطل هو: دفع الحق، فيحرم مطل كل واحدٍ منهما بما يلزمه للآخر، والتكره لبذله من نفقة أو خدمة أو وطء أو غير ذلك لقوله تعالى: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ ولقوله: ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف﴾ ، ولا شك أن مطل الحق والتكره في بذله ليس من المعاشرة بالمعروف.
قال: [وإذا تم العقد لزم تسليم الحرة التي يوطأ مثلها في بيت الزوج إن طلبه]
قياساً على البيع وهذا من باب تسليم المعوض، فيمكن الزوج منافع بضعها والاستمتاع بها، كما يمكن المشتري من السلعة التي قد وقع عليها، وذلك إن طلب لأنه حقه، فلا يجب تسليم الحرة إلا بطلبه لأنه حقه.
قال: [ولم تشترط دارها أو بلدها]
فإن اشترطت أن يكون التسليم في دارها أو بلدها فإنها لا تسلم إليه في بيته، بل تسلم إليه في دارها وفي بلدها، وذلك للأدلة المتقدمة في وجوب الوفاء بالشرط، فهذا شرط يجب الوفاء به.
قال: [وإذا استمهل أحدهما أمهل العادة وجوباً]
إذا طلب الزوج تسليم الزوجة فاستُمهل فيجب عليه أن يجيبهم إلى ذلك بما جرت العادة بمثله من يوم أو يومين أو ثلاثة أو غير ذلك مما جرت العادة بمثله، يدل على هذا قوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا تطرقوا النساء ليلاً، حتى تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة) ، أي التي غاب زوجها، فهنا النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بإمهال المرأة حتى تمتشط إن كانت شعثة وحتى تستحد - وهذا مع ثبوت المصاحبة - فإنها قد صاحبها فأولى من ذلك من لم يصاحبها، أي إذا ثبت هذا الإمهال للزوجة التي قد سبق صحبتها فأولى من ذلك المرأة التي لم يسبق صحبتها فإن حاجتها إلى الاستعداد له والتهيؤ أقوى.
قال: [لا لعمل جهازٍ]
جهاز بفتح الجيم، ويصح بكسرها وهو: ما تجهز به المرأة إلى بيت الزوج، فإذا استمهلوا للجهاز فلا يجب عليه القبول، وذلك لعدم الضرورة، فليس من باب تهيئة المرأة واستعدادها لزوجها بل هو أمر خارج عن ذلك، وموجِب العقد من التقابض مردود إلى العرف.
قال: [ويجب تسليم الأمة ليلاً فقط]
لأن الأمة مملوكة لسيدها الذي قد زوجها، فزمن الاستمتاع بها من الزوج بالليل، ولسيدها أن يستخدمها بالنهار فهو زمن الاستخدام، فزمن خدمتها لسيدها بالنهار فلا يجب عليهم أن يسلموها له إن طلبها نهاراً، وأما في الليل فهو زمن الاستمتاع بها.
قال: [ويباشرها ما لم يُضر]
يباشر المرأة ما لم يضر بها لحديث: (لا ضرر ولا ضرار)
قال: [أو يشغلها عن فرض واجب]
كصلاة واجبة أو صيام واجب، قال تعالى: ﴿نسائكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم﴾ ، فيستمتع بها في قبلها من دبرها، وفي قبلها من قبلها، ويستمتع بها بما دون ذلك وليس لها أن تمنعه.
قال: [وله السفر بالحرة]
دون الأمة؛ لأن الأمة لا بد من أن يأذن لها السيد، فهي ملك للسيد وله الخدمة منها وأما الحرة فله أن يسافر بها بشرط الأمن عليها أي ألا يعرضها في سفره لخطر.
قال: [ما لم تشترط ضده]
فإذا شرطت ألا يسافر بها عن بلدها فلها ذلك لأن المسلمين على شروطهم.
قال: [ويحرم وطؤها في الحيض]
لقوله تعالى: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ ، وهذا بإجماع العلماء.
قال: [والدبر]
فجماعها في الدبر محرم، وهذا باتفاق السلف واتفاق أهل العلم، والأحاديث في النهي عن ذلك كثيرة، فعند الخمسة بإسناد صحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من أتى حائضاً أو امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد) ، وروى الترمذي والحديث حسن أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا تأتوا النساء في أعجازهن فإن الله لا يستحيي من الحق) ، وفي المسند بإسناد حسن أن النبي - صلى الله عليه وسلم -قال: (هي اللوطية الصغرى) ، فجماع المرأة في دبرها أي إيلاجاً من دبرها محرم وهو من كبائر الذنوب، ولا يصح حكاية جواز هذا عن أحدٍ من السلف، ومن حكى ذلك عن بعض السلف فقد غلط في ذلك، ومنشأ الغلط عدم التفريق بين لفظة (من) و (في) فللرجل أن يأتي امرأته في قبلها من دبرها، أي من خلفها وأما أن يأتيها في دبرها فإن هذا محرم، وقد أخطأ من فهم عن بعض أهل العلم من السلف إباحة ذلك، ولو تطاوع الزوجان على ذلك فرق بينهما وقياسه الوطء في الحيض.
والعزل مكروه وجائز، أي جائز ليس محرم لكنه مكروه ودليل عدم تحريمه ما ثبت في الصحيحين عن جابر قال: (كنا نعزل والقرآن ينزل ولو كان شيئاً ينهى عنه لنهى عنه القرآن) ، وفي مسلم (فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم ينه عنه) ، وكراهيته لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (ذلك الوأد الخفي) ، ويشترط استئذان الزوجة في العزل لأن لها حقاً في الولد، ولأن في ذلك كمال استمتاعها، وقد أجمع على هذا أهل العلم، وفي المسند بإسناد ضعيف - فيه ابن لهيعة - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا يعزل عن الحرة) ، أي إلا بإذنها، والحديث ضعيف لكن أجمع أهل العلم عليه، فإن كانت أمة فقولان:
القول الأول: وهو المشهور في المذهب أنه لا يجوز أيضاً لحق السيد في الولد، ولأنها زوجة فأشبهت الحرة.
القول الثاني: وهو مذهب الشافعية وهو احتمال في المذهب: أنه يجوز، وذلك لما فيه من الضرر عليه باسترقاق ولده لأن أولاده يكونون رقيقاً لسيد أمهم.
وهذا القول أظهر، فإن فيه استرقاقاً للولد وهو ضرر بالغ لا يعدل له هذا الحق الذي يضيع على السيد أو على الأمة بتحصيل الولد، فالراجح أنه يجوز له أن يعزل بلا إذن الأمة.
قال: [وله إجبارها على غسل حيض ونجاسة]
واجتناب المحرمات، وهذا لما فيه من المنكر فيجب عليه أن ينكر وهذا واجب عليها، وهو راعٍ ومسؤول عن رعيته.
قال: [وأخذ ما تعافه النفس من شعرٍ وغيره]
من ظفر ونحو ذلك لما فيه من كمال الاستمتاع.
قال: [ولا تجبر الذمية على غسل الجنابة]
وهذا أحد القولين في المذهب، والقول الثاني: أنها تجبر، والصحيح أنها لا تجبر لأن هذا لا يضر بالوطء.
مسألة:
هل تجبر المرأة على خدمة زوجها أم لا؟
قولان لأهل العلم:
فاتفقت المذاهب الأربعة على أنها لا تجبر، قالوا: لأن العقد مقتضاه الوطء والاستمتاع بها، وأما أن تكون خادمة له فليس هذا من مقتضى العقد.
وقال بعض أهل العلم، وهو مذهب طائفة من السلف والخلف، وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم: أن ذلك واجب عليها بالمعروف، فيجب على مثلها أي قوةً في بدنها وشرفاً في نسبها ومالها، ما يجب لمثله، وهذا هو الراجح لقوله تعالى: ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف﴾ ، فعليهن واجبات قد أوجبها العرف والعادة فما جرت العادة به فهو واجب، وهذا كان عرف نساء الصحابة كما في قصة فاطمة في الصحيح، وكما في قصة أسماء في مسند الإمام أحمد وغيره، وهذا القول الراجح حيث جرت العادة بذلك، فإن لم تجر العادة فلا يجب، فيلزمها ما يجب على مثلها لمثله، فإن كانت سيدة وهو وضيع فليس كما لو كانت هي وضيعة وهو سيد، وإذا كانت شريفة في قومها فليست كما لو كانت وضيعة، ويجب على صاحبة البلد الحاضرة ما لا يجب على من تعيش في البادية، فهذه أمور تختلف - وكما قرر شيخ الإسلام - بإختلاف الأعراف واختلاف العادات وباختلاف النساء.
فصل
قال: [ويلزمه أن يبيت عند الحرة ليلة من أربع]
يجب عليه أن يبيت عند الزوجة الحرة ليلة من أربع ليالٍ هذا هو المشهور في المذهب، واستدلوا بما روى أبوبكر بن أبي شيبة وغيره – والأثر صحيح – في قصة المرأة التي ذكرت عند عمر تعبُّدَ زوجها فلم يفطن لمرادها وظن أنها تثني عليه خيراً، ففطن لذلك كعب بن سور- رحمه الله - وبين ذلك لعمر، فأمره عمر أن يقضي فيها، فقضى أن يكون لها ليلة من أربع ليالٍ، وذلك كما لو كانت رابعة له، قالوا قد اشتهر هذا الأثر ولا يعلم لعمر مخالف، وقال الجمهور: بل لا يجب لأن القسم لحقه، فإذا لم يبت عندها فقد أسقط حقه، وهذا ضعيف لأن للمرأة حقاً في ذلك، وليس صحيحاً أن القسم لحقه فحسب بل هو لحقيهما ولذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله وقد وعظه: (ولزوجك عليك حق) متفق عليه، واختار شيخ الإسلام أنه يكون بحسب الحاجة كالوطء وما ورد في قصة كعب تقدير شخص لا يراعى، كما لو فرض النفقة وكونه يجب حال الاجتماع ولا يلزم أن يجب حال الانفراد وهو أصح.
قال: [وينفرد إذا أراد في الباقي]
فإذا أراد في الليالي الباقية أن ينفرد فذلك جائز له.
قال: [ويلزمه الوطء إن قدر كل ثلث سنة مرة]
فيلزمه الوطء كل أربعة أشهر مرة وذلك لقوله تعالى: ﴿للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر، فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم، وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم﴾ ، واختار شيخ الإسلام: أنه يجب عليه الوطء بقدر كفايتها ما لم يضر هذا ببدنه أو معاشه وهذا اختيار الشيخ عبد الرحمن السعدي، وهذا هو الراجح لأن هذا هو المعروف ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ وأما الآية فليس فيها أنه يجوز له هذا التأخر وإن كان مضراً بها، بل فيه أنه إذا حلف هذا اليمين فإنه يتربص هذه الأشهر.
قال: [وإن سافر فوق نصفها، وطلبت قدومه وقدر لزمه]
…أي فوق نصف السنة أي فوق الستة أشهر، وكان السفر غير واجب، فليس سفر حجٍ واجب ولا غزو واجب ولم يكن مما يحتاج إليه في معاشه، فإذا طلبت قدومه وقدر لزمه ذلك، وذلك لما روى البيهقي أن عمر رضي الله عنه: " وقت للغزاة ستة أشهر " في قصة سماعه أبيات الشعر التي ذكرتها المرأة، فاستشار حفصة فيما تصبر المرأة عن زوجها فذكرت له أنها تصبر خمسة أشهر أو ستة أشهر، فوقت للغزاة ستة أشهر، قالوا فإذا طلبت قدومه وقدر لزمه.
قال: [فإن أبى أحدهما فُرق بينهما بطلبها]
فإذا أبى الزوج الوطء في المسألة الأولى، وأبى القدوم من السفر في المسألة الثانية، فإنه يفرق بينهما بطلبها أي لها حق الفسخ، وقال أكثر أهل العلم، وهو رواية عن الإمام أحمد، وهو ظاهر كلام الأصحاب كما قال ذلك الموفق: " أنه لا يفرق بينهما"، والصحيح في مثل هذه المسألة ما قرره شيخ الإسلام وهو: أن المرأة إذا حصل عليها الضرر بترك الوطء فإن ذلك مقتضٍ للفسخ بكل حالٍ، سواء كان مع عجز الزوج أو قدرته سواء مع عذره أو مع عدم العذر، وذلك حق الفسخ لدفع الضرر، فإذا لم يطئها أو كان في سفره تركٌ للوطء، فلها الفسخ سواء كان الزوج معذوراً أو لم يكن معذوراً، عاجزاً عن الوطء أو لم يكن عاجزاً عنه.
قال: [وتسن التسمية عند الوطء وقول الوارد]
لما ثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد لم يضره الشيطان أبداً)
قال: [ويكره كثرة الكلام]
أي يكره له كثرة الكلام عند الجماع، قالوا لما ورد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا تكثروا الكلام عند المجامعة فإن منه الخرس والفأفأة) ، لكن الحديث لا يصح وعليه فيجوز ذلك.
قال: [والنزع قبل فراغها]
أي يكره النزع من الجماع قبل أن تفرغ المرأة من حاجتها، وفي أبي يعلى بإسناد ضعيف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا جامع الرجل امرأته فقضى حاجته قبل أن تقضي حاجتها فلا ينزع حتى تقضيِ حاجتها) ، والحديث إسناده ضعيف، لكنه مستحب لتحصيل المرأة على كمال استمتاعها.
قال: [والوطء بمرأى أحدٍ والتحدث به]
فيكره الوطء بمرأى أحدٍ، والتحدث بالجماع، لكن الكراهية غير كافية بل هو محرم بل هو من كبائر الذنوب لقوله - صلى الله عليه وسلم - في مسلم: (إن من شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى المرأة وتفضي إليه ثم ينشر سرها) ، وأعظم من ذلك أن يجامع بحيث يُرى، وهذا القول الثاني في المذهب وهو الراجح وأن ذلك محرم.
قال: [ويحرم جمع الزوجتين في مسكن واحد بغير رضاهما]
لما في ذلك من الضرر بسبب ما يكون بين النساء من الغيرة، فبسبب ذلك لا يجوز له أن يجمع بينهما إلا بالرضا وليس هذا من المعروف، والواجب المعاشرة بالمعروف.
قال: [وله منعها من الخروج من منزله]
اتفاقاً، وفي مسند أحمد وصحيح ابن حبان بإسنادٍ صحيح: " أن معاذ بن جبل سجد للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: (ما هذا يا معاذ) فقال: أتيت الشام فوجدتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم فوقع في نفسي أني إذا أتيت أن أفعل ذلك لك، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (فلا تفعل، ولو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، والذي نفس محمدٍ بيده لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها ولو سألها على قتب لم تمنعه) "، فهذا فيه وجوب طاعة الزوج، ولذا اتفق أهل العلم على أنها لا تخرج إلا بإذنه، وأن له أن يمنعها من الخروج وهذا حيث لا ضرر، أما إذا تضررت بذلك فليس له أن يمنعها لحديث: (لا ضرر ولا ضرار) .
قال: [ويستحب إذنه أن تمرض محرمها]
يستحب له أن يأذن في أن تمرض المرأة محرمها كعمها أو خالها، وكذلك تعوده، وقالوا: لما فيه من صلة الرحم، ولأن المنع قد يحملها على مخالفة أمره، وقال ابن عقيل من الحنابلة: يجب عليه أن يأذن لها لأجل العيادة، أي عيادة والديها أو أحد من محارمها / والذي يترجح أن هذا راجع إلى العرف والطاعة بالمعروف، فإن كان من العرف كزيارة والديها أو زيارة بعض أقاربها ونحو ذلك فإنه ليس من المعروف أن يمنعها وإنما الطاعة بالمعروف، ولذا فالمذهب؛ أنه له أن يمنعها من زيارة والديها وليس له أن يمنعها من زيارتهم لها، والصحيح؛ أنه ليس له أن يمنع من ذلك إذا كانت الزيارة بالمعروف أي بما جرى العرف به مما ليس فيه إسراف بالزيارة، لما يثبت معه الصلة وينتفي العقوق، ولا تضيع المرأة معه بيتها ولا حق زوجها.
قال: [وتشهد جنازته]
قال: [وله منعها من إجارة نفسها]
لما فيه من تفويت حقه، فليس لها أن تؤجر نفسها إلا بإذنه، ومن ذلك الأعمال التي تقوم بها المرأة خارج بيتها فيشترط فيها إذن الزوج أو أن تشترط المرأة ذلك في العقد وإلا فله أن يمنعها.
قال: [ومن إرضاع ولها من غيره]
له أن يمنعها أن ترضع ولدها من غيره، لأنه يفوت عليه كمال الإستمتاع بها وهو حق له.
قال: [إلا لضرورته]
فإذا خشي على الولد الهلاك فليس له أن يمنع، وأما لو كان ولدها منه فليس له أن يمنعها من إرضاعه لأن هذا حق لها، فالمرأة إذا كانت بها عصمة زوجها فمن حقوقها إرضاع ولدها، بخلاف ما إذا كانت مفارقة له.
الدرس الثامن والثلاثون بعد الثلاثمائة فصل قال: [وعليه أن يساوي بين زوجاته في القسم لا في الوطء]
هذا فصل في القسم بين النساء، فيجب عليه أن يساوي بين زوجاته في القسم لقوله تعالى: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ ، ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما روى الخمسة بإسنادٍ صحيح: (من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل) فهذا يدل على أنه من كبائر الذنوب، واتفق أهل العلم على أن القسم لا يجب في الحب والجماع لقوله تعالى: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم﴾ ، وروى البيهقي عن ابن عباس وعبيدة السلماني في قوله تعالى: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم﴾ ، قالا: في الحب والجماع.
وفي الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قيل له: من أحب الناس إليك؟ فقال: (عائشة) ومن الرجال؟ قال: (أبوها) ، فالعدل في الحب والوطء غير واجب، نعم يجب عليه أن يطأ امرأته بالمعروف، لكن لا يجب عليه العدل بين النساء في الوطء، كما أنه لا يجب عليه العدل بينهم في الحب.
هل يجب عليه أن يعدل بينهم في النفقة والسكن والكسوة؟
قال الحنابلة: لا يجب ذلك، قياساً على الوطء لما فيه من الحرج، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية، واختاره من المتأخرين الشيخ محمد عبد الوهاب وعبد الرحمن بن سعدي: أن ذلك واجب لأنه عدل مقدور عليه، ففارق بين الحب والوطء فإنه عدل غير مقدور عليه لأن الوطء تبع للرغبة والرغبة قلبية والحب إلى القلب فليس بوسع المكلف أن يعدل بين النساء في ذلك.
وأما النفقة والسكن والكسوة فإن العدل مقدور عليه، وهو داخل في المعاشرة بالمعروف، فليس من المعاشرة بالمعروف أن ينفق عليها دون ما ينفقه على بقية زوجاته ولا أن يكسوها دونهن وهو قادر على العدل، نعم قد يقال بما ذهب إليه الحنابلة في النفقات الطارئة التي تحتاج إليها إحداهن فيتوجه القول بعدم وجوب العدل، لما في ذلك من المشقة والحرج، فإذا احتاجت إحداهن إلى شيء لا تحتاج إليه غيرها فلا يقال بوجوب العدل حينئذٍ بل يعطى صاحبة الحاجة لأنها مميزة لحاجتها.
قال: [وعماده الليل لمن معاشه النهار]
عماد القسم عند النساء الليل، لأنه وقت السكن قال تعالى: ﴿هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه﴾ ، والنهار تبع له، هذا لمن معاشه أي عمله بالنهار وأما من كان عمله بالليل كبعض الجند أو غيرهم فقال المؤلف هنا:
[والعكس بالعكس]
لأنه هو وقت سكنه.
مسألة:
الدخول على الضرة في ليلة ضرتها ليلاً لا يجوز إلا عند الضرورة وفي النهار يجوز عند الحاجة، كمرض يصيبها فتحتاج إليه، وأما في النهار فيجوز أن يدخل على الضرة عند الحاجة كأن يكون قادماً من سفر أو تكون مريضة فيعودها.
فإذا دخل عند الضرة ليلاً فهل يجب أن يقضي لمن كانت ليلتها؟
إن كان دخوله لضرورة فلا كما تقدم، وإن كان لغير ضرورة فعليه أن يقضي إن كان مكثه كثيراً عرفاً، أما إذا كان يسيراً عرفاً فإنه لا يقضي لأنه لا فائدة من القضاء، فإن جامعها فأصح الوجهين في مذهب الإمام أحمد أنه لا يقضي ما دام الوقت يسيراً عرفاً، وذلك لأن الوطء لا يجب القسم فيه ولا يجب العدل فيه وحينئذٍ فلا يتغير الحكم.
قال: [ويقسم لحائضٍ ونفساء ومريضةٍ ومعيبةٍ ومجنونةٍ مأمونةٍ وغيرها]
لأنهن زوجات فيدخلن في العموم، ولأن القسم يراد به السكن، وذكر الشيخ حسين ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن العرف عندهم أي في نجد في زمنه أن النفساء لا تطلب القسم، فيما يظهر هكذا عندنا وإن هذا العرف يأخذ في بلاد نجد من ذلك الوقت، وعليه فلا يقسم للنفساء لأن المعاشرة تجب بالمعروف، وهنا العرف قد دل على أن القسم لا يجب للنفساء، وهذا هو الأظهر خلافاً للمشهور في المذهب لأن العرف جاء بذلك.
قال: [وسافرت بلا إذنه أو بإذنه في حاجتها أو أبت السفر معه أو المبيت عنده في فراشه فلا قسم لها ولا نفقة]
هنا مسائل لا تجب فيها للمرأة النفقة والقسم:
المسألة الأولى: إن سافرت بلا إذنه.
المسألة الثانية: إن أبت السفر معه.
المسألة الثالثة: إن أبت المبيت عنده.
فهنا لا يجب لهن القسم ولا النفقة وذلك لأنهن ناشزات والناشزة لا قسم لها ولا نفقة فهي عاصية لزوجها والعاصية لا تجب لها النفقة ولا القسم.
المسألة الرابعة: وهي فيما إذا سافرت بإذنه في حاجة، فالمذهب كما ذكر المؤلف أنه لا قسم لها ولا نفقة، وذلك كأن تسافر المرأة للعلاج أو لزيارة الأقارب وأذن لها الزوج فلا يجب لها القسم ولا النفقة، أما القسم فظاهر وذلك لأنها مسافرة وهو مقيم، ولا يقضي لها لأن العذر جاء من جهتها، ثم إنه إذا سافر هو فلا يجب أن يقضي فأولى من ذلك ألا يقضي لها إذا سافرت.
وأما النفقة فالقول الثاني في المسألة وهو اختيار ابن عقيل من الحنابلة وذكره الموفق احتمالاً: أن النفقة واجبة وهذا هو الظاهر، لأن النفقة ثابتة لها فلا تسقط إلا بدليل يدل على إسقاطها، وهنا لا دليل يدل على ذلك، وليست بناشزة فتسقط النفقة عليها بل إنها قد استأذنته فأذن لها، إلا أن يكون قد شرط عليها ألا ينفق عليها وأما إن لم يشرط ذلك فإن النفقة واجبة.
قال: [ومن وهبت قسمها لضرتها بإذنه أوله فجعله لأخرى جاز]
إذا وهبت قسمها لضرتها بإذنه أي بإذن الزوج، فيشترط أن يأذن الزوج بذلك لأنه حق له فاشترط إذنه، أو وهبت قسمها له، كأن يكون له ثلاث نسوة فقالت إحداهن: لك ليلتي فجعله لأخرى من نسائه جاز، لما ثبت في الصحيحين: " أن سودة بنت زمعة وهبت لعائشة يومها فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقسم لعائشة يومها ويوم سودة "، فالهبة جائزة لأن هذا حق للمرأة وحق للرجل، فقد رضى الرجل بإسقاط حقه، والمرأة الواهبة رضيت بهبته وإسقاط حقها، وحينئذٍ فإن وهبته لفلانة جاز ذلك بإذنه وإن وهبته له فإنه يهبه لمن يشاء من نسائه.
وهل للمرأة أخذ العوض على الهبة؟
المذهب أنه لا يجوز، واختار شيخ الإسلام وذكر أنه المذهب: أن ذلك جائز، وهو الراجح، لأنه أخذ عوض على حق فأشبه سائر الحقوق، فإذا أخذت عوضاً من زوجها أو من الموهوب لها فذلك جائز لأنه حق لها.
قال: [فإن رجعت قسم لها مستقبلاً]
إذا رجعت بعد ذلك فإنه يقسم لها في المستقبل لأنها هبة لم تنقض فالليالي السابقة قد قبضت فلا يقضى لها وأما الليالي المقبلة فإنها لم تقبض فلها الرجوع.
قال: [ولا قسم لإمائه وأمهات أولاده بل يطأُ من شاء متى شاء]
فلا قسم لهن، وذلك لقوله تعالى: ﴿فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم﴾ ، فدل على أن ملك اليمين لا يجب لهن العدل، أي إن خفتم ألا تعدلوا بين النساء فأنكحوا واحدة أو ما ملكت أيمانكم.
قال: [وإن تزوج بكراً أقام عندها سبعاً ثم دار وثيباً ثلاثة]
إذا تزوج بكراً على زوجة سابقة فإنه يمكث عندها سبعاً ثم يقسم بين نساءه بعد ذلك، وإن كانت ثيباً فإنه يمكث عندها ثلاث ليالٍ وما يتبعهن من النهار، ثم بعد ذلك يقسم بينهن، لما ثبت في الصحيحين عن أنس قال: " من السنة إذا تزوج الرجل البكر على الثيب أقام عندها سبعاً ثم قسم، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثاً ثم قسم ".
قال: [وإن أحبت سبعاً فعل وقضى مثلهن للبواقي]
ودليل ذلك ما ثبت في مسلم عن أم سلمة: " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما تزوجها أقام عندها ثلاثاً ثم قال: (إنه ليس بك على أهلك – أي على نفسه - صلى الله عليه وسلم - - هوانٌ إن شئتِ سبّعت لك وإن سبّعت لك سبّعت لنسائي) ".
هل له أن يسافر بإحدى نسائه؟
الجواب: أنه ليس له ذلك إلا برضا الباقيات، فإن لم ترض الباقيات فإنه يسهم بينهن، أي يضع بينهن القرعة، يدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: " كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها "، وظاهر الحديث وهو مذهب الجمهور: أنه لا يقضي للباقيات فإن عائشة لم تذكر قضاءً.
فإن سافر بإحداهن بلا قرعة ولا رضا فهل يجب القضاء أم لا؟
قولان لأهل العلم: أظهرهما وهو مذهب الحنابلة والشافعية؛ وجوب القضاء وذلك لأنه قد سافر بها بلا حقٍ وميزها عن بقية النساء بلا حق فكان لهن القضاء.
قال الموفق: وعليه فينبغي أن لا يلزم قضاء المدة، وإنما يقضي منها ما أقام منها معها أما زمان المسير فلم يحصل به المشقة.
فصل
قال: [النشوز معصيتها إياه فيما يجب عليها]
النشوز: من النَشْزِ، بتسكين السين وفتحها؛ وهو المكان المرتفع.
وسمي خروج المرأة عن طاعة زوجها نشوزاً لأن هذا تكبر منها وتعالٍ على أمر زوجها، كما أن الرجل إذا خرج عما يجب عليه من العدل وغير ذلك من واجبات المرأة التي أمره الله بها وجفا المرأة وأبغضها فإن ذلك نشوزا منه، فالنشوز يكون من الزوجين، أما الزوجة فلقوله تعالى: ﴿واللآتي تخافون نشوزهن فعظوهن﴾ ، وأما الزوج فقوله تعالى: ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً﴾ .
قال: [فإذا ظهر منها أماراته بأن لا تجيبه إلى الإستمتاع أو تجيبه متبرمةً أو متكرهةً وعظها]
متبرمةً: أي متثاقلةً.
فإذا ظهرت من المرأة أمارات النشوز فإنه يعظها أي يذكرها بما يجب له من الحق، وما عليها من الإثم في مخالفة ذلك، وقد تقدم قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (والذي نفس محمدٍ بيده لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها) ، والدليل على أنه يعظها قوله تعالى: ﴿وللآتي تخافون نشوزهن فعظوهن﴾ .
قال: [فإن أصرت هجرها في المضجع ما شاء]
قال تعالى: ﴿واهجروهن في المضاجع﴾ ، فيهجرها في المضجع فلا يجامعها ويهجرها في المضجع ما شاء من الأيام والليالي.
قال: [وفي الكلام ثلاثة أيامٍ]
ففي الكلام ليس له أن يهجرها أكثر من ثلاثة أيام لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصحيحين: (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث) ، ولم أرَ من الحنابلة أو ممن ذكر هذه المسألة، من تعرض لذكر خلاف في هذه المسألة، وفيما ذكر نظر، وذلك لأن الهجر لمعصية، والهجر لمعصية لا يقدر بثلاثة أيامٍ، بل تهجر بما يكون فيه مصلحة، فلا يقدر هذا بثلاثة أيام.
قال: [فإن أصرت ضربها غير مبرح]
أي ضرباً غير شديد، قال تعالى: ﴿واضربوهن﴾ ، وفي صحيح مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكن أحداً تكرهونه - أي أحدٍ من النساء أو الرجال الذين تكرهونهم وليس المقصود بذلك الفاحشة - فإن فعلت فاضربوهن ضرباً غير مبرح) ، فيعظها ثم يهجرها ثم يضربها، هذه على الترتيب والآية لا تفيد ترتيباً فإن الله عطف بين هذه الثلاث بالواو وهي لا تفيد الترتيب، لكن اتفق أهل العلم على الترتيب، قال ابن الوزير: " اتفق أهل العلم على أن له ضربها إذا نشزت بعد أن يعظها ويهجرها في المضجع "، والمعنى يدل على ذلك فإنه من البدء بالأسهل فالأسهل.
فإن حصلت المشاقة بينهما ولم يستطيعا أن يتفقا فلم تستقم المرأة لزوجها أو لم يستقم الزوج لزوجته وتمادى الشر بينهما، فإن الحاكم يبعث حكمين من أهلهما، حكماً من أهل المرأة وحكماً من أهل الرجل كما قال تعالى: ﴿فإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما﴾ ، وهنا ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: هل يشترط أن يكون الحكم من أهلها ومن أهله؟
المشهور في المذهب أن ذلك لا يشترط.
واختار شيخ الإسلام اشتراط ذلك وهو ظاهر الآية الكريمة، والمعنى يدل على ذلك فإن الحكم من أهلها يطلع على باطن الأمر ويعرف من أحوالهما ما يهتدى به إلى الإصلاح بينهما ومعرفة هل الأنسب أن يفرق بينهما أم أن يجمع بينهما، فالأرجح أن هذا شرط.
المسألة الثانية: هل هما حَكَمان أم وكيلان؟
هل حكمان أي يحكمان بما شاءا مما رأيا فيه مصلحة من تفريق أو جمع أم هما وكيلان عن الزوجين فليس لهما أن يفرقا إلا بإذن من الزوجين؟
المشهور في المذهب أنهما وكيلان، فالحكم الأول وكيل عن المرأة، والحكم الثاني وكيل عن الرجل، وليس لهما أن يفرقا بينهما سواء كان بعوض أو بغير عوض إلا بإذن الزوجين.
وذهب المالكية إلى أنهما حكمان، وهو رواية عن الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام، وهو القول الراجح وهو ظاهر الآية الكريمة، فإن الله سماه حكماً، ولم يسمه وكيلاً، ثم إن الله أمر الإمام بذلك فقال: (فابعثوا - أيها الحكام - حكماً من أهله وحكماً من أهلها) ، والتوكيل لا يحتاج إلى أمر من الإمام بل هو ابتداءً منهما.
المسألة الثالثة: أنه يشترط في الحكمين العدالة والإسلام والذكورية.
هل يشترط في الحكمين الحرية والفقه أم لا؟
المشهور في المذهب: أنه يشترط أن يكونا حريين، والقول الثاني في المسألة: لا يشترط، وهو الراجح لإطلاق الآية الكريمة، ولا مانع من أن يكون الرقيق حكماً، وأما اشتراط الفقه وعدمه، فهو ينبني على المسألة المتقدمة وهي هل هي وكالة أم حكم، فإن كانت حكماً فيشترط فيه أن يكون فقيهاً أي فقيهاً في مثل هذه المسائل، وإن قلنا هي وكالة فلا يشترط أن يكون فقيهاً، والأول هو الظاهر بناءً على المسألة المتقدمة وأنهما حكمان، فعليه يشترط أن يكونا، مسلمين، مكلفين، عدلين، ذكريين، ولا يشترط أن يكونا حريين، ويشترط أن يكونا فقيهين في هذه المسائل.
مسألة:
هل يجوز أن يكون الهجر في خارج البيت؟
ثبت في المسند وسنن أبي داود والنسائي وغيرهم من حديث معاوية بن حيده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل فقيل له: ما حق زوجة أحدنا عليه فقال: (أن تطعمها إذا أكلت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت) والحديث حسن، فهذا فيه ألا يهجر إلا في البيت والله قيده في القرآن بقوله: ﴿واهجروهن في المضاجع﴾ ، وثبت في البخاري أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: آلى من نسائه شهراً فأقام في مشربه – أي غرفه – تسعة وعشرين يوماً فقيل له: آليت شهرا، ً فقال: (الشهر تسع وعشرون) ، فهنا النبي - صلى الله عليه وسلم - هجرهن في غير البيوت، وبوب عليه البخاري، والجمع بينهما أنه ينظر إلى الأصلح، فإن كان الأصلح هجرها في البيت هجرها فيه وهو الأولى، وإن كان الأصلح هجرها في خارج البيت هجرها في خارجه.
الدرس التاسع والثلاثون بعد الثلاثمائة
باب الخلع
الخلع لغةً: مصدر خلع، وخلع المرأة خلعاً.
وذلك أن المرأة لباس للرجل، والرجل لباس المرأة كما قال تعالى: ﴿هن لباس لكم وأنتم لباس لهن﴾ ، فإذا افتدت المرأة نفسها من زوجها على عوض تبذله له فهذا خلع لأنها قد خلعت زوجها وزوجها لباس لها.
وإصطلاحاً: فراق الرجل امرأته على عوض تبذله له، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ ، لا جناح على المرأة في فراق الرجل، ولا جناح على الرجل في فراقها على هذا العوض.
قال: [من صح تبرعه من زوجةٍ وأجنبي صح بذله لعوضه]
من صح تبرعه وهو الحر الرشيد غير المحجور عليه لحظ نفسه، فإنه يصح بذله لعوض الخلع، سواء كان الباذل للعوض الزوجة أو أجنبي كولي المرأة أو غيره، فلا يصح بذل العوض إلا لمن يصح تبرعه لأن العوض تبرع فلا يصح إلا ممن يصح تبرعه، أما المحجور عليه لحظ غيره، فإن بذله للعوض صحيح، وذلك لأن ذمته سالمة ويصح له أن يتصرف فيها.
فالقاعدة: أن من صح تبرعه صح بذله للعوض.
وعليه فإذا كانت الزوجة لا يصح تبرعها كأن تكون أمةً أو صبية صغيرة أو سفيهة فلا يصح بذلها للعوض لأن تصرفها غير صحيح، وكذلك إذا كان الأجنبي الباذل للعوض الذي يريد خلع هذه المرأة من زوجها إذا كان صبياً أو سفيهاً أونحوذلك فلا تصح مخالعته لأن بذله للعوض لا يصح.
قال: [فإذا كرهت خُلق زوجها أو خَلقه]
فإذا كرهت خلقه بأن كان سيء الخلق – أي سيء الصورة الباطنة -، أو كرهت خَلق زوجها كأن يكون سيء الصورة.
قال: [أو نقص دينه]
كأن يكون لا يقيم الجماعة، والجماعة واجبة، أو لفعل غير ذلك من المعاصي التي يثبت الفسق معها على الزوج، أو كرهت كبره أو ضعفه أو نحو ذلك.
قال: [أو خافت إثماً بترك حقه أبيح الخلع]
فيباح للمرأة أن تخالع إن كرهت من زوجها خلقاً أو خلقاً أو كرهت كبره أو ضعفه أو نقص دينه أو خشيت ألا تقيم حدود الله معه، أي كرهت كفران العشير، وفي البخاري: أن امرأة ثابت بن قيس قالت للنبي - صلى الله عليه وسلم -:" ما أنقم من ثابت خلقاً ولا ديناً ولكن أكره الكفر في الإسلام – أي أكره الكفر الأصغر وهو كفران العشير – فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (أتردين عليه حديقته؟ – أي وكانت مهراً لها – قالت: نعم فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (اقبل الحديقة وطلقها تطليقة) ، وليس للزوج في المشهور من المذهب الإجابة أي حيث كان ما تقدم بأن كرهت خَلقه أو خُلقه أو غير ذلك، والقول الثاني في المسألة وهو أحد قولي شيخ الإسلام ابن تيمية وجوب ذلك، فيجب عليه أن يقبل العوض الذي دفعته ا
لمرأة ويطلقها، وهذا القول أظهر لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (اقبل الحديقة وطلقها تطليقة) ، وهذا الأمر للوجوب ولما فيه من إزالة الضرر عن المرأة مع ثبوت حق الرجل وعدم ضياع حقه، وهذا هو الذي يترجح، وعليه فالقاضي يلزمه بذلك.
قال: [وإلا كره ووقع]
أي وإلا يكن الأمر كما تقدم فإن ذلك مكروه، فإن كانت الحال مستقيمة بين الزوجين، فليس بينهما ما يخشى معه عدم القيام بالحقوق الزوجية فحينئذٍ يكره الخلع، ويقع الخلع، هذا هو مذهب جمهور العلماء، والقول الثاني في المسألة، وهو اختيار الموفق ابن قدامة: أن الخلع هنا محرم وهو قول ابن المنذر وداوود الظاهري ودليل ذلك، ما روى أحمد وأبو داوود وغيرهما، والحديث صحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس، فحرام عليها رائحة الجنة) ، فهذا يدل على أن سؤال المرأة الطلاق من زوجها من كبائر الذنوب، وفي الترمذي وغيره، والحديث صحيح: (المختلعات هن المنافقات) ، فعلى ذلك الراجح هو التحريم، ووقوع الخلع فيه خلاف فالقول الثاني في ذلك وهو رواية عن الإمام أحمد ومذهب الظاهرية وقول ابن النذر: أن الخلع باطل وأن الثمن مردود، وهو الراجح وذلك لأن الخلع محرم ومنهي عنه والنهي يقتضي الفساد.
قال: [فإن عضلها ظلماً للافتداء ولم يكن لزناها أو نشوزها أو تركها فرضاً ففعلت ….لم يصح الخلع]
إذا عضل الزوج امرأته ظلماً أي ضربها أو ضيق عليها أو منعها شيئاً من الحقوق الزوجية، كأن يمتنع من وطئها أو المبيت عندها أو نحو ذلك، إذا فعل ذلك ظلماً لتفتدي منه، ولم يكن لزناها أو نشوزها أو تركها فرضها كأن تترك الصوم أو غيره من الفرائض، ففعلت أي اختلعت منه فدفعت له عوضاً وخلعها، فلا يصح الخلع لقوله تعالى: ﴿ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما أتيتموهن إلا أي يأتين بفاحشة مبينة﴾ ، والنهي يقتضي التحريم والبطلان، وعليه فالعوض مردود لأنه قد أخذه بغير حق، أما إذا كان منها زناً أو نشوز أو ترك شيء من الفرائض فعضلها لتفتدي منه، فإن الخلع يصح وذلك لأنه أخذ العوض هنا بحق وقد قال تعالى: ﴿إلا أي يأتين بفاحشة مبينة﴾ ، وكذا النشوز وترك الفرض فإن له أن يعضلها على ذلك لتفتدي منه وظاهر كلام المؤلف أنه إن عضلها لتفتدي منه فافتدت فإن الخلع يصح، لأنه قيده هنا بالإفتداء فلو أن رجلاً عضل امرأته ظلماً بغير حق ولم يكن ينوي أن تفتدي منه لكنها افتدت منه، فالخلع يصح، وله أخذ العوض في المشهور من المذهب، واختار شيخ الإسلام أنه لا يحل أيضاً، وعليه فالخلع باطل وهذا هو الراجح، وذلك لأنه أخذٌ للمال بوسيلة الظلم فإنه وإن لم ينوِ لكنه كان ظالماً لها، وبسبب هذا الظلم توصل إلى هذا المال.
قال: [أو خالعت الصغيرة والمجنونة والسفيهة أو الأمة بغير إذن سيدها لم يصح الخلع]
فالأمة إذا أذن لها السيد بالخلع فالخلع صحيح، لأن الرقيق إنما يمنع من التصرف بغير إذن السيد، قالوا: وأما الصغيرة والسفيهة فليس لهما المخالعة ولو أذن الولي، وأما المجنونة فهو ظاهر لأنه لا عقل لها فلا اعتبار بإذن الولي لها، واختار الشيخ عبد الرحمن ابن سعدي وهو الراجح؛ أن الصغيرة والسفيهة إذا أذن لهما الولي بالخلع، فالخلع صحيح كسائر المعاملات، فلا فرق بين الخلع وبين غيره من المعاملات، وهذا هو الراجح، وما يخشى من سوء تصرفها فمدفوع بإذن الولي، وليس للولي أن يأذن إلا حين كان في ذلك مصلحة لها.
مسألة:
هل للأب أن يخلع ابنته الصغيرة بمالها أم ليس له ذلك؟
المشهور في المذهب أنه ليس له ذلك، فمثلاً؛ دفع لها هذا الرجل داراً مهراً لها ثم تبين للولي أن في هذا الرجل سوء خلق أو غير ذلك – فهل للأب أن يخلع البنت بما لها بأن يقول: خذ هذه الدار التي أمهرتها إياها واخلع ابنتي – ليس له ذلك في المشهور من المذهب.
والقول الثاني في المسألة وهو قول طائفة من الحنابلة ومال إليه الموفق واختاره الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: أن ذلك جائز، وذلك لابد له أن يتملك من مال البلد ما شاء، وأولى من ذلك أن يكون له الحق في خلعها من زوجها لما في ذلك من دفع الضرر عنها، وهذا هو الراجح، لكن ليس له ذلك إلا أن يكون فيه مصلحة للبنت.
قال: [ووقع الطلاق رجعياً إن كان بلفظ الطلاق أو نيته]
هذه المسألة فيما إذا خلع، وكان العوض محرماً أي مردوداً، كأن تخالع الصغيرة أو السفيهة أو الأمة بغير إذن سيدها ونحو ذلك فالخلع لا يصح، كما تقدم لكن هل يقع الطلاق أم لا؟
في المسألة تفصيل:
فإن كان الخلع بلفظ الخلع أو نية الخلع فالطلاق لا يقع لأن الخلع قد بطل ولا طلاق، فليس هنا لفظ طلاق ولا نية طلاق.
الحالة الثانية؛ أن يتلفظ بالطلاق أو ينويه كأن تقول: " خذ هذا المال عوضاً "، فيقول: " قد طلقتك " أو " قد خالعتك " أو " فارقتك " وينوي الطلاق، فحينئذٍ يصح الطلاق ويكون طلاقاً رجعياً أي إن لم يتم عدده، لكن لو كان قد تم عدده كأن يكون قد طلقها طلقتين سابقتين ثم خالعها بنية الطلاق أو تلفظٍ بالطلاق فحينئذٍ يكون الطلاق بائناً، هذا هو المشهور في المذهب، وهم هنا قد نظروا إلى اللفظ أو النية، فإذا تلفظ بالطلاق ونواه فإنه يقع وإن كان العوض موجوداً.
القول الثاني في المسألة، وهو رواية عن الإمام أحمد واختاره الشيخ عبد الرحمن بن سعدي، وهو القول الصحيح في هذه المسألة: أن الطلاق لا يقع واختاره طائفة من أصحاب الإمام أحمد وذلك لأنه إنما فسخ للعوض، فإذا لم يحصل العوض لم يحصل المعوّض، فالمعوض هو الفراق، والعوض هنا هو هذا المال الذي قد دفعه إليه، والعبرة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ ولا بالمباني، وهنا هو طلاق على عوض فهو خلع، والطلاق الذي يكون فيه ما ذكره الحنابلة إنما هو الطلاق الذي لا يكون على عوض، أما هنا فهو طلاق على عوض فهو خلع سواءً كان بلفظ الطلاق أو كان بغير لفظه، وسواء كان بنية الطلاق أو بغير نيته، فليس بطلاق لأنه بمعنى الخلع، فالراجح أن العوض إذا كان مردوداً إلى المرأة فالمعوض مردود إليه فلا يقع الطلاق وإن نواه أو تلفظ به.
الدرس الأربعون بعد الثلاثمائة
فصل
قال: [والخلع بلفظ صريح الطلاق]
بأن يقول للمختلعة: طلقتك، فهذا صريح الطلاق.
قال: [أو كناياته وقصده]
أي كناية الطلاق وقصده، بأي لفظ من الألفاظ، كأن يقول للمختلعة: " أبَنْتُكِ " وينوي الطلاق.
قال: [طلاق بائن]
فهو طلاق بائن، أما كونه طلاقاً فلاعتبار اللفظ، أو الكناية مع النية فقد تلفظ به أو نواه مع كنايته فكان طلاقاً، وأما كونه بائناً لا رجعياً، لما كانت مالكة لنفسها، لأن له حق المراجعة، هذا هو المشهور في المذهب وهو مذهب جمهور العلماء، وعن الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم: أنه فسخ ولو كان بلفظ الطلاق أو كنايته مع قصده وذلك لأن العبرة بالمعاني لا بالمباني، فالعبرة ليست بالألفاظ وإنما بالمعاني، فهنا قد قال: " طلقتك " لكنه ليس هو الطلاق المطلق بل هو طلاق مقيد حيث فيه العوض، فهو فداء وليس بطلاق، فلا عبرة بلفظه ولا بنيته مع كنايته، يدل على هذا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لزوج المختلعة: (وطلقها تطليقه) ، ومع ذلك فقد جعل عدتها حيضة، ولو كان طلاقاً لجعل عدتها ثلاث حيض، لأن عدة المطلقة ثلاث قروء بنص القرآن وإجماع أهل العلم، فدل على أنه فسخ وليس بطلاق بائن وإن كان بلفظ الطلاق، فالراجح هو القول الثاني وهو أنه فسخ وليس بطلاق، وثمرة الخلاف:- أنا إذا قلنا: إنه طلاق بائن، فإنها تحسب عليه ثلاث طلقات إن خالعها ثلاثاً فلا يحل له أن ينكحها حتى تنكح زوجاً غيره وإن قلنا هو فسخ: فإذا خالعها ثم نكحها بعد ذلك فلا يحسب عليه طلقة بل لو خلعها عدة مرات فله أن ينكحها من غير تقييد ذلك بنكاح زوج آخر، وهذه الثمرة ثابتة في المسألة الأخرى وهي.. قال: [وإن وقع بلفظ الخلع أو الفسخ أو الفداء ولم ينوه طلاقاً كان فسخاً، لا ينقص عدد الطلاق]
إذا وقع بلفظ الخلع كأن يقول: " خالعتك "، أو بلفظ الفسخ كأن يقول: " فسختك "، أو الفداء بأن يقول: " فاديتك "، ولم ينوه طلاقاً فإنه يكون فسخاً، هذا هو المشهور في المذهب وهو أحد قولي الشافعي، وأما الجمهور فقالوا: هو طلاق بائن أيضاً، ويستدلون بما تقدم ذكره في المسألة الأولى، وهو قول ضعيف كما تقدم، والراجح أنه فسخ، لما تقدم في قصة المختلعة وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرها أن تعتد بحيضة وهذا يدل على أنه ليس بطلاق بائن، إذ لو كان طلاقاً بائناً لأمرها أن تعتد بثلاثة قروء، ويدل عليه أيضاً أن الله عز وجل قال: ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان …..إلى أن قال …. فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به …. إلى أن قال … فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره﴾ ، فذكر طلقتين أولاً، ثم ذكر الخلع، ثم ذكر طلقة، فلو كان الخلع طلاقاً لكانت الطلقة التي ذكرها في ﴿فإن طلقها﴾ رابعة لا ثالثة وهذا ممتنع باتفاق أهل العلم، فدل على أنه فداء وليس بطلاق، ويدل عليه أيضاً أن الله ذكره بلفظ الفداء فقال: ﴿فيما افتدت به﴾ ، فعلى ذلك الراجح ما ذهب إليه الحنابلة في هذه المسألة فإذا قال: فسختك أو فاديتك أو نحو ذلك من ألفاظ الخلع فإنه فسخ وليس بطلاق، وعليه فكل طلاق بعوض سواء كان بلفظ الخلع أو بلفظ الطلاق، وسواء كان بنية الخلع أو بنية الطلاق فهو فسخ وليس بطلاق بائن في الراجح من المسألتين المتقدمتين، وهوا اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، وفي قوله: " لا ينقص عدد الطلاق "، فإذا طلقها مرتين مثلاً ثم اختلعت منه فيحل له أن ينكحها بعد ذلك قبل أن تنكح زوجاً آخر، فلا تجب عليه طلقة بل هو فسخ.
قال: [ولا يقع بمعتدةٍ من خلع طلاقٌ]
إذا طلبت منه امرأته الخلع، فخالعها، فإذا طلقها بعد ذلك فإن هذا الطلاق لا يقع وذلك لأنه لا يملك بضعها فهي أجنبية عنه.
قال: [ولو واجهها به]
هذا إشارة إلى خلاف أبي حنيفة في هذه المسألة وهو: أنه إذا واجهها بالطلاق الصريح المعين فإنها تحسب طلقة وهو قول ضعيف ولا دليل عليه، والطلاق الصريح بأن يقول: " أنت طالق "، فقوله: " طالق " طلاق صريح وليس بكناية، وهو معين لقوله " أنت "، بخلاف ما لو كان مرسلاً كأن يقول: " كل نسائي طوالق " فلا تطلق عليه المختلعة، هذا مذهب أبي حنيفة ولا دليل عليه، فالراجح أنه لا فرق بين ما إذا واجهها بالطلاق الصريح أو لم يواجهها بل كله لا يقع.
قال: [ولا يصح شرط الرجعة فيه]
إذا شرط الرجعة في الخلع، فلا يصح الشرط، كأن يقول " نعم أقبل هذا الفداء بشرط أن يكون لي حق الرجعة " فهنا لا يصح الشرط، وذلك لمخالفة مقتضى عقد الخلع، فإن مقتضاه البينونة الصغرى، هذا هو المشهور في مذهب الإمام أحمد.
وعن الإمام أحمد وهو مذهب الشافعية؛ أن هذا الشرط يصح فيكون الخلع رجعياً لكن العوض مردود، فالعوض يرد والشرط يصح، والراجح هو القول الأول وذلك لأن هذا الشرط يخالف الشرع، فإن الشرع إنما أذن في الخلع حيث كانت البينونة، بخلاف الطلاق فإنه في الأصل يكون طلاقاً رجعياً، وهنا ليس طلاقاً وإنما فيه عوض، والأصل أن الزوج إنما يملك الطلاق ولا يملك الفسخ وهو إنما ملك الفسخ هنا بالعوض المدفوع، فإذا أثبتنا له حق الرجعة فإن ذلك يخالف الشرع.
قال: [وإن خالعها بغير عوض أو بمحرم لم يصح]
إذا خالعها بغير عوض كأن يقول: فسختك أو خالعتك بلا عوض أي مجاناً فهذا الخلع باطل، وذلك لأن الفسخ الوارد في الشرع إنما هو فسخ بعوض، فالزوج إنما يملك في الأصل الطلاق، وإنما أذن له بالفسخ حيث كان العوض، وهنا لا عوض فلا حق له بالفسخ، وليس هذا هو الخلع الوارد في الشرع وعليه فيكون هذا الخلع باطلاً، إذا خالعها بمحرم يعلمه الزوج كأن يخالعها على خمر وهو يعلم أنه خمر، أو خالعها على مغصوب وهو يعلم أنه مغصوب، أو على حرٍ وهو يعلم أنه حرٍ، فهنا الخلع باطل، وذلك لأن الخمر لا قيمة له فهو محرم والمحرم لا قيمة له، فكما لو كان بلا عوض، وكذلك لو خالعها على مغصوب أو على حرٍ وهو يعلم ذلك، وذلك لأنه رضي بشيء لا قيمة له، والشيء الذي لا قيمة له ليس بشيء، فكما لو كان بلا عوض، هذا إذا كان يعلم التحريم، وأما إذا كان يجهله كأن يخالعها على خمر ظنه خلاً أو على حرٍ ظنه عبداً أو على مغصوب ظنه مملوكاً فيثبت له البدل لأنه إنما خالع على عوضٍ له بدل فكان الواجب البدل، فإذا خالعها على دار فثبت أن هذه الدار مستحقة للغير فهي مغصوبة فإن العوض دار بقيمتها، كذلك إذا كان على حرٍ ظنه عبداً، فيكون على عبدٍ بقيمته وهكذا.
قال: [ويقع الطلاق رجعياً إن كان بلفظ الطلاق أو نيته]
وهذا كالمسألة التي تقدم البحث فيها في الدرس السابق.
قال: [وما صح مهراً صح الخلع به]
فهل ما صح مهراً يصح الخلع به، وقد تقدم ما صح مهراً؟
دليل هذه المسألة عموم قوله تعالى: ﴿فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليها فيما افتدت به﴾ ، أي في الذي افتدت به، ولفظة " ما " من ألفاظ العموم فكل ما صح مهراً فإنه يصح الخلع به، كنفعٍ أو دين أو عين أو نحو ذلك.
قال: [ويكره بأكثر مما أعطاها]
فإذا كان قد أمهرها عشرة آلاف درهم فيُكره أن يكون الخلع عشرين ألفاً، والمسألة فيها ثلاثة أقوال:
القول الأول: الجواز بلا كراهة، وهو مذهب الجمهور لعموم قوله تعالى: ﴿فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليها فيما افتدت به﴾ ، وقالوا: هذا يعم القليل والكثير.
والقول الثاني في المسألة: وهو مذهب الحنابلة وهو ما ذكر المؤلف هنا وهو أن ذلك مكروه فهو جائز مع الكراهة، واستدلوا بما روى ابن ماجة بإسنادٍ صحيح وجود إسناده ابن كثير في قصة المختلعة في حديث ابن عباس وفيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرها أن ترد إليه الحديقة " ولا يزداد " أي لا يزيد عليها، وله شاهد مرسل عند البيهقي عن عطاء.
والقول الثالث في المسألة: وهو رواية عن الإمام أحمد وهو اختيار أبي بكر من الحنابلة، وهو قول طائفة من التابعين كسعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح وطاووس والزهري أن ذلك محرم مردود.
ويستدلون بالحديث المتقدم وهو قوله: " ولا تزداد "، والنهي يقتضي التحريم والفساد، وهذا القول فيه قوة فيخصص به عموم الآية المتقدمة ويجاب عن الآية المتقدمة بأنها مسبوقة بقوله تعالى: ﴿ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً … إلى أن قال.. فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليها فيما افتدت به﴾ ، أي من ذلك المذكور المتقدم الذي لا يحل لكم، فلا يحل أن تأخذوا من مهور النساء الذي دفعتموه لهن، لا يحل لكم ذلك إلا أن تخافوا ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليكم في ذلك، إذن قوله تعالى: ﴿فلا جناح عليها فيما افتدت به﴾ ، أي من ذلك المذكور وهو المهر الذي لا يحل لكم أن تأخذوا منه شيئاً، وهذا القول في قوة.
قال: [وإن خالعت حاملٌ بنفقة عدتها صح]