شرح زاد المستقنع للحمدصفحات 121-4
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وأما تعريفه: فهو أن يقذف الرجل امرأته بالفاحشة فيشهد على نفسه بذلك أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين ثم الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، والغضب أقبح من اللعنة، وكان الغضب هنا، لأن الغضب لمن يعلم الحق ويترك القول به، والذي يغلب على الظاهر أن الرجل صادقٌ في قوله، إذ يبعد في الغالب أن الرجل يرمي امرأته على رؤوس الأشهاد بالفاحشة ويلعن نفسه بالخامسة إلا وهو صادقٌ في دعواه، وأن المرأة قد اضطرته إلى ذلك.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يشترط في صحته أن يكون بين زوجين] لقوله تعالى: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ 1 ، فلو قذف أجنبية عنه فإما أن يأتي بأربعة شهود فتُحدَّ المرأة وإما أن يجلد ثمانين جلدة، وهو حد القذف.
فحكم اللعان مختص بالزوج فقد يرى الرجل من امرأته ما يكره، وليس ثمت من يشهد له، وقد رأى ذلك بعينه أو تيقن حصول ذلك فيحتاج إلى نفي الولد منه وحينئذٍ فيُلاعن امرأته فيشهد على نفسه أربع شهادات إنه لمن الصادقين.
واختُلف هل هي أيمان أم شهادات: القول الأول وهو مذهب الجمهور: أنها أيمان مؤكدة بالشهادة.
القول الثاني وهو مذهب أبي حنيفة: أنها شهادات.
وينبني على هذا الخلاف من يصح لعانه، فإن قلنا: إن اللعان شهادات فلا يصح إلا ممن تصح شهادته، فالفاسق لا تصح شهادته وعليه فلا يصح لعانه وكذلك الكافر والعبد، وإن قلنا: إن اللعان أيمان فإنه يصح ممن تصح يمينه فيصح من العبد ويصح من الكافر ويصح من الفاسق؛ لأن أيمانهم منعقدة صحيحة.
استدل أهل القول الثاني القائلين بأنها شهادات، بلفظ الشهادة في قوله تعالى: ﴿ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم﴾ ، فدل على أنهم شهداء فما يحصل منهم فهو شهادة.

واستدل أهل القول الأول، بقوله تعالى: ﴿فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله﴾ فقوله (بالله) من ألفاظ القسم، قالوا: والشهادة تأتي في القرآن وفي لغة العرب بمعنى اليمين، ومنه قوله تعالى: ﴿فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا﴾ (1) ، أي ليميننا، ولقوله تعالى: ﴿إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله﴾ 2 ، ثم قال بعد ذلك ﴿اتخذوا أيمانهم جنة﴾ ، فقولهم (نشهد) يمين.
ومن شعر العرب قول بعضهم: ((فأشهد بالله أني أحبها)) . فقوله (أشهد) ؛ أي يمين، وهو من الشعر المحتج به، وقد أورده ابن القيم في زاد المعاد، وهذا القول هو القول الراجح.
وأما قوله تعالى ﴿ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم﴾ فهذا من باب الاستثناء المنقطع، أي لم يكن لهم شهداء لكن أنفسهم.
ويدل على القول الراجح حديث لكنه ضعيف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لولا الأيمان لكان لي ولها شأن) 3 رواه أبو داود وعلى القول الراجح فمن صحت يمينه صح لعانه، وعليه فالفاسق يصح لعانه وكذلك الكافر والعبد.
وأما غير البالغ فلا يصح لعانه؛ لأن يمينه لا تصح، فلو قذف الصبي امرأته بالزنا فلا لعان؛ وذلك لأن يمينه لا تصح.
ويدل على صحة قول الجمهور عموم قوله تعالى: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ ، فهو عامٌ في الحر والعبد وفي المسلم والكافر وفي العدل والفاسق، ولأن ذلك موضع ضرورة فيحتاج إليه الكافر ويحتاج إليه العبد ويحتاج إليه الفاسق، فهو موضع حاجة، لأنه يحتاج إلى اللعان لينفي الولد عنه.
قال: [ومن عرف العربية لم يصح لعانه بغيرها وإن جهلها فبلغته] من عرف العربية فيشترط في صحة لعانه، أن يكون بها، لكن إن جهلها فبلغته كما تقدم في النكاح.

والقول الثاني في المسألة وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعي: أن اللعان يصح بغير اللغة العربية مع القدرة عليها، وهذا هو القول الراجح في هذه المسألة، وذلك لأن اللعان يمين، واليمين تصح بغير اللغة العربية مع القدرة عليها، واللعان نوع من الأيمان، فلو حلف بالله عز وجل في لغته فإنها يمين فكذلك اللعان.
قال: [فإذا قذف امرأته بالزنا فله إسقاط الحد باللعان] إذا قذف امرأته بالفاحشة في قبل أو دبر، فله إسقاط الحد باللعان، إذن: إن قذف امرأته بالزنا فعليه حد القذف، لكن يدرأ عنه الحد أن يلاعن، ولذا قال - صلى الله عليه وسلم - كما في البخاري: (البينة وإلا حدٌ في ظهرك) 1 . قال: [فيقول قبلها أربع مرات أشهد بالله لقد زنت زوجتي هذه ويشير إليها، ومع غيبتها يسميها وينسبها] أي ينسبها بما تتميز به فيذكر اسمها ويذكر ما يحتاج إليه من نسبها لتتميز عن بقية نسائه.
قال: [وفي الخامسة: وأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين] فيقول هذه الخامسة: وأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، فيقول: أشهد بالله لقد زنت زوجتي هذه، أو نحوها من الألفاظ التي يرميها بها في الزنا، فلو قال: " أشهد بالله أن ما في بطنها ليس مني "، فهذا كافٍ في رميها بالزنا.
قال: [ثم تقول هي أربع مرات: أشهد بالله لقد كذب فيما رماني به من الزنا] ونحو ذلك من الألفاظ التي تبرئ بها نفسها.
قال: [ثم تقول في الخامسة: وأن غضب الله عليها إن كان من الصادقين] ويستحب أن يحضر ذلك جماعة من الناس، ففي البخاري عن سهل بن سعدٍ قال: (فتلاعنا وأنا مع الناس عند النبي - صلى الله عليه وسلم -) 2 .

ويستحب أن يكون ذلك في المسجد كما في البخاري من حديث سهل بن سعد: " أن ذلك كان في المسجد " 1 . ويستحب أن يتلاعنا قياماً؛ وذلك لأنه أردع في حقهما.
ويستحب للحاكم أن يعظهما وأن يذكرهما، وأن يأمر رجلاً يضع يده على فيِّ الرجل في الخامسة، ويقول له: " إنها موجبة "، ففي صحيح مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (ذكر الملاعن ووعظه وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة وحد القذف أهون من عذاب الله في الآخرة، ثم دعا المرأة فوعظها كذلك) 2 ، وفي سنن أبي داود والنسائي بإسنادٍ صحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (أمر رجلاً أن يضع يده عند الخامسة على فيه، ويقول: " إنها موجبة ") 3 ، أي موجبة للعنة الله تعالى.
قال: [فإن بدأت باللعان قبله ... إلى أن قال: لم يصح] إذا بدأت المرأة باللعان قبل الرجل فلا يصح اللعان في مذهب جمهور العلماء، خلافاً لأبي حنيفة، وذلك لأن الله عز وجل قد شرع بذكر لعانه قبل ذكر لعانها، والحكمة من أن لعان الرجل قبل لعان المرأة من وجهين: الوجه الأول: أن الرجل قاذفٌ مدعي فبُدئ به أولاً، لأنه هو القاذف لها وهو الذي رماها بهذه الفاحشة العظيمة.
والوجه الثاني: أن الرجل جانبه أقوى، فالغالب أنه صادقٌ في دعواه، إذ يبعد أن يرمي امرأته بالزنا في هذا المشهد بين الناس إلا وهو صادق في دعواه.
قال: [أو أنقص أحدهما شيئاً من الألفاظ الخمسة … إلى أن قال: لم يصح]

لأنه خلاف ما أمر الله عز وجل به، فلا يصح إلا أن يأتي كل واحدٍ منهما بالألفاظ الخمسة، فلو قال: " أشهد بالله إنها زانية، وأشهد بالله إنها زانية، أشهد بالله إنها زانية – ثم قال: " وأن لعنة الله علي إن كنت من الكاذبين "، لم يصح لعانه، أو قال: " أشهد بالله إنها زانية، أربعاً "، ثم سكت ولم يقل: " وأن لعنة الله علي إن كنت من الكاذبين، فإن لعانه لا يصح حتى يأتي باللعان كما أمره الله عز وجل، وكذلك المرأة.
قال: [أولم يحضرهما حاكمٌ أو نائبه … إلى أن قال: لم يصح] لأنها دعوى فيها يمين، فاشترط فيها حضور الحاكم أو نائبه كسائر الدعاوى، فلو كانت بين يدي من ليس بحاكم أو كان ذلك في بيتها فلا تثبت الأحكام التي تقدم ذكرها، فهو لعان غير صحيح.
قال: [أو أبدل لفظة أشهد بأقسم أو أحلف] فلو قال: " أقسم بالله " أو قال: " أحلف بالله إنها زانية " لم يصح حتى يقول: " أشهد بالله "، وذلك لأن قوله: " أقسم بالله " يمين غير مؤكدة بالشهادة، بينما قوله " أشهد بالله " يمين مؤكدة بالشهادة، فإذا قال: " أقسم بالله " أو " أحلف بالله " فهو خلاف ما أمره الله تعالى به فلا يصح حتى يقول: " أشهد بالله " أو " أشهد والله " المقصود أنه يجمع بين اليمين والشهادة.

قال: [أو لفظة اللعنة بالإبعاد، أو الغضب بالسخط لم يصح] إذا أبدل لفظة اللعنة بالإبعاد فقال في الخامسة: " وأن إبعاد الله تعالى لي من رحمته إن كنت من الكاذبين "، أو أبدلت المرأة لفظ الغضب بالسخط فقالت في الخامسة: " وأن سخط الله علي إن كان من الصادقين "، فلا يصح.

والقول الثاني في المسألة وهو أحد القولين في مذهب الإمام أحمد: أن ذلك يصح؛ لأنه وإن لم يكن منصوصاً عليه لكنه بمعنى المنصوص والعبرة بالمعاني لا بالمباني، فقوله: " أبعدني الله من رحمته " بمعنى قوله: " لعنني الله تعالى "، وكذلك المرأة قولها: " وأن سخط الله علي " هو كقولها: " وأن غضب الله علي "، هذا هو القول الراجح.
والله أعلم

الدرس الثاني والستون بعد الثلاثمائة فصل قال رحمه الله: [وإن قذف زوجته الصغيرة أو المجنونة بالزنا عُزر ولا لعان] إذا قذف امرأته الصغيرة التي لا يوطأ مثلها فإنه يعزر ولا لعان، وذلك لأن اللعان يمين فلا يصح إلا من مكلف، وهذه الصغيرة ليست بمكلفة فلم يصح لعانها، فلا يلاعن الزوج وإنما يُعزر، وكذلك المجنونة لأنها غير مكلفة.
أما إن قذف امرأته الصغيرة التي يوطأ مثلها – وهي في المشهور من المذهب بنت تسع سنين – فإن اللعان يثبت لكن لا يصح حتى تبلغ، وعليه فيتربص لها حتى تبلغ، فإن طالبت بحق القذف على زوجها الذي قذفها فحينئذٍ للزوج أن يلاعن ليدرأ الحد عن نفسه، وتلاعن هي أيضاً لأنها أصبحت مكلفةً.
قال: [ومن شرطه قذفها بالزنا لفظاً، كزنيتِ أو يا زانية أو رأيتك تزنين في قبل أو دبر] فشرطه أن يرميها بالزنا، قال تعالى: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ أي بالزنا، وقال المؤلف: " في قبل أو دبر "، أما إن كان في قبل فظاهر.
وأما إذا كان في دبر فهذا هو مذهب جمهور الفقهاء من الحنابلة وغيرهم، وهذا القول متفرع عن ثبوت حد القذف في رمي المرأة بالزنا في دبر.

وقال الأحناف: بل إن كان في دبر فلا لعان، وهذا متفرع عن قولهم من أن المرأة إذا قذفها زوجها بالزنا من دبر فإن الحد أي حد القذف لا يقام، وإنما فيه التعزير، فاللعان لا يثبت عندهم، وذلك لأن اللعان إنما يشرع لدفع الحد وهنا لا حد، فإذا قذف امرأته في دبرها فلا حد، وعليه فلا لعان، وفيما ذهب إليه الأحناف قوة، ويأتي تحقيقه إن شاء الله في الكلام على القذف.
وأما إن قذفها بمباشرة دون الفرج كأن يقول: " قد بوشرت "، أو قد باشرك فلان، أو قد خلا بك فلان أو قد قبلك أو نحو ذلك فلا لعان وذلك لأنه لا حد – أي لا حد قذف -، واللعان متفرع عن الحد، فاللعان إنما يشرع لدرء حد القذف عن الزوج وهنا لا حد في ذلك وعليه فلا لعان.
قال: [فإن قال: وطئت بشبهةٍ أو مكرهةً أو نائمة أو قال: لم تزن ولكن ليس هذا الولد مني فشهدت امرأة ثقة أنه ولد على فراشه لحقه نسبه ولا لعان] فإذا قال لامرأته: وطئت بشبهة أو مكرهةً أو نائمة أو لم تزنِ ولكن هذا الولد ليس مني، ثم شهدت امرأة أنه ولد على فراشه لحقه نسبه ولا لعان.
أما كونه لا لعان، فلأن الحد لا يثبت بمثل ذلك، فإذا قال الرجل لامرأته: " وطئتِ بشبهة أو إكراه أو نحو ذلك " فإنه لا حد في ذلك، ويأتي تقريره إن شاء الله في الكلام على حد القذف.
لكن هل ينفى الولد أم لا؟ هنا قال: إن شهدت امرأة ثقة بأنه ولد على فراشه لحقه نسبه، وذلك لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (الولد للفراش وللعاهر الحجر) 1 متفق عليه فإذا أثبتت البينة – وتكفي شهادة امرأة واحدة – أنه قد ولد في فراشه فإنه يثبت بذلك لحوق النسب.
قال: [ومن شرطه أن تكذبه الزوجة] فمن شرط اللعان أن تكذبه الزوجة، وأما إن صدقته في دعواه فأقرت أنها قد زنت فلا لعان أو ثبتت بالبينة وهي أربعة شهود أنها قد زنت فلا لعان، فاللعان إنما يشرع حيث تنكر المرأة، ولذا فإنها تلاعن بعده.

قال: [وإذا تم اللعان سقط عنه الحد والتعزير] فإذا تم اللعان سقط عنه الحد فيما يثبت فيه الحد، والتعزير فيما يثبت فيه التعزير، ويثبت التعزير إن كانت ذميةً أو أمةً أو نحو ذلك.
ودليل هذه المسألة قوله - صلى الله عليه وسلم -: (البينة وإلا حدٌ في ظهرك) 1 . قال: [وتثبت الفرقة بينهما بتحريم مؤبد] فإذا تم اللعان فإن الفرقة تثبت بينهما بتحريم مؤبد فلا تحل له أبداً، ففي الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا سبيل لك عليها) 2 ، وفي مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (بدأ بالرجل فشهد أربع شهادات ثم ثنى بالمرأة ثم فرق بينهما) 3 ، وفي سنن أبي داود من قول سهل بن سعد: (مضت السنة أن المتلاعنين يفرق بينهما ولا يجتمعان أبداً) 4 . ولا يتوقف ذلك – أي التفريق – على حكم حاكم بل يثبت من غير حكم حاكم؛ وذلك لثبوته بنص الشارع.
ويثبت هذا الحكم وإن كذب نفسه بعد ذلك، فإذا لاعنها بحضرة الحاكم وكان اللعان صحيحاً قد توفرت فيه الشروط ثم كذَّب نفسه بعد ذلك فإنها لا تحل له، لكن يحد أو يعزر ويلحقه الولد في نسبه، لأنه أقر بما يدل على كذبه في يمينه، وإنما درء عنه الحد ليمينه وقد كذبها بقوله، وحينئذٍ فيبقى عليه الحد – أي حد القذف – ويلحقه النسب.

واعلم أن اللعان إن كان مجرداً عن نفي الولد فلا ينفى الولد بل يلحق الزوجَ ولده، وذلك لأن اللعان إنما فيه رميها بالزنا، ورميها بالزنا لا يوجب نفي الولد، لكن إن نفاه صراحةً أو تضمنا فإنه ينتفي عنه، فإن قال: " أشهد بالله أنها زانية وأن ما في رحمها ليس مني "، فإنه ينفى عنه؛ لأنه قد نفاه في لعانه وهنا صراحة.
وأما تضمناً فبأن يقول مثلاً: " أشهد بالله إنها قد زنت في طهر لم أجامعها فيه "، فيُعلم أنها قد حملت من غير زوجها بقذفه.
وأما إذا لم ينفه في اللعان فإنه لا ينتفي.
فإن قيل: فما هو الجواب عما روى أبو داود في سننه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (قضى في اللعان ألا يُدعى الولد لأبيه) 1 ، فالجواب: أن هذا من حديث سهل بن سعد، وفي البخاري أن الرجل قد أنكر حملها.
مسألة: هل يشترط لنفي الولد أن ينفيه بلعان عند الوضع أم يكفي نفيه عند الحمل؟ قال الحنابلة في المشهور عندهم: يشترط أن ينفيه عند الوضع، قالوا: لأنه – وهو حمل – غير مستيقنٍ منه، فقد يكون – ريحاً - أو شيئاً آخر واللعان لا يتعلق بشرط، وهنا لا بد أن يعلق النفي على كونه موجوداً فيقول: " إن كان الولد موجوداً فليس مني "، واللعان لا يتعلق بشرط.
والقول الثاني، وهو قول المالكية والشافعية وهو قول في مذهب الإمام أحمد: أن نفي الولد يثبت وإن نفاه وهي حامل لم تضع بعد.
وهذا هو القول الراجح وهو الذي يدل عليه حديث سهل بن سعد المتقدم ففيه أنها كانت حاملاً فأنكر حملها، ولم يصح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره باللعان لنفي الولد عند الوضع، ولا أنه فعل ذلك عند النبي - صلى الله عليه وسلم -. أما قولهم أنه ليس بمستيقن:

فالجواب عنه: أنه مظنون وهنا أمارات تدل عليه، والشارع يعلق الأحكام بمثل ذلك، بدليل اختلاف نفقة الحامل عن الحائل، والتوقف عن القصاص في الحامل، والفطر في رمضان للحامل وغير ذلك، مع أنه مظنون وليس بمستيقن.
مسألة: وجماهير أهل العلم على أنه إن أقرَّ به أو ظهر منه ما يدل على الرضا فليس له أن ينفيه بعد ذلك.
ومثال ظهور ما يدل على الرضا؛ كأن يُدعى له فيؤمن، أو يُهنأ به فيسكت ويرضى بذلك ونحو ذلك، فليس له أن ينفيه بعد ذلك.
كما أنه إذا أمكنه أن ينفيه ولم ينفه، فليس له أن ينفيه بعد ذلك؛ وذلك لأنه خيار لدفع الضرر فكان على الفور، فإذا تراخى ولم ينف مع إمكان النفي فليس له أن ينفي بعد ذلك.
لكن لو ادعى عدم علمه بذلك وأمكن جهله بذلك، فإن قوله يقبل وله أن ينفيه.
استدراك: وعند قول المؤلف: [ولكن ليس هذا الولد مني فشهدت امرأة أنه ولد على فراشه لحقه نسبه ولا لعان] فإذا شهدت البينة - ويكفي في ذلك امرأة ثقة – أنه ولد على فراشه فهو ولده ولا لعان.
فإن لم تشهد البينة فهل يشرع اللعان لنفي الولد أم لا؟ في هذه المسألة لا لعان بقذف المرأة بالزنا، فهو لم يقذفها بما يوجب عليه حد القذف، لكن هل له أن يقول: " أشهد بالله أن هذا الولد ليس مني " يقول ذلك أربعاً أم لا؟ قال أكثر الحنابلة: له أن يلاعن لنفي الولد، وعليه فيلاعن هو وحده لنفي الولد.
والمشهور في المذهب: أنه ليس له أن يلاعن؛ وذلك لأن اللعان إنما شرع بعد القذف، قال تعالى: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ ، وهنا لا قذف، فاللعان إنما شرع لدرء حد القذف عن الزوج وهذا حيث كانت المرأة مرمية بالزنا، وهنا ليست مرمية بالزنا وعليه فلا لعان، وهذا أظهر.
فالشرع إنما شرع اللعان حيث كان مسبوقاً بقذف وهنا لا قذف وعليه فيلحقه الولد وليس له أن ينفيه، وكما قال - صلى الله عليه وسلم -: (الولد للفراش) (1) . مسألة:

إذا نكلت المرأة عن اللعان فهل يقضى بنكولها؟ بمعنى: لاعن الرجل امرأته لكن المرأة نكلت عن اللعان فهل يقضى بنكولها فيفرق بينهما وينفى الولد إن نفاه وتحد المرأة أم يخلى سبيلها أم تسجن حتى تقر بالزنا أو تلاعن؟ ثلاثة أقوال لأهل العلم: القول الأول، وهو المشهور في المذهب: أن سبيلها يخلى، وهو قول ضعيفٌ جداً.
القول الثاني: أنها تسجن حتى تقر بالزنا أو تلاعن.
القول الثالث وهو مذهب المالكية والشافعية وهو اختيار شيخ الإسلام وهو القول الراجح في المسألة: أنها إن نكلت فإنها تُحد، وهذا هو ظاهر قوله تعالى: ﴿ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين﴾ 1 ، فحد القذف ثابت في حق الرجل حتى يلاعن، فإذا لاعن الرجل فنكلت المرأة فعليها الحد، ويدرأ عنها العذاب أن تلاعن.
وقال الحنابلة: الحد لا يثبت بلعان الزوج فقط بدليل مطالبة المرأة بالملاعنة بعده، ولا يثبت بالنكول فقط لأن الحدود تدرأ بالشبهات، والنكول فيه شبهة.
الجواب عن هذا: أن يقال إنها لا تحد بهذا بمفرده ولا بهذا بمفرده؛ بل تحد بمجموعهما، فإنها تحد بيمين الزوج أولاً وبنكولها ثانياً، فإذا اجتمعا فإن الحد يثبت عليها باجتماعهما جميعاً، والشيئان قد يحكم باجتماعهما ما لا يحكم به بانفرادهما، وأما بالنكول فقط أو اليمين فقط فلا يقضى عليها بالحد.

الدرس الثالث والستون بعد الثلاثمائة فصل هذا الفصل فيمن يَلْحق نسبه.
قال رحمه الله: [من ولدت زوجته من أمكن كونه 2 منه لحقه] فمن ولدت زوجته ولداً أمكن أن يكون هذا الولد - ذكراً كان أو أنثى - منه لحقه ذلك؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (الولد للفراش) 3 ، ثم بين المؤلف هذا الإمكان المذكور بقوله: [بأن تلده بعد نصف سنة منذ أمكن وطؤه أو دون أربع سنين منذ أبانها]

أي أن تلده بعد ستة أشهر لأن أقل الحمل ستة أشهر لقوله تعالى: ﴿وحمله وفصاله ثلاثون شهراً﴾ 1 ، وقد ذكر تعالى في آية آخرى أن فصاله أربعٌ وعشرون شهراً؛ أي سنتان وهو قوله: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾ 2 ، فبقي للحمل ستة أشهر، وهو قول علي بن أبي طالب وغيره من الصحابة ولا يعلم لهم مخالف.
أو دون أربع سنين: لأن أكثر الحمل أربع سنين في المذهب 3 ، قالوا: لوقوع ذلك فقد وقع من بعض النساء – وهي ثقة وامرأة صدقٍ – أنها قد ولدت لأربع سنين.
والقول الثاني في المذهب وهو اختيار ابن سعدي: أنه لا يتقيد بأربع سنين، بل قد يكون أكثر من ذلك، وقال: " لأنه الموافق للواقع " وهو كما قال.
فالمسألة مسألة وقوع، فإذا وقع الحمل لأربع سنين فلا مانع أن يقع أكثر من ذلك، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - (الولد للفراش..) قوله: " منذ أمكن وطؤه " أي أن تلد بعد نصف سنة منذ أمكن وطؤه.
فإذا عقد على المرأة وأمكن وطؤه 4 ثم ولدت بعد نصف سنة فإن الولد يلحق به.
فإذا عقد على امرأة وهو وهي في بلد واحد ولم يدخل بها، فهنا يمكن الوطء لكننا لم نتحقق من الوطء لعدم الدخول، فهنا يلحق به.
لكن لو تحققنا وعلمنا عدم إمكان الوطء، كأن يكون هو في بلد وهي في بلد آخر بعيد ويُعلم أنه لا يخفى مسيره من تلك البلدة إلى هذه البلدة، فحينئذٍ قد تحققنا أنه لم يطأها فلا يلحق به، هذا هو تحرير مذهب الحنابلة في هذه المسألة.
إذن: يعلقون الإلحاق بإمكان الوطء، لكن لو تحققنا أنه لم يطأها فإنه لا يلحق به، ولذا فلو كان مجبوب الذكر والأنثيين فإنه لا يلحق به، وذلك لأننا نقطع أن مثله لا يولد له.

واختار شيخ الإسلام وهو رواية عن الإمام أحمد واختاره طائفة من متأخري أصحابه ومنهم والد شيخ الإسلام، واختاره ابن القيم: أن إمكان الوطء غير كافٍ في الإلحاق، بل حتى يعلم الوطء وذلك بالدخول، فإذا بنى بالمرأة ودخل بها فولدت منه لستة أشهرٍ أو دون أربع سنين – على المذهب – منذ أبانها فحينئذٍ يلحق به.
إذن: لا تكون المرأة فراشاً حتى يتحقق الوطء، وذلك بالبناء بها، وهذا هو القول الراجح، فإن مجرد العقد مع إمكان الوطء لا تعدُّ فيه المرأة فراشاً لا في اللغة ولا في العرف، فلا يقال: " إن المرأة فراشٌ للرجل " وهو لم يبنِ بها، لا في لغة العرب ولا في عرف الناس، وهذا ظاهر.
قال: [وهو ممن يولد لمثله كابن عشر] هذا قيد آخر، وهو أن يكون ابن عشر سنين، أي من تم له عشر سنين وشرع في السنة الحادية عشرة قالوا: لقوله النبي - صلى الله عليه وسلم -: (مروا أولادكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع) 1 ، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتفريق بينهم في المضاجع، فدل على أن مثلهم يطأ، فعليه يلحق بهم النسب.

والقول الثاني في المسألة، وهو قول في مذهب الإمام أحمد وهو قول طائفةٍ من كبار الصحابة كأبي بكر، و [هو قول] 1 أبي الخطاب وابن عقيل: أنه لا يلحق به حتى يبلغ، أي ينزل فإذا ثبت إنزاله، أي ثبت احتلامه فإنه يلحق به، وهذا ظاهر جداً، وذلك لأن الولد يكون من الماء، ومن لم يبلغ فلا ماء له فكيف يكون منه الولد، وكيف يلحق به.
وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: (وفرقوا بينهم في المضاجع) ، فهذا لأن ابن عشر مظنة البلوغ ومظنة المراهقة، فلذا يمنع من المبيت عند البنت لأنه مظنة الوطء.
والقول الثاني هو الراجح، فلا يلحق به الولد حتى يبلغ.
قوله: [ولا يحكم ببلوغه إن شك فيه] فعلى المذهب - عندما يلحق به الولد – فهل تثبت الأحكام الأخرى فيه فيكون في حكم المكلفين؟ الجواب: لا تثبت الأحكام الأخرى [– كالزنا والقتل –] 2 مع الشك فلا تلحق به الأحكام الأخرى حتى يثبت بلوغه، واليقين لا يزول بالشك.
قال: [ومن اعترف بوطء امرأته 3 في الفرج أو دونه فولدت لنصف سنة فأزيد لَحِقَهُ ولدها إلا أن يدعي الاستبراء ويحلف عليه] اعلم أن المشهور في المذهب وهو قول الجمهور وهو الراجح: أن الأمة لا تكون فراشاً إلا بالوطء، ودليله: دليل المسألة التي تقدم ذكرها.
إذاً: الحنابلة فرقوا بين الحرة والأمة، فقالوا: إن الأمة لا تكون فراشاً إلا بالوطء، أما بمجرد إمكان الوطء فلا، وأما الزوجة فإنها تكون فراشاً بمجرد إمكان الوطء، ففرقوا بين الزوجة والسُرِّيَّة.

وهنا: اعترف رجل أنه قد وطئ أمته في الفرج فولدت لنصف سنة فأزيد فإنه يلحقه ولدها، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (الولد للفراش) ، إلا أن يدعي الاستبراء، أي يدعي أنه قد استبرأها بحيضة فيقول مثلاً: " أنا قد وطئت هذه الأمة لكني استبرأتها بحيضة فقد حاضت بعد وطئي بها، ثم بعد ذلك حملت، وعليه: فلا يكون الحمل منه، لأنه قد استبرأها بحيضة.
فيقبل قوله؛ وذلك لأن هذا أمرٌ خفي، لا يعلم إلا منه فيقبل قوله فيه، لكن يحلف على ذلك لحق الولد، فإن هذه اليمين تمنع الولد من نسبه إلى هذا الرجل، فهذه اليمين قد تعلق بها حق الآدمي.
وكذلك لو اعترف أنه وطئ أمته دون الفرج ثم ولدت لنصف سنة فأزيد فكذلك أي يلحق الولد به، وذلك لأنه لا مانع من أن يلج ماؤه فرجها، وهو واقع، ثم هي 1 فراشٌ له وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (الولد للفراش) . قال: [وإن قال وطئتها دون الفرج أو فيه ولم أنزل أو عزلت لحقه] إذا قال: " أنا قد وطئتها في الفرج ولم أنزل "، أو قال: " عزلت "، فإنه يلحقه أيضاً.
أو قال: " وطئتها دون الفرج ولم أنزل، أو قال: عزلت " فإنه يلحقه أيضاً، وعن الإمام أحمد: أن قوله يقبل ولا يلحقه النسب.
والقول الذي يترجح لي في هذه المسألة: هو التفصيل، فيقال: إن اعترف أنه وطئها في فرجها ثم ادعى أنه لم ينزل أو أنه قد عزل فإن الولد يلحقه.

ويدل عليه ما ثبت في مسلم: أن رجلاً قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: يا رسول الله إن عندي جارية وأنا أعزل عنها فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إن ذلك لا يمنع مما أراد الله شيئاً) 1 ، ويدل عليه ما ثبت عند الشافعي بإسنادٍ صحيح أن عمر قال: " ما بال رجال يطؤون ولائدهم ثم يعزلون، لا تأتيني أمة اعترف سيدها أنه يطؤها إلا ألحقت به ولدها فاعزلوا بعد ذلك أو اتركوا ". وأما إن كان قد اعترف [أنه] 2 قد وطئها دون فرجها وقال: إنه لم ينزل، أو قد عزل، فالذي يترجح أنه لا يلحق به، وأن قوله يقبل بيمينه؛ وذلك للفرق بين المسألتين؛ فهنا لم يطأها، والولادة إنما تكون بالوطء.
وكونه قد عزل عنها أو لم ينزل عندما باشرها فيما 3 دون الفرج؛ هذا يمنع من أن يتسرب شيءٌ منه إلى فرجها بخلاف ما لو أنزل فإنه لا يمنع من تسرب شيءٍ إلى فرجها.
فلا ينسب الولد إليه، لأنه لا ولد إلا بجماع، وهنا لا جماع وكذلك لا مظنة، لأنه لو كان قد باشرها دون الفرج فأنزل فـ[ـإنه] لا مانع من أن يكون تسرب شيءٌ إلى فرجها فيكون ذلك مظنة، وأما هنا فليس الأمر كذلك، والله أعلم.
قال: [وإن أعتقها أو باعها بعد اعترافه بوطئها فأتت بولد لدون نصف سنة لحقه والبيع باطل] إذا أعتق أمةً أو باعها بعد اعترافه بوطئها فأتت بولدٍ لدون نصف سنة فحينئذٍ نعلم أنه منه، لأنه لو كان نصف سنة فأكثر لاحتُمل أن يكون من هذا المشتري الجديد، لكن هنا لدون نصف سنة فحينئذٍ نعلم أنه منه فنلحق الولد به 4 ، والبيع يكون باطلاً، لأنها تكون أم ولدٍ له، وقد تقدم أن المشهور في المذهب وهو مذهب الجمهور: أن أم الولد لا يحل بيعها.
وهنا مسائل:

المسألة الأولى: أن الشبه غير معتبر مع الفراش، فإذا ثبت الفراش فإن الولد يلحق بصاحب الفراش وإن ثبت الشبه لمدّعٍ غيره، ففي الصحيحين عن عائشة قالت: اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة في غلامٍ، فقال سعد بن أبي وقاص: هو ابن أخي عتبة عهد إليّ أنه ابنه وانظر إلى شبهه، وقال عبد بن زمعة: هو أخي ولد على فراش أبي من وليدته، فنظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوجد به شبهاً بيِّناً بعتبة – إذاً هنا تعارض الشبه والفراش، فالشبه لعتبة والفراش لزمعة – فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش وللعاهر الحجر) ، ثم قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (احتجبي منه يا سودة بنت زمعة) 1 ، وسودة هي زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرها أن تحتجب منه احتياطاً لوجود الشبه.
المسألة الثانية: أنه إذا لم يثبت فراش فادعى رجل أن هذا ابنٌ له – أي من الزنا – فهل يلحق به أم لا؟ قولان لأهل العلم: القول الأول وهو مذهب الجمهور: أنه لا ينسب إليه.
القول الثاني، وهو قول إسحاق وطائفة من التابعين وهو اختيار شيخ الإسلام: أنه ينسب إليه حيث لم يعارض الفراش أي ليس ثمة فراش معارض، قالوا: لأن هذا - أي المُلحق به – أحد الزانيين ونحن نلحقه بأمه، فإذا ثبت أن هذه المرأة قد زنت وأن هذا ولد لها من الزنا فإنه يلحق بها ويرثها وترثه ويتصل بقرابتها كاتصال ولدها وهي أحد الأبوين الزانيين، فكذلك الآخر إذا ادعاه وليس ثمة معارض وهو الفراش.

فهذا الذي ادعاه أبوه من الزنا، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في حكايته لقصة جريج أنه قال للولد: من أبوك، فقال: الراعي " 1 ، والراعي أبوه من الزنا.
وقال الجمهور: بل لا يلحق به، واستدلوا بما روى أبو داود في سننه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: " قضى أن كل مُسْتَلْحق يُسْتلْحَق بعد أبيه الذي يُدعى له، إن كان من أمة يملكها يوم أصابها فادعاه ورثته فإنه يلحق به، ثم إن ألحق به وكان هناك ميراثٌ قد قسم فليس له منه شيء، وما أدرك مما لم يقسم فله منه نصيبه ".

فإذا استلحق مستلحق ولداً بعد أبيه فإن هذا الولد إن كان من أمة يملكها هذا الأب يوم أصابها ثم ادعى الورثة أن ولد هذه الأمة التي كانت ملكاً لأبيهم أنه أخٌ لهم فحينئذٍ يلحق به، وحينئذٍ فما قسم من الميراث فليس له منه شيء، وما لم يقسم بعد فله منه نصيبه – إلا أن ينكره أبوه، ولا يلحق به إن أنكره الذي يدعى له – فإن كان أبوه الذي ينسب له الابن وهو مالك الأمة إن كان قد أنكره وهو حيٌ فإنه لا ينسب إليه بعد ذلك؛ لأن الورثة يقومون مقامه، فنحن إنما قبلنا استلحاقهم لأنهم يقومون مقامه، وهنا قد أنكر هو فلا يمكن بعد ذلك أن يثبتوا هم ما أنكره هو – وإن كان من أمة لا يملكها أو حرة قد عاهر بها فإنه لا يلحق به ولا يرثه – وهذا هو الشاهد – وإن كان قد ادعاه الذي يُدعى له – أي وإن كان هذا الأب يدعي في حياته أن هذا ولد له – وإنما هو ولد زنيةٍ من أمة كان أو حرة " 1 والحديث إسناده جيد.
وفيه أنه لو كان هذا المُدعى من أمةٍ لا يملكها من يُدعى أنه أبٌ، أو من حرة قد زنا بها فإنه لا يلحق به ولا يرث منه ولا يرثه.

وهذا هو القول الراجح؛ لثبوت هذا الحديث، وقال ابن القيم: " إن ثبت هذا الحديث وجب القول بموجبه والمصير إليه، وإلا فالقول كما قال إسحاق ومن وافقه "، والحديث إسناده جيد.
والذي يَسْتلحقُ هو الأب أو من يقوم مقامه وهم ورثته، ويشترط أن يتفقوا على ذلك، فإن خالف بعضهم فإنه لا يلحق لأنهم يقومون كلهم مقامه.
المسألة الثالثة: أن من وطئ امرأةً في شبهة - أي وطئ امرأة يظنها زوجته- فحملت من هذا الوطء فإنه يلحق به، وذلك لأنه وطءٌ يعتقد الواطئ حله؛ فأشبه الوطء بعقدٍ فاسد كالنكاح بلا ولي، فإن الرجل إذا نكح امرأةً بلا ولي وهو يعتقد حل ذلك فإن الولد ينسب إليه بلا خلاف، فكذلك إذا وطئها بنكاح شبهة لأنه يعتقد حل هذا الوطء.
المسألة الرابعة: القاعدة عند أهل العلم: " أن الولد يلحق بأبيه " لقوله تعالى: ﴿ادعوهم لآبائهم﴾ 1 ، إلا المنفي باللعان فإنه ينسب لأمه كما تقدم.
وينسب لأمه في الحرية والرق فإذا كانت أمه حرة فهو حر وإن كان أبوه رقيقاً، وإن كانت أمه رقيقةً فهو رقيق وإن كان أبوه حراً.
وأما في الدين فإنه يلحق بأخيرِهِما، فإن كان أحد الأبوين مسلماً والآخر كتابياً فإنه يلحق بالمسلم منهما سواءً كان أباً أو أماً، وإن كان أحدهما نصرانياً ولآخر وثنياً فإنه يلحق بالنصراني سواءً كان أباً أو أماً.
تم بحمد الله تعالى شرح كتاب الطلاق والإيلاء والظهار واللعان من زاد المستقنع، شرحه فضيلة الشيخ / حمد بن عبد الله الحمد، حفظه الله تعالى ونفع به.

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

باب ما يختلف به عدد الطلاق

من حرية أو عبودية أو غير ذلك من الأسباب التي يختلف بها عدد الطلاق.
قوله: [يملك من كله حر أو بعضه ثلاثاً] فإذا كان الزوج كله حراً أو كان مبعضاً أي بعضه حر وبعضه عبد فإنه يملك ثلاث تطليقات بإتفاق أهل العلم سواءً كانت الزوجة حرةً أو أمة، أما دليل من كان كله حراً فهو ظاهر في كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وقد أجمع أهل العلم عليه، وأما المبعض: فلأننا لو قلنا بأنه يكون بالنظر إلى حريته وعبوديته لبعضنا الطلاق بأن يكون له ثلاثة أرباع نصاب الطلاق والطلاق لا يتبعض لذلك ثبت له ثلاث تطليقات.
قوله: [والعبد اثنتين] اتفاقاً، فقد اتفق أهل العلم على أن للعبد تطليقتين، وفي أبي داود والترمذي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (طلاق العبد – أي البائن – تطليقتان) والحديث إسناده ضعيف، لكن العمل عليه عند أهل العلم، وقد روي ذلك عن طائفةٍ من الصحابة ولا يعلم لهم مخالف.
قوله: [حرةً كانت زوجتاهما أو أمة] فإذا كانت تحت العبد حرة فإن تطليقه البائن تطليقتان، وكذلك إذا كانت الأمة تحت الحر فإن تطليقه ثلاث تطليقات، فالمعتبر في الطلاق هو النظر إلى الزوج لا إلى الزوجة هذا هو مذهب جمهور العلماء خلافاً لأبي حنيفة، ودليل هذا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي رواه ابن ماجة وغيره: (إنما الطلاق لمن أخذ بالساق) ، فالطلاق حق للزوج فكان النظر إليه فيه.
قوله: [فإذا قال أنت الطلاق] إذا قال الرجل لامرأته " أنت الطلاق ". قوله: [أو طالقٌ] إذا قال لامرأته " أنت طالق ". قوله: [أو علي] أي قال " علي الطلاق " وحنث.

قوله: [أو يلزمني] إذا قال يلزمني الطلاق إن فعلت كذا ثم فعل.
قوله: [وقع ثلاثاً بنيتها]

أي بنيته الثلاث، فالضمير في قوله بنيتها أي بنية الثلاث فإذا قال لامرأته ما تقدم وكان قد نوى الطلاق ثلاثاً فإنه يقع ثلاثاً، وذلك لأن هذه الألفاظ المتقدم ذكرها تحتمل الثلاث والواحدة وهي في الطلقة الواحدة أظهر أي من جهة العرف لا من جهة اللغة لأن الللام تفيد الاستغراق لغةً فيكون ثلاثاً في اللغة؛ لكن في عرف العامة هي واحدة، لكنه لما نوى أن تكون ثلاثاً فعين ذلك، لأنه نوى ما يحتمله لفظه.
قوله: [وإلا فواحدة] فإذا لم ينوِ أن تكون ثلاثاً فإنها تكون واحدة، فإذا قال لامرأته: " أنت طالق " ولم ينو شيئاً فإنها تطلق واحدة وذلك لأن الواحدة أقل ما يصدق عليه هذه الألفاظ، فأقل ما يصدق عليه الاسم المتقدم هو الواحدة، وهذه المسألة وما بعدها من المسائل تتفرع على القول بطلاق الثلاث البائن بلفظة واحدة، أو في مجلس واحد أو في مجالس متعددة بلا رجعه، وقد تقدم أنه قول مرجوح والراجح أن طلاق الثلاث بكلمة واحدة طلقة واحدة.
قوله: [ويقع بلفظ كل الطلاق أو أكثره أو عدد الحصى أو الريح أو نحو ذلك ثلاثٌ ولو نوى واحدة]

إذا قال لامرأته: " أنت طالق كل الطلاق أو أكثر الطلاق أو منتهاه أو غايته أو عدد الحصى أو الريح أو أنت طالق مائة طلقة أو ألف طلقة " أو نحو ذلك فإنه يقع الطلاق ثلاثاً ولو نوى واحدة، فلا عبرة بنيته وذلك لأن صريح لفظه يخالف نيته، فصريح لفظه الطلاق المتعدد الذي يحصل معه البينونة، فهنا ما نواه لا يحتمله اللفظ فإذا قال لها: " أنت طالق أكثر الطلاق " ونوى أن تكون واحدة فإن نيته لا يحتملها لفظه كما أنه لو قال: " أنت طالق واحدة " ونوى أن يكون ثلاثاً فإن هذا الطلاق لا يكون إلا واحدة، وذلك لأن هذه النية لا يحتملها اللفظ، فإن قال لزوجته " أنت طالق عُظم الطلاق " أو " أنت طالق أقبح الطلاق " أو " أنت طالق كالجبل " أو " عُظم الطلاق " فإن لم ينوِ ثلاثاً فإنها تكون واحدة، وذلك لأن هذه الألفاظ لا ترجع إلى العدد وإنما ترجع إلى كيفية الطلاق، فترجع إلى الطلاق نفسه كيفاً لا عدداً فإن نوى ثلاثاً فإنها تقع ثلاثاً لأن اللفظ يحتمل ذلك لكن إن لم ينوِ شيئاً أو نوى أن تكون واحدة فإنها تقع واحدة لأن لفظه ليس فيه تصريح بالعدد بخلاف قوله: " أنت طالق أكثر الطلاق " أو " منتهاه " فهو يعود إلى العدد.
قوله: [وإن طلق عضواً أو جزءاً مشاعاً أو معيناً أو مبهماً] إذا طلق عضواً كأن يطلق يداً أو رجلاً أو كبداً أو جزئاً مشاعاً كالنصف والربع فيقول: " نصفك طالق"، أو معيناً أي جزئاً معيناً كأن يقول: " النصف الفوقاني منك طالق" أو مبهماً كأن يقول: " جزئك طالق "، فالحكم أنها تطلق طلقة وذلك لأن المرأة لا تتبعض بالحل والحرمة، وفيها ما يقتضي التحريم وما يقتضي الإباحة فغلب جانب الحرمة.
قوله: [أو قال نصف طلقة أو جزء من طلقة طلقت]

إذا قال لها: " أنت طالق نصف طلقة أو جزء طلقة " أي سواء أبهم كقوله: " جزء طلقة " أو حدد كقوله: " جزءاً من طلقة " فإنها تطلق، وذلك لأن الطلاق لا يتبعض فإذا طلق النصف أو الربع فإنها تقع عليه طلقة واحدة.
قوله: [وعكسه الروح] فإذا قال لها: " روحك طالق " فإنها لا تطلق، هذا هو أحد القولين في المذهب قالوا: لأن الروح ليست بعضو وليست شيئاً يتمتع به وهو المذهب عند المتأخرين.
والقول الثاني في المسألة وهو قول في مذهب الإمام أحمد، وقال صاحب الإنصاف هو المذهب واختاره الشيخ عبد الرحمن بن سعدي؛ أنه إذا طلق الروح فإنها تطلق عليه وذلك لأنه لا حياة للمرء بلا روح، فإن قوام البدن الروح، فعليه يقع الطلاق، ولا شك أن هذا أولى من تطليق يدها أو رجلها ونحو ذلك، فالراجح أن طلاق الروح يقع فتطلق به المرأة، لأنه لا حياة لليد بدون روح.
قوله: [والسن والشعر والظفر ونحوه] إذا قال: " شعرك طالق " أو " أو سنك طالق " أو " ظفرك طالق " ونحوه كالسمع والبصر، فإنها لا تطلق عليه، قالوا: لأن هذه الأشياء تنفصل عن الإنسان مع سلامته من غير عطب، فإن الشخص قد يحلق شعره ويقلم أظفاره ويقلع سنه ولا يتضرر شيء منه.
والقول الثاني في المسألة وهو قول الشافعية والمالكية؛ أن الطلاق يقع، لأن المذكور وهو الظفر والشعر والسن ونحوها مما استباحه الناس بالنكاح فيقع الطلاق بتطليقه، والأول أولى وذلك لأن الأصل بقاء عصمة النكاح وما ذكره أهل القول الأول من الاستدلال فيه قوة فإن هذه الأشياء المذكورة تنفصل مع السلامة، بخلاف الإصبع مثلاً فإنها لا تنفصل إلا مع عطب فإنها تجرح البدن ويتأذى البدن بذلك وكذلك اليد والرجل أو نحو ذلك.
قوله: [وإذا قال لمدخول بها: أنت طالق وكرره وقع العدد، إلا أن ينوي تأكيداً يصح أو إفهاماً]

إذا قال لامرأته التي قد دخل بها: " أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق " وقع العدد، فإذا قال لها: " أنت طالق، أنت طالق " فإنه يقع الطلاق اثنتين وإذا قال: " أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق " فإنها تقع ثلاثاً، إلا أن ينوي تأكيداً، فإذا كانت بنيته تأكيد الطلاق أو إفهامها أو إفهام السامع فإنه تقبل نيته حكماً، وتقبل أيضاً في الباطن ويدين بذلك فيما بينه وبين ربه بما ادعاه بنيته، وذلك لأنه أعلم بلفظه وهذا اللفظ يحتمل التأكيد والإفهام ويحتمل التعدد فلما ثبت هذان الاحتمالان قبلت نيته، لكن لابد أن يكون ينوي تأكيداً يصح، وأن يكون اللفظ يحتمل ذلك، فإذا قال لها: " أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق " وقال نويت التأكيد فإنه يقبل معه لأن هذه الجمل قد اتصلت، لكن إذا قال لها اليوم: " أنت طالق " وقال لها غداً: " أنت طالق " وقال أريد التأكيد، فإن هذا لا يقبل منه لأن هذا لا يكون منه تأكيداً، فالتأكيد متصل بالكلام كسائر التوابع والإفهام نوع منه.
إذن: إنما يقبل منه حيث أمكن التأكيد أو أمكن الإفهام أما إذا كان لا يمكن مع لفظه التأكيد والإفهام فإنه لا يقبل منه.
قوله: [وإن كرره ببل أو بثم أو بالفاء أو قال بعدها، أو قبلها أو معها طلقةٌ وقع اثنتان]

إذا قال لها: " أنت طالق بل طالق " أو: " أنت طالق ثم طالق " أو: " أنت طالق فطالق " أو: " أنت طالق وطالق " أو قال: " أنت طالق بعدها طلقة " أو: " أنت طالق قبلها طلقة " أو: " أنت طالق معها طلقة " وقعت طلقتان، وذلك لأن مثل هذه الألفاظ ظاهرة في التغاير، فالثلاث الأول حروف عطف، وحروف العطف الأصل فيها المغايرة، فعليه ظاهر لفظه أنت طالق طلاقاً آخر، كذلك إذا قال لها: " أنت طالق بعدها طلقة " أو: " أنت طالق قبلها طلقة " أو: " أنت طالق طلقة معها طلقة " ونحو ذلك، فإنه لا يقبل ادعاؤه التأكيد ولا ادعاؤه الإفهام، لأن التأكيد والإفهام هنا احتمال بعيد، لكن لو كان في الباطن أراد التأكيد فإنه يدين بذلك فيما بينه وبين ربه، وأما في الحكم الظاهر فإن القاضي يحكم عليه بما يقتضيه لفظه.
قوله: [وإن لم يدخل بها بانت بالأولى ولم يلزمه ما بعدها] إذا كانت المرأة غير مدخول بها وقال لها: " أنت طالق ثم طالق " أو نحو ذلك، فإنها تبين بالأولى وحينئذٍ تكون عليها طلقة واحدة لأن غير المدخول بها تبين بطلقة واحدة فقوله لها: " أنت طالق " فبهذه اللفظة الأولى تبين منه، فإذا كرر بعدها طلقتين مثلاً فإن هاتين الطلقتين الأخريين قد وقعتا في حالة البينونة، وطلاق البائن لا يمضي، فعلى ذلك له أن يتزوجها من غير اشتراط أن تنكح زوجاً غيره، فيعقد عليها عقداً جديداً.
قوله: [والمعلق كالمنجَزِ في هذا] المعلق كقوله: " إذا دخلت الدار فأنت طالق طالق "، فالمنجز أي كقوله: " أنت طالق أنت طالق أنت طالق "، فلو أن رجلاً قال لامرأة غير مدخول بها: " إذا دخلت الدار فأنت طالق ثم طالق ثم طالق " فإنها تبين منه بالأولى إذا دخلت الدار، ولا يقع عليها الثاني ولا الثالث لأنها أصبحت بائناً بالأولى.

فصل هذا الفصل في الاستثناء في الطلاق وأحكامه قوله: [ويصح منه استثناء النصف فأقل من عدد الطلاق والمطلقات]

يصح من الزوج أن يستثني النصف فأقل من عدد الطلاق ومن عدد المطلقات، هذه المسألة ترجع إلى ما هو مرجح في علم الأصول وهو مذهب الحنابلة من صحة استثناء النصف فأقل، أما استثناء الكل أو الأكثر فإنه لا يصح فإذا قال لزيد " علي مائة ريال إلا مائة " فهذا استثناء كل ولا يصح، فيكون قد أقر بمائة ولا يصح استثناؤه، ولو قال لزيدٍ: "على مائة إلا تسعين" فلا يصح الاستثناء ويكون قد أقر بالمائة أما إذا استثنى النصف فأقل كأن يقول: " له علي مائة إلا خمسين" أو: " له علي مائة إلا أربعين" فإن الاستثناء يصح، فعلى ذلك إذا طلق امرأته ثلاثاً واستثنى الكل فقال: " أنت طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً " أو الأكثر فقال: " أنت طالق ثلاثاً إلا اثنتين " فإن الاستثناء لا يصح وتكون طالقاً ثلاثاً، أما إذا استثنى النصف فأقل كأن يقول: " أنت طالق اثنتين إلا واحدة " أو " أنت طالق ثلاثاً إلا واحدة " فإن الاستثناء يصح ولذا قال المؤلف: [فإذا قال: أنت طالقٌ طلقتين إلا واحدة، وقعت واحدة، وإن قال: ثلاثاً إلا واحدة فطلقتان] كذلك في المطلقات، فلو قال: " نسائي الأربع طوالق إلا واحدة، فيصح الاستثناء ولو قال: "نسائي الأربع طوالق إلا اثنتين"، فيصح الاستثناء.
قوله: [وإن استثنى بقلبه من عدد المطلقات صح دون عدد الطلقات] فإذا استثنى بقلبه من عدد المطلقات صح ذلك، كأن يقول: " نسائي طوالق وله ثلاث " واستثنى بقلبه فلانه فإن هذا الاستثناء يصح في الحكم، وأما في الباطن أي في النية فلا إشكال فيه أنه يصح أي بأن يدين في ذلك فيما بينه وبين ربه، وأما في الحكم فكذا لك في المذهب، وذلك لأن اللفظ العام قد يراد به الخصوص وحينئذٍ فهذه النية تصرف اللفظ إلى بعض أفراده.

والقول الثاني وهو رواية عن الإمام أحمد وهو مذهب الشافعية أن الطلاق يقع كما تلفظ به ولا عبرة بنيته، وهذا هو القول الراجح، وذلك لأن الحكم إنما يعتبر بالظاهر، والظاهر من لفظه أن نساءه كلهن طوالق، فيحكم عليه بما اقتضاه ظاهر لفظه، وأما نيته فهي بينه وبين ربه، فإن لم يكن هناك ترافع أمام القاضي فإنه إن علم من نفسه الصدق فإنه يبقي امرأته وأما إن علم من نفسه الكذب فإنها لا تحل له إن كان الطلاق بائناً وإلا فإنه يحسبها طلقة، وأما في الطلقات فلا لا ديناً ولا حكماً، فلا يدين بذلك ولا يحكم به؛ أي بالاستثناء، فإذا قال رجل لامرأته: " أنت طالق ثلاثاً " ونوى في قلبه إلا واحدة فلا يعتبر بهذا الاستثناء المنوي غير المتلفظ به في الحكم وذلك للتعليل المتقدم في المسألة السابقة، وكذلك لا يدين بنيته فلا يقال: " إن كنت صادقاً فيما نويته فهي امرأتك " لا يقال ذلك، وذلك لأن العدد نص فيما يتناوله؛ أي ليس هناك احتمال، فإن قال: " أنت طالق ثلاثاً " فليس هناك أي احتمال أخر ممكن بخلاف ما إذا قال " نسائي طوالق " فإنه يحتمل أن يريد البعض فالنية إنما تصرف اللفظ المحتمل إلى أحد محتملاته وأما ما لا يحتمله اللفظ فلا، وإلا لجاز العمل بالنية المجردة في النكاح والطلاق ونحو ذلك، وهذه المسألة متفرعة على قول جمهور أهل العلم من إيقاع طلاق الثلاث ثلاثاً وإلا فالراجح أن طلاق الثلاث واحدة، ومثل ذلك إذا قال: " نسائي الأربع طوالق " أو قال: " ثلاثتكن طوالق " ونوى إلا واحدة فلا عبرة بنيته لأن قوله: " نسائي الأربع " وقوله: " ثلاثتكن " هذا عدد والعدد نص فيما يتناوله وعليه فالنية لا تصرفه كما تقدم تقريره.
قوله: [وإذا قال: أربعكن إلا فلانة طوالقٌ صح الاستثناء] وذلك لأن هذه المرأة قد خرجت باستثناء صحيح.
قوله: [ولا يصح استثناء لم يتصل عادة]

يشترط في الاستثناء أن يتصل في العادة، يتصل لفظاً أو حكماً، اتصاله لفظاً: بأن يتبع المستثنى المستثنى منه، فإن قال: " نسائي طوالق إلا فاطمة " فقوله: " إلا فاطمة " فاطمة هي المستثنى وقوله " نسائي طوالق " المستثنى منه، فهنا قد تبع المستثنى المستثنى منه تبعه لفظاً فالاستثناء صحيح.
وأما اتصاله حكماً: فهو لم يتبعه لفظاً لكنه تبعه حكماً، وذلك فيما إذا كان هناك فاصل بين المستثنى والمستثنى منه، وكان الفاصل لا يقطع في العادة، كأن يقول: " نسائي طوالق " ثم يعطس أو يسعل ثم يقول: " إلا فلانة " فلا تطلق عليه وذلك لأن الاستثناء متصل في العادة لكنه ليس متصل لفظاً بل هو متصل حكماً.
قوله: [فلو انفصل وأمكن الكلام دونه بطل] فإذا قال: " نسائي طوالق " ثم تكلم بكلام أجنبي أو سكت سكوتاً طويلاً يقطع في العرف ثم قال: " إلا فلانة " فإن الطلاق يقع على كل نسائه ولا يصح استثناؤه، وذلك لوجود الانقطاع، فهذا الطلاق الذي تلفظ به لا يمكن رفعه بمثل هذا الاستثناء المنقطع أما الاستثناء المتصل فإنه يجعل اللفظ جملة واحدة، أي يجعل المستثنى منه والمستثنى جملة واحدة لا يقع الكلام إلا بتمامها.
قوله: [وشرطه النية قبل كمالِ ما استثنى منه] هذا الحكم في الاستثناء وفي الشرط، فلو قال رجل: " نسائي طوالق " ثم استدرك وقال: " إلا فلانة " فهو عندما قال: " نسائي طوالق " لا ينوي استثناء هذه المرأة المستثناة بل نواه بعد إتمامه اللفظ، فالاستثناء لا يصح ويقع الطلاق على كل المستثنى، وكذلك الشرط، فلو أن رجلاً قال لامرأته: " أنت طالق" ثم استدرك فقال: " إن دخلت الدار " فالشرط هنا لا يصح لأنه لم ينوه أثناء اللفظ قالوا: لأن الشرط والاستثناء يصرفان اللفظ عن مقتضاه فوجب أن يقترنا به لفظاً ونية في المنجز والمعلق فتدخل فيه يمين.

وختار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، وذكر شيخ الإسلام: " أنه هو ما يدل عليه كلام الإمام أحمد، وأن عليه كلام متقدِمي أصحاب الإمام أحمد "، واختاره من المتأخرين الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: أن الاستثناء يصح وإن لم ينوِ المستثنى منه فيما يقصد به اليمين لا الإيقاع.
واستدلوا بأدلة من الكتاب والسنة، فمن ذلك قوله تعالى ﴿ولاتقولن لشيءٍ إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله﴾ ، فجمهور المفسرين أن هذا فيمن نسي الاستثناء.
والقول الثاني عند المفسرين أنه يعم من نسي الاستثناء ومن لم ينسه قال ابن القيم: وهو الصواب: " وعلى كلا التفسيرين فإن المسألة المتنازع فيها داخلة في هذه الآية "، فالرجل إذا قال: " سأفعل غداً " وقد نسي أن يستثني ثم قال " إن شاء الله " فهذا الإستثناء نافع مع أنه لم ينوه مع لفظه، فكذلك في هذه المسألة المتنازع فيها، ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين، أن سليمان عليه السلام قال: " لأطوف الليلة على سبعين تحمل كل امرأة فارساً يجاهد في سبيل الله " فقال له الملك: " إن شاء الله " فلم يقل، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (فلم تحمل شيئاً - أي من نسائه – إلا واحداً قد بقي أحد شقيه، ولوا قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله) ، فهذا الحديث دل على أن قوله: " إن شاء الله " بعد الكلام نافع ومؤثر، ومن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - في المتفق عليه لما نهى عن قطع شوك مكة وحشيشها قال له العباس " إلا الإذخر " فقال: (إلا الإذخر) ، ولم يكن قد نوى الاستثناء وهذا هو القول الراجح لقوة أدلته.

والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

باب الطلاق في الماضي والمستقبل قوله: [إذا قال: أنت طالق أمس أو قبل أن أنكحك، ولم ينو وقوعه في الحال لم يقع] إذا قال الزوج لامرأته: " أنت طالق أمس " أو نحو ذلك فإن الطلاق لا يقع، وكذلك إذا قال: " أنت طالق قبل أن أنكحك " فالطلاق لا يقع، وذلك لأن فيه رفعاً لاستباحة النكاح في المضي، وذلك ليس للمكلف، فالمكلف إنما له رفع الاستباحة في الحال أو في المستقبل، وأما رفع إباحة الفرج وغيره مما يباح في النكاح في المضي فليس له ذلك.، قوله:" ولم ينو وقوعه في الحال لم يقع " هذا قيد في عدم الوقوع لكن لو نوى الوقوع في الحال فإن الطلاق يقع، فإذا قال: أنت طالق أمس " وهو ينوي الوقوع في الحال أي أن الطلاق واقع عليها في الحال استناداً إلى وقوعه في المضي فإنه يقع، والقول الثاني في المسألة:أنه لا يقع وهو أظهر وذلك لأن النية لا يحتملها لفظه، فهو ينوي وقوع الطلاق في الحال، ولفظه في المضي، فكما لو كانت النية مجردة، والنية المجردة لا يقع معها الطلاق.
قوله: [وإن أراد بطلاق سبق منه أو من زيد وأمكن قُبل] الذي لا يقع - فيما تقدم – هو إنشاء الطلاق، لكن لو كان مخبراً، فقال لها: " أنت طالق أمس " من باب الإخبار وليس من باب الإنشاء، فإذا قال: " أنت طالق أمس " وقال أريد بذلك طلاقاً سابقاً مني أو طلاقاً سابقاً من غيري، وأمكن هذا، وذلك بأن يكون صادقاً في قوله فقد طلقها هو قبل، أو طلقها زوج آخر قبله، فإنه يقبل لأن لفظه يحتمله، وأما إذا لم يكن ذلك، وذلك بأن لا يكون طلقها قبل ذلك ولا يكون لها زوج قبله فإن الطلاق يقع، وذلك لأنه حينئذٍ يكون قد أخبر عن قول له فيكون في ذلك إقرار يتعلق به حق غيره وهو المرأة وحينئذٍ لا يقبل في الحكم، لكنه يديّن بنيته التي يدعيها فيما بينه وبين ربه.

قوله: [فإن مات أو جُنّ أو خرس قبل بيان مراده لم تطلق] إذا قال لها: " أنت طالق أمس " ثم جن أو مات أو خرس قبل بيان مراده فإنها لا تطلق إعمالاً للمتبادر من لفظه أنه إنشاء، والإنشاء للطلاق في المضي لا يقع منه الطلاق، وأيضاً عصمة النكاح ثابتة فلا تزال بالشك، فإذا قال: " أنت طالق أمس " من باب الإخبار وادعى أنه ينوي بذلك طلاقاً سابقاً وقد كان طلقها طلاقاً سابقاً، لكنه قال لها ذلك في حالة غضب أو عند سؤالها الطلاق فإنه لا يقبل قوله وذلك لوجود قرينة الحال التي تكذب قوله.
قوله: [وإن قال: طالق قبل قدوم زيدٍ بشهر] إذا قال لها: " أنت طالق ثلاثاً قبل قدوم زيدٍ بشهر " ولا يدري متى يقدم زيد، فيحتمل أن يقدم بعد شهر من اليوم ويحتمل أن يكون بعد شهر من الغد، ويحتمل أن يكون بعد شهرين، وعليه تبقى المرأة معلقة ولا يحل له أن يطأها وذلك لأنه في كل يوم يحتمل أن يكون هو اليوم الذي يكون قدوم زيدٍ بعده بشهر، وعليه فلا يحل له أن يطأها إن كان الطلاق يبينها وتجب لها النفقة لأنها محبوسة لأجله.
قوله: [فقدم قبل مضيه لم تطلق] فإذا قال:" أنت طالق قبل قدوم زيدٍ بشهر " فقدم زيد بعد أسبوع، فإن المرأة لا تطلق، وذلك كما لو قال:" أنت طالق أمس " لأن طلاقه يكون في المضي، لأن زيداً قدم بعد أسبوع فحينئذٍ يكون الطلاق قد وقع في المضي، لأن قبل قدوم زيد بشهر مضياً.
قوله: [وبعد شهرٍ وجزءٍ تطلق فيه يقع] أي إذا جاء بعد شهر وجزء أي لحظة يقع فيها قول " أنت طالق " فإذا جاء بعد شهر وجزء فإنه يقع الطلاق عليها وذلك لوجود الصفة المذكورة.
قوله: [فإن خالعها بعد اليمين بيومٍ، وقدم بعد شهرٍ ويومين صح الخلع، وبطل الطلاق]

إذا قال: " أنت طالق قبل قدوم زيدٍ بشهر " وبعد يوم خالعها، ثم قدم زيد بعد شهر ويومين، فتبين لنا أن المرأة كانت في عصمته حين المخالعة، فعلى ذلك الخلع صحيح لثبوت الزوجية ويبطل الطلاق لأنه صادف امرأة بائناً في الخلع.
قوله: [وعكسها بعد شهر وساعة] أي لحظة يقع بمثلها الطلاق، فإذا قال لها: " أنت طالق قبل قدوم زيدٍ بشهر " ثم خالعها وبعد شهر وساعة قدم زيد، فالمخالعة هنا صادفت بينونة، وعليه فالطلاق صحيح والخلع باطل، والخلع إنما يصح حيث لم يكن حيلة، أما إذا كان حيلة فإنه لا يصح كما تقدم.
قوله: [وإن قال: طالقٌ قبل موتي طلقت في الحال] إذا قال لزوجته: " أنت طالق قبل موتي " فإنها تطلق في الحال، وذلك لأنه ما من وقت إلا وهو قبل موته، أما لو قال: " قبيل موتي " فإن هذا الجزء يفيد التصغير فيكون في الجزء الذي يليه الموت أي في آخر لحظات عمره.
قوله: [وعكسه معه أو بعده] فلوا قال لامرأته: " أنت طالق مع موتي أو بعد موتي " فإن الطلاق لا يقع وذلك لأن البينونة تحصل بالموت فإذا مات الزوج بانت منه امرأته، لذا تعتد وتنكح زوجاً آخر بعده، وعلى ذلك فإن هذا الشرط يصادفها بائناً والبائن لا يقع عليها الطلاق.

فصل قوله: [وأنت طالقٌ إن طرتِ أو صعدت السماء أو قلبتِ الحجر ذهباً ونحوه من المستحيل لم تطلق] إذا قال لامرأته: " أنت طالق إن طرت إلى السماء أو صعدت السماء أو قلبت الحجر ذهباً " ونحوه من المستحيل فإنها لا تطلق وذلك لأن هذه الصفة لا توجد، فهذه الصفة التي علق الطلاق عليها لا توجد، والطلاق إنما يقع حيث وجدت هذه الصفة والصفة هذه لا توجد لأنها من المستحيلات.
قوله: [وتطلق في عكسه فوراً] إذا قال " أنت طالق إن لم تستطيعي أن تصعدي السماء " فقد علق الطلاق على عدم فعل المستحيل، وعدم فعله معلوم في الحال، فيعلم تحققه في الحال فيقع الطلاق فوراً.

قوله: [وهو النفي في المستحيل مثل لأقتلن الميت أو لأصعدن السماء ونحوهما] فهذه أمور مستحيلة، فالميت لا يمكن قتله، وكذلك لأصعدن السماء ونحوهما، ففي مثل هذه المسائل يقع الطلاق في الحال لأنه علق طلاقه على عدم فعله للمستحيل وعدم فعله للمستحيل معلوم في الحال كما لو قال أنت طالق لأقتلن الميت أو إن لم أقتل الميت.
قوله: [وأنت طالق اليوم إن جاء غدٌ لغو] إذا قال رجل لامرأته " أنت طالق اليوم إن جاء غدٌ " فإن ذلك يكون لغواً، قالوا: لأن مقتضى لفظه إيقاع الطلاق في هذا اليوم حيث جاء الغد فيه، ومعلوم أن مجيء الغد في اليوم أمر لا يمكن، وعليه فإن هذا يكون من باب اللغو.
والقول الثاني في المسألة وهو قول القاضي من الحنابلة أن الطلاق يقع في الحال لأن مجيء الغد معلوم قطعاً فالراجح أنه يكون طلاقاً اليوم وذلك لأن مجيء الغد أمر معلوم.
قوله: [وإذا قال: أنت طالق في هذا الشهر أو اليوم طلقت في الحال] إذا قال الرجل لامرأته " أنت طالق في هذا الشهر " أو " هذا اليوم " أو " في هذه السنة " فإن الطلاق يقع في الحال، وذلك لأنه جعل اليوم وجعل الشهر وجعل السنة ظرفاً لطلاقه وهذا يحصل في كل جزء من أجزاء اليوم وفي كل جزء من أجزاء الشهر وفي كل جزء من أجزاء السنة.
قوله: [وإن قال: في غدٍ أو السبت أو رمضان طلقت في أوله] إذا قال " أنت طالق في السبت أو في غدٍ أو في رمضان " فإنها تطلق في أوله، وذلك لأن جعل رمضان ظرفاً لطلاقه فكل جزء من رمضان يصح أن يكون ظرفاً لهذا الطلاق وهذا هو ظاهر لفظه.
قوله: [وإن قال: أردتُ آخر الكل دُين وقبل]

فإذا قال " أنا لم أرد أوله وإنما أردت آخره " قُبل منه في الحكم ودين بنيته فيما بينه وبين ربه، وذلك لأن نيته يحتملها لفظه، وذلك لأن وسط الشهر وآخره منه وعليه فلا تطليق عليه إلا في آخر الشهر، لكن إذا قال " أنت طالق غداً " أو " يوم السبت " ولم يقل " في " فهنا قد جعل الطلاق في غدٍ كله فلا بد وأن يشمل اليوم كله الطلاق، وعليه فلا يحكم عليه بالظاهر في نيته، لأن نيته تخالف ظاهر لفظه ولا يحتملها اللفظ، فإذا قال " أنت طالق غداً أو يوم السبت " وقال أردت آخر النهار، فإن ذلك لا يقبل منه وذلك لأن مقتضى لفظه وقوع الطلاق عليها في اليوم كله وأنها في كل جزء من أجزاء ذلك اليوم طالق وعليه فنيته تخالف ظاهر لفظه، وعلى ذلك فلا يقبل قوله في الحكم، والمشهور في المذهب؛ أنه لا يُدّن به فيما بينه وبين ربه، والذي يترجح وهو قول في المذهب أنه يدين فيما بينه وبين ربه بنيته وذلك لأن اللفظ يحتمل ذلك من باب المجاز، أي أنت طالق بعض غدٍ أو بعض يوم السبت.
قوله: [وأنت طالق إلى شهرٍ طلقت عند انقضائه] إذا قال لها " أنت طالق إلى شهر " أو " إلى سنة " فإن المرأة تطلق عليه عند انقضاء الشهر وعند انقضاء السنة، وذلك لأنه جعل للطلاق غاية وهي قوله " إلى شهر" والطلاق لا غاية لآخره كما هو معلوم فتعين أن تكون الغاية لأوله، فعلى ذلك قوله " إلى شهر " أي ابتداءً للطلاق بعد مضي الشهر، وكذلك إذا قال " أنت طالق سنة ". قوله: [إلا أن ينوي في الحال فيقع] فإذا نوى ذلك في الحال فإن الطلاق يقع.
قوله: [وطالقٌ إلى سنةٍ تطلق باثني عشر شهراً] إذا قال " أنت طالق إلى سنة " فإن المرأة تطلق عليه بمضي اثني عشر شهراً.
قوله: [فإن عرفها باللام طلقت بانسلاخ ذي الحجة]

فإذا قال " أنت الطلاق إذا قضت السنة " أو قال " إذا مضى الشهر "، فإذا مضى الشهر الذي هو فيه أو مضت السنة التي هو فيها وإن كان في آخرها فإنها تطلق عليه، فلو أن رجلاً قال لامرأته وهو في العاشر من ذي الحجة " أنت طالقة إذا مضى الشهر " فهنا " أل " هي " أل " العهدية الحضورية وعليه فتطلق المرأة، إذا مضى هذا الشهر الذي هم فيه، كذلك إذا قال في شهر ذي القعدة " أنت طالق إذا مضت السنة " فتطلق عليه إذا مضت السنة التي هو فيها وذلك بانسلاخ شهر ذي الحجة، وإن قال أردت اثني عشر شهراً قُبِلَ حكماً.
فائدة: إذا قيل له قد زنت امرأتك فقال: " هي طالق "، ثم تبين أنها لم تكن زنت، فقال أبي عقيل: لا تطلق وجعل السبب كالشرط اللفظي وهو قول عطاء وهو الظاهر كأنه قال إن زنت فهي طالق.
والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

باب تعليق الطلاق بالشروط

أي بالشروط اللغوية كقوله لزوجته " إن دخلت الدار فأنت طالق " والشرط هنا ينقسم إلى قسمين: شرط محض: وهو الذي يقصد المشترط فيه إيقاع الطلاق مع حصوله - أي مع حصول هذا الشرط -، فإذا قال لزوجته " إن جاء رمضان فأنت طالق " أو قال " إن دخلت الدار فأنت طالق " فهده شروط محضة يقصد بها إيقاع الطلاق متى حصل الشرط، وفي البخاري معلقاً: أن ابن عمر سأله نافع عن رجل قال لامرأته " أنت طالق البته إن دخلت الدار " فقال: إن دخلت الدار فهي بائن.
الشرط الذي لا يقصد معه إيقاع الطلاق وإنما يقصد معه الحض أو المنع لنفسه أو لامرأته أو لغيرهما، كأن يقول لامرأته " إن خرجت من الدار بغير إذني فأنت طالق " وهو لا يقصد إيقاع الطلاق بل يقصد منعها من الخروج، أو يقول الآخر " إن لم تدخل في داري فامرأتي طالق " أو يقول " إن لم أفعل كذا فامرأتي طالق " ونحو ذلك مما يقصد معه الحض أو المنع وهو ما يسمى بالحلف بالطلاق، فليس المقصود بالحلف بالطلاق أن يقول " والطلاق " بل المقصود أن تكون الجملة التي فيها تعليق الطلاق بمعنى اليمين، فإذا قال للرجل " إن لم تدخل الدار فامرأتي طالق " كأنه قال " والله لأطلقن امرأتي إن لم تدخل الدار ". فجمهور أهل العلم أنه يقع الطلاق فيها إذا وقع الشرط وذلك لحصول الشرط الذي علق الطلاق به.
وذهب أهل الظاهر وهو قول طائفة من السلف والخلف وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم الجوزية واختاره الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن الطلاق لا يقع وأنها يمين ويكفرها، واستدلوا بما يأتي:

أن هذه الألفاظ أيمان باتفاق أهل اللغة، وعليه عرف الفقهاء كما ذكر شيخ الإسلام، وعليه فيدخل في عموم قوله تعالى: ﴿قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم﴾ وفي قوله - صلى الله عليه وسلم -: (إني إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني) . أن العبرة بالنيات والمقاصد لا بالألفاظ، فالأحكام لا تترتب على الألفاظ إلا إذا كان المتكلم قاصداً المعنى وهنا ليس الأمر كذلك فهو لا يقصد الطلاق وإنما يقصد الحث والمنع.
ويستدل على هذا بالقصة التي رواها البيهقي وغيره عن أبي رافع؛ أن مولاته قالت له " أنا يوماً يهودية ويوماً نصرانية وعبيدي كلهم أحرار ومالي كله في سبيل الله وأمشي على قدمي إلى بيت الله إن لم تطلق امرأتك " فسأل ابن عمر وابن عباس وعائشة وحفصة وأم سلمة فكلهم قال " تكفر عن يمينها "، فإذا كان هذا في في العتق وفي النفقة وفي الصدقة المستحبة التي يتشوف الشارع إليها إذا كان هذا في ذكره فأولى أن يكون في الطلاق الذي يبغضه الشارع، وهذا هو القول الراجح لقوة أدلته.
... قوله: [لا يصح إلا من زوج] ... لا يصح الطلاق المعلق إلا من زوج، فلو قال " إن تزوجت فلانة فهي طالق " فلا تطلق عليه عند جماهير أهل العلم، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه الترمذي وغيره والحديث حسن: (لا نذر لابن آدم فيما لا يملك ولا عتق له فيما لا يملك ولا طلاق له فيما لا يملك) وهي أجنبية عنه، وقال تعالى ﴿يا أيها الذين أمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن﴾ ، فرتب الطلاق على النكاح فلا طلاق قبل نكاح.
قوله: [فإذا علقه بشرطٍ لم تطلق قبله] هذا ظاهر، فإذا قال " إن خرجت الدار فأنت طالق "، لم تطلق قبله لعدم حصول الشرط الذي قد علق الطلاق به.
قوله: [ولو قال: عجلته]

إذا قال لامرأته " أنت طالق إن جاء شهر رمضان " ثم قال " عجلته " أي عجلت الطلاق المعلق، فهنا لا ينفعه هذا فلا يمكنه أن يعجله بل يقع في الوقت الذي قد شرطه فيه، قالوا؛ لأنه ليس له من سبيل إلى ذلك فهو معلق بزمن مستقبل فلم يكن إليه من سبيل لا بتصريح ولا بتأخير، وعليه فإذا أراد أن يطلقها طلاقاً آخر فإنه يطلقها حينئذٍ فإن كانت في عصمته في رمضان طلقت طلاقاً آخر هذا هو مذهب جمهور أهل العلم وهذا هو مذهب جمهور أصحاب الإمام أحمد، قال شيخ الإسلام " وفي ذكر جمهور الأصحاب نظر وذلك أنه يملك تعجيل الدين ولا فرق بين حقوق الله تعالى وحقوق العباد في الجملة سواء في شرع أو شرط "، وفيما قاله رحمه الله قوة والله أعلم.
قوله: [وإن قال سبق لساني بالشرط ولم أرده وقع في الحال] إذا قال " إن دخلت الدار فأنت طالق " ثم قال " سبق لساني بالشرط، إذن هو يريد أن يوقعه فإنه يقع في الحال لأنه أقره على نفسه بما هوأغلظ.
قوله: [وإن قال: أنت طالق وقال: أردت إن قمتِ لم يقبل حكماً] إذا قال " أنت طالق " ثم قال " أردت إن قمت " فإن هذا لا يقبل في الحكم لأن هذا خلاف الظاهر، فقوله " أنت طالق " هذا يدل على أنه أراد الطلاق المنجز وكونه يقول " أردت إن قمت " هذا يجعله طلاقاً معلقاً وهذا خلاف الظاهر المتقدم والحكم إنما يتعلق بظاهر الألفاظ، وأما في الباطن فإنه يدين بنيته فيما بينه وبين ربه.
قوله: [وأدوات الشرط إن وإذا ومتى وأي ومن وكلما، وهي وحدها للتكرار] فالأدوات المتقدمة لا تفيد التكرار سوى " كلما ". قوله: [وكلها ومهما بلا لم أو نية فورٍ أو قرينته للتراخي] الأدوات المتقدمة وكذلك مهما إذا لم تقترن بها " لم " ولم تقترن بها نية الفورية أو قرينة الفورية فإنها تفيد التراخي.
قوله: [ومع لم للفور]

فإذا اقترنت بهذه الأدوات " لم " فإنها تفيد الفورية إلا بقرينة تدل على التراخي، كأن يقول " إذا لم تفعلي كذا فأنت طالق " أو " متى لم تفعلي كذا " أو " أي وقت لم تفعلي كذا " أو " كلما لم تفعلي كذا فأنت طالق " فهي تفيد الفورية.
قوله: [إلا إن مع عدم نية فورٍ أو قرينةٍ] "إن" إذا اقترنت بها " لم " فإنها لا تفيد الفورية، مع عدم نية الفور أو القرينة.
قوله: [فإذا قال: إن قمت أو إذا أو متى أو أي وقتٍ أو من قامت، أو كلما قمت فأنت طالقٌ فمتى وجد طلقت] فمتى وجد القيام فإنها تطلق في أي يوم وفي أي ساعة.
قوله: [وإن تكرر الشرط لم يتكرر الحنث إلا في كلما] إذا قال " إن قمتِ فأنت طالق " فقامت فإنها تطلق، فإن قامت مرة أخرى فإنها لا تطلق فإن هذه الأدوات لا تفيد التكرار بخلاف " كلما "، فإذا قال " كلما قمت فأنت طالق " فإذا قامت فإنها تطلق فإذا راجعها ثم قامت مرة أخرى فإنها تطلق لأن كلما تفيد التكرار، وقال شيخ الإسلام لاتطلق إلا واحدة وهو الراجح كما تقدم.
قوله: [وإن لم أطلقك فأنت طالق ولم ينو وقتاً ولم تقم قرينة بفور ولم يطلقها طلقت في آخر حياة أولهما موتاً] إذا قال لامرأته " إن لم أطلقك فأنت طالق " ولم ينو الفور ولم تقم قرينة على الفورية ولم يطلقها، فإنها تطلق في آخر حياة أولهما موتاً، لأن هذه الأداة للتراخي، فإذا مات أحدهما علمنا الحنث.
قوله: [ومتى لم أو إذا لم أو أي وقتٍ لم أطلقك فأنت طالق ومضى زمن يمكن إيقاعه فيه ولم يفعل طلقت] إذا قال لامرأته " متى لم أطلقك فأنت طالق " أو إذا لم أطلقك فأنت طالق " أو " أي وقت لم أطلقك فأنت طالق " فهذه الأدوات تفيد الفورية لاقتران " لم " بها فإذا قال ما تقدم ومضى وقت يمكن إيقاع الطلاق فيه ولم يفعل طلقت.
قوله: [وكلما لم أطلقك فأنت طالق ومضى ما يمكن إيقاع ثلاث مرتبة فيه طلقت المدخول بها ثلاثاً وتبين غيرها بالأولى]

فصول الكتاب · 11 فصل · 298 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للحمد · 298 صفحة
المقدمة
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب المناسك
كتاب الجهاد
كتاب الوصايا
كتاب الوصايا
كتاب الفرائض
كتاب الطلاق
كتاب الحدود
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل