فلو أن رجلاً اقرّ على نفسه وعلى شريكه فيلزمه ذلك ولا يلزم شريكه قال: [فإن كان ميتاً ورثه] فإذا كان هذا المقرّ له ميتاً ورثه المقر، لأن الإرث يترتب على النسب وقد ثبت النسب فيترتب على ذلك الإرث.
-وصوّب صاحب الإنصاف: أنه لا يرثه للتهمة.
فلو أن هذا مجهول النسب لا يعرف نسبه له أموال كثيرة طائلة فلما فاق جاء رجل فقال هو ابني أو أخي فهل يقبل هذا الإقرار؟.
-كلام المؤلف يدل على أنه يقبل لأنه أثبت نسبه إليه ومن ثم يثبت إرثه.
-والقول الثاني: انه لا يرثه للتهمة وهذا أظهر لكن ليس على إطلاقه، فلو أن التهمة انتفت وكان الإرث عنده لا يستحق عنده إثبات النسب بل هو صادق في دعواه النسب لكن الإرث يرتب على ذلك فلا يمنع.
إذا كان الرجل غائباً وكان الإرث ليس بالكثير فادعى صاحب هذا المال أخ له فدعواه ممكنة والتهمة ضعيفة، فالمقصود أن الحكم يدور وجوداً وعدما مع التهمة فإذا كانت التهمة ظاهرة لم نقبل وإلا قبلنا.
ومثل ذلك الإقرار لوارث، فإذا انتفت التهمة فكذلك.
فلوا أن رجلاً له بنت وابن عم، فلو أنه أقرّ لابن عمه بشىء من المال لم يكن متهماً بخلاف ما لو أقر لابنته وهذا هو مذهب مالك في المسألة السابقة.
قال:] وإذا ادعى على شخص بشيء فصدقه صحّ]
أي صح إقراراً
هذه المسألة بينّ فيها المؤلف أن الإقرار يصح بكل لفظ يدل عليه.
فإذا قال له:" لي عليك عشرة آلاف " فقال صدقت " فيكون ذلك إقراراً
أو قال:" أليس لي عليك عشرة آلاف " فقال بلى " أو كان من العامة فقال نعم، فإن ذلك يعتبر إقراراً.
فصل
قال: [إذا وصل بإقراره ما يسقطه مثل أن يقول: له على ألف لا يلزمني ونحوه لزمه الألف] إذا وصل بإقراره ما يسقطه، بمعنى أقرّ لكنه وصل بإقراره ما يسقط الإقرار وينفيه.
فمثلاً: قيل له: أليس لفلان عليك ألف، فقال: له على ألف لا تلزمني.
أو قال: له عليّ ألف هي ثمن خمر، ومعلوم أن ثمن الخمر باطل.
أو قال: له على ألف هي حلوان كاهن ونحو ذلك فما الحكم؟ قال هنا: لزمه الألف، لأنه أقرّ بما يثبت الحق ثم ناقض نفسه فنفاه، وعليه فلا تقبل هذه الوصلة من الكلام إلا ببينة، فإذا قال: له عليّ ألف لا تلزمنى " فيقال له: أقم البينة على أن هذه الألف لا تلزمك وإلا فهي لازمة.
قال: [وإن قال: كان له على فقضيته فقوله مع يمينه] إذا قال: كان له على الف ريال لكنى قضيته، فما الحكم؟ قوله الثاني المتصل بقوله الأول لا يناقض القول الأول فحينئذ لما كان هذا هو اقراره فإنا نصدقه في قوله لأنا لم نعلم ثبوت الحق إلا بإقراره فكان مؤتمنا على قوله فحينئذ يصدق قوله ويكون عليه اليمين، فنقول احلف أنك قد قضيته.
-وقال أبو الخطاب من الحنابلة: بل يكون مثبتا مقراً، ومدعياً فهو مقر بان عليه الفاً، ومدع انه قد قضى فتقول عليك البينه.
والراجح هو الأول لما تقدم فإن تعليله أقوى فإن هذا الرجل لم يثبت الحق إلا بإقراره مؤتمناً على قوله فلم تلزمه أكثر من إقراره لأنا إذا قلنا له هات بينة لزمه أكثر من إقراره.
إذن: الصحيح ما ذهب اليه الحنابلة في المشهور عندهم كما قرره المؤلف هنا.
قال: [ما لم تكن بينة أو يعترف بسبب الحق] .
إذا كانت هناك بينة تدل على الحق فلا يقبل قوله (إني قضيته) وذلك لوجود البينة.
وكذلك إذا كان اعترف بسبب الحق فقال:" له على عشرة آلاف ثمن مبيع لكني دفعتها له، فنقول له لما ذكرت سبب الحق، فحينئذ لا بد من بينة لأنه ذكر سبب الحق يوجب الحق فيكون كالبينة فعلى ذلك لا يقبل قوله:" فقضيته " إلا ببينة وقول آخر.
قال: [وإن قال: له علىّ مائة ثم سكت سكوتاً يمكنه الكلام فيه ثم قال، زيوفاً أو مؤجله لزمه مائة جيدة حالهّ] قال: لفلان على مائه ثم سكت ثم قال: زيوفاً أي دراهم رديئة وهذا من أنواع الدراهم عندهم في السابق.
أو قال: " مؤجله " فانه يلزمه مائة جيدة حالة وذلك لأن هذا هو مقتضى اطلاقه، فإن قال:" له على مائه " فمقتضى هذا الإطلاق إنها حالة وإنها جيدة وأما الرابع الذي ذكره وهو قوله:" زيوفاً أو مؤجلة " فهو رافع منفصل فلم يغير من الحكم شيئاً.
قال: [وان أقر بدين مؤجل فأنكر المقرّ له الأجل فقول المقر مع يمينه]
هذه كالمسألة المتقدمة
قال رجل: لفلان علىّ مائه ألف ريال إلى سنة – فقال المقر له قد اثبتّ على نفسك الحق لكنها ليست إلى سنة بل هي حالة الآن فاحضر البينة التى تدل على أنها مؤجلة.
فنقول له: هذا المقر مؤتمن على قوله قد أقر بنفسه فلم يلزمه أكثر من اقراره وعليه فالقول قوله مع يمنيه.
قال: [وإن اقر أنه وهب أو رهن أو قبض أو أقر بقبض ثمن أو غيره ثم أنكر القبض ولم يجحد الإقرار وسأل إحلاف خصمه فله ذلك] .
معلوم أن من وهب انساناً شيئاً فإنه لا يلزم إلا بالإقباض كما تقدم في مشهور مذهب أحمد.
فلو أن رجلاً أقر على نفسه أنه قد وهب زيداً داره وأقبضه إياها أو قال وهبته عشرة آلاف وأقبضه إياها ثم لما أتى الى القاضى، قال نعم أنا قد وهبته لكني لم أقبضه.
فنقول له: إنك قد أقررت فيقول: إني إنما أقررت لجريان العادة بذلك، فإن الكثيرين في مسألة الهبة ان يقر بالإقباض الواهب لتنقطع علاقته بها وإن كان لم يقبض حقيقة فلجريان هذه العادة نقول: حلفوا خصمى، فإن حلف أني قد اقبضته فهي له، فهل نحلفه؟
الجواب: نعم نحلفه لجريان العادة بمثل هذا أي بالاقرار بالهبة مع عدم الإقباض.
إذن: العادة تصدقه في دعواه وحينئذ نحلف خصمه.
فان حلف أنه اقبضه أخذ الهبة.
وان لم يحلف فحينئذ نرجع اليمين الى الأول لأنه منكر للإقباض.
كذلك في ثمن المبيع والرهن.وثمن المبيع هذه تقع كثيراً.
فالآن كتابة العدل لا تكتب الدار أو الأرض حتى يثبت لهم أن الثمن قد قبض، فيتبايع اثنان على أرض – مثلا- بثمن قدره عشرة آلاف ريال، وقالوا: نريد أن نقرها باسم المشترى عند كتابه العدل، فلما ذهبوا إلى كاتب العدل قال: صاحب الدار: أقر أنى أخذت الثمن كاملاً.
فلما كان بعد زمن أنكر المشترى أن تكون هذه الأشياء مجرد أشياء رسمية وقال: أنا قد أعطيتك حقك وأنت قد أقررت بذلك عند كاتب العدل،فذهبا إلى القاضي، فهل يستحلف القاضى الخصم على أنه قد أقبضه الثمن فيقول للمشترى إحلف أنك قد أعطيته الثمن؟
الجواب: نعم نستحلفه، فإن حلف وإلا رجعت الثمن على المدعي الذي هو المقر.
إذن: العادة جارية بمثل هذا أي بأن يقر بالقبض أو الإقباض لمصلحته، فالعادة جارية بهذا قديماً وحديثاً.
ولذا فان هذا الإقرار لا يحكم عليه به حتى يحلف الخصم.
قال: [وإن باع شيئا أو وهبه او أعقبه ثم أقر أن ذلك كان لغيره لم يقبل قوله] .
رجل قال: من يشترى هذه السيارة، فقال: رجل آخر، أنا اشتريها فاشتراها بعشرة آلاف، فلما أخذ البائع العشرة آلاف قال: هذه ليست سيارتي وإنما سيارة زيد من الناس فما الحكم؟ الجواب: أنه لا يقبل قوله لأن إقراره في حق غيره والإقرار حجه قاصرة.
قال: [ولم ينفسخ البيع] لأنه قد توفرت شروطه، والإقرار هنا لا يقبل وعليه فالبيع صحيح.
قال: (ولا غيره) كالعتق – فلو أن رجلاً اعتق عبداً، ثم قال: (هذا العبد ليس ملكاً لي) أو وهب داراً وقال: هي ليست ملكاً لي / فهل يبطل العقد وهل تبطل الهبة؟ الجواب: لا يبطل العتق ولا الهبة كالبيع.
قال: [ولزمته غرامته] للمقرّ له.
فنقول: أنت تقول أن السيارة لزيد فاذهب إلى زيد فأعطه حقه وهو قيمة هذه السيارة
لكن إن أحضر بينة أنها ليست له، فهل ينفسخ البيع بذلك؟
الجواب: نعم ينفسخ البيع بذلك ولذا قال:
[وإن قال: لم يكن ملكي ثم ملكته بعد وأقام بينة قبلت]
للبينة.
قال: [إلا أن يكون قد أقر أنه ملكه أو أنه قد قبض ثمن ملكه لم يقبل منه] رجل قال: من يشترى سيارتى هذه؟ أو من يشترى داري هذه؟ ثم اشتراها رجل، ثم أقام البائع بينة بأن هذه السيارة أو الدار ليست له فهل تقبل هذه البينة أم لا؟ الجواب: لا تقبل لأنه مكذب لها لأنه قال:" من يشترى سيارتي هذه ". ومثل ذلك: لو باع سيارة ثم قال قد قبضت ثمن ملكها ثم بعد ذلك أقام بينة أنها ليست له، فإنها لا تقبل منه البينة لانه مكذب لها.
فصل
هذا الفصل في الإقرار المجمل.
والإقرار المجمل هو الإقرار غير المفسر وهو الذي يحتمل معنيين فأكثر على استواء.
قال: [إذا قال له: عليّ شًئأ أو كذا قيل له: فسره]
اذا أقره عند القاضى ان لزيد عليه شئ او كذا وكذا فما الحكم؟.
فإنه يطالب بتفسيره.
إذن: يقبل إقراره المجمل لكن لا يمكن القاضي أن يحكم بذلك فلا يتأتى الإلزام لأنه مجهول.
فيقال له: فسره – لأنه إقرار منه فلم يعلم تفسيره إلا من جهته قال: [فان أبى حبس حتى يفسره] لحق الآدمي قال: [فإذا فسره بحق شفعة أو بأقل مال قبل] كأن يقول له علي ريال واحد أو بحق شفعه فإن ذلك يقبل.
قال: (وإن فسره بميتة أو خمر أو قشر جوزه لم يقبل) أو قال له على حبة شعير أو حبة حنطة أو شطر تمر فلا يقبل لأن هذا لم تجر العادة بالإقرار به.
-لكن قد يكون بعضه يجرى العادة به في بعض الأزمان كالتمرة يمكن أن يقرّ بها في وقت مجاعة لكن في غير مجاعه لا يمكن الإقرار بها.
إذن: لا بد أن يفسره بما تجرى العادة بالاقرار به.
أما لو قال: حقه علي رد السلام عليه أو تشميته إن عطس ونحو ذلك أو تشييع جنازته إن مات فلا يقبل منه ذلك لأن هذا لم تجر العادة بالإقرار به.
قال: [ويقبل بكلب مباح نفعه] لأنه واجب رده فهو حق، والكلب المباح ككلب صيد أو كلب ماشيه أو نحو ذلك.
قال: [أو حد قذف]
-قال: حقه عليّ أن أجلد ثمانين سوطا لأني قد قذفته، فيفعل ذلك، لالأنه حق وهو مما يقّر به في العادة.
قال: [وإن قال: له عليّ ألف رجع في تفسير جنسه اليه] فإذا قال ولزيد علي ألف،فيقال من ماذا؟ ألف دراهم أو ألف دنانير أو ألف من الثياب أو من القمص فيرجع بالتفسير أليه.
قال: [فإن فسره بجنس واحد] كأن يقول: له عليّ ألف درهم قبل ذلك لأنه لا يعلم إلا من جهته فقبل قوله.
قال: [أو بأجناس قبل منه] كأن يقول: له عليّ خمسمائة درهماً وخمسمائة ديناراّ فيقبل ذلك.
قال: [وإن قال: له عليّ ما بين درهم وعشرة لزمه ثمانية] لأن الذي بين الدرهم والعشرة ثمانية دراهم.
قال: [وإن قال: ما بين درهم إلى عشرة أو من درهم إلى عشرة لزمه تسعة] والرواية الثانية، أن تلزمه عشرة لأن الغاية تدخل في المغيّا لأن العشرة من جنس الدراهم وهذا أظهر.
قال: [وان قال: له عليّ درهم أو دينار لزمه أحدهما] إذا قال: له عليّ إما درهم أو دينار فيلزمه أحدهما فنقول لا بد من التعيين لأن القول قوله.
-وهنا المؤلف قد أجرى هذه الإقرارات على اللغة والصحيح أجراؤها على العرف كما قرره الشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله.
فألفاظ الناس تجرى على أعرافهم وعاداتهم.
فنحن في عرفنا إذا قال: له على ألف فإنه يريد ألف ريال.
وإذا قال له علىّ ما بين عشرة آلاف الى مائة ألف فهو لا يريد تسعين الفاً، وإنما يريد إما عشرة أو عشرين أو أربعين أو خمسين أو نحو ذلك، هذا في عرف الناس.
قال: [وإن قال: له عليّ تمر في جراب أو سكين في قراب أو فص خاتم ونحوه فهو مقر بالأول]
لأن هذا هو مقتضى لفظه.
إذا قال: لزيد عليّ سكين في قراب " وهو ما تدخل فيه السكين " فإنه يلزمه السكين فقط.
-وكذلك إذا قال: له عليّ فص في خاتم فإنه يلزمه الفص لا الخاتم.
وكذلك إذا قال: له عليّ تمر في جراب فإنه يلزمه التمر لأن هذا مقتضى لفظه.
لكن لو قال: له عليّ سيف في قراب " فيلزمه القراب لأن السيف في العادة لا يخرج من قرابه إلا عندما يراد للضرب.
أما السكين فإنها توضع في أكثر الأحوال بلا قراب لذلك لو قال: له عليّ خاتم فيه فص فإنه يلزمه الخاتم والفص لأن هذا هو مقتضى لفظه.
والله سبحانه وتعلى اعلم والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين
وبهذا نختم شرح الكتاب
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين