شرح زاد المستقنع للحمدصفحات 81-120
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الزكاة تخرج كما تخرج زكاة الركاز، فمجرد إخراج المعدن من الأرض تجب الزكاة فيه، قياساً على الزروع والثمار، فإنهما داخلان في عموم قوله: ﴿ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ (1) ، فكما أن الزروع والثمار وهي المخرجة من الأرض تجب زكاتها بمجرد الحصول عليها والتمكن من الأداء، فكذلك في المعادن.
إذاً: المعادن تجب فيها الزكاة، والزكاة تجب في كل معدن فيها، ونصابها والمخرج منها قدره قدر قيمتها من الذهب والفضة، ويخرج بمجرد الحصول عليها.
وهل تجب الزكاة في المخرج من البحر من اللؤلؤ والعنبر ونحو ذلك؟ قولان لأهل العلم: 1- القول الأول، وهو مذهب الجمهور، وهو المشهور عند الحنابلة: أنه لا تجب فيه الزكاة.
قالوا: لأن الأصل عدم وجوب الزكاة، ولا دليل على وجوب الزكاة فيما يخرج من البحر، ولأنه يوجد ملقياً على البحر في غالب أحواله، فأشبه ما يعثر عليه في الأرض من المباحات التى لا تجب فيها الزكاة.
2- والقول الثاني، وهو رواية عن الإمام أحمد: أن الزكاة تجب فيه قياساً على المخرج من الأرض، فكما أن المخرج من الأرض تجب فيه الزكاة، فكذلك المخرج من البحر.
وهذا قياس ظاهر.
والله أعلم.
والحمد لله رب العالمين.
باب زكاة النقدين الدرس الرابع بعد المئتين (29 / 12 / 1415 هـ)

باب زكاة النقدين

النقدان: مثنى نقد، وهو ضد النسيئة، بمعنى منقود أي معطى، فالنقد هو ضد النسيئة والتأخير، والأثمان تنقد نقداً، فليست محلاً للتأخير، فإذا دفع مثلاً مئة دينار، فإنه قد نقد الثمن أي دفعه حاضراً.
وهي من نقد الدرهم والدينار، أي نقد جيده من رديئه، أي ميز الطيب من الرديء.
والنقدان هما الذهب والفضة.
فهذا الباب في زكاة الذهب الفضة.
وقد أجمع العلماء على فرضية الزكاة فيهما – الذهب والفضة -، وهما النقدان، وهما أثمان الأشياء.
وأما الحلي من الذهب والفضة فسيأتي الكلام عليها في الدرس القادم.

قال المؤلف: [يجب في الذهب إذا بلغ عشرين مثقالاً] المثقال: يساوي في أصح ما ظهر لي من الأقيسة أنه يساوي أربعة جرامات وربع الجرام، فعلى ذلك النصاب يساوي خمسة وثمانين جراماً، وهي ما يساوي عندنا نحو ثلاثة آلاف ريال.
هذا نصاب الذهب.
يدل على ذلك: أما على أن نصاب الذهب عشرون ديناراً وعلى أن القدر المخرج منه هو ربع العشر: ما روى أبو عبيد القاسم من سلام في كتابه الأموال عن محمد بن عبد الرحمن الأنصاري – وهو ثقة تابعي – أن في كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الصدقة وكتاب عمر: أن الذهب لا يؤخذ منه شيء حتى يكون عشرين ديناراً، ففيه نصف دينار، وأن الورق – وهو الفضة – لا يؤخذ منه شيء حتى يكون مئتي درهم، فإذا بلغ مئتي درهم ففيه خمسة دراهم " (1) وهذا الحديث مرسل، لكن له شاهد عند ابن ماجه من حديث عائشة وابن عمر 1 ، والحديث سنده ضعيف، لكن يصح شاهداً، وله شاهد أيضاً عند أبي داود عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا كان لك مئتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء حتى يكون لك عشرون ديناراً وحال عليها الحول، ففيها نصف دينار، فما زاد فبحساب ذلك، وليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول) 2 ، والحديث إسناده حسن، لكن الراجح وقفه على علي، ولا يعلم له مخالف.

وقد عمل أهل العلم بهذه الآثار، فعليها العمل عند أهل العلم، فقد أجمعوا على فرضية الزكاة في الذهب والفضة، وأن الواجب فيها ربع العشر، وعامتهم على أن نصابها عشرون ديناراً.
إلا ما روي عن الحسن: أن نصاب الذهب أربعون ديناراً، وروي عنه موافقته أهل العلم، ولا دليل له على ذلك.
إذاً نصاب الذهب عشرون ديناراً، والواجب فيه ربع العشر.
قال: [وفي الفضة إذا بلغت مئتى درهم ربع العشر منهما] فقد ثبت في البخاري من حديث أنس في كتاب أبي بكر في الصدقة، وفيه: " وفي الرِّقة – أي الفضة – إذا بلغت مئتي درهم ربع العشر، فإن لم تكن إلا تسعين ومئة فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها " 1 . كما أن الآثار المتقدمة تدل على هذا، وقد أجمع أهل العلم عليه، وأن الواجب في مئتي درهم ربع العشر.
إذا علم هذا، فاعلم أن جماهير العلماء على أن المعتبر في زكاة النقدين هو الوزن.
وقد تقدم وزن الذهب وأنه يساوي عندنا فيما يظهر خمسةً وثمانين جراماً، وأما الفضة فإن مئتي درهم يساوي مئة وأربعين مثقالاً، والمثقال من الفضة يساوي جرامين وتسعمئة وخمساً وسبعين بالمئة، وعلى ذلك: نصابه بالجرامات يساوي خمسمئة وخمساً وتسعين جراماً.
فالمعتبر عند جماهير العلماء هو الوزن.

فعليه عشرون ديناراً يساوي عشرين مثقالاً، ومئتي درهم يساوي مئة وأربعين مثقالاً، فإذا كانت العشرون ديناراً لا تساوي إلا عشرة مثاقيل، كأن يضرب الناس دنانير تسمى دنانير، لكن الدينار فيها لا يساوي إلا نصف مثقال، فلا تكون النصاب عشرين مثقالاً، بل يكون أربعين مثقالاً، لأن المعتبر هو الوزن، فلا ينظر إلى العدد، أما إذا ملك عشرين مثقالاً لكنها لا تساوي إلا عشرة مثاقيل أو لا تساوي إلا خمسة عشر مثقالاً فلا يجب فيها الزكاة، وكذلك في الفضة، فإن ملك مئتي درهم لكنها لا تساوي مئة وأربعين مثقالاً، فإن الزكاة لا تجب عليه.
واستدلوا بما ورد في أبي داود وغيره في قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والحديث حسن في زكاة الفضة قال: (إذا بلغت خمس أواق) (1) ، فذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم نصاباً له وزناً، فالأوقية وزن.
وقال شيخ الإسلام: بل المعتبر العدد من غير نظر إلى الوزن.
وعليه: ما نسميه نحن الريالات تقوم مقام الدراهم،.. .. .. 1 فسيأتي الكلام على الأوراق النقدية، لكن لو ضربت دراهم سميت بريالات أو بغيرها من الأسماء ضربت من الفضة، والدرهم فيها لا يساوي وزناً الدرهم الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لكنه يسمى درهماً، وكذلك في الدينار، كأن يضرب دينار لا يساوي إلا نصف مثقال، فإنه متى ما بلغ العدد المذكور، فإن الزكاة تجب فيه.

واحتج رحمه الله بأن الدراهم في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم تكن ذات وزن واحد، بل كانت ذات أوزان مختلفة، فمنها ما وزنه ثمانية دوانق، ومنها ما وزنه أربعة دوانق، حتى كان عهد عبد الملك بن مروان فضرب الدرهم الإسلامي الذي يساوي ستة دوانق، قال: فلا يمكن أن يحكم على ما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهذا الدرهم الحادث.
فهذا درهم حادث، فهذه الأوزان إنما تعود إلى دراهم ودنانير فضربت في عهد عبد الملك بن مروان، فلا يحكم على القديم بما هو حادث.
فهو يرى أن الزكاة متعلقة بعدد الدراهم والدنانير من غير نظر إلى الوزن، واحتج بأن الدراهم والدنانير لم تكن في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذات وزن واحد، بل لها أوزان مختلفة، فعلق النبي صلى الله عليه وآله وسلم الزكاة بعددها، وحيث كان كذلك، فإذا وجدت دنانير ودراهم، فإن الزكاة تجب فيها إذا بلغت العدد المتقدم، وإن كانت لا تساوي الوزن الذي تقدم.
وفيما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله نظر، فإنه لا يعقل أن تكون الدراهم أو الدنانير التي تتعلق بها قيم الأشياء وتتم بها الأنكحة في مهورها، والبيوع ونحو ذلك من الأحكام الشرعية لا يمكن أن تكون مختلفة الأوزان، وحيث كانت مختلفة في الواقع، فإنه لابد أن يكون هناك قدر هو المتعارف عليه، فإذا وجد دينار يساوي ضعف غيره من الدنانير، فإنه يحكم له بأنه بقيمة دينارين، فنحن وإن سلمنا لم تضرب في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والأمر كذلك، وإنما ضربت – كما تقدم - في عهد عبد الملك، فإنا لا نسلم أنها كانت مجهولة القدر، بل لها قدر ظاهر واضح بيّن، فهي قيم الأشياء وبها تتم أنكحة الناس وبيوعهم وحقوقهم 1 متعلقة بها، ونحو ذلك من الأحكام الشرعية التي تتعلق بالدرهم والدينار.

كما أن الشارع لا يمكن أن يجمع بين المختلفات، فيوجب في مئتي درهم الدرهم فيها قدر أربعة دوانق يوجب فيه الزكاة، ولا يوجب الزكاة مما يبلغ الدرهم فيها ثمانية دوانق حتى يبلغ هذا العدد، فإن المئة درهم مما يكون وزنه ثمانية دوانق تساوي مئتي درهم مما يكون وزن الواحد فيها أربعة دوانق، فكيف يفرق الشارع بينهما مع أنهما متساويان.
فالأظهر مذهب جمهور العلماء من اعتبار الوزن خلافاً لشيخ الإسلام.
وأما الأوراق النقدية المعاصرة، وهي ما تسمى " بنك نوت "، وتسمى بالأنواط في كلام الفقهاء المعاصرين.
وهي لغة: " بنك نوت " لغة فرنسية بمعنى الأوراق النقدية.
فهذه الأوراق اختلفت فيها أنظار الناس من الفقهاء المعاصرين: فمنهم من قال: هي وثائق دين، يعني ليست أثماناً، وإنما هي وثيقة كما لو اقترضت من رجل مالاً فأعطيته ورقة فتثبت فيها هذا الحق الذي عليك، فهي وثيقة دين.
وهذا اعتماد على ما يكتب فيها من التزام مؤسسة النقد بدفع ما يقابلها من ذهب وفضة.
وهذا ضعيف، فإن هذه الكتابة المقصود منها توثيقها وإلا فإن صاحب الورق لا يعطي قيمتها من الذهب والفضة، لكن المقصود من هذه الكتابة هو توثيق هذه الأوراق وإعطائها قيمتها.
وهذا القول فيه شدة، إذ يترتب عليه الأحكام الكثيرة من عدم جواز السلم فيها، ومن مسائل كثيرة تترتب على هذا، كما أنه لا يجوز شراء الذهب الخالص بها ولا شراء الفضة الخالصة بها؛ لأنها تعتبر ديون، فلا يجوز أن يشترى ذهباً فيها وإن دفعها، ولا فضة وإن دفع هذه الأوراق النقدية؛ لأنها ديون، والواجب أن يكون الشراء يداً بيد في الأموال الربوية، فهذا مع ضعفه فيه ضيق وشدة.
وأوسع المذاهب من قال: إنها عروض تجارة، وحجته: أنها مال مرغوب فيه، وليست بذهب ولا فضة، فأشبه العقارات وغيرها من العروض كالأقمشة وغيرها التي تباع وتشترى.

وهذا أيضا ضعيف؛ لأن قيمتها في الحقيقة قيمة ثمنية، إذ لو أن السلطان أبطلها - أي أبطل التعامل بهذه الورق المعينة لم يبق لها قيمة مطلقاً.
وهذا أوسع المذاهب.
ويترتب على هذا القول جواز الربا فيها بنوعيه، ربا الفضل وربا النسيئة؛ لأنها عروض تجارة، فكما لو استبدل أقمشة بأقمشة، فله أن يستبدل مئة ألف بخمسة آلاف، سواء كان ذلك حاضراً أو نسيئة؛ لأنها ليست بأثمان، بل هي عروض تجارة.
وقال بعض أهل العلم: بل هي بدل عن الذهب والفضة، فلها أحكام الذهب والفضة؛ لأنها – على رأي هذا القائل - لابد مقابلها في صندوق النقد ذهب وفضة، فتعطى حكمه.
وعليه: إذا كانت بدلاً من الذهب، فنصابها نصاب الذهب، سواء كانت.. ... 1 نحو ثلاثة آلاف ريال.
وأما إن كانت بدلاً عن الفضة فنصابها نصاب الفضة، وهو نحو أربعمئة أو خمسمئة ريال، وربما زاد أو نقص.
فهذا القول يقول هي بدل عن الذهب والفضة، والبدل له حكم المبدل منه، فعلى ذلك يعطى حكم الذهب والفضة.
وعليه: فإنه يترتب على هذا أن الأوراق النقدية المختلفة التي تكون من بلاد مختلفة يقع الربا بينها، أي ربا الفضل وربا النسيئة؛ لأنها كلا من جنس واحد.
فمثلاً الدولارات والريالات، إن قلنا أن أصلها ذهب، فلا يجوز أن يعطيه دولارات بريالات متفاضلة؛ لأنها من جنس واحد، وهو الذهب.
وذهب بعض أهل العلم، وهو أصحها: أن الأوراق النقدية من الريالات والدولارات وغيرها أثمان مستقلة بنفسها.

أما كونها أثمان، فهذا ظاهر؛ فإن لها قيمة الذهب والفضة تماماً في البيع والشراء ونحو ذلك، ولا فرق بينها وبين الذهب والفضة في التعامل القديم، بل قد طغى التعامل بها بظهور ووضوح على التعامل بالذهب والفضة، بل لا يكاد أن يتعامل الناس بالذهب والفضة، بل ربما لا يتعاملون بها على أنها أثمان، وإنما يتعاملون بالأوراق النقدية، فهي الأثمان، ففيها البيع والشراء، فقد أخذت مكان الذهب والفضة تماماً، حتى لا تسمع في القوانين عامة الشرعية وغيرها من لم يقبلها على أنها ثمن للأشياء.
وأما كونها مستقلة - أي مستقلة عن الذهب والفضة -؛ فلأن هذا هو الواقع، فإن الواقع أن رصيدها في بيت النقد ليس بذهب على الخصوص أو فضة على الخصوص، بل يجتمع فيه الذهب والفضة والمعادن والعقارات وغير ذلك من الأموال، فليس لها رصيد محدد من ذهب أو فضة حتى نجعلها بدلاً من أحدهما، بل رصيدها من أموال مختلفة، فقد يكون رصيدها من البترول أو من بعض المعادن الأخرى ومن الذهب والفضة ومن العقارات ونحو ذلك، وربما كان رصيدها الثقة الدولية التي تعطى لهذه الدولة.
فعلى ذلك: أصبحت مستقلة بنفسها، وحيث كان كذلك،فإن كل ورقٍ نقدي لبلد جنس مختلف، فعليه: يجوز التفاضل بين الريالات والدولارات أو غيرها من الأموال.
وهذا لاشك أن فيه دفعاً لحاجة الناس ورفعاً للحرج عنهم مع المحافظة على الأحكام الشرعية من وجوب الزكاة وتحريم الربا ونحو ذلك، فيثبت الربا بنوعيه، ربا الفضل وربا النسيئة فيها، وتثبت الزكوات فيها، كما أن هذا في كل جنس منفرداً، وفيما بينها لا يثبت إلا ربا النسيئة الذي هو أقبح الربا وأعظمه.
فعلى ذلك: أصح الأقوال للمعاصرين في مسألة الأوراق النقدية أنها أجناس مختلفة، وهي أثمان مستقلة عن الذهب والفضة.
وحينئذ يشكل علينا نصابها، فهل يكون نصابها نصاب الذهب أو يكون نصابها نصاب الفضة؟

وحيث هي أثمان، فإن نصابها بالقياس الظاهر هو نصاب الأثمان، لكن هل يكون نصابها نصاب الذهب أو نصاب الفضة؟ فهل.. .. 1 الريالات خمسا وثمانين جراماً أوجبنا فيها الزكاة، أم أنها.. . . خمسمئة وخمس وتسعين جراماً من الفضة أوجبنا فيها الزكاة؟ ثلاثة أقوال أيضا للمعاصرين: فمن المعاصرين من قال: نصابها نصاب الفضة؛ لأن نصاب الفضة مجمع عليه، ولأنه ثابت في البخاري، والأحاديث الواردة فيه أصح.
وقال بعضهم: إن الزكاة تجب إذا بلغ أدنى النصابين، فإذا ساوى الفضة وجبت فيه الزكاة، وإن لم يساو الذهب، فإن كان نصاب الذهب أقل من نصاب الفضة، فإذا بلغ نصاب الذهب وجبت فيه الزكاة، وإن لم يبلغ نصاب الفضة.
وهذا أقوى في النظر؛ وذلك لأنها كليهما أثمان تجب فيه الزكاة، فإذا بلغ نصاب أحدهما، وجبت فيه الزكاة وإن لم يبلغ نصاب الآخر.
والقول الثالث: أن الواجب فيه نصاب الذهب؛ قالوا: لأن نصاب الفضة يسير لا يقارن بالأنصبة الواردة في الشرع في أربعين شاة أو خمس من الإبل وغيرها مما ورد في الشريعة من أنصبة الأموال.
فإن نصاب الريالات السعودية لو حددناه بنصاب الفضة فإنه يساوي خمسمئة ريال، وهذه لا تساوي شاة واحدة، فيبعد أن يوجب الشارع في مثل هذا المبلغ الزكاة، فإن في ذلك إجحافاً بصاحب المال.
وأما الذهب، فإنه يصل كما تقدم إلى ثلاثة آلاف، وهذا يقرب أن يكون نصاباً يعرف به الغني.
وهذا القول فيما يظهر لي أقوى هذه الأقوال؛ لأنه ليس فيه إجحاف بصاحب المال، ولأن الشرع لا يعلق الزكاة بمثل هذا المبلغ اليسير، فإن الشاة كانت تساوي الدرهم ونحوه، فمئتا درهم تأتي بها مئة شاة ومئتى شاة، وأما هنا،فإنه بالنظر إلى نصاب الفضة لا تساوي الريالات إلا الشيء اليسير من الأموال.
فالأظهر هو تقويمها بنصاب الذهب.
كما أن الذهب أقوى في الثمنية من الفضة.

فأظهر الأقوال أن يقدر بالريالات بالذهب، وأحوطها هو القول الثاني، وهو أنها إذا ساوت أدنى النصابين من الذهب والفضة فإن الزكاة تجب فيها.
الله أعلم.
قال: [ويضم الذهب إلى الفضة في تكميل النصاب] هذا المشهور عند الحنابلة، وهو مذهب جمهور العلماء، قالوا: لأن الذهب والفضة المقصود منهما واحد، فهما أثمان الأشياء وقيمها، فعلى ذلك: إن ملك نقداً من الذهب، ونقداً من الفضة، بحيث إن كل واحد من النقدين لا يبلغ نصاباً، وبمجموعهما يبلغان النصاب، فإن الزكاة تجب عليه، وهي ربع العشر.

  • وقال الشافعية، وهو رواية عن الإمام أحمد 1 : إنه لا يضم بعضهما إلى بعض؛ لأن كلاًّ منهما جنس مختلف عن الآخر، كالإبل والبقر والغنم، فكل منها جنس يختلف عن الآخر، فلم يضم بعضها إلى بعض لاختلاف جنسيهما.
    والأظهر ما تقدم، وهو القول الأول، فإن جنسيهما وإن اختلفا، فهما بمعنى الجنس الواحد، فهما قيم الأشياء، فعلى ذلك: الأظهر مذهب الجمهور أن الذهب والفضة يضم بعضها إلى بعض.
    وهذه مسألة غير واقعة لنا في الأزمنة المعاصرة إلا أن يقال هذا على القول الذي تقدم اختياره، وهو في الأوراق النقدية المختلفة، كأن يكون يملك دولارات وريالات، وقلنا إن كلا منهما جنس مجرد عن الآخر، فإنه يضم بعضها إلى بعض كما يضم الذهب والفضة.
    فإذا ضم بعضها إلى بعض، فهل يكون هذا بالأجزاء أم بالقيمة؟ قال جمهور العلماء: يكون هذا بالأجزاء.
    وصورة هذا: إذا ملك نصف نصاب الذهب وهو عشرة الدنانير، وملك نصف نصاب الفضة وهو مئة درهم، فإن الزكاة تجب عليه، فقد ملك نصفاً من هذا، ونصفاً من هذا، فيتم النصاب.
    كذلك إذا ملك ثلثاً من نصاب الفضة، وثلثين من نصاب الذهب أو العكس، فإن هذه الأثلاث تجتمع فتكون نصاباً.
    هذا إذا قلنا:إنها تضم بالأجزاء.

أما إذا قلنا: إنها تضم بالقيمة، فإذا ملك عشرة دنانير وملك خمسين درهماً وهي تساوي ربع نصاب الفضة، وهذه الخمسون درهماً تساوي عشرة دنانير، لأن قيمة الذهب والفضة تختلف باختلاف الأزمان ونحو ذلك، بل قد يكون في الزمن الواحد بل بالأيام يحصل اختلاف في قيمة الذهب والفضة، فمثلاً إذا كان يملك خمسين درهماً ويساوي عشرة دنانير، وعنده عشرة دنانير، فهذه عشرون ديناراً، فتجب عليه الزكاة.
وقال أبو حنيفة: إن الضم يكون بالقيمة، وخالفه فيه صاحباه فوافقوا جمهور العلماء.
فجمهور العلماء على أن الضم يكون بالأجزاء، فإذا ملك نصفاً من هذا ونصفاً من هذا وجبت عليه الزكاة، فلو ملك عشرة دنانير ومئة درهم، وهذه المئة درهم لا تساوي إلا ثمانية دراهم، فإنه تجب عليه الزكاة.
أما أهل القول الأول، فقالوا: إنا لا ننظر إلى القيمة إذا كانا منفردين، فكذلك إذا ضم بعضها إلى بعض.
فعندما يملك عشرين ديناراً وهذه العشرون لا تساوي إلا مئة درهم، فإن الزكاة تجب عليه اتفاقاً، فلم ننظر إلى القيمة، وكذلك من ملك مئتي درهم، فإن الزكاة تجب عليه وإن لم تساو إلا عشرة دنانير، قالوا: فلم ننظر في القيمة وهما منفردان، فكذلك لا ننظر فيها وقد ضم بعضا إلى بعض.
هذا هو مذهب الجمهور.
وأما القول الثاني، وهو الاعتبار بالقيمة، فقالوا: إن هذه العشرة دنانير لا تساوي إلا خمسين درهماً، فحينئذ يكون ماله بمجموعه لا يساوي نصاباً، وهذا فيما يظهر لي أقوى.

وذلك لأن كوننا ننظر إليهما منفردين لأنهما مال واحد أوجب الشارع فيه الزكاة، وأما هنا فإنهما لم يبلغا نصاباً شرعياً، وإنما بجموعهما قد بلغاه بالقيمة، فحيث كان ذلك فقد وجبت الزكاة.
وحيث لم يكن مجموعهما يصل إلى قيمة ما تجب فيه الزكاة فإن الزكاة لا تجب فيهما، ولا شك بالفارق بين ما إذا كانا منفردين وما إذا كانا مضمومين: بأنهما إذا كانا منفردين فقد بلغا النصاب الشرعي، وأما إذا كانا غير منفردين فإن كلاًّ منهما لم يبلغ النصاب الشرعي، وحيث لم يبلغ النصاب الشرعي، فإنا حينئذ نعلق الحكم بقيمته؛ لأن الشارع لا يفرق بين المتماثلات، فحيث كان عنده من الدراهم والدنانير ما يساوي مئة درهم أو عنده من الدراهم والدنانير ما يساوي عشرين ديناراً، فإن الزكاة تجب عليه، لأنه كما لو كان عنده عشرون ديناراً.
فالذي يظهر لي وهو رواية عن الإمام أحمد، وهو مذهب أبي حنيفة من الاعتبار بالقيمة هنا لا بالأجزاء.
والله أعلم.
قال: [وتضم قيمة العروض إلى كلٍ منهما] رجل عنده دكان وعنده دراهم قد حال عليها الحول، فهذه الدراهم التي حال عليها الحول لا يبلغ نصاباً وبضمها إلى قيمة العروض يكون مجموعها نصاباً، فإن قيمة العروض تضم إليها، سواء كانت دراهم أو دنانير، وهذا ظاهر؛ لأنه تقدم أن العروض تجب الزكاة في قيمتها، وقيمتها دراهم أو دنانير، فعلى ذلك: تضم.
فإذا كان عنده دكان فقومه بدراهم، وعنده دراهم قد حال عليها الحول، وإذا أفرد كلاً منهما لم يتم نصاباً، فإنه يضم بعضها إلى بعض، ويجب عليه ربع العشر؛ لأن العروض من جنس الدراهم والدنانير، لأن النظر في قيمتها لا في أعيانها.
والله أعلم.
والحمد لله رب العالمين.
الدرس الخامس بعد المئتين (يوم الثلاثاء: 1 / 1 / 1416 هـ)

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويباح للذكر من الفضة الخاتم]

لما ثبت في الصحيحين عن أنس قال: " اتخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم خاتماً من فضة " 1 . فخاتم الفضة جائز لثبوته عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
قال: [وقبيعة السيف] هي ظرف مقبض اليد منه، فيجوز أن يكون من فضة؛ ودليل هذا ما ثبت في مسند أحمد وأبي داود والترمذي بإسناد صحيح من حديث أنس بن مالك قال: " كانت قبيعة سيف النبي صلى الله عليه وآله وسلم فضةً " 2 . قال: [وحلية المِنْطَقة] المنطقة: تقدم أنها ما يشد به الوسْط، وهو من ملبوس الرجال سابقاً، فإذا وضع في أطرافه شيء من فضة، فحليت بالفضة فلا بأس.

وذكر الحنابلة في ذلك آثاراً عن الصحابة لم أقف على عزوها، ولم يعزوها، والقياس يدل على جوازه، وأظهر منه ما سيأتي من إباحة الفضة للرجال مطلقاً مما هو اختيار شيخ الإسلام.
قالوا: ومثل ذلك رأس المكحلة وحلية الدرع وحلية المغفر أو أن يضع شيء في النصل أو نحو ذلك، فكل هذا جائز لا بأس به من باب القياس على الحلية التي توضع في السيف التي تقدم ثبوت فعلها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وما سوى ذلك فهو محرم.
هذا هو المذهب.
قال صاحب الفروع: " ولم أجدهم يحتجون على تحريم لبس الفضة على الرجال، ولا أعرف على تحريم لبس الفضة على الرجال نصاً عن أحمد ".

  • وهناك قول في المذهب، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو القول الثاني في المسألة، وقد قواه صاحب الفروع: وهو أي لبس الفضة للرجال جائز مطلقاً؛ وذلك لأن الأصل في الأشياء الإباحة كما قال تعالى: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً﴾ 1 ، ومن ذلك الفضة، فالفضة مما خلقه الله لنا، فهو جائز لنا، ولا دليل يحرمه، وقد دلت الأدلة على جوازه للنساء، وهو بإجماع العلماء جائز لهن، والأصل أن ما جاز للنساء فهو جائز للرجال كما أن ما جاز للرجال فهو جائز للنساء إلا بدليل يدل على التخصيص ولا دليل يدل على ذلك.
    هذا هو القول الراجح في هذه المسألة، وأن لباس الفضة جائز مطلقاً للرجال.
    وأما كون الآنية محرمة منه، فإن باب اللباس أوسع من باب الآنية، بدليل أن الآنية محرمة على النساء كما تقدم، فالنساء لا يجوز لهن أن يشربن في آنية الذهب والفضة ويجوز لهن أن يلبسن الذهب والفضة، فباب اللباس أوسع من باب الآنية.

فلبس الفضة للرجال جائز مطلقاً على الراجح إلا أن يدل دليل على التحريم، كأن يكون اللبس فيه تشبه بالنساء، فقد دلت الأدلة الشرعية على تحريم تشبه الرجال بالنساء، فلا يجوز أن يلبس سواراً أو غير ذلك، لكن إن لبسه لبساً يختص بالرجال فلا بأس بذلك.
ومما يدل على الفرق بين الذهب والفضة أن خاتم الفضة جائز لثبوته عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وخاتم الذهب محرم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نصاً في الصحيحين كما سيأتي.
ففرق بين الذهب والفضة.
قال: [ومن الذهب قبيعة السيف] يجوز له أن يحلي قبيعة (1) سيفه بالذهب، فهذا جائز، وقد حكاه الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب، والوارد عن عمر كما في الطحاوي (2) وغيره بإسناد جيد أن سيفه كان محلاًّ بفضة، وهو الأليق به من الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإن سيفه كان محلاً بفضة، فالأظهر ضعف هذا الأثر، ولم أقف على سند له ينظر فيه، والمحفوظ عن عمر ما تقدم من أن سيفه كان محلاً بفضة.
ورواه الترمذي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرفوعاً لكن بإسناد لا يصح.
إذاً قالوا: قبيعة السيف يجوز أن تكون من ذهب، واستدلوا بما حكاه الإمام أحمد فقال: " روي عن عمر " وتقدم أن المحفوظ فيما وردت به الآثار التي يقف الناظر على سندها إنما ما تقدم من أن سيفه كان محلاً بفضة، لكن سيأتي الدليل على جواز ذلك.
قال: [وما دعت إليه ضرورة كأنف ونحوه]

يجوز أن يضع من الذهب ما يضطر إليه من أنف أو أسنان أو نحو ذلك.
هذا جائز للضرورة.
فقد روى أبو داود بإسناده الذي لا بأس به، فالسند لا بأس به إن شاء الله، ويشهد له عمل أهل العلم، فإنه لا خلاف بين العلماء في جواز اتخاذ ما يضطر إليه من أنف أو سن أو نحو ذلك من الذهب، فما يضطر إليه أن يتخذ من ذهب فهو جائز باتفاق العلماء، ويدل عليه أصول الشريعة من أن المحرمات يذهب تحريمها بالاضطرار إليها، فلا تحريم مع ضرورة، فقد روى أبو داود في سننه بإسناد لا بأس به عن عرفجة بن أسعد رضي الله عنه أنه أصيب أنفه يوم الكُلاَب في الجاهلية، فاتخذ أنفاً من فضة، فأنتن، فأمره النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يتخذه من الذهب " 1 ، ولا خلاف بين العلماء في هذه المسألة.

نعود إلى ما تقدم من الاستدلال على جواز قبيعة السيف، دليله ما رواه النسائي وغيره بإسناد صحيح: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن الذهب إلا مقطعاً " 1 ، وهو اختيار شيخ الإسلام 2 ، وهو قول أبي بكر من الحنابلة: أن الذهب اليسير التابع لغيره جائز،وهو الذهب المقطع.
فإذا اتخذ في شيء من ملبوساته ذهباً يسيراً، فإن ذلك جائز؛ لأن الذهب هنا مقطع، فالذهب المقطع جائز، كأن يحلي الدرع بشيء يسير من ذهب أو يحلي المنطقة بشيء يسير من ذهب أو أن يضع في خاتمه فصاً من ذهب، فإن هذا جائز.
وهذا خلاف المشهور في المذهب،فإن المشهور في المذهب جوازه في قبيعة السيف فحسب.

  • واختار شيخ الإسلام، وهو قول في المذهب: جوازه مطلقاً إن كان تابعاً لغيره، وهو يسير.
    أما إن كان ليس تابعاً لغيره، بل هو لباس مستقل، كالخاتم وغيره، فإن الأدلة دلت على تحريمه، فقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى خاتم ذهب في يد رجل فنزعه وطرحه، وقال: (يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده) 3 . 4

قال: [ويباح للنساء من الذهب والفضة ما جرت عادتهن بلبسه ولو كثر]

النساء يباح لهن أن يلبسن من الذهب والفضة ما جرت عادتهن به من قرط أو فتخات أو أسورة أو سلاسل أو غير ذلك محلقاً أو غير محلق، يجوز لهن أن يلبسن ما جرت عادتهن بلبسه من الذهب والفضة.
وذلك لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما تقدم تخريجه، وهو في بعض السنن أنه قال في الذهب والحرير: (هذان حرام على ذكور أمتي حلال لإناثهم) 1 . فالذهب مباح للنساء مطلقاً.
وقيده المؤلف هنا بما جرت عادتهن، لا بما جرت عادة الرجال به، فما عادة الرجال به فلا يجوز لما فيه من التشبه.
إذاً ما جرت عادتهن بلبسه، وهذا يختلف باختلاف الأزمان والبلدان، فإن ذلك جائز لهن ولو كثر.

وقوله: " ولو كثر "، " لو " إشارة إلى خلاف في المذهب، فقد قال ابن حامد من الحنابلة، وهو رواية عن الإمام أحمد: أنه إن بلغ ألف مثقال فإنه يحرم،وهذا القول ضعيف؛ لأنه تحديد بلا دليل، بل يجوز للنساء أن يلبسن ما شئن، فإن الأدلة مطلقة، لكن بشرط ألا يكون فيه إسراف ولا مخيلة، وقد يكون الإسراف أو المخيلة في أقل من هذا العدد المذكور، وقد لا يكون فيه، بل في أكثر منه، فمتى ما وقع الإسراف أو المخيلة فإنه لا يجوز.
فقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما رواه أحمد والنسائي بإسناد جيد: (كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا بغير إسراف ولا مخيلة) 1 . إذاً لا يحدد ذلك بقدر، إذ لا دليل على التحديد، وإنما ينهى فيه الإسراف أو المخيلة، فإنه محرم لما تقدم.
قال: [ولا زكاة في حليهما] أي في حلي الذكر والأنثى، فإذا كان عند الرجل خواتم من فضة وله قبيعة سيف من فضة يبلغان نصاباً، فتجب 2 عليه الزكاة فيه، وكذلك المرأة إذا كان فيها لبس من فضة أو لبس من ذهب بلغ النصاب.
فقوله: " حليهما " أي الذكر والأنثى أي فيما يجوز لهما من الحلي.
قال: [المعد للاستعمال أو العارية] أي لاستعمال مالكه وهو الملبوس، أم كان معداً للعاريَّة.
فإن كان قد أعد للاستعمال أو العارية، فلا زكاة فيه.
هذا هو المشهور عند الحنابلة، وهو مذهب المالكية والشافعية، وأن الحلي لا زكاة فيه سواء كان معداً للاستعمال أو معداً للعارية.

واستدلوا بما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (ليس في الحلي زكاة) 1 . قالوا: ولأن الحلي المعدة للاستعمال أو العارية ليس محلاً للنماء، والزكاة إنما تجب في الأموال النامية، وهذا ليس بمال نام، بل يستعمل ويعار، وحينئذ فليس قابلاً للنماء، قالوا: فأشبه متاع البيت، فأثاث البيت لا زكاة فيه، فكذلك حليهما المعد للاستعمال والعارية، وهو مذهب الشافعي.

  • وذهب الأحناف، وهو رواية عن الإمام أحمد، وهو مذهب طائفة كثيرة من التابعين، فهو مذهب ابن المسيب ومجاهد وابن سيرين وعطاء، وهو مذهب ابن مسعود وعائشة كما في البيهقي بإسناد حسن: أن الزكاة تجب في الحلي المعد للاستعمال 2 .

واستدلوا بما ثبت عند أبي داود والترمذي والنسائي بإسناد قوي كما قال الحافظ ابن حجر، وهو كما قال: " أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومعها ابنة لها، وفي يد ابنتها مسكتان – أي سواران – من ذهب، فقال: (أتؤدين زكاة هذا) قالت: لا يا رسول الله، قال: (أيسرك أن يسورك الله بهما سوارين من نار) فألقتهما وقالت: هما لله ورسوله " 1 ، والحديث من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وهي أحاديث يحتج بها.
وثبت - وهو شاهد له - عند أبي داود بإسناد حسن، ورواه الحاكم وصححه، وقال ابن دقيق العيد فيه: " إسناده على شرط مسلم " عن عائشة قالت: " دخل علي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلى يدي فتخات من ورق – أي من فضة – فقال: (ما هذا يا عائشة؟) فقلت: صنعتهن أتزين بهن لك، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (أتؤدين زكاتهن؟) قالت: لا أو ما شاء الله - أي من اللفظ المقابل للفظة " ما شاء الله "، فقال: (هو حسبك من النار) 2 .

وروى أبو داود في سننه وهو شاهد لما تقدم عن عطاء عن أم سلمة قالت: " كنت ألبس أوضاحاً – أي خلخل 1 – من ذهب، فقلت: يا رسول الله أكنز هو؟ فقال: (ما بلغ أن تؤدى زكاته فزكي فليس بكنز) 2 ، وعطاء لم يسمع من أم سلمة، فالحديث فيه انقطاع، لكنه يصح شاهداً للحديثين المتقدمين.
قالوا: فهذه أحاديث تدل على فرضية الزكاة في الحلي، قالوا: ويدل على هذا عمومات الأدلة الشرعية، كقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها..) 3 رواه مسلم، وقوله تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله..﴾ (4) وغير ذلك من العمومات.

قالوا: وأما ما استدل به أهل القول الأول من حديث جابر، فالحديث إسناده ضعيف جداً، وإنما هو ثابت من قول جابر كما في سنن البيهقي بإسناد صحيح 1 ، فهو قول موقوف على جابر، والقول الموقوف معارض بغيره من الأقوال الموقوفة كما تقدم من أثر عائشة وابن مسعود، فلا يحتج به، فآثار الصحابة إنما يحتج بها حيث لم يخالف بأقوال غيرهم، وقد خولف أثر جابر بأثر عائشة وابن مسعود، وحيث اختلفت أقوال الصحابة فالحجة فيما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما تقدم.
قالوا: وأما ما ذكرتموه من الحلي من الذهب والفضة المعد للاستعمال لا تجب فيه الزكاة لأنه ليس من الأموال النامية فأشبه متاع البيت، فهذا قياس مردود من وجهين: الوجه الأول: أنه قياس مصادم للنصوص الشرعية، والقياس المصادم للنصوص الشرعية فاسد الاعتبار، فلا ينظر إليه.
2

الوجه الثاني: أنه قياس مع الفارق، فقد قستم حلي الذهب والفضة على متاع البيت المعد للاستعمال، وبينهما عندكم فارق، والفارق عند الحنابلة وغيرهم فيهما هو أنهم أوجبوا الزكاة في الحلي المعد للنفقة والمعد للكراء، فلو أن امرأة عندها حلي تبيع منه للنفقة على نفسها، فإن الزكاة تجب عليها؛ لأنه ليس بمعد للاستعمال، وإنما هو معد للنفقة، وسيأتي دليلهم على هذا، ولذلك إن أعد للكراء، كأن يكون عند امرأة ذهباً قد أعدته كلها للكراء، أي للإجارة،فإن الزكاة تجب.
وأما متاع البيت المعد للنفقة أو الكراء، فإن الزكاة لا تجب فيه عندهم، فبين المسألتين فارق، والقياس مع الفارق لا يصح.
ومما يدل على هذا: أن الكنز من الذهب والفضة تجب فيه الزكاة بنص القرآن ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة..﴾ 1 ومعلوم أن الكنز ليس بمعد للنماء ومع ذلك فقد أوجب الله عز وجل فيه الزكاة.
وأما المواشي المعدة للعمل، فإنها لا تجب فيها الزكاة، وهذا أصح قياساً على هذه المسألة، فإنه لو قيس قولهم على هذا لكان أقوى من القياس المتقدم مع ضعفه.
والفارق بين الحلي من الذهب والفضة وبين البقر والإبل العوامل حيث أنها لا تجب فيها الزكاة، الفارق: أن الذهب والفضة مادة الأثمان وبهما قيام المعايش، ولاشك أن اختيارها حلياً ثم لا تجب فيها الزكاة يخالف مقصود الشارع من بقائها أثماناً للأشياء، فحيث أنها بقيت هكذا حلياً بحيث أنها لا تقع فيها هذه الأحكام الشرعية من الزكاة فقد تكون مهرباً لكثير من الناس، فتكون أثمان الناس وقيمهم.
وعموماً فإن الأدلة الشرعية قد دلت على إيجاب الزكاة فيها فلا ينظر إلى الأدلة النظرية حيث خالفت الأدلة الأثرية.

واعلم أننا قد أوجبنا – وهو الراجح في المسألتين – الزكاة في الحلي، فإن الحلي إنما تجب الزكاة فيه حيث كان ذهباً وفضة كما دلت عليه الأدلة المتقدمة،وعليه فيخرج عن الزكاة ما لو صنع فيه من الجوهر ونحوه، فإذا رصعت فيه جواهر أو لآلئ أو ماس أو نحو ذلك، فإنها تخرج من وزنه، فلا توزن؛ لأن الزكاة إنما تجب في الذهب والفضة، وأما سائر الحلي من غير الذهب والفضة، فإن الزكاة لا تجب فيها اتفاقاً.
وكذلك المخالط للذهب والفضة، فإنه لا تجب فيه الزكاة.
وهناك قول ثالث في مسألة زكاة الحلي، وقد قواه ابن القيم، وهو مذهب بعض التابعين وهو رواية عن الإمام أحمد: أن الحلي يجب فيها الزكاة أي العارية.. .. .. (1) أن يعيرها أن يزكيها.
وهذا القول ضعيف؛ لأن الأدلة الشرعية المتقدمة فيها لفظ الزكاة، والزكاة إذا تلفظ بها الشارع فهي الزكاة الشرعية الحقيقية التي هي إخراج حق من المال لأهل الزكاة.
وما ذكروه من أن زكاتها عاريتها هذا مجاز، والألفاظ تحمل على حقائقها لا على مجازاتها إلا بدليل، ولا دليل شرعي يدل على ذلك.
فأصح الأقوال وجوب الزكاة فيها.
قال: [وإن أعد للكرى أو للنفقة أو كان محرّماً ففيه الزكاة] إذا كان عنده ذهب قد أعده للكراء كحلي النساء، فتجب الزكاة فيه، قالوا: لأن الأصل في الذهب والفضة وجوب الزكاة، وإنما استثنينا الحلي الملبوس لأدلة ثبتت عندنا، وحيث لم تثبت الأدلة في الكراء فإنا نبقى على الأصل من وجوب الزكاة في الذهب والفضة.

وكذلك النفقة، فإن الأصل وجوب الزكاة في الذهب والفضة، ولا دليل على إسقاطها في النفقة بخلاف إسقاطها في الحلي، فعندهم ما يستدلون به على هذا، أما هنا فلا دليل عندهم.
فعلى ذلك: بقوا على الزكاة فيها.
وكذلك إذا كان محرماً، كلبس الرجل للذهب المستقل، فإنه يزكيها، وكذلك المرأة إذا لبست حلياً فيها إسراف، فإنها تزكيها.
إذاً: ما لا يحل من الحلي تجب الزكاة فيه؛ قالوا: لأن الأصل هو وجوب الزكاة في الذهب والفضة، وهذا الملبس غير مأذون فيه شرعاً؛ لأنه محرم، فلا يسقط الزكاة، فيبقى على الأصل من إيجاب الزكاة؛ لأن اللبس هنا غير مأذون فيه شرعاً، وحيث كان كذلك فإنا نبقى على الأصل، فلا يكون هذا الفعل المحرم مؤثراً في إسقاط الزكاة.
وعلى الترجيح المتقدم، فإنه لا إشكال في دخولها؛ لأنه إذا ثبتت في الذهب المستعمل فأولى منه ما أعد للكراء ونحوه، وإذا ثبتت في الحلي المباح فأولى منه إثباتها في الحلي المحرم.
والحمد لله رب العالمين.
باب زكاة العروض الدرس السادس بعد المئتين (يوم السبت: 5 / 1 / 1416 هـ)

باب زكاة العروض

العروض: جمع عرض: وهو ما سوى الأثمان من الأموال، أي ما سوى الذهب والفضة من الجواهر والعقارات والثياب والأمتعة ونحو ذلك من الأموال.
وهي في تعريف الفقهاء: ما أعد للبيع بقصد الربح من متاع أو غيره.
فعروض التجارة هي الأموال سوى الأثمان التي قد أعدها صاحبها للبيع، أما إن كانت للقنية أي للاقتناء من ملبوسه أو مسكنه أو ما في بيته من أمتعة ونحو ذلك، فإنها قد أعدت للقنية لا للتجارة، فهي بإجماع العلماء لا تجب فيها الزكاة.
فلا تجب الزكاة فيما اتخذ للقنية من دابة ومركب أو فراش أو نحو ذلك.
وتجب الزكاة في عروض التجارة بدلالة الكتاب والسنة والإجماع وآثار الصحابة.

أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿أنفقوا من طيبات ما كسبتم﴾ 1 ، وقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ 2 فقوله ﴿أموالهم﴾ جمع مضاف فيفيد العموم أي خذ من كل أموالهم، والأمتعة والأثاث والعقارات التي أعدت للبيع أموال فتدخل في العموم.
وأما السنة، فقد ثبت عند الحاكم في مستدركه والدارقطني والبيهقي في سننيهما بإسناد جيد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (في الإبل صدقتها وفي الغنم صدقتها وفي البز صدقته) 3 والبز: هو القماش الذي يباع، فأوجب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في البز الصدقة، وضبطها الحاكم في مستدركه – وهو تصحيف – (وفي البر صدقته) (4) ، لكن هذا تحريف وتصحيف كما صحح ذلك النووي وغيره، ولو كان الشارع يريد البر لقال: (وفي الحب صدقته) كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: (ليس فيما دون خمسة أوسق من تمر ولا حب صدقة) 4 ، فهذا دليل على وجوب الزكاة في البز، ويلحق به غيره من أموال التجارة.

وأما دليل الإجماع، فقد حكى غير واحد من أهل العلم، كابن المنذر وأبي عبيد القاسم بن سلام إجماع العلماء على وجوب الصدقة في الأموال التجارية.
أما دلالة أقاويل الصحابة، فقد صح ذلك عن عمر كما في البيهقي وغيره 1 ، وصح عن ابنه كما في البيهقي 2 ، وصح عن ابن عباس كما في كتاب الأموال لأبي عبيد (3) ، ولا يعلم لهم مخالف، فيكون قولهم إجماعاً وحجة.

  • وذهب الظاهرية إلى أن الزكاة غير واجبة في عروض التجارة، واختار هذا القول الشوكاني في نيل الأوطار وغيره.
    واستدلوا بالأصل، قالوا: الأصل براءة الذمة من الزكاة، فلا تجب الزكاة إلا بدليل، قالوا: ولا دليل يدل على ذلك.
    وهذا ظاهر البطلان، فقد تقدمت الأدلة الدالة على وجوبها من عمومات النصوص الشرعية في القرآن ومن الحديث والمتقدم، وهم محجوجون بالإجماع الذي تقدم ذكره.
    واستدلوا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ليس فيما دون خمسة أوسق من تمر ولا حب صدقة) ، قالوا: وأنتم توجبون الزكاة فيما إذا بلغ الحب أربعة أوسق أو التمر، وقد أعد للتجارة.
    وهذا ظاهر، فإن الذين يوجبون الزكاة في العروض التجارية إذا كان عنده دكان فيه أربعة أوسق من الحب للبيع والتجارة، فإن الزكاة تجب فيها؛ لأنها عروض التجارة.
    والجواب عن هذا أن يقال: إن هذا باب آخر، فقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ليس فيما دون خمسة أوسق من تمر ولا حب صدقة) 3 ، هذا في زكاة الحبوب والثمار التي تجب عند الحصاد ويراعى فيها عينها، وأما عروض التجارة فإن زكاتها زكاة حولية وتراعى فيها قيمتها، فهذا باب آخر.

إذاً: ما عليه أهل العلم هو الذي دلت عليه الأدلة الشرعية، وأما ما ذهب إليه الظاهرية، فلا يلتفت إليه لمخالفته ما تقدم، ولمخالفته الإجماع.
وباتفاق العلماء أن الزكاة تجب في عروض التجارة عند مضي الحول، لعموم الآثار المتقدمة: " لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول " 1 ، فإذا مضى الحول وجبت الزكاة.
قال: [إذا ملكها بفعله] أي باختياره، كالخلع والصداق والهبة والوصية والشراء ونحو ذلك، فالمقصود أنه وقع التملك على هذا السلعة باختياره لا قهراً عنه، ليخرج من ذلك ما يتملكه العبد بالإرث، فإنه يتملكه قهراً لا اختياراً، بحيث أنه بمجرد ما يموت الميت وله مال فإن هذا الوارث يمتلك نصيبه بموته، وإن كان له أن يتنازل عنه، لكن المقصود أنه يدخل في ملكيته قهراً عنه فليس باختياره.
فذكر شرطاً، وهو أن يكون ملكية هذه السلعة بفعله واختياره لا قهراً.
هذا هو الشرط الأول.
قال: [بنية التجارة] هذا هو الشرط الثاني، وهو أن تكون بنية التجارة.
فإن كانت بنية القنية فلا تجب فيها الزكاة، فلو اشترى أرضاً على أنه يريد أن يبنيها فيسكنها، فهذه قنية، أو اشترى ثياباً بنية أن يلبسها أو يهديها، فإن الزكاة لا تجب.
فالشرط الثاني: هو أن تكون بنية التجارة أي من وقت ملكيتها.
وسيأتي الكلام على هذين الشرطين.
قال: [وبلغت قيمتها نصاباً] وباتفاق العلماء أن نصابها نصاب الأثمان، أي نصاب الذهب والفضة، والشارع لم يضع لها نصاباً لكثرتها وانتشارها؛ ولأن الاعتبار فيها بقيمتها، فإنها تباع وتشترى بالأثمان، فكان نصابها نصاب الذهب والفضة، فإذا بلغت النصاب من الذهب والفضة فيجب فيها الزكاة.
إذاً: تنظر قيمتها، فإذا بلغت نصاباً وجبت فيها الزكاة.
وعليه: فإذا كانت عنده أمتعة لا تباع إلا بمئة درهم أو عشرة دنانير، فإن الزكاة لا تجب عليه؛ لأنها لم تبلغ نصاباً، ولا خلاف بين العلماء في هذا.

الشرط [الثالث] هذا من باب القياس الظاهر على الأثمان.
قال: [زكى قيمتها] فإذا بلغت نصاباً، فإنها تزكى ويخرج زكاتها قيمة، فيكون المخرج القيمة لا العين.
هذا هو المشهور عند الحنابلة.
فإذا بلغت تجارته عشرين ديناراً فيجب عليه أن يتصدق بنصف دينار.
قالوا: لأن نصابها تعتبر فيه القيمة، فاعتبرت - أي القيمة - بالمخرج منها، فإنا إذا أردنا أن ننظر هل بلغت النصاب أم لم تبلغه فإنا ننظر على قيمتها، فإن بلغت القيمة النصاب أوجبنا الزكاة فيها، قالوا: وكذلك المخرج، فيجب أن يخرج القيمة، ولا يجوز له أن يخرجها من أعيان تجارته، فليس له أن يخرجها ثياباً أو نحو ذلك.

  • وقال بعض الشافعية: بل تجب الزكاة في عينها، فعليه أن يخرج ربع العشر مما عنده من الأموال التي هي سوى الأثمان، فإذا كان عنده أقمشة فيخرج أقمشة ونحو ذلك.
    قالوا: قياساً على سائر الأموال الزكوية، فكما أن الزروع تخرج زكاتها حباً والثمار يخرج زكاتها ثمراً والمواشي كذلك، فكذلك عروض التجارة.
    ويمكن أن يجاب عليهم بالفارق، فيقال: الفارق بينهما أن المواشي نصابها مواشي والثمار نصابها ثمار، والزروع نصبها حبوب، وأما هنا فإن نصابها بالقيمة، فكان القدر المخرج منها أيضاً بالقيمة.
  • وقال الأحناف، وهو اختيار شيخ الإسلام: يجوز أن يخرج قيمة ويجوز أن يخرج عيناً.
    أما كونه يجوز له أن يخرجها من أعيان هذه الأموال؛ فلأن الزكاة في الأصل تجب من عين المال، لقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ ، فالزكاة تؤخذ من المال.
    وأما كونه يجوز أن يخرج قيمةً – ولم أره لشيخ الإسلام – فلعل ذلك بالنظر إلى نصابها، أو لأن المقصود منها القيمة.
    وهذا هو الأرجح، فإن إخراجها من عين ماله جائز؛ وذلك لأن الأصل في الزكاة أن تخرج من عين المال، لأن المقصود منها المواساة، فلم يكلفها الغني من غير ماله.

وإن أخرجها قيمة جاز ذلك؛ لأن هذه الأمتعة ونحوها المقصود منها القيمة، فإن أخرج القيمة أجزأه ذلك.
هذا هو أرجح المذاهب، فيجوز إخراجها عيناً ونقداً.
واعلم أن أهل العلم قد اختلفوا في جواز إخراج القيمة في غير العروض من المواشي ونحوها، فهل يجوز أن يخرج عن الحب دراهم أو دنانير أو يخرج عن الإبل أو البقر أو الغنم دراهم أو دنانير، أو يجب أن يخرجها من عين ماله؟

  • قال جمهور العلماء: يجب أن يخرجها من عين ماله؛ لقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ . والنصوص الشرعية في هذا الباب كقوله: (في كل أربعين من الغنم شاة) ، ونحو ذلك من الأدلة الدالة على أن المخرج يكون من جنس المال.
  • وقال الأحناف: يجوز أن يخرج بالقيمة؛ لأن المقصود منها هو القيمة، فله أن يخرج مكان الشاة ما يساويها من الدراهم والدنانير.
  • واختار شيخ الإسلام، وهو رواية عن أحمد، قولاً بين هذين القولين، فقال: يجوز إخراج القيمة عند الحاجة، فإذا احتيج إلى إخراج الدراهم والدنانير عن الشياه أو عن البقر أو عن الإبل أو عن الحب أو التمر، فإن كانت مصلحة الغني في ذلك من غير ضرر على الفقير أو كانت مصلحة الفقير في ذلك من غير ضرر على الغني، فله أن يخرجها قيمة.
    قال: لأن هذا هو المقصود من هذه الأشياء، فإن هذه الأشياء تباع وتشترى فلا فرق بين أن يخرج قيمة وبين أن يخرج على الصفة الواردة في الشريعة، وحيث أن الشارع قد نص عليها فلا يجوز لنا أن نخرج القيمة إلا عند الحاجة إليها، فإذا ثبتت المصلحة جاز لنا أن نخرجها.

ودليل هذا من الآثار: ما رواه طاووس عن معاذ بن جبل أنه قال: " ائتوني بخميص أو لبيس – وهي.. ثياب – مكان [الشعير] والذرة أهون عليكم وخير لأصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة " 1 ، وهذا الأثر يرويه طاووس عن معاذ وهو لم يسمع منه، لكنه أدرك حالة تلاميذ معاذ بن جبل في اليمن، وهو من أهل اليمن، وقد احتج بهذا الأثر البخاري في صحيحه، ومقاصد الشريعة تدل عليه.
فأصح الأقوال ما اختاره شيخ الإسلام، وهو رواية عن الإمام أحمد: أن إخراج القيمة لا يجوز إلا عند الحاجة إلى إخراجها، فإذا كانت مصلحة أحدهما في إخراجها قيمة من غير ضرر على الآخر فيجوز إخراج القيمة.
هذا في غير عروض التجارة، وأما عروض التجارة فإن الجواز مطلق عند الحاجة وغيرها في الأرجح كما تقدم.

قال: [فإن ملكها بإرث أو بفعله بغير نية التجارة ثم نواها لم تصر لها] إن ملكها بإرث، فهو ملك بغير الفعل، فلو أن رجلاً توفي والده وترك له دكاناً إرثاً، فإنه لا تجب عليه الزكاة فيه، وإن أبقاه للتجارة؛ لأنه ملكه بغير اختياره.
هذا في الحقيقة ضعيف جداً، وهو المشهور عند الحنابلة.

  • وعن الإمام أحمد وهو اختيار أبي بكر وابن عقيل وغيرهم: أن الزكاة تجب فيه؛ وذلك لأنه مال تجاري فيدخل في عموم الأدلة المتقدمة وهو مالك له، فلا فرق بين أن يملكه باختياره أو بغير اختياره، فقد دخل في ملكيته، وكونه يدخل باختياره أو بغير اختياره، فإن هذا لا أثر له في الحكم.

ومثل هذا قوله: " أو بفعله بغير نية التجارة "، فلو أن رجلاً اشترى أرضاً وقد نواها قنية، ثم غير نيته إلى التجارة أو اشترى قماشاً بنية الهبة ثم نواه تجارة، قالوا: فلا تجب فيه الزكاة، فلابد أن تكون نية -للتجارة مقارنة للشراء أو عنده، فلابد أن تكون مقارنة للملك.
وهذا أيضاً ضعيف؛ لأنه متى نواه تجارة فإن المال أصبح مال تجارة، ولو كان ذلك بعد زمن من ملكيته، فإن كان نواه قنية ثم حولها إلى تجارة، فإنه بهذه النية أصبح مالاً تجارياً.

  • وهذا كما تقدم رواية عن الإمام أحمد واختيار أبي بكر وابن عقيل وطائفة كثيرة من الحنابلة.
    وهذا هو القول الراجح؛ لأنه بالنية وإن كانت غير مقارنة للملك، فهذه النية انتقل إلى مال تجاري، وحيث كان مالاً تجارياً، فإن الزكاة تجب فيه لعمومات الأدلة الشرعية.
    إذاً: هذان الشرطان فيهما نظر، بل متى ما كان المال ملكاً له وقد نوى فيه التجارة ومضى على نية التجارة حول، فإن الزكاة تجب فيه؛ لأنه مال تجاري فيدخل في عموم الأدلة الشرعية.
    قال: [وتقوم عند الحول بالأحظ للفقراء من عين أو ورق] رجل عنده قماش للبيع إن قومه بالدراهم ساوى مئتي درهم، وإن قومه بالدنانير ساوى خمسة عشر ديناراً، فإذا نظرنا إلى قيمته بالدراهم أوجبنا عليه الزكاة، وإذا نظرنا إلى قيمته بالدنانير لم نوجب عليه الزكاة، فما الحكم؟ تقوم بأحد النقدين، فإن بلغ نصاب الذهب أوجبنا الزكاة، وإن لم يبلغ نصاب الفضة، وإن بلغت نصاب الفضة أوجبنا الزكاة وإن لم تبلغ نصاب الذهب.
    وهذا هو المشهور عند الحنابلة.
    قال: [ولا يعتبر ما اشتريت به] فالمشهور في المذهب: بأنه لا يعتبر ما اشتُريت به، فلو اشتراها بفضة مثلاً فلا بأس أن يقوم بالذهب، إن كان هو الأحظ للفقير، وإن اشتراها بذهب فيجوز أن يقوم بالفضة إن كان هو الأحظ للفقراء، فلا يعتبر ما اشتريت به.
  • وعن الإمام أحمد، وهو قول الشافعية: أن الاعتبار بقيمته عند الشراء، فإذا اشتراها بذهب قومناها بالذهب، وإذا اشتراها بالفضة قومناها بالفضة.
    فإذاً: إن كان اشتراها بالفضة فنصابها نصاب الفضة، وإن كان اشتراها بالذهب فنصابها نصاب الذهب؛ قالوا: لأن قيمتها عند شرائها ذهب أو فضة، فروعي ذلك عند إيجاب الزكاة فيها.
    وهذا تعليل ضعيف؛ لأن الاعتبار إنما هو في الانتهاء وهو وقت وجوب الزكاة، فالنظر إلى قيمتها عند وجوب الزكاة وهي لها قيمة من الورق ولها قيمة من الذهب.
    ولا أثر لقيمتها عند الشراء، بدليل أنه قد يشتريها بدينار وتساوي عشرة دنانير بعد حول، فالاعتبار إنما هو بقيمتها وقت إخراجها، وقيمتها هنا يمكن أن تكون بالذهب ويمكن أن تكون بالفضة، فتعليق الحكم بأحد النقدين بالنظر إلى قيمة الشراء هنا متعلق ضعيف؛ لأنه لا أثر له.
    وأما دليل القول الأول وهو المشهور عند الحنابلة، قالوا: هو مال قد بلغ نصاباً زكوياً فوجبت فيه الزكاة، فهذه العروض قد بلغت النصاب وهو النصاب من الفضة أو بلغت النصاب الآخر وهو النصاب من الذهب، فوجبت فيه الزكاة من غير اشتراط أن يبلغ نصاباً في النقد الآخر.
    فما دام أن الاعتبار هو بالقيمة وقد بلغت قيمتها أحد النصابين، فإن الزكاة حينئذ تجب؛ لبلوغ هذا المال النصاب الزكوي.
    وهذا تعليل قوي؛ فإن هذا المال – وهو عروض التجارة – المعتبر فيه القيمة من غير تحديد بذهب ولا ورق، وقد بلغت هذه القيمة نصاباً زكوياً سواء كان من الورق أو من الفضة، فوجبت فيه الزكاة.
    ولما فيه من مصلحة الفقير، لذا قال المؤلف هنا: " بالأحظ للفقراء "؛ لأن هذه الطريقة أحظ للفقراء.
    قال: [وإن اشترى عرضاً بنصاب من أثمان أو عروض بنى على حوله]

رجل عنده دراهم يبلغ النصاب مضى عليها ستة أشهر وهي عنده، فاشترى بها أقمشة للبيع والشراء، فحولها حول الدراهم، فيبني على حول الأثمان؛ لأن العروض والأثمان جنس واحد كما تقدم، لأن المقصود من العروض ثمنها، فكانت هي والأثمان جنس واحد، ولذا نصابها نصاب الأثمان، والقدر المخرج هو ربع العشر.
فعلى ذلك: رجل عنده مبلغ من المال ويبحث عن تجارة، فمضى على هذا المال عدة أشهر ثم اشترى به تجارة له، فإنه يبني على حول الأثمان.
كذلك عروض التجارة: عنده عروض تجارة فاستبدلها بعروض أخرى، فمثلاً عنده أقمشة فباعها واشترى بها أطياباً، فإن هذه الأطياب لا يستأنف لها حول جديد، بل حولها حول ما قبلها من الأقمشة، لأنها ذات قيمة واحدة، فكما لو كانت أثماناً كلها، فهي جنس واحد.
قال: [وإن اشتراه بسائمة لم يبن] عنده عروض فباعها بسائمة من الإبل والبقر والغنم، فإنه لا يبني على حول العروض، بل يستأنف حولاً جديداً.
أو بالعكس: عنده.. سائمة فباعها بعروض، فإنه لا يبني على حول السائمة؛ وذلك لأن الجنس مختلف، وتقدم الكلام على هذه المسألة، وأن الجنسين المختلفين لا يبنى حول أحدهما على الآخر.
مسألة: إذا كان عنده إبل سائمة وقد أعدها للتجارة، فهل تزكى زكاة عروض، لأنها قد أعدت للتجارة أو تزكى زكاة سائمة؟ 1- قال الحنابلة: تزكى زكاة عروض.

وعللوا هذا بأن قالوا: إن الزكاة واجبة فيها وإن كانت سائمة حيث لم تبلغ نصاب السائمة، فلو أن عنده أربع من الإبل سائمة وقد نواها تجارة وتساوي عشرين ديناراً، فإن الزكاة تجب فيها.
قالوا: فكما اعتبرناها عروضاً فأوجبنا فيها زكاة العروض وهي لم تبلغ نصاب السائمة، فكذلك إذا بلغت نصاب السائمة.
فإذا كان عنده خمس من الإبل، فلا يخرج شاة بل ينظر إلى قيمة الإبل ويخرج ربع العشر.
قالوا: ولأن هذا الأحظ للفقراء، وذلك لأنا إذا اعتبرناها عروضاً فلا وقص فيها، بل بحساب ذلك، فلو كان عنده سبع من الإبل، فزكاتها أكثر مما لو كان عنده خمس من الإبل، وإذا كان عنده ثمان من الإبل وقلنا: هي عروض تجارة، فزكاتها أكثر مما لو عنده خمس، وهكذا، فلا وقص فيها، بل تزيد بحساب ذلك , وهذا فيه مصلحة للفقير.
2 - وقال الشافعية: بل تخرج زكاتها على أنها سائمة؛ قالوا: لأن الأدلة الدالة على فرضية الزكاة في السائمة أقوى من الأدلة الدالة على وجوبها في عروض التجارة.
لكن هذا ضعيف، فإن كون الأدلة على فرضية الزكاة في السائمة أصح من الأدلة الدالة على وجوب الزكاة في عروض التجارة لا ينافي صحة الأدلة الدالة على الزكاة في العروض.
وكونها أصح لا يعني ذلك أن يتغير الحكم مع ثبوت الأدلة على صحة زكاة العروض.
فالصحيح مذهب الحنابلة، وأنه إذا كانت عنده سائمة أعدها للتجارة فإنه يخرج زكاتها زكاة عروض، بدليل إنها إذا لم تبلغ نصاب السائمة وقيمتها تساوي نصاب الذهب أو الفضة، فإن الزكاة تجب فيها، فكذلك إذا بلغت النصاب؛ ولأن هذا هو الأحظ للفقراء لاعتبار حساب ذلك.
مسألة: رجل عنده سائمة خمس من الإبل قد أعدها للتجارة، فلما مضى عليها ستة أشهر ألغى نية التجارة، وقال: بل هي سائمة، فهل يستأنف حولاً جديداً أم أنه يثبتها على أنها سائمة فتجب عليها الزكاة إذا مضى ستة أشهر – كما في المثال -.

المشهور عند الحنابلة: أنه إذا ألغى هذه النية وأبطلها عن أن تكون تجارة، فلا زكاة عليه حتى يستأنف حولاً جديداً.
وعن إسحاق، وهو الأشبه – كما قال ذلك الموفق –: أنه يبني على الحول الأول.
قالوا: لأن هذه الإبل وجبت فيها الزكاة لسببين: 1- أنها سائمة.
2- أنها عروض تجارة.
فإن ألغى كونها عروض تجارة، فإنه يبقى كونها سائمة، فهي سائمة ترعى، فيجب فيها الزكاة، وإنما أوجبنا فيها زكاة العروض؛ لأنها بنية التجارة، فإذا ألغى هذه النية فقد بقي كونها سائمة، فتجب فيها الزكاة.
وهذا هو الأظهر.
فالأظهر أنه إذا كان عنده مال من الأموال التي تجب فيها الزكاة، كالسائمة، وقد نواها تجارة ثم ألغى هذه النية، فإن الزكاة تبقى على أنها سائمة، فلا يستأنف حولاً جديداً لدخولها في عموم الأدلة، كقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (في الغنم في سائمتها) وقوله: (في كل سائمة من الإبل..) 1 ، وحيث ألغى أحد سببي الزكاة وهو كونها عروض تجارة، فقد بقي السبب الآخر وهو كونها سائمة.
والحمد لله رب العالمين.
باب زكاة الفطر الدرس السابع بعد المئتين (6 / 1 / 1416 هـ)

باب زكاة الفطر

الفطر: اسم مصدر من أفطر الصائم إفطاراً.

وإضافة الزكاة أو الصدقة إلى الفطر من باب إضافة الشيء إلى سببه أي الصدقة أو الزكاة التي سببها الفطر أي الفطر في رمضان، ففي سنن أبي داود وابن ماجه بإسناد حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم: (فرض زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمةً للمساكين) 1 الحديث.
قال: (تجب على كل مسلم) فصدقة الفطر تجب على كل مسلم سواء كان ذكراً أو أنثى حراً أو عبداً كبيراً أو صغيراً.

ففي الصحيحين عن ابن عمر قال: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر على الحر والعبد والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة) 1 . إذن: هي فرض على كل مسلم ذكراً أو أنثى حراً أو عبداً صغيراً أو كبيراً.
قال: (فَضُل له يومَ العيد وليلته صاعٌ عن قوته وقوت عياله) فلا يشترط أن يكون غنياً، بل الشرط أن يكون الصاع فاضلاً عن قوته وقوت عياله ليلة العيد ويومه.

يدل على هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم فرضها على العبد والعبد لا مال له، ويدل عليه أيضاً قول أبي هريرة الثابت عنه في مسند أحمد بإسناد صحيح قال: (زكاة الفطر على كل صغير وكبير ذكر أو أنثى فقير أو غني صاع من تمر أو نصف صاع من بر) (1) فإن كان عنده ما يفضل عن قوته وقوت عياله ليلة العيد ويومه، فإن الزكاة تجب عليه، أما إن لم يكن عنده ما يفضل عن يوم العيد وليلته فلا تجب عليه الزكاة وذلك للحوق الضرر به وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار) 12

فصول الكتاب · 11 فصل · 298 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للحمد · 298 صفحة
المقدمة
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب المناسك
كتاب الجهاد
كتاب الوصايا
كتاب الوصايا
كتاب الفرائض
كتاب الطلاق
كتاب الحدود
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل