شرح زاد المستقنع للحمدصفحات 41-80
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الأول، وهو قول القاضي وابن عقيل من الحنابلة: أنه يجزئ قياساً، فكما أن ابن اللبون يجزئ عن بنت المخاض، فكذلك الحق يجزئ عن بنت اللبون، والجذع يجزئ عن الحقة، فعلى ذلك: فارق السن في الذكر مقابل فضيلة الأنوثة.
ففضيلة الأنوثة في بنت اللبون يقابلها فارق السن في الحق.
وفضيلة الأنوثة في الحقة يقابلها فارق السن في الجذع.
والمشهور عند الحنابلة: أنه لا يجزئ؛ وذلك لأن النص لم يرد، وليس هذا بمعنى ما نص عليه، بل هناك فارق بين المسألتين.
والفرق: أن ابن اللبون إنما كان مقابلاً لبنت المخاض الأنثى، لأن فضيلته ظاهرة، فإنه يرد الماء ويأكل الشجر ويمتنع عن صغار السباع، بخلاف بنت المخاض، فإنها لا ترد الماء وتدفع عن نفسها صغار السباع، فكانت هذه فضيلة فيه مع زيادة السن.
وليس هذا الفارق ثابتاً بين بنت اللبون وبين الحق، فإن بنت اللبون ترد الماء وتأكل الشجر، وتمنع نفسها من صغار السباع، فالفضيلة الثانية في الحق ثابتة فيها، فلم يبق إلا فارق السن، وحينئذ فلا يقابل الأنوثة، فإنه إنما قابل الأنوثة في المسألة السابقة لأمر آخر، وهو أن ابن اللبون فيه فضيلة قيامه بشأن نفسه مع فارق السن، وقيام الحق بشأن نفسه متوفر ببنت اللبون، فلم يكن هناك فارق إلا زيادة السن.
فلذا الراجح ما ذهب إليه الحنابلة في المشهور عندهم، من أن الحق لا يجزئ عن بنت اللبون ولا الجذع عن الحقة، وإنما يجزئ ابن للبون عن بنت المخاض؛ للنص الوارد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
قال: [وإذا كان النصاب كله ذكوراً]

فإذا كان النصاب كله ذكوراً، فإنه يجزئ أن يخرج الذكر.
فإذا كان لا يملك إلا ذكوراً من المعز، أو ذكوراً من البقر، أو ذكوراً من الإبل، فإن الواجب عليه أن يخرج الذكر، ولا يجب أن يخرج الأنثى؛ قالوا: لأن المقصود من الزكاة هو المواساة – مواساة الفقير والغني -، فلا يكلفها من غير ماله، لأنه ليس في ماله أنثى، فماله كله ذكوراً، فيخرج حينئذٍ ذكراً.
وهذا هو المشهور عند الحنابلة وغيرهم من أهل العلم.
وحكى صاحب الفروع قولاً في المسألة، أشار إليه بقوله: " قيل: - أي قول لبعض الحنابلة، وهو وجه عن الشافعية – أنه يجب أن يخرج أنثى إذا كان النصاب كله ذكراً، لكنها تكون قيمتها بقدر الذكر، فيقوم النصاب إناثاً، ويقوم ذكوراً ثم تخرج الأنثى بقسطه، أي بالفارق بين الذكور وبين الإناث، فإذا كان الذكر مثلاً يساوي ثمانمئة، والأنثى تساوي ألفا، فالفارق بينهما بقدر الخمس، فحينئذ إن كانت قيمة بنت المخاض الواجب إخراجها في الأصل ألف، فإنه يخرج ما قيمتها ثمانمئة.
هذا القول قول قوي؛ لعمومات النصوص، فقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما تقدم من حديث أبي بكر: (في كل أربع وعشرين من الإبل الغنم) ، وقال: (في كل خمس وعشرين من الإبل بنت مخاض) ، فقوله: (في كل خمس وعشرين من الإبل) (وفي كل ست وثلاثين من الإبل) عام فيما إذا كانت الإبل ذكوراً أو إناثا.
لكنه لا يجب عليه أن يخرجها أنثى كما لو كان النصاب إناثاً؛ لأن الزكاة تخرج عدلاً، فحينئذ تخرج أنثى لكن بقدر قيمة الذكر، أي يقوم النصاب ذكوراً وإناثاً، ثم تخرج الأنثى بقسط ما بينهما.
هذا، وإن كان أهل القول الأول يمكنهم الخروج من العموم بأن يقولوا: بندرة كون النصاب كله ذكوراً، فإن هذا من النادر، فخروجه من العموم لندرته.

لكن لا شك أن العمل بعموم النصوص الشرعية أولى، والمقصود أن يكون المُخرج منظوراً فيه العدلية، وهذا يثبت بإخراج الأنثى بقيمة الذكر.
إذاً: لا يجوز إخراج الذكر إلا في ثلاث مسائل: المسألة الأولى: إذا بلغت البقر ثلاثين، فله أن يخرج تبيعاً أو تبيعة.
المسألة الثانية: إذا كان الواجب عليه بنت مخاض، ولم يجدها في ماله،فله أن يخرج موضعها ابن لبون.
المسألة الثالثة: إذا كان النصاب كله ذكوراً، فيما تقدم في المشهور عند الحنابلة، والأقوى ما تقدم ذكره.
الله أعلم.
فصل

قال: [ويجب في أربعين من الغنم شاة] إذا ملك أربعين من الغنم، فقد تم النصاب الزكوي فيها، فيجب عليه أن يخرج شاة.
إذاً مادون الأربعين شَنق لا زكاة فيه.
قال: [وفي مئة وإحدى وعشرين شاتان] فإذا بلغت مئة وإحدى وعشرين، ففيها شاتان.

قال: [وفي مئتين وواحدة، ثلاث شياه] فإذا بلغت مئتين وواحدة، فالواجب عليه ثلاث شياه.
قال: [ثم في كل مئة شاة] فإذا كان عنده أربعمئة شاة، فعليه أربع شياه، وإذا كان عنده خمسمئة شاة فعليه خمس شياه.
إذاً في الأربعين شاة إلى مئة وعشرين.
فإذا بلغت مئة وإحدى وعشرين إلى مئتين، ففيها شاتان.
فإذا بلغت مئتين وواحد إلى ثملاثمئة ففيها ثلاث شياه.
ثم في كل مئة شاة.
ودليل هذا: ما تقدم سياق بعضه وهو حديث أبي بكر، وفيه: " وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومئة شاة، فإذا زادت على عشرين ومئة إلى مئتين ففيها شاتان، فإذا زادت على مئتين إلى ثلاثمئة ففيها ثلاث شياه، ثم في كل مئة شاة " 1 . فهذه صدقة الغنم.
وإذا كان النصاب الزكوي من الإبل أو البقر أو الغنم من نوعين، كأن تكون الغنم معزاً وضأناً، أو أن تكون الإبل بخاتياً وعراباً، أو أن تكون البقر بقراً وجواميساً، فإنه يخرج من أحد النوعين.

ولاختلاف القيمة المحتملة من النوعين، فإن هذا المخرج يكون بقدر قيمة المالين، وكذا إذا كان المال سمان ومهازيل.
مثال ذلك: عنده عشرون شاة، كل شاة ثمنها خمسمئة ريال، وعنده عشرون معزاً سعر الواحدة ثلاثمئة ريال، فيخرج شاة أو معزاً قيمتها أربعمئة ريال.
قال: [والخلطة تصير المالين كالواحد] الخلطة في بهيمة الأنعام نوعان، وهو كذلك في كل خلطة، سواء في الأثمان أو عروض التجارة أو الحبوب والثمار: 1- خلطة أعيان.
2- خلطة أوصاف.
خلطة الأعيان: أن يكون مال كل واحد منهما غير متميز عن مال الآخر، بل نصيب كل واحدٍ منهما مشاعاً، كأن يكون عندهم مئة شاة، هذا له النصف وهذا له النصف، أو هذا له الربع وهذا له الثلاثة أرباع، وهكذا.
أما خلطة الأوصاف: فهي أن يتميز مال كل واحد منهما عن الآخر، فشياه هذا معروفة وشياه الآخر معروفة، لكنها مختلطة، فيما يأتي ذكره مما تثبت به الخلطة.
فالخلطة تصير المالين مالاً واحداً بشرطين: الشرط الأول: أن يكون كل واحد من المتخالطين أهلاً للزكاة، فإذا كان كافراً فلا.
فإن لم يكونوا أهلاً للزكاة أو لم يكن أحدهما كذلك نقصت بحسب ما ينقص مما ليس أهلاً للزكاة أو لم تجب الزكاة أصلاً.
الشرط الثاني: أن يمر على الخلطة حولاً؛ لأن الخلطة جعلت المالين كالمال الواحد، وحينئذ أصبح له حكم مستقل، فاشترط ما تقدم من مضي الحول.
إذا ثبت هذا: فلا إشكال في خلطة الأعيان، فهي ظاهرة واضحة، فهي أن يكون لاثنين فأكثر مال يملكانه أو يملكونه مشاعاً.
وأما خلطة الأوصاف فشرط فيها الحنابلة شروطاً: أن يكون مَسْرحها واحداً، أي موضعها الذي تخرج منه لترعى (1) . أن يكون مرعاها واحداً.
أن يكون راعيها واحداً.

أن يكون مراحها واحداً، وهو الموضع الذي تبيت فيه.
أن يكون الفحل الذي يطرقها واحداً، فإن تميز مال كل واحد منهما بفحل فلا.
إلا أن يكونا نوعين مختلفين، كالضأن والمعز، فهنا نوعان مختلفان، فلا يعتبر هذا الشرط هنا.
أن يكون محلبها واحداً، يعني الموضع الذي تحلب فيه.
فقالوا: هذه شروط ستة، فإن هذه المواشي تكون خلطة حينئذ، فتؤخذ منها الزكاة جميعاً وكأنها مال واحد.
وحينئذ إذا اجتمع لرجلين أربعون شاة، فإنا إذا نظرنا إلى مال كل واحد منهما، فإن الزكاة لا تجب، فكل واحد يملك عشرين شاة، فلا زكاة عليها، وإذا نظرنا إلى المال الذي وقعت فيه الخلطة قلنا بوجوب الزكاة، وهذا ما اعتبره الشارع، ففي حديث أبي بكر: " ولا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، وما كان من خليطين، فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية " 1 ، والنظر يدل على هذا، فإن الزكاة متعلقة بالمال ولذا وجبت على الصبي والمجنون، وحيث ثبتت الخلطة المتقدمة، فإنها تصير المالين مالاً واحداً، فتتعلق الزكاة بهذا المال، كما لو كان مالاً لرجل واحد.
إذاً: خلطة الأعيان وخلطة الأوصاف بالشروط المتقدمة تصير المالين مالاً واحداً، وحينئذ تجب الزكاة في هذا المال، وإن كان نصيب كل واحد منهما لا يبلغ نصاباً، فإن النظر إلى مجموع المال.
وفيما ذكروه من الشروط الست في خلطة الأوصاف شيء من النظر، والأظهر ما ذكره صاحب الفروع في قوله: " ويتوجه أن ينظر في الخلطة إلى العرف "، فما ثبت في العرف أنه خلطة تثبت به الأحكام، لأن الشرع أطلق، فقال: " وما كان من خليطين "، فمتى ما ثبتت الخلطة عرفاً،فإن الحكم يثبت.

والأظهر: عدم اعتبار مثل المحلب، فإن هذا غير مؤثر في هذه المسألة، فالأظهر أن يقال: متى ما ثبتت الخلطة في العرف،فإن الحكم يثبت.
فإذا كان عرف الناس أن هذين المالين مختلطين وأنهما كالمال الواحد، فإن الزكاة تجب فيهما على أنهما مال واحد.
وأما خلطة الأعيان، فإنه لا إشكال فيها، فالخلطة فيها ظاهرة جداً؛ لأن المال لا يملكه كل واحد منهما متميزاً عن الآخر، فليس كل واحد منهما يملك شياهاً متميزة عن شياه الآخر، بل هم يشتركون في هذه الشياه.
إذاً: إذا ثبتت الخلطة، فإن الزكاة تؤخذ من جميع المال، فإذا أخذت الزكاة، فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية.
مثال هذا: إذا كان المال الذي وقعت فيه الخلطة قدره أربعون شاة، لأحدهما شاة، وللآخر تسع وثلاثون شاة، فأخذت شاة وقدرها أربعون درهم، فحينئذ يكون الواجب على صاحب الشاة قدر درهم من هذه الشاة، وهكذا.
وإذا كان المال بينهما ثلاثاً، فأخرجت زكاة، فالواجب على كل واحد منهم ثلثها، فتقوّم الشاة، وما كان من حق لأحدهما، فإنه يدفع له.
واختلف أهل العلم هل الخلطة خاصة بالمواشي أم هي عامة فيها وفي غيرها، كعروض التجارة، والحبوب والثمار وغيرها مما تقع به الخلطة؟ قولان لأهل العلم: القول الأول، هو مذهب جماهير أهل العلم، وهو المشهور عند الحنابلة: أن الخلطة لا حكم لها، ولا أثر لها في الزكاة هنا.
فلو أن لرجلين محل للتجارة، فإن على كل واحد منهما الزكاة بقدر ماله في هذا الدكان، ثم يزكيه إن كان نصاباً.
وإذا اشترك مجموعة في مزرعة، فلكل واحد منهم نصيبه، فيخرج الزكاة فيه إن بلغ نصاباً، وإلا فلا زكاة فيه.
قالوا: لأن النص إنما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في خلطة المواشي، وأما غيره فلم يرد فيه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والأصل أن الزكاة في الواحد منفرداً أو مستقلاً عن مال غيره.

وعن الإمام أحمد: أن الخلطة مؤثرة في هذا الباب، وهو مذهب الشافعية.
فإذا اشترك اثنان مثلاً في عقار للتجارة أو دكان أو في مزرعة، فإن الخلطة مؤثرة، ويزكون على أنه مال واحد، وإن كان نصيب كل منهم لا يبلغ النصاب.
فلو أن أناساً عندهم نخل، ونصاب التمر خمسة أوسق، وهم عدد كثير بحيث أن نصيب كل واحدٍ منهم لا يبلغ هذا، فحينئذ عليهم الزكاة.
وهذا القول أظهر؛ لأن القياس في هذا ظاهر، ولأن الزكاة متعلقة بالمال، ولذا تجب في مال الصبي والمجنون، فإذا اشترك اثنان في دكان، فالموضع واحد والبائع واحد، فإن هذا يشبه اشتراكهم في المواشي في المرعى وفي المراح ونحو هذا مما تقدم، فالقياس فيه ظاهر.
وقد يستدل على هذا: بأن السعاة لم يكونوا يستفصلون من أصحاب الحبوب والثمار، أهي مشترك فيها أم لا، مع كثرة هذا، فالاشتراك في مثل هذا كثير.
والله أعلم.
وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة) . إذا كان المال متفرق، هذا مال لزيد، وهذا مال لعمرو، وهذا مال لبكر، فلا يجوز أن يجمع خشية الصدقة أي هروباً من الزكاة أو تخفيفاً منها.
فإذا كان هذا يملك أربعين شاة، وهذا يملك أربعين شاة، وهذا يملك أربعين شاة، فمجموعها مئة وعشرين شاة لا يجب فيها إلا شاة واحدة، وحيث كانت مفرقة فيجب في كل واحدةٍ منها شاة، فيكون الواجب في مجموعها ثلاث شياه، هذا لا يجوز.
وعكسه لا يجوز، فإذا كان المال إذا جمع وجبت فيه زكاة أكثر، فتفريقه لتخفيف الزكاة أو إسقاطها لا يجوز.
فمثلاً: الواجب في مئتين وعشرة من الغنم ثلاث شياه، فإذا اقتسماها، هذا له مئة وخمس، والآخر له مئة وخمس، فلا يجب على كل واحد إلا شاة، فتسقط عنهم من الثلاث شاة.
هذا أمر لا يجوز؛ لأنه حيلة على المحرم، وقد تقدم الكلام على تحريم الحيلة.
وهل يجمع مال الرجل الواحد إن كان في مواضع مختلفة؟

هذه المسألة فيها تفصيل:

  • فإن كانت الأموال المتفرقة من المواشي أو الحبوب والثمار ونحوها - إن كانت - ليس بينها مسافة قصر، فلا خلاف بين العلماء في إنه يضم بعضها إلى بعض.
    فلو أن له مثلاً مواشي في شمال بلده وفي جنوبها وفي شرقها وما بينها مسافة لا تقصر فيها الصلاة، فكلها في موضع واحد له حكم واحد من حيث قصر الصلاة، فحينئذ يضم بعضها إلى بعض؛ لأن المال مال رجل واحد، وقد صلى الله عليه وآله وسلم: (في كل أربعين من الغنم شاة) ، وهذا الرجل قد ملك أربعين أو أكثر من ذلك، فوجب عليه قدر ذلك من الزكاة، وحينئذ فلا فرق بين أن يكون ماله في موضع واحد أو في مواضع مختلفة.
    فإذا كانت أمواله بينها مسافة قصر، كأن يكون له في هذه المدينة شياه، وله في مدينة أخرى شياه أخرى، وفي مدينة ثالثة شياه ثالثة: فالمشهور عند الحنابلة، هو رواية عن الإمام أحمد: أنه لا يضم بعضها إلى بعض، واستدلوا بقوله: (ولا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة) . وعن الإمام أحمد، وهو مذهب جماهير العلماء: أنه يضم بعضه إلى بعض؛ لأن المال مال رجل واحد.
    وأما حديث (لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق) ، فإن هذا إنما هو في المالين إن كان لرجلين، فلا يجمع بينهما ولا يفرق خشية الصدقة.
    ومما يدل على هذا: الإجماع على المسألة المتقدمة، فقد أجمعوا على أن المال إذا كان متفرقاً وما بينهما مسافة لا يقصر فيها الصلاة، فإنه يجمع بينهما، على أن الحديث مطلق، فدل على أن تفسيره كما تقدم، وهو أن يكون الأموال لأناس مختلفين، فيجمعونها خشية الصدقة أو يفرقونها خشية الصدقة.
    إذاً: الراجح ما ذهب إليه جماهير العلماء، وأن المال يضم بعضه إلى بعض سواء كان بينه مسافة قصر أو لم يكن.
    كما أن مسافة القصر في هذا الباب لا معنى لتأثيرها.
    والحمد لله رب العالمين.
    الدرس الأول بعد المئتين (يوم الجمعة: 26 / 12 / 1415هـ)

باب زكاة الحبوب والثمار قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات من كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ ، هذا هو الأصل في وجوب الزكاة فيها.
هذا الباب في زكاة الخارج من الأرض، وهي الحبوب من الزروع كالقمح والشعير ونحوها، والثمار من الأشجار كالتمر والزبيب، فالحبوب من الزروع، والثمار من الأشجار.
قال المؤلف: [تجب في الحبوب كلها ولو لم يكن قوتاً] القوت: هو ما يقوم به غذاء الآدمي دون ما يطعمه الآدمي تأدماً وتنعماً، كالشعير والحنطة والأرز ونحوها.
وهنا المؤلف لم يستثن الأطعمة، بل نص على أنه فرق بين الأطعمة وغيرها، وأنه لا يشترط أن يكون مطعوماً مما يكون به غذاء الآدمي، فذكر أن الحبوب كلها تجب فيها الزكاة سواء كانت مما يطعم كالقمح والأرز والشعير أو كانت مما لا يطعم كحبوب الأدوية، كحب الرشاد والترمس ونحوها من الحبوب، فكل الحبوب تجب فيها الزكاة، سواء كانت من طعام الآدمي من الأقوات أو كانت من طعامه من غير الأقوات كحب الكمون ونحوه مما يوضع في الأطعمة أو كان من الأدوية فيما يتداوى به الآدميون، أو كان من الحبوب التي توضع أدوية للزروع ونحوها.
هذا هو المشهور عند الحنابلة، واستدلوا بما روى البخاري في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (فيما سقت السماء والعيون أو كان عَثَرياً العشر، وما سقي بالنضح فنصف العشر) 1 . والشاهد: قوله (فيما سقت السماء) ، قالوا: وهذا عام فتدخل فيه الحبوب كلها بأنواعها، سواء كانت مطعومة أو غير مطعومة، وسيأتي مذهب جمهور أهل العلم في هذه المسألة إن شاء الله.
قال: [وفي كل ثمر يكال أو يدخر] أي في كل حب وإن لم يكن قوتاً وفي كل ثمر بشرط، وهذا الشرط في الحبوب والثمار، أن يكون مكيلاً مدخراً.

والمكيل: هو ما يقدر بالكيل أي بالصاع.
وأما الموزون فهو ما يقدر بالكيلو جرام.
ودليل اشتراط الكيل، قوله صلى الله عليه وآله وسلم في الصحيحين من حديث أبي سعيد: (ليس فيما دون خمسة أوسق من تمر ولا حب صدقة) 1 ، والشاهد: قوله (ليس فيما دون خمسة أوسق) ، فدل على اعتبار التوسيق أي الكيل، فالكيل معتبر فيه.
فما لم يكن مكيلاً من الحبوب أو الثمار، فإنه لا زكاة فيه.
والوزن متصور في الثمار، إذ الحبوب فيما يظهر لي مكيلة، إلا أن قول المؤلف: " يكال " يدل على أنه يوجد هناك شيء من الحبوب - وإن كانت تخفى علينا - توزن.

فالشرط أن تكون مكيلة أي تقدر بالصاع، فعليه: لا زكاة في الخضروات والفواكه؛ لأنها موزونة، وهذه هي سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وخلفائه من بعده، فإنهم لم يكونوا يأخذون من الخضروات والفواكه الصدقة، وقد كان في المدينة شيء من ذلك، وفي الطائف ما هو أبين وأظهر، ومع ذلك مع دواعي النقل، لم ينقل إلينا أنهم كانوا يأخذون منها الصدقة.
وأما ما رواه الترمذي من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (ليس في الخضروات صدقة) 1 ، فالحديث فيه الحسن بن عُمارة، وهو ضعيف جداً، قال الترمذي: " لا يصح في

هذا الباب شيء، والعمل عليه عند أهل العلم ".

  • وذهب الأحناف: إلى وجوب الصدقة فيها، واستدلوا بعمومات الأدلة، كحديث (فيما سقت السماء..) ، والخضروات والفواكه قد سقتها السماء.
    لكن هذا ضعيف؛ لأن سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الفعلية المتقدم ذكرها وما جرى عليه عمل المسلمين في المدينة، وكان الإمام مالك من القائلين بهذا، فهي السنة التي كانت في المدينة النبوية وغيرها من بلاد المسلمين الموروثة عن أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو خلاف هذا، وأنها لا تؤخذ منها الصدقة.
    كما أن الدواعي متوفرة على نقل ذلك لو ثبت، ومع ذلك لم يثبت.
    وأصرح في الاستدلال ما ثبت في مستدرك الحاكم ومعجم الطبراني بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لمعاذ بن جبل ولموسى الأشعري: (لا تأخذوا الصدقة إلا من هذه الأصناف: الشعير والحنطة والزبيب والتمر) 1 ، فهذا مخصص ظاهر.
    فهنا لا زكاة في الخضروات والفواكه.
    إذاً الشرط الأول: أن تكون مكيلة.
    الشرط الثاني: أن تكون مدخرة، والمدخر هو ما ييبس فيبقى، كالحبوب والزبيب والتمر، فإنها تزول رطوبتها وتكون يابسة، فتبقى مدة زمنية طويلة.
    والفواكه والخضروات ليست مما يدخر، في الطبيعة في الأصل، وأما في هذه العصور، لتقدم المادة، فيمكن فعله، لكن هذا خلاف الأصل فيها.

واختلف في الاقتيات، هل يشترط أم لا؟ فقال الحنابلة: لا يشترط كما تقدم، ولذا قال المؤلف هنا: " ولو لم تكن قوتاً "، فعلى ذلك: كل ما يكال ويدخر وإن لم يكن مطعوماً، فإن الزكاة تجب فيه.
وقال الشافعية والمالكية: يشترط الاقتيات؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لا تأخذوا الصدقة إلا من هذه الأصناف) ، وذكر الشعير والحنطة والزبيب والتمر، وكلها مما يقتات أي مما يطعم.
هذا القول هو الراجح؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خص الزكاة في هذه الأصناف الأربعة، فلا تجب الزكاة إلا فيها أو في نظيرها أو شبيهها، وشبيهها هو المكيل المدخر المقتات، فكل هذه الأصناف الأربعة مكيلة ومدخرة ومقتاتة.
وهذا هو دليل الجمهور على اشتراط الادخار والكيل، فإن هذه الأصناف الأربعة كلها مكيلة ومدخرة.
وعن الإمام أحمد: أن الزكاة محصورة في هذه الأصناف الأربعة، فلا تجب الزكاة في غيرها.
وهذه الرواية ضعيفة؛ وذلك لأن هذا يخالف ما دلت عليه الأدلة من القياس، والشريعة لا تفرق بين المتماثلات، وقد جاء الإسلام بالميزان من إلحاق النظير بنظيره والشبيه بشبيهه.
فهذه الأصناف الأربعة لا تجب الزكاة إلا فيها أو ما يقاس عليها.
هذا هو مذهب جماهير العلماء، وهو المشهور عن الإمام أحمد؛ وذلك بتوفر ثلاث شروط: 1- أن تكون مكيلة.
2- أن تكون مدخرة.
3- أن تكون مقتاتة، وهذا الشرط فيه خلاف من الحنابلة، والراجح ما تقدم.
1

قال: [ويعتبر بلوغ نصاب قدره ألف وستمئة رطل عراقي 2 ] " رطلاً ": يصح، بكسر الراء وفتحها.
الرطل: عند العرب ما يساوي اثنتي عشرة أوقية.

والأوقية: وزن أربعين درهما.
وهو من الموازين القديمة.
وهذا النصاب، وهو " ألف وستمئة رطل عراقي " إيضاح من المؤلف وغيرها للقدر المشهور في زمانهم، وإلا فإن النصاب الوارد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو ما تقدم وأنه خمسة أوسق، لقوله: (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) ، والوسْق: يساوي ستين صاعاً نبوياً.
فعلى ذلك: النصاب ثلاثمئة صاع نبوي.
والصاع النبوي يساوي بالكيلو جرام = كيلوين وأربعين جراماً.
فعلى ذلك: النصاب يساوي ستمئة واثني عشر كيلوجرام، وهو أكثر من نصف الطن.
فعلى ذلك: من ملك ثلاثمئة صاع نبوي ويساوي بالصيعان الموجودة عندنا = مئتين وأربعين صاعاً، فإن الصاع النبوي يساوي أربعة أخماس الصاع المعاصر، فإن الزكاة تجب عليه.
هذا هو نصاب الحبوب والثمار.
والوسْق: يساوي ستين صاعاً نبوياً، وقد أجمع الفقهاء على هذا، فعلى ذلك: هم متفقون ومجمعون على أن النصاب في الحبوب والثمار ثلاثمئة صاع.
قال: [وتضم ثمر العام الواحد بعضها إلى بعض في تكميل النصاب] فلو أن رجلاً عنده نخيل، اختلف بدو صلاحها، فهذه المجموعة من النخيل بدا صلاحها في أوله، وهذه في أوسطه، وهذه في آخره، هذا يختلف باختلاف أنواع النخيل، وكذلك في أنواع القمح والشعير، فإنه يضم الثمر أو يضم الحب وتجب الزكاة فيها جميعاً.
فعلى ذلك: لو كان عنده نخيل، قد بدا صلاح بعضها في أول الشهر، وهو لا يبلغ النصاب، وبدا صلاح المجموعة الأخرى من نخيله في آخر الشهر، وبها يكتمل النصاب، فإن الزكاة تجب عليه.
فالتمر له أنواع، وكذلك القمح، فهذه الأنواع يضم بعضها إلى بعض في تكميل النصاب، فلا يعتبر كل نوع منها جنس مختلف عن الجنس الآخر، فتجب الزكاة فيه دون غيره، فإن لم يتم نصاباً فلا زكاة، بل يضم بعضها إلى بعضه ويكمل النصاب.

إذاً: الجنس الواحد من الحبوب أو الثمار يضم بعضه إلى بعض، وإن اختلفت الأنواع، وإن اختلف الزمن في بدو صلاحها؛ لأنها ثمرة عام واحد، ولأنها داخلة في الجنس نفسه الذي أوجب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيه الزكاة، ففي قوله (لا تأخذوا الصدقة إلا من هذه الأصناف الأربعة: الشعير..) ظاهره أن كل نوع من أنواع الشعير له حكم الآخر في إيجاب الزكاة، فتكمل به النصاب، كما تقدم هذا في الإبل من بخاتي وعربي، وفي الغنم من معز وضأن، فهي أنواع مختلفة، لكنها يجمعها اسم واحد فهي داخلة تحت جنس واحد.
قال: [لا جنس إلى آخر] فلا يضم الجنس إلى آخر غيره، فإذا كان عنده شعير لا يتم نصاباً، وعنده قمح لا يتم نصاباً، وباجتماعهما يتم النصاب، فإن الزكاة لا تجب عليه، فلا يُكمل جنس بجنس آخر، فلا يكمل الزبيب بالتمر، ولا الشعير بالحنطة، ولا الأرز بالذرة، أو نحو ذلك.
هذه إحدى الروايات عن الإمام أحمد.
والرواية الثانية: أن الأجناس يضم بعضها إلى بعض في الحبوب.
والرواية الثالثة: أن الحنطة تضم إلى الشعير، وأن القطنيات المراد به ما يقطن في البيت ويمكث ويدخر من أرز وذرة ونحو ذلك، هذه يضم بعضها إلى بعض، فأفرد الشعير والقمح بالضم دون غيره.
والقطنيات الأخرى يضم بعضها إلى بعض، فالشعير والحنطة جنس واحد، والقطنيات جنس واحد.
وهذا ضعيف؛ لأنه تفريق بين هذه الأجناس بلا مفرق.
والقول الأول، وهو الذي ذكره المؤلف هو الرواية المشهورة عن الإمام أحمد في المذهب، وهو مذهب جمهور العلماء: من أن أجناس الحبوب لا يضم بعضها إلى بعض؛ قياساً على الثمار والمواشي باتفاق العلماء، فلا خلاف بينهم في ذلك، فكذلك الحبوب ذوات الأجناس المختلفة.

وهذا ظاهر الأحاديث الواردة، كقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تأخذوا الصدقة إلا من هذه الأصناف الأربعة: الشعير والحنطة) ، فظاهره أنهما جنسان مختلفان، وأن لكل منهما زكاته.
وأما الرواية الأخرى عن الإمام أحمد، وهي مذهب طائفة من التابعين: من أن الحبوب يضم بعضها إلى بعض.
فقالوا: هي متفقة في قدر النصاب، وهي متفقة في قدر المخرج، فالمخرج في الحبوب واحد، وهو العشر أو نصفه، فيضم بعضها إلى بعض.
وهذا ضعيف؛ لأن اجتماعهما في اتحاد النصاب وفي اتحاد المخرج ليس بمؤثر، فالشارع إنما جعل نصابها واحد، وجعل القدر المخرج واحد؛ لأنهما متشابهان في ماليتهما، أما أن يضم بعضها إلى بعض فلا.
وهذا منتقض عليهم بالثمار، فإن الثمار كالزبيب مثلاً نصابه ثلاثمئة صاع، والقدر المخرج هو العشر أو نصفه، والتمر كذلك، ومع ذلك فقد اتفق العلماء على أن الثمار لا يضم بعضها إلى بعض، فينتقض قياسهم بالثمار، فهم لا يقولون بها.
وأما الرواية الثالثة، فقد تقدم تضعيفها، وهي مذهب الإمام مالك، فعلى ذلك: أصح الأقوال ما ذهب إليه الجمهور، وهو المذهب من أن الحبوب لا يضم بعضها إلى بعض كالثمار.
إذاً لا خلاف بين العلماء في أن الثمار لا يضم بعضها إلى بعض، فلا يضم الزبيب إلى الثمر، كما أنه لا خلاف بينهم في أن المواشي لا يضم بعضها إلى بعض، فلا تضم الإبل إلى البقر على أنها بُدن، ولا تضم الإبل إلى الشياه.
واختلفوا في الحبوب على ثلاثة أقوال، هي روايات عن الإمام أحمد، وأصحها القول الأول من أن الأجناس المختلفة من الحبوب لا يضم بعضها إلى بعض، وهو ظاهر الأدلة الشرعية، ويدل عليها القياس.
قال: [ويعتبر أن يكون النصاب مملوكاً له، وقت وجوب الزكاة] هذا شرط ظاهر، يدخل فيما في ما تقدم من اشتراط ملكية النصاب، فلابد من أن يكون النصاب مملوكاً لمن أوجبنا عليه الزكاة، وأن تكون الملكية وقت وجوب الزكاة.

ووقتها هو بدو صلاح الثمر، واشتداد الحب في الزرع، فإذا اشتد الحب وبدا صلاح الثمر، فإن الزكاة تجب.
فعليه: لو اشترى بستانا قبل أن يبدو الصلاح في الثمر أو اشترى زرعاً قبل أن يشتد حبه، واشتد الحب وبدا صلاح الثمر في ملكيته وإن كان لم يشتر إلا قبل أيام يسيرة، فإن الزكاة تجب عليه؛ لأنه قد ملكه وقت الزكاة، ولا نظر للحولية في باب الثمار والحبوب، فإن الله يقول: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ 1 . ولو باعه وقد اشتد الحب وبدا صلاح الثمر، فإن الزكاة تجب على البائع؛ لأن الزكاة تعلقت بذمته قبل البيع، فتجب عليه الزكاة.
وحاصل هذا: أنه يشترط أن يكون مالكاً للنصاب الزكوي من الحبوب والثمار عند وقت الزكاة، وهو بدو الصلاح في الثمر واشتداد الحب في الزرع، فمن كان مالكاً له حينئذ، فإن الزكاة عليه.
فلو ورث من أبيه زرعاً وقد اشتد حبه، فإن الزكاة لا تجب عليه، وإنما تجب على المورث.
أو وهبه رجل زرعاً وقد اشتد حبه، فإن الزكاة تجب على الواهب.
ولذا قال - وهي مرتبة على هذه المسألة -: [فلا تجب فيما يكتسبه اللّقّاط] يعني: رجل لقط فجمع الشيء الكثير فبلغ نصاباً، فإن الزكاة لا تجب عليه؛ لأن قد ملكه بعد وقت الزكاة.

[أو يأخذه بحصاده] رجل اتفق مع صاحب الزرع أن يحصد له وأن يأخذ منه مقابل حصيده (2) طناً من القمح، فلا تجب الزكاة فيه؛ لأنه لم يملكه عند وقت الزكاة.
وكذا لو كانت الأجرة على شيء آخر غير الحصاد.
فالمقصود من ذلك: أن الحصاد ونحوه مما يأخذه من الزرع مقابل حصاده أو غيره لا تجب عليه فيه الزكاة إن بلغ نصاباً.
قال: [ولا فيما يجتنيه من المباح كالبُطم] البُطم: شجر ينبت في البلاد الشامية من فصيلة الفستق ونحوه، وهذا ينبت في الأرض من غير أن يزرعه الآدمي، فهو من النبات المباح، فليس مملوكاً، والزكاة إنما تجب في المملوك، وهذا مباح فلا تجب فيه الزكاة.

قال: [ولا الزَّعبل] وهو شعير الجبل؛ وذلك لأنه ليس بمملوك، فلا تجب فيه الزكاة.
قال: [وبِزْرُ قُطُونا] ذكر الشيخ محمد بن عثيمين عن الشيخ عبد الرحمن بن سعدي أنه الربلة المشهورة من أعشاب البر، وهكذا في تعريف العرب من غير تخصيص، قالوا: هو نبات عشبي.
قال: [ولو نبت في أرضه] فكل هذه النباتات المباحة التي لا يملكها أحد، وإنما تنبت بغير صنع الآدمي لا تجب فيها الزكاة، ولو نبت في أرضه، أي ولو كانت الأرض مملوكة له؛ وذلك لأنه لا يملك الزرع بملكية أرضه، فإن المباح مباح ولو ملكت أرضه، لكن صاحب الأرض أحق به من غيره من غير أن يمتلكه.
وقوله " ولو " هنا: إشارة إلى خلاف، وهو خلاف للقاضي من الحنابلة.
فإنه قال: إذا كان النبات الذي لا يكون من صنع الآدمي إذا نبت في أرض مملوكة، فتجب فيه الزكاة؛ لأنه مملوك بملكية الأرض التي نبت فيها.
وهذا ضعيف، فإن النابت في الأرض من المباحات لا يمتلك بامتلاك أرضه، بل يبقى مباحاً، فليس له أن يمنع غيره منه، لكنه أحق به من غيره، كما سيأتي تقريره في موضعه إن شاء الله تعالى.
فعلى ذلك: المباحات التي تنبت في الأرض من عشب أو شجر ونحوها لا تجب فيها الزكاة، وإن بلغت نصاباً؛ لأنها لا تملك، والشرط في المزكى أن يكون مملوكاً.
هذا ولو كانت الأرض مملوكة له؛ لأن المباح يبقى مباحاً وإن ملكت الأرض، فإن الملكية إنما هي ثابتة في الأرض لا في النبات، وإن كان صاحب الأرض أحق به من غيره، لكن هذه أحقية وليست بملك.
والحمد لله رب العالمين.
فصل

هذا الفصل في القدر الواجب إخراجه في صدقة الحبوب والثمار ومسائل أخرى.
قال: [يجب عُشْر فيما سُقي بلا مؤنة]

والمؤنة: هي الكلفة والشدة والتعب، فإن سقى الزرع أو الشجر بلا كلفة، كأن يسقي من مياه الأمطار أو الأنهار أو العيون أو كان بعْلاً يعثر على الماء بجذوره أو كان عثرياً ينبت حول المستنقعات، فإن هذا الزرع والشجر لا مؤنة فيه، أي لا شدة ولا كلفة فيه، فيجب فيه العشر؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم فيما رواه البخاري في صحيحه وقد تقدم: (فيما سقت السماء والعيون أو كان عثرياً) 1 ، وعند أبي داود: (أو كان بعلاً ففيه العشر) 2 . والكلفة التي يجدها المزارع من تفجير الماء وحفر الأرض لنقل مياه الأنهار إلى أرضه، وحفر السواقي ونحو ذلك هذا لا يؤثر في هذه المسألة، فهو من جنس حرث الأرض.
فتصريف المياه بحفر الأرض وإصلاحها لجريان الماء من موضع إلى موضع في المزرعة وفي البستان وأيضا جريان الماء من النهر أو العين إلى بستانه، هذه كلفة لا تؤثرها؛ لأنها من جنس حرث الأرض؛ ولأن الكلفة فيها لا تكرر مع الأعوام، فإنه متى ما أصلح أرضه فأصلح السواقي منها وحفر الأرض من النهر إليها أو من العيون إليها، فإن هذا لا يتكرر، وإن كان يحتاج إلى شيء من الإصلاح اليسير، فيجب عليه العشر.
.. 3 وإن كان حبه أو ثمرة خمسة أوسق فيه نصف وسْق.
فعليه في ثلاثمئة صاع من التمر – عليه -ثلاثون صاعاً.

قال: [ونصفه معها]

أي نصفه مع المؤنة، المؤنة هنا: الكلفة في إخراج الماء من الأرض أو رفعه كأن يكون النهر منخفضاً انخفاضاً ظاهراً عن بستانه، فيحتاج إلى آلات أو نواضح لرفع الماء من النهر أو من العيون إلى أرضه.
أو كانت آباراً، فيضع الآلات ونحوها، كما في هذا العصر من مكائن ونحو ذلك، فيضعها على البئر لاستخراج الماء.
فإذا كان الماء يحتاج إلى استخراج من الآبار أو إلى رفع من الأنهار ونحوها أي برفع ظاهر يحتاج منه كما يحتاج إلى رفع الماء من الآبار، فهذه الكلفة تسقط عنه نصف العشر، فلا تجب عليه إلا نصف العشر.
فعليه في ثلاثمئة صاع عليه خمسة عشر صاعاً.
إذاً: إن كانت عليه مؤنة في السقي، فعليه نصف العشر، والمؤنة كما تقدم هي: الكلفة التي يجدها المزارع في إخراج المياه أو في رفعها.
ودليله قوله صلى الله عليه وآله وسلم في تمام الحديث المتقدم: (وما سقي بالنضح ففيه نصف العشر) . قال: [وثلاثة أرباعه بهما] فإن كان الزارع يسقي بمؤنة وبغير مؤنة، وهما متناصفان، أي بمعنى أنه قد انتفع بالمؤنة انتفاعاً يساوي الانتفاع بغير المؤنة، فليس الاعتبار هنا بالمدة، فلو كان الزرع مثلاً مؤنته ستة أشهر، وكان في الثلاثة الأشهر الأولى سقيه بلا مؤنة وفي الثلاثة الأشهر الأخرى بمؤنة، هذا لا اعتبار له؛ لأن حاجة الزرع والثمر إلى الماء تختلف من وقت إلى آخر، فالاعتبار هنا بالنفع والنمو.
فإذا تساويا بأن كان انتفاع الزرع ونموه بالمؤنة وبغير المؤنة متساوياً، فإنه يجب عليه ثلاثة أرباع العشر، وهذا باتفاق العلماء.
والنظر - كما هو ظاهر - يدل عليه، فهي من باب المقاسطة، وقد تقدم نظيرها.
والاعتبار هنا كما تقدم بالنفع والنمو لا بالمدة، هذا هو المشهور في المذهب.
وقيل: الاعتبار بالمدة.
وهو ضعيف كما تقدم؛ لأن حاجة الزرع إلى الماء تختلف من وقت إلى آخر.
قاله في المغني.
قال: [فإن تفاوتا فبأكثرهما نفعاً]

إذا كان انتفاعه بالسقي بغير مؤنة كمياه الأمطار ونحوها - انتفاعه - به أكثر من انتفاعه بسقيه بمؤنة، فإنها حينئذ ننظر إلى الأغلب فحينئذ نوجب عليه العشر؛ لأن الأغلب هو سقيه بلا مؤنة.
والعكس بالعكس، فإذا كان انتفاعه بمؤنة وكلفة أكثر من انتفاعه بلا مؤنة، فالواجب عليه نصف العشر.
فإذاً: يجب عليه العشر أو نصفه حكماً للأغلب، هذا هو المشهور عند الحنابلة.

  • وقال الشافعية، وهو قول ابن حامد من الحنابلة: يجب بالقسط قياساً على ما إذا تساويا، فكما أنهما إذا تساويا حكمنا بالقسط ولذا أوجبنا عليه ثلاثة أرباع العشر، فكذلك إذا اختلفا، حكمنا بالقسط.
    مثال هذا: إذا كان سقيه بمؤنة يقابل ثلث نفعه ونموه، بينما سقيه بلا مؤنة يقابل الثلثين، فقد سقي بلا مؤنة أكثر من سقيه بمؤنة بمقدار الضعف، فيجب عليه في الثلث الذي قد سقي بمؤنة - يجب عليه - ثلث نصف العشر، وهو سدس العشر، وفي الآخر يجب عليه ثلثا العشر، وهو أربعة أسداسه.
    فعلى ذلك: يجب عليه خمسة أسداس العشر، وهكذا.
    وهذا القول أقيس؛ لما تقدم، فإنهم قد اتفقوا على أنه إذا سقى بمؤنة وبغير مؤنة على وجه التساوي أن الواجب عليه ثلاثة أرباع العشر، فهذا عمل القسط، فكذلك إذا تفاوتا.
    فالأظهر ما ذهب إليه الشافعية، وهو قول ابن حامد، أنا نحكم بالقسط.
    قال: [ومع الجهل العشر] فإذا جهل، فلا يدري هل السقي بمؤنة أكثر نفعا ونمواً من السقي بلا مؤنة أم العكس، فهو لا يدري أيهما أكثر نفعاً.
    قالوا: فيجب عليه العشر؛ قالوا: لأن الأصل هو العشر، والكلفة مع ثبوتها تنقصه إلى 1 العشر، والكلفة هنا غير معلومة، فيبقى على الأصل.

وهذا ضعيف؛ فإن الحكم بأن الأصل هو العشر لا دليل عليه، بل كلاهما أصل منفرد، فالعشر أصل منفرد، ونصف العشر أصل منفرد، فإذا كان الزرع يسقى بمؤنة ففيه نصف العشر، وإذا كان يسقى بغير مؤنة ففيه العشر، وكلاهما أصل منفرد، ولا دليل على تعيين أحدهما أصلاً، ولا نظر أيضاً يدل على هذا، فإن الزروع والأشجار منها ما يسقى بمؤنة، ومنها ما يسقى بلا مؤنة، فأوجب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما سقي بمؤنة كذا، وفيما سقي بلا مؤنة كذا، فكلاهما أصل.

  • قال صاحب الفروع: " ويتوجه احتمال: فيه ثلاثة أرباع العشر لتقابلهما ". وهذا هو الأظهر، وهو مذهب الشافعية، وأن الواجب فيه ثلاثة أرباع العشر؛ لأنهما يتقابلان، فكما لو تساويا، فنحن نجهل أيهما الأغلب، فحينئذ لهما حكم التساوي لتقابلهما، ولأن كليهما أصل منفرد، كما تقدم.
    فمذهب الشافعية هو الأظهر، وقد وجهه صاحب الفروع - وجهه - احتمالاً: أن الواجب عليه ثلاثة أرباع العشر.

قال: [وإذا اشتد الحب وبدا صلاح الثمر وجبت الزكاة] فإذا اشتد الحب وأصبح قويا صلباً.
وبدا صلاح الثمر بأن تحمر أو تصفر ثمار النخيل أو يتموه العنب فيطيب أكله.
هذا هو بدو صلاحه.
فإذا بدا صلاح الثمر واشتد الحب، وجبت الزكاة؛ لما تقدم في درس سابق، لكن قال: [ولا يستقر الوجوب إلا بجعلها في البَيْدر] البَيْدر: هو الموضع الذي تجمع فيه الثمار والحبوب، أما الحبوب فلتصفيتها وإزالة القشر عنها.
وأما الثمار فلتجفيفها لتذهب عنها الرطوبة، فتكون جافة كما يكون هذا في الرطب، ليكون تمراً، وفي العنب ليكون زبيباً.
فإذا وضعت في البيدر فقد تم الحصاد أو الجداد، فحينئذ تستقر الزكاة في الذمة.
وعليه قال: [فإن تلفت قبله بغير تعد منه سقطت] فإذا تفلت قبل وضعها في البيدر بغير تعد منه، فإنها تسقط عنه؛ لأنها لم تستقر بعد في ذمته.

إذاً: إذا بدا صلاح الثمر واشتد الحب ولم يوضع بعد في البيدر، فلم يحصد الزرع، ولم يجد الثمر، فإن الزكاة لم تستقر بعد في ذمته، وإن كان الوجوب قد تعلق ببدو الصلاح وباشتداد الحب، لكن الزكاة لم تستقر بعد في ذمة صاحب المال.
فلو حصل له تلف بغير تعد منه ولا تفريط، فإن الزكاة تسقط عنه؛ لأنه في حكم ما لم يثبت عليه اليد، فما دام الرطب على رؤوس النخل والحب في سنبله، فإنه بعد لم يتم ثبوت يد صاحبه عليه، فإذا حصل فيه تلف، كأن يحترق الزرع أو حصل للنخيل جائحة، فإن الزكاة تسقط عنه؛ لأنها لم تستقر بعد في ذمته.
أما إذا وضعه في البيدر، فقد استقرت الزكاة في ذمته، فإذا تلف، ولو كان هذا التلف بغير تعد منه، فإن الزكاة تبقى وتتعلق في ذمته.
وهذا كله على القول بمسألتين: المسألة الأولى: وقد تقدم أن الراجح خلافها، وهي أن الزكاة تجب قبل التمكن من أدائها.
والصحيح أن الزكاة لا تجب إلا بعد التمكن من أدائها، ومتى يمكنه أن يؤدي التمر والزبيب والحب؟ إنما يمكنه ذلك إذا صُفي الحب تماماً وزال ما فيه من قشور وجهز لبيعه أو للانتفاع به، فحينئذ يكون قد تمكن من أداء زكاته، وهذا هو وقت إخراجه عند الحنابلة وغيرهم، فإن وقت الإخراج هو تصفية الحب وجفاف الثمر، فإذا جف الثمر فأصبح الرطب تمراً وأصبح العنب زبيباً، فهذا هو وقت الإخراج، وهذا الوقت هو وقت التمكن، فإن صاحب المال إنما يتمكن من أداء زكاة ماله إذا وجد وقت الإخراج.
فإذا وجد وقت الإخراج ولم يخرج فحينئذ تتعلق الزكاة بذمته، فإذا صفى الحب وجفف الثمر ثم فرط فحصل تلف للزرع، فحينئذ تجب عليه الزكاة؛ لأن الزكاة قد استقرت في ذمته حينئذ لتمكنه من أدائها.

إذاً: الراجح ما تقدم، وهو رواية عن الإمام أحمد: أن الزكاة لا تجب إلا عند التمكن من أدائها، وعليه فلا تتعلق الزكاة بذمته ولا تستقر إلا إذا تمكن من أدائها، وذلك بعد تصفية الحب وجفاف الثمر.
أما الحنابلة في المشهور عندهم: فإن وقت استقرار الزكاة في ذمته إنما هو وضعها في البيدر، ووقت الإخراج تصفية الحب وجفاف الثمر، فتستقر في ذمته وإن لم يأت وقت إخراجها.
والراجح ما تقدم.
المسألة الثانية: وقد تقدم ذكرها أن الزكاة بمعنى الأمانة، فإذا استقرت في ذمته ثم تلفت بغير تفريط منه ولا تعد، فإنها تسقط عنه؛ لأنها في حكم الأمانة، كما تقدم، وهو اختيار شيخ الإسلام، واختيار الموفق.
فعليه: إذا صُفي الحب وأراد إخراجه، لكن تلف قبل إخراجه وهو لم يفرط، فإن الزكاة تسقط عنه؛ لأن الزكاة في يده كالأمانة.
فعلى ذلك: وقت وجوب الزكاة اشتداد الحب وصلاح الثمر.
ووقت استقرارها في الذمة عند الحنابلة إذا وضعت في البيدر.
والراجح أنها لا تستقر في ذمته حتى وإن وضعت في البيدر حتى يصفى الحب ويجفف الثمر، ويتمكن من الأداء، كما تقدم.
والراجح أنه إن حدث تلف في الزكاة بغير تعد منه ولا تفريط، فإن الزكاة تسقط عنه مطلقاً، وإن كان ذلك بعد استقرارها في ذمته؛ لأنها كالأمانة، والأمانة إن تلفت بغير تعدٍ من المؤتمن فإنها تسقط.
قال: [ويجب العشر على مستأجر الأرض دون مالكها]

فإذا استأجر زيد من عمرو أرضاً فزرعها أو غرس فيها نخيلاً، فالأرض ليست ملكاً له، وإنما ملكيته ثابتة إما على الثمار دون أصولها كما يقع هذا في النخيل، وإما أن يكون مالكاً للثمر وأصله، أي للرطب والنخيل، أو يستأجر أرضاً فيزرعها، فيكون مالكاً للزرع، فالزكاة تجب على المستأجر؛ لأن الزكاة متعلقة بالمال المزكى، والمال المزكى إنما هو الحب أو الثمر، والحب والثمر مملوك للمستأجر دون صاحب الأرض.
وهذا باتفاق العلماء، فلا خلاف بينهم في هذا.
وهنا مسألة لم يذكرها المؤلف: وهي مسألة الخرص، وهي مختصة بالثمار دون الحبوب، إذ الحبوب لا خرص فيها.
والخرص: هو أن يطيف الخارص، وهو من له خبرة بالخرص، يطيف بالنخل أو بشجر العنب، فينظر إلى ما فيها من ثمر ويقدره أوسقاً.
كأن يقول: في هذه النخلة عشرة آصع رطب، وفي هذه تسعة آصع رطب، وهكذا، ثم يقدر كم تجيء تمراً، وفي العنب وكم تجيء زبيباً، هذا هو الخرص.
فالخرص: أن يأتي إلى بستان النخيل أو إلى بستان شجر العنب فينظر إلى الأشجار من النخيل والعنب، فيقدر ما فيها من ثمر، ثم بعد ذلك يقدر ما يجيء هذا الثمر من زبيب أو تمر.
فالنخلة مثلا يجيء فيها عشرة آصع رطب، فإذا خف، فإنه يكون سبعة آصع تمراً.
وإذا اختلفت الأنواع بحيث إنه يختلف، فما خف منها، فإنه يحتاج أن يقدر كل نوع بمفرده.
فالخرص إذاً: أن يقدر الرطب وهو في النخل وأن يقدر العنب وهو في شجره، يقدر بالأوسق ثم يقدر ما يجيء منها من تمر أو زبيب.

والخرص مصلحته ظاهرة، فإن الغني يحتاج إلى رطبه، ويحتاج إلى العنب من بستانه، فيحتاج إلى أن يأكل هو وأهل بيته، وأن يهدي وأن يتصدق، فإذا منعناه من ذلك حتى يجد الثمر ثم يجفف حتى يكون زبيباً أو تمراً فإن ذلك يفوت عليه الانتفاع بما يحب الانتفاع به من الرطب، وما يحب من إهدائه وصدقته ونحو ذلك، فلهذه المصلحة إذا بدأ صلاح الثمر يأتي الساعي فيقدره من غير أن يأخذ منه شيئاً، بل يقدر الرطب على رؤوس النخل ويقدر ما يجيء منه من تمر، ثم بعد ذلك ينتظر حتى يتم الجداد وحتى يتم الجفاف ثم تؤخذ بعد ذلك الزكاة؛ لأنه إذا لم يفعل هذا، فإن الغني يمنع من أن يتصرف بالرطب لئلا يتصرف بالمال قبل أخذ الزكاة منه، وفي ذلك تفويت لحاجته، فقد ثبت في الصحيحين عن أبي حميد الساعدي قال: " غزونا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في تبوك، فلما جاء مررنا بوادي القرى، فإذا امرأة في حديقة لها، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (اخرصوا) فخرص النبي صلى الله عليه وآله وسلم عشرة أوسق " 1 ، فهذا في خرص النخيل.

وأما في خرص العنب، فقد روى الخمسة - بإسناد فيه انقطاع - عن سعيد بن المسيب عن عتّاب بن أسيد – فالانقطاع بين أسيد 1 وعتاب، فإن سعيداً لم يسمع من عتاب، فهذا انقطاع يسير – قال: " أمرنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن نخرص العنب كما يخرص النخل، ونخرج زكاته زبيباً " 2 . فهذا الحديث وإن كان فيه انقطاع، وهو يسير، فإن سعيد بن المسيب مراسيله عند أهل العلم أصح المراسيل، هذا إذا روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فكيف إذا رواها عن صحابي.
فلو قلنا بضعفه، فهو ضعف يسير ويجبره القياس الظاهر، وهو قياس العنب على النخيل، فإن المصلحة المتقدم ذكرها ثابتة في العنب كما هي ثابتة في الرطب، وإمكان الخرص ثابت في العنب كما هو ثاب في الرطب.
إذاً الخرص مشروع في الثمار.
وأما الحبوب، فإنه لا يشرع فيها، إذ لا فائدة منه، فليس بواردٍ عن صاحب الشريعة وليس بمعنى الوارد.

إذا عُلم هذا، فاعلم أن الزكاة لا تخرج رطباً ولا تخرج عنباً، وإنما تخرج تمراً أو زبيباً، لا خلاف بين أهل العلم في هذا.
فإذا خرصها، فإنه لا يخرجها رطباً ولا عنباً، وإنما ينتظر حتى يتم الجذاذ ويجف الثمر ثم يؤدى بعد ذلك مرة أخرى إلى صاحب المال فتؤخذ زكاته زبيباً أو تمراً.
يدل على هذا ما ثبت في البخاري عن أبي هريرة قال: " كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يؤتى عند صِرام النخيل – أي عند جدادها – فيجيء هذا بتمره وهذا من تمره حتى يصير عنده كَوْماً، قال: فجاء الحسن والحسين يلعبان بها، فأكل أحدهما منها تمرة، فنظر إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأخرجها من فيه، وقال: (أما علمت أن الصدقة لا تحل لآل محمد) 1 . والشاهد هنا: أنه كان يؤتى بالتمر وهذا الإتيان كان على وجه الزكاة، بدليل قوله (فإن الصدقة لا تحل لآل محمد) . إذاً المخرج هو التمر والزبيب، فلا يخرج رطباً ولا عنباً.
مسألة: إذا اختلف الساعي – الخارص – وصاحب الثمر، اختلفوا في الخرص، فمثلاً: خُرصت من الساعي، فكان مقدارها عشرة أوسق، فلما تم جدادها وحصادها وجففت بعد ادعى صاحب الثمر أنها لتسعة أوسق وليست لعشرة أوسق، فإن قوله يصدق بلا يمين؛ فالناس لا يستحلفون في صدقاتهم، فهي حق لله عز وجل، واليمين إنما شرعت في حقوق الآدميين، هذا إن كان قوله محتملاً.
أما إن كان قوله لا يحتمل كأن يكون الساعي قدرها بخمسة أوسق وادعى صاحب المال أنها خمسة 2 أوسق، والساعي من أهل الخبرة والمعرفة، فإن هذا احتمال بعيد ويتبين به كذب صاحب الثمر، فلا يقبل خبره.

إذاً: إذا ادعى تغليط الساعي بأمر يدل على كذبه، فإن خبره لا يقبل ويُلزم بما قدره الساعي، وأما إذا كان بقدر يحتمل، فإن قوله يقبل بلا يمين.
مسألة: وهي أنه يترك لصاحب الثمر الثلث أو الربع، فإن خرصت عشرة أوسق مثلاً، فإنه يترك له الثلث مثلاً، وهو ثلاثة أوسق وثلث أو الربع وهو وسقان ونصف.
فإن صاحب الثمار يحتاج لشيء من الثمر في الأكل والإهداء والصدقة ونحو ذلك، فيترك له إما الثلث وإما الربع على حسب اجتهاد الساعي، فإذا رآه من الناس الذين تكثر هدياهم 1 ويكثر الإتيان إليهم، فيكثر الأكل من هذا الرطب عندهم، فإنه يترك له الثلث وإلا فإنه يقدر له الربع.
هذا هو المشهور في مذهب أحمد وهو مذهب إسحاق.
واستدلوا بما رواه الخمسة إلا ابن ماجه عن سهل بن أبي حثمة قال: " أمرنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع " 2 لكن الحديث فيه جهالة التابعي الراوي عن سهل بن حثمة، وله شاهد عند أبي عبيد القاسم بن سلام في كتاب الأموال عن مكحول مرسلاً، وثبت في مصنف بن أبي شيبة بإسناد صحيح: أن عمر بن الخطاب كان يبعث ابن أبي حثمة خارصاً، ويقول له: " إذا أتيت أهل البيت في حائطهم فلا تأخذ منهم قدر ما يأكلون " (3) .

وأما جمهور العلماء فإنهم لم يروا ذلك، بل رأوا أنه لا يترك لأهل البيت شيء؛ قالوا: لعموم الأدلة التي تقدم ذكرها، كقوله: (ليس فيما دون خمسة أوسق) فدل هذا على أن من بلغ ماله خمسة أوسق فتجب عليه الزكاة.
والأظهر في الجملة ما ذهب إليه الحنابلة، فإن أدلتهم مخصصة لما تقدم، هذا أولاً.
ثانيا: لأن الزكاة إنما تتعلق به إذا كان تمراً أو زبيباً، فالتوسيق المتقدم إنما هو حيث كان تمراً وحيث كان زبيباً، وأما قبل ذلك فلا.
لكن ذهب ابن عقيل الحنبلي إلى قول – فيما يظهر لي أصح -، وإن كنا نقول بما ذهب إليه الحنابلة في الجملة أي من إخراج شيء من الرطب وشيء من العنب لصاحب.. البستان.
لكن تقديره بالربع والثلث هكذا مطلقاً فيه نظر.
بل الأظهر ما ذهب إليه ابن عقيل من الحنابلة، فإنه قال: يترك لهم بقدر ما يحتاجون إليه لأكلهم ولهديتهم بالمعروف سواء كان ربعاً أو ثلثاً أو أقل من ذلك ولو كان عشراً.
وهذا أمر ظاهر، فإن بعض الناس يملك بساتين كثيرة لا يحتاج حتى إلى عشرها أو أقل من عشرها.
وقول عمر المتقدم يدل على هذا، فإنه قال: " إذا أتيت أهل بيت في حائطهم فلا تأخذ منهم قدر ما يأكلون "، فلم يقدره بالربع والثلث.
وأثر عمر رضي الله عنه أصح من الأثرين المتقدمين عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولأن الأصل وجوب الزكاة في المال.
فعلى ذلك: الأظهر ما اختاره ابن عقيل من الحنابلة، وأنه إذا وجب العنب أو الرطب، فإنه يخرج منه قدراً يحتاجه أهل البيت لأكلهم وهديتهم بالمعروف سواء كان ذلك بقدر الربع أو بقدر الثلث أو بقدر الخمس أو بقدر العشر أو أقل من ذلك، ثم الباقي ينظر فيه، فإن بلغ نصاباً وجبت فيه الزكاة، وإن لم تبلغ نصاباً فلا زكاة فيه.
والحمد لله رب العالمين.
الدرس الثالث بعد المئتين (يوم الأحد: 28 / 12 / 1415هـ)

قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإذا أخذ من مِلْكه أو مواتٍ من العسل مئة وستين رطلاً عراقياً ففيه عشره] هنا في زكاة العسل: قال ابن القيم: " ورأوا أن هذه الآثار يقوي بعضها بعضاً، وقد تعددت مخارجها، واختلفت طرقها، ومرسَلُها يُعضد بمسندها " 1 جمهور العلماء لم يروا وجوب الزكاة في العسل؛ قالوا: لأن الأصل هو عدم وجوب الزكاة، ولا دليل على وجوبها، قالوا: ولم يصح حديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الباب.
وقال الحنابلة بوجوب الزكاة في العسل، وهو قول الأحناف، قال الترمذي: " وهو قول أكثر أهل العلم ".

وأجابوا عن الجمهور: بثبوت الحديث فيه، وأنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سنن أبي داود وغيره من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (أنه أخذ في زكاة العسل العشر) 1

، قالوا: والحديث حسن، وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أحاديث حسان.
قالوا: وفي مصنف عبد الرزاق أن عمر: أخذ في زكاة العسل في كل عشرة أفرق فرقاً واحداً " لكن إسناده منقطع، واحتج به أحمد، ورواه سعيد كما في المغني.
فجمهور العلماء لم يصححوا هذا الحديث، والأرجح تصحيحه، فعلى ذلك: تجب في العسل الزكاة، كما هو مذهب الحنابلة.
وقول المؤلف: " إذا أخذ من ملكه " أي من أرض مملوكة له، كأن يضع في أرض له منحلاً، فينتج هذا المنحل، فيجب عليه إن بلغ النصاب أن يزكيه أو كان ... ... ... 1 . وإن كانت الأرض ليست مملوكة لصاحب الزرع، والثمر يتبع النخيل، فمالك النخيل هو الذي تجب عليه الزكاة، وإن كانت الأرض مستأجرة غير مملوكة له.
فالصحيح مذهب الحنابلة، للحديث المتقدم، وأن الزكاة تجب في العسل تبعاً للنخيل من غير نظر إلى الأرض أهي موات أم مملوكة.
2 [مئة وستين رطلاً عراقيا] هذا هو نصاب العسل (160) رطلاً عراقياً، وقد تقدم أن هذا الوزن من الأوزنة القديمة، لكن يمكننا أن نعرف قدره بقياسه بالمقدار المتقدم.
وقد تقدم أن الثلاثمئة صاع نبوي يساوي ألفاً وستمئمة رطل عراقي، فعلى ذلك: مئة وستون رطلاً عراقياً يساوي ثلاثين صاعاً نبوياً، وتقدم أن الصاع النبوي يساوي أربعة أخماس الصاع الموجودة عندنا، فعلى ذلك تساوي الثلاثين صاعاً = أربعة وعشرين صاعاً من الآصع الموجودة عندنا.
فعلى ذلك: إذا ملك أربعاً وعشرين صاعاً، والصاع كيلوان وأربعون جراماً، فنضرب كيلوين جراماً 3 في أربع وعشرين صاعاً يكون نصاب العسل بالكليوجرامات.
هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة.

وقيل: إن نصاب العسل ألف رطل عراقي، وقدَّمه الموفق في الكافي، واحتمله في المغني.
وهو الأرجح.
أما دليل الحنابلة: فهو ما تقدم من أثر عمر، فقد أخذ عمر من كل عشرة أفرق فرقاً واحداً، والفرق يساوي ثلاثة آصع، فعلى ذلك: من كل ثلاثين صاعاً ثلاثة آصع، والثلاثون صاعاً يساوي مئة وستون رطلاً كما تقدم.
وتقدم أن هذا الأثر إسناده منقطع.
وأما القول الثاني، فإن دليله ما في سنن أبي داود في بعض روايات حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده المتقدم قال: (في كل عشر قربات قربة) 1 . والقربة تساوي مئة رطل عراقي، فعلى ذلك: العشر قرب تساوي ألف رطل عراقي.
فالراجح هو هذا القول؛ لأن أثر عمر إسناده ضعيف، وأعلى منه وأصح هذا الأثر الوارد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو مرفوع إليه وإسناده حسن.
فعلى ذلك الواجب في ألف رطل عراقي الزكاة، ويمكن معرفة قدر الألف رطل عراقي بمعرفة قدر المئة وستين رطلاً، فقد تقدم أنها تساوي ثلاثين صاعاً نبوياً، فيمكن معرفة الألف رطل بالآصع النبوية، ثم بالكيلوجرامات بحساب ما تقدم.
فالراجح أن في كل ألف رطل عراقي الزكاة.
والواجب فيه العشر، وقد تقدم هذا في الحديث المتقدم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " أخذ في زكاة العسل العشر "، وفي حديث آخر: " في كل عشر قربات قربة ". فعلى ذلك: الواجب في ألف رطل عراقي مئة رطل.

قال: [والركاز: ما وجد من دفن الجاهلية، ففيه الخمس] أي ما وجد من مدفونهم، من ركز الشيء إذا أخفاه، وسمي ركزاً لإخفائه.
والركاز باتفاق العلماء هو دفن الجاهلية، أو مدفون أهل الجاهلية.
ويعرف أنه دفن لأهل الجاهلية بكتابة أسمائهم عليه وصورهم وصور مصوراتهم ونحو ذلك.
فما يوجد من الأرض من الكنوز إن وجد فيه علامات الكفار من كتابة أسمائهم أو صورهم أو صور ملوكهم أو صور مصوراتهم فهو الركاز.

أما إن وجدت فيه علامات المسلمين أو كان في البلاد الإسلامية وليس فيه علامة فليس بركاز.
فالركاز ما يكون من دفن أهل الجاهلية ويعرف بعلامات الكفار أو أن يكون مدفوناً في بلادهم وليست علامات.
أما إن كان مدفوناً في البلاد الإسلامية، وإن لم تكن عليه علامة فهو دفن المسلمين أو كان عليه علامة المسلمين فهو دفن لهم، فليس بركاز وإنما هو لقطة، وسيأتي - في هذا الدرس - الكلام عليها.
أما الركاز: وهو دفن أهل الجاهلية، فيجب فيه الخمس؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (في الركاز الخمس) 1 ، متفق عليه من حديث أبي هريرة.
وكل مدفون ثبتت فيه علامة الكفار فله أخذه ويمتلكه بذلك، وعليه فيه الخمس، سواء كانت الأرض مواتاً أو مملوكة له أو لغيره أو كانت في ديار الكفار، فلا نظر بالأرض هنا؛ لأن الركاز مودع فيها مخفي فيها، فليس منها، فلا يملك الركاز بملكية الأرض، فإذا وجده في أرض مملوكة لغيره فهو له، أو وجده في موات، فلا يقال إنه لبيت المال، بل متى ما وجده فإنه يمتلكه سواء كانت الأرض مواتاً أو كانت ليست أرضا للمسلمين.
أو كانت الأرض مملوكة له أو لغيره؛ لأن هذا الركاز مخفي فيها مودع فيها، فليس من الأرض في شيء فلا يتبعها.
وهل الخمس مصرفه مصرف الزكاة أو مصرفه الفيء؟ جمهور العلماء على: أن مصرفه مصرف الفيء.
وقال الشافعية: مصرفه مصرف الزكاة.
أي هل تصرف الخمس كما يصرف خمس الفيء، فيصرف في مصالح المسلمين في بناء المساجد والقناطر ويدفع لبعض أعيان المسلمين تأليفاً أو نحو ذلك مما يكون فيه مصلحة، أم أنه مصرفه مصرف الزكاة، فلا يصرف إلا للأصناف الثمانية؟ قولان لأهل العلم، وتقدما.

والقول الراجح هو مذهب جمهور العلماء، وأن مصرفه مصرف الفيء؛ وذلك لأنه مال كافر أُخذ في الإسلام، فأشبه الغنيمة، ولذا وجب فيه الخمس، كما يجب في الغنيمة.
فعلى ذلك يصرفه الإمام في مصالح المسلمين كما يصرف الفيء.
وهل له أن يتصرف فيه بمصالح المسلمين أي وحده، أم لابد وأن يدفعه إلى الإمام؟ قولان لأهل العلم: المشهور عند الحنابلة، وهو مذهب الأحناف: أنه له أن يتصرف به، فيعطيه أهله ممن يصح أن يصرف لهم الفيء، فيصرفه في مصالح المسلمين ونحو ذلك، وفيه أثر عن علي في البيهقي، لكن إسناده ضعيف.
وقال بعض الحنابلة، وهو مذهب أبا 1 ثور: أنه ليس له ذلك، بل يدفعه إلى الإمام، والإمام يصرفه في مصالح المسلمين، كما يصرف الفيء.
وهذا القول هو الراجح؛ لأن الإمام هو الناظر في مصالح المسلمين، وما دام هو الناظر فيها، فإن التصرف لا يصح إلا منه.
فعلى ذلك: يجب دفعه للإمام ليصرفه في مصالح المسلمين كما يصرف الفيء، وأما أثر علي فإسناده ضعيف.
وقد اتفق العلماء على الواجب في الركاز يدفع بمجرد إخراجه، فإذا أخرجه وتمكن من الأداء أخرج، قياساً على الخراج من الأرض من الزروع والثمار.
وهذا باتفاق العلماء، لا خلاف بينهم في ذلك، فإنه لا ينتظر حتى يحول عليه الحول، بل بمجرد إخراجه من الأرض يخرج خمسه؛ ولأنه كما تقدم ليس من باب الزكاة، ومضي الحول إنما هو في الأموال الزكوية، وأما هذا فهو يصرف مصارف الفيء، فليس إذاً من باب الزكاة، والحولية إنما هي شرط في الأموال الزكوية.
قال: [في قليله وكثيره]

ليس له نصاب، فنصاب الذهب عشرون ديناراً، فإذا وجد كثيراً لا يصل إلى هذه القيمة فتجب عليه فيه الزكاة؛ لأن الحديث عام، فقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (وفي الركاز الخمس) 1 ، فهو عام في كل ركاز، قليلاً كان أو كثيراً؛ ولأنه كما تقدم ليس من الأموال الزكوية والأنصبة إنما تشرع فيها.
فعلى ذلك: القدر الذي يجده يخرج خمسه، سواء كانت تساوي نصاب الذهب والفضة أو لم تكن تساويهما، فتجب فيه الزكاة.
هذا إذا كان من دفن الجاهلية.
أما إذا كان من دفن المسلمين، ويعرف ذلك إما بعلامات المسلمين أو لا تكون فيه علامات، لكن يوجد في البلاد الإسلامية، فهذا هو دفن المسلمين.
فلِما تقدم أن الركاز لا يتبع الأرض، فإذاً هو لا يتبع مالكها، بل يكون له حكم اللقطة، فتعرفه سنة، فإن جاء صاحبه وإلا ملكه، هذا إذا كان في أرض مملوكة، أما إذا وجده في موات من الأرض كفلاة، فهذا لا يمكن تعريفه، فإنه يكون عليه فيه الخمس، فيكون له حكم الركاز.

ودليل هذا ما ما ثبت عند أحمد وسنن أبي داود والنسائي بإسناد حسن أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن اللقطة، فقال: (إن كانت في طريق مأتي وأرض عامرة فعرفها سنة، فإن جاء صاحبها وإلا ملك، فإن لم تكن في طريق مأتي ولا قرية عامرة، ففيها وفي الركاز الخمس) 1 . إذاً إن وجد دفناً عليه علامات المسلمين ولم يتمكن من معرفة أصحابه، أما إذا كانت العلامات تدل على أصحابه فهو ملك لهم، أما إذا لم يكن فيه علامات أو فيه علامات لا يهتدى بها إلى معرفة صاحبها، فإنه يعرفها سنة ثم يملكها إن كانت في أرض عامرة أو طريق مأتي.
أما إذا كانت في موات من الأرض بحيث إنه يبعد معرفة صاحبها والوصول إليه، فإنه يمتلكها وعليه فيها الخمس، والخمس حكمه كالخمس المتقدم.
ولم يذكر المؤلف هنا زكاة المعادن وقد ذكرها الشراح فهذا موضعها: والمعادن: جمع معدِن بكسر الدال من عدن أي أقام ومكث.
والمراد بالمعادن: ما يخرج من الأرض من ذهب أو فضة أو زئبق أو رصاص أو حديد أو غير ذلك مما يخرج من الأرض.
والمعادن تبع للأرض، لأنها مودعة فيها خلقة، فكانت تبعاً لها؛ لأن مالك الأرض يملكها ويملك قرارها.

جماهير العلماء على وجوب الزكاة في المعادن في الجملة – أي فيه خلاف في أنواع المعادن التي تجب فيها الزكاة، لكنهم مجمعون على أصل هذه المسألة، وأن الزكاة ثابتة في المعادن.
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ (1) فيدخل في عمومه المعادن، فإنها مما تخرج من الأرض.
وفي الموطأ وسنن أبي داود بإسناد مرسل، وأصله عند أبي داود موصولاً، لكن الشاهد فيه هنا مرسل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقطع بلال بن الحارث المعادن القبلية، فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم " 1 . والأظهر أن هذا من قول الراوي، فلا يكون موصولاً ولا مرسلاً، وإنما الثابت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو إقطاعه لبلال بن الحارث المعادن القبلية، وأما قوله هنا: " فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم " فالظاهر أنه من قول بعض الرواة، وهو من حديث ربيعة الرأي عن بعض أشياخه عن غير واحد، فهو إذاً من قول بعض أهل المدينة، فهو قول ربيعة أو من روى عنه، فليس بمرسل ولا بموصول، لكن يمكن الاستدلال بالآية ﴿ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ ، والآية عامة فيدخل في عمومها المعادن.
وعليه العمل عند أهل العلم، فقد اتفقت المذاهب الأربعة كلها على القول بهذا، وأن الزكاة تؤخذ من المعادن في الجملة.

  • وخالف في ذلك الظاهرية، فقالوا: لا تجب الزكاة فيها لعدم الدليل، والأصل هو عدم الوجوب.
    لكن العمل بعموم الآية المتقدمة، وما تقدم من عمل أهل العلم.
    وقد قال الراوي: " فتلك المعادن لا تؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم "، يمكن الاستدلال به بما يسمى بالاستصحاب المقلوب، وهو عكس الاستصحاب الذي يُعد من الأدلة الشرعية.

وصفة الاستدلال بالاستصحاب المقلوب هنا أن يقال: إن ثبوت أخذ الزكاة فيه في عصر التابعين، فإننا نستصحب هذا الأخذ إلى عصر الصحابة إلى عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأن الأصل هو عدم التغير.
ولاشك أن هذا الاستصحاب فيه شيء من الضعف، لكنه يقوي ما تقدم.
فعلى ذلك جمهور العلماء وهو الأظهر أن الزكاة واجبة ففي المعادن.
وخصها الشافعية والمالكية بمعادن الذهب الفضة، أما غيرها من الجواهر والياقوت فلا زكاة فيها.
وقال الحنابلة بالعموم، وهو الراجح؛ لأن الآية عامة ﴿ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ ، فهو عام في كل معدن.
أما ما رواه البيهقي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لا زكاة في الحجر) 1 ، فإن الحديث لا يصح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
* قال جمهور العلماء: ونصابه نصاب الذهب والفضة؛ وذلك لأن الشارع لم يحدد له نصاباً ولا قدراً مخرجاً، فحينئذ ننظر إلى قيمته كعروض التجارة، فإذا كانت قيمته تساوي عشرين ديناراً، كأن يخرج رصاصاً أو حديداً يساوي عشرين ديناراً، ففيها الزكاة، والقدر المخرج هو ربع الشعر.
إذاً ننظر إلى قيمتها؛ وذلك لأنها إنما يستفاد منها بالاستفادة من قيمتها، وهي تشبه عروض التجارة، وكما تقدم، فإن الشارع لم يحدد لها نصاباً، فيقدر النصاب بالذهب والفضة، فإذا بلغت قيمتها نصاب الذهب والفضة، ففيها الزكاة، والواجب فيها هو ربع العشر.
2

فصول الكتاب · 11 فصل · 298 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للحمد · 298 صفحة
المقدمة
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب المناسك
كتاب الجهاد
كتاب الوصايا
كتاب الوصايا
كتاب الفرائض
كتاب الطلاق
كتاب الحدود
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل