شرح زاد المستقنع للحمدصفحات 161-198
أهل الأثرالأرشيف العلمي

أما ما استدلوا به مما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله: (لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول) فتقدم أن الصحيح هو وقفه لا رفعه، ويجمع بين هذه الآثار الموقوفة وبين ترخيص النبي صلى الله عليه وسلم للعباس بأن مراد الصحابة: (لا زكاة واجبة) فلا تجب الزكاة حتى يحول عليه الحول.
وأما قولهم: أن العبادة لا تصح قبل ميقاتها كالصلاة.
فيجاب عنه: أن الميقات في الصلاة مجهول المعنى فلا يعقل لِمَ جعل الشارع زوال الشمس وقتاً لصلاة الظهر ولم جعل غروبها وقتاً لصلاة المغرب.
وأما مضي الحول في الزكاة فإنه معلوم المعنى، فإن معناه توفير الوقت للغني ليتوفر ماله ويزداد وينمو فهو لمصلحة الغني فإذا قدمه فهو حق له قد تنازل عنه وهذا القول هو الراجح وهو مذهب الجمهور؛ لصحة الدليل الذي استدلوا به.
وهنا شرطان في جواز تعجيل الزكاة:

الشرط الأول: وهو شرط متفق عليه: هو ملكية النصاب فلو كان عنده مثلاً ثلاثون شاة فلا يجوز له أن يعجل الزكاة فيها فيدفع شاة لاحتمال أن تكون بعد سنة أربعين شاة أو خمسين شاة؛ وذلك لأنه فعل الفعل قبل سببه، وسبب الزكاة هو ملك النصاب ولا يجزئ فعل الشيء قبل سببه كما لو أراد أن يحلف فكفر قبل أن يحلف فإنه لا يجزئه؛ لأن الحلف هو سبب الكفارة ويجزئه إذا حلف أن يكفر قبل الحنث لأن السبب موجود وهو الحلف، فهو فعل قبل سببه وهو خلاف ما أمر به الشارع وما لم يأمر به الشارع فهو مردود، وهنا كذلك فإذا لم يملك النصاب فليس له أن يعجل الزكاة.
وملكية النصاب المشترطة هنا تشترط في الحول كله ليجزئ عنه عن زكاة المال، ومعنى هذا أنه لو ملك خمسين شاة فيجوز له أن يخرج شاة معجلة، فإن نقص هذه الشياه عن النصاب فأصبح لا يملك إلا خمساً وثلاثين شاة أثناء الحول فإن تلك الزكاة لا تجزئ وإنما يكون له صدقة من الصدقات وحينئذ إذا تم النصاب فبلغت أربعين فإنه يستأنف حولاً جديداً وتكون زكاته المتقدمة صدقة له؛ لزوال سبب الزكاة وهو ملكية النصاب وقد زال بنقصانها عن النصاب.
لكن إن كان النصاب بقدر ما عجل فإن هذا لا يؤثر، فلو أن رجلاً عنده أربعون شاة فعجل فيها شاة فبقيت عنده تسع وثلاثون شاة فهذا لا يؤثر؛ لأن المعجل بحكم الموجود في المال، فالواجب عليه أن يخرجه إذا حال الحول وحيث قدمه قبل ذلك فإن هذا المال المعجل يكون بحكم المال الموجود فلا يؤثر حينئذ.
وهل يشترط ملكية المال أم لا؟ بمعنى: رجل عنده ثلاثمئة شاة فالواجب عليه ثلاث شياه وهو يظن ظناً غالباً أن شياهه ستزيد على ثلاثمئة بحيث أنها لا يأتي عليها الحول إلا وقد وجب عليه أربع شياه فهل يجوز له أن يخرج أربع شياه، ثلاث شياه عن الثلاثمئة وهي ما يملكه الآن وشاة عما سيتولد من ماله أم ليس له ذلك؟

المشهور عند الحنابلة: أنه ليس له ذلك؛ لأنه غير مالك للمال المستفاد هنا، فالمائة شاة غير مملوكة له.
وعن الإمام أحمد: أن ذلك يجزئه؛ لوجود السبب في الجملة.
قالوا – تعليلاً لهذه الرواية -: كما يُضَم المال المستفاد إلى النصاب في الحولية، فيضم إليه أيضاً في جواز التعجيل.
وهذا القول أظهر؛ لأن المال المستفاد تبعاً للنصاب في الحولية فيكون تبعاً له في جواز التعجيل.
الشرط الثاني: وهو ما ذكره المؤلف بقوله: (لحولين فأقل) أن يكون التعجيل حولين فأقل فله أن يعجل السنة والسنتين، وليس له أن يعجل ثلاث سنين أو أربع أو خمس.

  • وعن الإمام أحمد: أنه يجوز له أن يعجل ثلاثة أعوام فأكثر.
    وهذا القول هو الأظهر؛ إذ لا فرق بين تعجيل السنتين أو الثلاث ولا بين الثلاث والأربع فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد تعجل صدقة العباس سنتين، وتقدم إن المعنى يدل على الجواز حيث أنه مالك للنصاب فجاز له أن يعجله قبل وقته ما دام أن ذلك باختياره، وأن التأخير إنما هو لمصلحته، وهذا المعنى ثابت في ثلاث سنين وثابت في أربع سنين وهكذا وهو اختيار طائفة من أصحاب الإمام أحمد.
    إذن: الصحيح أنه لا يشترط للزكاة زمن محدد خلافاً للمشهور عند الحنابلة من أنه يقيد بسنتين.
    مسألة: إن عجل زكاة ماله ثم طرأ على المعجَّل له وهو الفقير مثلاً – طرأ عليه ما يجعله ليس أهلاً للزكاة لو أخرجت الزكاة في وقتها؟ فمثلاً زكاة ماله تجب في محرم فأخرجها في ذي الحجة وأعطاها من لم يصبح مستحقاً لها في محرم وهو وقتها وكان مستحقاً لها في ذي الحجة كأن يعطيها شخص فيموت أو يرتد أو يعطيها فقيراً فيغنى في وقت وجوبها الأصلي – فهل يجزئه ذلك أم لا؟
  • فالمشهور في المذهب أنه يجزئه؛ لأنه أخرج زكاة المال على وجه مأذون له فيه وهي زكاة مجزئة حينئذ، فلا دليل على إبطالها بعد ذلك، والفعل إذا صح فلا يبطل إلا بدليل، وهو مأذون له في ذلك وقد دفعها إلى مستحق لها حينئذ فالاعتبار في حالة الدفع.
    مسألة: إذا دفع الزكاة معجلاً لها ثم طرأ عليه ما يجعله ليس من أهل الزكاة دفعها عند وقت دفع الزكاة كأن يكون غنياً في أول السنة فيعجلها ثم يفتقر عند حلول الحول؟ فهل يرجع بالزكاة أم لا؟ قولان لأهل العلم: لقول الأول: أنه ليس له أن يرجع لا إلى الفقير ولا إلى السعاة في زكاته، وهو اختيار أبي بكر من الحنابلة والقاضي؛ وذلك لأنه عجلها باختياره ورضاه ودفعت للفقير على وجه التمليك فكانت ملكاً له، فلا يجوز إخراجها من ملكيته إلا بدليل، وكونه يفتقر بعد ذلك هذا لا يعني إخراجها من ملكية الفقير إلى ملكيته هذا أحد الوجهين في مذهب أحمد.
    القول الثاني: وهو الوجه الثاني في المذهب: أنه إن دفعها إلى الساعي فإنه يرجع مطلقاً سواء دفعت إلى الفقير وأخبر أنها زكاة معجلة أم لم يخبر.
    وأما إذا دفعها هو بنفسه إلى الفقير المستحق، فإنه لا يجوز له أن يرجع إلا أن يكون أخبره أنها زكاة معجلة فيجوز له الرجوع.
    ولا دليل على هذا القول وهو قول ضعيف، والراجح هو القول الأول.
    قال: (ولا يستحب) أي لا يستحب له أن يعجل بل المستحب له أن يخرج زكاته عند مضي الحول.
    قالوا: لوجود الخلاف في هذه المسألة، فخروجاً من الخلاف لا يستحب التعجيل.
    وتقدم أن الخروج من الخلاف ليس دليلاً على حكم ما من الأحكام الشرعية.

والراجح: ما ذكره صاحب الفروع احتمالاً فقد قال: " ويتوجه احتمال أنه يتبع المصلحة " فإذا كانت المصلحة في التعجل فالمستحب هو التعجيل، كأن يصاب المسلمون بمجاعة في وقت من الأوقات ليس من أوقات زكوات الناس فحينئذ المستحب هو تعجيل الزكاة لدفع حاجة الناس وأما إن كانت المصلحة في التأخير وإعطائها في وقتها فهو المستحب.
فعلى ذلك الراجح: أنه يباح له التعجيل لحديث العباس المتقدم وإن كانت هناك مصلحة شرعية في التعجيل فهو مستحب مراعاة للمصلحة والحاجة، ومراعاة المصالح والحاجات من مقاصد الشريعة.
وفي هذا الزمن الناس يخرجون زكوات أموالهم الباطنة لا سيما الباطنة – بأنفسهم – وفي أيام إخراجها يخرجونها على أوجه غير شرعية لعدم اهتمام منهم أو لضيق وقت أو نحو ذلك.
فإن عجلوا من أول السنة وهم يخرجون زكاة أموالهم حتى إذا تمت السنة يكونوا قد أخرجوا الزكاة كلها – هذا خير وأفضل.
فكون الغني – مثلاً – يتكفل عائلة من الفقراء فيعطيهم كل شهر من زكاة ماله فيغنيهم من الفقر حتى إذا تمت السنة حسب ما دفع لهم أو لغيرهم من مستحقي الزكاة ثم حسب ذلك زكاة له وكان قد نوى التعجيل فإن ذلك هو الأفضل أما إن كان هناك من يقوم بالزكاة ويصرفها في مصارفها الشرعية في وقتها فهذا هو الأصل وإن كان يباح له التعجيل مطلقاً وإن لم تقتضيه المصلحة.
مسألة: من كان له مال مثلاً في الرياض ومال في حائل فهل يخرج الزكاة من الذي في حائل أم في الرياض؟ إن كان المالان يكملان نصاباً وكل واحد بمفرده ليس بنصاب فإنه يجوز له دفعها في أحد البلدين والأولى أن ينظر الأحوج والأحق بها.

أما إذا كان المال نصاب في كلا البلدين فإنه يخرج عن كل بلد في بلدها، فمثلاً عنده مائة وخمس وعشرون شاة، أربعون منها في حائل، وخمس وثمانون في الرياض فالواجب عليه شاتان فيخرج شاة في الرياض وشاة في حائل عن الأربعين.
1 والحمد لله رب العالمين.

الدرس الثاني عشر بعد المئتين (يوم الأحد: 13 / 1 / 1416هـ)

باب هذا الباب فيمن تجزئ الزكاة إن دفعت إليهم، وهم الأصناف الثمانية، ولذا قال: (أهل الزكاة ثمانية) وهم المذكرون في قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله﴾ 2 أي لا تحل الزكاة إلا لهؤلاء المحصورين وهم الأصناف الثمانية أي إنما الصدقات تحل.
ولذا اتفق العلماء على أن الزكاة لا يجوز ولا يجزئ أن تصرف في غير هذه الأصناف من أبواب البر والخير كبناء المساجد ووقف المصاحف وبناء القناطر، وإصلاح الطرق ونحو ذلك من أبواب الخير، وذلك لأن هذه الآية قد حصرت أهل الزكاة فلا يجوز أن تدفع لغيرهم.
واعلم أن هذه الآية الكريمة فيها بيان لمن تحل لهم الزكاة وهم الأصناف الثمانية، فأي صنف منهم دفعت إليه أجزأت.

ولا يظهر أن المراد في الآية هو الاستيعاب، خلافاً لما ذهب إليه الشافعية من أن الآية فيها دليل على وجوب الاستيعاب، وهي أن تقسم الزكاة إلى ثمانية أسهم فيعطى كل صنف من هذه الأصناف الثمانية نصيباً فالآية لا تدل على هذا بل ظاهرها أن الزكاة يحل دفعها وتجزئ إلى هذه الأصناف الثمانية، وليس فيها وجوب استيعاب الأصناف الثمانية ومما يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم – في حديث معاذ -: (فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم) 1 والفقراء صنف من هذه الأصناف الثمانية وقد أجزأ دفعها إليهم.
فالراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء من أن أي صنف دفعت إليه الزكاة أجزأت وأن استيعاب هذه الأصناف الثمانية ليس بشرط خلافاً لما ذهب إليه الشافعية.
قال: (الأول: الفقراء وهم من لا يجدون شيئاً أو يجدون بعض الكفاية) فالصنف الأول الفقراء: قال تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء﴾ (وهم من لا يجدون شيئاً) أي لا يجد شيئاً يطعمه ولا مسكناً يؤيه ولا منكحاً ولا غير ذلك، أو له منكح وعيال وليس له ما ينفقه على نفسه وعياله مطلقاً، فليس له شيء مطلقاً ينفقه على نفسه أو من يعول.
(أو يجدون بعض الكفاية) كأن يجد ربع كفايته أو ثلثها.
وأما المسكين: فقال: (والمساكين يجدون أكثرها أو نصفها) . فالفقير من لا يجد شيئاً البتة أو يجد أقل من النصف كالربع أو الثلث.
وأما المسكين فهو من لا يجد تمام كفايته وإن كان يجد أكثرها أو نصفها.
صورة هذا: إذا كان يكفيه في الشهر ألف ريال ينفقه على نفسه وعياله وعنده عقار أو دكان أو وظيفة لا يخرج له منه إلا أربعمئة ريال، فهنا لا يجد إلا أقل من نصف كفايته فهو فقير.

أما إن كان يجد خمسمئة أو ستمئة أو ثمانمئة، فهو مسكين، وهذا باعتبار السنة، فلو أنه يحصل له في السنة ستة آلاف ولا يكفيه إلا اثنا عشر ألفاً، فإنه يُدفع له ستة آلاف لتتم كفايته، فإن الزكاة إنما تدفع له كفاية سنته وذلك لأنها لا تتكرر إلا في السنة فيعطى كفايته منها سنة.
وهنا المؤلف قد جعل الفقير أشد حاجة من المسكين وهو كما قال، ولذا قدمه الله عز وجل في الآية على المسكين فقال: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ والتقديم مشعر بأهمية إعطائه وأنه أحوج من المسكين وهما في الحقيقة صنف واحد يجمعهما عدم تمام الكفاية ولعل الداعي إلى جعلهما نوعين أو صنفين مع أنهما في الحقيقة صنف واحد تنبيهاً على أهمية الدفع إليهم فهو جنس واحد فذكرت أنواعه للتكثير لأهمية الدفع إليهم وأنهم أولى من غيرهم بالزكاة، ولذا خصهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بها في حديث معاذ فقال: (تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم) . إذن: من لا يجدون كفايتهم يدفع إليهم من الزكاة ما يتمها كل سنة مما يحتاجون إليه من مشرب وملبس ومنكح – فإن النكاح من الحاجات التي يحتاج إليها الفقير، فيعتبر له ذلك فيعطى ما يمكنه أن ينكح به.
واعلم أن الفقير والمسكين بضد الغني، فالغني لا يحل له أن يأخذ من الزكاة شيئاً والغني هو من يملك كفايته بالقوة أو بالفعل.
إذن: الغني قسمان: من يملك كفايته بالفعل: أي عنده من الدراهم والدنانير أو عنده من المطاعم والمشارب والمساكن ما يكفيه فهو غني بالفعل.
غني بالقوة: وهو المكتسب فليس بيده درهم ولا دينار لكن عنده قدرة بدنية على التكسب فهو جلد يمكنه أن يتكسب وأن يعمل ويتحرف، فهو غني فليس له أن يأخذ من الزكاة شيئاً إلا ألا يتمكن من عمل مع البحث عنه أو تمكن منه لكنه لا يقوم بكفايته فإنه يأخذ من الزكاة.

يدل على هذا ما ثبت في مسند أحمد وسنن أبي داود والنسائي عن عبيد الله بن عدي بن الخيار: (أن رجلين أتيا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألانه الصدقة فقلب النظر فيهما فرآهما جلدين فقال: إن شئتما أعطيتكما - وهذا من التوبيخ والتقريع لهما أي إن شئتما أطعمتكما حراماً، ويحتمل أن يكون أرجع إليهم الأمر لاحتمال أنه لم يتهيأ لهما شيء من عمل - ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب) 1 . وجمهور العلماء على أن المعتبر بالغنى هو ما تقدم وهو أحد الروايتين عن أحمد وأصحهما عنه، وهي اختيار أبي الخطاب والمجد من الحنابلة وأن الغني هو من يجد كفايته.
وقال أكثر الحنابلة وهو رواية عن الإمام أحمد: أن الغني من يملك خمسين درهماً أو ما يساويها من الذهب أي خمسة دنانير، فمن ملكها فهو غني لا يحل له من الزكاة شيء.
وهذا القول لا وجه له في النظر، وإنما استدلوا بحديث رواه أبو داود من حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من سأل الناس وعنده ما يغنيه كانت له خدوش أو كدوح يوم القيامة فقيل: يا رسول الله وما الغنى؟ فقال: خمسون درهماً أو قيمتها من الذهب) 2 .

لكن الحديث ضعيف ففيه حكيم بن جبير وهو ضعيف الحديث بل قد ترك الإمام شعبة حديثه لهذا الحديث [الـ]ـضعيف فهو منكر من مناكيره فلا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا حظ لهذا القول من الرأي فهم يقولون أن من ملك خمسين درهماً فلا تحل له الزكاة وإن كانت هذه الخمسين لا تكفيه ولا تقوم بحاجته، بينما من ملك عشرة دراهم وهي فاضلة عن حاجته وهو غني غير محتاج فإن الزكاة تحل له، وهذا ضعيف كما تقدم.

  • وقال الأحناف: من ملك نصاباً فهو غني، فلا يحل له أن يأخذ من الزكاة شيئاً.
    واستدلوا: بظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: (تؤخذ من أغنيائهم) فسمى النبي صلى الله عليه وسلم من تؤخذ منه غنياً وهي إنما تؤخذ ممن ملك نصاباً فدل على أن مالك النصاب غني.
    والجواب على هذا أن يقال: إنما تؤخذ ممن ملك نصاباً؛ لأن الغالب فيه الغنى وإلا فقد يكون من يملك النصاب عنده من يعولهم كثرة وله حاجات كثيرة بحيث لا يكفيه ما عنده وهذا أمر ظاهر فإن من يملك أربعين شاة لا يكفيه ما يستفيده من هذه الأربعين شياه من القيام بنفسه وولده ونحو ذلك فيحتاج إلى أن يأخذ من الزكاة.
    فإذن: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (تؤخذ من أغنيائهم) وكون الزكاة تؤخذ من مالك النصاب هذا بناءً على الأغلب فإن الأغلب أن مالك النصاب غني، لكن من يكون مالكه فقيراً فيدخل في عموم قوله: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين) فهو فقير أو مسكين فيدخل في عموم هذه الآية.
    فعلى ذلك الراجح أن الغني هو من يملك كفايته وأن الفقير قد لا يملك كفايته وإن ملك نصاباً زكوياً.
  • واعلم أن من تفرغ للعبادة وهو قوي مكتسب فإنه لا يعطى من الزكاة شيئاً؛ لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: (ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب) وهو قوي مكتسب، والعبادة نفعها لازم به فلم يدفع له من الزكاة شيئاً بخلاف طالب العلم فإنه إن تفرغ للعلم وهو قوي مكتسب ولم يمكنه الجمع بين التكسب وطلب العلم فإن الزكاة تجوز له ويعطى منها لشراء كتب علم أو غيرها؛ وذلك لأنه قائم بمصلحة عامة من مصالح المسلمين والفرق بينه وبين العابد أن العابد قائم بنفع نفسه منفعة لازم له وأما طالب العلم فهو قائم بنفع متعد، فيجوز أن يأخذ منها طالب العلم وإن كان يمكنه التكسب إذا كان يشغله، وأما إن كان لا يشغله عن العلم ويمكنه الجمع بين العلم والتكسب فإنه لا يحل له أن يأخذ منها شيئاً؛ لأنه قوي مكتسب غني بقوته.
    قال: (والثالث: العاملون عليها وهم جباتها وحفاظها) وقسامها وكتبتها وغير ذلك، هؤلاء هم العاملون عليها، لقوله تعالى: ﴿والعاملين عليها﴾ فجباة الزكاة: الذين يجمعونها من الأغنياء.
    وحفاظها: الذين يحفوظنها في المستودعات وغيرها.
    وقسامها: الذين يصرفونها إلى أهلها، هؤلاء يدفع لهم من الزكاة أجرة وعُمالة على عملهم لقوله: ﴿والعاملين عليها﴾ فتدفع إليهم وإن كانوا أغنياء، فلا يشترط أن يكون العامل فقيراً.

ودليل هذا: ما ثبت في مسلم عن ابن الساعدي قال: عملت على الصدقة لعمر فلما فرغت منها وأديتها إليه قال: خذ هذه العُمالة فقلت: إنما عملت لله فأجري على الله فقال: خذ ما أعطيتك فإني عملت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقلت مثل ما قلت فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أعطيت شيئاً من غير أن تسأل فخذ فكل وتصدق) 1 وهذا الحديث يدل على أنها تدفع للعامل وإن كان غنياً، ويفيده أيضاً إطلاق الآية في قوله: ﴿والعاملين عليها﴾ وهل يشترط أن يكون العامل عليها مسلماً؟ قال جمهور العلماء باشتراطه واحتجوا بقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم﴾ فدلت هذه الآية على أن الولاية لا يعطي للكافر والعمل على الزكاة ولاية ولذا قال تعالى: ﴿والعاملين عليها﴾ فأتى بلفظة " على " التي تفيد تضمن الولاية أي العاملون ولاية عليها وقد قال عمر: (لا تأمنوهم وقد خونهم الله) (2) . وعن الإمام أحمد وهو مذهب أكثر أصحابه: أن ذلك جائز فيجوز أن يتولاها الذمي؛ قالوا: لأنه يأخذها أجرة، لا زكاة.
والراجح هو القول الأول وأن ذلك لا يجوز لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم﴾ والعمل على الزكاة ولاية ولذا يتولاها في الغالب أشراف الناس فهو ولاية على الزكاة وتسليط على الغني لأخذ الزكاة فيها وصرف لها إلى المستحقين فهي ولاية، فلا يجوز أن يتولاها كافر لكن العمل على الزكاة في غير الولاية عليها كالرعاة لها والحاملين لها من منطقة إلى أخرى والحارس وغير ذلك يجوز أن يكونوا كفاراً؛ لأن هذه ليست من الولاية في شيء وإنما هي استئجار ويجوز أن يستأجر الكافر في مثل هذه الأعمال.
وهل يشترط أن يكون بالغاً؟ المشهور عند فقهاء الحنابلة وغيرهم: اشتراط أن يكون بالغاً.

ووجه صاحب الفروع: جواز استعمال المميز العاقل الأمين، وهو كما قال؛ لحصول المقصود به.
فإنه إن كان أميناً عاملاً فإن المقصود يحصل به كحصوله بالبالغ ويشترط أن يكون أميناً ليحفظ هذه الأموال التي يجمعها وليصرفها إلى مستحقيها.
إذن: يشترط أن يكون مسلماً أميناً عاقلاً، وهل يشترط أن يكون بالغاً الظاهر أنه لا يشترط، فإنه إذا توفرت فيه الأمانة والعقل فإن المقصود يحصل وإن لم يكن بالغاً وإن كان البالغ أولى.

  • ولا يجوز أن يتولاها أحد من ذوي القرابة للنبي صلى الله عليه وسلم وهم بنو هاشم، يدل على هذا ما ثبت في مسلم أن بعض بني هاشم سأل النبي صلى الله عليه وسلم العمل على الصدقة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أنها لا تنبغي لآل محمد إنما هي أوساخ الناس) 1 لكن إن وضعهم الوالي جباة وأعطاهم من الفيء لا من الزكاة فإن هذا جائز، أما الزكاة فلا يعطون منها لهذا الحديث.
    قال: (الرابع المؤلفة قلوبهم ممن يرجى إسلامه) رجل كافر ونرجو إذا أعطيناه شيئاً من المال أسلم وترك دينه، فإنه يعطى من الزكاة، فقد ثبت في مسند أحمد: عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم: (وكان لا يسأل شيئاً على الإسلام إلا أعطاه، فسأله رجل فأعطاه شاءً كثيراً بين جبلين فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة) . قال: (أو كف شره) رجل من أهل الشر كأن يكون من الكفار من يقطع الطرق على المسلمين أو من الدول الكبيرة من يخشى ضررها على المسلمين فيجوز أن تعطى من الزكاة، وذلك لكف الشر عن المسلمين فإنه كان لا يسأل شيئاً على الإسلام إلا أعطاه وهنا كذلك فإن هذا فيه حفظ للإسلام وأهله، فيجوز أن يعطي السيد من الكفار أو المسلمين ما يحفظ به شره.
    فإذا خشي على قوم أو طائفة أن يمنعوا الزكاة فأعطى سيدهم مالاً لكي يجبرهم على إخراجها فلا بأس.
    قال: (أو يرجى بعطيته قوة إيمانه)

أي يرجى بإعطائه أن يحسن إسلامه، فكذلك وقد ثبت في الصحيحين أن علي بن أبي طالب: (بعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذَهبة 1 ِ في تربتها – أي من اليمن – فقسمها النبي صلى الله عليه وسلم بين أربعة: الأقرع بن حابس وعُيينة بن حصين وعلقمة بن عُلاثة وزيد الخير، فغضبت قريش وقالت: يعطي صناديد نجد ولا يعطينا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنما فعلت ذلك لأتألفهم) 2 فهذا فيه إعطاء السيد المطاع الذي يرجى تأليفه على الإسلام فهم كانوا ذوي إسلام وإنما أعطوا من أجل أن يحسن إسلامهم، كذلك يجوز أن يعطي السيد المطاع لإسلام نظرائه في القبائل، فإنهم إذا رأوا ما يكرم به السيد المسلم كان ذلك أدعى لإسلامهم.
إذن: المؤلفة قلوبهم: هم من يرجى بإعطائهم نفع نفسه أو نفع غيره، وهم السادة المطاعون في أقوامهم أو من دونهم إذا وجدت هذه المصلحة.
فالسيد المطاع في قومه ونحوه سواء كان مسلماً أو كافراً إذا أعطى لجلب مصلحة أو دفع مضرة تأليفاً فإن ذلك جائز لا حرج فيه دل عليه عموم القرآن في قوله: ﴿والمؤلفة قلوبهم﴾ ودلت عليه السنة النبوية.
إذن: من يرجى إسلامه وهو كافر أو يخشى شره وضرره فإنه يعطى من الزكاة، أو هو مسلم فيعطى ليتقوى إيمانه بذلك أو ليكون ذلك سبباً في إسلام نظيره أو لئلا يمنع قومه من أداء الزكاة أو ليجبر غنيهم على دفعها ونحو ذلك من المصالح الشرعية فإن ذلك جائز.

وإعطاء المؤلفة قلوبهم توقف في عهد عمر وعثمان وعلي لقوة الإسلام وظهوره.
واحتيج إليه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وتوقفه في عهد الخلفاء الثلاثة لا يعني تركه، وإنما لزوال الحاجة الداعية إليه، فإذا تكررت الحاجة الداعية فإن هذا الحكم يثبت فهؤلاء أصناف أربعة وهؤلاء تدفع إليهم الزكاة تمليكاً ولذا ثبتت لألفاظهم " لام " التمليك فقال تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم …﴾ قال: ﴿وفي الرقاب﴾ فالأصناف الأربعة الأخيرة لا تمتلكها فمتى زالت الحاجة الداعية إليها فإنها تعاد وترجع، أما هذه الأصناف الأربعة فإنهم يستحقونها وإن زال السبب.
فلو أن رجلاً فقيراً فدفعت إليه الزكاة ثم اغتنى بعد زمن يسير ولم يصبح محتاجاً إلى الزكاة، فإنه قد امتلكها بدفعها إليه قبل غناه، وكذلك المؤلفة قلوبهم والعاملون عليها والمساكين يدفعها إليه قبل غناه وكذلك المؤلفة قلوبهم والعاملون عليها والمساكين.
مسألة: الفقير هل يعطى من الزكاة - هل يعطى - على حسب عرف الناس فيكون وسطاً بين الناس أم يعطى دون ذلك فيسكن السكن الرديء ويأكل الأكل الرديء ويشرب الشراب الرديء وهكذا؟ الظاهر أنه يعطى ما يكون به وسطاً؛ لأن النفقة في الأصل تكون بالمعروف فالنفقات الشرعية تكون بالمعروف كما في غير ما دليل يدل على ذلك، فما يكون في وسط الناس هو المعروف.
ولأن إعطائه الشيء الرديء قد تفوت به بعض مقاصد الشريعة من لجوئه إلى سرقة أو زنا أو نحو ذلك من الأشياء المحرمة التي في الحقيقة الزكاة تدفع مثل هذه الأشياء كما أن حقيقة المواساة تثبت بهذا.

  • تقدم أن الفقير يعطى زكاة سنة؛ لأنها لا تتكرر، فمثلاً يعطى رجل مئة ألف تكفيه سنة، أما إذا كانت تفيض على السنة فلا يجوز، وذلك لأن الكفاية محسوبة بالسنة فهو الآن فقير فإذا أعطيناه ما يكفيه أصبح غنياً، فإذا زدنا فكما لو أعطيناه وهو غني.

والحمد لله رب العالمين.

الدرس الثالث عشر بعد المئتين (يوم الاثنين: 14 / 1 / 1416هـ)

قال المؤلف رحمه الله تعالى: (الخامس: الرقاب) لقوله تعالى: ﴿إنما الصدقات …﴾ إلى قوله: ﴿وفي الرقاب﴾ . قال: (وهم المكاتبون) وتقدم تعريف المكاتب.
والكتابة: اتفاق بين السيد ورقيقه بتحرير الرقيق مقابل أقساط معلومة يدفعها الرقيق لسيده حتى يتم فك رقبته من العبودية لسيده، فالمكاتب يجوز أن يعان على مكاتبته من الزكاة، فيعطى من الزكاة ما يتم به فكاك رقبته.
ومثل ذلك أيضاً: الرقيق غير المكاتب لعموم قوله: ﴿وفي الرقاب﴾ فالرقيق غير المكاتب يجوز أن يفك أسره من عبودية سيده بأن تحرر رقبته بالأموال الزكوية.
فيدخل في قوله: ﴿وفي الرقاب﴾ الرقاب المكاتبة، والرقاب غير المكاتبة.
قال: (ويفك منها الأسير المسلم) إذا وقع مسلم في الأسر تحت أيدي الكفار فيجوز أن يفدى من الزكاة، فيعطى الكفار من الزكاة ليفكوا أسره، وهو داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وفي الرقاب﴾ ؛ لأنها رقبة مأسورة تحتاج إلى فك فدخلت في عموم قوله: ﴿وفي الرقاب﴾ . وفي قوله: (المسلم) ما يدل على أن الرقبة إنما تفك إذا كانت مسلمة، وهذا ظاهر، فإن الزكاة إنما تختص بالمسلمين، إلا ما تقدم في المؤلفة قلوبهم فإنها إنما تدفع لكفار منهم لمصلحة المسلمين.
قال: (السادس: الغارم لإصلاح ذات البين ولو مع غنى أو لنفسه مع الفقر) السادس: الغارم، وهو من عليه غُرم، والغرم هو الدين قال تعالى: ﴿والغارمين﴾ وقسم المؤلف الغارم إلى قسمين: القسم الأول: الغارم لإصلاح ذات البين.
القسم الثاني: الغارم لنفسه.

أما الغارم لإصلاح ذات البين، فهو الرجل يصلح بين طائفتين من الناس فيتحمل من أجل هذا الإصلاح أموالاً في ذمته كأن يقع شجار بين قبيلتين بينهم ديات فيتحمل هذه الديات لتزول ما بينهم من العداوة فهو المصلح ذات البين، فإنه يعطى من الزكاة؛ لدخوله في عموم قوله: ﴿والغارمين﴾ ولما ثبت في مسلم عن قبيصة قال: (أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وقد تحملت حمالة فسألته فيها فقال صلى الله عليه وسلم: أقم عندنا حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها) 1 قال: (ولو مع غنى) فيعطى من الزكاة ولو كان غنياً، وقد تحملها ويمكنه أن يدفعها من ماله فإنه يعطى من الزكاة؛ وذلك لأن هذا الغرم لمصلحة عامة أشبه ما يعطى العامل الغني ومن يؤلفه قلبه، فإنه للمصلحة العامة يعطى مع الغنى فكذلك المصلح ذات البين ولإطلاق قوله تعالى: ﴿والغارمين﴾ فهي لفظة مطلقة غير مقيدة بالفقر أو بالعجز عن القضاء.
قال: (أو لنفسه) عليه دين لمصلحة نفسه من مسكن أو منكح أو مطعم أو غير ذلك من الأمور المباحة له فإنه يعطى من الزكاة.
أما إن كانت أموراً محرمة فإن ذلك لا يجوز؛ لأن في ذلك تعاوناً على الإثم قال تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ 2 وهذا تعاون على الإثم فلا يعطى من الزكاة.
لكن إن تاب فإنه يعطى من الزكاة لأنه غارم، وإنما منعنا من إعطائه لو لم يتب لما في ذلك من التعاون على الإثم أما وقد تاب إلى الله تعالى فإن هذا المعنى يزول.
ومثل ذلك إذا كانت الديون على أمور سرف فإن الزكاة لا تدفع إليه كمن يقترض لمفاخرة في منزل أو ملبس أو مشرب أو نحو ذلك من أمور التكاثر والترف فإنه لا يعان على ذلك لأنها أمور مرفوضة في الشريعة فلا يعان عليها لكن إن تاب إلى الله من ذلك أو ترك هذا فإنه يعاون لزوال المعنى المتقدم.

إذن: من عليه دين لنفسه لأمور مباحة أو لأمور محرمة، لكن تاب منها فإنه يُعان من الصدقة.
وهنا اشترط الفقر فقال: (أو لنفسه مع الفقر) : وهذا أحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد وهو اشتراط الفقر في المدين.
ولم أر دليلاً يدل عليه وفي اشتراطه نظر، فإن الآية القرآنية مطلقة وقد قال تعالى: ﴿والغارمين﴾ فظاهرها أن كل غارم يعطى من الزكاة وإن كان قادراً على التكسب والعمل وذلك؛ لأنه غارم والزكاة إنما أثبتت لهم – الزكاة - لمعنى الغرم لا لمعنى آخر سواه.
وإن كان مراد المؤلف هنا بقوله: مع الفقر، بأن يكون قادراً على دَيْنه من ماله، فهذا لا إشكال فيه، فلو كان عنده مال وهو قادر على قضاء الدين فلا يعطى من الزكاة بل يؤمر بقضاء الدين من ماله أما إن كان غنياً عنده ما يكفيه ويكفي عائلته لكن عليه ديون، فإنه يعطى من الزكاة لأنه غارم وقد قال تعالى: ﴿والغارمين﴾ . إذن: الغارم لمصلحة نفسه يعطى من الزكاة مطلقاً سواء كان غنياً أو فقيراً ما دام غير قادر على قضاء دينه ولو كان عنده قدرة على التكسب والتحرف لقضاء الدين فإنه غارم فيعطى من الزكاة وإن كان عنده ما يكفيه ويكفي عائلته بالمعروف.
والغارم إنما يعطى من الزكاة لدفع غرمه لا للتمليك، فإنه لا يدفع له المال ليتملكه ويصرفه في أي مصرف شاء وإنما يدفع إليه ليقضي دينه منه.
ولذا فإن فضل منه شيء فيجب عليه رده.
فلو أن رجلاً أعطي عشرة آلاف لقضاء دينه فذهب بها إلى الدائن فأعفاه عن بعضها فيجب عليه أن يرد هذا الباقي لأنه إنما دفع لمصلحة إزالة الغرم عنه، فليس له أن يتملكه وقد زال السبب الذي من أجله أعطي الزكاة.

كذلك لا يشترط إذن الغارم في إعطاء الغريم حقه فلو أن رجلاً يطالب بمبلغ مالي لأحد من الناس فللقائم على مصلحة الزكاة – العامل عليها - ولصاحب المال أن يعطي الدائن مباشرة من غير إذن الغارم؛ وذلك لأن المقصود هو إزالة الغرم ولا يحتاج حينئذ إلى إذن الغارم؛ وذلك لأنه لا يمتلك هذا المال فلا يعطاه تمليكاً له وإنما يعطاه إزالة لغرمه وحيث كان كذلك فلصاحب المال أن يعطيه الغريم من غير إذن الغارم.
مسألة: والصحيح من المذهب أن من أبرأ مدينه بنية الزكاة فإن ذلك لا يجزئه.
فلو أن رجلاً له على فلان عشرة آلاف فقال له: ذمتك بريئة من هذه العشرة آلاف ونوى ذلك زكاة، فإن ذلك لا يجزئه في الصحيح من المذهب.

  • وقال بعض الحنابلة بالجواز، لأنها صدقة فإبراء ذمة المدين صدقة وحيث كانت صدقة فإن ذلك يجزئه عن زكاته بالنية.
    والأظهر هو المذهب الأول؛ وذلك لما ثبت في الصحيحين عن عمر بن الخطاب قال: (حملت على فرس في سبيل الله فأضاعه " أي أضاعه من حملته عليه أي لم يقم برعايته " فأردت أن اشتريه منه وظننت أنه يبيعه لي برخص فسألت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: لا تشتر ولا تعد في صدقتك فإن العائد في صدقته كالكلب يقيء فيعود في قيئه) 1 وهذا المعنى المستقبح يدل على تحريم العودة في الصدقة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهاه عن ذلك فقال: (لا تشتر) فدل على أن اشتراء الصدقة محرم، ودل هذا على ما نحن فيه من أن إعادة الصدقة إلى مصلحة نفسه ومنفعة نفسه فإن ذلك محرم وهو إذا أبرأ المدين من الدين فإنه قد أعاد الصدقة إلى نفسه فحرم ذلك.
    فالشارع نهى عن العود في الصدقة وفي إباحة ما تقدم، عودة في الصدقة.

ومثل ذلك – أيضاً في الصحيح من المذهب، وخالف بعض الحنابلة أيضاً كالمخالفة في المسألة السابقة – في أنه لا يجوز أن له يعطي المدين له زكاته حيلة إلى العود.
فلو أن رجلاً يريد من رجل عشرة آلاف فليس له أن يدفعها له ويقول: هذه زكاة مالي حيلة لإعادتها إلى نفسه، سواء شرط هذا أو علم أن الغارم سيعيدها إليه، هذا أمر محرم.
فإن المسألة السابقة محرمة وإذا شرط ذلك فإنه محرم وإذا أبرأه فإن ذلك محرم والحيلة إلى المحرم محرم، أما لو دفعها إليه فإن ذلك جائز كأن يراه محتاجاً إلى الصدقة فأعطاه الزكاة فإن ذلك جائز لا حرج فيه.
إذن: لا يحل له أن يبرأ ذمة المدين ولا أن يدفع إليه الزكاة حيلة لإعادتها لمنفعة نفسه، وفي هذا – كما تقدم – مصلحة كبيرة حفظاً للزكاة من عبث أصحاب الأموال لتبرئة ذمم المعسرين وغيرهم الذين قد تسقط عنهم الحقوق بالإعفاء أو غيره فتذهب زكوات كثيرة لنفع أصحاب الأموال.
مسألة: هل يجوز أن تدفع الزكاة للغارم الميت أم هي مختصة بالغارم الحي؟ فلو أن رجلاً توفى وعليه دين فهل يجوز قضاء دين من الزكاة أم هو مختص بالحي؟ قولان لأهل العلم هما قولان في مذهب الحنابلة: 1- القول الأول: أن ذلك لا يجوز وهو مذهب جمهور العلماء.
قالوا: لأن الزكاة حينئذ قد دفعت إلى الغريم لا إلى الغارم، وقد قال تعالى: ﴿والغارمين﴾ وعندما ندفعها إلى الدائن فقد دفعناها إلى الغريم ولم ندفعها إلى الغارم.
2- وقال المالكية، وهو قول في المذهب وهو اختيار شيخ الإسلام: أن ذلك جائز؛ لعموم قوله تعالى: ﴿والغارمين﴾ فيدخل في عمومها الغارم الميت.
قالوا: وأما تعليلكم فهو ضعيف فإن المقصود هو دفع الغرم سواء دفع المال إلى الغارم أو إلى الغريم، ولذا أجزنا – كما تقدم – دفعها إلى الغريم مباشرة بغير إذن الغارم، لأن دفعها إلى الغارم ليس بمقصود، بل المقصود هو إبراء ذمته من الدين سواء دفع هذا إلى الغريم أو الغارم.

فعلى ذلك الراجح مذهب المالكية وهو قول في المذهب واختيار شيخ الإسلام أن الغارم الميت يجوز أن يبرأ ذمته من دينه بالزكاة.
قال: (السابع: في سبيل الله) لقوله تعالى: ﴿وفي سبيل الله﴾ قال: (وهم الغزاة المتطوعة الذين لا ديوان لهم) أي لا يعطون رواتب من الديوان أي من بيت المال أي من الفيء.
فإذا كان يعطى من الفيء فإنه لا يعطي من الزكاة أما إن لم يكن يعطى من الفيء أو كان يعطى من الديوان ما لا يكفيه فإنه حينئذ يعطى من الزكاة.
يعطى – المجاهد – ما يكفيه لغزوته ذهاباً وإياباً وما يحتاج إليه من أدوات الحرب ومراكبه وما يحتاج إليه من الطعام وغيره، لقوله تعالى: ﴿وفي سبيل الله﴾ يعني الجهاد هذا ولو كان غنياً، وذلك لما تقدم من التعليل السابق فإنه إنما يعطى للمصلحة العامة، ولأن الله أطلق فقال: ﴿وفي سبيل الله﴾ ولم يقيده بالفقراء.
ويعطى من يريد الجهاد في سبيل الله ما يكفيه لغزوته تلك وليس له أن يوفر من ذلك شيئاً، فإذا بقى معه شيء من المال فاض عن غزوته فإنه يجب عليه أن يخرجه زكاة أو أن يعيده إلى مصلحة الزكاة.
- وأدخل الحنابلة الحج والعمرة الفرض، فقالوا: يجوز أن يأخذ الحاج والمعتمر من الزكاة ما يحج به ويعتمر.

  • وفي إحدى الروايتين عن الإمام أحمد: في فرض أو نفل، وهو ظاهر إطلاق بعض الحنابلة فيأخذ للحج والعمرة سواء كان فرضاً أو نفلاً.

قالوا: ولما ثبت في أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لأم معقل، وكانت لم تحج واعتذرت بأنه ليس لها ما تركبه وأن زوجها قد أوصى بحمله في سبيل الله فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم -: (فهلا حججتي منه فإن الحج في سبيل الله) 1 ، وبما صح عن ابن عمر – كما في كتاب أبي عبيد القاسم بن سلام بإسناد صحيح أنه قال: (أما إن الحج في سبيل الله) (2) فدل على دخول الحج والعمرة في حكمه – في عموم قوله تعالى: ﴿وفي سبيل الله﴾ .

  • واختار الموفق وهو مذهب جمهور العلماء: أن الحاج والمعتمر لا يعطي شيئاً من الزكاة وإن كان الحج والعمرة فرضاً؛ لأن الحج والعمرة لا يجبان مع الفقر فإن الله قال: ﴿من استطاع إليه سبيلاً﴾ فهما لا يجبان عليه؛ لأنه فقير.
    والأقوى ما ذهب إليه الحنابلة لقوة ما استدلوا به من دخولها في سبيل الله وإن كان فيما ذكره جمهور العلماء قوة على أن الجهاد في سبيل الله الكفائي وهو سنة غير فرض يعطى الغازي ما يكفيه لغزوته وإن كان ذلك مستحباً لا واجباً، لكن يظهر الفرق بينهما بأن الجهاد لمصلحة عامة ومصلحة متعدية، وأما الحج والعمرة فهو لمصلحة خاصة أو مصلحة قاصرة على صاحبها.

ويدخل في سبيل الله طلب العلم، فيعطى طالب العلم الزكاة ما يكفيه لمؤنة نفسه، وما يكفيه لكتب العلم وغيرها مما يحتاج إليه في تعلمه ورحلته وغير ذلك، فهذا جائز لأن العلم في سبيل الله، فهو كالجهاد بل هو نوع من أنواع الجهاد وقد قال صلى الله عليه وسلم: (جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم) 1 والعلم هو سبب الجهاد باللسان فلا قيام للجهاد باللسان إلا بالعلم وقد قال تعالى: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب﴾ (2) فالكتاب والميزان هو العلم والحديد هو أداة الجهاد في سبيل الله باليد.
فالعلم نصرة لله والجهاد في سبيله، وهو الجهاد الذي قام به النبي - صلى الله عليه وسلم - في أكثر عمره بمكة فقد أقام ثلاث عشرة سنة يجاهد بالعلم والقرآن.

  • وألحق الشيخ محمد بن إبراهيم، وأفتى به المجمع الفقهي على أن الدعوة إلى الله عز وجل ومصالحها داخلة في هذا.
    وهو قول قوي؛ لأن الدعوة جهاد في سبيل الله فهي جهاد باللسان كما تقدم، فيجوز أن يعطى الدعاة المتفرغون للدعوة أن يعطوا من الزكاة.
    قال: (الثامن: ابن السبيل وهو المسافر المنقطع به) أي المنقطع به سفره لقوله تعالى: ﴿وابن السبيل﴾ أي ابن الطريق.
    وهو كما قال المؤلف: (المسافر المنقطع به سفره) .

قال: (دون المنشئ للسفر من بلده) فالمنشئ للسفر من بلده ليس ابن سبيل، فلو أن رجلاً في بلده وبين أهله وعشيرته فليس ابن سبيل، وذلك لأنه [ليس] في سبيل، فليس في طريق.
لكن ابن السبيل هو من انقطع به في طريقه خارجاً عن بلده فإنه يُعطى من الزكاة وإن كان غنياً أي إن كان غنياً في بلده ما دام محتاجاً إلى الزكاة في سفره وهذا إذا كان السفر مباحاً.

أما إذا كان السفر محرماً إلا أن يضطر إلى ذلك دفعاً للضرورة، أما إن أمكنه أن يقترض فإنه لا يعطى من الزكاة لما في ذلك من إعانته على المحرم إلا أن يظهر فيه التوبة فإنه يعطى.
أما من كان في سفر مباح فإنه يعطى من الزكاة وإن أمكنه الاقتراض في هذه البلدة فإنه يعطى من الزكاة كما هو أصح الوجهين في مذهب الإمام أحمد وهو ظاهر إطلاق الآية الكريمة: ﴿وابن السبيل﴾ ظاهره وإن كان قادراً على الاقتراض فإن في طلب الاقتراض كلفة أو منة فلا يلزم به ويعطى من الزكاة.
قال: (فيعطى ما يوصله إلى بلده) فيعطى المال الذي يحتاج إليه في طريقه من مركب، ومطعم ومشرب وغير ذلك مما يحتاج إليه فإنه يعطاه من الزكاة حتى يرجع إلى بلده.
كما أنه لو كان قاصداً بلداً من بلده فانقطع في الطريق بينهما فإنه يعطى ما يكفيه للذهاب إلى البلدة التي هو قاصد لها وما يكفيه للرجوع منها إلى بلده لأنه ابن سبيل فيعطى ما يكفيه حتى يرجع إلى بلده حيث ماله هناك.
فإن فضل منه شيء فيجب عليه الرد لأنه لا يعطاه تمليكاً له وإنما لزوال الحاجة التي هي سبب لإعطائه فمتى ما أن قضت الحاجة، وتوفر معه شيء فلا يجوز له أن يمسكه لنفسه بل يجب عليه أن يرده.
قال: (ومن كان ذا عيال أخذ ما يكفيهم) وهذا ظاهر فإن الرجل الذي يعول عائلة لا يعطى ما يكفيه وحده بل يعطى ما يكفيه وما يكفي من يعول؛ لأنه كما أنّا نقصد دفع حاجته فكذلك نقصد دفع حاجة من يعول فيعطى لزوجته ولأولاده، لأن المقصود هو دفع حاجة الفقراء وهم فقراء، وهو وإن كان عائلاً لهم فهو عاجز عن القيام بالنفقة عليهم فيعطى هو من النفقة ما يكفيه وما يكفي من يعول.
قال: (ويجوز صرفها إلى صنف واحد) تقدم البحث في هذا في أول هذا الباب.
قال: (ويسن إلى أقاربه الذي لا تلزمه مؤنتهم)

فيسن له أن يدفع زكاة ماله إلى أقاربه؛ وذلك لأن إعطاء القريب الزكاة صدقة وصلة، وأما إعطاؤها للأجنبي فهي صدقة فحسب ولذا قال: النبي - صلى الله عليه وسلم - – فيما رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي بإسناد صحيح -: (الصدقة على المسكين صدقة، والصدقة على ذي القرابة اثنتان صدقة وصلة) 1 . وأما تقييده بقوله: (لا تلزم مؤنتهم) فيأتي هذا وأنه من تلزمه مؤنتهم لا يجوز أن يعطيهم من الزكاة شيئاً بل يجب عليه أن ينفق عليهم من غير الزكاة.
أما إن كان لا يلزمه مؤنتهم فالأفضل دفع الزكاة لهم ولذا إن أخر زكاة ماله لإعطائها قريب وكان التأخير يسير فهو جائز له كما تقدم.
فإن إعطاء القريب أفضل من إعطاء البعيد؛ لما في ذلك من الصلة المأمور بها وهي أيضاً صدقة، فتفضل على الصدقة على البعيد بكونها صلة.
والله أعلم.
والحمد لله رب العالمين.

الدرس الرابع عشر بعد المئتين (يوم الثلاثاء: 15 / 1 / 1416 هـ)

فصل

(ولا تدفع إلى هاشمي) الهاشمي: هو نسبة إلى هاشم بن عبد المطلب جد النبي - صلى الله عليه وسلم - فالهاشميون هو بنو هاشم بن عبد المطلب القرشي فالزكاة لا تدفع إلى هاشمي فمن ثبت نسبه إلى بني هاشم ذكراً كان أو أنثى فلا تحل له الزكاة.
ودليل هذا ما ثبت في صحيح مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لبعض بني هاشم: (إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد إنما هي أوساخ الناس) 2 فالصدقة لا تنبغي لآل محمد، وهم بنو هاشم وهذا باتفاق العلماء، وأن الهاشميين لا تحل لهم الصدقة.

وظاهر كلام الفقهاء أنها لا تحل لهم مطلقاً سواء أعطوا من الخمس أو لا، فإن لقرابة النبي صلى الله عليه وسلم وهم بنو هاشم لهم حق في الفيء فلهم خمس الخمس فظاهر كلام الفقهاء أن الزكاة لا تحل لهم وإن لم يعطوا نصيبهم من الخمس.
واختار شيخ الإسلام وهو وجه عند بعض الشافعية واختاره بعض الحنابلة: أن الصدقة تدفع إليهم إن لم يعطوا من الخمس لحاجتهم إلى ذلك.
وفي هذا نظر، فإن الحديث المتقدم عام وأن الصدقة لا تحل لهم مطلقاً وكونهم يمنعون من حقهم من الخمس لا يجعل ما حرم عليهم حلالاً، فإن الصدقة محرمة عليهم لا تحل لهم وكونهم يمنعون من الخمس لا يعني ذلك أن يباح لهم أخذ الزكاة.
وموالي بني هاشم ليس لهم في الخمس شيء ومع ذلك فإن الصدقة لا تحل لهم بنص النبي - صلى الله عليه وسلم -. فعلى ذلك الأظهر ما ذهب إليه جماهير العلماء من أن الصدقة محرمة عليهم وإن لم يعطوا من الخمس شيئاً.
وظاهر كلام المؤلف أيضاً وهو ظاهر كلام الفقهاء أن الصدقة لا تحل لهم وإن كانت من بعضهم، فلا تحل صدقة الهاشمي للهاشمي، فليس للهاشمي أن يدفع زكاته إلى هاشمي وليس للهاشمي أن يقبلها خلافاً لشيخ الإسلام، فإنه رأى جواز ذلك لهم، وفي ذلك نظر، فإن الحديث عام، وكما أن الصدقة أوساخ للناس فهي أوساخ لأموال بني هاشم.
وأما ما رواه الحاكم من أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله العباس فقال: (هل تحل صدقة بعضنا لبعض) فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (نعم) 1 فالحديث إسناده لا يصح.
فعلى ذلك الظاهر ما ذهب إليه جماهير العلماء من أن الزكاة لا تحل لبني هاشم أعطوا من الخمس أم لم يعطوا ولا تحل لهم أيضاً وإن كانت من بني هاشم.

أما صدقة التطوع فإنها تحل لهم وحكى صاحب الفروع ذلك إجماعاً، وذلك لأن العلة الثابتة في صدقة المال الواجبة ليست ثابتة في صدقته التطوعية فإن صدقة التطوع ليست من أوساخ الناس بدليل أن من تصدق ولم يزك فإن ماله لا يتطهر، فهي وإن كانت مطهرة لصاحبها من الإثم لكنها ليست بوسخ المال هذا هو مذهب جماهير العلماء وحكاه صاحب الفروع إجماعاً.
إلا ما قاله الشوكاني من أن صدقة التطوع محرمة.. (1) أيضاً؛ وذلك لأنها من أوساخ الناس أيضاً.
وفي هذا نظر فإن صدقة التطوع ليست بأوساخ الناس كما تقدم بدليل أنها لا تطهر المال حتى تخرج زكاته.
فالصحيح مذهب جماهير العلماء من أن صدقة التطوع تحل لهم وهو الذي تقتضيه المصلحة فإنهم قد يمنعون من الخمس وعندما يمنعون من الصدقة التطوعية مع منعهم من زكاة المال لا شك أنه يلحقهم ذلك حرجاً عظيماً وقد أتت الشريعة بنفي الحرج ورفعه.
قال: (أو مطلبي) المطلبي: نسبة إلى المطلب بن عبد مناف أخي هاشم بن عبد مناف، فلعبد مناف: هاشم والمطلب ونوفل وعبد شمس.
فلا تحل الزكاة لبني هاشم ولا تحل أيضاً لبني أخيه المطلب أما بنو عبد شمس وبنو نوفل فإنها تحل لهم اتفاقاً – هذا ما ذكره المؤلف وهو مذهب الشافعي.

واستدلوا: بما ثبت في مسلم: أن جبير بن مطعم – وهو من بني نوفل ابن عبد مناف قال: (مشيت أنا وعثمان بن عفان " وهو من بني عبد شمس ابن عبد مناف " إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقلنا: يا رسول الله إنك قد أعطيت بني المطلب من خمس خيبر وتركتنا ونحن وهم بمنزلة واحدة) 1 أي بمنزلة واحدة منك فجبير من بني نوفل بن عبد مناف وعثمان من بني عبد شمس فهم بمنزلة واحدة من بني المطلب أي تخصيصك لبني هاشم هذا لا غرابة فيه فأنت من بني هاشم، لكن إعطاءك لبني المطلب ونحن وهم بمنزلة واحدة منك هذا أوجد عندنا شيئاً من الاستغراب فنحن نطالب بذلك لما في ذلك من الشرف والمنزلة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد) وذلك لأن بني المطلب كانت لهم نصرة عظيمة لبني هاشم في الجاهلية والإسلام، فإنهم قد نصروهم في الشعب وغيره.
بخلاف بني عمهم من عبد شمس ونوفل فإنهم قد خذلوهم في الشعب وفي غيره ولذا لهذه النصرة العظيمة راعى النبي صلى الله عليه وسلم حق بني المطلب فأعطاهم من الخمس الذي هو لذي القربى قالوا: فكما لبني المطلب في الخمس فليس لهم نصيب من الزكاة فلا تحل لهم الزكاة.
وقال جمهور العلماء، وهو رواية عن الإمام أحمد واختار هذا القول شيخ الإسلام: أن بني المطلب تحل لهم الزكاة.
واستدل بعمومات الأدلة الشرعية الدالة على إعطائها للفقير والمسكين وغيرهم ممن تقدم ذكرهم من الأصناف وبنو المطلب يدخلون في هذه العمومات ولا دليل على استثنائهم فقد صحت الأدلة باستثناء آله وهم بنو هاشم ولم يصح دليل على استثناء بني المطلب.

قالوا: وأما قوله: (إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد) فإن هذا في الخمس لمقتضى النصرة التي قاموا بها لبني هاشم أما الزكاة فإنه لا معنى لاختصاصهم عن بني عبد شمس وبني نوفل، هذا هو القول الراجح وأن بني المطلب تحل لهم الزكاة.
قال: (ومواليهما) أي موالي بني هاشم وموالي بني المطلب لما ثبت في مسند أحمد وسنن أبي داود والترمذي والنسائي بإسناد صحيح عن أبي رافع – وهو مولى النبي صلى الله عليه وسلم فهو من موالي بني هاشم قال: (بعث النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقة رجلاً من بني مخزوم) وهذا يدل على أن سائر فروع قريش من بني مخزوم وغيرهم تحل لهم الزكاة فإنه قد جعله عاملاً على الصدقة فقال: (اصحبني حتى تنال منها) أي من الزكاة على العمل فسألت النبي صلى الله عليه وسلم: (فقال: لا، مولى القوم من أنفسهم وإنها لا تحل لنا الصدقة) 1 فدل على أن مولى القوم - أي عتيقهم - أنه من أنفسهم فمولى بني هاشم من أنفسهم فلا تحل لهم الزكاة.
وقد تقدم أن ذوي قرابته لا يحل لهم العمل على الصدقة بأجرة، أما إذا كان من الفيء فإن ذلك لا بأس به.

واعلم أن ما تقدم من منع بني هاشم ومواليهم من الصدقة إنما هو ما كان لمصلحة أنفسهم أما ما يدفع إليهم للمصلحة العامة كأن يكون أحدهم غازياً أو مصلحاً ذات البين أو مؤلفاً قلبه فإنه يعطى من الزكاة إذ لا فرق بين بني هاشم وغيرهم في هذا، وهو إنما يعطي حينئذ للمصلحة العامة، والمصلحة العامة المقصود إيجادها سواء كانت لهاشمي أو غيره فالمنع المتقدم حيث كان لمصلحة نفسه في عمل على الصدقة أو كان فقيراً أو مسكيناً أو غارماً لمصلحة نفسه، وأما إن كان غارماً لمصلحة غيره كالمصلح ذات البين أو كان مؤلفاً قلبه على الإسلام أو كان في سبيل الله غازياً فإن الصدقة تدفع إليه.
قال: (ولا إلى فقيرة تحت غني منفق) إذا كانت الزوجة فقيرة لا مال لها لكن زوجها غني ينفق عليها، فلا تحل لها الزكاة لاستغنائها بزوجها وكذلك الولد الذي لا مال له ولا عمل ووالده ينفق عليه فلا تحل له الزكاة لاستغنائه بنفقة والده وهكذا.
فكل من ينفق عليه فلا تحل له الزكاة لوجود من ينفق عليه واستغنائه بذلك.
قال: (ولا إلى فرعه وأصله) لا تحل الزكاة إلى الفروع، والفروع هم أولاده وإن نزلوا أي أولاده الذكور وأولاده الإناث، وأولاد الذكور وأولاد الإناث وإن نزلوا، الوارث منهم وغير الوارث فبنت البنت لا تحل لها منه الزكاة وإن كانت غير وارثة وغير منفق عليها.
وكذلك الأصول، والأصول هم الوالدان وإن علوا، أمه وأبوها وأمها وإن علوا، وأبوه وأبو أبيه وأم أبيه وهكذا وإن علوا الوارث منهم وغير الوارث.
وقد أجمع العلماء على أن الولد والوالد والزوجة لا تحل لهم الزكاة، حكى إجماعهم ابن المنذر وغيره.
وظاهر كلام الفقهاء أن الصدقة لا تحل للأصول ولا الفروع مطلقاً، وجبت النفقة عليهم للإرث أم لم تجب وسواء كان قادراً على النفقة عليهم أو غير قادر عليها.

فمثلاً: رجل عنده بنات ابنته لا تحل لهن الزكاة منه وإن كان غير قادر على الإنفاق عليهن كأن يكون عنده من يعول.
وظاهر كلامهم أيضاً: أنه ولو لم تجب عليه النفقة فإنه لا يجب أن ينفق على بنات بناته أو أبنائهن لعدم الإرث كما لا يجب على أبي أمه لعدم الإرث، هذا ظاهر كلامهم.

  • واختار شيخ الإسلام: أن الزكاة حينئذ تحل، وهو رواية عن الإمام أحمد.
    قال رحمه الله: إن كان غير قادر على الإنفاق على أصوله وفروعه كأن يكون عنده أبوه وأمه وهو غير قادر على الإنفاق عليهم مع وجود أولاده وزوجته ومن ينفق عليهم.
    أو كان قادراً على الإنفاق لكن النفقة لا تجب عليه في الأصل وإنما أوجبت عليه باضطرارهم إلى ذلك فأولاد البنت لا تجب عليهم النفقة في الأصل، لكن إذا اضطروا إلى نفقة جدهم من أمهم فإن الراجح أنه يلزم بالإنفاق لكن النفقة في الأصل لا تجب فاختار شيخ الإسلام أنه حينئذ يحل له دفع الزكاة لهم قال: لأن المانع من إجزاء الزكاة دفعاً لهم هو خوف تهربه من النفقة الواجبة عليه وهنا لا نفقة فحيث كان غير قادر على الإنفاق فلا نفقة، فإن لم يعطهم من الزكاة بقوا لا منفق عليهم.
    وإذا كان لا يجب عليه الإنفاق عليهم فكذلك فإنه حينئذ يصرف الصدقة إلى البعيد وهؤلاء أقرب إليه ولا يجب عليه أن ينفق عليهم.
    وهذا القول الراجح وأن من عنده أحد من أصوله أو فروعه وهو غير قادر على الإنفاق عليه – فعنده رأس مال تجب فيه الزكاة لكن ما يأتيه من هذا المال لا يكفي إنفاقه على نفسه وولده وزوجه ووالديه، فيحتاج حينئذ إلى أن يدفع إلى والديه الزكاة وينفق عليهم منها فإن ذلك جائز.
    وكذلك [من] لا يجب عليه أن ينفق عليهم في الأصل كغير الورثة من أصوله وفروعه.
    هذا هو الراجح؛ لأن المانع من صحة دفع الزكاة لهم هو وجوب الإنفاق وهنا لا تجب النفقة فصحت الزكاة حينئذ ولدخولهم في عمومات الأدلة الشرعية، ولا مانع يمنع من صحة الزكاة لهم.

أما الحواشي: فاتفق الفقهاء على أن ذوي الأرحام وهم غير الورثة – يصح أن يعطوا من الزكاة كبنت الأخ وبنت الأخت أو العمة أو الخالة يصح أن يعطوا من الزكاة لأنهم غير وارثين فلا تجب عليهم النفقة حينئذ.
هذا في حكم الحواشي من غير الورثة.
أما الحواشي من الورثة كالأخ وابن الأخ والعم فاختلف أهل العلم في صحة دفع الزكاة لهم على قولين: القول الأول: أن الزكاة لا تصح لهم، وهو المذهب وهو قول الشافعية.
قالوا: لأن النفقة تجب عليهم فإذا أعطاهم من الزكاة كان ذلك تهرباً من النفقة الواجبة عليهم.
2- وذهب الأحناف وهو رواية عن الإمام أحمد: إلى أن الزكاة يجوز دفعها إليهم، وذلك لأن النفقة لا تجب لهم أصلاً فلا يجب على الأخ أن ينفق على أخيه أو ابن أخيه ولا على عمه فلا تجب النفقة عليهم أصلاً وإنما يوجب عند الضرورة فإذا اضطروا إلى نفقته أوجبناها في الضرورة وهنا - وهم يمكن أن يأخذوا من الزكاة – فلا ضرورة فالنفقة لا تجب عليهم أصلاً إلا إذا وقعت الضرورة والحاجة الماسة إلى ذلك وحيث كانوا يمكن أن يأخذوا من الزكاة فلا ضرورة، وهي الرواية الظاهرة عن الإمام أحمد كما قال ذلك الموفق.
وهذا القول هو الراجح وهو مقتضى كلام شيخ الإسلام المتقدم.
واعلم أن ما تقدم في النفقة التي يحتاج إليها من طعام وشراب ونحو ذلك.
أما الدين: فإن أصح قولي العلماء في هذه المسألة وهو أصح الوجهين في مذهب الإمام وهو اختيار شيخ الإسلام أن الدين يجوز أن يقضيه من زكاته وإن كان يجب أن ينفق.

فالوالد يجوز أن يقضي دين ولده، وذلك لأن قضاء الدين ليس من النفقة الواجبة على المنفق، فالواجب عليه أن ينفق عليه ما يحتاج إليه في طعامه وشرابه وسكناه ونحو ذلك وفي ملبسه ومنكحه وغير ذلك، وأما قضاء الدين فلا يدخل في باب النفقات ولذا صرح فقهاء الحنابلة بأنه يجوز أن يعطي الوالد ولده مالاً يغزو به أو غير ذلك من المصالح العامة وذلك لأنها لا تدخل في النفقة والعلة المتقدمة أن الزكاة إنما تمنع تهرباً من النفقة وهنا لا نفقة واجبة.
فعلى ذلك الراجح أنه يجوز للوالد أن يقضي دين ولده أو دين زوجته أو غير ذلك ممن ينفق عليهم؛ لأن ذلك غير داخل في النفقة الواجبة لكن إذا كان الدين بسبب إهماله في النفقة، كأن يكون على الابن دين في نكاحه أو في مسكنه وهو محتاج إلى نفقة والده، أو يكون على الزوجة دين بسبب عدم قيام الزوج بالنفقة فإن قضاء دينها من الزكاة لا يجوز؛ لأنه يجب عليه أن ينفق وهذا داخل في النفقة لكن الدين الخارج عن النفقة هو الذي يجوز أن يقضيه من الزكاة.
قال: (ولا إلى عبد) لاستغنائه بنفقة سيده، فإن السيد يجب أن ينفق على عبده.
قال: (وزوج) هذا أحد القولين في المذهب، وأن الزوجة لا يحل لها أن تعطي زوجها زكاتها سواء كانت من حلي على القول بالزكاة به أو غير ذلك.

والقول الثاني في المذهب: أن الزكاة يجوز أن يعطي الزوج من الزوجة، وهذا هو القول الراجح؛ وذلك لأن الزوجة لا تنفق على زوجها فلا معنى لمنعها من إعطائه زكاتها والزوج داخل في العمومات التي فيها أصناف من تحل له الزكاة كما تقدم فهو إن كان فقيراً أو مسكيناً فهو داخل في عموم قوله: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ وقد ثبت في البخاري عن أبي سعيد: أن زينب امرأة ابن مسعود أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: (يا رسول الله إنك قد أمرت اليوم بالصدقة وكان عندي حلي فأردت أن أتصدق به فزعم ابن مسعود أنه وولده أحق من تصدقت به عليهم فقال: صدق ابن مسعود زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم) 1 . فلها أن تتصدق على زوجها ولها أن تتصدق على ولدها؛ لأنها لا يجب عليها أن تنفق على ولدها وإنما يجب ذلك على الوالد.
قال: (وإن أعطاها لمن ظنه غير أهل فبان أهلاً أو بالعكس لم يجزئه) رجل أخذ زكاة ماله فأعطاها هاشمياً أو غنياً أو نحو ذلك وهو يعتقد ذلك ويعلم أن هذا ليس من أهل الزكاة فلا يجزئه وإن ثبت له بعد ذلك خطأ ظنه.
فمثلاً: أعطاها غنياً وهو يعلم أنه غني فبان فقيراً فلا يجزئه هذه الزكاة؛ وذلك لأن من شرط الزكاة النية وهنا النية غير جازمة لأنه أعطاها من يعتقده ليس أهلاً وحينئذ لم ينوها زكاة؛ لأن الزكاة إنما تدفع للأصناف الثمانية كما لو صلى صلاة بظن أن الوقت لم يدخل فتبين دخوله فإنها لا تجزئه كما تقدم، فكذلك هنا.
(أو بالعكس) رجل أعطى زكاته من يظن أنه من أهل الزكاة، كأن يرى رجل فظن أنه ليس من بني هاشم أو نحو ذلك فأعطاه الزكاة ثم بان بعد ذلك على خلاف هذا، فإنها لا تجزئه.
قالوا: لأن الذمة لا تبرأ إلا بدفعها إلى أهلها وقد ثبت أن هذا ليس من أهلها.
وقال بعض الحنابلة: بل تجزئ عنه قياساً على الغني.

فالمسألة هنا – فيما سوى الغني – كأن يدفعها إلى هاشمي أو إلى عبد أو إلى وارث يظنه بخلاف ذلك ممن هم من أهل الزكاة ثم تبين له أنه هاشمي أو عبد أو وارث – فهنا قالوا: لا يجزئ.
وقال بعض الحنابلة: بل تجزئ قياساً على الغني.
فالغني – عند الحنابلة - إن أعطى من الزكاة ظناً أنه فقير فثبت غناه، فإن الزكاة تجزئ.
واستدلوا: بقوله صلى الله عليه وسلم: (إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب) 1 قالوا: فهذا يدل على أنها إن أعطيت الغني بظن أنه فقير فإنها تجزئ وإن تبين أنه غني بعد ذلك.
وقال بعض الحنابلة: بل لا يجزئ أيضاً إن دفعت إلى الغني ظناً أنه فقير وتبين غناه، لأنها لم تدفع إلى أهلها فلم تبرأ بها الذمة.
2 إذن: المشهور عند الحنابلة: أنها إذا دفعت إلى من ليس أهلاً لها سوى الغني فإنها لا تجزئ، وإن دفعت إلى الغني فإنها تجزئ.
قالوا: وإنما فرقنا بين الغني وغيره لخفاء الغني وظهور غيره، فإن النسب ظاهر والعبودية ظاهرة، والإرث ظاهر وأما الغنى فإنه يخفى غالباً.
وقال بعض الحنابلة: بل لا تجزئ مطلقاً.
وقال بعضهم بل تجزئ مطلقاً.
فعندنا ثلاثة أقوال للحنابلة.
والذي يظهر: أنه إن اجتهد وتحرى فأعطاها من يظنه أهلاً بعد التحري والاجتهاد فإنها تجزئ؛ لأنه قد فعل ما يجب عليه وقد قال تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ (3) وقال - صلى الله عليه وسلم -: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) 3 وقال تعالى: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ 4 وقد قام بوسعه وطاقته وقدرته فسقط عنه الواجب فبرأت بها الذمة – وهذا مطلقاً في الغني وغيره.

أما إذا لم يتحر ولم يجتهد فإن ذمته لا تبرأ لأنه مأمور بإعطائها أهلها، وهو لم يعطهم إياه، فلا تجزئه إلا أن يعطيها أهلها وحينئذ فيجب عليه الرجوع أو أن يخرجها من ماله.
فإذن يجب عليه الرجوع على من أعطاها إياه؛ لأنها لا تحل له ويحكم له القاضي بذلك لأنه أخذ مال بغير حق فيحل له الرجوع بل حتى إذا دفعها إلى من ليس بمستحق وثبت أنه غير مستحق فمع القول بالإبراء – حيث اجتهد وتحرى – فإن الرجوع واجب لإعطائها أهلها فهي محض حق الفقير وقد صرفت إلى الغني فوجب حينئذ الرجوع.
قال: (وصدقة التطوع مستحبة) إجماعاً والأدلة من القرآن والسنة ظاهرة في هذا.
قال: (وفي رمضان أفضل) لما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة) 1 ويتوجه أن تكون الصدقة في عشر ذي الحجة أفضل لصريح قوله صلى الله عليه وسلم: (ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه العشر) 2 والصدقة من ذلك.
قال: (وأوقات الحاجات أفضل) فعندما يصاب الناس بحاجة وفقر ومسغبة فإن الصدقة حينئذ أفضل، فهي أفضل منها في الأزمنة الفاضلة وذلك لتعلقها بالمحتاج نفسه.

فإن الصدقة في الأزمنة الفاضلة متعلقة بالزمان، وأما في أوقات الحاجات فهي متعلقة بالمحتاج نفسه فكانت أفضل، فالصدقة في أوقات الحاجات أفضل من الصدقة في رمضان وفي عشر ذي الحجة وفي غير ذلك وقد قال تعالى: ﴿أو إطعام في يوم ذي مسغبة﴾ 1 أي في حاجة وفقر.
قال: (وتسن بالفاضل عن كفايته ومن يمون) فيسن له أن يتصدق بما يفضل عن حاجته هو وحاجة من يمون، لما ثبت في البخاري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول) 2 أي أفضل الصدقة ما كان زائداً على حاجتك وحاجة من تمون، وقد تقدم أن الغنى هو الكفاية، فما فضل عن الكفاية فهو خير الصدقة.
أما أن يتصدق بما يلحقه أو يلحق من يمون ضرراً فإن ذلك محرم.
ولذا قال المؤلف: (ويأثم بما ينقصها) أي بما ينقص المؤنة، أي مؤنته ومؤنة من ينفق عليهم.
فإذا تصدق وأضر بنفسه وبمن ينفق عليهم فإن ذلك محرم لما ثبت في المسند وسنن أبي داود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت) 3 وقال - صلى الله عليه وسلم -: (لا ضرر ولا ضرار) 4 . لكن يستثنى من ذلك: من كان من أهل اليقين والصبر وكانت أيضاً عائلته على هذه الصفة، فإنه وإن أنفق ماله كله مع رجاء رزق الله - عز وجل - ورجاء الخير فإن ذلك لا حرج فيه، فقد ثبت في مسند أحمد وأبي داود والترمذي بإسناد صحيح: أن أبا بكر: (أتى بماله كله للنبي - صلى الله عليه وسلم - وقال له: ما أبقيت لأهلك فقال: أبقيت لهم الله ورسوله) 5 فهذا يدل على جواز ذلك.

واعلم أن السنة في الصدقة الإسرار قال تعالى: ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم﴾ 1 . وقد ثبت في أبي داود بإسناد جيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة) 2 . وقد ثبتت الأدلة بفضيلة الإسرار بالقرآن أي بين الناس وأن المصلي يناجي ربه فلا يجهر بعضكم على بعض في القرآن كما ثبت هذا في مسند أحمد وغيره بإسناد صحيح (3) . وقد قال صلى الله عليه وسلم في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: (ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) 3 . لكن إن اقتضت المصلحة الجهر فهو مستحب كأن يأمن على نفسه من الرياء ويأمن على الفقير من ظهور حاجته إلى الناس ونحو ذلك ويكون في ذلك مصلحة الاقتداء ونحوه فإن ذلك يكون أفضل.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم – كما في الصحيح – فيمن تصدق أمام الناس وكان قدوة في ذلك: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة) 4 . والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
والحمد لله رب العالمين.

تم بحمد الله تعالى شرح كتاب الزكاة من زاد المستقنع، لفضيلة الشيخ: حمد بن عبد الله الحمد، حفظه الله تعالى ونفع به.
5

فصول الكتاب · 11 فصل · 298 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للحمد · 298 صفحة
المقدمة
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب المناسك
كتاب الجهاد
كتاب الوصايا
كتاب الوصايا
كتاب الفرائض
كتاب الطلاق
كتاب الحدود
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل