شرح زاد المستقنع للحمدصفحات 41-80
أهل الأثرالأرشيف العلمي

فإذا سرق عرضاً يساوي ربع دينار، ثم نقضت قيمته بعد ذلك عن ربع دينار، فإنه لا يسقط القطع فالعبرة بالقيمة وقت الإخراج لأنه هو وقت السرقة والقطع وجب بسبب السرقة.
قال: [أو ملكها السارق لم يسقط القطع] . ?????إذا قال المسروق منه وقد وهبتها له أو قال السارق اشتري هذا منك وأسلم من القطع، فإنه لا يسقط?القطع.
ويدل عليه: ما ثبت عند الخمسة إلا الترمذي في قصة صفوان بن أميه لما سرق منه وفيه أنه أتى النبي - صلى الله عليه وسلم -??لما أمر بقطع السارق فقال: يا رسول الله لم أرد هذا، وردائي له صدقة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -????هلا كان هذا قبل أن تأتيني به) . ?فقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم -?بقطعه وإن كان قد وهبه إياه بعد ثبوت الحد.
أما قبل رفعه إلى الحاكم فإنه يسقط عنه ذلك لقوله - صلى الله عليه وسلم -????تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حدٍ فقد وجب) . قال: [وتعتبر قيمتها وقت اخراجها من الحرز] . ???تقدم الدليل على هذا.
قال: [فلو ذبح فيه كبشاً أو شق فيه ثوباً فنقصت قيمته عن نصاب ثم أخرجه.. لم يقطع] . فلو كان الكبش في الحرز يساوي ربع دينار فذبحه وقطعه لحماً ثم أخرجه من حرزه فإنه لا يقطع لأنه لم يخرجه نصاباً.
أو أخذ الثوب الذي يساوي ربع دينار فقطعه في حرزه ثم أخرجه فهذه القطع لا يساوي إلا درهماً وكانت قبل ذلك لا تساوي دراهم كثيرة، فإنه لا يقطع لأنه لم يخرج في الحرز نصاباً.
قال: [أو تلف فيه المال لم يقطع] . ??إذا دخل على مالٍ في حرزه فأتلفه، كأن يدخل على الشاة في حرزها فيقبلها فإنه لا يقطع لأنه لم يسرق فإنه لم يخرج المال من حرزه.
أما هذه فظاهره.
وأما الأوليان فلا يخلوان من نظر.
ولا?شك أنها حيلة لا سيما في الشاة فإنه قطعها لحماً إلا أن يقال: النظر إلى ماليتها وهي لا تساوي ربع دينار حينئذ.
ولم أر في هذه المسألة خلافاً فالله أعلم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وأن يخرجه من الحرز] .

هذا هو الشرط الثالث من شروط الحد في السرقة وهو أن يخرجه من الحرز.
??والحرز هو الحفظ أي أن يخرجه مما حفظ منه.
وهذا شرط عند عامة العلماء، ودليل ذلك ما ثبت في سنن أبي داود والنسائي، والحديث إسناده جيد ??أن النبي - صلى الله عليه وسلم -?سئل عن التمر المغلف الحديث ومنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -?قال: (فإن خرج بشيء منه بعد أن يؤيه الجرين) وهو الموضع?الذي يحفظ فيه التمر، فبلغ ذلك ثمن المجنّ ففيه القطع.
فدلّ هذا على اشتراط الحرز.
قال: [فإن سرقه من غير حرز فلا قطع] . ??وذلك لاختلال هذا الشرط، وهو الحرز كأن يجد الباب مفتوحاً فيأخذ من الدار، وتجد الخزينة في الدار مفتوحة والباب مفتوح فيأخذ من الخزينة فلا?قطع وذلك لعدم الحرز.
قال: [وحرز المال: ما العادة حفظه فيه] . ???فالشرع لم يحدد حداً في الحرز، وعليه فيرجع فيه إلى العادة فما كان في العادة حرزاً فهو حرز يقطع معه.
قال: [ويختلف باختلاف الأموال والبلدان وعدل السلطان وجوره وقوته وضعفه] . ??يختلف الحرز باختلاف الأموال فليس حرز الذهب كحرز الماشية.
ويختلف باختلاف البلدان فليست البلدان التي يكون فيها الشرع مطبقاً ويكون فيها الأمن ظاهراً بخلاف البلدان التي يضعف فيها تطبيق الشرع، ويضعف فيها قيام الحاكم بما يجب عليه في أمن الناس من إزالة خوفهم.
فالبلد الواحدة تختلف مواضعها فليس الحرز في المدن الكبار كالحرز في المدن الصغار، وليس هو في المدن الصغار كالقرى والهجر وهكذا.
??كذلك يختلف باختلاف عدل السلطان وجوره وقوته وضعفه فإذا كان السلطان عادلاً فإن الناس يخافون من إقامة الحدود الشرعية ويعلمون أن الشفاعة لا تنفع فيرتدعون عن السرقة، وحينئذ يكون الحرز يثبت بأدنى ما يكون بخلاف ما لو كان السلطان جائراً فإنا نحتاج إلى حرز أعظم.
كذلك يختلف باختلاف قوة السلطان وضعفه، فإذا كان السلطان قوياً صارماً حازماً بخلاف ما لو كان متساهلاً.

ثم ضرب للحرز أمثلة فقال: ??فحرز الأموال والجواهر والقماش في الدور والدكاكين والعمران وراء الأبواب والأغلاق الوثيقة] . ?الأغلاق هي الأقفال.
فهذا هو حرز الجواهر والقماش والأموال ونحوها في العادة فحرزها أن تكون في الدور المبنية ويقفل عليها.
فلو وضع إنسان ذهباً في دار غير مقفلة فإن هذا الذهب ليس بمحرز لأنه لم يوضع فيما يحفظ فيه في العادة.
قال: [وحرز البقل وقدور الباقلاء ونحوهما وراء الشرائح إذا كان في السوق حارس] . ???الشرائح: ما يوضع من القضب بعضه إلى بعض ويربط بالحبال فإذا وضعت أمثال هذه وراء الشرائح فهذا هو حرزها، إن كان في السوق حارس.
ونحو ذلك ما يوضع في الأسواق، فإن بعض المحلات تضع من الغطاء على الأواني ونحوها فهذا هو حرزها حيث وجد بعض الشرط أي الحراس.
قال: [وحرز الخشب والحطب الحظائر] . ??الحظائر معروفة وهي التي تضع من خشب، فهذه الحظائر توضع فيها الخشب والحطب وهذا هو حرزها، لجريان العادة بذلك.
قال: [وحرز المواشي الصير] . ??الصير: هي حظائر الغنم ونحوها.
فإذا وضع غنمه في حظيرة فهذا هو حرزها.
فلو وضع عند باب داره حظيرة خشب ووضع فيها أغنامه فسرق منها شيء يبلغ نصاباً فإن فيه القطع لأن هذا هو حرزها في العادة.
?قال: [وحرزها في المرعى بالراعي ونظره إليها غالباً] . ???فإذا كانت في المرعى فهذا هو حرزها بشرط أن يكون الراعي ينظر إليها في الغالب وإن كان يغيب عنها لحظات فهذا لا يؤثر أما إذا كانت غالباً تغيب عن نظره فإنها ليست في حرز.
فالقاعدة إذن أن المال إذا وضع فيما يحفظ فيه في العادة وهذا ليس له ضابط محدد بل يختلف باختلاف الأموال والبلدان وباختلاف عدل السلطان وجوره وقوته أو ضعفه فإذا ثبت أنه حرز في العادة فإنه يقطع به.
وعليه فقد يكون في هذه البلد حرز وهو في بلدٍ أخرى ليس بحرز.

قال: [وأن تنتفي الشبهة] . ??هذا هو الشرط الرابع.

وقد تقدم أن هذا شرط في الحدود، وأن أهل العلم قد أجمعوا على ذلك.
وتقدم أنه لا يؤخذ بأدنى شبهة وبأدنى احتمال، بل لابد أن تكون الشبهة ظاهرة لتقوى على درء الحد.
قال: [فلا قطع بالسرقة من مال أبيه وإن علا] . ??فإذا سرق من مال أبيه أو جده أو جد جده فلا قطع، وإن علا.
قال: [ولا من مال ولده وإن سفل والأب والأم في هذا سواء] . ????فلا يقطع إن أخذ من مال ولده أو لد ولده وإن نزل.
فلا قطع بالأخذ من مال الوالد ولا في مال الولد لولده.
والشبهة هنا وجوب النفقة، فقد تجب النفقة على الوالد.
وقد تجب النفقة على الولد لوالده، كما تقدم.
وقال بعض أهل العلم: وهو رواية عن الإمام أحمد: بل الشبهة في خصوص أخذ الوالد من مال الولد.
وأما أخذ الولد من مال الوالد فلا شبهة فيه والشبهة إنما هي في أخذ الوالد من مال ولده وهي شبهة الملك فالأب كما قال - صلى الله عليه وسلم -????أنت ومالك لأبيك) . والوالد لا يمكن أن يقطع بسبب مال ولده كما تقدم من أن الوالد لا يقتل بولده فأولى من ذلك ألا يقطع.
أما لو ظهر في الولد فقر وحاجة فحينئذ يقوى القول بالشبهة وذلك لوجوب النفقة مع فقر الولد.
أما وهو غني فيبعد حينئذ أن يقال بالشبهة.
إذن: أخذ الوالد من مال الولد ولا إشكال في أنه لا قطع فيه لحديث: " أنت ومالك لأبيك".
وأما سرقة سوى الأب من الوالدين من الولد، فكذلك لا إشكال في أنه لا قطع لأنه لا يمكن أن يكون الولد سبباً في القطع والوالد سبباً في الوجود، وأما أخذ الولد من مال الوالد فيقوي عدم القطع، حيث كان الولد فقيراً، لهذه الشبهة وهي وجوب النفقة عليه.
??وأما وهو غني فيقوى قول من قال بإقامة الحد والله أعلم.
قال: [ويقطع الأخ وكل قريب بسرقة من مال قريبه] . ???لعدم الشبهة، إلا أن يكون فقيراً والآخر ممن ركب عليه الإنفاق حيث ترجح هذا، فحينئذ يقوى القول بأنها شبهة فلا قطع.

قال: [ولا يقطع أحد الزوجين بسرقته من مال الآخر ولو كان محرزاً عنه] . لما روى مالك في موطئه: " أن رجلاً أتى بخادم له إلى عمر فقال: إن غلامي هذ قد سرق مرآة لزوجتي قيمتها ستون درهماً فقال عمر: أرسله فلا قطع خادمكم سرق متاعكم".
قالوا: فإذا كان عبد الزوج إذا سرق من الزوجة لا يقطع فأولى من ذلك الزوج نفسه.
والشبهة في ذلك قوية لأن العادة أن كل واحدٍ من الزوجين ينبسط في مال الآخر.
وقال مالك: بل يقطع للآية: ((السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما)) والذي يظهر عدم القطع للشبهة وهي انبساط كل واحد في مال الآخر في العادة.
وعليه فكذلك بعض الأخوة أيضاً إذا كانوا في دار واحدة، فالعادة فيما يظهر جارية بانبساط كل واحدٍ منهما في مال الآخر.
قال: [وإذا سرق عبد من مال سيده] . فلا قطع، قال ابن مسعود: كما روى البيهقي بإسناد صحيح "مالك سرق بعضه بعضاً فلا يقطع".
قال: [أو سيد من مال مكاتبه] . المكاتب: كما تقدم يملك فإذا سرق السيد من مال مكاتبه فإنه لا يقطع وذلك لشبهه الملك لأنه قد يعود قنا.
قال: [أو حر مسلم من بيت المال] . وفيه أثر عن عمر لكن اسناده ضعيف وهو في البيهقي الشبهة هنا هي ماله في بيت المال من حق.
وقال مالك بل يقطع لظاهر الآية الكريمة.
والذي يتبين أنه يختلف فإذا كان السلطان يعطي الناس حقوقهم فلا ينبغي أن يقال، إنها شبهة.
أما إذا كان يظلم الناس ولا يعطيهم حقوقهم فيقوي حينئذ أن يقال كالشبهة.
إذن: المشهور في المذهب: أن المسلم الحر إذا أخذ من بيت المال فإنه لا يقطع والشبهة هنا: أن لكل مسلم حقاً في بيت المال.
والقول الثاني: أنه يقطع.
والذي يترجح هو القول الأول إلا أن يكون السلطان يعطي الناس حقوقهم فيضعف هذا القول، والله أعلم.
وقد قال المؤلف: " أو حر مسلم" أما إذا كان عبداً فإنه يقطع لأنه لا حق له في بيت المال وعليه فلا شبهة له.
قال: [أو من غنيمة لم تخمس] .

الغنيمة إذا لم تخمس فلبيت المال منها خمس الخمس وعليه فإذا سرق أحد فكما لو سرق من بيت المال فلا قطع.
قال: [أو فقير من غلة وقف على الفقراء] . للشبهة فإن له حقا في ذلك.
قال: [أو شخص من مال له فيه شركة له] . فإذا أخذ أحد الشريكين من المال المشترك فيه فلا قطع للشبهة وهي هنا شبهة الملك.
قال: [أو لأحد ممن لا يقطع بالسرقة منه لم يقطع] . فإذا كان لوالده نصيب من هذه الشركة، لأنه لو أخذ من مال والده فإنه لا يقطع كما تقدم في المذهب.
فكذلك إذا كان لوالده شرك في هذا المال.
إذن: لا يقطع إذا أخذ من مال له فيه شرك أو أخذ من مال شركه لمن لا يقطع بالسرقة منه.
وهنا: مسألتان:- مسألة ظاهرة الشبهة فيها فلا يقام فيها الحد، ومسألة أخرى الشبهة فيها ضعيفة جداً.
أما المسألة الأولى: فهي السرقة في عام المجاعة، فإذا أصيب الناس بسنة أي بجدب وقحط فسرق بعضهم لما يجد من الحاجة فلا قطع عليه.
وذلك لما روى عبد الرزاق في مصنفه: أن عمر قال: " لا قطع في عام سنة" أي في عام مجاعة.
والشبهة في ذلك أن هذا السارق لا يكاد يخلو من ضرورة يجب معها على المسروق منه أن يبذل له مجاناً ما يضطر إليه وذلك لأن إحياء النفوس واجب مع القدرة.
فهذا الذي قد سرق عام المجاعة والمسروق منه قادر وعليه فيبذله لهذا الذي قد سرق واجب حيث قدر على ذلك فهذه شبهة قوية، وهذا هو المشهور في مذهب أحمد وهو قول عمر ولا يعلم له مخالف.
وأما المسألة التي في غاية الضعف بل في غاية الغرابة أن يقال باحتمال صدق دعوى السارق، وهو المشهور في المذهب إذا سرق رجل مالاً ثم قال: هو ملكي قد أودعته إياه أي المسروق منه أو رهنته إياه، أو قد أذن لي فأخذه فحينئذ نقول للمسروق منه: احلف على أن هذا الشي لك لأن جانبه أقوى فإن حلف فلا حق حينئذ للسارق لكن يده لا تقطع لاحتمال صدقه.
وحينئذ لا يعجز سارق عن مثل هذه الدعوى فيدعي أن المسروق ملكه.

وقد أبطل هذا ابن القيم غاية الإبطال وبيّن أن هذا من الحيل التي تبطل الشرع من أصله، فلا يعجز سارق أن يدعي مثل هذا وحينئذ فلا قطع.
وهذا مما تنزه عنه الشريعة الإسلامية فلا شك أن هذا من الحيل الباطلة وهذه حيلة يستطيع أن يفعلها كل سارق.
قال رحمه الله تعالى: [ولا يقطع إلا بشهادة عدلين] . ذكرين حرين اتفاقاً.
فقد اتفق العلماء على أنه لا يقطع إلا بشهادة عدلين ذكرين حرين وهي البينة فثبتت بها السرقة ويترتب عليها الحد باتفاق أهل العلم ولو كان ذمياً.
فلو شهد ذميان على ذمي بالسرقة فإن الحد لا يقام عليه فالبينة هي شهادة شاهدين عدلين مسلمين ذكرين حرين.
قال: [وإقرار مرتين] . هذا هو الطريق الثاني لثبوت السرقة التي يترتب عليه إقامة الحد وهو أن يقر بالسرقة على نفسه مرتين، فيقول: قد سرقت ثم يقول قد سرقت.
ويدل عليه ما رواه أبو داود والنسائي من حديث أبي المنذر مولى أبي ذر عن أبي أمية المخزومي قال: أُتي النبي - صلى الله عليه وسلم - بلص قد اعترف اعترافاً ولم يوجد معه متاع فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -????ما إذا لك سرقت) فقال: بلى فأعادها مرتين أو ثلاثاً- واليقين مرتين ??فأمر به فقطع ثم جيء به فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - استغفر الله وتب إليه فقال: استغفر الله وأتوب إليه، قال - صلى الله عليه وسلم -: " اللهم تب عليه ثلاثا ". هذا الحديث فيه أبو المنذر مولى أبي ذر وهو مجهول لكن الحديث ليس بمنكر، وجهالة التابعي ليست بالجهالة القوية، مع وجود شاهد له، وهو ما ثبت في مصنف عبد الرزاق وسنن البيهقي بإسناد صحيح عن علي، أن رجلاً قال له: إني سرقت فردّة، فقال: إني سرقت فقال علي: شهدت على نفسك مرتين، فأمر به فقطع.
ولا يعلم لعلي مخالف، فعلى ذلك الحديث المتقدم حديث حسن وليس بمنكر ويشهد له فعل علي ويشهد له العباس على مسألة الزنا، فالزنا بينته أربع شهادات والإقرار لابد أن يكون أربعاً.

فكذلك السرقة لابد أن يقرّ على نفسه مرتين، هذا هو المشهور في مذهب أحمد، خلافاً للجمهور.
فالجمهور قالوا: يكتفي باقرار مرة لأنه اعتراف والاعتراف يثبت بمجرد الإقرار ولو مرة واحدة.
والحجة مع أهل القول الأول لما تقدم.
فالصحيح أنه لا يقام عليه الحد إلا إذا شهد على نفسه مرتين.
إذن: لابد أن يقر على نفسه مرتين ويصف سرقة توجب الحد، فيبين الحرز ويبين قدر ما سرق، فيعلم لو توفر الشروط وكذلك في البينة فلابد وأن يشهد كل شاهد بما يوجب الحد فيصف السرقة وأنه قد سرق من حرز وأن المسروق كذا.
إذن: يثبت حد السرقة بالبينة والاعتراف.
لكن هل يثبت بطريق ثالث أم لا؟ والمذهب أنه لا طريق ثالث، بل لا يقام الحد إلا بأحدهما.
واختار ابن القيم وقال: " وهو أصح القولين" أن هناك طريقاً ثالثاً وهو: أن العين المسروقة عند السارق مع التهمة فإذا كان ممن يتهم بالسرقة ووجدت عنده العين المسروقة فيرى ابن القيم إقامة الحد عليه.
وهذا ظاهر كما تقدم في إقامة الحد على من تقيأ الخمر أو وجدت منه رائحته وإقامة حد الزنا بالحبل.
فالبينة والاعتراف خبران يحتملان الصدق والكذب، وغلبه الظن صدقهما.
وأما إذا وجدت عنده العين المسروقة فهذا نص صريح في السرقة لا يحتمل إلا السرقة كما قال ابن القيم.
لكن: فيما يظهر لو ادعي شبهة كان يدعي أنها عارية عنه فالذي يظهر أن هذا يدرأ عنه الحد، فإن الحدود تدرأ بالشبهات.
قال: [ولا ينزع عن إقراره حتى يقطع] . فلو قال: رجعت قبيل القطع فإنه لا يقطع، وذلك كما تقدم في باب الزنا.
وظاهر كلام المؤلف ولو كان اقراره تدل عليه القرائن كأن يصف السرقة وأن يكون المسروق عنده، وأن يكون المسروق منه قد فقد هذا الشيء – فلو دلت القرائن على السرقة فله الرجوع هذا هو ظاهر كلام الحنابلة.

والذي يتبين لي أن هذا الظاهر صحيح وذلك لأنه حيث اعترف فإنه تائب، وتوبته قبل أن يقدر عليه وقد قال تعالى: ((إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم)) . فهذا قد أتى تائباً ولم تقم عليه بينة تدل على سرقاته فحينئذ إن اعترف أقيم عليه الحد، فإن رجع عن اعترافه قبل ذلك منه، والله أعلم.
قال: [وأن يطالب المسروق منه بماله] . إذا ثبتت السرقة عند الحاكم ولم تثبت مطالبة بهذا المال فلا يقيم عليه الحد.
إذا أتى المسروق منه إلى الحاكم فقال: سرق مالي فعُثر على السارق فهنا يقطع ولا اشكال.
لكن إن لم يطالب المسروق منه أو كان غائباً، فهل يقام عليه الحد في الصورة الأولى، وفي الصورة الثانية هل ننتظر حتى يحضر فننظر هل يطالب أم لا؟ قولان لأهل العلم:- القول الأول: ما ذكره المؤلف هنا، وهو مذهب الجمهور قالوا لا يقيم عليه الحد إلا بمطالبة المسروق منه.
واستدلوا بحديث صفوان لما سرق رداؤه وهو متوسد عليه في المسجد فذهب بالسارق إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأمر به أن يقطع فشفع له صفوان فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: (هلا كان هذا قبل أن تأتيني) . قالوا: فيدل على أنه لا يقام إلا بالمطالبة.
والقول الثاني: وهو مذهب مالك واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية: أن الحد يقام ولو لم يطالب المسروق منه وذلك لأن الحد حق لله تعالى فيقام على السارق وإن لم يطالبه المسروق منه، فما دام وصل إلى الحاكم فإن الحد يقام عليه.
واستدل: بعموم الآية: "والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما".
ولم يشترط الله سبحانه طلب المسروق منه ولا رضاه في إقامة الحد.
وأما الحديث الذي استدلوا به، فإن الحديث قضية عين، فليس فيه أنه لو بلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - ورفع ذلك أنه لا يقيم عليه الحد.
وقد أقام الحد - صلى الله عليه وسلم - كما في حديث أبي أمية وتقدم أنه حديث حسن وأقامه علي وليس في ذلك طلب من المسروق منه.

والقول الثاني هو الصحيح وأن الحد يقام مطلقاً لأنه حق لله تعالى وعليه فلا يشترط أن يطالب بإقامة الحد.
قال: [وإذا وجب القطع قطعت يده اليمنى] . إجماعاً قال تعالى: ((والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما)) . وقد أجمع أهل العلم على أن اليد التي تقطع هي اليد اليمنى.
قال: [من مفصل الكف وحسمت] . فتقطع يده من مفصل الكف، وحسمت والحسم بأن يقطع الدم بالزيت المغلي لئلا يتزق فيموت وهذا أي الحسم واجب حفاظاً على نفسه.
فإن سرق بعد ذلك قطعت رجله اليسرى من مفصل الكعب وأبقى له عقب يطؤ به اتفاقاً وهو قول علي كما في مصنف ابن أبي شيبة.
فإن سرق ثالثة: فالحنابلة قالوا: ويحبس حتى الموت، أو يتوب، أي يعزر بالحبس وهو قول علي كما في مصنف ابن أبي شيبة بإسناد حسن.
وقال الجمهور وهو رواية عن أحمد: بل تقطع يده اليسرى فإن سرق الرابعة قطعت رجله اليمنى.
واستدلوا: بأثر عن أبي بكر وعمر في رجل سرق وهو مقطوع اليد والرجل فأمر أبو بكر أن يقطع رجله فنهى عن ذلك عمر وأشار بقطع يده، والأثر حسن.
والأشبه هو قول علي، وقد تعارضت أقوال الصحابة فالأشبه هو قول علي.
وذلك لأن الله تعالى أمر بقطع اليد واتفق أهل العلم على قطع الرجل اليسرى بعد ذلك، وليس عندنا نص يدل على القطع فالله عز وجل إنما أمر بقطع اليد فحسب، وظاهره ألا يقطع سوى اليد وحين كان كذلك فإنا لا نقول بالقطع فيما سوى ذلك إلا فيما اتفق عليه أهل العلم، واتفقوا على قطع الرجل اليسرى، قال علي في أثره، "إن قطعت لا ينبغي أن يقطع رجله ويده فيبقى لا قائمة له".
فإذا قطعت يداه فلا يمكنه أن يستطيب ولا أن يأكل ولا يشرب وإذا قطعت رجلاه جميعاً فلا يمكنه المشي فمعنى ذلك إتلاف جنس العضو.
فالذي يترجح هو ما ذهب إليه علي لا سيما في أنه قال ذلك لعمر والظاهر أن عمر أقره على ذلك والله أعلم.
فإن سرق بعد ذلك وقلنا بالقطع فهل يقتل أولاً؟

قال أبو مصعب المالكي وهو قياس قول شيخ الإسلام أنه يقتل وفي ذلك أثر رواه النسائي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتى برجل قد سرق فقال: اقتلوه، فقيل: إنه قد سرق فقال: اقطعوه ثم أتى الثانية فقال كذلك ثم أتي به الثالثة فقال كذلك ثم أتي به الرابعة فقال كذلك، ثم أتي به الخامسة فقال: "اقتلوه" لكن الحديث أنكره النسائي وأعله بمصعب بن ثابت في سننه وقال لا أرى أن في هذا الباب حديثًا صحيحاً.
فالذي يتبين أن هذا الحديث منكر إذ كيف يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في أول مرة اقتلوه والواجب قطعه.
فالذي يترجح أن هذا الحدبث منكر لكن من باب التعزير فإنه يثبت بالقتل كما قال شيخ الإسلام في شارب الخمر فمرجع ذلك إلى الإمام من حيث التعزير أما في الحكم في الأصل فلا قتل.
قال: [ومن سرق شيئاً من حرز ثمراً كان أو كثراً أو غيرهما أضعفت عليه القيمة ولا قطع] . الكثر: هو الجمّار الذي يكون في النخل.
المشهور في المذهب أن من سرق تمراً أو كثراً أو شاة من غير حرز فلا قطع لعدم الحرز، قالوا: لكن يجب عليه غرامة مثلية فالشاه شاتان، والتمر إذا كان صاعاً فصاعان، وإذا أخذ من الكثر القيمة الفلانية فعليه ضعفها.
واستدلوا: بما ثبت في سنن النسائي باسناد جيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في التمر المعلق: (من أصاب بقية من ذي صاحب حاجة غير متخذ خبنةً - وهي طرف الثوب - فليس عليه شيء ومن خرج بشيء منه فعليه الغرامة والعقوبة) . وفي رواية: " فعليه غرامة مثلية".
ونحوه في أبي داود وابن ماجه في الشاة.
قالوا: وأما سوى ذلك فليس فيه غرامة مثلية بل ضمان مثله لأن هذا هو الأصل، فالأصل هو ضمان المثل ولا يستثنى إلا ما دل عليه الحديث وهو التمر ونحوه والشاة.

وقال شيخ الإسلام واختاره ابن سعدي وهو القول الثاني في المذهب وهو ظاهر كلام المؤلف في قوله "أو غيرهما" وهو أن هذا الحكم ليس بمختص بالشاة والتمر، بل كل ما أخذ من غير حرز ففيه غرامة مثلية.
للقياس الصحيح، وللقاعدة وهي أن ما اسقطت عقوبته لمانع فإن الضمان يضاعف.
وعلى ذلك فليس مختصاً بالتمر والشاة بل هو عام في كل ما سرق من غير حرز فلما اسقطت العقوبة ضاعفنا الغرم.

" باب حد قطاع الطريق"

قطاع الطريق: وهم الذين يخيفون السبل بالقتل وأخذ المال.
والأصل في هذا الباب قوله تعالى: ((إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم)) . قال رحمه الله: [وهم الذين يعرضون للناس بالسلاح] . كالسيف والنبل ونحو ذلك.
ومثله أيضاً عند جماهير العلماء العصا والحجر، ونحو ذلك مما يتلف الأطراف ويجرح الأبدان وفيه معنى المحاربة والإفساد في الأرض.
قال: [في الصحراء أو البنيان] . فسواء كان هذا في الصحراء أو كان في البنيان أي في المدن والقوى، وهو مذهب جماهير العلماء واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.
لعموم الآية: ((إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً)) فالآية عامة في البنيان وفي الصحراء.
وقال بعض أهل العلم كما هو قول بعض الحنابلة وهو مذهب أبي حنيفة: بل في الصحراء فقط، وأما في البنيان فليسوا من المحاربين.
قالوا: لوجود الغوث في البنيان، أي من استغاث فيها أغيث بخلاف الصحراء.
والصحيح هو الأول لظاهر الآية الكريمة فهي عامة في البنيان والصحراء.
ثم إن البنيان أعظم وذلك لأن البنيان محل الأمن والطمأنينة فلا شك أن من جعل الخوف فيها، أشد وأقبح ممن جعل ذلك في الصحراء لأن البنيان موضع الأمن والطمأنينة.
قال: [فيغصبونهم المال مجاهرة لا سرقة] . فإذا كانت سرقة فكما تقدم.

لكن هنا يأخذون المال مجاهرة، يرفعون عليهم العصي والسلاح فيأخذون أموالهم.
قال: [فمن منهم قتل مكافئاً أو غيره كالولد والعبد والذمي وأخذ المال قتل ثم صلب حتى يشتهر] . فمن فيهم قتل مكافئاً أو غيره، كالوالد يقتل ولده كالحر يقتل العبد، وكالمسلم يقتل الذمي، وأخذ المال فإنهم يقتل ويصلب.
فلو أن الأب قتل ولده في الحرابة فإنه يقتل به أو قتل مسلم ذمياً كأن يخيف بعض المسلمين السُبل فيقتلون ذمياً فإن يقتلون به.
أو حراً أخاف الطريق فقتل عبداً وتقدم أن المشهور في المذهب أن الحر لا يقتل بالعبد، وأما هنا فإنه يقتل.
وذلك لحق الله تعالى، فهناك في باب القصاص هو لحق الآدمي، وأما هنا فهو لحق الله تعالى، فهو حد من الحدود فالفرق بين هذا الباب وباب القصاص:- أن باب القصاص حق للآدمي وعليه فلا يقتل الوالد بولده ولا يقتل في المشهور السيد بالعبد ولا يقتل المسلم بالذمي.
وأما هنا فهو حق لله تعالى.
ولذا فإن الله لم يرجع قتلهم إلى أولياء المقتول فهو حد فقال: ((إنما جزاء الذين يحاربون الله.. أن يقتلوا)) ولم يجعل ذلك إلى أوليائهم بخلاف آية القصاص فقد أرجع الله ذلك إلى أولياء المقتول وأن أولياء المقتول بالخيرة بين القتل والدية والعفو.
وقوله: "فمن منهم" قد يفهم من ذلك خلاف المذهب فقد يفهم أنه لو قتل واحد منهم يقتل وأما البقية فإنهم لا يقتلون.
والمشهور في المذهب خلاف ذلك فالمشهور في المذهب أن قطاع الطريق إذا قتل واحد منهم فحكمهم جميعاً القتل وإذا أخذ المال واحد منهم فحكمهم جميعاً القطع وإذا أخذ واحد منهم المال وقتل فحكمهم جميعاً القتل والصلب هذا هو مذهب الحنابلة.
وقال الشافعية: بل إنما يقتل القاتل ويقطع الآخذ.
والصحيح هو القول الأول وذلك لأن المحاربة مبناها على المنعة والمناصرة، فهو لولا هؤلاء لم يخف السبيل ولم يقتل ولم يأخذ المال.
فمن منهم قتل وأخذ المال أي جمع بين معصيتين، القتل وأخذ المال، فإنه يتقل ويصلب.

وهذا هو مذهب جمهور العلماء.
قال تعالى: ((إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض)) . وقد اختلف أهل العلم في لفظة هل هي للتنويع أم هي للتخبير؟ أي هل هذه العقوبات تختلف باختلاف الجنايات فكل عقوبة لجناية، فالقتل والصلب لجناية والقتل لجناية وقطع الأيدي والأرجل لجناية والنفي لجناية.
أم أنها للتخيير، فالإمام مخير بين هذه العقوبات فإن شاء قتل وصلب وإن شاء قتل، وإن شاء قطع الأيدي والأرجل من خلاف وإن شاء نفى من الأرض.

  1. فمذهب المالكية إلى أنها للتخيير فقالوا: مرجع ذلك إلى الإمام فإن رأى أن يقتلوا ويصلبوا فعل ذلك، وإن رأى أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف فعل ذلك، وإن رأى أن ينفوا من الأرض فعل ذلك.
  2. وقال الجمهور: بل هي عقوبات مختلفة لجنايات مختلفة فإن قتل وأخذ المال فعقوبته الجمع بين القتل والصلب وإن قتل فقط ولم يأخذ المال فعقوبته القتل فقط وإن أخذ المال ولم يقتل فعقوبته أن تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى.
    وإن أخاف السبيل ولم يأخذ مالاً فإنه ينفى من الأرض هذا هو القول الراجح ويدل عليه الأثر والنظر.
    أما الأثر: فما ثبت عن ابن عباس من غير ما وجه فهو أثر حسن فقد رواه ابن جرير الطبري والبيهقي وعبد الرزاق وغيرهم أنه قال: " إن قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإن قتلوا، ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا، وإن أخذوا مالاً ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف وإن أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالاً نفوا من الأرض" فهذا أثر ابن عباس في تفسير هذه الآية.
    أما النظر: فإن مقتضى العدل اختلاف العقوبات باختلاف الجنايات.
    وإرجاع ذلك إلى الحاكم قد يترتب عليه تضييع وعبث فلا شك من إرجاع ذلك إلى الشرع كونها مسألة منضبطة من الشارع أولى من إرجاعها إلى الحاكم لئلا يدخل فيها شئ من العبث وهذا هو القول الراجح في هذه المسألة.

فمن قتل وأخذ المال فإنه يقتل ويصلب حتى يشتهر إذن ليس هناك مدة محددة لصلبه.
والصلب معروف: وهو أن يوضع الخشب كالصليب ثم يوضع الرجل كالصليب قد ربطت كل يد بخشبه، فيصلب حتى يشتهر أمره بين الناس وينزجرون عن معصيته وليس محدداً بثلاثة أيام كما ذكر الشافعية بل مرجع ذلك إلى اشتهاره، فمتى ما اشتهر وحصلت المصلحة المقصودة من صلبه فإنه يزال عنه الصلب.
وهذا هو القول الراجح لعدم الدليل على التحديد ولأن المصلحة قد تكون في أكثر من ثلاثة أيام.
وكلام المؤلف هنا وهو المذهب فيه أنه يقتل ثم يصلب وذلك لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (إذا قتلتم فأحسنوا القتلة وصلبه قبل قتله) ليس من إحسان القتلة، وعليه فيقتل أولاً ويصلب ثانياً إحساناً لقتلته.
والقول الثاني في المسألة: وهو مذهب المالكية أنه يصلب ثم يقتل أي يكون صلبه وهو حي.
وهذا هو القول الراجح لقوله تعالى: ((إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا)) فجعل التصليب جزاءاً لهم فدل على أن ذلك عقوبة لهم فليس المقصود فيه مجرد انزجار الناس وردعهم بل المقصود أيضاً ايلامه وعقوبته على معصيته بذلك.
وقد ذكره في الإنصاف بلفظة "قيل" أي قال بعض الحنابلة يعني قولاً ضعيفاً قاله بعض الحنابلة فليس مخرجاً في المذهب.
قال: [وإن قتل ولم يأخذ المال قتل حتماً ولم يصلب] . إذا قتل بعضهم ولم يأخذ المال فعقوبته القتل بلا صلب لما نقلده في أثر ابن عباس.
قال: [وإن جنوا بما يوجب قوداً في الطرف تحتم استيفاؤه] . إذا جنى هؤلاء القطاع أو بعضهم بما يوجب قوداً أي قصاصاً كأن يقطعوا اليد من المفصل فإنه يتحتم استيفاؤه.
لكن لو جنوا بما لا يوجب القصاص كأن يقطعوا اليد من غير مفصل فهذا لا يوجب القصاص وعليه فلا يقطع طرفه للعلة المتقدمة في باب القصاص.

إذن: هنا إذا جنوا بما يوجب قوداً فإنه يتحتم استيفاؤه فليس مرجع ذلك إلى المجني عليه فيقال له: إن شئت أن يقطع طرفه وإن شئت أن تأخذ الدية، بل يتحتم استيفاؤه هذا هو أحد القولين في المسألة وهو ما ذكره المؤلف قياس على القتل.
والقول الثاني: وهو المذهب، " فالمذهب على خلاف ما ذكره المؤلف هنا" أنه لا يتحتم استيفاؤه.
وذلك لأن الله إنما ذكر القتل وهو حيث قتلوا، وقطع الطرف ليس بمنصوص عليه وكذلك الجرح، فالله إنما نص على النفس وأما ما دون النفس من الجراح والأطراف فإن الله لم ينص عليها فكانت كسائر الجنايات والأظهر القول الأول وهو ما ذكره المؤلف، قياساً على القتل، فكما أنه يتحتم قتل النفس فأولى من ذلك أن يتحتم قطع الطرف وأن يتحتم الاستيفاء في الجرح وكونه لم ينص عليه لا يمنع القياس فإنه في معنى المنصوص عليه.
قال: [وإن أخذ كل واحدٍ من المال قدر ما يقطع بأخذه السارق ولم يقتلوا قطع من كل واحدٍ يده اليمنى ورجله اليسرى في مقام واحد وحسمتا ثم خلى] . فإذا أكل واحد منهم من المال قدر ما يقطع بأخذه السارق، وهو ربع دينار فصاعداً ولم يقتلوا قطع من كل واحد يده اليمنى ورجله اليسرى.
وعليه فلو أخذوا من المال أقل من ربع دينار فلا يقام عليهم هذا الحد.
قالوا: قياساً على السرقة.
وقال المالكية: بل لو أخذ أقل من النصاب فإنه يحد وهذا هو القول الراجح للإطلاق في الآية وفي الأُمر المتقدم وما قياس الحنابلة ففيه نظر، وذلك لأنه قياس مع الفارق والفارق بين حد السرقة وحد الحرابة، أن حد الحرابة أعظم فإن فيه قطعاً لليد اليمنى والرجل اليسرى، وأما حد السرقة فهو أخف، فكان قياساً مع الفارق فلا يصح أن يقاس الأعظم بالأخف.
وتقطع يد كل واحد اليمنى ورجله اليسرى في مقام واحد لظاهر الآية، فظاهرها أن ذلك يكون في مقام واحد ولأن في عدم جعلهما في مقام واحد، بأن تقطع يده اليمنى اليوم ورجله اليسرى غداً في ذلك تعذيباً له.

وتقطع اليد اليمنى من مفصل الكف، وتقطع الرجل اليسرى مع الكعب مع إبقاء العقب اليمنى عليه، أي كالقطع في السرقة.

[وحسمتا] بالزيت المغلي.
[ثم خلي] سبيله لأنه قد استوفى منه فلا يسجن إذ لا دليل على ذلك.
قال: [فإن لم يصيبوا نفسًا ولا مالاً يبلغ نصاب السرقة نفوا بأن يشردوا فلا يتركون يأوون إلى بلد] . إذا أخافوا السبيل، ولم يأخذوا مالاً وعلى المذهب لو أخذوا مالاً دون النصاب فكذلك نفوا بأن يشردوا فلا يتركون يأوون إلى بلاد، بمعنى ينفون متفرقين في الصحاري ولا يقرون في بلد حتى يتوبوا.
وهذا هو أحد أقوال أهل العلم في المسألة، وأنهم لا يقرون في بلد حتى يتوبوا، فمثلاً ثبت للحاكم، أنهم ذهبوا إلى الرياض فإنه بأمر بإخراجهم منها، وإذا نزل في القصيم فإنه يأمر بإخراجه منها وهكذا حتى تظهر توبته.
قالوا: لقوله تعالى: ((أو ينفوا من الأرض)) قالوا: فظاهره حتى ينفوا من الأرض كلها فلا يقرون في أرض.
وقال الأحناف بل يحبسون، وهذا في الحقيقة في معنى النفي من الأرض لأن السجين ليس في الدنيا فكما لو نفي من الأرض، لكن ظاهر الآية يخالف ذلك.
وقال مالك: ينفى من البلد الذي قطع فيه الطريق إلى بلد آخر ويسجن، وهذا فيما يظهر أصحها.
وأما كونه ينفى من الأرض فلظاهر الآية وعلى ذلك فقوله (ينفوا من الأرض) أي الأرض المعهودة وهذا حيث لم نقل بالسجن لكن لو قلنا بالسجن وهو الراجح فيكون المعنى ينفوا من الأرض كلها فإذا أخرجوا من بلد إلى آخر فقد حصل النفي، وإذا سجنوا فقد فعلنا ما نستطيع لأن الله أمر بنفيهم من الأرض وعندما نحشرهم في موضع واحد نكون قد فعلنا ما نستطيع فلم يقروا في أرض إلا الأرض التي لا يمكن أن يخرجوا منها إلا بالموت وهذا أظهر الأقوال وهو اختيار ابن جرير.

وأما كونه يسجن: فلأنه إذا سجن فقد اخرج من الأرض كلها كما تقدم إلا الأرض التي هو فيها حيث لا سبيل لنا إلى إخراجه منها فقد فعلنا ما نستطيع وهذا تفسير ابن جرير لهذه الآية.
وأما ما ذهب إليه الحنابلة: فقد تترتب عليه بعض المفاسد كخروجهم إلى أرض الكفار فيكونون محاربين للإسلام.
أو أن يكون الأمن أضعف مما ينبغي فيعودون إلى قوتهم مرة أخرى.
مسألة: ما حكم أخذ الإتاوة وهي الضريبة التي كانت تؤخذ مقابل المرور بمنطقة معينة؟ الأظهر أن يقال: فيه تفصيل:- فإذا كانت الأرض لهم فتكون حينئذ شبهة فتكون كالجمارك التي تؤخذ الآن، فليسوا من قطاع الطريق وإن كان هذا لا يحل لكنها تكون من باب المكوس ولا تكون من باب أخذ المال على سبيل قطع الطريق لأنهم يقولون نحن لا نخيف بل نحفظ لهم وأما إذا كانت الأرض ليست لهم فإنه لا يتبين أنها شبهة وحينئذ يكونون قطاع طريق.
وشيخ الإسلام ابن تيمية يقولون: هؤلاء مكاساً ولا يعتبرون قطاع طريق قال: لأنهم لا يقصدون قطع الطريق بفعلهم فأطلق رحمه الله ولم يفرق بين ما إذا كانت البلدة لهم أو لم تكن لهم.
لكن فيما يظهر التفصيل المتقدم فيه قوة.
مسألة: هل يجوز لنا أن نخدر اليد عند القطع أم لا؟ الأظهر: أنه يجوز ذلك في حد السرقة لأن المقصود من قطع اليد لا إيلام السارق قال تعالى: ((فاقطعوا أيديهما)) . وكذلك هنا لان المقصود هو القطع.
لكن إذا قطع طرف رجل آخر فلا يجوز لنا أن نخدر يده عند القطع وذلك للمثلية لأنه إذا بنج فإنه لا يشعر بالألم كما شعر به المجني عليه، فإذن: في باب القصاص لا يجوز ذلك، وفي باب القطع يجوز ذلك.
قال رحمه الله: [ومن تاب منهم قبل أن يقدر عليه سقط عنه ما كان لله من نفي وقطع وصلب وتحتمِ قتلٍ] . ومن تاب منهم يعني قطاع الطريق قبل أن يقدر عليه سقط عنه ما كان لله من نفي وقطع وصلب وتحتم قتل وهذه أحكام قاطع الطريق كما تقدم.
وأما إن تاب من بعد القدرة عليه فإن حد الحرابة يقام عليه.

قال: [وأخذ بما للآدميين] . وذلك لأن حقوق الآدميين محفوظة لأن مبناها على المشاحة.
قال: [من نفس وطرف ومال إلا أن يعفى له عنها] . فإن قتل أحد منهم نفساً فإنه يقتل إلا أن يفعوا الأولياء أو يقبلوا الدية.
وإن أخذوا مالاً ففيه الضمان.
وإن قطعوا طرفاً فإن الطرف يقطع إلا أن يعفى له عنها.
إذن: من تاب منهم قبل القدرة عليه فإن حق الله يسقط وأما حق الآدميين فمبنية على المشاحة.
وهل هذا الحكم خاص في حد الحرابة أم هو عام في سائر الحدود؟ قولان لأهل العلم:- القول الأول: وهو مذهب الجمهور قالوا: هو خاص في حد الحرابة، وهو مذهب المالكية والأحناف وأحد القولين في مذهب الشافعي وهو رواية عن أحمد.
فلو أن رجلاً زنا ثم تاب قبل أن يقدر عليه ثم ثبت عليه الحكم فإن الحد يقام عليه.
ولو أن رجلاً سرق ثم تاب قبل أن يبلغ ذلك الحاكم، ثم بلغه ذلك بعد توبته فإنه يقام عليه الحد.
واستدلوا: بعمومات الأدلة: (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحدٍ منهما مائة جلدة) . (السارق والسارقة فاقطعوا أيدهما) قالوا: وهذه العمومات تدل على أن هذا الحد لا يسقط بالتوبة.
قالوا: ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - رجم ماعزاً والغامدية، وكانا تائبين.
والقول الثاني: وهو مذهب الحنابلة في المشهور عندهم، وهو المعتمد في مذهب الشافعية واختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم أن الحد لا يقام عليه كحد الحرابة.
ومما استدلوا به.
القياس على حد الحرابة.
واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين أن رجلاً قال يا رسول الله إني أصبت حداً فأقمه علي فقال: أصليت معنا، قال: نعم، فقال: قد غفر الله لك.
ولقوله - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه ابن ماجه وهو حديث حسن: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) فدل على أنه مساوٍ لمن لا ذنب له، ويدخل في ذلك عدم إقامة الحد عليه.
قالوا: وأما ما استدل به أهل القول الأول: فهي عمومات مخصوصة بالأدلة التي ذكرناها.
وأما استدلالهم برجم ماعز والغامدية.

فالجواب عنه: أنهما كانا طالبين لذلك مريدين له، ومن ثم أقامه النبي - صلى الله عليه وسلم - عليهما، فإن الحد مطهر والتوبة مطهرة وهما اختارا الحد، ويدل على هذا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في ماعز لما فر: "هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه" فدل على أنه لا يتعين إقامة الحد، وإنما أقامه النبي - صلى الله عليه وسلم - لاختيارهما ذلك.
وعليه فإذا اختار صاحب المعصية إقامة الحد، فإن الحاكم يقيم عليه الحد.
والراجح ما ذهب إليه الحنابلة وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وأن الحدود عامة تسقط بالتوبة.
وأصح القولين وهما أحد الوجهين في مذهب أحمد، أنه لابد أن يظهر منه ما يدل على صدق التوبة من صلاح العمل.
ويدل على هذا قوله تعالى: (فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه) فقال سبحانه: "وأصلح" فدل على أن التوبة لابد أن يظهر ما يدل عليها فليس مجرد اقلاعه كافياً أو ندمه لأن هذا أي الندم لا يعلم فهو أمر قلبي، بل لابد أن يظهر عليه من صلاح العمل وظهور الاستقامة ما يدل على توبته.
قال: [ومن صال على نفسه أو حرمته أو ماله آدمي أو نهبه فله الدفع عن ذلك] . فمن صال على نفسه أو حرمته أي حريمه أو ماله آدمي أو نهبه فله الدفع عن ذلك.
ففي الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من قتل دون ماله فهو شهيد) . وقال: كما في الترمذي وصححه وهو كما قال: (من قتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد) . وثبت في مسلم أن رجلاً قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرأيت إن أراد رجل مالي ليأخذه، قال، فلا تعطه، قال: فإن قاتلني، قال قاتله، قال: فإن قتلني قال: فأنت شهيد قال: فإن قتلته قال، فهو في النار) . فهذا يدل على أن القاتل يدفع.
وهنا ذكر المؤلف أن له الدفع، وقال بعد ذلك: [ويلزمه الدفع عن نفسه وحرمته دون ماله] .

إذن هنا قوله: "له" ليس المراد منه أنه لا يجب، بل المراد أنه مأذون له في ذلك لكن هل يجب أم لا؟ إن كان القاتل قد صال على نفسه أو على أهله فإنه يجب عليه الدفع في أصح الروايتين عن الإمام أحمد.
ويدل على وجود ذلك: وجوب حفظ العرض والنفس وقوله تعالى: ((ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)) فما دام أنه قادر على الدفاع عن نفسه فيجب عليه ذلك لأنه إن لم يدفع عن نفسه فقد ألقى بنفسه في التهلكة.
ويجب أيضاً حفظ العرض.
وأما المال: فلا يجب وذلك لأنه يجوز له أن يبذل المال فلم يجب عليه أن يدفع عنه الصائل.
ولكن هل يجب عليه حفظ ماله من الضياع والتلف أم لا؟ قولان لأهل العلم:- المشهور في المذهب أنه لا يجب.
والقول الثاني في المذهب أنه يجب.
والصحيح هو الوجوب وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن السعدي، دليل ذلك، أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (نهى عن إضاعة المال) وعليه فلا يجوز له أن يتلف ماله ولا أن يضيعه.
لكن إن صال عليه آخر فيجوز له أن يتركه مرجحاً لمصلحة حفظ النفس ولأنه يجوز له أن يبذله، وهنا قد بذله في وجه يجوز وهو حفظ النفس.
وهل يجب عليه أن يدفع عن مال أخيه وعن حرمة أخيه وعن نفس أخيه أم لا؟ فلو أن رجلاً أتاه لص أو صائل فهل يجب علي الآخر أن يدفع عنه أم لا؟.
قولان: القول الأول: وهو ظاهر كلام الموفق، أنه لا يجب.
القول الثاني: وهو ظاهر اختيار شيخ الإسلام أنه يجب وهو الراجح.
وذلك لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً) إلا أنه يشكل على هذا وهو صريح كلام شيخ الإسلام أنه يجب أن يدافع عن مال أخيه مع أنه لا يجب عليه أن يدافع عن مال نفسه.
لكن إذا رجحت السلامة فإنه يقوى الوجوب كما هو نص كلام شيخ الإسلام فقد نص على مسألة المال وغيرها أولى ولذا ذكرت أنه ظاهر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية.
فالصحيح أنه يجب عليه أن يدافع عن مال أخيه إذا ترجحت السلامة وعن نفسه وأهله.

قال: [بأسهل ما يغلب على ظنه دفعه به] . فإذا كان يكفي بالتهديد فإنه يفعل، فإن لم يكف فبالعصا، فإن لم يكف فبالحديد، فإن لم يكف فبما هو أعلى منه إلى أن يصل ذلك إلى القتل.
لكن إن كان ينزجر بالتهديد ولكنه اعتدى عليه بالحديد أو قتله فحينئذ قد فعل مالا يحل له وعليه الضمان.
إذن يجب التدرج بالأسهل.
لكن لو قال: أنا لو هددته وعلم بموضعي خشيت على نفسي وأنا أعلم أنه لا يمكنني أن أنفك منه إلا بضربه فحينئذ يجوز له ذلك.
قال: [فإن لم يندفع إلا بالقتل فله ذلك ولا ضمان عليه] . لأنه فعل مأذون شرعاً.
لما ثبت في البخاري: أن رجلاً عض يد رجل، فنزع يده فخرجت ثناياه فاختصموا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: (يعض أحدكم أخاه كما يعض الفحل فلا دية) . فهنا لم يوجب له دية ثناياه، وهذا يدل كما قال ابن القيم أن من تخلص من يد ظالم، فأتلف نفس الظالم أو شيئاً من أطرافه أو ماله فذلك هدر.
لكن لو قتله ويمكن أن يندفع بدون ذلك فإن عليه الضمان.
وكذلك: لو أصاب يديه، وحينئذ لا يستطيع أن يدافع عن نفسه فأتى إلي رجليه، فإن عليه دية الأرجل، لأن هذا الفعل ليس بمأذون فيه.
فإذا اعتدى رجل عليه أو على أهله فقتله فهذا حلال حتماً بينه وبين الله، لكن الذي يحكم به القاضي هو الظاهر فيقتل القاتل إلا أن تقر بذلك أولياء المقتول فإنه لا يقتل وهذا هو كلام الحنابلة.
لكن شيخ الإسلام استثنى ما إذا كانت القرينة الظاهرة تدل على صدقه، كأن يكون رجل معروف بالبر، ودخل في بيته رجل معروف بالفجور فقال شيخ الإسلام تقبل يمين القاتل فيحلف أنه دخل بيته وأراد الاعتداء على عرضه فقتله ولم يتمكن من دفعه إلا بالقتل فحينئذ يقبل قال: لا سيما إذا كان معروفاً بالتعرض له قبل ذلك.
وما اختاره شيخ الإسلام هو الظاهر، ولا يمكن قيام مصالح الناس إلا بهذا.

ولأنه في الغالب في مثل هذه المسائل لا توجد البينة أي الشهود ومعلوم أن البينة ما أبان الحق، فإذا كان هذا الرجل معروفاً بالصلاح والآخر معروف بالاعتداء والفجور فوجدناه في بيته قتيلاً وادعى أولياء المقتول أنه قتله فاعترف بذلك وأخبر بما تقدم ذكره وحلف على ذلك فإن الحق ظاهر معه.
إذن: الأصل أنه لابد من بينة أو أن يقر أولياء المقتول لكن إن كانت القرينة ظاهرة في صدق القاتل فإنا نكتفي بيمينه.
قال: [فإن قتل فهو شهيد] . كما تقدم قال: [ويلزمه الدفع عن نفسه وحرمته دون ماله] . تقدم أيضاً.
قال: [ومن دخل منزل رجل متلصصًا فحكمه كذلك] . فمن دخل منزل رجل متلصصاً أي ليسرق ونحو ذلك فحكمه كذلك وقد يكون البيت ليس فيه شيء فلا يكون سارقاً ولا يريد القتل ولا يريد العرض فحينئذ حكمه كذلك والعلة أنه معتد في دخوله البيت.
فإن نظر من نافذة أو من شق في الباب فحذفه بعصا، ففقع عينه، فلا ضمان.
لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لو أن إمرءاً اطلع عليك بغير إذن ففقأت عينه فلا جناح عليك) متفق عليه وظاهره ولو لم يكن في البيت نساء لكن لو كان متساهلاً قد فتح بابه فنظر إليه رجل من الباب فلا يكون الحكم كذلك فلي له أن يفقأ عينيه لأنه مفرط.

مسألة: لو تصنت وتسمع من شق ونحوه بغير إذن فهل يشق أذنه أم لا؟ قولان:- المشهور في المذهب: أنه ينذره قبل ذلك.
وقال بعض الحنابلة: بل يشق أذنه وهذا أظهر للحديث المتقدم في فقيء العين.
المسألة الأولى: تقدم في الدرس السابق أن من نظر في شق ففقئت عينه أنه لا ضمان ولادية.
وهل هذا من باب عقوبة المعتدي أو من باب دفع الصائل؟ هو من باب عقوبة المعتدي كما قرره شيخ الإسلام وليس من دقع الصائل.
ولذا لا يجب تحذيره وهو ظاهر حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -.

ومن ذلك: ما اختاره شيخ الإسلام أن من وجد مع امرأته رجلاً فقتله فيما بينه وبين الله، فلا شيء عليه لا فرق بين أن يكون المقتول الزاني محصناً أو غير محصن معروفاً بالفجور أم ليس معروفاً به.
قال: أي شيخ الإسلام: " وعليه يدل كلام الأصحاب وفتاوى الصحابة رضي الله عنهم".
ومن ذلك أثران: الأول: ما رواه سعيد بن منصور: بينما عمر يتغذى إذ أقبل رجل معه سيف ملطخ بالدم وخلفه قوم يجرون فجلس عند عمر، فأتى أولئك فقالوا: يا أمير لمؤمنين إن هذا قد قتل صاحبنا، فقال: ما تقول فقال: ضربت بين فخذي امرأتي فإن كان بين ذلك أحد فقد قتلته فقال: مما تقولون؟ قالوا: لقد ضرب بالسيف وسط الرجل وفخذي المرأة- "وهذا اقرار منهم بما فعل - فأخذ عمر السيف فهزه ودفعه له وقال: إن عادوا فعُد" وهو أثر صحيح مشهور وليس فيه تفريق بين المحصن وغيره.
الثاني: ما ثبت عن علي كما في مصنف عبد الرزاق، لما سئل عن رجل قتل رجلاً وجده مع امرأته فقال: إن لم يأت بأربعة شهداء فإنه يؤخذ برمته".
وظاهره أنه إذا أتى بأربعة شهداء فإنه لا يؤخذ برمته وليس فيه تفريق بين المحصن وغيره.
وهذا فيما بينه وبين الله، وأما في حكم القاضي فإنه يحكم بالظاهر.
ولذا أقر النبي - صلى الله عليه وسلم - الرجل على قوله: يا رسول الله إذا وجد الرجل مع امرأته رجلاً فقتله قتلتموه، فأقره النبي - صلى الله عليه وسلم - على قوله، كما في الصحيحين.

ومما يدل على جواز ذلك فيما بينه وبين ربه أن سعد بن معاذ سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله إن وجدت مع امرأتي رجلاً أمهله حتى أتي بأربعة شهداء؟ فقال: نعم، وهذا جواب في الحكم بالظاهر، فقال سعد والذي بعثك بالحق لأعاجله بالسيف، فقال - صلى الله عليه وسلم -: (اسمعوا إلى ما يقول سيدكم إنه لغيور وإني لغيور والله أغير منا) فهنا النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينهه ولم يأذن له، لأنه لو أذن له بذلك في سؤاله الأول لكان هو حكم الشرع ظاهراً وباطناً لكنه أقره ولم ينهه.
المسألة الثانية: إذا اجتمعت حدود فلا يخلو هذا من ثلاثة أحوال:- الحال الأولى: أن تكون كلها حدود لحق آدمي، ويدخل في هذه المسائل ما لو لم تكن حدوداً كالقتل وقطع الطرفين ونحو ذلك.
فإذا كانت حقوقاً للآدميين فيجب استيفاؤها كلها فلو أن رجلاً قتل شخصاً وقطع طرف آخر، فيجب قطع طرفه ثم يقتل.
وإذا قلنا إن حق القذف حق للآدمي كما هو المذهب فإذا قذف فإنه أيضاً يجلد.
وهذا باتفاق العلماء لأن حقوق الآدميين مبناها على المشاحة.
الحالة الثانية: أن تكون الحدود كلها لله تعالى، كأن يجتمع عليه حد حرابة وحد سرقة ونحو ذلك، فلا تخلو هذه الحال من حالتين:-

  1. ألا يكون فيها قتل فحينئذ يجب استيفاؤها كلها اتفاقاً.
    كأن يكون قد سرق وعليه حد حرابة لكنها لا تصل إلى القتل وإنما النفي مثلاً فإنه يستوفي هذا وهذا باتفاق العلماء.
  2. أن يكون فيها قتل، فقولان:- القول الأول: وهو مذهب الجمهور: إن القتل يحيط بكل شيء وفيه أثر عن ابن مسعود عند ابن أبي شيبه لكن إسناده ضعيف.
    وقالوا: لأن المقصود هو الإنزجار.
    والقول الثاني في المسألة: وهو مذهب الشافعي يجب استيفاؤها كلها وذلك لأنها عقوبات فقطع يده لسرقته وقتله في الحرابة لحرابته فيجب أن نستوفي هذا وأن نستوفي هذا.
    وهذا أظهر والله أعلم.
    الحالة الثالثة: أن تكون الحدود بعضها لله تعالى وبعضها للآدميين.

فحدود الآدميين يجب استيفاؤها، وكما تقدم لفظة حدودهنا فيها تجوز فيدخل فيها القصاص وهو ليس من الحدود.
وأما حدود الله تعالى فيرجع إلى الخلاف المتقدم فالشافعي يقول، يجب استيفاؤها كلها.
والجمهور يقولون: إن كان فيها قتل فإنا نكتفي به والراجح ما تقدم.

" باب قتال أهل البغي"

البغي: من بغا يبغي إذا اعتدى والأصل في هذا الباب قوله تعالى: ((وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين)) . وما يتفرع في هذا الباب من مسائل، فأصله قتال علي رضي الله عنه لمن خالفه من الصحابة وغيرهم في صفين والجمل، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - كما في صحيح مسلم وغيره: "يقتل عمراً الفئة الباغية".
وفي مستدرك الحاكم بإسناد صحيح عن أبي أمامه قال: " شهدت صفين فكانوا لا يجيزون جريحاً أي لا يجهزون عليه، ولا يطلبون دماً أي إذا فر من القتال فإن دمه لا يطلب ولا يسلبون قتيلاً) . وليس هذا أي قتال أهل البغي - ليس من جنس قتال الخوارج، فإن قتال الخوارج ولا شك، أوجب وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقتالهم في قوله: (فاقتلوهم أينما وجدتموهم فإن في قتلهم أجراً عند الله عز وجل) . وهؤلاء أي البغاة مأولون تأويلاً سائغاً وإن كان منهم من يكون غاصباً.
وأما الخوارج فليس لهم تأويل سائغ.
ولذا اختلف أهل العلم، هل قتال الخوارج كقتال البغاة أم لا؟ قولان لأهل العلم:- المشهور في مذهب أحمد، أن قتال الخوارج كقتال البغاة فلا يجاز جريحهم ولا يطلب دم فارهم ولا يسلب قثيلهم.
والقول الثاني في المذهب وصححه الموفق والشارح وصوبه صاحب الإنصاف: أنه ليس لهم هذا الحكم، بل يجهر على جريحهم ويسلب قتيلهم ويتبع فارهم ويطلب دمة.

والمسألة مسألة توقف وإن كان القول الثاني فيما يظهر أقرب لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث المتقدم: (فاقتلوهم أينما وجدتموهم فإن في قتلهم أجراً عند الله عز وجل) . والله أعلم.
إذن في الخوارج خلاف في مذهب أحمد وغيره، وبعض أهل العلم يرجع هذه المسألة إلى الحكم بتكفيرهم هل يكفرون أم لا لكن الذي عليه نصوص أحمد وهو المشهور عنه أنهم لا يكفرون وهو قول علي وهو أعظم من قاتل الخوارج فإنه لما سئل كما نقل هذا شيخ الإسلام وغيره لما سئل أكفارهم فقال: " من الكفر فمروا" وهناك رواية عن الإمام أحمد في التكفير.
لكن الذي يظهر أن هذه المسألة لا تنبني على مسألة تكفيرهم وإنما ينبني على أن الخوارج يستبيحون دماء المسلمين وأموالهم وتكفيرهم بالمعاصي، وأما البغاة فليسوا كذلك، ولذا فقد فرف بينهم بعض أهل العلم كما تقدم.
قال رحمه الله: [إذا خرج قوم لهم شوكة ومنعة] . شوكة: من قوة وسلاح.
ومنعة: أي بعضهم يمنع بعضاً، فهم جماعة كثيرة يمنع بعضها بعضاً ولهم سلاح يقاتلون به.

قال: [على الإمام] . أي الأعظم.
قال: [بتأويل سائغ] . قال شيخ الإسلام: التأويل السائغ هو التأويل الجائز من جنس تأويل الفقهاء في موارد الاجتهاد، وليس من جنس تأويل الخوارج.
[فهم بغاة] . فهؤلاء هم البغاة.
فإن اختل شرط من هذه الشروط فهم قطاع طريق، فإن كان ليس لهم شوكة ومنعة أو لم يخرجوا على الإمام وإنما خرجوا على أمير بلد وهم يقولون نرى السمع والطاعة للإمام، أو خرجوا على الشرط ونحو ذلك فهم قطاع طريق وليسوا ببغاة.
قال: [وعليه أن يراسلهم فيسألهم ما ينقمون منه] . فيسألهم ما الذي ينقمون عليه، وما الذي أجاز لهم الخروج عليه بالسيف.
قال: [فإن ذكروا مظلمة أزالها] . فإذا ذكروا ظلماً حصل لبعض الناس، أو ظلماً عاماً فإنه يجب عليه أن يزيله.
وإزالة الظلم واجبة في الأصل، لكن هنا يتأكد وجوبها لدرء المفسدة وحقن دماء المسلمين.
قال: [وإن ادعوا شبهة كشفها] .

إذا قالوا: خرجنا لأنك قد أوجبت علينا ما ليس بواجب أو حرمت علينا ما ليس بحرام فما هو دليلك على ذلك وما هي حجتك فحينئذ يبين لهم بالحجة والبرهان ما يزيل لهم شبهتهم ويكشفها أي بما يرسل لهم من أهل العلم لقوله تعالى: ((وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما)) وهذا من الإصلاح.
قال: [فإن فاءوا وإلا قاتلهم] . لقوله تعالى: ((وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي)) . وقوله (فقاتلوا) يدل على أنه يجب على الرعية أن يقاتلوا لقوله تعالى: ((فقاتلوا التي تبغي)) لكن هذا ليس على إطلاقه كما تدل عليه النصوص وآثار الصحابة رضوان الله عليهم في قتال صفين والجمل.
فإن أكثر الأكابر من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يشتركوا في القتال مع أن علياً هو أمير المؤمنين بالبيعة، وشارك بعض أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كعمار بن يسار وغيره.
وإنما لم يشارك منهم من لم يشارك لأنه رأى أن في القتال مفسدة راجحة فحينئذ يكون قتال فتنة وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: (تكون فتن، فكن عبد الله المقتول ولا تكن القاتل) رواه أحمد وغيره.
وقال - صلى الله عليه وسلم - كما في سنن أبي داود: (فكن كخير ابني آدم) وهم أي الذين لم يشاركوا مع علي، قد تعارض لديهم وجوب طاعة الإمام، ونص النبي - صلى الله عليه وسلم - في النهي عن قتال الفتنة.
ووجوب طاعة الإمام نص عام، وهذا نص خاص فترجح النص الخاص وهو النهي عن القتال في الفتنة.
ولذا كما ذكر شيخ الإسلام، لم يكن علي يستدل بنص في قتاله لمعاوية رضي الله عنهم ومن معهم، وإنما ذكر أنه رأي قد رآه، وكان أحياناً يثني على من لم يشارك.
وقتال البغاة كما تقدم لا يجهز فيه على جريحهم، ولا يطلب فارهم، ولا يسلب قتيلهم.

فدماؤهم معصومة وأموالهم معصومة وإنما هو من جنس دفع الصائل فالجريح قد إندفعت صولته، والفار قد أندفعت صولته، والأثر المتقدم أي أثر أبي أمامة يدل على ذلك.
أيضاً لا يجوز أن يقاتلهم بما فيه إهلاك عام كالإحراق وكالمنجنيق أو نحو ذلك وذلك لأن قتالهم من باب دفع الصائل فيدفع بالأسهل.
لكن لو كان مضطراً محتاجاً إلى الدفع بالأصعب بأن كان لا يمكنه دفع صولتهم إلا بالأهلاك العام فإن ذلك يجوز.
فإذا وضعت الحرب أوزارها فلا ضمان من الطرفين أي لا هؤلاء يضمنون الدماء التي سفكوها، والأموال التي أتلفوها ولا الآخرون كذلك.
أما أهل العدل، الذين هم الإمام ومن معه، فإن هذا ظاهر لأنه قتال مأذون لهم فيه، فليس عليهم ضمان.
وأما الطائفة الأخرى وهي طائفة البغي، فلا يضمنون لأنهم متأولون.
ولذا فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في الصحيحين لم يضمن أسامة دم الرجل الذي قتله بعد أن قال لا إله إلا الله لأنه قتله متأولاً.
فلو أن أحدهم فر فتبعه بعض أهل العدل فقتله فإنه يضمن وذلك لأنه بغير حق، وهو فعل ليس بمأذون فيه لكن هل يثبت القصاص أم لا؟ وجهان في مذهب أحمد وغيره، أصحهما أن القصاص لا يثبت للشبهة.
فإن فر إلى فئة أخرى ليتقوى فهل يجوز قتله أم لا؟ قولان لأهل العلم:- فالمشهور في المذهب: أنه لا يقتل أيضاً أي لا يتبع فيقتل.
والقول الثاني في المسألة: وهو مذهب أبي حنيفة، ومذهب كثير من الشافعية أنه يقتل، وهذا أظهر لأنه فر للقتال والحرب فهو ليس فاراً من القتال بل فارُ له.
قال: [وإن اقتتلت طائفتان لعصبية أو رياسة فهما ظالمتان] . عصبية ما تقع بين القبائل فتتعصب هذه ويتعصب تلك من غير أن تكون إحداهما تطلب الرياسة من الأخرى.
"أو رياسة"وكل واحدة منهما تريد الرياسة على الأخرى فالطائفتان جميعاً ظالمتان، فكل واحدة من الطائفتين ليست بطائفة عدلٍ وليس من البغاة المتأولين.

قال: [وتضمن كل واحدة، ما أتلفت على الأخرى] .

من الأموال والأنفس.
فإذا انتهت الحرب ننظر ما أتلفت هذه على الأخرى من الأموال والأنفس، ولنفرض أنهم قدروها بمائة ألف وينظر ما أتلفت هي على الأخرى من الأموال، والأنفس فقدرناها بخمسين ألف، فالفارق بينهما وهو خمسين ألف يدفع إلى الطائفة التي الإتلاف منها أكثر في الأموال والأنفس.
"باب حكم المرتد"

المرتد لغة: هو الراجع.
أما في الاصطلاح: فعرفه المؤلف بقوله: [وهو الذي يكفر بعد إسلامه] . فالمرتد هو الذي يكفر بعد اسلامه.
الردة تكون طوعاً لا كرهاً كما قال تعالى: ((إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان)) . والإكراه يختلف باختلاف المكره عليه، كما قرر هذا شيخ الإسلام فليس الإكراه المعتبر على كلمة الكفر كالإكراه المعتبر على الهبة.
فالمرأة قد تخاف أن يطلقها زوجها فتهبه مالها فهذا إكراه معتبر في الهبة، وليس هذا معتبراً في الكفر فلو كفرت خوفاً من طلاق زوجها فإنها تكفر وليست بمكرهة حينئذ أي لا يقبل منها هذا الإكراه.
قال الإمام أحمد: " الإكراه أي هنا بالتعذيب والضرب" فإذا أكره منطق بكلمة الكفر فكفر بعد إسلامه بهذا لا يكون كافراً بذلك بل هو معذور عند الله عز وجل".
وليس من العذر الخوف ولا الرجاء فإن الله لم يستثن إلا الإكراه، وكما ذكر الله عز وجل في موالاة الكفار وكفر بها ثم قال: (فترى الذي في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون: نخشى أن تصيبنا دائرة) . فهم كانوا خائفين أن تكون الدائرة للكفار عليهم، فلم يعذرهم الله عز وجل بذلك.
والردة قد تكون بالاعتقاد، وقد يكون بالنطق، وقد يكون بالفعل وقد يكون بالشك.
فمثاله في الاعتقاد اعتقاد قدم العالم فمن اعتقد أن العالم قديم فهو كافر.

أو جحد ربوبية الله واعتقد ألا رب فهذا كفر بالاعتقاد ومثاله في النطق كمن استهزأ بدين الله عز وجل ولو كان هازلاً أو سب الله أو سب رسوله أو سب الإسلام ولو كان هازلاً فإنه يكفر بالإجماع وإن لم يعتقد ذلك في قلبه، أي ولو أدعى أنه لم يعتقد ذلك في قلبه.
ودليل هذا أن الله عز وجل قال في كتابه الكريم عن الذين أكفرهم الله بالاستهزاء: ((ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب)) أي لم نكن معتقدين هذا في قلوبنا وإنما كان هذا بمجرد اللسان من باب الخوض واللعب فقال الله عز وجل: ((لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم)) . ومن أمثلة النطق أن يتلفظ بما فيه تنقص لله عز وجل كقول اليهود: " يد الله مغلولة".
ومثال الكفر بالفعل، عبادة غير الله عز وجل، من أتخذه وسائط يعبدهم من دون الله عز وجل ويتوكل عليهم، فهو كافر بالإجماع، وكذلك أن يطأ المصحف.
ومثال الكفر بالشك، أن يشك في كفر اليهود والنصارى، فمن شك في كفر اليهود والنصارى فهو كافر، أو شك في البعث، أو غير ذلك من الشك فيما يجب الجزم به فإن ذلك من الكفر بالله عز وجل.
قال: [فمن أشرك بالله أو جحد ربوبيته] . أي قال: الله ليس برب أو ليس لهذا الكون خالق.
قال: [أو وحدانيته] . أي أنكر أن يكون الله عز وجل، متفرداً بالعبادة، بل يجوز أن يعبد معه غيره.
قال: [أو صفة من صفاته، أو اتخذ لله صاحبة أو ولداً أو جحد بعض كتبه أو رسله أو سب الله أو رسوله فقد كفر] . وهنا المؤلف لم يستثن الجاهل بخلاف المسائل الأخرى بعد ذلك، فإنه قال: (ومن جحد تحريم الزنا إلى أن قال: بجهل عرف ذلك) . فالمسائل الظاهرة المعلومة من الدين، هذه يكفر قائلها أو فاعلها، يكفر بالله عز وجل إن أقيمت عليه حجة الله على العباد.
والمراد بالكفر هنا أحكام الكفر وهي ما يترتب على الكفر من الوعيد، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأن حكم الوعيد على الكفر لا يترتب على الشخص المعين حتى تقوم عليه حجة الله التي بعث بها رسله) .

فأحكام الوعيد من القتل في الدنيا، واستباحة المال والسبي، ومن أحكام الآخرة وهي التخليد في نار جهنم هذه أحكام الوعيد المترتبة على الكفر فهذه لا تترتب على العبد حتى تقوم عليه حجة الله عز وجل على عباده التي بعث بها رسوله - صلى الله عليه وسلم - قال تعالى: ((وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً)) . فالله لا يعذب في الآخرة ولا يأذن بالعذاب في الدنيا بالقتل والسبي واستباحة المال، حتى تقوم حجة الله تعالى على العباد.
وهذه اللفظة المتقدمة من كلام شيخ الإسلام تدل على أن عامة كلامه في هذا الباب يريد به أحكام الوعيد وأن أحكام الوعيد على الكفر لا تترتب على الشخص المعين حتى تقوم عليه حجة الله على العباد.
وهنا مسألتان: المسألة الأولى: أن حجة الله على العباد، كما قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله قائمة بالقرآن فمن بلغه فقد بلغته حجة الله عز وجل قال تعالى: ((لينذركم به ومن بلغ)) وقال: ((لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل)) .

المسألة الثانية: أنه لا يشترط في إقامة الحجة هنا فهمها، ففهم الحجة نوع وشيء، وإقامتها نوع وشيء آخر كما بين هذا الإمام محمد وغيره يتبين هذا، أن الله سبحانه وتعالى قد كفر من دعاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الإسلام، مع أنه أخبر أنه قد جعل على قلوبهم أكنة أن يفقهوه، فقال تعالى: ((أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً)) . فكونهم لا يفهمون حجة الله عز وجل هذا لا يعذرهم عند الله عز وجل بل متى ما قامت عليهم الحجة بحيث يفقهونها ويفهمونها لكنهم لم يفهموها ولم يفقهوها فإن الحجة قائمة عليهم بذلك.
نعم لو أبلغ أعجمي القرآن لم تقم عليه بذلك حجة الله عز وجل أما من كان يعرف لغة العرب ويفهم القرآن لكنه لم يفهم حجة الله عز وجل بسبب ما ران على قلبه ذلك ليس بعذر عند الله عز وجل.

ويدل عليه كلام أهل العلم عامة فإنهم إنما يذكرون التعريف ويذكرون بيان الحجة، ولا يذكرون فهمها بل بمجرد ما تبين له الحجة ويعرف فإنه يقتل كما قرر أهل العلم في مسائل كثيرة من هذا الباب وأنهم يعرفون بالحق فإن رجعوا وإلا اقتلوا ولا يشترطون أن يعرف الحق ثم يعاند.
كما وقع لقدامة بن مظعون رضي الله عنه، ومن معه ممن أباح الخمر واستدل بقوله تعالى: ((ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات)) ، فكانت هذه الآية شبهة لهم فاتفق الصحابة كعمر وعلي بن أبي طالب أنهم يعرفون بالحق فإن تابوا وإلا قتلوا، فلم يكفروهم ابتداءً لأجل هذه الشبهة.
وأما الحكم على الشخص بالكفر الذي لا تترتب عليه أحكام الوعيد، فهذا شيء آخر.
بمعنى: كون الرجل يحكم عليه بالكفر الذي لا يترتب عليه أحكام الوعيد في الدنيا والآخرة من قتل وسبي واستباحة مال وتخليد في نار جهنم فهذا شيء آخر وفي بعض أجوبة أئمة الدعوة النجدية كإجابة الشيخ عبد الله وحسين ابني الشيخ محمد بن عبد الوهاب فيمن عرف بفعل الشرك ومات على ذلك.
فقال: إنه إذا كان الأمر كذلك أي عرف بفعل الشرك بالله تعالى: فإن الظاهر منه أنه قد مات على الكفر، وعليه فلا يستغفر له ولا يضحى عنه.
أما في حقيقة الأمر فإن كانت قد قامت عليه حجة الله على عباده فهو كافر في الظاهر والباطن.
وأما إن لم تقم عليه حجة الله على عباده فأمره إلى الله تعالى، فهنا في هذه الفتوى بينوا أن هناك كفراً في الظاهر وأن هناك كفراً في الظاهر والباطن.
أما الكفر الذي يكون كفراً في الظاهر والباطن فهو الذي تترتب عليه أحكام الوعيد في الدنيا والآخرة فهو من قامت عليه حجة الله على عباده فهذا يستباح ماله ودمه ويخلد في نار جهنم.

وأما من لم تقم عليه حجة الله على عباده فهو في الظاهر، أي في أحكام الدنيا يسمى كافراً ومشركاً فلا تحل ذبيحته ولا يحل نكاح نسائه ولا يستغفر له ولا يضحى عنه ولا غير ذلك مما يترتب على المسلمين فليس بمسلم.
قال ابن القيم: والإسلام هو توحيد الله تعالى وحده لا شريك له، والإيمان بالله وبالرسول واتباعه فيما جاء به، فمن كان على ذلك فهو المسلم، ومن لم يكن على ذلك فليس بسلم إما أن يكون كافراً معانداً وإما أن يكون كافراً جاهلاً) أ. هـ. فمن ناقض التوحيد وناقض أصل الرسالة فليس بمسلم إما أن يكون كافراً جاهلاً ومن هنا فإن الإسلام ألحق غير المكلفين بآبائهم فإن الأطفال في الدنيا وهكذا المجانين لهم أحكام آبائهم كما صح هذا في البخاري وغيره وقد تقدم فالمقصود من هذا أن هؤلاء الذين لم تقم عليهم حجة الله على عباده وليسوا على دين الإسلام وإن أدعوا أنهم عليه فهم كفار في الظاهر، لا تحل ذبائحهم ولا تحل نساؤهم ولا يستغفر لهم ونحو ذلك من الأحكام في الدنيا.
لكن لا يعذبون لا في الدنيا بالقتل والسبي واستباحة المال، ولا في الآخر في نار جهنم حتى تقام عليهم حجة الله على عباده.

وأما المسائل الخفية، وهي التي قد يخفى دليلها على بعض الناس، التي ليس فيها مناقضة للتوحيد ولا مناقضة للإيمان بالرسول - صلى الله عليه وسلم - كما قال الشيخ عبد الله أبا بطين في تفسير كلام شيخ الإسلام فهذه المسائل الخفية كإنكار بعض الصفات: الذي يميل إليه شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وهو ظاهر اختيار شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، أن هذه المسائل لا يكفر المخالف فيها، حتى يفهم حجة الله عز وجل فلا يكفي أن تقام عليه الحجة، بل لابد وأن يفهم حجة الله عز وجل على عباده ويعلم أنه ليس بمعاند هذا هو ظاهر كلام شيخ الإسلام كما فسره الشيخ عبد الله أبا بطين، ويدل عليه شيخ الإسلام كان يقول للجهمية: " أنا لو وافقتكم لكنت كافراً، لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لستم بكفار لأنكم جهال" أ. هـ. مع أنه رحمه الله قد أقام عليهم حجة الله عز وجل وجادلهم وناظرهم في شرع الله ودينه، وقع ذلك لم يكفرهم.
فهؤلاء ليسوا بكفار حتى يفهموا حجة الله عز وجل، فإذا علم أن لهم شبهة أو أن الحق لم يثبت عندهم، فإنهم لا يكفرون بذلك.
قال الشيخ عبد الله أبا بطين: والمشهور في المذهب خلاف هذا والمسألة فيها روايتان عن الإمام أحمد.
فهذه المسألة من المسائل التي فيها خلاف.
ولذا فإن عبارة شيخ الإسلام هي: " ولو كانت من المسائل الخفية فقد يقال إنهم لا يكفرون حتى تقام عليه حجة الله التي يكفر من خالفها، ولكنهم يصدر منهم ذلك في مسائل ظاهرة يعلم العامة والخاصة من المسلمين، واليهود والنصارى والمشركون أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أتى بها وكفرّ من خالفها" أ. هـ. أي هؤلاء الذين قد صدرت منهم هذه الأخطاء لم تكن في مسائل خفية وإنما كانت في مسائل ظاهرة يعلم العامة والخاصة من المسلمين، بل يعلم اليهود والنصارى والمشركون أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث بها وكفّر من خالفها.
وضرب أي شيخ الإسلام لذلك أمثلة.

منها الشرك بالله عز وجل وعدم إيجاب الصلوات الخمس وعدم تحريم الفواحش من الزنا ونحوه، فهذه من المسائل الظاهرة التي يُعلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بُعث بها.
قال: [ومن جحد تحريم الزنا أو شيئاً من المحرمات الظاهرة المجمع عليها بجهل عُرف ذلك] . فمن جحد تحريم الزنا أو شيئاً من المحرمات الظاهرة المجمع عليها أو شيئاً من الفرائض الظاهرة المجمع عليها كالصلاة بجهل لكن لا يقبل عند أهل العلم مجرد ادعاء الجهل، بل لابد أن يكون مثله يجهل ذلك، ولذا قال بعد ذلك: [وإن كان مثله لا يجهله كفر] . فإذا كان أحد في البلاد الإسلامية التي يظهر فيها العلم وأدعى أنه لا يعلم أن الزنا حرام أو أن الصلاة فرض فإن ذلك لا يقبل منه.
وأما إن كان مثله يجهل ذلك كمن نشأ في بادية بعيدة أو كان حديث عهدٍ بالإسلام، فإن ذلك يقبل منه بمعنى، إن كانت حاله تصدق ذلك.
وعليه فالجهل عذره في ثلاث مسائل:- المسألة الأولى: أن يكون مدعي الجهل ناشئاً في بادية.
المسألة الثانية: أن يكون حديث عهد بإسلام.
المسألة الثالثة: أن تكون من المسائل الخفية.
على أن المسألتين الأوليين ليست هي في كل المسائل.
مسألة: لا يكفر من حكى كفراً سمعه وهو لا يعتقده، قال صاحب الفروع ولعلة إجماع أي حيث لم يعتقد ذلك.
ويدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين وهو حديث مشهور في الرجل الذي قال: لما وجد راحلته، " اللهم أنت عبدي وأنا ربك" أخطأ من شدة الفرح، فقد قال الكفر وهو لا يريده ولا يعتقده فكذلك من يحكي الكفر وهو لا يعتقده.
كذلك إذا كان سبق لسان أو غير ذلك فإنه لا يكفر بذلك كشدة فرح أو غير ذلك.

وهل يكون من ذلك ما ورد في الحديث، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (قال رجل لم يعمل حسنة قط لأهله إذا هو مات فحرقوه ثم اذروا نصفه في البر ونصفه في البحر فو الله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين، فلما مات فعلوا ما أمرهم به، فأمر الله عز وجل البحر فجمع ما فيه وأمر البر فجمع ما فيه ثم قال له: لم قلت ما قلت؟ فقال: من خشيتك وأنت أعلم فغفر له) والكفر الذي وقع فيه الشك في عموم قدرة الله عز وجل وظاهر الحديث أن الذي حمله على ذلك شدة الخوف.
لكن شيخ الإسلام وكثيراً من أهل العلم يحملون هذا على أنه لم تبلغه الدعوة، فأنكر صفة من الصفات ولم تبلغه الدعوة.
ويكون هذا دليلاً على المسألة المتقدمة.
ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين أن عائشة قالت للنبي - صلى الله عليه وسلم -: " مهما يكتم الناس يعلمه الله؟ فقال: نعم) فهذا شك في عموم علمه سبحانه ولم تكفر بذلك لأن هذه من المسائل التي قد تخفى فلا يكفر إلا من قامت عليه حجة الله عز وجل وفهمها.
ولذا فإن شيخ الإسلام يقول وغيره من أهل العلم: " من أخطأ في مسألة سواء كانت في المسائل النظرية أو المسائل العملية، (لا نفرق بين الأصول والفروع فالتفريق بينهما قول محدث يقوله المعتزلة) فإنه يعذر بالجهل، لأنه قد لا يبلغه الحق الذي يحبى القول به، أو يبلغه لكنه لا يثبت عنده أو تقوم عنده بعض الشبهات، وهذا فيمن آمن بالله ورسوله، فمن آمن بالله ورسوله ثم أخطأ في مسألة من المسائل ولو كانت في باب الصفات أو غير ذلك فهذا هو حكمه.
ويدل عليه أن الله عز وجل قد رحم هذه الأمة بالعذر بالجهل فقال سبحانه: ((ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا)) والخطأ هو الجهل، وفي مسلم قال الله تعالى: ((قد فعلتُ)) وكما تقدم من الأدلة السابقة.
قال أي شيخ الإسلام وعليه صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجماهير علماء الأمة.

وذكر رحمه الله أن الناس قد اضطربوا في مسألة تكفير أهل الأهواء فعن الإمام أحمد روايتان، وكذلك عن الإمام مالك، وعن الإمام الشافعي قولان، ثم ذكر ما تقدم تقريره في أهل الأهواء كمن يقع له بعض الغلط في باب القدر وفي باب الإرجاء وفي إنكار بعض الصفات ونحو ذلك وهو من المؤمنين بالله ورسوله لكن وقع له بعض الخطأ، إما أن الحق لم يبلغه، أو بلغه لكنه لم يثبت عنده أو قامت عنده بعض الشبهات.
مسألة:- من نطق بكلمة الكفر ولم يعلم معناها فإنه لا يكفر بذلك.
مسألة: لو قال: هو يهودي أو نصراني، فإنه يكفر بذلك.
أما إذا قال: " هو يهودي إن لم يفعل كذا" فسيأتي في باب الأيمان إن شاء الله.
مسألة: من قذف النبي - صلى الله عليه وسلم - أو قذف أمه أي أم النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو كافر.
مسألة: قال شيخ الإسلام: " من اعتقد أن الكنائس بيوت الله وأن الله يُعبد فيها وأن ما يفعل اليهود والنصارى عبادة لله وطاعةً له ولرسوله، أو أنه يحب ذلك أو يرضاه فهو كافر، أو إيمانهم على فتح الكنائس وإقامة دينهم واعتقد أن ذلك قربة أو طاعة فهو كافر لتضمنه اعتقاد صحة دينهم.
لكن لو فتح لهم الباب فقط، فقد لا يكفر لأنه لا يتضمن اعتقاد صحة دينهم.
قال شيخ الإسلام: ومن اعتقد أن زيارة أهل الذمة في كنائسهم قربة إلى الله فهو مرتد، وإن جهل أن ذلك محرم عٌرف ذلك فإن أصر صار مرتداً لتضمنه تكذيب قول الله تعالى: ((إن الدين عند الله الإسلام)) .

مسألة: من قذف عائشة فقد كفر لأنه مكذب للقرآن، أما غيره من أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - فمن قذفهن ففيه قولان أصحهما، أنه يكفر لأنه قدح بالنبي - صلى الله عليه وسلم -. مسألة: قال شيخ الإسلام: " من سب الصحابة أو سب أحداً منهم واقترن بسبه دعوى أن علياً إله أو نبي، أو أن جبريل غلط فلا شك في كفر هذا بل لا شك في كفر من توقف في تكفيره"ا.
هـ. وذلك لأنه مخالف لنص الكتاب والسنة وإجماع الأمة.
مسألة:

من أنكر أن يكون أبو بكر الصديق صاحب رسول الله فقد كفر لأنه تكذيب للقرآن في قوله تعالى: ((إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا)) والقاعدة أن من نفى صحبة صحابي فترتب على ذلك تكذيب للقرآن أو لما تواتر عند المسلمين وأجمعوا عليه وهو معلوم عندهم ظاهر كصحبة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وبقية العشرة ممن صحبته كذلك فإنه يكون كافراً.
مسألة: من حرم شيئاً مجمعاً على حله كالماء كفر، وكذلك من أباح شيئاً محرماً مجمعاً على تحريمه.. قال: [فصل: " فمن ارتد عن الإسلام وهو مكلف رجل أو امرأة دعي إليه ثلاثة أيام وضيق عليه فإن لم يسلم قتل بالسيف] . "وهو مكلف": والمكلف هو البالغ العاقل فالصبي غير المميز ومن ذهب عقله بدواء، أو النائم لا خلاف في ذلك، أنه إذا أتى ما يكفر بمثله لا يكفر هو به وذلك لأنه إذا فعل ما يقتضي التكفير فإنه لا يحكم عليه.
ظاهره أن الصبي المميز كذلك، أي لا يحكم عليه بالردة، فمثلاً لو قال أو فعل ما يكفر به فإنه لا يكفر في ظاهر كلام المؤلف وهو رواية عن الإمام أحمد واستظهره صاحب الفروع والموفق وهو مذهب الشافعي.
والقول الثاني: وهو المذهب أنه يكفر بذلك وهو مذهب الجمهور قالوا: الصبي المميز يصح إسلامه فكذلك ردته ويدل عليه صحة العبادات منه فإنه لو صلى وصام أي الصبي المميز فإن ذلك يصح منه ولا تصح إلا من مسلم، فدل على أن الصبي المميز يصح إسلامه فإذا ثبت صحة إسلامه فردته كذلك وأما أهل القول الأول، وهو ظاهر كلام المؤلف كما تقدم فاستدلوا بالأدلة التي تدل على أن الصبي المميز مرفوع عنه القلم، كقوله - صلى الله عليه وسلم -: (رفع القلم عن ثلاثة وفيه والصبي حتى يبلغ) .

وهذا هو القول الراجح في هذه المسألة لقوة دليله، وأما الجواب عما استدل به أهل القول الثاني، فهو أن هذا قياس مع الفارق، فإن إسلامه مصلحة محضة له، وأما ردته وكفره فهو مفسدة محضة، فما كان فيه مصلحة محضة له قُبل وهو الإسلام، وما كان فيه مفسدة محضة رُد وهو الكفر بالله عز وجل، إذن أصح القولين أن من ارتد وهو صبي مميز فإنه لا يحكم بردته خلافاً للمشهور في المذهب، وعلى المذهب لا يقتل حتى يبلغ فيستتاب فإن تاب وإلا قتل.
[مختار] فإن كان مكرهاً فلا يحكم عليه بالردة، لقوله تعالى: ((إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان)) . [رجل أو امرأة] لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم - من حديث ابن عباس: (من بدل دينه فاقتلوه) رواه البخاري.
والحديث عام في الذكر والأنثى.
[دعي إليه] أي إلى الإسلام [ثلاثة أيام وضيق عليه فإن لم يسلم قُتل بالسيف] . المذهب أنه يجب أن يستتاب ثلاثة أيام ويحبس فإن تاب وإلا قتل وهو مذهب الجمهور استدلوا: بما رواه مالك في موطئة أن عمر قال في رجل كفر بعد إسلامه: " لولا حبستموه ثلاثة أيام واطعمتموه كل يوم رغيفاً واستتبتموه فإن تاب أو راجع وإلا قتلتموه" ثم قال: " اللهم إني لم أحضر ولم أرض إذ بلغني".
وفي الدارقطني: "أن امرأة يقال لها أم مروان ارتدت فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تستتاب فإن تابت وإلا قتلت".
والأثر الأول: ضعيف لانقطاعه وجهالة بعض رواته، والحديث الذي رواه الدارقطني فيه معمر السعدني وهو ضعيف الحديث.
وعن الإمام أحمد وهو أحد قولي الشافعي: أنه لا يستتاب وجوباً وإنما يستتاب استحباباً وهو مذهب أهل الظاهر.
واستدلوا: بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (من يدل دينه فاقتلوه) . قالوا: والفاء تفيد التعقيب فدل على أن القتل يكون عقيب ارتداده عن دينه وليس فيه ذكر الإستتابة بل ظاهره ترك الإستتابة.

فصول الكتاب · 11 فصل · 298 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للحمد · 298 صفحة
المقدمة
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب المناسك
كتاب الجهاد
كتاب الوصايا
كتاب الوصايا
كتاب الفرائض
كتاب الطلاق
كتاب الحدود
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل