شرح زاد المستقنع للحمدصفحات 41-2
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وثبت في سنن أبي داود عن عَمْرَو بْنَ عَبَسَةَ ـ رضي الله عنه ـ قَالَ: (صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى بَعِيرٍ مِنْ الْمَغْنَمِ فَلَمَّا سَلَّمَ أَخَذَ وَبَرَةً مِنْ جَنْبِ الْبَعِيرِ ثُمَّ قَالَ:} وَلَا يَحِلُّ لِي مِنْ غَنَائِمِكُمْ مِثْلُ هَذَا إِلَّا الْخُمُسُ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ فِيكُمْ { 1 والوبر هو ما يقابل الشعر من الغنم ونحوه.
إذن: الخمس لله والرسول أي فيما يرضي الله تعالى وهو بيد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يصرفه فيما يراه من المصالح وكذلك هو بأيدي خلفائه من بعده يصرفونه فيما يرونه من المصالح هذا هو الخمس الأول (خمس الرسول) . إذن: هو لله لأنه يدفع فيما يرضي الله تعالى، وهو للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأنه تحت يد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو السهم الأول: تحت يده يصرفه في مصالح المسلمين.
السهم الثاني:لذوي القربى.
أي لقرابة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهم: بنو هاشم بنو المطلب.
السهم الثالث: لليتامى.
السهم الرابع:للمساكين.
السهم الخامس:لابن السبيل.
فهذه خمسة أخماس.
يقسم خمس الغنيمة إلى خمسة أخماس؛ سهم يكون بيد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وخلفائه من بعده فيصرفونه في مصالح المسلمين هذا هو المشهور من مذهب الحنابلة ومذهب الشافعية وهو أن الغنيمة تخمس خمسة أخماس لكل صنف من هذه الأصناف الخمسة نصيبه.
القول الثاني: ومال الإمام مالك إلى أن يعطى بعض ذوي القربى حقهم منه والباقي يصرفه الإمام فيما يراه من المصالح سواء أنال اليتامى والمساكين وابن السبيل منه نصيب أم لم ينلهم.
وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ وتلميذه ابن القيم.
الدليل:

قالوا: لأنه لم يثبت عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا عن خلفائه من بعده هذه القسمة، ولو كان ذلك ثابتا لنقل نقلا بينا، فهو ما تقوى الهمم وتقوى الدواعي على نقله.
قالوا: ولأن الزكاة قد وجبت في الأصناف الثمانية ولو صرفت لصنف واحد لأجزأت فكذلك هنا.
الترجيح: وهذا هو الراجح.
فالخمس يوضع في يد الإمام فيعطى ذوي القربى حقهم منه ويصرف الباقي في مصالح المسلمين.

  • مسألة: كيفية توزيع سهم ذوي القربى وفيها قولان: القول الأول: أن ذوي القربى يعطون منه ـ في المشهور من المذهب ـ للذكر مثل حظ الأنثيين.
    قالوا: لأنه نيل بسبب الأب فأشبه الإرث؛ فإن بني هاشم نالوه بسبب هاشم وبني المطلب نالوه بسبب المطلب.
    القول الثاني: وهو رواية عن الإمام أحمد أنهم يعطون بالسوية لا يفرق بين ذكر وأنثى ولا صغير ولاكبير.
    قالوا: لأن الله قد أمرنا بإعطائهم وليس هذا على سبيل الإرث بدليل عدم ثبوت الحجب فيه فإن الابن يأخذ مع وجود أبيه.
    ثم إن سببه هو القرابة والنصرة في بني هاشم، والنصرة في بني المطلب.
    القول الثالث: أنهم يعطون بقدر الحاجة وبحسب ما يراه الإمام سواء كان بالتفضيل أو بالسوية.
    وهو مذهب مالك.

الترجيح: والقول الثالث هو الراجح في هذه المسألة وهو اختيار ابن القيم ـ رحمة الله عليه ـ فيعطون على مايراه الإمام، ويعطون قدر حاجاتهم، فيعطى الفقير أكثر من الغني، ويعطى الغني الذي هو صاحب كرم ويجتمع الناس حوله أكثر مما سواه وهكذا.. فهو شامل لفقيرهم وغنيهم.
الدليل:

1 ـ ما ثبت في البخاري والنسائي عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ لَمَّا قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَهْمَ ذِي الْقُرْبَى بَيْنَ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ أَتَيْتُهُ أَنَا وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَؤُلَاءِ بَنُو هَاشِمٍ لَا نُنْكِرُ فَضْلَهُمْ لِمَكَانِكَ الَّذِي جَعَلَكَ اللَّهُ بِهِ مِنْهُمْ أَرَأَيْتَ بَنِي الْمُطَّلِبِ أَعْطَيْتَهُمْ وَمَنَعْتَنَا فَإِنَّمَا نَحْنُ وَهُمْ مِنْكَ بِمَنْزِلَةٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّهُمْ لَمْ يُفَارِقُونِي فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ إِنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ 1 . فهذا النبي صلى الله عليه وسلم ـ لما جاءا يسألانه من الفيء لم يعتذر لهما بكونهما أغنياء وإنما اعتذر لهما بأنهما ليسا من بني المطلب وبني هاشم.
فدل على أن للغني نصيبه في الغنيمة ثابت كالفقير.
2 ـ وللإطلاق في الآية، فإنها مطلقة لم تقيد سهم ذوي القربى بالفقراء دون الأغنياء.
هذا هو الخمس.
ـ إذن: إذا أخرج الإمام الخمس فحينئذ يقسم الغنيمة ويخرج منها النفل فإن النفل يخرج بعد الخمس كما تقدم هذا في نفل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الربع بعد الخمس والثلث بعده.
وفي مسند أحمد وسنن أبي داود ـ بسند صحيح ـ من حديث معن بن يزيد ـ رضي الله عنه ـ قال سمعت:} لَا نَفْلَ إِلَّا بَعْدَ الْخُمُس ِ { 2

فالنفل: هو ما يعطيه الإمام لبعض الغزاة زيادة عن سهمهم.إما لتقدم سرية من السرايا، أو لحسن بلائه وشدة بأسه بالكفار كما أعطى سلمة بن الأكوع سهم الراجل وسهم الفارس كما ثبت في صحيح مسلم 1 . ثم يقسم الغنيمة للراجل أي للماشي على رجليه ومثله الراكب على بعير ونحوه يعطى سهما.
والفارس وهو الراكب فرسا يعطى ثلاثة أسهم؛ سهما له وسهمين لفرسه.
وذلك لما للفرس من مكانة في العدو.
الدليل: ماثبت في الصحيحن عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: (قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ خَيْبَرَ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ وَلِلرَّاجِلِ سَهْمًا) . قَالَ: (فَسَّرَهُ نَافِعٌ فَقَالَ: إِذَا كَانَ مَعَ الرَّجُلِ فَرَسٌ فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَرَسٌ فَلَهُ سَهْمٌ) 2 وفي سنن أبي داود 3 للفارس ثلاثة أسهم سهمين لفرسه وسهم له؟

  • فرع: …في سهم الفارس الهجين.
    ـ وهل هو في كل فرس سواء كان عربيا أم هجينا؟ قال جمهور العلماء: نعم، سواء كان الفرس هجينا وهو غير العربي أو كان عربيا فإن للفرس سهمين.
    لعموم الحديث.

القول الثاني: وقال الحنابلة في المشهور عندهم:الفرس الهجين أو البرذون له سهم واحد لاسهمان.
الدليل: واستدلوا بما رواه أبوداود في مراسيله بإسناد صحيح عن مكحول أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أعطى الفرس العربي سهمين والهجين سهما 1 . وله شاهد مرسل من حديث خالد بن معدان في مراسيل أبي دواد 2 وله شاهد عن ابن عباس كما في المجمع.
وعليه فالحديث حسن إن شاء الله تعالى.
وبه يترجح ما قال الحنابلة لأن الفرس العربي أقوى وأعظم نكاية في العدو من الفرس الهجين.
القول الثالث: وهو رواية عن الإمام أحمد: أن الفرس الهجين إذا عمل بعمل الفرس العربي فإن له سهمين وهذا قول قوي ظاهر لأن الشريعة لا تفرق بين المتماثلات.
إذن الفرس الهجين له سهم، لكن إن عمل كما يعمل الفرس العربي وكان فيه نكاية ظاهرة في العدو فإن له سهمين لأن الشريعة لا تفرق بين المتماثلات.
ـ هذا إذا كان الفرس قادرا على القتال قويا.
أما إذا كان مريضا فإنه لا سهم له لأن السهم إنما أعطي لنكايته في العدو أما إن كان مجرد مركوب ولا نكاية له في العدو فإنه لا فرق بينه وبين الجمل فحينئذ لا يسهم له شيء.

  • فرع:

… في ما يُسهم للفرسين فأكثر.
إذا شارك بأكثر من فرس فهل يسهم لهما؟ فيها قولان: القول الأول: قالت الحنابلة: إن كان له فرسان فله أربعة أسهم.
الدليل: ما رواه سعيد بن منصور أن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ كتب إلى أبي عبيدة ـ رضي الله عنه ـ أنه اقسم للفرس سهمين وللفرسين أربعة أسهم وللرجل سهما.
لكن الأثر منقطع.
القول الآخر: قال الجمهور: بل ليس له إلا سهمان لفرس منهما.فليس له إلا نصيب فرس واحد الدليل: قالوا: لأن الفرس الثاني لا يعدو إلا أن يكون نائيا عن الفرس الأول قائما مقامه ... ... فعلى ذلك لا يكون له إلا سهم فرس واحد.
وهذا هو القول الراجح.

  • أما إذا كان معه ثلاثة أفرس أو أربعة فاتفق العلماء على أنه لايأخذ على الثالث ولا على الرابع وغنما الخلاف في الأخذ على الثاني.
  • قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [ويشارك الجيشُ سراياه في ما غنمت ويشاركونه فيما غنم] . فالجيش المنطلق من بلاد الإسلام إلى بلاد الأعداء تخرج منه سرايا فتغنم فله نصيبه من هذه المغانم فهو يشاركها وهي أيضا تشاركه.فقد تخرج بعض السرايا فيما ينال الجيش غنيمة دونها فلها نصيبها من هذه الغنيمة.

الدليل: 1 ـ ما تقدم من أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان ينفل الربع بعد الخمس والثلث بعده للسرايا وهي غنيمة لها دون الجيش ومع ذلك فإن الجيش يشاركها، فإن الثلث أو الربع يخرج بعد الخمس والباقي يشترك فيه بقية الجيش فأشركهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أشرك الجيش بما تناله السرية وكذلك العكس.
ـ ولأن مقصدهم واحد وكلهم قد خرجوا لقتال العدو وهذا ربما أرسل في سرية وهذا بقي في الجيش للمصلحة العامة فحينئذ تشتركون في الغنيمة جمعيا.
مسائل الغلول

  • قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [والغالّ من الغنيمة يُحرّق رحله كله إلا السلاح] الغالّ: هو الكاتم شيئا من المغنم على وجه لا يحل له.

الغلول من كبائر الذنوب.
للأدلة التالية: 1 ـ قال تعالى: [ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة] 2 ـ وفي الصحيحن 1 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ـ رضي الله عنهما ـ قَالَ: (كَانَ عَلَى ثَقَلِ النَّبِيِّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ كِرْكِرَةُ فَمَاتَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صلى الله عليه وسلم ـ:} هُوَ فِي النَّارِ ﴿فَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَوَجَدُوا عَبَاءَةً قَدْ غَلَّهَا) 2 . 3 ـ وثبت في مسند الإمام أحمد وسنن النسائي ـ بإسناد صحيح ـ في حديث عبادة ـ رضي الله عنه ـ أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:﴾ .. فَأَدُّوا الْخَيْطَ وَالْمَخِيطَ وَأَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ وَأَصْغَرَ وَلَا تَغُلُّوا فَإِنَّ الْغُلُولَ نَارٌ وَعَارٌ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ { 3 .

  • مسألة: ما يُفعل بمال الغالّ.
    القول الأول:

وهنا قال المؤلف: (يحرق رحله كله) أي ما على راحلته من أثاث من أوان وزاد وسرج وغير ذلك ويستنثى من ذلك الحيوان وماله روح.ويستثنى كذلك المصحف وكتب العلم وكذلك الأسلحة هذا هو المشهور عند الحنابلة.
الأدلة: 1 ـ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:} إِذَا وَجَدْتُمْ الرَّجُلَ قَدْ غَلَّ فَأَحْرِقُوا مَتَاعَهُ وَاضْرِبُوهُ {قَالَ: فَوَجَدْنَا فِي مَتَاعِهِ مُصْحَفًا فَسَأَلَ سَالِمًا عَنْهُ فَقَالَ بِعْهُ وَتَصَدَّقْ بِثَمَنِهِ) 1 . والحديث فيه: صالح بن محمد بن زائدة وهو منكر الحديث، وقد ضعف الحديث البخاري والترمذي والدارقطني وغيرهم من أهل العلم.
2ـ وروى أبوداود في سننه: (..قَالَ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ حَرَّقُوا مَتَاعَ الْغَالِّ وَضَرَبُوهُ.
قَالَ أَبُو دَاوُد وَزَادَ فِيهِ عَلِيُّ بْنُ بَحْرٍ عَنْ الْوَلِيدِ وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْهُ وَمَنَعُوهُ سَهْمَهُ) 2 والحديث: ضعيف أيضا فإنه فيه الوليد بن مسلم وهو شامي عن زهير بن محمد، ورواية الشاميين عن زهير بن محمد ضعيفة.
والصحيح أنه من قول عمرو بن شعيب فهو مقطوع عليه، كما رجّح ذلك غير واحد من الأئمة فلا يصح شاهدا للحديث الأول.
القول الثاني: وذهب جمهور العلماء إلى أن الإمام ليس له أن يحرق رحله.

الدليل: ما رواه أبوداود في سننه ـ بإسناد حسن ـ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَصَابَ غَنِيمَةً أَمَرَ بِلَالًا فَنَادَى فِي النَّاسِ فَيَجِيئُونَ بِغَنَائِمِهِمْ فَيَخْمُسُهُ وَيُقَسِّمُهُ فَجَاءَ رَجُلٌ بَعْدَ ذَلِكَ بِزِمَامٍ مِنْ شَعَرٍ فَقَالَ: (يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا فِيمَا كُنَّا أَصَبْنَاهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ) فَقَالَ:} أَسَمِعْتَ بِلَالًا يُنَادِي ثَلَاثًا؟ ﴿قَالَ نَعَمْ قَالَ:﴾ فَمَا مَنَعَكَ أَنْ تَجِيءَ بِهِ؟ ﴿فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ:﴾ كُنْ أَنْتَ تَجِيءُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلَنْ أَقْبَلَهُ عَنْكَ { 1 قالوا: فهنا الرجل لم يحرق متاعه.
قالوا: ولم يصح في تحريق المتاع حديث كما قرر ذلك الإمام البخاري رحمة الله عليه.
القول الثالث: واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ وتلميذه ابن القيم: أن تحريق المتاع جائز من باب التعزير لا من باب الحد.
أي أنه للإمام أن يعزر بذلك وله أن يعزر بشيء آخر كضربه أو تأنيبه أو غير ذلك كما أنّب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الرجل في القصة المتقدمة.

وهذا مبني على القول الراجح في مسألة جواز التعزير بالمال.
كما تقدم في قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ـ في زكاة السائمة ـ:} وَمَنْ مَنَعَهَا فَإِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالِهِ عَزْمَةً مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا عَزَّ وَجَلَّ لَيْسَ لِآلِ مُحَمَّدٍ مِنْهَا شَيْءٌ { 1 وغير ذلك من الأدلة الدالة على هذه المسألة وسيأتي الكلام عليها في باب التعزير إن شاء الله تعالى.
فالتعزير بالمال جائز وتدخل فيه هذه المسألة فللإمام أن يعزر بتحريق متاعه.
فإن قيل: هذا فيه إتلاف للمال وإفساد له فيقال: نعم، لكن لمصلحة راجحة وهي عظم التنكيل وشدة التأنيب فإن في ذلك تنكيلا ظاهرا به.
الترجيح: وهذا القول الثالث هو الراجح في هذه المسألة واستظهره صاحب الفروع وصوبه صاحب الإنصاف.فالراجح إذن اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ وأن تحريق المتاع جائز للإمام إن رأى مصلحة شرعية في ذلك.

  • مسألة: وهل يمنع من سهم الغنيمة؟ الجواب: لايمنع من سهمه من القسمة كما هو المشهور في مذهب أحمد وغيره.
    والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يصح عنه أنه منع من غلّ من سهمه أو استرده منه.
    وهو حق مالي ثابت له فلا يمنع منه بمعصية.
    القول الثاني: وعن الإمام أحمد رواية أخرى أن الإمام يمنعه من سهمه.
    وهذا القول ظاهر في باب التعزير المالي.
    فللإمام أن يعزره بأن يمنعه سهمه.
    وله أن يعطيه سهمه ويعزره بباب آخر من أبواب التعزير.
    إذن: للإمام أن يمنعه من سهمه تعزيرا له.
    وهذا داخل في مسألة التعزيز بالمال.

  • مسألة: في توبة الغال.

ـ وقد أجمع أهل العلم على أن الغالّ إن تاب فأراد أن يعيد ما غلّ وكان قبل القسمة والتخميس فإنه يدفعه بيت المال ليخمس ويقسم على الغانمين ليأخذ كل صاحب حق حقه فلبيت المال الخمس وأربعة أخماسه للغانمين.

  • فرع: أما إن كان ذلك بعد تخميس الغنيمة وتقسيمها: ففيه قولان: القول الأول: قال الحنابلة: يدفع إلى بيت المال الخمس.
    ويتصدق بأربعة أخماسه عن الغانمين.
    وذلك لأنه حق لا يمكن أن يعطى صاحبه فقد أخذ الغزاة نصيبهم ولا يمكن أن يقسم عليهم هذا الباقي بعد الخمس فحينئذ يكون كالمال الذي لا يهدى إلى صاحبه فيتصدق عنه به.

القول الثاني: قال الشافعية وهو اختيار الآجرّي من الحنابلة وصوبه صاحب الإنصاف: أنه يدفع كله إلى بيت المال أي كل ما غُلّ يدفعه إلى بيت المال.
الترجيح: والقول الثاني أظهر بناء على المسألة السابقة التي تقدم ذكرها وهي أن الغنيمة لا تملك إلا بعد قسمتها.
فالغنيمة حق لبيت المال وملك له حتى تقسم بين الغانمين وهنا لم تقسم الغنيمة التي وقع عليها الغلول فحينئذٍ تكون في بيت المال.
هذا هو الأظهر وعليه فيرد ما غلّ إلى بيت المال مطلقا سواء كان ذلك قبل أن تخمس الغنيمة وتقسم أو كان ذلك بعد تخميسها وتقسيمها.

الأراضي المفتوحة (المغنومة)

الأراضي المفتوحة قسمان: ـ الأول: ما فتح عنوة.الثاني: ما فتح صُلحا.
والكلام الآن عن: القسم الأول: ـ وهي ما فتح عنوة.

  • قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [وإذا غنموا أرضا فتحوها بالسيف خُيّر الإمام بين: قسمها، ووقفها على المسلمين] . إذا افتتح المسلمون قرية بالسيف ـ أي بالقتال ـ فإن الإمام مخير بين أن يقسم هذه الأرض بين الغانمين وبين أن يوقفها على المسلمين.
    هذا هو القول الأول وهو المشهور في مذهب أحمد وأبي حنيفة.
    الدليل:

1 ـ ما ثبت في سنن أبي داود ـ بإسناد صحيح ـ: (عَنْ رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا ظَهَرَ عَلَى خَيْبَرَ قَسَمَهَا عَلَى سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ سَهْمًا جَمَعَ كُلُّ سَهْمٍ مِائَةَ سَهْمٍ فَكَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِلْمُسْلِمِينَ النِّصْفُ مِنْ ذَلِكَ وَعَزَلَ النِّصْفَ الْبَاقِيَ لِمَنْ نَزَلَ بِهِ مِنْ الْوُفُودِ وَالْأُمُورِ وَنَوَائِبِ النَّاسِ) 1 فهذا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يجعل أربعة أخماسها للغانمين، بل جعل النصف للغانمين، وجعل النصف الآخر للمصالح.
2ـ عُمَرُ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ـ: (لَوْلَا آخِرُ الْمُسْلِمِينَ مَا فَتَحْتُ قَرْيَةً إِلَّا قَسَمْتُهَا بَيْنَ أَهْلِهَا كَمَا قَسَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَرَ) 2 فعمر ـ رضي الله عنه ـ قد أوقف مصر والشام والعراق لمّا فتحت في عهده ـ رضي الله عنه ـ لمصلحة آخر المسلمين ولم يقسمها على الفاتحين.
ولم يعلم له مخالف فكان إجماعا.
3 ـ قالوا: فهذه الأدلة السابقة تبين آية الأنفال وتخصصها، تبين أن المراد بالغنائم فيها ماسوى الأرض من الأموال المنقولة كالذهب والفضة والمواشي والثياب وغير ذلك فيه التي تقسم بين الغانمين.
وأما الأرض فللإمام في ذلك الخيرة.
4 ـ ومما يدل على أن المراد بالغنائم في الآية ما عدا الأرض أن هذه الأمة قد اختصت بإباحة الغنائم لها، كما في الصحيحين من قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:} وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد من قبلي {.

قالوا: والأرض أحلت لمن قبله كما في قوله تعالى: [وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها] فكانوا يرثون الأرض ويغنمونها.
فدل على أن المراد بالغنائم في الآية ما سوى الأرض من المنقول كالذهب والفضة والماشية وغيرها.
القول الثاني: وذهب المالكية والشافعية إلى أن مجراها مجرى القسمة أي فتخمس وأربعة أخماسها للفاتحين فليس للإمام أن يوقفها كلها بل له الخمس وأما أربعة أخماسها فإنه يقسم في الغانمين الدليل: قوله تعالى: [واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول.
قالوا: والأرض غنيمة فيخمسها الإمام وأما أربعة أخماسها فإنه يقسمها على الغانمين.
الترجيح: والقول الأول وهو ما ذهب إليه الحنابلة والأحناف هو الراجح لقوة دليلهم ولما أوردوه في الرد على ما استدل به المالكية والشافعية وبه صحت سنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وسنة أمير المؤمنين عمر ـ رضي الله عنه ـ.

  • قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [ويضرب عليها خراجا مستمرا يؤخذ ممن هي بيده] . هذه هي المصلحة: وهي أن الأرض التي قد أوقفت يضرب الإمام عليها خراجا.
    وهو مال يدفع سنويا ممن الأرض تحت يده.
    فيدفعه إلى الإمام.
    والإمام يصرفه في مصالح المسلمين.
    قوله: (ممن هي في يده) سواء كان مسلما أم ذمّيّا فيؤخذ هذا الخراج كأجرة على من هي بيده.
  • قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [والمرجع في الخراج والجزية إلى اجتهاد الإمام] .

فالإمام يجتهد ويحدد قدر الخراج فيحدده بما هو اصلح باجتهاده بالنظر إلى أحوال الناس وبالنظر إلى الأرض في كونها ذات جصّ قوي أو جصّ ضعيف وباختلاف الأزمنة من زمن لآخر فيقدر الإمام ما يراه مناسبا.
لأن الشارع لم يرد فيه تحديد فيرجع إليه فيه فالمرجع في ذلك إلى الإمام فيحدد باجتهاده فيما وأصلح كالجزية تماما.هذا في أصح الروايتين عن الإمام أحمد رحمة الله عليه كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
كل هذا فيما لو فتحت الأرض عنوة وقهرا.
القسم الثاني: وهي ما فتح صُلحا: ـ أما إذا فتحت الأرض صلحا فلا تخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يصالح الكفار المسلمين على أن تكون الأرض لهم أي للكفار.
فحينئذٍ تكون الأرض للكفار ويدفعون خراجها للمسلمين.
الحالة الثانية: أن يصالح المسلمون الكفار على أن تكون الأرض للمسلمين، ويشتغل بها الكفار ويدفعون خراجها للمسلمين.
فهذه الحالة لها حكم المسألة السابقة أي الحالة الأولى من جهة أن الأرض تبقى بأيديهم ويعملون بها ويدفعون خراجها لبيت مال المسلمين ولم بيعها إلى مسلم أو ذمي ويبقى الخراج ثابتا عليها.
أما الحالة الأولى: فحينئذٍ إذا أسلم الكفار أو أسلم بعضهم سقط الخراج عمن أسلم وبقيت الأرض ملكا له لا خراج فيها.
فإذا صالح المسلمون الكفار على أن تكون الأرض للكفار فإذا أسلموا أوأسلم بعضهم فإن الخراج يسقط وذلك لعدم ملكية الأرض للمسلمين أولا.
ولأن الخراج كالجزية يسقط بالإسلام: فكما أن الجزية تسقط عن الكافر إذا أسلم فكذلك الخراج يسقط عنه فتبقى الأرض على ملكيتها ويسقط عنه الخراج.

  • قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [ومن عجز عن عمارة أرضه أجبر على إجارتها أو رُفع يده عنها] . رجل له أرض خراجية ولم يعمرها بزرع أو شجر فإنه يجبر على إجارتها أو رفع يده عنها.

أي: إما أن يعمّرها وإما أن يؤجرها، وإما أن نرفع يده عنها أي يتركها تقع في يد الأسبق إليها.
وذلك لأن في تركها عاطلة تفويتا لحق بيت المال بالخراج.

  • قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [ويجري فيها الميراث] . بمعنى أنها تورث لأنها حق فتورث كسائر الحقوق فإذا مات الرجل ورثها أقاربه كسائر ماله لأنها حق له فبموته يجري فيها الإرث.

بابٌ: الفَيْء الخلاصة: [وما أخذ من مال المشرك بغير قتال كجزية وخراج وعشرٍ ما تركوه فزعا وخمس خمس الغنيمة ففيء يصرف في مصالح المسلمين] .

  • قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [وما أخذ من مال المشرك بغير قتال كجزية وخراج وعشرٍ] . العشر: هو مايضرب على تجارة الكفار إذا أدخلوا تجارتهم إلى البلاد الإسلامية.
    وعلى الذميين نصف العشر.
    وعلى الحربيين الذين يدخلون بأمان إلى البلاد الإسلامية ليتجروا فيها أو يدخلوا تجارتهم فيها عليهم العشر.

  • قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [وما تركوه فزعا] . أي لم يقع قتال بين المسلمين والكفار وقد ترك هؤلاء الكفار أموالهم من غير قتال.
    قال تعالى: [ما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب] فهذا يُعتبر فيئا لا يقسم بين الغانمين فليس له حكم القسمة.

  • قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [وخمس خمس الغنيمة] . تقدم الكلام في هذا عند الكلام على خمس خمس الغنيمة وأنه يكون في يد الإمام يصرفه في مصالح المسلمين.
    وتقدم ترجيح قول الإمام مالك وأن الخمس كله فيء لمصالح المسلمين إلا ما يحتاج إليه ذوو القربى.

  • قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [ففيء يصرف في مصالح المسلمين] .

إذن: الجزية والخراج والعشور وما يؤخذ من الكفار بغير قتال وخمس خمس الغنيمة كل هذا فيء يصرف في مصالح المسلمين.
فمنه رزق الإمام والقضاء والأمراء والمدرسين وغيرهم وكذا بناء المساجد وإصلاح الطرق وبناء القناطر وغير ذلك من مصالح المسلمين وإغناء الفقراء وغيرها من المصالح والحاجيات للمسلمين.
إذن: الفيء يصرفه الإمام في مصالح المسلمين.
وهذا في كل مايدخل بيت المال حتى التجارات والمكاسب التي يكتسبها بيت المال ومن ذلك ما في هذه الأزمان من بترول ومعادن وغير ذلك مما يستخرج من الأرض هذا كله فيء يصرف في المصالح الإسلامية.
الأدلة: 1 ـ قال عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ كما في سنن البيهقي ـ بإسناد صحيح ـ: (كل المسلمين لهم حق في الفيء) وقال: (لم يبق أحد إلا له حق في هذا المال إلا ما ملكت أيمانكم من أرقائكم فإن عشت إن شاء الله تعالى لم أُبق أحدا من المسلمين إلا سيأتيه حقه حتى الراعي يأتيه حقه منها ولم يعرق فيها جبينه) 1 والأثر إسناده صحيح.
2 ـ وفي سنن أبي داود عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ ـ رضي الله عنه ـ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَتَاهُ الْفَيْءُ قَسَمَهُ فِي يَوْمِهِ فَأَعْطَى الْآهِلَ حَظَّيْنِ وَأَعْطَى الْعَزَبَ حَظًّا) 2

  • ويبدأ بالأهم فالمهم، فيبدأ مثلا بأرزاق القضاة والأمراء والمقاتلة فهذا أولى من البدء بالغني الذي لا حاجة له في المال.
    وما يبقى فيصرفه في مصالح المسلمين فهو حق لهم يقسمه بين المسلمين غنيهم وفقيرهم من الأحرار.

باب عقد الذمة وأحكامه.. الذمة لغة واصطلاحا: الذمة: لغة، العهد.
وفي الاصطلاح: عقد يقيمه الإمام، يقر به الكفار على كفرهم مع إعطائهم الجزية أو التزامهم بأحكام الشريعة في الجملة.

وقوله (يقر به الكفار على كفرهم) أي في حكم الدنيا وإلا فإنهم لا يُقرون عليه في حكم الآخرة.
فالمعقود عليه هو الذمي.
جماعتهم: الذميون.
هذا هو عقد الذمة.

  • قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [ولا يعقد لغير المجوس وأهل الكتابين ومن تبعهم] . فلا يجوز هذا العقد إلا لصنفين من الناس.
    1 ـ الصنف الأول: أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى.
    2 ـ الصنف الثاني: وهم المجوس.

أما صنف الكتابين: فدليله قوله تعالى: [قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يُعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون] فهذا في الجزية على أهل الكتاب.
وأما المجوس: فقد ثبت في البخاري من حديث عبد الرحمن بن عوف ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذها ـ الجزية ـ من مجوس هجر 1 . هذا هو المشهور من مذهب أحمد والشافعي وأن الجزية لا تؤخذ إلا من أهل الكتاب والمجوس ومن تبعهم أي من تبعهم على دينهم.
وإن لم يكن أصلا منهم.
ذلك لأن اليهود والنصارى من بني إسرائيل فمن تبعهم من العرب والإفرنج أو غيرهم له هذا الحكم وكذلك ديانة المجوس فإنها في الأصل في الفرس ممن كانوا مجوسا من غير الفرس كبعض مجوسية العرب أو غيرهم فإن الجزية تؤخذ منه ولا تؤخذ الجزية ـ في هذين المذهبين ـ من غير هذه الأصناف فهي خاصة في اليهود والنصارى والمجوس.
لأن الله تعالى قال: [من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون] وقد أمرنا بقتال الكفار، قال تعالى: [وقاتلوا المشركين كافة] وقال: [وقاتلوهم حتى لاتكون فتنة] وليس في ذلك ذكر للجزية.
قالوا: وأما المجوس فقد ثبت الدليل بأخذ الجزية منهم ماثبت في البخاري وتقدم.
قالوا: وإنما فرق بين المجوس وعبدة الأصنام أن لهم كتابا فرفع.

روي ذلك عن علي بن أبي طالب كما في مصنف عبد الرزاق 1 غير أن السند لا يصح كما قرر هذا ابن القيم وغيره.
قالوا: فإذا ثبت أن لهم كتابا فرفع فإن فيهم شبهة أهل الكتاب.
وعليه: فإن الجزية تؤخذ منهم.
القول الثاني: وقال الأحناف والمالكية: تؤخذ الجزية من الكفار عامة، فكل الكفار مخيرون بين ثلاثة خصال:إما الإسلام وإما الجزية وإما القتال.
1 ـ واستدلوا بحديث بريدة الثابت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له:} فإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال ﴿: وفيه:﴾ فإن أبوا فاسألهم الجزية فإن هم أجابوا فاقبل منهم ﴿فهنا قد ثبت الحكم على وجه العموم.
فإنه قال:﴾ فإن لقيت عدوك من المشركين {قالوا: هذا الحديث عام في كل كافر.
2ـ قالوا: ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخذها من المجوس وهم عبد النار ولا كتاب لهم.
أما ما روي عن علي فإنه لا يصح.
ولو صح فإن العبرة بالحال.
فإنهم في الحال لا كتاب لهم وهؤلاء عبدة الأصنام من العرب ومن قريش وغيرهم كانوا أتباعا لإبراهيم عليه السلام ومع ذلك فأنتم لم تروا الجزية عليهم مع أنهم لهم رسول وقد اتبعوه واتبعوا ما معه من صحف ومع ذلك قد أخذها الرسول صلى الله عليه وسلم من المجوس ولا فرق بينهم وبين عبدة الأصنام من العرب أو العجم.
قالوا: وأما قوله تعالى: [من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية] فإن هذا قيد لبيان الواقع فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد نزلت عليه هذه الآية وقد فتح الله عليه بلاد العرب وذلك بعد أن أذل الله له عبدة الأصنام وأمر بقتال أهل الكتاب من اليهود والنصارى فهذا القيد لبيان الواقع حين شرعته الجزية.
الترجيح:

وهذا هو القول الراجح وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ وتلميذه ابن القيم فكل ملة من الملل تخير بين ثلاث خصال:الإسلام فإن أبوا فالجزية فإن أبوها فالقتال لعموم حديث بريدة المتقدم.

  • قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [ولا يعقدها إلا الإمام أو نائبه] . لا يعقد هذا العقد بين المسلمين والكفار إلا الإمام الأعظم أو نائبه أو أحد قواد جيشه ممن خول لهم الإمام ذلك.
    وذلك لأن عقد الذمّة من الأمور العامة الموكولة للإمام فلا يجوز الافتيات عليه بعقدها دونه وهذا ظاهر.
    وعليه فلا يجوز ولا يصح أن يعقده إلا الإمام أو نائبه أو من خوله الإمام من قواد الجيش.
    وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا بعث أميرا على جيش أو سرية.. الحديث وفيه:} فإن أبوا فاسألهم الجزية فإن هم أطاعوا فاقبل منهم ﴿فدل على أنّ قائد الجيش يجوز يجوز له أن يعقد هذا العقد دون الإمام إن أذن له الإمام بذلك.

  • قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [ولا جزية على صبي ولا امرأة] الجزية لغة: … مأخوذة من الجزاء؛ لأنها جزاء للكافر وجزاء للمسلم؛ جزاء للكافر على كفره فهي عقوبة على الكفر، وجزاء للمسلم على حفظه دم الكافر وصيانة ماله أي ثواب فهي ثواب للمسلم وأجرة على ما يقوم به من حفظ دم الكافر وماله.
    وهي جزاء على الكافر أي عقوبة له على كفره فإنها إنما تضرب عليه إذا امتنع عن الإسلام.
    الجزية شرعا: … مال يؤخذ من الكافر على جهة الصغار عليه بسبب عقد الذمة.
    وقد تقدم تعريف عقد الذمة.

  • أما الصبي فلقوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ فيما رواه الخمسة بإسناد صحيح وقيد ذكره في باب (زكاة البقر) ومنه:﴾ ومن كل حالم دينارا أو عدله معافريا { 1 أي من كل بالغ، فهذا يدل على أن غير الحالم وهو الصبي لا تؤخذ منه الجزية.

وأما المرأة فلما ثبت في البيهقي ـ بإسناد صحيح ـ أن عمر بن الخطاب كتب إلى أمراء الأجناد أن يأخذوا الجزية وألا يأخذوها من النساء والصبيان 1 . وهكذا كل من لا يقاتل المسلمين من الرهبان المعتزلين في صوامعهم لعبادتهم الذين ليس لهم رأي ولا مكيدة في الحرب.
وذلك لأن الجزية لصيانة الدم من أن يهدد فإنه يخير بين الإسلام وبين الجزية وبين القتل ومعلوم أن هؤلاء لا يقتلون وعليه فلا تؤخذ منهم الجزية.

  • قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [ولا عبد] . لأنه مال كسائر مال سيده فكما أن الكافر لايؤخذ منه على مسكنه وعلى تجارته الجزية، فكذلك لا يؤخذ من رقيقه.
    ولأن العبد لا مال له فلا تؤخذ من العبد وإن كان سيده كافرا.
    قد حكى ابن المنذر الإجماع على هذا.
    ولكن هنا رواية عن الإمام أحمد: أن الجزية تؤخذ من العبد واستدل: بما روى البيهقي في سننه أن عمر بن الخطاب قال: (لا تشتروا رقيق أهل الكتاب فإن عليهم خراجا) 2 لكن السند فيه سفيان العقيلي لم يوثقه سوى ابن حبان.
    والمشهور عن الإمام أحمد أن العبد لا تؤخذ منه الجزية وهو الراجح.
    لأنه مال فأشبه سائر مال سيده ولأن العبد لا يجب عليه واجب مالي لأنه لا مال له.
  • قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [ولا فقير يعجز عنها] . فالفقير الذي يعجز عن دفع الجزية لا تؤخذ منه قال تعالى: [لا يكف الله نفسا إلا وسعها] وهذا هو مذهب جمهور العلماء للأمة المتقدمة.
    إذن: تؤخذ الجزية من المكلف الذكر الحر الذي هو من أهل القتال.
    فأما غير المكلف وهو الصبي والمجنون وغير الحر وهو العبد، وغير الذكر وهي الأنثى ومن ليس من أهل القتال كالأعمى والزمن والراهب المعتزل في صومعته فهؤلاء لا تؤخذ منهم الجزية لأنهم غير مقاتلين، والجزية إنما شرعت لصيانة دمهم.
    ودمهم مصون في الأصل فلم تجب عليهم الجزية بعد ذلك.
  • قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [ومن صار أهلا أخذت منه في آخر الحول] . أي بالحساب.
    صورة هذا: بلغ الصبي في نصف السنة فإنها تؤخذ منه الجزية في آخر الحول بالحساب فلا يؤخذ منه حينئذ إلا نصف الجزية.
    وذلك لئلا يفرد وحده فيشق.
    فكوننا ننظر حتى يحول الحول على بلوغه ثم يعطي الجزية منفردا هذا فيه مشقة وذريعة لفوات ذلك إما بإهمال أو نسيان أو غير ذلك.
    بخلاف ماإذا كان لها وقت واحد تجمع فيه من سائر الكفار فإن هذا مظنة لحصولها وعدم فواتها.
    ومن أسلم منهم فإنها تسقط عنه.
    ولو كان ذلك بعد الحول فلو أن رجلا أسلم أثناء الحول أو بعد مضي الحول وما بقي إلا أن يدفعها لعاملها فإنها تسقط عنه.
    وذلك لأن الجزية تؤخذ مع صغاروالمسلم لا صغار عليه وهي إذلال وعقوبة على الكفر وحيث أسلم فإنه لا يدفعها لأن المسلم لا صغار عليه.
    ـ ومن مات وقد وجبت عليه فإنها تؤخذ من تركته إذا مضى الحول.
    فإن لم يتم عليها حول فبحساب ذلك.
    فتؤخذ من التركة لأنه حق مالي للمسلمين متعلق بالتركة بعد الموت كسائر الحقوق التي تتعلق بالتركة.

  • قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [ومتى بذلوا الواجب عليهم وجب قبوله وحرم قتالهم] . فإذا بذلوا الجزية فلا يجوز القتال لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:} فإنْ هم أجابوا فاقبل منهم {وقد قال تعالى: [حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون] فجعل إعطاءهم الجزية غاية فيحث أعطوا الجزية فلا يجوز أن يقاتلوا.

  • قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [ويمتهنون عند أخذها ويطال وقوفهم وتجر أيديهم] . يمتهنون امتهانا بليغا عند أخذها صغارا لهم، فيكون الآخذ جالسا ويكون الدافع قائما مطأطئ الرأس ذليلا.
    (ويطال وقوفهم) فيقال له: انتظر.
    ويطال وقوفه كثيرا إذلالا لهم وصغارا.
    (وتجر أيدهم) أي لا تؤخذ منهم بسهولة بل تجذب يده جذبا شديدا عند أخذ الجزية منه.

قالوا: لقوله تعالى: [حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون] أي أذلاء فلا بد وأن يدفعوها على هيئة يكونون فيها أذلاء.
هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة.
والراجح: خلاف ذلك وأن هذا لا أصل له في كتاب الله ولاسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في عمل الصحابة فإن هذا لم ينقل عنهم.
وإنما الصغار المذكور في الآية هو مجرد إذلالهم بإعطائهم الجزية.
وقبولهم التزام الشريعة الإسلامية في الجملة فهذا إذلال ظاهر لهم.
ولذا فإن بني تغلب وكانوا من العرب أبوا أن يعطوا الجزية وقالوا: بل ندفعها صدقة ونقول: هي صدقة.
فقبل ذلك منهم عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ بشرط أن تكون ضعف صدقة المسلمين 1 .كما ثبت هذا في مصنف بن أبي شيبة وغيره.فاستنكف هؤلاء عن دفع الجزية لأن مجرد دفعها صغار وذلة والتزامهم أيضا بشريعة أخرى لا يدينون بها صغار وذلة وهذا هو الأصح في مذهب الشافعية وقد أنكر هذا القول النووي في روضة الطالبين وبيّن أنه لا أصل له في سنة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا في عمل خلفائه الراشدين ـ رضي الله عنهم ـ. وهو كما قال.
الترجيح: فالراجح هو خلاف هذا، وأن الجزية تؤخذ منهم برفق وإحسان والشريعة تأمر بالإحسان وفي ذلك دعوة لهم إلى الإسلام.
مبحث: في مقدار الجزية: وفيه أقوال: القول الأول: وهو المشهور عند الشافعية أن الجزية دينار.

لحديث معاذ ـ رضي الله عنه ـ المتقدم، وفيه أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمره أن يأخذ من كل حالم دينارا أو عدله معافريا.
القول الثاني: وهو للمالكية: على الغني أربعة دنانير وعلى الفقير دينار.
واستدلوا بما ثبت في سنن البيهقي 1 ـ بإسناد صحيح ـ أن عمر ـ رضي الله عنه ـ ضرب الجزية: أربعة دنانير أو أربعين درهما ـ وهي عدل الدنانير من الدراهم.
القول الثالث: وهو مذهب الأحناف ورواية عن الإمام أحمد أنه يؤخذ منه ألغني ثمانية وأربعين درهما، ومن المتوسط أربعة وعشرين درهما، ومن الفقير اثني عشر درهما.
وفي ذلك أثر رواه البيهقي في سننه.
القول الرابع: وهو رواية عن الإمام أحمد وهو الصحيح في المذهب ـ كما قال صاحب الإنصاف ـ وهو مذهب الثوري وأبي عبيد القاسم بن سلام: أنها تؤخذ على حسب ما يراه الإمام؛ فمردّ ذلك إلى الإمام.
لأن هذه المسألة تختلف باختلاف الأزمان واختلاف الناس غنى وفقرا واختلاف أراضيهم وأحوالهم فكان مرجع ذلك إلى الإمام.
ويدل عليه: اختلاف الآثار المتقدمة.
ولذا فإنها ضربت على أهل اليمن دينارا وعلى أهل الشام أربعة دنانير.فإن عمر ـ رضي الله عنه ـ ضربها على أهل الشام أربعة دنانير كما في الأثر المتقدم وضربها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على أهل اليمن دينارا، ولذا قال مجاهد كما في البخاري لما سئل: (ما بال أهل الشام تؤخذ منهم الجزية أربعة دنانير وأهل اليمن تؤخذ منهم دينارا؟) فقال: (إنما فعل ذلك من أجل اليسار) أي من أجل الغنى.
فلما اختلفوا في الغنى اختلفوا في الجزية.

وهذا يدل على أنه ليس هناك مقدار ثابت بل يختلف باختلاف الناس غنا وفقرا وباختلاف أحوالهم وأماكنهم وهذا القول هو الراجح.

  • مسألة: عقد الذمة عقد باق لا يجوز تغييره.
    هذا هو المشهور في المذاهب.

وهناك قول آخر اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ: وهو أن عقد الذمة يجوز تغييره للمصلحة.
وهذا هو الظاهر.
فإذا اختلفت المصلحة باختلاف الأزمان فيجوز للإمام أن ينقض هذا العقد معهم ويعلن الحرب ويمهلهم حتى يستعدوا للحرب.
وذلك لأن المصلحة قد زالت.

  • قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [ويلزم الإمام أخذهم بحكم الإسلام في النفس والمال والعرض] . يلزم الإمام أخذ الذميين بشرائع الإسلام في النفس وفي المال والعرض؛ في النفس كالقتل والجناية على طرف من الأطراف فالسن بالسن والعين بالعين، فمن قتل ذميا من جنسه قتل به، ومن جنى على ذمي من جنسه اقتص له منه وهكذا.. وكذلك في الأموال في حماية الممتلكات فمن أتلف مالا لآخر فإنه يضمنه.
    وكذلك في العرض في القذف إذا قذف ذمي ذميا آخر بالزنا أو قذف مسلما فإن حكم الله يقام عليه.

  • قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [وإقامة الحدود عليهم فيما يعتقدون تحريمه دون ما يعتقدون حله] . تقام عليهم الحدود.
    1 ـ وثبت في الصحيحين أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أتي بيهوديين قد فجرا بعد إحصانهما فرجمهما 1 . 2ـ وفي الصحيحين أن يهوديا رض رأس جارية بين حجرين واعترف فأتي به النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأمر أن يرض رأسه بين حجرين 2 . 3 ـ وقد قال الله تعالى: [وأن احكم بينهم بما أنزل الله]

وقيده المؤلف هنا بما يعتقدون تحريمه كالزنا والسرقة فإن الحدود تقام على الذميين من قبل الحاكم المسلم إن كانوا يعتقدون التحريم، أما إن كانوا يعتقدون حل الخمر ونكاح المحارم فإن الشريعة لا يُحكم بها عليهم، لكن يُمنعون من إظهاره بين المسلمين لما فيه من أذية المسلمين وإظهار المعصية فإن أظهروه فللإمام أن يعزرهم عقوبة لهم على إظهار المعصية في بلاد الإسلام أما مسائلهم التي هي من شؤونهم الخاصة كالأنكحة والطلاق والظهار وغيرها وما ألحق بها من المسائل الأسرية فإنه لا يحكم عليهم بالشريعة الإسلامية إلا أن يتحاكموا إلينا فإن تحاكموا إلينا فللإمام أن يحكم بينهم بما أنزل الله.
وله أن يعرض عنهم.
قال تعالى: [فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم، وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا]

  • قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [ويلزمهم التميز عن المسلمين] . فيجب أن يتميزوا عن المسلمين بملابسهم ومراكبهم وأسمائهم وكناهم … فلا يكونوا على هيئة تختلطون فيها بالمسلمين اختلاطا لا يميزون به عنهم.
    وذلك لأن هذا ذريعة إلى أن يعاملوا معاملة المسلمين، ومعاملتهم معاملة المسلمين محرم،بل لهم معاملة تخصهم ولا يمكن أن يعاملوا المعاملة الشرعية التي تخصهم إلا بأن يكونوا متميزين عن المسلمين، وما لايتم الواجب إلا به فهو واجب.
    ويجب على المسلم أن يعاملهم معاملة الكفار ولا يمكن هذا إلا بأن يكونوا على هيئة يتميزون بها عن المسلمين فوجب أن يميزوا.
  • قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [ولهم ركوب غير الخيل بغير سرج بأكاف] . الأكاف: هو كساء يوضع على المركوب.
    والسرج كذلك لكن السرج فيه زينة.
    ويركبه أهل الشرف والعلو سواء كان علوا جائزا أم غير جائز.
    وأما الأكاف فهو مجرد كساء يوضع على الدابة فتركب.

فينهى أهل الذمة عن ركوب الدواب التي فيها علو وشرف فإنها قد تكون طريقا إلى خيلائهم وفخرهم على فقراء المسلمين ولأنها مركوبات علو وشرف، وهم ليسوا بأهل علو وشرف.
بل هم أهل ضعة حيث خالفوا شرع الله وقد قال تعالى: [وهم صاغرون] وفي الدارقطني من حديث عائذ بن عمرو والحديث حسن بشواهده أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:} الإسلام يعلو ولا يعلى عليه { 1 . فينهون عن ركوب الخيل ويؤذن لهم بالجمل والبغل والحمير وغير ذلك من المركوبات وهنا كذلك في هذه الأزمان فالسيارات الفاخرة يمنعون منها وأما ما يركبه أوساط الناس أو دونهم فإن هذا لا حرج عليهم بركوبه.
إذن: ينهون عن ركوب الخيل وعن وضع السرج لما فيه من العلو والشرف وقد يكون فيه استطالة على ضعفة المسلمين.

  • قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [ولا يجوز تصديرهم في المجالس] . للعلة المتقدمة فإن المجالس إنما يصدر لها أهل العلو في الدنيا أو أهل الديانة والصلاح أما هؤلاء فليسوا كذلك بل هم صاغرون.
    ولا شك أن تقديرهم وإكرامهم هذا التقدير والإكرام الزائد حيث يوضعون في صدور المجالس يخالف المقصود.
    وليس المقصود أن يمتهنوا لكن أن يكونوا في وسط الناس فلا يرفعون على الناس في المجالس فيوضعون في أفضلها بل يجلسون كعامة الناس لأن هذا مجلس شرف وعلو وهم ليسوا كذلك بل هم أهل صغار والإسلام يعلو ولا يعلى عليه.

  • قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [ولا القيام لهم] . فإذا قدموا فلا يجوز القيام لهم للتحية بل يحيي وهو جالس لما في القيام لهم من الاحتفاء بهم والإكرام لهم وهذا يناقض ما ينبغي أن يكون عليه المسلم من عدم إكرامهم الإكرام الذي يعامل به أهل الشرف والمقام العالي.

ولذا ورد في الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:} لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَلَا النَّصَارَى بِالسَّلَامِ فَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ ﴿ 1 . فهذا يدل على أنهم لا يعطون شيئا من الإكرام بل يضيق عليهم الطريق.
ويقاس على ذلك هذه المسألة وهي أنه لا يقام لهم وكذلك لايصدّرون في المجالس.

  • قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [ولا بداءتهم بالسلام] . فلايبدؤون بالسلام للحديث المتقدم﴾ لاتبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام {ولاما يشبه السلام كقوله: (كيف أصبحت؟ وكيف أمسيت؟) وغير ذلك من الألفاظ التي قد تكون في النهي أعظم أثرا من السلام فإن السلام يلقى على الخاص والعام أما مثل هذه الأسئلة فإنها توجه إلى الخاص فالمقصود أنه لايبدؤهم بتحية إنما يبدؤون هم بالتحية للحديث المتقدم فإذا ابتدؤوه بالتحية أجابهم.
    قال تعالى: [وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها] إلا أن يُخشى أن يكون في سلامهم شيء من التعريض كما كان يقع من اليهود في عهد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإنه يحييهم بما كان يجيب به الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ اليهود فيقول: (وعليكم) . كما ثبت هذا في الصحيحين من حديث عائشة 2
  • مسألة: في تهنئة أهل الكتاب: وهل تجوز تهنئتهم بما يجوز أن يهنّأ به المسلمون؟ كمولود أو ربح تجارة..لا بما لايجوز كالتهنئة بأعيادهم فإن التهنئة بها إقرار لهم على باطلهم فهي باطل.
    لكن إن هنّأهم على أمر جائز في الأصل كتهنئة بمولود أو نحو ذلك أو يعزيهم في مصابهم أو أن يشيع جنائزهم أو يعود مرضاهم، فهل يجوز هذا أولا؟ قولان، هما روايتان، عن الإمام أحمد.
    الرواية الأولى:

وهي المشهور في المذهب: أن ذلك لايجوز.
الرواية الثانية: أن ذلك يجوز لمن رُجي إسلامه.وهي اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ وهو الراجح في هذه المسألة لما ثبت في البخاري أن غلاما ليهودي كان يخدم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فمرض فأتاه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعوده فقال له:} أسلم {فأسلم 1 . وثبت في الصحيحين أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عاد أباطالب كما في الحديث المشهور ودعاه إلى الإسلام.
فلا بأس من تهنئتهم بالأشياء الجائزة وعيادة مرضاهم إن رجي إسلامهم أي إن كان في ذلك مصلحة للدعوة.
وإلا فإنهم يهجرون في معصيتهم.
لكن إن ثبتت المصلحة الشرعية في عيادة مريضهم واتباع جنائزهم وغير ذلك فلا بأس به إن رجي إسلامهم.

  • قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [ويمنعون من إحداث كنائس وبيع] . بالإجماع، كما قال ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ.

وذلك لأن إحداث الكنائس والبيع إظهار لشعيرة الكفر ولا يجوز الإقرار على ذلك، فلا يجوز أن يقروا على شعيرة من شعائر الكفر وإحداث الكنائس كذلك.
فلايؤذن لهم ببناء كنائس بناء جديدا.
لكن إن كانت الأرض لهم كأن يقع صلح بين المسلمين والكفار فتكون الأرض للكفار فإن ذلك لا يمنعون فيه لأن الأرض لهم، إلا أن يشترط ذلك عليهم المسلمون، فإن اشترط عليهم المسلمون ألا يحدثوا كنيسة ولا بيعة فإنهم يجب عليهم أن يلتزموا بذلك وعلى المسلمين منعهم.

  • قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [وبناء ما انهدم فيها] . إذا فتح المسلمون بلدا وفيها كنائس فأقرت هذه الكنائس على بناياتها يتعبد هؤلاء بها فإذا حصل فيها انهدام فهل يؤذن لهم ببنايتها من جديد؟ قال المؤلف هنا (يمنعون من اصلاح ما انهدم فيها) وهذا هو المشهور في المذهب.
    والوجه الثاني أن ذلك جائز وهذا هو الأرجح.
    لأن تجديد البناء استدامة لاإنشاء والاستدامة جائزة فهذا الكنيسة يجوز أن تبقى مستمرة مادام أنها كانت موجودة أثناء العقد بين المسلمين وبين الذميين , وتجديد بناياتها إذا انهدمت استدامة وليس بإنشاء.
    وهذا هو مناط المسألة: أن يقال: إذا انهدمت الكنيسة فهل بناؤها إنشاء أو استدامة؟ إن قلت: هو إنشاء، فإنه لا يجوز لهم لأن هذا كبناء كنيسة جديدة.
    وهذا لايجوز.
    وإن قلت: هو استدامة ـ وهذا هو الأظهر ـ فإن ذلك جائز لهم، لأن هذا الموضع من الأرض قد أُقر أن يكون كنيسة لهؤلاء الذميين فحيث حصل فيه انهدام فإنه لم يزل موقعا للكنيسة ومعبدا فإذا بني من جديد فلا يعدو الأمر إلا أن يكون استدامة لهذه الكنيسة.
  • قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [ولو ظلما] . لو اعتدى بعض المسلمين ـ وهذا أمر لا يجوز ـ فقاموا بهدم كنيسة من كنائس الذميين التي قد أقرها الإمام بالعقد الذي بينه وبين الذميين فإذا هُدمت فلا يجوز أن يبنوها مرة أخرى.

الأَولى أن يقال بجواز ذلك كما قال صاحب الفروع،لأن هذا استطالة عليهم، وإزالة حق لهم بغير وجه شرعي صحيح فلا مانع من إعادة بنائه مرة أخرى.
وقد أزيل ظلما لهم.

وعلى الترجيح المتقدم وأن بناء الكنيسة بعد انهدامها وإصلاحها استدامة لها لا إنشاء لا إشكال في هذا القول، وأنه سواء كان ظلما أو غير ظلم فإن لهم أن يبنوها من جديد وليس للمسلمين أن يمنعوهم من ذلك، إلا أن يكون هناك شرط بين الإمام وأهل الذمة أن ما انهدم من الكنائس فإنه لا يبنى، فإنهم يمنعون من ذلك لأن الناس على شروطهم فيمنعون أن يبنوا ما انهدم مادام هناك شرط بينهم وبين الإمام.

  • قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [ومن تعلية ببناء على مسلم] . لا يجوز أن يقر الذمي على بنيان بيته بحيث يكون فيه علو على بيوت المسلمين للمعنى المتقدم فالإسلام يعلو ولا يعلى عليه ولأن البيوت العالية هي بيوت أهل العلو والشرف وهم ليسوا كذلك فهم أهل ذلة وصغار كما تقدم.
    بل يمنعون من البيوت العالية مطلقا وإن لم تكن مجاورة لبعض بيوت المسلمين لأنهم بيوت عالية يسكنها أهل الشرف والعلو وهم يمنعون من فعل ما فيه علو وشرف كما تقدم.والإسلام يعلو ولا يعلى عليه.
    واستثنى الحنابلة فيما إذا اشترى الذمي بيتا من مسلم وفيه علو وارتفاع فإن ذلك جائز وهذا قول ضعيف، ولذا قال ابن القيم ـ رحمة الله عليه ـ: إن هذه المسألة أُدخلت في المذهب غلطا محضا وأنها لاتوافق أصول المذهب ولا فروعه.
    إذ لافرق بين أن يبني الذمي بيتا عاليا شاهقا يعلو به على المسلمين أو على طائفة منهم وبين أن يشتري هذا البيت من مسلم ثم يسكنه على هذه الهيئة.
    لا فرق بين المسألتين فإن المفسدة حاصلة منهما جميعا ومثل ذلك الاستئجار فإن استئجار البيوت العالية ممنوع عليهم.
  • قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [ولا مساواته له] .

فإذا بنى بيتا يساوي بيت المسلم ولو كان هذا البيت الذي قد بناه بيت عال فلا بأس ما دام أنه على مساواة البيوت التي قد بناه من حوله من المسلمين.
الوجه الثاني في المذهب: أن ذلك لا يجوز.
وهذا هو الأرجح.
وذلك لأن البيت المساوي لبيت المسلم وفيه علو قد حصل له به العلو والشرف، وهو ممنوع عليه وإن كان ذلك مساويا للمسلمين كما يمنعون من ركوب الخيل وإن ركبها المسلمون كما يمنعون من وضع السرج وإن وضعها المسلمون فكذلك يمنعون من البيوت العالية المرتفعة التي إنما يسكنها أهل الشرف والجاه والمنزلة وإن كانت بيوت المسلمين كذلك لأنها بيوت علو وشرف، وهم ليسوا كذلك، وإن كانت أقل مفسدة من البيوت التي هي أعلى من بيوت المسلمين لمنع دخول الاستطالة فيها، فإن الاستطالة ممكنة مادام أن بيوتهم كبيوت المسلمين.
فإذن يكونون في مركوبهم وفي مسكنهم على درجة دون درجة أهل العلو والشرف.

  • قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [ومن إظاهر خمر وخنزير وناقوس وجهر بكتابهم] . لأن الجهر بالمعصية محرم فإظهارالمعاصي محرم وفيه أذية للمسلمين فيمنعون من إظهار شرب الخمر ومن إظهار أكل الخنزير أو وضع المسالخ له أو نحو ذلك وبيعه بالمحلات ويمنعون مما ذكره من الناقوس في كنائسهم ومن الجهر بقراءة كتبهم ومثل ذلك وضع الدعايات لدينهم وتأليف الكتب في ديانتهم ووضع إذاعات للدعوة إلى دينهم كل هذا يمنعون منه لما فيه من إظهار دينهم.
    والشريعة إنما فرضت عليهم ما يمنع إظهار الدين.
    ولما فيه إظهار شعائر الكفر من قصد إيذاء المسلمين ومجرد إظهارها يخالف مقصود الشارع.
  • قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [وإن تهود نصراني أو عكسه لم يقرّ ولم يُقبل منه إلا الإسلام أو دينه] . إذا كان تحتنا في بلادنا ذميون يهود ونصارى فانتقل اليهودي إلى النصرانية أو النصراني إلى اليهودية فهل يُقر على هذا؟ فيه ثلاثة روايات: الرواية الأولى:

قال المؤلف: (لا يُقرّ) ، وعليه فإن الإمام يحبسه ويعذبه في نفسه وماله حتى يعود إلى دينه أو يدخل في الإسلام ولا يقتل لشبهة العقد الذي بيننا وبينهم من حفظ دمه وماله لكنه يلزم بأحد الأمرين.
وإلزامه أن يرجع إلى دينه قول غريب.
الرواية الثانية: ورد عن الإمام أحمد أنه يلزم بالإسلام فإما أن يسلم وإما أن يبقى على ماهو عليه بالضرب والتأديب وغير ذلك.
لأن في إرجاعه إلى النصرانية شيء من الإقرار الظاهر له.
وفي إلزامه أن يعود إليها تأييد لها فيبقى الإلزام بالإسلام.
الرواية الثالثة: وعن الإمام أحمد وهو أظهرها أنه يقرّ مطلقا؛ فله أن يرجع من اليهودية إلى النصرانية ومن النصرانية إلى اليهودية أو غيرها من ملل الكفر وذلك لأن العقد الذي بيننا وبينه هو إقراره على الكفر والكفر ملة واحدة.
ثم في الحقيقة فاليهودي والنصراني وعابد الوثن وعابد النار في الحقيقة ملة واحدة قال تعالى: [والذين كفروا بعضهم أولياء بعض] فالراجح: أنه يُقرّ، وأن له أن ينتقل إلى أي دين شاء.
لأنه إنما أُقر على الكفر أصلا بالشروط المتقدمة ولافرق بين أن يبقى على ديانته النصرانية أو ينتقل إلى اليهودية أو العكس لافرق بين هاتين الملتين أو غيرهما.
إذن هنا ثلاثة أقوال أرجحها القول الأخير.

  • قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [فإن أبى الذمي الجزية أو التزام حكم الإسلام أو بغى على مسلم بقتل أو زنا أو قطع طريق أو تجسس أو إيواء جاسوس أو ذكر الله أو رسوله أو كناية بسوء انتقض عهده] .

إذا أبى الذمي بذل الجزية أو أبى أن يلتزم بحكم الإسلام أو كان منه اعتداء على المسلمين بقتل أو قطع طريق أو زنا أو سبّ الله ورسوله أو دين الإسلام أو كتاب الإسلام فإن عهده ينتقض مطلقا، هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة.
القول الثاني:

وذهب الشافعية إلى التفصيل في هذا وأنه إن أبى أن يلتزم بالجزية أو أبى أن يلتزم بحكم الإسلام أو فعل ما يناقض عهد الذمة كالقتل فإن عهده يُنقض وما سوى ذلك فإن حكم الإسلام يُقام عليه إن كان حدا أو قصاصا أو تعزيرا.
إلا أن يكون قد اشترط فإن هذا الشرط يعمل به بمعنى: إن قيل للذميين أثناء العقد متى ما فعلتم القتل أو الزنا أو آويتم جاسوسا أو نحو ذلك فإن العهد ينتقض ولاذمة لكم فإن الناس على شروطهم.
فمذهب الشافعية هو التفصيل فإن أبى بذل الجزية أو التزام الشريعة فإن عهده ينتقض وذلك لأنه لا قوام لعهد الذمة إلا بهما.
فإن عقد الذمة لايصلح إلا بهما.
قالوا: وكذلك إذا كان ما فعله يخالف وينافي مقتضى العقد ـ وهو فيما إذا قاتلنا ـ فإذا قاتل الذمي المسلمين أو سعى في قتالهم فإن عهده ينتقض وذلك لأن مقتضى عقد الذمة الأمان من الجانبين وحيث وقع من الذميين قتال فإن هذا ينافي ويخالف العقد الذي بيننا وبينهم وهو عقد الذمة الذي مقتضاه الأمان من الجانبين أما ماسوى ذلك فيحكمون بما أنزل الله وهذا هو الراجح إذ لادليل على انتقاض العقد بماذكروه مع إبرامه وثبوته.
وما ذكروه فإن مثله في الغالب يقع من اعتداء على الأعراض أو على النفوس في المجتمعات الكبيرة.
وإذا سب الذمي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مثلا فإنه يقتل من غير استتابة كما قرر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ في كتابه الصارم المسلول وهكذا إن قتل نفسا أو زنا فإنه يقام عليه الحدّ فالأصل هو بقاء عقد الذمة فلا ينتقض إلا بدليل.

  • قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [انتقض عهده دون نسائه وأولاده] . أي عهده هو دون نسائه وأولاده وذلك لأنه لم يحصل منهم ما يوجب النقض وحصوله من عائلهم لا يوجب النقض منهم [لا تزر وازرة وزر أخرى] فلا يكونون حربيين لكون من يقوم بشأنهم قد ينقض العهد الذي بينهم وبين المسلمين بل يعطي لهم ذمة الله ورسوله.
  • قال المؤلف ـ رحمه الله تعالى: [وحلّ دمه وماله] . (حل دمه) : أي أصبح في حكم الحربيين، لأن حفظ دمه إنما كان للعهد الذي بينه وبين المسلمين وحيث إنه نقض العهد فقد أصبح دمه حلالا لا حرمة له.
    وحينئذٍ فالإمام مخير فيه بين أربعة خصال.
    القتل والفداء والمنّ والاسترقاق.
    فللإمام الخيار بين هذه الخصال لأنه أصبح كالأسير الحربي.

(وماله) : أيضا ماله يكون حلالا لأن الحربي ماله حلال وهو حربي.
فإن قيل: فلم لا يكون لنسائه وأولاده؟ الجواب: أنه إنما يكون لنسائه وأولاده بسببه، وهنا لم يقع سببه، وسببه هو الموت، فإذا مات انتقل إلى نسائه وأولاده إرثا وهنا لم يمت، هو مال له، فحينئذٍ يتبعه في عدم الحرمة فيكون فيئا لبيت المال.
لأنه تبع له ولا ينقل لهم إلا بطريق شرعي من إرث أو غيره وهنا الطريق لم يثبت فبقي المال فيئا.

استدراكات: ولم يتكلم المؤلف في كتاب الجهاد عن مسألة الأمان والهدنة.
وسنتكلم عليهما إن شاء الله تعالى تباعا.

الأمَان لغة: من الأمن وهو ضد الخوف، والمستأمَن أو المستأمِن: هو من رفض استباحة دمه وماله ورقه ودخل ديار الإسلام.
ومن أحب من المشركين أن يسمع كلام الله في البلاد الإسلامية ويتعلم الإسلام فإنه يجب أن يؤمّن.
قال تعالى: [وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه] إذا سمع كلام الله فإنه يبلغ مأمنه فيحفظ في طريقه حتى يصل إلى الموضع الذي يؤمن به من المسلمين.

  • وعقد الأمان يصح من كل مسلم مكلف ذكر كان أو أنثى حرا كان أو عبدا بشرط أن يكون مختار أي غيرمكره وبشرط عدم الضرر.
    هذا هو الأمان الخاص.
  • نوعا الأمان: فإن الأمان نوعان خاص وعام.
    فالأمان الخاص: هو أن يؤَمَّن رجل أو طائفة من الناس.
    وأما الأمان العام: فهو ما يقع لحماية الكثرة من الكفار، كأن يقع لبلدة كبيرة أو نحو ذلك.

فالأمان العام لا يكون إلا من الإمام لأن مثل هذه الأمور أمور عامة فتوكل بالإمام فهو الناظر فيها والاعتداء عليه في عقدها افتيات عليه.
والأمان الخاص يشترط عدم الضرر على المسلمين ودليل ذلك قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:} ذمّة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم ﴿ 1 وما ثبت عن عائشة كما في سنن أبي داود: (إن كانت المرأة لتأخذ على الناس) 2 أي لتأخذ الأمان على الناس.
ـ وقد قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأم هانيء:﴾ قد أجرنا من أجرت يا أم هانيء ﴿ 3 متفق عليه.
فإذا أمّن مسلم كافرا فإنه لا يجوز الاعتداء عليه في دمه ولا ماله ... . واختلف في المميز العاقل على قولين هما قولان في مذهب الإمام أحمد.
القول الأول: وهو مذهب مالك.
أن المميز يصح أمانه لعموم قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:﴾ ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم ﴿. القول الثاني:وهو مذهب الجمهور.
أن الصبي لايقع منه أمان.
وذلك لضعف يصرفه.
ولذا فإن الصبي لايصح تصرفه في ماله فكيف يصح تصرفه في شأن من شؤون المسلمين.
وهذا هو الراجح.لأن الصبي ضعيف التصرف ولذا يكون عليه الولي في ماله فهنا كذلك لايصح أمانه.
ـ وإن اعتدى فقتل معاهَدا أو مستأمنا فإنه قد ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب يستحق عليها تعزيرا بالغا.
فقد ثبت في الصحيحين أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:﴾ من أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لايقبل منه صرف ولا عدل { 4 من أخفر أي نقض عهده

وفي البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:} مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا { 1 الهدنة هي عقد يقيمه الإمام أو نائبه مع الحربيين مدة محدودة من الزمن بعوض أو بغير عوض وفيها مسائل:

  • المسألة الأولى: الدُّور دارن أن الدور داران؛ دار إسلام ودار كفر.
    فدار الإسلام: هي التي يُحكم فيها بالإسلام.وإن كان أكثر أهلها يهودا أو نصارى.
    وأما دار الكفر: فهي الدار التي لايحكم فيها بشرع الله وإن كان أكثر أهلها مسلمين.
    ودار الكفر قسمان: الأولى: دار حرب: وهي التي ليس بين المسلمين وبينها عقد ولا ذمة.
    الثانية: دار عهد: وهي التي بينها وبين المسلمين عهد.
    هكذا قسم الفقهاء الدور.
    فإذا عقد الإمام مع دار الحرب عقدا لمدة زمنية محدودة سواء بعوض أم بغير عوض فهذه هي الهدنة.

  • المسألة الثانية: هل تجوز الهدنة مع الكفار بعوض؟ لا إشكال أنه يجوز أن يكون العوض من الكفار فإنه من جنس الجزية.
    لكن: هل يجوز أن يكون العوض من المسلمين؟ القول الأول: وهو المشهور في مذهب أحمد والشافعي: أن ذلك لا يجوز.
    وهذا ظاهر؛ فإن فيه ذلة وصغارا.
    وهو من جنس الجزية ولا يجوز للمسلمين أن يرضوا بالصغار والذلة وقد أظهرهم الله.
    ويستثنى من ذلك ـ كما قرره الموفق وغيره ـ إذا اضُطر المسلمون إلى ذلك فإن الضرورات تبيح المحرمات.
    فإذا خشي المسلمون على أنفسهم وأموالهم وذراريهم وبلادهم وكان للكفار سطوة وقوة والمسلمون على ضعف فيجوز إقامة الهدنة بعوض من المسلمين من باب الوقوع في المفسدة الصغرى دفعا للمفسدة الكبرى.

  • المسألة الثالثة: في مدة الهدنة

ثبت في السنة ـ كما في سنن أبي داود ـ والحديث حسن وفيه عنعنة محمد بن إسحاق ـ لكن صرح بالتحديث في سنن البيهقي من حديث المسور بن مخرمة أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ صالح قريشا عشر سنين يأمن فيها الناس.
واختلف أهل العلم: هل يجوز الزيادة على عشر سنين؟ على ثلاثة قوال: القول الأول: وهو قول الشافعية والحنابلة.
أنه لايجوز ذلك.
لأن الله أمرنا بقتالهم قال تعالى: [وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة] وغيرها من الآيات الدالة على وجوب قتالهم.
والهدنة تنافي القتال فلا يجوز فيها إلا ما وردت به السنة وهو عشر سنين.
القول الثاني:وهو قول الأحناف.
وهو جواز الزيادة على عشر سنين.
وذلك إن ثبتت المصلحة في ذلك.
قالوا: لأن وضع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لها عشر سنوات هذا لامعنى له إلا أن في العشر مصلحة حينئذ وإلا فإن هذا العدد لا أثر له.
وهذا هو الأظهر.
وأن إقامة الهدنة مع الكفار أكثر من عشر سنوات جائز وذلك إذا ثبتت المصلحة في ذلك.
القول الثالث: واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ جواز الهدنة مطلقا لكن بشرط أن تكون الهدنة يجوز نقضها وإن كان ذلك ولا بد مسبوقا بإعلام.
وهذا قوي وذلك لأن العقد والهدنة لازمة، فليس للكفار أن ينقضوا وليس للمسلمين أن ينقضوا.
أمّا والعقد جائز فإن هذا لامفسدة فيه فمتى رأى المسلمون من أنفسهم القوة على قتال الكفار فحينئذٍ ينقضون ما بينهم وبين الكفار ويعلنون هذا للكفار لاحرج في مثل هذا العقد.

فإن رأى الإمام من الكفار أمارات النقض وظهر منهم ما يدل عليه فإن الإمام ينقض عهدهم قال تعالى: [فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم] ولكن عليه أن يعلن ذلك وأن يظهره فلا يقاتلهم على حين غرة منهم.
قال تعالى: [فإمّا تخافنّ من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء] أي انبذ إليهم عهدهم والعقد الذي بينك وبينهم على سواء أي على وضوح وظهور فلا تكن في ذلك خفيا.
وهو إذا قاتلهم على غير ذلك فإن ذلك في الظاهر خيانة ولا ينبغي للمسلم أن يتصف به إذ الله عزوجل لا يحب الخائنين.

  • فرع: في مدة الأمان اختلف العلماء هل يجوز أن يكون عقد الأمان مطلقا، أم لا بد أن يكون مقيدا؟ الجواب: فمنهم من قال: يجوز أن يكون مطلقا.
    ومنهم من منع من ذلك.
    وقال: غايته سنة.
    فإذا مضت السنة فإنه يُلزم بالجزية وذلك لأن الله عزوجل أمر بقتالهم إلا أن يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون فلا بد وأن يقاتل إلا أن يعطى الجزية وهذا أظهر وأن الأمان لا يكون مطلقا بل يكون عدة يسيرة تقتضيها المصلحة العامة.

  • مسألة: في الهدنة: إذا كان في الهدنة شرط يخالف كتاب الله أو يخالف مقتضى العقد فإن الهدنة لا تصح.
    مثال ما يخالف كتاب الله: لو اشترط الكفار أن ترد إليهم النساء المهاجرات قال تعالى: [لاهنّ حل لهم ولاهم يحلّون لهم] . وإرجاعهنّ إليهنّ ذريعة إلى الوقوع بهن ….

  • ومثال ما خالف مقتضى العقد: أن يشترط أحدهما النقض له , أو يكون لهما كليهما النقض.ومن هنا فإن ماذكره شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ نوع آخر من الأمان وهو في معنى الهدنة.فلك أن تقول: الهدنة نوعان: لازمة، وجائزة.
    والذي يحكم به أنها لازمة أو جائزة مايقع في العقد بين الكفار والمسلمين.

كتاب البيع

البيع لغة: أخذ شيء وإعطاء شيء، وأما اصطلاحا فقد عرفه المؤلف وسيأتي.
وقد دل الكتاب والسنة والإجماع على جوازه، أما الكتاب فقد قال تعالى ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ وأما السنة فالأدلة متواترة على جواز البيع، وقد عقد الأئمة في مؤلفاتهم في الكتب الستة أبوابا في البيع، وأما الإجماع فقد أجمع أهل العلم على جوازه، والمصلحة تقتضي ذلك، فإن الناس يحتاج بعضهم إلى ما في يد بعض، ولو لم يشرع البيع لوقع الناس في حرج عظيم، ولسلك الناس الطرق المحرمة للحصول على ما في أيدي الناس من الأموال، فكان جوازه دفعا للحرج.

قوله [وهو مبادلة مال ولو في الذمة أو منفعة مباحة كممر في دار بمثل أحدهما على التأبيد غير ربا وقرض] قوله (مبادلة) المبادلة هي إعطاء شيء في مقابلة شيء آخر، فهذا يعطي الآخر المال، وذلك يعطيه السلعة.
قوله (ولو في الذمة) سواء كان المال معينا أو في الذمة، والمال المعين: هو المال المشار إليه، كأن يقول: بعتك هذا الثوب، فهذه سلعة معينة، أما لو قال: بعتك ثوبا صفته كذا، فهذا بيع في الذمة، وليس المراد النسيئة، فإن النسيئة فيها معنى التأجيل، ولكن المراد: أن السلعة التي وقع عليها البيع ليست معينة بل موصوفة، ومثل ذلك الثمن، فإذا قال: اشتريت منك هذا الثوب بهذه الدنانير، فالدنانير التي هي عن الثوب معينة، أما إذا قال: بعتك هذا الثوب بعشرة دنانير، والدنانير غير معينة، فهي في الذمة، فالمال سواء أكان معينا أم في الذمة فإن التعاقد عليه يقع في البيع.

قوله (أو منفعة مباحة كممر في دار) فالمنفعة المباحة يقع عليها البيع، مثاله: ما ذكره المؤلف وهو أن يبيع ممرا، فلو أن رجلا بين داره وبين الشارع أرض لرجل آخر، فاشترى منه المرور ليتمكن من الوصول إلى الشارع، فهنا قد اشترى منه المرور، فهو لا يملك الأرض قرارها وهواءها، لكن هو يشتري المرور على هذه الأرض، فلم يقع التبايع على شيء لا مال معين ولا مال في الذمة، وإنما وقع على منفعة مباحة، ومثال آخر: أن يحتاج إلى أن يحفر بئرا في أرض عند داره، فيشتري من جاره هذه المنفعة، فيقول: احفر في أرضك بئرا بكذا وكذا من المال، فلا يكون من باب الإجارة، بل يكون البئر ملك له دائم، ولصاحب الأرض أن يبني فوقه لأنه يملك الهواء، وهذا إنما ملك هذا الحفر الذي حفره وانتفع به، وأما أصل الأرض وهواؤها فإنه لا يملكه، فهذا نوع ثالث، فالنوع الأول: مال معين، والنوع الثاني: مال في الذمة، والنوع الثالث: منفعة مباحة، وحينئذ تكون الصور تسعا، أي ثلاثة في ثلاثة وهي: 1- مال معين بمال معين.
2- مال معين بمال في الذمة.
3- مال معين بمنفعة مباحة.
4- مال في الذمة بمال معين.
5- مال في الذمة بمال في الذمة.
6- مال في الذمة بمنفعة مباحة.
7- منفعة مباحة بمال معين.
8- منفعة مباحة بمال في الذمة.
9- منفعة مباحة بمنفعة مباحة.
وقد قيد المؤلف المنفعة بكونها مباحة، فدل على أن المنفعة المحرمة لا تجوز، فلو اشترى منه الممر ليكون له حانة خمر، أو دار زنا أو نحو ذلك، فإن ذلك لا يجوز، لما سيأتي في شروط البيع، وأن الذي يقع عليه العقد لا بد أن يكون مباحا.
قوله (بمثل أحدهما) كما تقدم فتكون الصور تسعا.

فصول الكتاب · 11 فصل · 298 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للحمد · 298 صفحة
المقدمة
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب المناسك
كتاب الجهاد
كتاب الوصايا
كتاب الوصايا
كتاب الفرائض
كتاب الطلاق
كتاب الحدود
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل