4- وعن الإمام أحمد أن العلة هي الكيل والطعم، فإذا كان مكيلا مطعوما فإن الربا يثبت فيه، وهذا القول اختاره شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم بقيد: وهو أن يكون هذا الطعام قوتا أو ما يصلح القوت، وهذا هو أصح المذاهب، وهو أن العلة هي الكيل مع كونه قوتا أو ما يصلح القوت، وذلك لأن الأصناف الأربعة كلها قوت، أو ما يصلح القوت، وهذه العلة في الحقيقة هي العلة المؤثرة، فإن هذه أطعمة للناس، والناس يحتاجون إلى الطعام، ويتضررون بحسابه عليهم بالزيادة والنسيئة بما لا يتضررون فيما سواه، كما أنهم يتضررون بالأطعمة التي هي قوت لهم - وقد قام طعامهم عليها - بما لا يتضررون بغيرها من الأطعمة، وما ذكره المالكية من الادخار لا يظهر أن هذا مؤثر لتضرر الناس الأطعمة التي لا تدخر وهي قوت لهم كاللحم ونحوه، فأصح المذاهب ما هو رواية عن الإمام أحمد واختاره شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وهو جمع بين ما ذكره الشافعية والحنابلة والأحناف، فإن العلة عند الأحناف والحنابلة هي الكيل، وعند الشافعية هي الطعم، فجمعت فيها هذه الرواية وأضافت ما اشترطه المالكية وهو أن يكون قوتا، ومثله ما يصلح القوت، وقد نص النبي - صلى الله عليه وسلم - على الملح، هو ليس بقوت وإنما هو مما يصلح القوت، فهذه هي العلة في الأصناف الأربعة لكن بشرط الادخار.
وأما العلة في الذهب والفضة فعلى أقوال عند أهل العلم:
1- فقال الحنابلة - كما تقدم - إن العلة هي الوزن، فكل ما كان موزونا فيجري فيه الربا بنوعيه، وإن لم يكن ذهبا ولا فضة، وهذا هو مذهب الأحناف أيضا، فالحنابلة والأحناف يتفقون في العلة في الأصناف كلها.
2- وقال الشافعية والمالكية: العلة هي الثمنية، وهو رواية عن الإمام أحمد واختاره شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، قالوا: العلة هي الثمنية وذلك لأن علة الوزن ليست بمؤثرة، وإنما قلنا إن الكيل مؤثر في الأصناف السابقة لأنه لا يمكن الحكم بالتفاضل بين الأشياء ومعرفة الفوارق بينها إلا بالكيل والوزن، ولذا سيأتي أن شيخ الإسلام لا يفرق بين الكيل والوزن في الأصناف المتقدمة، وأن الربا يجري فيها وإن كانت بالوزن لا بالكيل، فإن قضية الوزن ليست بمؤثرة لكن يعرف بها التماثل من عدمه، فالذهب والفضة نقدان، فهما قيم الأشياء وأثمانها، فهي العلة الحقيقية في الذهب والفضة، كما أن العلة في الأصناف الأربعة أنها قوت، فهي قوت أو ما يصلح القوت، ولو قلنا إن العلة هي الوزن لما كان هناك ربا في تعاملات الناس اليوم، لأن النقود اليوم لا توزن بل تعد عدا، وهذا مما يضعف القول بأن العلة هي الوزن.
والأوراق النقدية فيها علة الثمنية، فعليه هي أجناس ربوية تتعدد أجناسها بتعدد جهات إصدارها، فيجري فيها نوعا الربا، وهذا ما قررته هيئة كبار العلماء.
قوله [ويجب فيه الحلول والتقابض] أي يجب أن يكون حالا مقبوضا، حالا في مجلس العقد، ومقبوضا أي يدا بيد، فإن تقابضا في غير مجلس العقد فإن ذلك لا يحل، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (الذهب بالذهب والفضة بالفضة) إلى أن قال: (يدا بيد) ، ولا بد كما تقدم أن يكون مثلا بمثل، فليس له أن يبيع برا وإن كان رديئا ببر طيب، أو بالعكس مع التفاضل، فهذا لا يجوز.
قوله [ولا يباع مكيل بجنسه إلا كيلا، ولا موزون بجنيه إلا وزنا ولا بعضه ببض جزافا] هذه ثلاث صور ينهى عنها: الصورة الأولى: قوله (ولا يباع مكيل بجنسه إلا كيلا) ، فالبر يكال بالصاع، فلو باعه بالوزن - والمشهور في زماننا أنه بالوزن - فهذا لا يجوز، فلا يجوز بيع البر بالبر إلا أن يكون الحساب بالكيل.
الصورة الثانية: قوله (ولا موزون بجنسه إلا وزنا) فالسكر يوزن بالكيلوجرامات، فلو باعه الصاع فذلك لا يجوز، ولو علم التساوي بينهما.
الصورة الثالثة: قوله (ولا بعضه ببعض جزافا) فإذا قال: هذه كومة من التمر أبيعها عليك بهذه الكومة من التمر وهما لا يعلمان قدر كل كومة، فهذا لا يجوز.
أما الصورة الأخيرة فلا إشكال في النهي عنها، وذلك لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (مثلا بمثل) فالبيع جزافا ليس فيه تحقق المثلية، بل كال منهما جاهل بالمقدار، والجهل بالتماثل كالعلم بالتفاضل.
وأما المسألتان الأوليان وما بيع المكيل جنيه وزنا، وبيع الموزون بجنسه كيلا، أي أن يبيع البر بالكيلوجرامات بدل أن يبعه بالآصع، ويبيع السكر بالآصع مكان الوزن، فهذا جائز، وهو مذهب المالكية، وهو اختيار شيخ الإسلام، وذلك لثبوت التماثل، والتماثل ثابت سواء باعه بالكيل أم بالوزن وهذا ظاهر.
قوله [فإذا اختلف الجنس جازت الثلاثة] إذا اختلف الجنس كأن يبيع برا بشعير، جازت الثلاثة لعدم اشتراط التماثل، فلو باع ما يكال بالوزن، أو ما يوزن بالكيل، أو باعه جزافا فهذا كله جائز، فإذا قال: هذه الصبرة من الشعير أشتريها منك بهذه الصبرة من البر فهذا جائز لعدم اشتراط التماثل، وعلى الترجيح المتقدم فلا إشكال في ذلك.
قوله [والجنس ما له اسم خاص يشمل أنواعا كبر ونحوه] البر له أنواع، والتمر له أنواع، والشعير كذلك، فالجنس ما له اسم خاص يشمل أنواعا.
قوله [وفروع الأجناس كالأدقة والأخباز والأدهان] الأدقة جمع دقيق، وهو معروف، وهو الطحين.
والأدهان كدهن الذرة ودهن الزيتون ودهن السمسم، فهذه فروع الأجناس، فتعطى حكم أصلها فتكون جنسا، فعليه لا يجوز أن يباع طحين بطحين من البر إلا مع التماثل والتقابض، لا يجوز أن يباع خبز البر بخبز البر إلا مع التماثل والتقابض، ولا يجوز أن يباع دهن البر بدهن البر إلا مع التماثل والتقابض، وذلك لأن فروع الأجناس لها حكم الأصل.
1
قوله [واللحم أجناس باختلاف أصوله] فلحم الضأن والمعز هذا جنس، ولحم البقر جنس آخر، ولحم الإبل جنس ثالث، فالعبرة باختلاف أصوله، فهذه فصيلة المعز، ويدخل فيها الضأن ونحوه، وهذه فصيلة البر، ويدخل فيها الجواميس ونحوها، وهذه فصيلة الإبل فيدخل فيها أنواعها، فبيع لحم الإبل بلحم البقر يجوز بشرط التقابض، أما المفاضلة فهي جائزة لأن الأجناس هنا مختلفة، وأما بيع لحم البقر بحم البقر فلا يجوز إلا بالتقابض والتماثل لأنه جنس واحد.
قوله [وكذا اللبن] فاللبن يتبع أصوله، فلبن الإبل جنس، ولبن البقر جنس آخر، وهكذا.
قوله [واللحم والشحم والكبد أجناس] فاللحم جنس، والشحم جنس آخر، والكبد جن آخر، وهكذا بقية أجزاء الحيوان، فإنها أجناس مختلفة، وذلك لأن لكل منها اسم وحقيقة تختلف عن اسم وحقيقة الآخر، وعليه فبيع اللحم بالكبد يشترط فيه التقابض فحسب، وأما بيع اللحم من جنس واحد فلا بد فيه من التماثل والتقابض.
قوله [ولا يصح بيع لحم بحيوان من جنسه]
أي أنه ليس له أن يبيع لحم إبل ببعير، ولا لحم البقر ببقرة، أو لحم الغنم بغنمة، ونحو ذلك، وذلك للجهل بالتماثل، وتقدم أن الجهل بالتماثل كالعلم بالتفاضل، ويدل عليه ما رواه مالك في موطئه بسند صحيح إلى سعيد بن المسيب رحمه الله أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (نهى عن بيع اللحم بالحيوان) [ك 1316] ، وله شاهد عند البيهقي من حديث سمرة بن جندب - رضي الله عنه -[هق 5 / 296، برقم 10349] ، وهذا هو مذهب جماهير العلماء، وأنه لا يجوز بيع اللحم بحيوان من جنسه، والعلة كما سبق هي الجهل بالتماثل.
قوله [ويصح بغير جنسه] فلو باع كذا كيلو من لحم الإبل بضأن أو معز فهذا جائز إذا كان يدا بيد، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (فإذا اختلفت الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد) فيجوز هذا ولو مع التفاضل، أما النسيئة فلا يجوز سواء كان بجنسه أم بغير جنسه، ويدل لهذا ما رواه الخمسة والحديث صحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة) [حم 19630، ت 1237، ن 4620، جه 2270، د 3356] ، قال شيخ الإسلام:" إذا كان المقصود اللحم وإلا فلا " فإذا كان المقصود هو اللحم فإنه لا يجوز ذلك، وذلك لما تقدم في العلة في الربا وأنها هي القوت، فإذا كان المقصود هو اللحم فيحرم وإلا فيجوز، ولذلك ثبت في المستدرك أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (اشترى البعير بالبعيرين وبالثلاثة، والبعيرين بالثلاثة إلى إبل الصدقة) [كم 2 / 56، د 3357] وذلك لأن المقصود ليس هو اللحم، وإنما المقصود هو الركوب، وهذا جمع بين الأدلة، فعليه لا يجوز بيع الحيوان - بقصد اللحم - بالحيوان.
قوله [ولا يجوز بيع حب بدقيقه ولا سويقه]
فلا يجوز له أن يبيع الحب كالبر بالدقيق وهو طحينه، وذلك للجهل بالتماثل، والجهل بالتماثل كالعلم بالتفاضل، وعن الإمام أحمد أن ذلك جائز وزنا، وهذا هو الظاهر، فإن التفاضل إنما يقع في الكيل، وأما بالوزن فإن التماثل يعلم، وإنما يقع التفاضل في الكيل لأن الدقيق سيكون أكثر بكثير من الحب لوجود مسافات بين الحبوب، وعلى هذا فالراجح هو الرواية عن الإمام أحمد أن بيع الدقيق بحبه جائز إذا ثبت التماثل بالوزن.
وقوله (ولا سويقه) والسويق هو أن يضعه على النار حتى يأخذ شيئا من الحمرة، ثم يوضع عليه شيء من الزيت والماء ونحو ذلك، فلا يجوز له أن يبيع الحب بالسويق، ولا يجوز أن يبيع الدقيق بالسويق لعدم معرفة التماثل، لأن السويق قد أضيف إليه شيء من السمن أو من الماء، وقد وضع على النار فلا يثبت حينئذ التماثل.
قوله [ولا نيئه بمطبوخه] لا يحل له أن يبيع النيء بالمطبوخ، فمثلا بيع الحنطة بالهريس أو بيع البر بالخبز هذا لا يجوز لعدم معرفة التماثل.
قوله [وأصله بعصيره] فالأصل مثلا الزيتون، فلا يجوز أن يباع بعصيره وهو زيت الزيتون، لعدم معرفة التماثل، والزيتون قالوا هو مما يجري فيه الربا، وزيته فرع عنه، والفرع له حكم الأصل.
قوله [وخالصه بمشوبه] فلو باع حنطة خالصة بحنطة مشوبة فهذا لا يجوز، وذلك للجهل بالتماثل، أما إذا كان الشائب يسيرا بحيث لا يؤثر فإنه يجوز للعفو عن اليسير.
قوله [ورطبه بيابسه] فلو باع مثلا رطبا بتمر فهذا لا يجوز، ويدل عليه ما ثبت عند الخمسة والحديث صحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (سئل عن بيع الرطب بالتمر، فقال: أينقص إذا يبس، فقالوا: نعم، فنهى عن ذلك) [حم 1518، ن 4546، ت 1225، د 3359، جه 2264] ، والعلة ما تقدم وهي الجهل بالتماثل.
قوله [ويجوز بيع دقيقه بدقيقه إذا استويا في النعومة]
يجوز بيع الطحين بالطحين، فيجوز بيع طحين الشعير بطحين الشعير، بشرط أن يستويا في النعومة، لكن لو كان أحدهما فيه خشونة فلا شك أن التماثل لا يكون حينئذ معلوما.
قوله [ومطبوخه بمطبوخه] يجوز أن يبيع المطبوخ بالمطبوخ، كالسويق بالسويق أو نحو ذلك.
قوله [وخبزه بخبزه إذا استويا في النشاف] يجوز بيع الخبز بالخبز إذا استويا في النشاف، أما إذا كان رطبا كالخبز الرطب مع الخبز اليابس فذلك لا يجوز لعدم معرفة التماثل.
قوله [وعصيره بعصيره] فيجوز أن يبيع زيت الزيتون بزيت الزيتون بشرط التماثل.
قوله [ورطبه برطبه]
كأن يبيع رطبا برطب، فهذا جائز بشرط التماثل، فهذه الأجناس الربوية لا يحل بيع بعضها إلا إذا ثبت التماثل.
وقد نهى الشارع كما في الصحيحين عن المحاقلة والمزابنة، فالمزابنة: بيع الرطب على رؤوس النخل بالنخل - إلا ما سيأتي استثناؤه من العرايا - وبيع العنب على شجره بالعنب، فلا يجوز ذلك لعدم معرفة التماثل، وأما المحاقلة: فهي بيع الحب بعد أن يشتد في سنبله، بحب من جنسه، أما إذا باعه بشيء ليس من جنسه كأن يبيع برا في سنبله بشعير فهذا جائز لعدم اشتراط التماثل.
** مسألة بيع العرايا.
اعلم أن العرايا جائزة بشروط، والعرايا جمع عرية، والعرية ما أفرد عن الجملة، أي ما أفرد عن شبيهه ونظيره في الظاهر، وقد دلت الأدلة الشرعية على الرخصة في العرايا، وهي بيع الرطب بالتمر خرصا كيلا عند الحاجة إلى ذلك، بشروط سيأتي ذكرها، ففي الصحيحين من حديث زيد بن ثابت أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (رخص في العرايا أن تباع بخرصها كيلا) [خ 2193، م 1539] أي أجاز العرايا بشرط أن تباع بخرصها كيلا، فيأتي من عنده معرفة وخبرة بما يؤول إليه أمر الرطب إذا جف، فيقول هذه الأربعة آسق من الرطب إذا جفت فإنها تساوي ثلاثة آسق من النمر، فنعطيه ثلاثة آسق من التمر ويأخذ المشتري أربعة آسق من الرطب، ويجوز ذلك بشروط:
الشرط الأول: أن يكون المشتري محتاجا إلى ذلك ولا نقد عنده، فإن كان غينا قادرا على أن يشتري الرطب بماله فلا يجوز ذلك، لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المزابنة، وإنما جاءت العرايا لرفع الحرج، وفي مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (رخص في العرية يأخذها أهل البيت بخرصها تمرا يأكلونها رطبا) [م 1539] فدل على أن الغرض من إباحة العرية هو أكلها رطبا.
الشرط الثاني: أن يكون فيما دون خمسة أوسق، لما ثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (رخص في العرايا بخرصها من التمر فيما دون خمسة أوسق أو في خمسة أوسق) [خ 2382، م 1541] والشك من الراوي كما دل عليه رواية مسلم ورواية ابن حبان، وقد تقدم النهي عن المزابنة، فالأصل هو التحريم، وحيث ورد الشك فإن اليقين هو الأقل وهو فيما دون خمسة أوسق، وأما خمسة أوسق فلا تجوز لأنها مشكوك فيها، والأصل هو التحريم.
الشرط الثالث: التقابض، وذلك لأنه بيع ربوي بربوي، ولا يجوز بيع الربوي بالربوي إلا أن يكون ذلك تقابضا وتماثلا، وقد جوزنا عدم العلم التام بالتماثل، فبقي التقابض.
الشرط الرابع: أن يأكلها رطبا، فإن أكلها تمرا فلا يجوز، لأنها أجيزت للحاجة.
وهل هذا خاص في الرطب مع التمر، أم يدخل فيه العنب والزبيب كأن يشتري عنبا في شجرة بزبيب؟
قال الحنابلة: هو خاص في التمر مع الرطب، وقال المالكية: مثله في الحكم العنب مع الزبيب، وهذا هو الصحيح.
قوله [ولا يباع ربوي بجنسه ومعه أو معهما من غير جنسهما] هذه مسألة مد عجوة، والمد: هو ربع الصاع، والعجوة: تمرة مشهورة، وهي من تمر المدينة، وصورة هذه المسألة: أن يباع مد عجوة ودرهم بدرهمين، فهذا الدرهم ربوي بيع بجنسه، فدرهم بدرهم أو درهم بدرهمين ومع أحدهما شيء آخر، وهو هنا مد عجوة، وكذلك لو باع ذهبا بذهب وحرز، أو باع فضة بفضة ونحاس، ونحو ذلك، أو باع فضة ونحاس بفضة ونحاس، فهذا كله لا يجوز، ودليل هذه المسألة ما ثبت في صحيح مسلم من حديث فضالة بن عبيد قال: (اشتريت يوم خيبر قلادة باثني عشر دينارا فيها ذهب وخرز ففصلتها فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارا، فذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: لا تباع حتى تفصل) [م 1591] ، فهنا ذهب بذهب وخرز، فنهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك حتى يفصل، أي حتى يميز الذهب من الخرز، فيعرف مقدار الذهب، ويعرف مقدار الخرز، وعن الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم أن هذه المسألة يستثنى منها ما إذا كان الجنس المتميز أكثر من الجنس المختلط، أي الجنس المنفرد أكثر من الجنس المختلط، فحينئذ تكون الزيادة في المنفرد مقابل هذا الجنس الزائد، ومثال ذلك: باع عشرة دنانير بقلادة فيها تسعة دنانير وخرز، فحينئذ تسعة دنانير بتسعة دنانير، ودينار مقابل الخرز، وكذلك إذا باع مائة صاع من التمر بتسعين صاعا من التمر وكذا صاعا من الشعير أو الأقط، فهذا جائز بشرط ألا يكون حيلة على الربا، وذلك لأن الأصل في البيوع الحل، ومن باع تسعة دنانير
بتسعة دنانير، والدينار الزائد يقابله الخرز الزائد فإن هذا ليس فيه شيء محرم، وإنما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن تفصل للمعرفة، وقد ثبت المعرفة، فإذا بيع المختلط بما هو منفرد، وكان المنفرد متميزا وأكثر من المختلط فهذا جائز وليس فيه حيلة على الربا، وهذا القول هو الصحيح، وعليه فإذا كان الجنس منفردا فيجوز أن يباع بجنس مختلط بشرطين:
الأول: أن يكون المنفرد أكثر من المختلط.
الثاني: ألا يكون هذا حيلة على الربا.
قوله [ولا تمر بلا نوى بما فيه نوى] لا يجوز أن يباع مائة صاع من التمر الذي أخرج نواه، بمائة صاع من التمر ذي النوى، وذلك لعدم التماثل، والشرط في البيع التماثل.
قوله [ويباع النوى بتمر فيه نوى]
النوى عندهم جنس ربوي لأنه يكال، فإذا باع نوى بتمر فيه نوى كأن يبيع مائة صاع من النوى بخمسة آصع من التمر الذي فيه نوى فذلك جائز، وذلك لأن النوى في السلعة الثانية ليس مقصودا، بل المقصود هو التمر، وهذا باتفاق العلماء، فإذا بيع ربوي بسلعة أخرى فيها ربوي من جنسه، وكان هذا الربوي الذي من جنسه ليس بمقصود في البيع فإن ذلك جائز.
إذن المسألة السابقة وهي بيع ربوي بربوي من جنسه ومعهما أو مع أحدهما شيء زائد، وهي مسألة مد عجوة، هذا إن كان الربوي في السلعتين مقصودا، أما إذا كان الربوي في السلعتين أو في أحدهما ليس بمقصود فإن ذلك جائز،ومثله بيع دار فيها شيء من الذهب بذهب، فالمقصود بالبيع هو الدار وليس الذهب، فهذا جائز باتفاق أهل العلم، واختار أيضا شيخ الإسلام وذكر أنه ظاهر المذهب بيع السيف المحلى بالذهب بذهب، وبيع السيف المحلى بالفضة بفضة، فإن الفضة في السيف وكذلك الذهب ليس بمقصود، بل المقصود هو السيف فيجوز ذلك.
قوله [ولبن وصوف بشاة ذات لبن وصوف]
اللبن ربوي، والصوف عندهم ربوي لأنه موزون، والصحيح ما تقدم أن العلة ليست هي الوزن، بل العلة هي الثمنية، فإذا باع لبنا وصوفا بشاة ذات لبن وصوف، فيجوز ذلك، لأن المقصود هو الشاة نفسها ليس اللبن ولا الصوف الذي عليها، وهذا باتفاق أهل العلم كما تقدم.
قوله [ومرد الكيل لعرف المدينة، والوزن لعرف مكة زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -] تقدم أن الحنابلة يعللون الأصناف الأربعة بأنها مكيلة، والذهب والفضة بأنهما موزونان، فإن قيل كيف يعرف المكيل وكيف يعرف الموزون؟ أي ما هي الأشياء التي تكال فيثبت فيها الربا، وما هي الأشياء التي توزن فيثبت فيها الربا؟ فمثلا: الصوف والحديد والنحاس هل هو موزون أم مكيل، ولا شك أن هذه المسألة لها أهمية، هذا على القول بما ذكروه من أن العلة هي الكيل والوزن، وإذا عرفنا أن هذا مكيل وهذا موزون فيجوز أن أبيع هذا بهذا، أي المكيل بالموزون، لأنه يجوز عندهم بيع المكيل بالموزون، فقال المؤلف إن مرد الكيل لعرف المدينة، وليس المراد ما هو قدر الصاع، بل المقصود ما هو المكيل، وما هو الموزون، فمرد الكيل لعرف المدينة، ومرد الوزن لعرف أهل مكة، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (الوزن وزن أهل مكة، والمكيال مكيال أهل المدينة) [ن 2520، د 3340] والحديث إسناده صحيح، فالصوف يوزن عند أهل مكة، وكذلك الذهب والفضة ونحوها، والمائعات تكال بالصاع، وكذلك التمر والبر، هذا في عرف أهل المدينة، فعرفنا الآن أن البر يكال لأن أهل المدينة يكيلونه، وأن الذهب يوزن لأن أهل مكة يزنونه.
قوله [وما لا عرف له هناك اعتبر عرفه في موضعه]
فما لا عرف له في مكة والمدينة فإنه يعتبر عرفه في موضعه، فإن كان مكيلا اعتبر، وإن كان موزونا اعتبر كذلك، فيرجع فيه إلى عرف أهل البلد، فإذا اختلف أهل البلاد فيه، فمنهم من يقول: هو مكيل، ومنهم من يقول هو موزون، فإنه يحكم بالغالب، فإن لم يكن ثمت غالب فإنه ينظر إلى شبهه بما هو مكيل أو بما هو موزون فيلحق به، فمثلا الجواهر شبيهة بالذهب والفضة فحكمها الوزن، والذرة شبيهة بالأرز فحكمها الكيل، وهذا كله على قول مرجوح في مسألة الوزن، والراجح أن الحكم راجع إلى مسألة الثمنية في الذهب والفضة، وقضية الكيل الذي يترجح أن المقصود فيها هو القياس، فسواء كان القياس بالكيل أو بالوزن فإن المقصود هو ما يعرف به التماثل، سواء كان بكيل أم بوزن، وقد تقدم قول مالك وأن العلة في الأصناف الأربعة هي الاقتيات والادخار ولم يذكر الكيل، لكن الكيل يحتاج إليه والوزن يحتاج إليه لمعرفة التماثل من عدمه.
فصل
قوله [ويحرم ربا النسيئة في بيع كل جنسين اتفقا في علة ربا الفضل ليس أحدهما نقدا كالمكيلين والموزونين] يحرم ربا النسيئة بإجماع العلماء، فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: (فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد) ، والنسيئة من النساء بفتح النون وهو التأخير، فربا النسيئة في بيع كل جنسين اتفقا في علة الربا، وعلة الربا على المذهب الكيل والوزن، فلو باع بر بشعير ثبت فيه ربا النسيئة، لأن كلا منهما مكيلا، ومن باب أولى إذا باع شعيرا بشعير، وكذلك لو باع ذهبا بفضة، فهما جنسان اتفقا في علة الربا وهي الوزنية على المذهب.
وقوله (ليس أحدهما نقدا) هذا في باب الموزونات، فمن الموزونات عند الحنابلة النحاس والحديد والسكر ونحو ذلك، فلا يجوز - على القاعدة السابقة - بيع السكر بالدراهم، أو بيعه بالدنانير نسيئة، لأن السكر العلة فيه الوزن، فهو ربوي، وكذلك الدنانير والدراهم، فاتفقا في العلة، فاحتاج المؤلف إلى استثناء ما إذا كان أحدهما نقدا، لئلا ينسد بهذا باب السلم، وهو نوع من الديون في الموزونات، وهذا مما يدل على ضعف هذه العلة التي ذكروها، وهي علة الوزنية، فاحتاجوا إلى مثل هذا الاستثناء، وإلا فالراجح ما اختاره شيخ الإسلام وهو مذهب المالكية والشافعية ورواية عن أحمد وهي أن العلة في الذهب والفضة هي الثمنية.
قوله [وإن تفرقا قبل القبض بطل] مثاله: اشترى ذهبا بفضة، وتفرقا ولم يتم التقابض، فإن البيع بطل، لأن الشارع قد اشترط التقابض، وحينئذ فهذا البيع قد خلا من شرط الشارع، وكل ما خلا من شرط الشارع فهو باطل، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: (فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد) .
قوله [وإن باع مكيلا بموزون جاز التفرق قبل القبض والنسأ] فإذا باع مكيلا كبر بموزون كذهب جاز التفرق قبل القبض لأن التقابض ليس بشرط، لأن العلة قد اختلفت، فالبر علته أنه قوت، والذهب علته الثمنية، وعلى قول الحنابلة البر علته الكيل، والذهب علته الوزن، فإذا اختلفت العلة جاز التفاضل والنسأ وهذا بالإجماع، ويدل عليه ما رواه البخاري في صحيحه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (رهن درعه عند يهوي على شعير أخذه لأهله) فهنا اشترى الشعير بالدراهم المؤجلة، وهذا كما سبق محل إجماع بين أهل العلم، وعلى هذا فقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد) مقيد بالأجناس ذات العلة المتحدة، فصار عندنا الآن ثلاثة أنواع:
النوع الأول: بيع ربوي بجنسه، فلا يجوز فيه التفاضل ولا النسيئة كبر ببر.
النوع الثاني: بيع ربوي بجنس آخر يتحد هو وإياه في العلة، فيجوز فيه النسيئة دون التفاضل.
النوع الثالث: بيع ربوي بجنس ربوي آخر يخالفه في العلة فيجوز فيه النسيئة والتفاضل إجماعا.
- وهل يجوز بيع فلوس نافقة - أي غير كاسدة، بل يتعامل بها على أنها أثمان للأشياء - بدراهم أو دنانير نسيئة أم لا؟ قولان لأهل العلم، فذهب الجمهور أن بيع الفلوس النافقة بالدراهم جائز مع التفاضل إذا كان حالا، والفلس ما يساوي سدس الدرهم، ويصنع من غير الذهب والفضة، بل هو من جنس آخر، وهو موزون، وعلى الراجح هو ثمني، فعليه هو جنس ربوي، فإذا بيع بالدراهم أو بالدنانير مع التفاضل فهذا جائز لأن الأجناس مختلفة، وإذا اختلفت الأجناس جاز البيع، ولا يظهر أن الفلوس موجودة عندنا، وذلك لأن الأوراق والمعادن كلها في الحقيقة ذات مرجع واحد، فإنها بنفسها ليس لها قيمة، وإنما القيمة في مرجعها، وليس مرجعها ذهبا ولا فضة ولا شيئا محددا، وإنما ترجع إلى القيمة المادية للبلد، ويختلف هذا باختلاف نمو هذه البلدة من بترول أو معادن أو نحو ذلك، وعلى ذلك فهذه المعادن التي بأيدينا لا يظهر أنها جنس آخر، بل هي من جنس الريالات، فهذه أوراق وهذه معادن، ومرجعها واحد، ولو قلنا إن مرجعها مختلف فإنه يجوز فيها التفاضل كما يجوز في الفلوس النافقة، والصحيح خلاف هذا، فإن الصحيح أن مرجعها واحد، فإنه ينظر ما عند أهل البلدة من قدرة مادية ويؤذن لهم بقدرها من الصرف من الريالات، سواء صرفوها معادن أو ريالات، وساء كانت الريالات الورقية ذات درجة واحدة أو درجات مختلفة، وقد تقدم ترجيح ما ذهب إليه بعض أهل العلم وهو ما يفتي به هيئة كبار العلماء أن الريالات والدنانير والدولارات وغيرها أجناس مختلفة بحسب اختلاف جهات مصادرها، كما تقدم في كتاب الزكاة، فيجوز فيها
التفاضل دون النسيئة.
فهذه الفلوس النافقة التي كانت تصنع قديما لها قيمة معدنية بذاتها، وليست ذهبا ولا فضة بل هي جنس آخر، وعليه فيجوز فيها التفاضل بالذهب والفضة لأنها جنس آخر، وإنما الكلام هنا في جواز بيعها نسيئة، فهل يجوز بيع الفلوس النافقة بالدراهم أو بالدنانير نسيئة؟
قولان لأهل العلم، ومنشأ الخلاف هو هل الفلوس النافقة أثمان أم عروض؟ فإن قلنا هي أثمان فلا يجوز بيعها نسيئة بالدنانير أو بالدراهم، كما لا يجوز بيع الدراهم بالدنانير نسيئة، وهذا القول هو المشهور من المذهب وهو قول المالكية وهو اختيار شيخ الإسلام في الفتاوى، والقول الثاني أنها عروض وليست أثمانا، وحينئذ فيجوز بيعها نسيئة كما يجوز أن يشتري ثيابا بدراهم نسيئة فهي عروض، وهذا مذهب الشافعية وهو اختيار ابن عقيل من الحنابلة، وذكره صاحب الفروع اختيارا لشيخ الإسلام، والقول الأول هو الراجح فإنها أثمان، فالحكم للغالب عليها أنها أثمان، فيباع بها ويشترى كما يباع ويشترى بالذهب والفضة، فالحكم الغالب عليها هو الثمنية، وعليه فلا يجوز بيعها بالدراهم ولا بالدنانير نسيئة، أما التفاضل فجائز.
** مسألة:
المصوغ المباح من الذهب والفضة كحلي النساء ونحو ذلك مما يجوز للرجل كالخاتم من الفضة ونحوه، هل يجوز بيعه بالدراهم والدنانير تفاضلا - ولا إشكال في الدراهم - ولكن في الدنانير في مسألة التفاضل، والدراهم والدنانير في مسألة النسيئة، أم لا يجوز؟
وهذه المسألة توجد في أسواق الناس، فهل يجوز للرجل أن يشتري من بائع الذهب الحلي بدراهم إلى سنة، وهل يجوز أن يشتري منه هذا الحلي بذهب تبر مع تفاضل، فمثلا: يقول هذا الذهب عندي اعتبره تبرا ولا تعتبره مصاغا لأنه مستعمل، فخذ هذا الذهب وزنه كيلو جرام على أنه تبر، وأعطني تسعمائة جرام من الذهب المصاغ، فهل هذا جائز؟
اختار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم جواز هذا، ودليل شيخ الإسلام على جواز التفاضل والنسيئة أن الذهب بالصنعة قد خرج عن كونه ثمنيا، كما أن الفضة بالصنعة قد خرجت عن كونها ثمنية، فإن الذهب ليس بثمني ما دام مصوغا، بل هو من جنس عروض التجارة، وليس من الثمنية، ولذا لا يشترى به ولا يباع إلا مع أهله المختصين به من أهل الذهب والفضة الذين يعيدونه إلى أصله، فإنه لا شك أن صاحب الذهب المصنع لا يمكنه أن يبيعه بذهب غير مصنع مع التماثل، فإنه حينئذ يذهب قيمة أجرة صنعته، وحينئذ فيحتاج صاحب الذهب إلى أن يأتيه بدراهم، وقد يكون في هذا مشقة، وربا الفضل يباح عند الحاجة كما أجازته الشريعة في العرايا، فإن قيل إن الذهب المصنع شبيه بالتمر الرديء ومع ذلك فإن التمر الرديء لا يجوز بيعه بالتمر الجيد؟ فالجواب أن بينهما فرقا، فإن التمر الرديء، الرداءة فيه صفة خلقية، أي من خلقته، وليس هذا من صنع الآدمي، وأما هذه الصنعة فإنها صنعة آدمي، ويحتاج إلى أن يأخذ عليها أجرا، أضف إلى هذا ما تقدم من العلة في الأمور الربوية، فإن الحلي المصنع ليس بثمني، فيشبه الجواهر ونحوها، فإنه قد خرج عن كونه ثمنيا، وما ذهب إليه شيخ الإسلام وابن القيم هو الراجح، فعليه يجوز بيع الذهب المصوغ بالذهب وبيع الفضة المصوغة بالفضة مع التفاضل، قال صاحب الإنصاف:" وعليه عمل الناس "، والنسيئة كذلك جائزة لما تقدم، وقيده شيخ الإسلام بقيد ظاهر وهو ألا يكون بقصد ثمنيتها، فإن اشترى رجل من آخر ذهبا مصوغا إلى سنة بأربعين ألفا، وقصد الثمنية فلا يجوز، وأما إن قصد كونها حليا فلا بأس، وهذا لحديث فضالة، فإن قوله (فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارا) يدل على أنه قصد الثمنية، وأما ما رواه البيهقي عن مجاهد قال: كنت عند ابن عمر فجاءه صائغ فقال: إني أصوغ الذهب، ثم أبيع الشيء من ذلك بأكثر من وزنه على قدر عمل يدي، فنهاه عن ذلك
وقال: الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما، هذا عهد نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، فالجواب عنه: أنه كان يصوغ الذهب إلى دنانير، وهذه الصنعة غير مراعاة اتفاقا للمصلحة العامة المقصودة من ضرب الدراهم والدنانير، ولو روعيت لفسدت المعاملة ولا يعقل أن يأمره بإهمال صنعته فإن في ذلك إضاعة للمال، وأما إنكار أبي سعيد على معاوية بيعه آنية من فضة في مسلم، فإن ذلك لتضمنه مقابلة الصياغة المحرمة بالأثمان.
وقد التزم شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم في غير الذهب المصوغ من فروع الأجناس بهذا القول، ومعلوم أن فروع الأجناس لها حكم أصولها، كالخبز من الدقيق ونحو ذلك، فالتزما بهذه القاعدة فقالا: ما تكون فيه صنعة آدمي من الأجناس إن خرج عن كونه قوتا كالنشا الذي يصنع من الحنطة فإنه خرج عن كونه قوتا، وعلى هذا فليس بربوي، لزوال علة الربوية وهي الاقتيات، وإن لم تزل عنه العلة الربوية بل ثبتت فيه فهو جنس آخر منفرد بنفسه، فالخبز جنس، والحنطة جنس آخر، وهكذا فروع الأجناس، فعليه يجوز بيع زيت الزيتون بالزيتون، وبيع الخبز بالحنطة، وهذا لما في ذلك من صنعة الآدمي وعمله، فيحتاج إلى أجرة، لكن مع النسيئة لا يجوز لأن العلة الربوية متفقة.
وقوله (جاز التفرق قبل القبض) أي وإن كان التبايع ليس نسيئة، وقد اتفقا على أن يكون الثمن حالا، فتفرقا قبل القبض فهذا جائز، والنساء إذا اتفقا على التأخير.
قوله [وما لا كيل فيه ولا وزن كالثياب والحيوان يجوز فيه النساء]
وذلك لذهاب العلة الربوية، فيجوز النساء ويجوز التفاضل في الثياب والحيوان ونحو ذلك، ودليل هذا ما رواه أبو داود في سننه والحاكم والدارقطني وغيرهما والحديث صحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (أمر عبد الله بن عمرو بن العاص أن يجهز جيشا فنفدت الإبل فأمره أن يأخذ على قلائص الصدقة فأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة) [سبق تخريجه] والعلة على القول الراجح كما تقدم هي الثمنية في الذهب والفضة، والقوت في الأصناف الأربعة الآخر، والأظهر كما تقدم أنه متى أمكن التماثل فإنه لا يجوز ربا الفضل سواء كان بكيل أو وزن أو عد، فالريالات التي عندنا الآن لا توزن وإنما تعد فيقع فيها الربا، وكذلك لو قدر وجود بعض الأقوات وكان الطريق فيها غير الكيل والوزن فإن الحكم واحد لكونها قوتا، ولأن الضرر المترتب على جواز الربا فيها هو نفسه المترتب على غيرها مما هو مكيل أو موزون، والشريعة لا تفرق بين المتماثلات.
قوله [ولا يجوز بيع الدين بالدين] وهذا محل إجماع بين أهل العلم، وروى الدارقطني بإسناد ضعيف ضعفه الإمام أحمد وغيره من أهل الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (نهى عن بيع الكاليء بالكاليء) [قط 3 / 71، كم 2 / 57، هق 5 / 290] أي الدين بالدين، وصورة هذا أن يبيع على الرجل سلعة بثمن مؤجل، ثم يبيعه هذا الثمن بثمن آخر مؤجل، فيقلب عليه الدين بدين، فهذا لا يجوز، ولو زاد عليه الثمن مع التأجيل فهذا هو ربا الجاهلية وهو من أقبح الربا.
قال الحنابلة: ولا يصح المقاصة وهي عندهم من بيع الدين بالدين، وصورتها أن يكون على زيد لعمرو مائة دينار، ولعمرو على زيد ألف درهم، فيقول كل منهما للآخر أبرؤ ذمتك وتبرؤ ذمتي، فيتصارفان ولم يحضرا شيئا، فقال الحنابلة هذا لا يجوز، وذلك لو كان له على الآخر مائة صاع من الشعير وللآخر عليه خمسة آصع من البر، فقال أسقط الذي علي وأسقط الذي عليك، قالوا: لا يجوز ذلك، لأنه من باب بيع الدين بالدين، واختار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وهو مذهب الأحناف والمالكية واختيار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي أن ذلك جائز وهو الراجح، لأنه لا محذور شرعي فيه، وفيه إبراء للذمم، والشريعة متشوفة إلى ذلك، فهذا القول هو الصواب، وقد تقدم ضعف حديث نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الدين بالدين، وهذه المسألة لا إجماع فيها.
فصل قوله [ومتى افترق المتصارفان قبل قبض الكل أو البعض بطل العقد فيما لم يقبض]
تقدم تعريف الصرف: وهو بيع نقد بنقد، كبيع دراهم بدنانير والعكس، أو بيع الفلوس النافقة بالدراهم والدنانير، فهذا هو الصرف، ومنه بيع الريالات بالدولارات، فإذا تصارفا الدنانير والدراهم والجنسان مختلفان، فإذا تفرقا قبل قبض الكل أو البعض يبطل العقد فيما لم يقبض، فإذا افترقا قبل قبض الكل فالعقد باطل كله، وإن كان في البعض فهو باطل فيما لم يقبض، مثاله: تصارفا مائة درهم بمائة دينار، فافترقا قبل أن يتقابضا في الكل، فالعقد كله باطل، وإذا افترقا قبل قبض البعض فأعطاه هذا خمسة دنانير وأعطاه الآخر خمسين درهما، وبقي على عقدهما خمسة دنانير تقابلها خمسون درهما، فيصح العقد في البعض دون ما تبقى، لتوفر الشروط في البعض، وتكون هذه المسألة من تفريق الصفقة التي تقدم الكلام على بعض صورها، أما الباقي فالعقد باطل لعدم توفر شروط الصحة، ومن شروط الصحة قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (فإذا اختلفت الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد) .
قوله [والدراهم والدنانير تتعين بالتعيين]
كسائر السلع، وتقدم ذكر هذا، فإذا قال: بعتك هذا الشيء فإن البيع يكون قد وقع على هذا الشيء نفسه، بخلاف ما لو قال: بعتك ما وصفه كذا وكذا، فحينئذ لا يتعين، فمثلا إذا قال: ابتع عليك هذه العشرة دنانير بهذه المائة درهم، فحينئذ قد عينت الدراهم والدنانير، فتتعين فتكون الصفقة واقعة عليها بعينها كسائر العقود، فإذا قال: اشتريت منك هذه الشاة فإنها تتعين وتكون هي المبيعة، فلا بد أن يعطيه إياها، لأن العقد وقع عليها، بخلاف ما لو قال: اشتريت منك شاة وصفها كذا وكذا، وهذا مذهب جمهور العلماء أن الدراهم والدنانير تتعين بالتعيين، وقال بعض الحنابلة لا تتعين، لأن المقصود واحد وهو رواية عن أحمد ومذهب الأحناف، والقول الأول أظهر من حيث التعليل، لكن ذلك في زمانهم وأما في زماننا فإن المقصود واحد لأن الدنانير والدراهم في القديم لتعيينها قصد، ففيها الرديء والجيد، والمشوب والخالص.
قوله [فلا تبدل] هذه من فروع المسألة، فلا تبدل لأن العقد قد وقع على عينها، فهي بمجرد العقد أصبحت ملكا للمشتري بعينها، وأصبح الثمن ملكا للبائع بعينه، فحينئذ لا يصح تبديله.
قوله [وإن وجدها مغصوبة بطل]
فلو ثبت أن هذه الدراهم مغصوبة فحينئذ يبطل البيع، وذلك لأن البيع على عينها لا على وصفها، فثبت أنها مغصوبة فحينئذ يبطل البيع، لأن السلعة قد ثبت أنها غير مملوكة، وما دامت غير مملوكة فلا يصح أن يصرف هذا بها، وعلى القول بأنها لا تتعين يجوز تبديلها وإن كانت مغصوبة صح البيع، ووجب البدل في ذمته.
قوله [ومعيبة من جنسها أمسك أو رد]
إذا وجد الدينار فيه عيب أو هذا الدرهم فيه عيب فلا يخلو هذا العيب: إما أن يكون من جنسه - أي من جنس المعيب - وإما أن يكون من غير جنسه، فمثال ما كان فيه عيب من جنسه سواد في الفضة، وبياض في الذهب أو نحو ذلك، وأما ما كان فيه عيب من غير جنسه كأن يكون فيه شيء من النحاس أو أن يكون نحاسا أو تبين فيه غش، فهنا العيب ليس من جنسه، فإذا كان العيب من جنسه أمسك أو رد، فهو مخير بينهما، وليس فيه أرش إذا أمسك، لأنه إذا ثبت الأرش فهو ربا، لأن التفاضل محرم، وتقدم عدم ثبوت الأرش أصلا ولا دليل على ثبوته، وإن كان العيب من غير جنسه فحينئذ يبطل العقد، فلا خيار، وذلك لأنه قد ثبت أن العقد كان على غير المسمى، والرضا إنما وقع على أنه ذهب فبان أنه نحاس أو فضة أو حديد فليس هناك رضا.
قوله [ويحرم الربا بين المسلم والحربي وبين المسلمين مطلقا بدار إسلام وحرب] فالربا محرم على المسلم مطلقا، سواء كان مع مسلم أو حربي أو ذمي، وسواء كان في دار حرب أو إسلام، لعمومات الأدلة الشرعية، فقد لعن النبي - صلى الله عليه وسلم - آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، ولا يحل للمسلم أن يكون طرفا في ربا، وأما ما روي أنه لا ربا بين أهل الحرب وأهل الإسلام فالحديث لا يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقال أبو حنيفة: لا يجري الربا بين مسلم وحربي في دار الحرب لأن أموالهم مباحة، والجواب: أنها مباحة قهرا، وأما أخذها بمعاملة وعقد فيجب أن يوافق الشرع، ولما يترتب على ذلك من المفاسد في هذا العصر من ترك أموال المسلمين في البنوك الربوية التي بأيدي الكفار، ويقال أيضا لا فرق بين دار الحرب ودار الإسلام لأن الأمان على ماله أن يؤخذ قهرا، وفي الربا رضا منه.
- مسألة: إذا باع سلعة بدراهم إلى شهر، فلما جاء الشهر أراد أن يدفع دنانير بدل الدراهم فهل يجوز؟ الجواب يجوز ذلك بشرطين:
الشرط الأول: أن تكون بسعر يومها أي يوم القبض.
الشرط الثاني: ألا يتفرقا بينهما شيء.
ودليل ذلك ما ثبت في الخمسة عن ابن عمر قال: قلت يا رسول الله: إني أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذا من هذه، وأعطي هذه من هذا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لا باس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تتفرقا وبينكما شيء) [حم 6203، ن 4582، د 3354، ت 1242، جه 2262] والحديث الصحيح فيه وقفه على ابن عمر، ولكن الأدلة الشرعية تدل على هذا الحديث، أما قوله (ما لم تتفرقا وبينكما شيء) فإن هذا شرط في الصرف، وهو إذا حل الوقت فقال أريد أن أعتاض عنها دنانير بدل الدراهم فهذا صرف، ولا بد في الصرف من التقابض، وكونها بسعر يومها لئلا يربح ما لم يضمن، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: (ولا ربح ما لم يضمن) .
باب بيع الأصول والثمار
الأصول جمع أصل وهو ما يتفرع منه غيره، كالدار والأرض والشجر، فالشجر أصل يتفرع منه الثمر، والأرض كذلك يتفرع منها ما فيها من غرس وبناء ونحوه، والدار يتفرع عنها ما فيها من بناء وأبواب ونحو ذلك، والثمار: جمع ثمر كالتمر ونحوه.
قوله [إذا باع دارا شمل أرضها وبناءها وسقفها والباب المنصوب والسلم والرف المسمورين والخابية المدفونة] فإذا باع رجل دارا أو وهبها أو أوقفها أو أوصى بها أو أقر بها فكل هذا في حكم البيع، فإذا باع دارا فإن هذا يشمل أرضها وبناءها وسقفها والباب المنصوب والسلم والرف المسمرين أي الذين قد وضعا بالمسامير، والخابية وهي وعاء الماء إذا وضع في الأرض، وقيد الخابية بالمدفونة ليخرج ما لم يكن مدفونا كوعاء الماء الذي ليس بمدفون فإنه لا يدخل في هذا الحكم.
قوله [دون ما هو مودع فيها من كنز وحجر]
ما هو مودع فيها من كنز وحجر فإنه لا يدخل في الدار، لأن اللفظ لا يتناوله، فلا يملك بمجرد البيع، فمن باع دارا وفيها كنز فإن المشتري لا يملك هذا الكنز، لأن اللفظ لا يتناوله.
قوله [ومنفصل منها كحبل ودلو وبكرة وقفل وفرش ومفتاح] فإن هذه وإن كانت من مصلحة الدار لكنها منفصلة عنها، فالضابط عندهم فما يدخل فيما يباع من الأصول: أن يكون من مصلحة الدار ومتصلا بها، فإن لم يكن من مصلحتها ولا متصلا بها أو كان من مصلحتها وهو غير متصل بها فإنه لا يدخل في البيع، والوجه الثاني في المذهب أن المفتاح ونحوه كالقفل يدخل، والصحيح أن الحكم في ذلك راجع إلى العرف، فما دخل في اللفظ عرفا فإنه يثبت ملكه بالبيع، لأنه كالشرط، وقد تقدم أن الشرط العرفي كالشرط اللفظي، فمثلا إذا قال بعتك هذه الدار، فإن العرف يدل على دخول الأرض والبناء والأبواب والأقفال والمفاتيح ونحو ذلك مما هو متصل بها ومن مصلحتها، والعرف لا يدخل الفرش ولا الأثاث، لكن إن اشترطه المشتري فالمسلمون عند شروطهم.
قوله [وإن باع أرضا ولو لم يقل بحقوقها شمل غرسها وبناءها] قوله (ولو لم يقل بحقوقها) إشارة إلى خلاف، فالوجه الثاني في المذهب أنه إن لم يقل بحقوقها فإن غرسها ونحوه لا يدخل، إذن في المسألة قولان في المذهب: القول الأول: أنه إذا قال بعتك هذه الأرض فإن غرسها وبناءها ونحوه يدخل وإن لم يقل بحقوقها.
القول الثاني: أن ذلك لا يدخل إلا أن يشترطه، فإن قال: اشتريت منك الأرض بحقوقها أو بما فيها أو قال البائع بعتك الأرض بحقوقها أو بما فيها دخل ما سبق وإلا فلا، والراجح ما تقدم من أن مرجع ذلك إلى العرف، فإذا كان العرف يقضي بأن بيعها - أي الأرض - يدخل فيه ما سبق فإنه يدخل فيه، وإلا فلا، والعرف حاليا لا يدخل الشجر، فمن باع أرضا وفيها شجر، فإن العرف لا يدل على أن الشجر داخل في البيع، إلا أن تكون الأرض أرضا زراعية، أما إذا كانت أرضا للبناء فلا يدخل فيها، لكن لو قال: بعتك هذا البستان أو بعتك هذا الحائط فإنه يدخل فيه ما فيه من شجر ونحوه.
- وهل يدخل فيه ما يكون منصوبا فيه من خيام ونحو ذلك؟ الجواب ما سبق من أن مرجع ذلك إلى العرف، لكن لو اشترطه فالمسلمون على شروطهم.
قوله [وإن كان فيها زرع كبر وشعير فلبائع مبقى] إذا كان في الأرض بر وشعير فإنه يبقى للبائع إلى أول وقت الحصاد، هذا إذا لم يشترطه المشتري، فإذا أتى أول وقت الحصاد فإنه يجبر على حصاده، وهذا هو القول الأول في المذهب، وأنه يجب عليه أن يحصده أول وقت الحصاد ولو كان في الانتظار خير للزرع، والقول الثاني في المذهب أنه يبقى إلى كماله وتمامه لأن العادة قد جرت بذلك، فالعادة قد جرت بأن الزرع لا يحصد حتى يكمل، والشرط العرفي كالشرط اللفظي، وهذا هو أحد القولين عند الحنابلة، وهو الراجح وهو اختيار شيخ الإسلام.
قوله [وإن كان يجز ويلقط مرارا فأصوله لمشتر والجزة واللقطة الظاهرتان عند البيع للبائع]
إن كان يجز مرارا كالبرسيم مثلا، أو يلقط مرارا كالقثاء مثلا، فأصوله للمشتري، والجزة واللقطة الظاهرتان للبائع وذلك لأن ما يجز ويلقط مرارا يلحق بالشجر من نخيل ونحوه، وذلك لأنه زرع ليبقى، فهو كالنخيل يتكرر جذاذه، فكما أنهما لو تبايعا في الأرض نخيل عليه ثمر، فالثمر للبائع، والنخيل للمشتري، كما سيأتي في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
قوله [وإذا اشترط المشتري ذلك صح] فلو اشترط المشتري الجزة واللقطة الظاهرتين صح، فالمسلمون على شروطهم.
فصل
قوله [ومن باع نخلا تشقق طلعه فلبائع مبقى إلى الجذاذ] من باع نخلا تشقق طلعه، فهو متهيء للتأبير، فلم يبق إلا أن يؤبر، والتأبير هو التلقيح، فمن باع نخلا تشقق طلعه فإنه يبقى للبائع إلى الجذاذ، فله الثمر مبقى إلى أول الجذاذ، وبمجرد ما يبدأ الناس يجذون يؤمر هو بالجذاذ، والصحيح ما تقدم أنه يبقى إلى كماله.
قوله [إلا أن يشترطه المشتري] فإن اشترط المشتري فإنه يكون له، ودليل ذلك ما ثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من باع نخلا بعد أن يؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترطه المبتاع) [خ 2379، م 1543] قالوا: وإنما علق الشاعر الحكم بالتأبير لأنه ملازم للتشقق غلابا، فإذا تشقق فإنها تؤبر، وعن الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام أن الحكم منوط بالتأبير، وذلك لظاهر الحديث المتقدم، ولأن التأبير يقع به فهل من المكلف بخلاف التشقق، فإنه لا فعل لمكلف فيه، وهذا القول هو الراجح وهو أن الحكم منوط بالتأبير، فإن باع نخلا وهو مؤبر فالثمرة للبائع إلا أن يشترطه المبتاع، وإن باعه ولم يؤبر بعد وإن كان متشققا فإن الثمرة للمشتري، والمذهب يعلق هذا بالتشقق، والراجح ما اختاره شيخ الإسلام.
قوله [وكذلك شجر العنب والتوت والرمان وغيره]
فكذلك تشقق ثمرها، فإنه إذا باعها تكون الثمرة للبائع، ,إن لم يتشقق فإن الثمرة للمشتري، ولم نعلقه بالتأبير لأنه لا تأبير فيه، والقياس حيث أمكن فهنا يلحق به قياسا حيث تشقق.
قوله [وما ظهر من نوره كالمشمش والتفاح، وما خرج من أكمامه كالورد والقطن] فما ظهر من نوره أي من زهره كالمشمش والتفاح، وما خرج من أكمامه أي وعائه كالورد والقطن فإن له نفس الحكم، فمن باع تفاحا أو مشمشا فإن كان قد خرج من نوره فهو للبائع، وإن لم يخرج من نوره فإنه للمشتري كالثمر المتشقق من النخل.
قوله [وما قبل ذلك والورق فلمشتر] أي ما قبل التشقق والخروج من النور والخروج من الوعاء فإنه يكون للمشتري، وكذلك الورق والأغصان، فإنها للمشتري لأنها تبع للشجر، وقد ثبت الحكم للأشجار فورقها وأغصانها تابعة لها، وأما الثمر فما كان قبل التشقق أو التأبير في النخل فإنه للمشتري، وما كان بعد التشقق من سائر الثمار وبعد التأبير في النخل خاصة فهو للبائع إلا أن يشترطه المبتاع.
قوله [ولا يباع ثمر قبل بدو صلاحه ولا زرع قبل اشتداد حبه]
لا يباع النخل وهو رطب حتى يبدو صلاحه، ولا يباع زرع قبل اشتداد حبه، فأما صلاح الثمر فبأن ينضج، فهذا هو بدو صلاحه، وهذا يختلف باختلاف الثمر، فمنه ما يكون باحمراره أو اصفراره، ولذا قال أنس لما قيل له ما زهوها قال:" أن تحمار أو تصفار "، والعنب جاء فيه حديث عند الخمسة إلا النسائي بإسناد صحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (نهى عن بيع العنب حتى يسود، وعن بيع الحب حتى يشتد) [حم 12901، ت 1228، د 3371، جه 2217] وهذا في العنب الأسود، وما لم يكن له علاقة باللون فإذا تهيأ لأن يطعم ويؤكل فهذا هو بدو صلاحه، وقد ثبت في الصحيحين عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: (نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها) قيل: ما بدو صلاحها قال:" أن تذهب عاهتها " وهو من قول ابن عمر، فهو مدرج كما ثبت في بعض الروايات [خ 1486، م 1534] ومعنى " أن تذهب عاهتها " أي تذهب عنها الآفة السماوية المحتملة قبل نضجها، ولذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في البخاري ومسلم: (أرأيت لو منع الله الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال أخيه) [خ 2199، م 1555] فالعلة هي أن الثمرة قد تمنع فتأتيها آفة سماوية قبل بدو صلاحها فبم يستحل البائع مال أخيه، وفي الصحيحين من حديث أنس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (نهى عن بيع الثمار حتى تزهو) قيل وما زهوها؟ قال - وهو من قول أنس كما بينته بعض الروايات -: أن تحمار أو تصفار [خ 2196، 2197، م 1555] فهذه الأحاديث تدل على أن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها محرم، وأن بيع الحب قبل اشتداده محرم أيضا، وهذا باتفاق العلماء.
قوله [ولا رطبة ولا بقل ولا قثاء ونحوه كباذنجان دون الأصل] الرطبة هي البرسيم، والقثاء هو الخيار، فلا يجوز بيع البرسيم والقثاء وكذلك الباذنجان ونحو ذلك دون الأصل حتى يبدو صلاحها.
قوله [إلا بشرط القطع في الحال أو جزة جزة أو لقطة لقطة] فما يتكرر جزه أو يتكرر لقطه كالبرسيم والقثاء ونحوه لا يباع إلا جزة جزة أو لقطة لطقة، فيقول: أبيع عليك هذه الجزة، فإذا اشتراها، ثم نمت الجزة الأخرى باعها، وهكذا فيما يلقط، فبيع اللقطة الأولى يكون إذا خرجت وكذلك الثانية والثالثة وهكذا، وعليه فليس له أن يبيع البرسيم أو نحوه الذي قد بدا صلاحه الموسم كله، فمثلا: يأتي إلى مزرعة البرسيم فيقول: أبيع عليك هذا البرسيم تجزه ما شئت يعني كلما نبت منه شيء جززته، وهكذا حتى ييبس، وهكذا في القثاء ونحوه، فهذا لا يجوز، قالوا: لأنه معدوم، فالجزة الثانية معدومة، والبيع إنما يكون في الموجود لا في المعدوم، ولأن هذا المعدوم فضلا عن كونه معدوما فإنه لم يبد صلاحه، وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع هذه الأشياء حتى يبدو صلاحها، واختار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم جواز ذلك، وأنه يجوز أن يبيع المقثاة حتى ييبس ويجوز أن يبيع البرسيم حتى ييبس وذلك بعد بدو الصلاح، قالوا: لأنه لا غرر في ذلك، فإن أهل الخبرة يستدلون بجنس هذا الزرع على طيب ما يجز منه أو يلقط، وعلى كثرته ونحو ذلك، قالوا: ولأن في المنع من هذا حرجا ومشقة، ومثل هذه المسائل تجوز عند المشقة والحرج، قالوا: ولأنها لا تدخل في نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه، فإن هذا فيما يمكن الانتظار فيه حتى يبدو الصلاح، فلا يكون في ذلك مشقة ولا حرج، وأما هنا فإن بدو الصلاح فيه متكرر، فيشق انتظاره، وما ذهب إليه شيخ الإسلام وتلميذه هو القول الراجح في هذه المسألة دفعا للحرج، كما أنه يمكن أن يقال لأهل القول الأول: ماذا تقولون في بدو الصلاح في بعض ثمر النخلة الواحدة؟ فالجواب: أنهم يقولون اتفاقا يجوز بيعها إذا بدا صلاح بعض ثمرها دون الآخر، وذلك لأن النهي عن بيعها حتى يبدون صلاحها كلها فيه
مشقة، فإن الانتظار فيه مشقة، وكذلك على الراجح إذا بدا صلاح بعض النخل أو نحوه من نوع واحد، فإنه يحكم للباقي بالحكم نفسه إذا كان في بستان واحد، فيجوز بيعه حينئذ، وهذا هو المشهور في المذهب وهو مذهب الشافعي، وعن الإمام أحمد أنه يمنع حتى يبدو صلاح كل الثمر، والصحيح هو ما تقدم وذلك دفعا للحرج، ويقال هنا كذلك في المسائل التي تقدم فيها اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم.
وقوله (إلا بشرط القطع في الحال) فإذا باع ثمرة لما يبدو صلاحها أو حبا لما يشتد بعد أو باع رطبة أو قثاء ولما يبدو صلاحها بشرط القطع في الحال فإن هذا جائز، وذلك لزوال العلة المتقدمة وهي قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (أرأيت لو منع الله الثمرة بم يأخذ أحدكم مال أخيه) ، وهناك شرط آخر، وهو شرط قد تقدم في شروط البيع وهو أن يكون مما ينتفع به، أي يحصل به الانتفاع سواء بأن يكون طعاما للآدميين أو طعاما للبهائم أو نحو ذلك، فهذا كله جائز، والعلة قد زالت، وهذا هو مذهب الجمهور.
قوله [والحصاد والجذاذ واللقاط على المشتري] إذا باع زرعا أو ثمر نخل فالذي يجب عليه حصاد الزرع وجذاذ ثمر النخل والذي يجب عليه أن يلقط هو المشتري، قالوا: لجريان العادة بذلك، فالعادة محكمة في مثل هذه المسائل، والشرط العرفي كالشرط اللفظي، وحينئذ فإن كان العرف عن أن ذلك على البائع فإنه يعمل به إلا أن يشترط أحدهما خلاف العرف، كأن يكون العرف على أن الجذاذ على المشتري، فيشترط المشتري أن يكون على البائع فالمسلمون على شروطهم.
قوله [وإن باعه مطلقا أو بشرط البقاء.... بطل]
إذا باع الثمر مطلقا قبل بدو الصلاح ولم يشترط القطع في الحال فالبيع باطل لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، والنهي يقتضي الفساد، وكذلك إذا باع الثمر قبل بدو الصلاح واشترط المشتري البقاء، أي بقاء الثمر حتى يبدو صلاحه، فهذا الشرط يخالف الشرع، فهو باطل والبيع باطل، ويستثنى من هذا ما تقدمت إشارة المؤلف إليه في قوله (دون الأصل) فإذا باع الأصل فإن الثمر يتبع، وإن لم يبد صلاحه، فلو أن رجلا باع نخلا وكان الثمر لم يبد صلاحه فذلك جائز، وهذا باتفاق أهل العلم، ويثبت تبعا ما لا يثبت استقلالا.
قوله [أو اشترى ثمرا لم يبد صلاحه بشرط القطع وتركه حتى بدا] إذا قال: أنا اشتري منك هذا الثمر قبل بدو صلاحه بشرط أن أقطعه في الحال، فلم يقطعه في الحال بل تركه حتى بدا صلاحه فالبيع باطل، وذلك لأن الشريعة إذا نهت عن الشيء نهت عنه وعن ذرائعه الموصلة إليه، ولا شك أن عدم إبطال مثل هذا العقد يؤدي إلى بيعه قبل بدو صلاحه من غير أن يشترط قطعا في الحال، وعليه فالثمرة تعاد إلى البائع والثمن يعاد إلى المشتري.
قوله [أو جزة أو لقطة فنمتا...... بطل] إذا باعه جزة أو لقطة لم يبد صلاحها بشرط القطع في الحال فلم يقطعها في الحال بل تركها حتى نمتا فإن البيع يبطل لما تقدم.
قوله [أو اشترى ما بدا صلاحه وحصل آخر واشتبها] مثاله: قال أبيعك هذا الثمر الذي قد بدا صلاحه من هذه النخلة، فلم يلقط ما بدا صلاحه، وبدا صلاح بقية الثمر فاختلطا، فالحكم أن البيع باطل، هذا ما ذكره المؤلف وهو رواية عن الإمام أحمد، والصحيح في مذهب الحنابلة أي المشهور عندهم وهو ظاهر المذهب أن البيع صحيح، ولا دليل على بطلانه، وذلك للقدرة على تسليمه، ولأنه ليس فيه نهي يقتضي فسادا، وحينئذ ينظر فيما نما، فإن علم قدره أخذه البائع، فإنه نما في ملكه، وإن لم يعلم قدره تصالحا على شيء، فإن لم يتصالحا فلكل منهما الفسخ.
قوله [أو عرية فأتمرت بطل] اشترى عرية فأتمرت فيبطل البيع، لأن الشارع إنما أجازها ليؤكل رطبا كما تقدم في قوله النبي - صلى الله عليه وسلم -: (يأكلونها رطبا) ، والشريعة إنما أجازتها للحاجة وهي أن تؤكل رطبا، فإذا أخرت حتى أتمرت فإن ذلك لا يجوز، ويكون البيع باطلا.
قوله [والكل للبائع] فكل هذه الأشياء للبائع، فالعرية إذا أتمرت تعود إلى البائع، وحينئذ يرجع عليه المشتري بالثمن، وكذلك كل ما تقدم بطلانه فإنه يكون للبائع لأن البيع باطل، وحيث كان باطلا فإنه يرجع إلى البائع، وأما المشتري فله ما دفعه ثمنا.
قوله [وإذا بدا ما له صلاح في الثمرة أو اشتد الحب جاز بيعه مطلقا] فإذا بدا صلاح الثمرة واشتد الحب جاز بيعه مطلقا، ودليل ذلك ما تقدم من نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، ومفهومه جواز بيعها بعد بدو صلاحها، ولأن الأصل في البيوع الحل.
قوله [وبشرط التبقية] إذا قال بعد بدو صلاح الثمر أشتري منك هذا الثمر بشرط أن يبقى حتى يكمل صلاحه حتى يجذ في الأوان المناسب له، فهذا جائز، والمسلمون على شروطهم، وقد تقدم أن البستان إذا بدا الصلاح في نخلة من نخلاته فيجوز بيع ثمره كله، ولا شك أن المشتري يحتاج إلى إبقاء الثمر في النخيل التي لم يد صلاح ثمرتها بعد، وربما أيضا احتاج إلى تبقية ما بدا صلاحه من الثمر حتى يكون نضجه أتم وأحسن، وهذا كله جائز، والمسلمون على شروطهم.
قوله [وللمشتري تبقيته إلى الحصاد والجذاذ] فللمشتري التبقية إلى الحصاد والجذاذ وإن لم يشترط ذلك لجريان العادة بذلك، والشرط العرفي كالشرط اللفظي، وله أن يبيعه كذلك لثبوت القبض، فإن التخلية كما تقدم قبض.
قوله [ويلزم البائع سقيه إن احتاج إلى ذلك وإن تضرر الأصل]
إذا اشترى منها لثمر واشترط تبقيته أو أبقاه إلى أوان الحصاد والجذاذ فإن السقيا واجبة على البائع لجريان العرف بهذا، لكن لو اشترط البائع أن السقيا تكون على المشتري فالمسلمون على شروطهم.
وقوله (وإن تضرر الأصل) أي بالسقي.
قوله [وإن تلفت بآفة سماوية رجع على البائع]
إذا أصابت الثمر أو الزرع بعد بيعه آفة سماوية فذلك منضمان البائع لا المشتري، والمسألة فيها قولان:
القول الأول: أن هذا منضمان البائع، كما هو مقرر في المذهب، وهو مذهب المالكية.
القول الثاني: أنه من ضمان المشتري لأنه قد تم البيع، وقد أقبضه المبيع، فكان من ضمان المشتري، وهذا هو مذهب الشافعية، والصحيح هو القول الأول لدلالة السنة عليه، فقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لو بعت على أخيك ثمرا فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا بم تستحل مال أخيك بغير حق) [م 1554] وفي رواية أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (أمر بوضع الجوائح) [م 1554] ولذا قال المؤلف: وإذا تلفت بآفة سماوية رجع - أي المشتري - على البائع بالثمن، وذلك بشرط ألا يقع من المشتري تفريط، أما لو وقع منه تفريد وتأخر بالجذاذ فخرج الوقت المعتاد للجذاذ وحصلت آفة سماوية فحينئذ الضمان على المشتري لتفريطه، لأنه فوت على البائع الانتفاع بالثمر.
واعلم أن قول المؤلف (وإن تلفت بآفة سماوية) يعود على الثمرة، كما هو المشهور من مذهب الحنابلة، وأن وضع الجوائح مختص بالثمرة دون الزرع، والراجح هو اختيار شيخ الإسلام والمجد ابن تيمية أن الزروع مقيسة على الثمار، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (أرأيت إن منع الله الثمرة بم تستحل مال أخيك بغير حق) ، وهذا المعنى ثابت في الزروع كما هو ثابت في الثمار، وهذا القول هو اختيار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي وهو مقتضى القياس الصحيح.
قوله [وإن أتلفه آدمي خير المشتري بين الفسخ والإمضاء ومطالبة المتلف]
هذا هو المشهور من المذهب، والقول الثاني في المذهب وهو اختيار أبي الخطاب من الحنابلة أن التلف الحاصل بغير آفة سماوية يكون الضمان فيه على المشتري وهو الراجح، وذلك لأن الآفة السماوية لا يمكن للمشتري أن يرجع على أحد بثمنه، فحينئذ يكون ذلك أكلا للمال بالباطل، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (بم تستحل مال أخيك بغير حق) ، وقد سبق أن هذا إذا لم يكن هناك تفريط من المشتري.
أما ذا كانت الآفة غير سماوية فإن المشتري يمكنه أن يتدارك حقه بالرجوع إلى المتلف، فحينئذ نبقى على الأصل في الضمان، وأن الضمان يبقى على المشتري عند القبض، وقد تقدم أن البائع إذا باع الثمر وخلى بينه وبين المشتري فإن الضمان يكون على المشتري، وإنما استثنت الشريعة الجوائح للمعنى المتقدم، وقال بعض الحنابلة: إن ما قد يحدثه سارق أو لص أو عسكر أو نحو ذلك مما يشبه الآفة السماوية، وهذا أيضا راجح، فالصحيح أن التف إذا كان من آدمي يمكن الرجوع عليه فإن الضمان على المشتري، أما إذا كان من آدمي لا يمكن الرجوع عليه كالسارق والعسكر ونحوهما فهذا يشبه الآفة السماوية.
قوله [وصلاح بعض الشجر صلاح لها]
فإذا صلح في الشجرة بعضها فهذا الصلاح للشجرة كلها، وعلى هذا فيجوز أن يبيعها، وقد تقدم ذكر اتفاق أهل العلم عن ذلك.
قوله [ولسائر النوع الذي في البستان] فإذا صلح بعض الشجر من النوع فإن سائر النوع قد بدا صلاحه فيجوز بيعه، كما هو المشهور في المذهب وهو مذهب الشافعية، وتقدم الكلام على هذه المسألة.
قوله [وبدو الصلاح في ثمر النخل أن تحمر أو تصفر وفي العنب أن يتموه حلوا] قوله (أن يتموه حلوا) أي أن يلين ويكون كالوعاء اللين المملوء ماء.
قوله [وفي بقة الثمار أن يبدو فيها النضج ويطب أكله] وقد تقدم الكلام على هذا.
قوله [ومن باع عبدا له مال فماله لبائعه إلا أن يشترطه المشتري] لما ثبت في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من ابتاع عبدا وله مال فماله لذي باعه إلا أن يشترطه المبتاع) [خ 2379، م 1543] فإذا اشترطه المشتري فقال: اشتريت العبد وماله، فإنه يكون له.
قوله [فإن كان قصده المال اشترط علمه وسائر شروط البيع وإلا فلا]
إذا اشترى رجل عبدا ومعه مال، واشترط هذا المال وكان هذا المال هو مقصود المشتري بالبيع أي له قصد فيه فحينئذ لا بد من توفر شروط البيع ومنها العلم، فإذا كان مجهولا لا يدري ما هو المال الذي مع العبد فلا يصح البيع، وهكذا سائر شروط البيع.
وقوله (وإلا فلا) أي وإلا يقصد المال الذي معه فلا يشترط شروط البيع، وذلك للقاعدة الشرعية القائلة: يثبت تبعا مالا يثبت استقلالا، كما إذا باع الشجر وعليه ثمر لم يبد صلاحه فالبيع جائز، لأنه يثبت تبعا مالا يثبت استقلالا، وهاهنا باع عبدا وله مال، والمال مجهول وهو غير مقصود فالبيع صحيح لما تقدم.
قوله [وثياب الجمال للبائع، والعادة للمشتري] من باع عبدا فثياب الجمال أي التي تكون على العبد من ثياب الزينة ونحوها فإنها للبائع، وذلك لأن العادة لم تجر ببيعها معه، فإذا باع عبدا وعليه حلي من فضة وثياب جميلة تعد زينة فهذا كله للبائع، وأما ثياب العادة كثياب المهنة والخدمة التي تكون عليه وما يلبسه لستر العورة مما هو معتاد فهذا يدخل في البيع لجريان العادة ببيعه، ومثله لو باع سيارة وفيها أشياء معتادة يتسامح بمثلها فتدخل في البيع، وإلا فلا.
باب السلم السلم والسلف مترادفان، فالسلم لغة حجازية والسلف لغة عراقية، وسمي السلم سلما لتسليم الثمن في مجلس العقد، وسمي سلفا لتقديم الثمن على المثمن، ففيه معنى السلف، والسلم عرفه المؤلف بقوله:
قوله [عقد على موصوف في الذمة مؤجل بثمن مقبوض بمجلس العقد]
كأن يقول: أبيع عليك كذا وكذا صاعا من البر، وصفته كذا وكذا - أي من جيده أو رديئه ونحو ذلك - بألف ريال حاضرة الآن، فهنا قد باع موصوفا في الذمة مؤجلا بثمن مقبوض في مجلس العقد، إذن فهو عقد على موصوف في الذمة، ولك أن تقول: هو تعجيل الثمن وتأخير المثمن، والمسلِم - بكسر اللام - هو دافع الثمن، وهو في الغالب التاجر، والمسلَم إليه - بفتح اللام - هو صاحب الحاجة، وهو دافع السلعة، وغالبا ما يكون صاحب حاجة، فإن السلم من بديلات الربا، والمسلَم فيه - بفتح اللام - هي السلعة المؤجلة الموصوفة في الذمة.
قوله [ويصح بألفاظ البيع والسلف والسلم] يصح بألفاظ البيع - كل لفظ من ألفاظ البيع -، فلو قال: بعتك مائة صاع من البر إلى سنة بمائة دينار حاضرة، فهذا يعتبر سلما، لأن السلم من أنواع البيع، فيصح بأي لفظ من ألفاظ البيع، وقد تقدمت ألفاظ البيع، فلو قال: بعت أو اشتريت أو نحو ذلك صح، ويصح أيضا بلفظ السلم، كأن يقول: أسلمتك مائة ريال في هذا المجلس على أن تعطيني كذا صاعا من البر إلى سنة، ويصح بلفظ السلف كأن يقول أسلفك كذا وكذا من الدنانير على أن تعطيني مائة صاع من البر إلى سنة.
قوله [بشروط سبعة] وهذه الشروط سوى شروط البيع التي تقدم ذكرها.
قوله [أحدها: انضباط صفاته بمكيل وموزون ومذروع]
الصواب أن يقول: من مكيل وموزون ومذروع، أو كمكيل وموزون ومذروع.
فالشرط في المسلم فيه وهي السلعة أن تكون مما تنضبط صفاتها، من مكيل كالبر، أو موزون كالحديد مثلا، أو مذروع كالقماش، فهذه تنضبط صفاتها، أما إذا كانت لا تنضبط صفاتها، فهذا لا يجوز السلم فيه، لأنه يفضي إلى المنازعة، وما يفضي إلى المنازعة فهو ممنوع شرعا.
قوله [وأما المعدود المختلف كالفواكه] الفواكه معدودة، وتتفاوت تفاوتا ظاهرا يختلف به الثمن اختلافا ظاهرا.
قوله [والبقول]
أي من الخضروات ونحوها كذلك، فالبقول مما يباع جزافا فهو كذلك، لأنه يتفاوت تفاوتا ظاهرا يختلف به الثمن اختلافا ظاهرا، ولو قالوا: تعد بالحزمة ونحوها فإن الحزمة تختلف عن بعضها البعض اختلافا ظاهرا، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، وعن الإمام أحمد وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة أن ذلك جائز، وأنه يوزن وزنا، وهذا هو الراجح، فإنه إذا وصف الفاكهة أو البقول ثم اتفقا على الوزن فإن ذلك جائز، ثم أيضا الحزم ونحوها أو الفواكه وإن اختلفت فإن هذا الاختلاف يسير وهو معفو عنه دفعا للحرج والمشقة، فالذي يظهر أن مثل هذا التفاوت اليسير لا بأس به، ودليل هذا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال فيما ثبت عنه في الصحيحين: (من أسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم) [خ 2239، م 1604] وفي رواية البخاري: (من أسلف في شيء) [خ 2241] وهي لفظة عامة تدخل فيها الفواكه والبقول وغيرها.
قوله [والجلود] فالجلود لا يجوز فيها السلم، لأنه يحصل فيها التفاوت، وذلك لأن أطرفها تتفاوت، فإن أطرافها ليست منضبطة كما يكون هذا القماش ونحوه، بل تكون متفاوتة.
قوله [والرؤوس] أي رؤوس الحيوانات كذلك، لأنه يقع فيها التفاوت، ومذهب مالك وهو رواية عن أحمد أن هذا يجوز فيه السلم، وذلك لأن مثل هذا التفاوت في الحقيقة تفاوت معلوم لا تقع بمثله المنازعة، فهو تفاوت يسير.
قوله [والأواني المختلفة الرؤوس والأوساط كالقماقم] القماقم: جمع قمقم، وهو ما يسخن به الماء، فهذا كذلك لا يجوز فيه السلم، والوجه الثاني في المذهب أنه يجوز، لأن التفاوت في الحقيقة تفاوت يسير، ولأنه يمكن أن ينضبط في الوصف.
قوله [والأسطال الضيقة الرؤوس والجواهر]
فالجواهر لا يجوز فيها السلم، لأنها تختلف اختلافا ظاهرا وتتفاوت تفاوتا بينا، وذلك في شكلها وعددها وصفتها وضوئها ونحو ذلك، وعن الإمام أحمد أن السلم في الجواهر جائز، ومرجع هذا ما تقدم: فإذا أمكن ضبطها فإنه لا إشكال في جواز السلم فيها، وتدخل في عموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (من أسلف فليسلف في شيء معلوم) ، ومرجع هذا إلى أهل الخبرة بالجواهر، فإذا كانت الجواهر يمكن أن تنضبط ولا يقع النزاع في السلم فيها فلا مانع منه.
قوله [والحامل من الحيوان] فالحامل من الحيوان لا يجوز السلم فيه، فلا يجوز أن يقول مثلا: اشتريت منك ناقة حاملا إلى كذا بكذا، قالوا: لأن الحمل مجهول غير متحقق، فقد تلد وقد لا تلد، والرواية الثانية عن الإمام أحمد أن السلم في الحيوان الحامل جائز، وهذا هو الراجح، وذلك لأن السلم بيع، وكما جاز بيع الناقة أو الشاة أو غيرها وهي حامل مع الجهالة، فكذلك هنا، لأنه ثبت تبعا، ويثبت تبعا ما لا يثبت استقلالا، والأصل معلوم فلا عبرة بجهالة الحمل.
قوله [وكل مغشوش] كاللبن المشوب، والجواهر المشوبة، ونحو ذلك، فهذا لا يجوز السلم فيه، وهذا ظاهر، فإن وجود الغش فيه يجعله غير منضبط، وليس المقصود الغش الممنوع، وإنما المقصود أنه مشوب فيه شيء، أي أن تكون العين غير خالصة، بل قد أضيف إليها شيء آخر، فهذا لا ينضبط ويقع الخلاف في مثله، لكن لو ثبت لنا أنه يخلط به غيره بطريقة ثابتة في العرف متميزة ظاهرة فحينئذ لا يقال إن هناك ما يمنع، فلو أسلم في لبن مشوب، وكان العرف يقضي بقدر ما يكون من الخلط، فإنه لا مانع حينئذ من السلم فيه للقاعدة العامة.
قوله [وما يجمع أخلاطا غير متميزة كالغالية والمعاجين فلا يصح السلم فيه]
أي يجمع أخلاطا غير متميزة، والغالية: هي أخلاط الطيب، فإن هذا لا يجوز السلم فيه لعدم الانضباط، والذي يظهر أنها تكون معلومة، لأن أهل الخبرة يعرفونها إذا كانت الأخلاط على أقدار محددة معينة بحيث يتميز بعضها عن بعض، وحينئذ يجوز السلم فيها، وعلى العموم فهذا داخل تحت القاعدة العامة أنه إن أمكن ضبطها فلا مانع من السلم فيها وإلا فلا، وكذلك المعاجين كالأدوية التي تكون من المعاجين، والذي يظهر أن تلك المعاجين يعرفها أيضا أهل الخبرة، فيميزون بينها أخلاطها.
قوله [ويصح في الحيوان] يصح السلم في الحيوان، وقد صح هذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كأن يأخذ منه كذا وكذا من الدراهم على أن يعطيه مائة شاة أو نحوها، فهذا جائز، وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (استسلف من رجل بكرا) [م 1600] فهذا جائز للحديث، ولأن الحيوان مما ينضبط.
قوله [والثياب المنسوجة من نوعين] إذا كانت الثياب منسوجة من نوعين فيجوز السلم فيها، كأن ينسج من القطن والكتان، فهذا جائز لأنها متميزة، ولا يظهر أن هناك فرقا بين ما تقدم المنع منع في المعاجين والغالية وبين ما يكون من هذا النسيج الذي يكون من القطن والكتان.
قوله [وما خلطه غير مقصود كالجبن وخل التمر والسكنجبين ونحوها] وما خلطه غير مقصود كالجبن فإن فيه الأنفحة، وهي غير مقصودة، وكذلك خل التمر، فالتمر فيه خل، وهذا الخل غير مقصود، وكذلك السكنجبين، وهي كلمة فارسية وهي سكر فيه خل، ونحوها كالخبز وفيه ملح، فالملح في الخبز والخل في السكر والخل في التمر والأنفحة في الجبن هذه غير مقصودة فيصح السلم فيها.
قوله [الثاني: ذكر الجنس والنوع] فيقول: من التمر مما نوعه كذا كالعجوة ونحوها.
قوله [وكل وصف يختلف به الثمن ظاهرا] فلا بد أن يذكر له كل وصف يختلف به الثمن اختلافا ظاهرا، وليس أي اختلاف يذكر، فاليسير لا يذكر.
قوله [وحداثته وقدمه] كذلك حداثته وقدمه، فإن الحديث والقديم يتفاوت بهما الثمن تفاوتا ظاهرا.
قوله [ولا يصح شرط الأردء أو الأجود] فلا يصح أن يقول: بشرط الأجود أو الأردء،قالوا: لأنه ما من جيد إلا هناك ما هو أجود منه، ومن رديء إلا هناك ما هو أردأ منه، وقال الموفق بل شرط الأردء يجوز، لأنه يمكن أن يعطيه ما هو خير منه وأجود منه، فحينئذ لا إشكال، وقال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي إن العادة في مثل هذه الألفاظ أن مراده أجود ما يكون معروفا عندهم، أو أردأ ما يكون عندهم، وحينئذ فيحمل على العرف فلا مانع من تصحيح هذا الوصف وحمله على العرف، ولا شك أنه في التمر ما يسمى في عرفنا أجود، وكذلك أردأ، وقد تقدم أن ألفاظ المتعاقدين تحمل على العادة والعرف، فالأظهر أن مراده بالأجود والأردأ ما هو معروف عن المتعاقدين، فيكون ذلك ظاهرا، أما إن ترتب عليه منازعة أو نحو ذلك فلم يكن متميزا فإنه يمنع منه درءا للمنازعة كما سبق.
قوله [بل جيد ورديء] فإذا قال: جيد، ورديء، فهذا جائز.
قوله [فإن جاء بما شرط] فإن جاء بما شرط فقد أوفى بما عليه، وحينئذ فيجب على المسلم أن يقبله.
قوله [أو أجود منه من نوعه] كذلك يجب عليه أن يقبله إن أتاه بما هو أفضل، إذ امتناعه عن القبول عناد ومكابرة فلا يكون مقبولا.
قوله [ولو قبل في محله ولا ضرر في قبضه لزمه أخذه] فإذا أتاه به قبل الوقت المتعاقد عليه، كأن يقول إلى سنة فيأتيه به بعد ستة أشهر، فحينئذ يجب عليه القبول، لأن هذا أفضل وأولى بالقبول، لكن بقيد وهو ألا يكون في قبضه عليه ضرر، فإن كان في قبضه ضرر كأن تكون من الفاكهة أو الأطعمة التي تفسد، ولا يستطيع أن يتصرف بها إلا في الموعد المحدد، أو أن يكون في موضع يخشى على ماله فيه، أو نحو ذلك فحينئذ لا ضرر ولا ضرار فلا يلزمه القبول.
قوله [الثالث: ذكر قدره بكيل أو وزن أو ذرع يعلم]