شرح زاد المستقنع للحمدصفحات 86-125
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وما كان من قسم التروك فإن الشارع يطالب العبد باجتنابه والبعد عنه، وحيث فعله مخطئا أو ناسياً فإنه لم يناقض الشرع، فالشارع يريد منه ألا يفعله أي متعمداً وحيث فعله مخطئاً أو ناسياً فإنه لم يناقض الشرع فلم يكن ذلك مبطلاً للعبادة، والحديث المتقدم يدل على هذه القاعدة الصحيحة.
ومثل ذلك لو تذكر أو أخبر أثناء الصلاة فإنه يستمر في صلاته بعد إزالة النجاسة فإن لم يمكنه إزالة النجاسة إلا بعمل كثير مبطل للصلاة فإنه يجب أن يقطع الصلاة ثم يزيل النجاسة ويعيد الصلاة من جديد؛ لأنه لا يمكنه أن يزيل النجاسة –حينئذ- إلا بعمل كثير مناقض ومناف للصلاة.
قال: (ومن جبر عظمه بنجس لم يجب قلعه مع الضرر) رجل جبر بعظم نجس أو خيّط جرحه بخيط نجس أو نحو ذلك فهنا الواجب عليه إذا صلى أن يجتنب النجاسة، والنجاسة ثابتة فيه فيما وضع لجبر عظمه أو لخيط جرحه، فحينئذ لا يجب قلعه مع الضرر، لحديث (لا ضرر ولا ضرار) 12

والشارع لا يأمر ولا ينهي فيما يترتب على المسلم فيه الضرر في ماله أو بدنه أو نحو ذلك، وهنا يترتب عليه الضرر فلم يجب ذلك عليه.
أما إن لم يثبت الضرر فيجب عليه أن يزيله، لأن الواجب عليه أن يجتنب النجاسة، وحيث كان ذلك عليه، فإنه مباشر للنجاسة غير مجتنب لها مع قدرته على إزالتها فحينئذ: صلاته باطلة.
قال: (وما سقط منه من عضو أو سن فطاهر) لأن ما كان من الآدمي فإنه طاهر، فالمسلم لا ينجس ومثله الكافر لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (ما أبين من حي فهو كميتته) 1 . فما وقع من الإنسان من عظم أو سن ثم أعيد إليه ووصل به فصلاته به صحيحة؛ لأنه ببينونته وانفصاله لم ينجس بذلك فإذا أعيد فإنه عضو طاهر وحينئذ: فلا يكون مواقعاً للنجاسة.
فصلاته صحيحة وإن كان قادراً على إزالته لأنه ليس بنجس.
قال: (ولا تصح الصلاة في مقبرة، وحش وحمام وأعطان إبل ومغصوب)

لا تصح الصلاة في المقبرة لقوله صلى الله عليه وسلم – فيما رواه أبو داود والترمذي -: (الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام) 1 وإن كان هناك موضع فيه قبر أو قبران فهل تصح فيه الصلاة أم لا؟ ينبني على هذا الموضع هل يسمى مقبرة أم لا؟ فالمشهور في المذهب: أنه ليس بمقبرة، فعليه: يجوز أن يصلي فيه.
والقول الثاني في المذهب وهو اختيار شيخ الإسلام واستظهره صاحب الفروع: أن الصلاة لا تصح فيه؛ لأن اسم المقبرة شامل له، فإن المقبرة ما يقبر فيها سواء كان فيها قبر أو قبران.

ثم إن العلة التي من أجلها نهى الشارع عن الصلاة في المقابر ثابتة فيه، فإن العلة هي سد ذريعة الشرك فإن تعظيم القبور هو أصل الشرك الواقع في العالم، والصلاة في الموضع الذي فيه قبر أو قبران ثابتة فيه هذه العلة سواء سميناه مقبرة أو لم نسميه.
فالراجح أنها صلاة باطلة.
وعليه – فكذلك – خلافاً للمشهور في المذهب ولو صلى في موضع في بيته قد دفن فيه ميت من أمواتهم كأن يدفنوا ميتهم في ناحية من نواحي البيت، فهذا الموضع الذي حول القبر لا يجوز أن يصلي فيه للعلة المتقدمة وقد قال صلى الله عليه وسلم: (صلوا في بيوتكم ولا تجعلوها قبوراً) 1 فدل على أن القبور ليست موضعاً للصلاة.
فإن نبشت القبور فيجوز أن يصلي في هذا الموضع لما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نبش قبور المشركين التي كانت في حائط لبني النجار ثم صلى فيه، وبنى فيه مسجده) 2

  • وهل تدخل في ذلك صلاة الجنازة أم لا؟ ثلاث روايات عن الإمام أحمد: الرواية الأولى: أن صلاة الجنازة تدخل في هذا فعلى ذلك صلاة الجنازة في المقبرة باطلة.

والرواية الثانية: أنها صحيحة مع الكراهية.
والرواية الثالثة: أنها تصح بلا كراهية.
وأصحها القول الأول وأن الصلاة على الجنازة في المقابر باطلة لا تصح، لما ثبت في المختارة والطبراني في الأوسط بإسناد جيد أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى عن الصلاة على الجنائز بين القبور) 1 ولكن يستثنى من ذلك الصلاة على الميت في قبره بعد دفنه حيث فاتته الصلاة فإنها ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
إذن: هل تدخل صلاة الجنازة في عموم النهي أم لا؟ قولان في المذهب: الأول: أنها تدخل وهو رواية عن الإمام أحمد.
الثاني: أنها لا تدخل وإذا قلنا بعدم دخولها فهل تكره أم لا؟ قولان في المذهب.
والصحيح أنها باطلة في المقابر إلا ما ورد عن الشارع من الصلاة على الميت في قبره لمن فاتته الصلاة.
2

قال: (أو حش) هو موضع قضاء الحاجة.
وأما الحمام فهو موضع الاغتسال والاستحمام، فالصلاة في الحش باطلة لأن 1 إبطالها أولى من إبطال الصلاة بالحمام فهي أولى وأظهر، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام) 2 ولما ثبت عن ابن عباس – في مصنف عبد الرزاق – أنه قال: (لا تصلين إلى حش ولا إلى حمام ولا في مقبرة) 3 وإذا ثبت عنه النهي عن الصلاة إلى الحش فأولى منه الصلاة في الحش، فهي صلاة باطلة.
(أو حمام) للحديث المتقدم، حديث أحمد والترمذي: (الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام) . قال: (وأعطان إبل) جمع عطن أي المواضع التي تبرك فيها وتأوي إليها، فالصلاة فيها باطلة للحديث المتقدم في باب نواقض الوضوء من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تصلوا في معاطن الإبل) 4 والنهي هنا يعود إلى ذات الصلاة وحيث كان ذلك فإنه يفيد بطلان الصلاة.
قال: (أو مغصوب) إذا صلى في أرض قد اغتصبها فهل تصح الصلاة أم لا؟ قال هنا: لا تصح.
هذا هو المشهور في المذهب.
للمعنى المتقدم: لأنه آثم حيث اغتصب هذه الأرض فلا يمكن أن يكون مثاباً مأجوراً على الصلاة فيكون في آن واحد مثاباً آثماً.

والقول الثاني وهو مذهب الجمهور وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها طائفة من أصحابه: أن الصلاة في الأرض المغصوبة صحيحة.
قالوا: لأن النهي لا يعود إلى الصلاة، فهي صلاة صحيحة لا معنى ببطلانها والنهي لا يعود إليها.
ولا مانع من أن يكون آثماً مأجوراً في آن واحد فهو آثم بكونه قد اغتصب الأرض وهو مواقع للاغتصاب مشتغل به.
وهو مأجور لكونه يصلي.
فليس ذلك من جهة واحدة بل من جهتين فحينئذ: الصلاة صحيحة وهو الراجح.
ومثل ذلك: المزبلة والمجزرة وقارعة الطريق في المشهور من المذهب فلا تصح الصلاة فيها لما روى الترمذي وابن ماجه من حديث ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى أن يصلى في سبعة مواضع: المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق والحمام وأعطان الإبل وفوق ظهر بيت الله) 1 لكن الحديث إسناده ضعيف لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فإن فيه عبد الله بن عمر العمري المكبر وهو ضعيف.
إلا أن للفظ " قارعة الطريق " شاهداً عند ابن ماجه 2 من حديث ابن لهيعة.
لذا ذهب بعض أهل العلم من الحنابلة كالموفق وغيره وهو مذهب الجمهور: إلى أن الصلاة في هذه المواضع صحيحة لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) (3) والحكم ببطلان الصلاة في موضع والنهي عنه يحتاج إلى دليل يدل على ذلك، والحديث الوارد فيها ضعيف.

إذن: الصلاة فيها صحيحة، لكن الأولى ولا شك ترك ذلك.
1 فلو صلى في قارعة الطريق فالصلاة صحيحة لكنه مخطئ حيث زاحم الناس في طرقهم فإن قارعة الطريق ما يقرعه الناس ويطرقونه ويحتاجون إلى المشي عليه ويكثر ذلك فيه.
قال: (وأسطحتها) فأسطحة هذه المواضع لا تصح الصلاة فيها فلو صلى في سطح حمام أو مقبرة أو غير ذلك قالوا: فلا تصح صلاته، لأن الهواء تبع للقرار.
فالشخص إذا ملك بقعة من الأرض فهو مالك لهوائها.
قالوا: فكذلك هنا.
والقول الثاني في المذهب وهو اختيار الموفق: أن الصلاة صحيحة – وهذا هو القول الراجح 2

؛ لأن الأصل هو صحة الصلاة والنهي عن الصلاة وإبطالها يحتاج إلى دليل.
وإنما نهى الشارع عن هذه المواضع لعلل ثابتة فيها ولا يثبت ذلك في أسطحتها.
فمثلاً: نهى الشارع عن الصلاة في المقبرة لوجود القبور فيها وهذا أصل شرك العالم.
أما لو صلى فوقها على سطح يغطي المقبرة كلها أو يغطي موضعاً فيه قبراً أو قبرين أو ثلاثة فإنه – حينئذ – لا معنى للقول بأن الصلاة باطلة وإن كان الهواء تبعاً للقرار، لأن المعنى الموجود في القرار ليس موجوداً في الهواء فحينئذ: لا معنى لإلحاق الهواء بالقرار.
مع أن المشهور في المذهب أن العلة تعبدية غير معقولة المعنى – وحيث قالوا بذلك: وهو خلاف الحق – فإن القياس باطل، لأن شرط القياس معرفة العلة وثبوتها وألا تكون العلة تعبدية.
وما دام أنهم قالوا: إنها تعبدية فإنه لا معنى لإلحاق الهواء بالقرار لأن القياس باطل لعدم ثبوت العلة.
إذن: الراجح أن الصلاة في أسطحتها صحيحة.
قال: (وتصح إليها) فلو صلى إلى أعطان إبل أو حمام أو حش أو مقبرة قالوا: الصلاة صحيحة، لأن النهي إنما ورد في الصلاة وفي هذه المواضع، وحيث كانت في قبلته وصلى إليها فإنه لم يصل فيها فلا معنى – حينئذ – لإبطال الصلاة.
وهذا صحيح، لكن ليس في كل هذه المسائل، بل قد وردت الأدلة الشرعية في استثناء بعض المسائل، فالصلاة إلى المقبرة صلاة باطلة وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها المجد بن تيمية وشيخ الإسلام.
واستدلوا: بما روى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها) 1 فهذا يدل على أن الصلاة إلى القبور محرمة وحيث كانت محرمة فهي باطلة لأن النهي يعود إلى ذات العبادة فالصلاة إلى المقبرة باطلة.

ومثل ذلك: الصلاة إلى الحش وهو رواية عن الإمام أحمد واختاره بعض أصحابه، للأثر المتقدم عن ابن عباس: (لا تصلين إلى حش) 1 ولا يعلم له مخالف فيكون قوله حجة.
فالصلاة إلى الحش وإلى الحمام قد ثبت عن ابن عباس، والنهي عائد إلى الذات فتفيد البطلان.
وليس عندنا من يخالف ابن عباس فيكون قوله حجة.
إذن الصلاة إلى المقبرة والحمام والحش باطلة.
أما الصلاة إلى أعطان الإبل، أو إلى أرض مغصوبة - على القول ببطلان الصلاة فيها - فإن الصلاة صحيحة ولا أثر إلى استقبالها.
وكيف يكون استقبالها؟ المشهور في المذهب أنه إذا كان بينه وبين الحش أو المقبرة ما يستتر به من كان متخلياً بأن يكون بينه وبينها مؤخرة الرحل، فإن الصلاة تكون صحيحة.
وعليه فحائط المسجد ساتر، فإن كانت أمام المسجد مقبرة فحائطه يكون ساتراً.
وهناك قول ثاني في المذهب اختاره المجد ابن تيمية وهو القول الراجح: أن حائط المسجد لا يكفي بل لابد أن يكون هناك فاصل آخر يفصل بينهما، ومثل مؤخرة الرحل لا يعد ذلك شيئاً، فإن الرجل يعد مستقبل القبلة وإن كان بينه وبين القبلة شيئاً.
ولكن حيث كان بينه وبين المقبرة شيء فلا حرج في ذلك إذ المشقة تلحق بالنهي عن استقبالها حيث كانت هناك بيوت أو حوائل أو نحو ذلك.
وأما إيجاد ساتر بينهما فإنه لا مشقة فيه فعليه لا يكفي حائط المسجد ولا حائط المقبرة بل لابد أن يكون بينهما عازل آخر بحيث لا يكون المسجد مستقبلاً المقبرة.
ومثل ذلك الحش فلو صلى في غرفة تتوجه إلى الحش أو الحمام فالصلاة كذلك باطلة ولا يكفي الحائط بينهما بل لابد أن يكون هناك حائل آخر.
فلو كان هناك غرفة بينهما فإن ذلك يجزئ.

هذا هو الأصح من الوجهين في المذهب وأنه لا يكفي ما هو كمؤخرة الرحل ولا حائط المسجد ولا حائط الغرفة التي يصلي فيها بل لابد أن يكون بينه وبين ذلك حائط يجعل هذا الموضع غير مستقبل لذاك الموضع والعلم عند الله تعالى.
قال: (ولا تصح الفريضة في الكعبة ولا فوقها، وتصح النافلة باستقبال شاخص فيها) أما كون النافلة تصح في الكعبة وعلى ظهرها فهذا قد أجمع عليه أهل العلم، وثبتت السنة الصحيحة فيما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (دخل البيت فصلى فيه) 1 . ولكن هل يشترط أن يستقبل شاخصاً منها أم لا؟ يعني: رجل صلى في سطحها وليس أمامه إلا هواءها فهل تصح أم لا؟ هنا قال: (باستقبال شاخص فيها) . والقول الثاني في المذهب: أنه لا يشترط ذلك.
إذن: إذا صلى في سطح الكعبة حيث لا يستقبل شيئاً منها – أو صلى في الكعبة – واستقبل بابها وهو مفتوح فهو ليس بمستقبل شاخص منها فهل الصلاة صحيحة؟ قالوا: لا تصح – هذا هو المشهور في المذهب – قالوا: لأنه ليس بمستقبل شيئاً منها، والواجب أن يستقبل شيئاً منها أي من جدارها أو نحوه.
والقول الثاني في المذهب وهو اختيار الموفق وهو الراجح: أن ذلك ليس بشرط لأن الواجب هو استقبال هوائها وموقعها وليس الواجب هو استقبال بنيانها.
بدليل: أن من صلى إلى جنب الكعبة على علو فإن صلاته صحيحة، مع أنه يواجه ويسامت هواءها لا بنيانها.
فكذلك هنا فالواجب إنما هو استقبال هوائها وقد استقبله وليس الواجب أن يستقبل شيئاً منها.
وهذا القول هو الراجح.
أما الفريضة فقال هنا: (لا تصح في الكعبة ولا فوقها)

قالوا: لأن الله تعالى قال ﴿وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ 1 وهذا لم يتوجه إلى الكعبة حيث صلى فيها أو إلى شيء منها، فالواجب أن يتوجه إليها، وهو فيها أو عليها فليس متوجهاً إليها.
والنافلة فيها تسامح وتخفيف فجازت دون الفريضة هذا هو المشهور في المذهب.
والقول الثاني وهو مذهب الجمهور: أن الصلاة فريضة في الكعبة أو على سطحها صحيحة؛ قالوا: لأنها صحت نافلة وحيث صحت نافلة فالفريضة كذلك؛ لأن الأصل أن الفرائض والنوافل في حكم واحد وتخصيص الفرائض يحتاج إلى دليل ولا دليل.
وكونه يؤمر بالتوجه إليها ليس المقصود أن يتوجه إلى جميعها: بدليل أنه لو صلى إلى طرف الكعبة خارجاً عنها واستقبل ركناً من أركانها فإن الصلاة صحيحة اتفاقاً وهو إنما استقبل شيئاً منها، وهو كذلك حيث صلى فيها أو في سطحها فقد استقبل شيئاً من هوائها، فيكون قد استقبل منها ما تصح به الصلاة.
وهذا القول هو الراجح فصلاة الفريضة في الكعبة أو على سطحها صحيحة؛ لأنه مستقبل لشيء منها، كما لو كان خارجاً عنها وقد استقبل شيئاً من أركانها وإن لم يستقبلها جميعاً، فإن الصلاة صحيحة.
وأما الآية الكريمة: فإنها فيمن كان خارج الحرم فإنها في أهل المدينة ونحوهم وأن الواجب عليهم أن يتوجهوا إلى شطرها أي ناحيتها وجهتها ومثل ذلك: من كان في مكة خارجاً عن الحرم فإنه يستقبل جهتها.
وأما من كان في الحرم فإنه يستقبل عينها ولا يشترط – كما تقدم – أن يستقبل جميعها بل لو استقبل بعضها يصح كما لو صلى خارجها مستقبلاً لركنها، فكذلك إذا صلى مستقبلاً لشيء من جوانبها.
وقد تقدم عدم اشتراط الشاخص فيها وأن هواءها كاف؛ لأن الواجب إنما هو استقبال هوائها وقرارها وموضعها لا استقبال بنيانها.
والحمد لله رب العالمين الدرس السابع والستون (يوم الاثنين: 8 / 3 / 1415 هـ)

قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ومنها استقبال القبلة)

أي من شروط الصلاة استقبال القبلة – باتفاق أهل العلم لقوله تعالى: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ 1 ولقوله صلى الله عليه وسلم – في حديث المسيء صلاته: (ثم استقبل القبلة فكبر) 2 . قال: (فلا تصح بدونه) فلو صلى إلى غير القبلة مع قدرته على استقبالها فإن صلاته باطلة.
قال: (إلا لعاجز) أي عاجز عن استقبالها، كمربوط أو مصلوب إلى غير القبلة فإن هذا لا يمكنه أن يستقبلها، فيجب عليه أن يصلي الصلاة على حسب حاله لقوله تعالى ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ 3 والحديث: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) 4

متفق عليه.
ومثل ذلك بعض صور صلاة الخوف – وسيأتي الكلام عليها في بابها -. قال: (ومتنفل راكب سائر في سفر) " راكب " لا ماشي وسيأتي الكلام على الماشي.
" سائر " لا نازل، فإذا كان نازلاً فيجب أن يصلي مستقبل القبلة.
" في سفر " سواء كان السفر طويلاً أو قصيراً.
والسفر القصير عند الفقهاء: هو السفر الذي لا تقصر فيه الصلاة، وهو ما دون 4 برد أو 16 فرسخاً وهي ما تزيد على 80 كم.
فلو سافر إلى بلدة دون هذه المسافة فهذا هو السفر القصير.
وأما إذا كان أربعة برد فهذا الذي يحل فيه قصر الصلاة – هذا هو المشهور في المذهب وهو مذهب الجمهور – من تقسيم السفر إلى سفر طويل وقصير – وسيأتي ترجيح الظاهر في هذه المسألة وأن السفر مطلق ليس منه القصير والطويل، بل متى ثبت السفر فإن القصر يكون مشروعاً ولا فرق بين طويل السفر أو قصيره.
فعلى المذهب: لو خرج إلى قرية قريبة لا يقصر فيها الصلاة فيجوز له أن يصلي النافلة على راحلته غير مستقبل القبلة وأولى منه لو سافر سفراً تقصر فيه الصلاة.
هذا مذهب جمهور العلماء وأن السفر هنا مطلق يدخل فيه القصير والطويل.
وذهب الإمام مالك: إلى أن الصلاة على الراحلة في النفل لا تشرع إلا في السفر الطويل والسفر الطويل هو ما ثبت فيه القصر، وما لم يثبت فيه القصر فلا يشرع فيه ذلك.
وعن الإمام أحمد قول ثالث: وهو جوازه في الحضر وهو قول أبي يوسف من الأحناف وهو مذهب الظاهرية ومذهب بعض الشافعية.
إذن في المسألة ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه يجوز حضراً وسفراً – وهو رواية عن الإمام أحمد –. القول الثاني: أنه لا يجوز في الحضر، وإنما يجوز في السفر مطلقاً طويلاً كان أو قصيراً – وهذا المشهور في مذهب الحنابلة –. القول الثالث: وهو مذهب المالكية أنه لا يشرع إلا في السفر الطويل.

والصحيح منها ما ذهب إليه المالكية، للأحاديث الواردة في هذا الباب، فمن الأحاديث الواردة في أصل الرخصة في صلاة النفل على الراحلة – ما ثبت في الصحيحين عن عامر بن ربيعة قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي على راحلته حيث توجهت به) زاد البخاري: (يومئ برأسه ولم يكن يصنعه في المكتوبة) 1 وهذا الحديث ليس فيه أن ذلك في السفر، بل هو مطلق في السفر وفي غيره.
وبه استدل من رأى أن النافلة يجوز أن تصلى على الراحلة في الحضر وهو رواية عن أحمد كما تقدم.
والحديث الثاني في هذا الباب: ما ثبت في البخاري عن عبد الله بن دينار قال: (كان عبد الله بن عمر إذا كان في السفر يصلي على راحلته أينما توجهت يومئ، وذكر عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله) 2 وهنا فيه قيد السفر.

والحديث الثالث: ما ثبت في مسند أحمد وسنن أبي داود بإسناد جيد عن أنس بن مالك قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان في سفر فأراد أن يتطوع استقبل بناقته القبلة فكبر ثم صلى حيث كان وجه ركابه) 1 . وفي هذا دليل لما ذهب إليه الجمهور في أن ذلك إنما يكون في السفر، فإن مفهوم هذا الحديث أنه إن لم يكن في سفر فإنه لا يفعل ذلك – وهذا هو الأصل فإن الأصل في الصلاة أن تصلى إلى القبلة وأن يركع ويسجد وأن يفعل فيها ما يفعله المفترض إلا أن يدل دليل على ذلك، فقيد أنس هذا الفعل بأنه في السفر فيحمل عليه حديث عامر بن ربيعة فيقيد به إطلاق حديثه.
وإنما نرجح مذهب مالك؛ لأن ظاهر لفظة السفر في الشريعة السفر الذي تقصر فيه الصلاة، فإن الشارع شرع القصر في السفر، وهنا قد أتى لفظ السفر، فالأصل أن يكون هو السفر الذي رخص فيه بالقصر وغيره من الأحكام المختصة بالسفر، فيحمل لفظ السفر في حديث ابن عمر وأنس على السفر الذي يشرع فيه القصر.
وتقسيم السفر إلى طويل وقصير لا دليل عليه شرعي، وإطلاقات الشريعة ظاهرها أن السفر واحد وأن السفر الذي شرع فيه القصر هو السفر الذي شرعت فيه الصلاة على الراحلة تطوعاً حيث توجهت الراحلة.
إذن أرجح هذه المذاهب هو مذهب المالكية من أن هذا مشروع في السفر الذي تقصر فيه الصلاة، وأما ما يسميه الفقهاء من السفر القصير فلا تشرع فيه، ومثله الحضر فكذلك لا تشرع فيه.

والسنة له أن يومئ بركوعه وسجوده، كما تقدم في حديث عامر بن ربيعة (يومئ رأسه) وحديث ابن عمر في قوله (أينما توجهت يومئ) وذكر عبد الله بن عمر أن: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله أي من الصلاة والإيماء) 1 . والسجود أخفض من الركوع لما ثبت في سنن أبي داود والترمذي والحديث صحيح عن جابر قال: (بعثني النبي صلى الله عليه وسلم في حاجة فجئته وهو يصلي على راحلته نحو المشرق والسجود أخفض من الركوع) 2 .

وفي صفته ما ذكره المؤلف بقوله: (ويلزمه افتتاح الصلاة إليها) هذه إحدى الروايتين عن الإمام أحمد واختارها أكثر أصحابه أنه يلزمه افتتاح الصلاة إليها، فعلى ذلك يجب عليه أن يستقبل بركابه أو ببدنه جميعه القبلة فيكبر ثم يتوجه حيث توجه ركابه.
واستدلوا بحديث أنس المتقدم وفيه: (استقبل بناقته القبلة فكبر) قالوا: فهذا يدل على أن هذا الاستقبال فرض؛ لأنه ثابت من فعل النبي صلى الله عليه وسلم في تخصيص الصلاة تنفلاً عن التوجه إلى القبلة في الراحلة في السفر، فيبقى على الأصل من استقبال القبلة فيكون توجهه إذا كبر مبق لهذا الركن على الأصل.

  • والرواية الثانية عن الإمام أحمد: أنه لا يجب عليه ذلك.
    وهذا أظهر، فيحمل حديث أنس على الاستحباب؛ لأنه فعل مجرد، والفعل المجرد يدل على الاستحباب.
    فإن قيل: فلم لم تحمله على الفرضية، لأن النبي صلى الله عليه وسلم خصص هذا الركن بالتوجه إلى القبلة عن سائر الأركان وهو الأصل فوجب أن يبقى على الأصل؟

فالجواب أن يقال: إنه لا فرق بين التكبير وغيره فالتكبير جزء من أجزاء الصلاة لا فرق بينه وبين غيره، ولم يُذكر في حديث عامر بن ربيعة ولا في حديث عبد الله بن عمر ولا في حديث جابر، وحيث لم يذكر فإنه يدل على أنه لم يفعل في تلك الأحاديث.
فإن قيل: لم لا تقيد تلك الأحاديث بحديث أنس؟ فالجواب: إن الأفعال لا يقيد بعضها بعضاً، فإن كل فعل حكاية عين وحكاية واقعة، فهذا يحكي الواقعة التي رآها وهذا يحكي الواقعة التي رآها وهكذا.
وظاهر - ما ذكره 1 - من لم يذكرها أنها لم تقع من النبي صلى الله عليه وسلم.
فأظهر الروايتين عن الإمام أحمد أن ذلك لا يجب وهو الذي يقتضيه النظر والقياس فإنه لا فرق بين تكبيرة الإحرام وغيرها من سائر الأركان.
ولعل النبي صلى الله عليه وسلم حيثما فعل ذلك: أنه كان نازلاً فركب راحلته، وفي تلك الحال لا يشق أن يتوجه إلى القبلة فكبر متوجهاً إلى القبلة.
بخلاف ما إذا كان سائراً فإن هناك مشقة أن يقف فيستقبل القبلة ويكبر تكبيرة الإحرام.
ومعلوم أن من أحب أن يصلي ركعات كثيرة، كمن له ورد من الليل، فإنه على ذلك يحتاج أن يقف بعد كل ركعتين فيستقبل القبلة فيكبر، إن صلى مثنى مثنى.
ففي هذا مشقة ظاهرة، فالأولى ما تقدم وأنه ليس بواجب وهذا ما يقتضيه التخفيف والتسهيل في أمر النافلة، فمعلوم أن هذا أسهل للمحافظة عليها.
وهذا هو أصل مشروعية التنفل على الراحلة غير مستقبل القبلة وإخراجها عن الأصل من إيجاب الركوع والسجود ومن استقبال القبلة، وكذلك ما يكون في الحضر من كونه يصلي قاعداً – كل هذا من باب تخفيف وتسهيل أمر النافلة لتتم المحافظة عليها – والعلم عند الله تعالى.
قال: (وماشٍ) كذلك الماشي من باب القياس، فلو كان ماشي في سفر فإنه يصلي حيث توجه.

قالوا: لأن المعنى الموجود في الراكب موجود في الماشي فكل منهما يحتاج إلى أن يحافظ على النافلة، وكل منهما إذا وقف للنافلة فصلاها نازلاً فإنه ينقطع عن السير وربما فاتت عليه صحبته ونحو ذلك – فكان الماشي في هذا الحكم كالراكب لا فرق بين الاثنين وهو أحد نوعي المسافر.
فالمسافرون: إما ركباناً أو مشاة.

  • وعن الإمام أحمد: أن الماشي لا يشرع له ذلك ولا يجوز؛ لأن النص إنما ورد في الراكب وليس الماشي كالراكب؛ لأنه يحتاج إلى مشي كثير، والمشي الكثير مبطل للصلاة.
    والأظهر هو القول الأول، لأنا حيث أسقطنا عنه استقبال القبلة وحيث أسقطنا عنه الركوع والسجود ونحو ذلك من فرائض الصلاة، فمثل ذلك أن يسقط عن الماشي ما هو من طبيعة سيره من المشي على قدميه فهذا أولى أن يسقط مما تقدم ذكره.
    فالأظهر ما هو مشهور في المذهب من قياس الماشي على الراكب.
    وحيث قلنا بوجوب استقبال القبلة عند الافتتاح، فيجب عليه ذلك، لذا قال: (ويلزمه الافتتاح) فهو في حكم الراكب.
    وحيث قلنا أن الاستقبال عند الافتتاح لا يجب على الراكب فكذلك الماشي.
    قال: (ويلزمه الافتتاح والركوع والسجود إليها) فلا يجوز له أن يومئ بل يجب عليه أن يقف فيركع ويسجد إلى القبلة، لأنه يجب عليه الركوع والسجود – عندهم – وحيث وجب عليه فإنه لا حاجة إلى ألا يستقبل القبلة أي لا حاجة إلى إسقاط استقبال القبلة عنه.
  • وعن الإمام أحمد رواية أخرى اختارها المجد بن تيمية أنه يومئ بالركوع والسجود كالراكب.
    وهذا هو الراجح، لأنا حيث قلنا بكونه يصلي وهو ماشي كان من الممكن أن يقف، والركوع والسجود يتكرر في الصلاة.

وحيث أمرناه بالوقوف والركوع والسجود في كل ركعة، فإن ذلك سيؤدى إلى انقطاع سيره، وسيلحقه شيئاً من المشقة، فلا فرق – حينئذ – بين أن يؤمر فيقف فيصلي وبين أن يؤمر بأن يقف فيركع ويسجد؛ لأن هذه الأفعال متكررة في الصلاة، فالركوع والسجود وما بينهما هذا يأخذ أكثر من شطر الصلاة، فيناقض ما هو المقصود من التخفيف والتسهيل في أمر النافلة.
فالأظهر: أنه يومئ بركوعه وسجوده وهذا كذلك الذي يقتضيه القياس على الراكب.
فالراجح: أنه لا يجب عليه الركوع والسجود ولا يجب أن يكون ذلك إلى القبلة، بل أصل الركوع والسجود ليس بواجب، فيكفيه أن يومئ إيماء عن الركوع والسجود، ويكون إيماؤه في السجود أخفض من إيمائه في الركوع.
فعلى ذلك: صفة صلاة الماشي أن يكبر للإحرام مستقبل القبلة استحباباً ثم يتوجه حيث شاء ثم يومئ بالركوع والسجود.
أما صفته على المذهب: فيجب أن يستفتح الصلاة تجاه القبلة ثم يتوجه حيث شاء ثم إذا حان الركوع والسجود يقف فيركع أو يسجد إلى القبلة – والصحيح خلاف ذلك كما تقدم –.

قال: (وفرض من قرب من القبلة إصابة عينها، ومن بعد جهتها) فالقريب من القبلة الذي ليس بينه وبينها شاخص ولا ستر يغطي القبلة عنه يجب عليه أن يصيب عينها اتفاقاً فلا يكون مائلاً عنها ولو شيئاً يسيراً، بل يجب أن يكون بدنه كله متوجهاً إلى عين الكعبة، لأنه قادر على ذلك.
فإن لم يكن كذلك بل كان بينه وبينها ستر أو جدران ويشق عليه إصابة عينها – بخلاف الجدران التي في الحرم وما حوله فإنه لا يشق عليه أن ينظر فيتوجه إلى القبلة عيناً – أما حيث كان على خلاف ذلك – فالواجب عليه أن يصيب جهتها، لذا قال: (ومن بعد جهتها)

وهذا باتفاق أهل العلم، لما ثبت في الترمذي بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بين المشرق والمغرب قبلة) 1 فإن كنت من أهل المدينة فجعلت المشرق عن يسارك، والمغرب عن يمينك فأنت متوجه إلى القبلة، وإن كان هناك انحراف يسير فهذا لا يؤثر.
فالواجب أن يصيب جهتها، لأن إصابة عينها متعذر.
وعندما يكون قريباً إلى الحرم فإنه يشق عليه أن يتقصد إصابة عينها وحيث كان كذلك فالمشقة تجلب التيسير وحيث تعذر ذلك فالعجز عن الواجب يسقطه.
قال: (فإن أخبره ثقة بيقين أو وجد محاريب إسلامية عمل بها) إن أخبره ثقة ممن يجب قبول خبره وهو العدل المكلف ذكر كان أو أنثى حراً كان أو عبداً – أخبره عن القبلة عن يقين لا عن اجتهاد ونظر – فيجب عليه أن يقبل خبره؛ لأنه خبر ديني فقبل فيه خبر الواحد.
وثبت في الصحيحين عن البراء قال: (لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة صلى قبل بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً وكان يعجبه أن يتوجه قبل البيت، وإنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر فصلى معه رجال، فخرج رجل منهم فمر على أهل مسجد وهو راكعون فقال: أشهد بالله لقد صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل البيت فداروا كما هم قبل الكعبة) 2 فقبلوا خبر الواحد.
أما إذا كان الخبر عن اجتهاد فإنه لا يجوز أن يقبل خبره – وهذا على المجتهد.

فمن كان عارفاً بأدلة القبلة، فسأل آخر فأخبره باجتهاد فلا يجوز له قبول خبره، بل يجب أن يجتهد لأنه قادر على الاجتهاد، والاجتهاد الأول – أي اجتهاد المخبر – قابل للصواب والخطأ، فلا يجوز له إلا أن يجتهد فينظر وهذا باتفاق أهل العلم وأن المجتهد لا يجوز أن يقبل خبر المجتهد مثله.
بخلاف المقلد وهو غير العارف بأدلة القبلة – فإنه إذا لم يمكنه أن يتعلمها ودخل وقت الصلاة وتضايق الوقت فإنه يجوز له تقليد المجتهد.
أما إذا كان يمكنه أن يتعلم فيجب عليه أن يتعلم لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
فإذا دخل وقت الصلاة وأمكنه أن يتعلم ما به يعرف القبلة فيجب عليه ذلك ولا يَقبل الاجتهاد.
أما إذا كان غير بصير ونحوه ممن لا يمكنه أن يتعرف على القبلة ويصل إليها فإنه يجوز له أن يقلد غيره.
(أو وجد محاريب إسلامية) فإنه يصلي إليها ولا يجتهد لأنها – في الحقيقة – تجري مجرى الخبر بل أولى منه فإن وضعها عند هؤلاء المسلمين واستمرارها بعد ذلك تقطع بثبوت صحة اتجاهها إلى القبلة وإن كانت منحرفة يسيراً فهذا لا يؤثر كما تقدم.
ولا يجوز له الاجتهاد في هذه الحالة.
قال: (ويستدل عليها في السفر بالقطب والشمس والقمر ومنازلهما) القطب: هو ما يكون في ناحية الشمال، فمن كان في مثل بلدنا هذه يتوجه إلى الجهة المغايرة له، فيكون في ظهره.
فهذه أساليب وطرق الاجتهاد، ومثل ذلك " البوصلة ". إذن يبحث ويتحرى جهة القبلة سواء كان ذلك بالشمس والقمر ومنازلهما، أو بالرياح واتجاهاتها، أو كان ذلك بالنجوم، المقصود من ذلك أن يجتهد وينظر ويتجه إلى القبلة بعد ذلك.
قال: (وإن اجتهد مجتهدان فاختلفا جهة لم يتبع أحدهما الآخر) لأن كلاً منهما مجتهد والواجب على المجتهد أن يعمل بما تبين له، وهو يعتقد صواب نفسه وخطأ غيره.

فإن صلى إلى الجهة الأخرى مقلداً فلا تصح صلاته، لأنه صلى إلى ما يعتقد أنه غير القبلة، فهو يعتقد أن القبلة في الناحية الأخرى – وهو من أهل الاجتهاد -، لأنه توجه إلى غير القبلة في اعتقاده.
لكن هل يقتدي أحدهما بالآخر أم لا؟ قولان لأهل العلم: 1- القول الأول وهو مذهب الشافعية وهو المشهور في المذهب: أنه لا يجوز أن يأتم أحدهما بالآخر.
قالوا: لأنه يعتقد خطأ اتجاهه، وحيث كان يعتقد خطأ اتجاهه فلا يجوز أن يصلي خلفه.
2- وقياس المذهب كما قال ذلك الموفق: أن الصلاة صحيحة.
وهذا هو الظاهر.
فالراجح أن الصلاة صحيحة إذا ائتم بعضهم ببعض؛ لأن كلاً منهما يعتقد صحة صلاة الآخر.
وهذا كصلاة من يعتقد النقض بنقض [من] 1 نواقض الوضوء خلف من لا يعتقد ذلك فإنه يعتقد خطأه في هذه المسألة ولكنه يعتقد صحة صلاته – وفي هذه المسألة كذلك، وحيث اعتقد خطأه في اتجاهه لا يبرر ذلك عدم ائتمامه.
فالراجح: ما رجحه الموفق وقال إنه قياس المذهب من أن الائتمام صحيح؛ لأن كلا منهما يعتقد صحة صلاة الآخر.
قال: (ويتبع المقلد أوثقهما عنده) ظاهره وجوباً وهذا هو المشهور في المذهب.
والقول الثاني في المذهب: أن ذلك ليس على هيئة الوجوب بل الأولى له أن يقلد الأوثق وليس ذلك واجباً عليه.
حجة أهل القول الأول: قالوا: إن هذا هو الأقرب للصواب، فلما كان الأقرب للصواب وجب التزامه.
وحجة أهل القول الثاني: أن كليهما دليل بمفرده يجوز أن يقلد لو لم يعارض، وحيث كانا كذلك فهما كالمجتهدين في المسائل الشرعية لا يجب على المقلد أن يقلد أوثقهما ولا أورعهما؛ لأن الله لم يوجب ذلك، بل أوجب عليه أن يسأل أهل العلم ولم يوجب عليه أن يسأل أعلمهما أو أوثقهما أو أورعهما، وللمسلم أن يقلد من العلماء خلاف الأوثق ما لم يكن ذلك عن هوى وشهوة لعموم قوله تعالى: ﴿فاسألوا أهل الذكر﴾ 2 وهذه كتلك.

وكون أحدهما أوثق لا يكون ملزماً بتقليده بل يدل على أن الأولى هو تقليده – وهذا هو اختيار الموفق وهو القول الظاهر في هذه المسألة – وأنه لو اختلف مجتهدان أحدهما أوثق من الآخر فكما لو اختلف عالمان أحدهما أوثق فلا يجب على المقلد أن يقلد الأوثق أو الأعلم بل يجوز أن يقلد أحدهما لعموم قوله تعالى: ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾

قال: (ومن صلى بغير اجتهاد ولا تقليد قضى إن وجد من يقلده) إذا صلى بغير اجتهاد وهو يمكنه الاجتهاد، أو صلى بغير تقليد وهو واجد لمن يقلده، فيجب عليه أن يعيد الصلاة، لأنه قد ترك فرضه.
فمن هو من أهل الاجتهاد وصلى بلا اجتهاد أو هو من أهل التقليد فلم يكن منه ذلك – فلم يكن منهم فعل ما فرض الله عليهم من الاجتهاد أو التقليد فالواجب عليهم: أن يعيدوا الصلاة وإن أصابوا القبلة، لأنهم تركوا الفرض مع الاستطاعة، فإن الفرض هو التوجه إلى القبلة عن علم إما بتقليد عالم حيث لا يمكن الاجتهاد أو باجتهاد ونظر أو بخبر 1 متيقن – والحالة هنا ليست على هذه الصور فكان الواجب عليهم أن يعيدوا الصلاة.
فإذن: من صلى إلى غير القبلة أو إلى القبلة بغير اجتهاد وهو قادر عليه أو هو من أهل التقليد وهو قادر عليه ومع ذلك لم يقلد سواء أصاب أم لم يصب فيجب عليهم الإعادة؛ لأنهم تركوا الواجب عليهم والفرض عليهم من وجوب تحري القبلة والصلاة إليها.
وهم صلوا على هيئة التخمين والظن غير المشروع مع قدرتهم على الظن الغالب المشروع أو اليقين.
أما من صلى باجتهاد أو تقليد ولم يصب القبلة فصلاته صحيحة اتفاقاً، لأنه قد فعل ما أمر به واتقى الله ما استطاع فلم يجب عليه أن يعيد الصلاة مرة أخرى وقد صلاها على الوجه المشروع حيث أمر الله تعالى.

ومثل ذلك: المجتهد إذا لم يمكنه الاجتهاد مطلقاً كأن يكون في غيم أو ليلة مظلمة شديدة الظلمة وهي مصحوبة بقتر أو غيم فلم يمكنه أن يجتهد فصلى على حسب حاله فصلاته صحيحة.
يدل على هذا: ما ثبت في الترمذي والحديث حسن بشواهده: عن عامر بن ربيعة قال: (كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة مظلمة فأشكلت علينا القبلة فصلينا، فلما طلعت الشمس إذا نحن صلينا إلى غير القبلة فنزل قول الله تعالى: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ 1 أي أقر الله تعالى صلاتهم وقبلها منهم لأنهم قد فعلوا ما أمر الله به وهذه هي استطاعتهم وقدرتهم، فقد اتقوا الله ما استطاعوا فلم يجب عليهم أن يعيدوا الصلاة مرة أخرى.
قال: (ويجتهد العارف بأدلة القبلة لكل صلاة ويصلي بالثاني ولا يقضي ما صلى بالأول)

فيجب عليه لكل صلاة أن يتحرى وينظر في أدلة القبلة فلو صلى بناءً على اجتهاده في الصلاة الأولى فلا تصح صلاته، بل يجب أن يجدد اجتهاده؛ لأن هذه الواقعة جديدة فيجب الاجتهاد لها.
قال في الفروع: " في الأصح ". وحيث قال ذلك: فإنه يدل على أن هناك قول آخر والقول الآخر هو الظاهر، فالظاهر أن ذلك لا يجب؛ لأنه قد اجتهد للصلاة الأولى وظن ظناً غالباً أن هذا هو اتجاه القبلة، والأصل بقاء ما كان على ما كان، إلا أن يتبين له أن اجتهاده كان خاطئاً أو أن شيئاً من النظر والبحث الذي فعله كان على خطأ فحينئذ: يجب عليه أن يجدد الاجتهاد.
(ويصلي بالثاني) : أي يصلي بالاجتهاد الثاني ولا يعيد الصلاة الأولى لأنه صلاها عن اجتهاد صحيح وفعل ما أمر به.
ومثل ذلك: لو تبين له أثناء الصلاة – كما تقدم في الحديث المتفق عليه – فلو تبين في الصلاة أنه إلى غير القبلة فإنه ينحرف وما تقدم من الصلاة صحيح.

  • وإذا اجتهد اجتهاداً ثانياً فناقض الاجتهاد الأول، فإن هذا الاجتهاد الثاني لا ينقض الأول للقاعدة الشرعية: " الاجتهاد لا ينقض الاجتهاد " فالاجتهاد لا ينقض باجتهاد مثله وإنما ينقض بنص، فهنا حيث اجتهد ثم رأى اجتهاداً آخر، فإن الاجتهاد الآخر لا ينقض الأول فلا تبطل الصلاة لأنه قد صلاها على ما أمره الله به.
    لذا قال: (ولا يقضي ما صلى بالأول) لأنه صلاها صلاة شرعية صحيحة باجتهاد صحيح ففعل ما أُمر به واتقى الله ما استطاع فلم يؤمر بإعادة الصلاة مرة أخرى.
    والحمد لله رب العالمين.

الدرس الثامن والستون (يوم الثلاثاء: 9 / 3 / 1415 هـ)

قال المؤلف رحمه الله: (ومنها النية)

أي من شروط الصلاة النية، وهي شرط بالإجماع، لحديث: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) 1

متفق عليه من حديث عمر.
وهذا الحديث أصل لمسائل هذا الباب وغيرها من مسائل النيات.
فلا يقبل الله عملاً إلا بنية، فالنية تمحض العمل أو تمحضه لله تعالى، والنية أيضاً تميز العبادات بعضها عن بعض، تميز الفريضة عن الفريضة، والفريضة عن النافلة، فالعبادات التي فيها نوع التباس أو بينها اختلاف فالنية تفارق بينها وتميز.
فمن صلى بلا نية فصلاته باطلة.
وهي شرط في الصلاة كلها لا يستثنى شيء منها.
فينوى من تكبيرة الإحرام إلى السلام، فإذا اختل شيء من ذلك عن النية فالصلاة باطلة كما سيأتي.
وتقدم أن الفرق بين الركن والشرط، أن الركن جزء العبادة، أما الشرط فهو شامل للعبادة كلها.
قال: (فيجب أن ينوي عين صلاة معينة) فينوي صلاة الظهر أو العصر أو الوتر أو راتبة الفجر ونحو ذلك، فينوي الصلاة معينة.
فلو أنه صلى أربع ركعات في وقت صلاة الظهر ولم ينو أنها ظهراً فلا يجزئه ذلك.
ولو صلى ركعتين قبل صلاة الفجر ولم ينو أنهما ركعتا الفجر لم يجزئه ذلك عنهما.
فلابد أن ينوي الصلاة معينة بحيث تتميز عن غيرها لقوله صلى الله عليه وسلم: (وإنما لكل امرئ ما نوى) فيشترط أن يعين الصلاة فرضاً كانت أو نفلاً.

  • وظاهر هذا أنه لو نوى فريضة الوقت فإنه لا يجزئه.
    بمعنى: رجل صلى في وقت الظهر ولم ينو ظهراً وإنما نوى أن هذه فريضة وقته.
    وذهب بعض الشافعية: إلى الإجزاء وهو الظاهر لأنه حيث نوى ذلك فقد نوى ما يجب عليه.
    فإنه إذا نوى الصلاة الحاضرة، فإنها في الحقيقة هي صلاة الظهر مثلاً، فحيث نوى ذلك فإنه تقع العبادة على ما يجب عليه فقد نوى فريضة الوقت وهي الظهر فيجزئه ذلك.
    وهذا ما يقع كثيراً حيث أن الصلوات لتكرارها قد يذهل الذهن عن استحضار الصلاة الحاضرة فينوي فريضة الوقت، فإن ذلك على الراجح – يجزئه؛ لأنه قد ميز هذه العبادة عن غيرها من العبادات المماثلة لها، حيث أنها فريضة الوقت وغيرها ليست كذلك.

قال: (ولا يشترط في الفرض والأداء والقضاء والنفل والإعادة نيتهن) فلا يشترط في الفرض أن ينويه، كيف هذا؟ عندما يريد أن يصلي الظهر فلا يشترط أن ينوي أن هذه فريضة بل بمجرد ما ينوي أن هذه الظهر فهذا كاف، فإن كان بالغاً فلا يجب عليه أن ينوي أن هذه فريضته، وإذا كان غير بالغ فلا يجب عليه أن ينوي أن هذه نافلته؛ لأنه بمجرد نيته أنها ظهر اليوم هذا كاف في تمييز هذه العبادة عن غيرها، ولكل امرئ ما نوى، وهذا قد نوى الصلاة الحاضرة سواء كانت على حسب حاله فرضاً أو نفلاً.
فلا يجب ذلك لأنهما عير مؤثرين في تمييز العبادة، فهي متميزة من غير ذلك.
وكذلك نية الأداء والقضاء.
فالأداء هو: القيام بالصلاة في وقتها.
وأما القضاء: فهو القيام بها بعد خروج وقتها.
فإذا صلى الصلاة في وقتها فلا يجب عليه أن ينويها أداء، وإذا صلاها بعد وقتها فلا يجب عليه أن ينويها قضاءً، لأن هذا غير مؤثر في تمييز العبادة، فالعبادة متميزة من غير نية الأداء ولا نية القضاء.
وعليه: فلو أن رجلاً صلى صلاة الفجر يظن الشمس لم تطلع فبان أنها قد طلعت وأن صلاته كانت قضاء وهو قد نواها أداءً.
أو رجل يظن أن الشمس قد طلعت فصلاها والشمس لم تطلع في الحقيقة وكان قد نواها قضاء وهي في الحقيقة أداء؛ لأن الوقت باق، فإن هذا لا يؤثر في صلاته بل تكون الصلاة صحيحة فنية القضاء والأداء غير مؤثرة لأن النية قد ميزت هذه العبادة، فنيته أنها صلاة الفجر قد ميزت العبادة ولا فرق بين أن يكون أداءً أو قضاءً.
" والإعادة " رجل صلى الصلاة وقد اختل شيء من شروطها فكانت باطلة فوجب عليه أن يعيد الصلاة، فإذا أعاد فلا يجب أن ينوي الإعادة بل يكفي أن ينوي الصلاة الواجبة عليه؛ لأنه بذلك تتميز عبادته، فنيته أنه يصلي الصلاة الواجبة عليه وحيث نوى ذلك فإن العبادة تقبل منه لأنها مميزة بذلك.

والمقصود من النية هو تمييز العبادة وهي هنا مميزة من غير نية الإعادة.
مسألة: إذا نوى فائتة من الفوائت في وقت نظيرتها فبان ألا فائتة عليه فهل تجزئه عن فريضة اليوم؟ يعني: رجل صلى قبل أن يصلي المغرب صلى مغرباً على أنها فائتة فبان ألا فائتة عليه، فهل تجزئه هذه الصلاة عن فريضة الوقت أم لا؟ قولان في المذهب: القول الأول: أن الصلاة تجزئه؛ لأنه قد نوى صلاة معينة، وحيث نوى صلاة معينة فإن ذلك يجزئه عن فريضة الوقت وفريضة اليوم.
القول الثاني، وهو القول الراجح: أن هذه الفائتة لا تجزئه عن فريضة اليوم، لأن الواجب عليه هو تعين الصلاة الحاضرة ولم ينوها بل قد نوى صلاة فائتة ولكل امرئ ما نوى.
فإذن: من نوى فائتة فتذكر ألا فائته عليه وكانت موافقة عن فريضة اليوم فهل تكفي عن فريضة اليوم أم لا؟ قولان: أظهرهما أنها لا تكفي؛ لأن الواجب عليه أن ينوي الصلاة الحاضرة فريضة اليوم بعينها وهو إنما نوى مماثلاً لها وهذا غير كاف، فالواجب عليه هو فريضة اليوم ولم ينو ذلك ولكل امرئ ما نوى.
قال: (وينوي مع التحريمة) هذا هو الواجب عليه، فينوي فيكبر أي تكون النية قبيل تكبيرة الإحرام فتكون – حينئذ – النية شاملة للعبادة كلها.
وقد تقدم أن الشرط يجب أن يكون شاملاً، وحينئذ تكون النية شاملة لتكبيرة الإحرام.
ولكن إن قدمها قبل ذلك بيسير قال هنا: (وله تقديمها عليها بزمن يسير في الوقت) فلو قدم النية على التكبيرة بزمن يسير عرفاً فإن هذه النية تجزئ عنه.

  • وهنا قول آخر هو رواية عن الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام: أنه ولو كان ذلك زمناً كثيراً ما لم يقطع النية، فما دام أنه مستصحباً للنية لم يقطعها فإن ذلك يجزئ عنه.
    فإذا خرج من بيته وهو يريد المسجد فخرج قبل الصلاة بزمن كثير فلم يقطع النية فإن الصلاة تصح بهذه النية – وهذا القول هو الراجح –.

وهذا هو الذي يسع الناس، فمتى خرج من بيته إلى المسجد سواء كان قبل الصلاة بزمن يسير عرفاً أو كثير عرفاً ولم ينو قطع النية فإن هذه النية تجزئه، لأن النية ثابتة باقية وقد نواها فلم يقطعها فتكون كافية لصلاته.
إذن: لا يشترط الزمن اليسير للنية عرفاً بل لو قدمها قبل الصلاة بزمن كثير عرفاً لكنه لم يقطع هذه النية فإن هذا كاف مع نيته، لأن النية باقية والواجب أن تكون شاملة للصلاة، وقد شملتها لأنه لم يقطع هذه النية، فعدم قبول هذه النية وإبطال الصلاة بمثلها باطل؛ لأن النية باقية فلم يقطعها، وليس ثمت دليل يوجب أن تتقدم بزمن يسير أو تكون مقارنة للتكبير بل متى نوى ولم يقطع فإن ذلك مجزئ.
قال: (فإن قطعها في أثناء الصلاة أو تردد بطلت) إن قطعها أثناء الصلاة، كأن يصلي رجل وهو في صلاته قطع النية، أو تردد أي قال: هل أقطع الصلاة أم لا، فهو لم يقطع النية لكنه تردد، وهناك جزم.
إذن هنا صورتان.
وأصل هذه المسألة: أنه يجب عليه أن يستصحب حكمها، واستصحاب حكمها ألا ينوي قطعها، فإذا نوى قطعها فإن الصلاة تبطل.
أما إذا تردد فقولان في المذهب: القول الأول: هو هذا، وأنه متى تردد فإن الصلاة تبطل؛ لأن التردد يخالف الجزم الواجب، والنية يجب أن تكون جازمة، ويجب عليه أن يكون مستديماً للنية، وما دام متردداً فليس بمستديم لها.
والقول الثاني في المذهب: أن ذلك ليس بمبطل للصلاة؛ ذلك لأنه قد نوى نية متيقنة واستصحب حكمها وتردد ولم يقطع، فهو لم يقطع ومجرد تردده ليس بقطع، وإن نافى الجزم فإنه لم يبطل النية الجازمة.
فإنه قد نوى نية متيقنة جازمة في أول صلاته ثم كان الواجب عليه أن يستصحب حكمها بأن لا ينوى قطعها فهو ما لم ينو القطع فهو مستصحب للحكم، وهذا التردد خارج عن النية، فالنية ما زالت مستصحبة وإنما وقع تردد في قلبه هل يبطل هذه النية أم لا.

بخلاف التردد في أول الصلاة فإنه لم يدخل بنية متيقنة فلا تصح؛ لأن النية غير مجزوم بها.
وهذا القول هو الأظهر: وأنه إن تردد تردداً مجرداً عن نية القطع فإن الصلاة تكون صحيحة، ومثل ذلك الصيام وغيره من الأحكام التي يجب أن يكون مستصحباً للنية حكماً بألا ينوي القطع.
بخلاف فالو قال: قطعت الصلاة، ثم قال: لا بل أبقى - أي في قلبه -، فإن هذا قطع، فهذا التردد ليس كالسابق، بل هذا قطع، فإذا فعل مثل ذلك فهذا باطل وليس هو المقصود فيما تقدم.
قال: (وإن شك فيها استأنفها) رجل في أثناء الصلاة [شك] 1 هل نوى أم لا؟ فحينئذ يجب عليه أن يعيد الصلاة فينوى ويكبر، لأنه وهو في أثناء الصلاة قد شك في نيته والأصل عدم النية، ولما وجد الشك ثبت لنا الحكم بأنه لا نية له؛ لأن الأصل هو عدم النية وحيث شك فإنا نعود إلى الأصل، هذا ما لم تكثر الشكوك والوسوسة في الصلاة.
فإن كثرت الشكوك والوسوسة فإنه حينئذ: لا يحكم له بذلك، لأن الأصل هو بقاء النية لا عدمها.
فإن شك بعد الصلاة فلا يؤثر ذلك إجماعاً؛ لأن الصلاة قد ثبتت صحيحة فلا يؤثر فيها الشك، واليقين لا يزول بالشك، فإن الأصل هو ثبوتها وصحتها ما لم يثبت مبطل لها، وهذا المبطل مشكوك فيه فنبقى على الأصل من صحة الصلاة وهذا بالإجماع.
إذا شك في نيته في أثناء الصلاة ثم تذكر أثناء الصلاة أنه قد نوى الصلاة؟ فهذا لا يؤثر في صلاته بل يتمها، لأنه لم ينو قطعها، والنية ثابتة وحكمها مستصحب لكنه شك في ثبوتها، فمثل هذا لا يؤثر في النية، لأنه لا يجب أن تكون النية متذكرة في الذهن، وإنما الواجب ألا يكون قد نوى قطعها.
فإذا غابت عن ذهنه فأداه ذلك إلى الشك فتذكرها بعد شكه قبل أن ينوى القطع فإن ذلك لا يؤثر فيها.
قال: (وإن قلب منفرد فرضه نفلاً في وقته المتسع جاز)

" منفرد ": ومثله المصلي مطلقاً ولعل هذا للتمثيل، فإن في عبارة بعضهم " مصل " أي سواء كان هذا المصلي إماماً أو مأموماً أو منفرداً، وإنما نص على المنفرد؛ لأنه في الغالب هو الذي يحتاج إلى قلبها لأنه قد تحضر جماعة فيحتاج إلى أن ينقطع من صلاته هذه ويدخل مع الجماعة فيؤديها جماعة.
ولئلا يبطل عمله، فإنه يقلب فريضته هذه إلى نفل.
والظاهر أن مرادهم: نفل مطلق لتعليلهم، فإنهم قالوا في تعليلهم هذه المسألة: بأن نيته الأولى شاملة للنفل فهي نية فريضة لكنها شاملة للنفل أيضاً حيث أنه إذا صلى الفريضة فإنه ينوي أنها صلاة وأنها صلاة فرض أو أنها ظهر فيقوم مقام النية أنها فرض.
فالذي يصلي الفريضة يجتمع في نيته شيئان أنها صلاة وأنها فرض.
فإذا ألغى الفريضة وقطعها بقى أصل الصلاة له، وهذا هو المشهور في المذهب، وأن من نوى قلب فريضته نفلاً - والظاهر أنه نفل مطلق لإطلاقاتهم ولتعليلهم، لأن النفل المقيد ليس بصلاة فقط بل هو صلاة مقيدة، فكما أن الفريضة صلاة مقيدة بكونها فرض، فالنفل المقيد صلاة مقيدة بكونها مثلاً راتبة ظهر ونحو ذلك، فهي صلاة مقيدة فلم يتضمنها نية الفريضة.
إذن: المشهور في المذهب أن من قلب فريضة إلى نفل - والظاهر أنه مطلق - فإن ذلك يصح منه.

  • والقول الثاني في المذهب وهو وجه عند الشافعية: أنه لا يجزئه ذلك؛ لأن الواجب في العبادة فرضاً كانت أو نفلاً أن تكون النية من أولها إلى آخرها وهنا لم ينو من أولها.
    ولكن هذا القول مع قوته هو ظاهر حيث كان التنفل مقيداً.
    أما إذا كان مطلقاً فإن نية الفريضة شاملة لنية النفل، فإنه إذا كبر بنية الفريضة فإن هذا شامل لكونها صلاة ولكونها فريضة، فإذا نوى النفل إلى مطلق الصلاة فإنه يبقى على النية الأولى.

ومع ذلك في القول الثاني قوة فينبغي التريث في مثل هذه المسألة من نقل الفريضة إلى نافلة، وأن يتم صلاته فريضة على هيئتها، فإن هذه النية وإن كانت متضمنة لكونها صلاة، لكنها هنا صلاة مطلقة وهناك صلاة بقيد أنها فريضة، وفرق بين نية الفريضة ونية النافلة.
والعلم عند الله تعالى.
قال: (وإن انتقل بنية من فرض إلى فرض بطلا) كأن ينوي الانتقال من فريضة العصر إلى فريضة الظهر فلا يجزئ ذلك؛ وذلك لأن النية يجب أن تكون شاملة لأول الصلاة وآخرها وهو قد قلبها في آخر الصلاة فلم تكن شاملة لأول الصلاة كما شملت آخرها، والواجب فيها أن تكون شاملة لأولها وآخرها.
فلم تصح الثانية؛ لأن الواجب في الصلاة أن تكون نية الظهر من أول الصلاة إلى آخرها، وهو لم ينوها ظهراً إلا آخر الصلاة.
وكذلك الأولى لا تصح؛ لأنه أبطلها بقطعها لذا قال " بطلا " أما الفرض الأول فإنه بطل لأنه قطعه.
وأما الثانية فإنها بطلت؛ لأن النية فيها لم تكن شاملة لها من أولها.
والأولى ألا يُعبَّر لها بالبطلان لأنها لم تنعقد أصلاً، فهذه الصلاة لم تنعقد أصلاً حتى يحكم لها بالبطلان، ولكن لعل هذا من باب التغليب مع الحكم على الفريضة الأولى.
والحمد لله رب العالمين.
الدرس التاسع والستون (يوم الأربعاء: 10 / 3 / 1415 هـ)

قال المؤلف رحمه الله: (وتجب نية الإمامة والمأموم 1) فشرط في صحة الصلاة نية الإمام والمأموم سواء كانت الجماعة فرضاً كالفرائض الخمس أو نفلاً كصلاة التراويح ونحو ذلك.
فيجب ويشترط أن ينوي المأموم الائتمام والاقتداء، وأن ينوي الإمام الإمامة – هذا هو المشهور في المذهب.
وعليه: إن لم تثبت النية فالصلاة باطلة.

  • والقول الثاني في المذهب: أن الصلاة صحيحة فراداً، فلا يكون لهم أجر الجماعة، ويأثمون على أنهم صلوا فرادى.

فعلى ذلك تكون هذه النية شرط في صحة الجماعة فتصح الصلاة دون الجماعة.
وحجة ما ذهب إليه أهل القول الأول: ما يترتب على الجماعة من الأحكام فيترتب عليها ترك سجود السهو للمأموم، ووجوب المتابعة وسقوط الفاتحة – على المذهب – على المأموم، فلما كان ذلك كانت شرطاً في صحة الصلاة، فحيث لم ينو الإمامة أو الائتمام فالصلاة باطلة.
والقول الراجح هو القول الثاني في المذهب وهو مذهب الشافعية، فالراجح أن نية الإمام والمأموم شرط في صحة صلاة الجماعة، فتصح الصلاة؛ لأنها قد توفرت فيها أركانها وواجباتها وإنما يترتب عليها ما ذكروه من الأحكام المتقدمة حيث شرع في النية، فإذا دخل المأموم بنية الائتمام فترتب عليه تلك الأحكام وحيث لم ينو ذلك فإن الأحكام لا يثبت فيها شيء من ذلك، فهي إنما ثبتت حيث تعلقت صلاتهما ببعضهما وذلك إنما يكون بالنية وحيث لا نية فلا ارتباط ولا تعلق – وحينئذ تثبت لهم فرادى.
وإنما لم نقل ببطلان الصلاة لأنها قد ثبتت على الوجه الشرعي الذي يطالب به المكلف.
ويجب عليه أن يصليها جماعة بنية الجماعة والائتمام، وحيث لم يفعل ذلك فإنها تصح لكنها تصح على أنهم فرادى لا على أنهم جماعة.
فعلى ذلك: لو دخل في الصفوف ولم ينو الائتمام بل نوى أن يصلي فرداً وإن كان ظاهر صلاته المتابعة فإن صلاته تصح.
قال: (وإن نوى المنفرد الائتمام لم تصح كنية إمامته فرضاً) هنا ثلاث مسائل: المسألة الأولى: أن ينوي الإمامة وقد كان منفرداً وكان ذلك في نفل – كالتراويح –. المسألة الثانية: أن ينوي الإمامة في الفرض.
مثال: رجل منفرد يصلي صلاة الظهر فدخل معه أحد أثناء الصلاة، فهل يقلب نيته إلى إمام بعد أن كان ناوياً الانفراد أم لا؟ المسألة الثالثة: أن ينوي الائتمام أثناء صلاته منفرداً فرضاً أو نفلاً.
مثال: رجل يصلي منفرداً فحضرت جماعة فهل له أن ينوى الائتمام معهم فيصلي جماعة معهم أم لا؟

وإنما جعلت هذه مسألة مع أنه يمكن أن تقسم إلى مسألتين لأن الحكم فيها – على المذهب – واحد.
أما المسألة الأولى:

  • فالمذهب على القول بصحتها، وهي ما إذا نقل صلاته من منفرد إلى إمام أو من مأموم إلى إمام، فالمذهب على القول بصحتها.
    واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس في بيتوته عند خالته ميمونة وفيه: أنه قال (فقام النبي صلى الله عليه وسلم فصلى، فقمت لما رأيته صنع ذلك فتوضأت من القربة ثم قمت إلى شقه الأيسر) 1 الحديث – فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرَّه، والنبي صلى الله عليه وسلم هنا قد نقل نيته من نية الانفراد إلى نية الإمامة.
    لذا قال هنا المؤلف: (لم تصح كنية إمامته فرضاً) وظاهره أنه إذا نوى الإمامة في الصلاة نفلاً فإنها تصح.
    أما المسألة الثانية: فهي أن ينقل صلاته إلى صلاة جماعة من منفرد إلى إمام في صلاة فريضة: فالمشهور في المذهب: أن هذه النية لا تصح، لأن هذه النية لم تشمل أول الصلاة.
    والقول الثاني وهو رواية عن الإمام أحمد وصححه الموفق: أن نية الإمامة تصح هنا قياساً على النفل، والأصل أن ما يثبت نفلاً فهو ثابت فرضاً إلا بدليل يدل على التخصيص، والأعمال بالنيات في الفرائض والنوافل، فهنا لما صحت في النافلة فالأصل أنها تصح في الفريضة إلا أن يدل دليل على ذلك، ولا دليل على تخصيص النافلة في هذا الحكم.
    وهذا القول الراجح وأنه في الفريضة يجوز له ذلك.
    أما المسألة الثالثة: فهي في نية الائتمام:
  • فالمذهب أن ذلك لا يجوز ولا يصح سواء كانت الصلاة فرضاً [أم نفلاً] 2 . مثال: رجل منفرد فنوى الائتمام أثناء الصلاة فلا يصح ذلك سواء كانت الصلاة فرضاً أو نفلاً.
    والعلة ما تقدم وهي أنه لم ينو الائتمام من أول الصلاة.
  • والقول الثاني في المذهب وهو رواية عن الإمام أحمد: أن هذا الفعل يصح؛ لأنها نقل من الانفراد إلى الجماعة، فأشبهت النقل إلى الإمامة.
    تقدم أن النقل إلى الإمامة جائز فرضاً ونفلاً والأدلة تدل عليه، فهو نقل من الانفراد إلى الجماعة.
    وهنا كذلك نقل إلى الجماعة من الانفراد إلى الائتمام، فإذا ثبت جواز نقل المنفرد صلاته إلى إمام ليصلي جماعة، فكذلك نقله صلاته إلى مأموم ليصلي جماعة، لا فرق بينهما.
    وهذا القول الراجح.
    فالراجح في هذه المسائل كلها أنه يصح أن ينقل المنفرد صلاته إلى صلاة جماعة سواء كان ذلك بنية الإمامة أو الائتمام وهو قول في المذهب.
    قال المؤلف: (إن نوى المنفرد الائتمام لم تصح) ظاهره فرضاً ونفلاً، هذا ظاهر الإطلاق.
    " كنية إمامته فرضاً " وظاهره أنه لو نواها نفلاً فإنه يصح.
    قال: (وإن انفرد مؤتم بلا عذر بطلت) إذا كان رجل يصلي مأموماً ثم فارق إمامه.
    هو عندما صلى مأموماً فقد تعلقت صلاته بصلاة إمامه حيث نوى، فهنا فرق بين هذه المسألة، والمسألة السابقة.
    فالمسألة السابقة: صلى بلا نية الائتمام، أما هنا فقد نوى الاقتداء بالإمام ثم فارق إمامه فما حكم ذلك؟ له حالتان: 1- أن يفارق المأموم لعذر، فالصلاة تصح.
    والعذر: ما يباح له ترك الجماعة كأن يخشى فوات رفقة أو ضياع مال أو نحو ذلك فيفارق الإمام ويتم صلاته منفرداً.
    ودليل ذلك: ما ثبت في الصحيحين: أن معاذاً صلى بأصحابه العشاء فافتتح البقرة فتأخر رجل من أصحابه فصلى وحده فقيل له: نافقت يا فلان، فقال: ما نافقت لآتين النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: (أفتان أنت يا معاذ) 1 .

فهنا طرأ عليه العذر وهو إطالة الإمام وهو في صلاة العشاء وكانوا يعملون بأعمال فيكون ذلك متعباً لهم فيكون في ذلك مشقة وحرجاً ففارقه وأجاز له النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأمره بالإعادة.
2- أن يفارقه بلا عذر: فإنها تبطل لأنه فارق الإمام.
ومفارقة الإمام ترك لواجب، ومن ترك واجب عمداً بلا عذر فإن الصلاة تبطل، أما إن كان عاجزاً فيسقط عنه، وإن كان ساهياً فيجبره بسجود سهو.
قال: (وتبطل صلاة مأموم بصلاة إمامه فلا استخلاف) فيه أن صلاة المأموم تبطل بصلاة الإمام مطلقاً بعذر أو غير عذر؛ لأن صلاة المأموم متعلقة بصلاة الإمام.
فنية الائتمام تربط صلاة المأموم بصلاة إمامه فيحمل عنه سجود السهو، ويسقط الفاتحة وهناك أحكام كثيرة تترتب على ذلك فهي مرتبطة بها، وحيث كان ذلك فإنها تبطل ببطلانها، وهنا فلا استخلاف؛ لأن صلاة المأمومين باطلة، والاستخلاف إنما يبنى على الصحة، وحيث كانت باطلة فلا استخلاف.
والقول الثاني في المذهب وهو مذهب الشافعية: أن صلاة المأموم لا تبطل بصلاة إمامه، لقوله صلى الله عليه وسلم: (يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ولهم وأن أخطؤوا فلكم وعليهم) 1 . ثم إن هذا المأموم قد قام بما يجب عليه من الائتمام وبما يجب عليه من فرائض الصلاة وواجباتها فلا دليل على إبطال صلاته.
وعليه: فيتمون صلاتهم فرادى، وللإمام أو لهم أن يستخلفوا خلافاً للمذهب أيضاً.
كما ثبت في البخاري: (أن عمر بن الخطاب لما طعن أخذ بيد عبد الرحمن بن عوف فقدمه فأتم بهم الصلاة) 2 فهنا قد استخلف عمر عبد الرحمن بن عوف وكان ذلك بمحضر من الصحابة فلم ينكر ذلك فكان حجة.

وعلى ذلك: فإن المأمومين يتمون صلاتهم إما فرادى، ولهم – كذلك – وهو الأولى أن يستخلفوا، إما بأن يستخلف الإمام من يتم الصلاة، وإما بأن يتقدم أحد منهم فيتم الصلاة بهم – هذا هو القول الراجح في المذهب.
فالقول الراجح: أن صلاة المأموم مرتبطة متعلقة بصلاة الإمام، لكن له أن يفارقه حيث كان معذوراً كما تقدم فإنه من المعلوم أن المأموم – وهو الذي دلت عليه السنة – يفارق الإمام حيث كان معذوراً، وهنا هو معذور عن متابعة الإمام، فالإمام قد بطلت صلاته وهو معذور حيث انفرد وفارق وصلى وحده، فكما أنها انقطعت العلاقة بينهما في الصلاة حيث كان معذوراً ففارق إمامه، فهنا أولى.
قال: (وإن أحرم إمام الحي بمن أحرم بهم نائبه وعاد النائب مؤتماً صح) يعني: رجل له نائب في المسجد، فصلى النائب فحضر الإمام فتقدم الإمام وتأخر النائب، فكان أن أحرم إمام الحي وهو الإمام الراتب، بمن سبق أن أحرم بهم نائبه، فذلك يصح.
فهنا: أتى الإمام الراتب فنوى الإمامة فهذا صلاته لا إشكال فيها لأنه من أول الصلاة قد نوى الإمامة – أي على المذهب لا إشكال في ذلك –. وانتقل الإمام إلى مؤتم، فيتحول النائب من نية الإمامة إلى نية دونها وهي نية الائتمام، والاقتداء لمصلحة راجحة وهي ثبوت صلاة الإمام الراتب.
ودليله: ما ثبت في الصحيحين في قصة مرض النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عائشة وفيه: (فجاء النبي صلى الله عليه وسلم حتى جلس عن يسار أبي بكر فكان يصلي بالناس جالساً وأبو بكر قائماً يقتدي أبو بكر بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر) 1 لأنه هو القائم الظاهر لهم.
فهذا فعله والأصل عدم خصوصيته وإلحاق غيره به.

فمتى كان إماماً راتباً فتقدم وتأخر النائب، فالصلاة صحيحة؛ لفعل النبي صلى الله عليه وسلم، والأصل هو عدم الخصوصية.
والحمد لله رب العالمين.
انتهى باب شروط الصلاة.
ويليه باب صفة الصلاة.

فصول الكتاب · 11 فصل · 298 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للحمد · 298 صفحة
المقدمة
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب المناسك
كتاب الجهاد
كتاب الوصايا
كتاب الوصايا
كتاب الفرائض
كتاب الطلاق
كتاب الحدود
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل