وبما رواه ابن خزيمة من حديث مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: (كنا نضع اليدين قبل الركبتين فأمرنا أن نضع الركبتين قبل اليدين) 1 أما أهل القول الثاني، وهو مذهب المالكية ورواية عن الإمام أحمد وهو مذهب أكثر أهل الحديث: إلى استحباب تقديم اليدين على الركبتين، واستدلوا بدليلين:23
1- الأول: ما رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير وليضع يديه قبل ركبتيه) 1 قالوا: ركبة البعير، وركبة كل ذي أربع في يديها، ومعلوم أن البعير إذا سجد، سجد في مقدمه ثم بعد ذلك لحقه المؤخر والركبتان في مقدمه كما نص على ذلك صاحب لسان العرب وغيره.
وقد روى البخاري في صحيحه في قصة سراقة بن مالك وفيه قال: (فساخت يد الفرس في الأرض حتى بلغتا الركبتين) 2 فهذا يدل على أن ركبة الفرس وهكذا ذوات الأربع أنها في اليدين، فالبعير ركبتاه في يديه ولا يصح إنكار ابن القيم لذلك في الزاد فإن هذا الإنكار يخالفه ما ثبت في لغة العرب.
ومعلوم أن البعير يخر على ركبته، فنهي المصلي عن ذلك، وزاد ذلك وضوحاً بقوله: (وليضع يديه قبل ركبتيه) وهذا الحديث إسناده صحيح ورواته كلهم ثقات وسنده متصل.
والثاني: ما رواه ابن خزيمة عن ابن عمر: (أنه كان يضع يديه قبل ركبتيه ويقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك) (1) وروى ذلك البخاري في صحيحه معلقاً القسم الموقوف فيه: (أن ابن عمر كان يضع يديه قبل ركبتيه) 1 ومعلوم أن ابن عمر كان من أتبع الناس للنبي صلى الله عليه وسلم حتى كان يغلو في نظر بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك فكانوا ينكرون عليه، فكان في غاية الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهنا كما هو معلق فقد رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا القول هو القول الراجح.
وأما ما استدل به أهل القول الأول:
فأما حديث أبي داود ففيه شريك بن عبد الله وهو ضعيف إذا تفرد وقد خالف هنا فقد خالف همام وهمام قد رواه مرسلاً، فكان فيه تفرد ومخالفة لذا ضعفه البخاري والبيهقي والدراقطني، فإسناد الحديث ضعيف.
أما الحديث الثاني ففيه إسماعيل بن يحيى وهو متروك.
والصحيح ما تقدم في الحديث المتفق عليه في التطبيق.
فالصواب أن هذا وهم وخطأ بل نكارة لأن الصحيح المشهور هو نسخ التطبيق.
ومن هنا فالراجح مذهب أهل القول الثاني 2
وتقدم من ذهب إليه، وقال الأوزعي فيما رواه المروزي عنه: (أدركت الناس وهم يضعون أيديهم قبل ركبهم) (1) وإسناده صحيح.
(والجبهة والأنف)
للحديث المتقدم في قوله: (والجبهة وأشار إلى أنفه) ففرض في السجود أن يسجد المصلي على الجبهة والأنف جميعاً لصحة الحديث الوارد في هذا: وهو أصح الوجهين في المذهب وهو أشهرهما.
قال: (ولو مع حائل ليس من أعضاء سجوده)
فلو سجد وبينه وبين الأرض حائل سواء كان متصلاً أو منفصلاً أي متصل بالمصلي كأن يضع طرف ثوبه فيصلي عليه، أو منفصلاً كأن يأتي بشيء آخر من سجادة ونحوها.
ودليل ذلك: ما ثبت في الصحيحين عن أنس قال: (كنا نصلي وراء النبي صلى الله عليه وسلم فيضع أحدنا طرف ثوبه من شدة الحر في مكان السجود) 1 .
وروى البخاري معلقاً ووصله ابن أبي شيبة وعبد الرزاق في مصنفيهما بإسناد صحيح عن الحسن البصري قال: (كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يسجدون وأيديهم في ثيابهم، ويسجد الرجل على قلنسوته وعمامته) 2
لكن استثنى من ذلك (ليس من أعضاء سجوده) :
فإذا وضع يديه ثم سجد عليها فلا يصح ذلك.
قالوا: لأن هذا الفعل يداخل أعضاء الساجد، فالشارع قد أمره بالسجود على هذه الأعظم السبعة وحيث جعل بعضها فوق بعض فإن ذلك تداخل فيما بينها ويجعلها متفرقة كما أمر الشارع فهو قد أمر بها متفرقة وكل عمل ليس عليه أمر النبي صلى الله عليه وسلم فهو رد.
- اعلم أن المشهور في المذهب: أنه يسجد ببعض عضوه فإذا وضع أطراف الأصابع في السجود أجزأه ذلك وإن رفع راحتيه.
وذهب بعض الحنابلة كابن حامد وهو من كبار أصحاب الإمام أحمد: إلى أنه لا يجزئه ذلك – وهذا هو الراجح – لظاهر الحديث، فإن في الحديث: (واليدين) وفي رواية: (والكفين) وحيث سجد على أطراف الأصابع فإنه لم يسجد على الكفين، وإذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالأمر فيجب أن يفعل كله لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) 1 فيدل على أنهم إذا استطاعوا أن يأتوا به كله فلا يجزئهم سوى ذلك.
وهنا أمره - صلى الله عليه وسلم – السجود على الأعضاء السبعة بتمامها وكمالها فلا يجزئه سوى ذلك.
فالراجح أنه لا يجزئه أن يسجد على بعض عضوه بل لابد أن يسجد على العضو كله.
قال: (ويجافي عضديه)
أي يجافي عضديه عن جنبيه، لما روى أبو داود في سننه بإسناد صحيح: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يجافي عضديه عن جنبيه) 1 وثبت في الصحيحين من حديث ابن بحينة قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى فسجد فرَّج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه) 2 حتى قالت ميمونة – كما في مسلم -: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سجد لو شاءت بهمة أن تمر بين يديه لمرت) 3 البهمة: صغار المعز.
فهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجافي عضديه عن جنبيه.
ويستحب له أن يرفع مرفقيه ففي مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا سجدت فضع كفيك وارفع مرفقيك) 4 .
قال: (وبطنه عن فخذيه)
يستحب أن يجافي بطنه عن فخذيه، وفخذاه عن ساقيه فقد ثبت في أبي داود بإسناد صحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم (كان إذا سجد فرَّج بين فخذيه غير حامل بطنه على شيء من فخذيه) 1 وفي النسائي وأبي داود بإسناد صحيح عن البراء قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سجد جخَّ) 2 أي نحى وهي تنحية عامة، فينحي البطن عن الفخذين والفخذين عن الساقين.
قال: (ويفرق ركبته)
للحديث المتقدم حديث أبي حميد الساعدى وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان إذا سجد فرَّج بين فخذيه) 3 ومقتضاه التفريج بين الركبتين أيضاً.
ويستحب له في قدميه أن يضمهما وأن يتوجه بأطراف أصابعه إلى القبلة وأن يرص القدمين بعضهما إلى بعض.
يدل على مسألة نصب القدمين: ما ثبت في الترمذي: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن نضع اليدين وننصب القدمين) 1 أي العقبان إلى أعلى وأطراف القدمين إلى أسفل.
وأما استقبال القبلة في الأصابع: فلِما ثبت في البخاري: (أن النبي صلى الله عليه وسلم استقبل بأطراف أصابعه القبلة) 2 .
ويستحب أن يفرج بين أصابعه، لما ثبت في الترمذي: (وفتح أصابع رجليه) 3 .
وأما رص القدمين بعضهما ببعض فثبت هذا في ابن خزيمة بإسناد صحيح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم رص بين قدميه) 4 .
وأما الكفان فيستحب أن يكونا حيال المنكبين أو يكونا حيال الأذنين أو الوجه، فهنا صفتان: الأولى: أن تكون الكفان حذو المنكبين ودليل ذلك: ما ثبت في أبي داود بإسناد صحيح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد وضع كفيه حذو منكبيه) 1 . الثانية: أن يكون حذو أذنيه، فدليله ما ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد وضع كفيه حذو أذنيه) 2 وفي مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان إذا سجد سجد بين كفيه) (3) أي جعل وجهه بين كفيه أي قريباً من حيال الأذنين.
ويستحب أن يضم أصابعه ويستقبل بهما القبلة كما ثبت ذلك في البيهقي بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم (ضم أصابعه واستقبل بأطرافهما القبلة) 1 قال: (ويقول: سبحان ربي الأعلى) تقدم الكلام على هذا، وذكر الأدلة عليها وذكر ما يستحب ذكره في السجود – في الكلام على لفظة: (سبحان ربي العظيم في الركوع) والحمد لله رب العالمين.
الدرس الثامن والسبعون (الثلاثاء: 1 / 4 / 1415هـ)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ثم يرفع رأسه مكبراً)
أي يرفع رأسه من السجود إلى الجلسة بين السجدتين.
" مكبراً ": أي قائلاً: " الله أكبر " لما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة المتقدم وفيه: (ثم يكبر حين يهوي ساجداً ثم يكبر حين يرفع رأسه من السجود) 2 .
وهي – أي الجلسة بين السجدتين – ركن من أركان الصلاة وفي حديث المسيء صلاته المتفق عليه: (ثم اجلس حتى تطمئن جالساً) 1 .
وقد تقدم مشروعية رفع اليدين إلى المنكبين أو فروع الأذنين أحياناً.
قال: (ويجلس مفترشاً يسراه ناصباً يمناه)
أي يفرش رجله اليسرى ويجلس عليها وينصب رجله اليمنى، وهذه هيئة الجلوس بين السجدتين.
لما ثبت في صحيح مسلم من حديث عائشة وفيه: (وكان يفرش رجله اليسرى وينصب اليمنى) 2
وقد ثبت في أبي داود والترمذي من حديث أبي حميد الساعدي في قصة صلاته صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وفيه: (ثم ثنى رجله اليسرى وقعد عليها حتى رجع كل عضو موضعه ثم هوى ساجداً) 1 وفيه أنه اطمأن في جلسته.
ويستحب أن يستقبل بأطراف أصابع رجليه اليمنى – وهي المنصوبة – أن يستقبل بها القبلة كما صح ذلك في سنن النسائي بإسناد صحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (استقبل بأطراف أصابعه القبلة) 2 يعني في الجلسة بين السجدتين كما هو ظاهر الرواية.
ويضع يديه على فخذيه كما سيأتي في الكلام على وضع اليدين في التشهد، ومثله الجلوس بين السجدتين.
ولا يستحب أن يشير بأصبعه – في الجلسة بين السجدتين – خلافاً لابن القيم، حيث ساق في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم الإشارة في الجلسة بين السجدتين، ولا دليل على ذلك، وأما ما رواه عبد الرزاق في مصنفه (3) فإنها رواية شاذة عند أهل العلم، ولم أر أحداً من أهل العلم ذكرها سوى ابن القيم.
قال: (ويقول: رب اغفر لي)
لما ثبت في سنن النسائي: بإسناد صحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول بين السجدتين: (رب اغفر لي، رب اغفر لي) 1 أي يكررها ما شاء الله، فالمستحب هذا اللفظ " رب اغفر لي "
وهو كالمستحب في " سبحان ربي العظيم وسبحان ربي الأعلى " الواجب مرة، وأدنى الكمال ثلاثاً، والمستحب أن يكررها ما شاء بقدر جلوسه.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم: (يطيل الجلسة بين السجدتين حتى يقال: قد نسي) يدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين عن أنس قال: (لا آلُ 2 أصلي بكم صلاة النبي صلى الله عليه وسلم فكان – أي أنس – إذا رفع رأسه من الركوع قام حتى يقول القائل قد نسي أو وهم وبين السجدتين حتى يقول القائل: قد وهم أو نسي) 3 في رواية " نسي " وفي رواية أخرى " وهم ".
ومما ورد عنه صلى الله عليه وسلم – من الأذكار في هذا الموضع ما رواه الأربعة إلا النسائي – وهذا لفظ أبي داود – أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان يقول بين السجدتين " رب اغفر لي وارحمني وعافني واهدني وارزقني ") 1 وفي رواية الترمذي: (واجبرني) 2 في موضع (عافني) وزاد ابن ماجه لفظة (وارفعني) 3 – والحديث إسناده حسن.
وحسن أن يجمع بينهما – أي هذه الألفاظ – لثبوتها عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذان الحديثان الوارد فيهما من باب الدعاء، ومنه يستفاد أن هذا الموضع موضع دعاء، وحيث كان موضع دعاء وحيث كان النبي صلى الله عليه وسلم يطيل الجلوس حتى يقال قد نسي فإن فيه: أنه لا بأس أن يزيد من الأدعية ما شاء من غير أن يتخذ شيئاً من الألفاظ سنة مستحبة في هذا الموضع.
قال: (ويسجد الثانية كالأولى)
أي يسجد السجدة الثانية كهيئة السجدة الأولى فيستحب فيها ما يستحب في الأولى وما يجب من الأقوال والأفعال.
قال: (ثم يرفع مكبراً)
أي قائلاً: " الله أكبر " وقد تقدم هذا في حديث أبي هريرة.
قال: (ناهضاً على صدور قدميه معتمداً على ركبته إن سهل)
فيها مسائل:
المسألة الأولى: هل يستحب له أن يجلس جلسة الاستراحة بعد الركعة الأولى أو الثالثة أم لا؟
على قولين:
1- القول الأول: وهو مذهب أكثر الفقهاء من الحنابلة وغيرهم: أنه لا يستحب له ذلك لذا لم يذكرها المؤلف.
واستدلوا:
بأن أكثر الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في صفة الصلاة لم تذكر هذه الجلسة.
2- القول الثاني: وهو مذهب الشافعية ورواية عن الإمام أحمد اختارها الخلال من أصحابه وذكر أن الإمام أحمد قد رجع إلى القول بها، وهو مذهب أهل الحديث: وأنه تستحب هذه الجلسة.
واستدلوا بحديثين ثابتين:
الحديث الأول: حديث مالك بن الحويرث في البخاري قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعداً) 1
الحديث الثاني: ما ثبت في سنن أبي داود والترمذي من حديث أبي حميد الساعدي، وقد قاله بمحضر عشرة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم أبو قتاده وقالوا له – لما ذكر صفة الصلاة – من جملتها جلسة الاستراحة قالوا له: (صدقت هكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي) وفيه: (ثم ثنى رجليه وجلس حتى رجع كل عضو موضعه ثم نهض) 2 .
قالوا: فهذان الحديثان فيهما إثبات جلسة الاستراحة.
أما حديث أبي حميد: فإنه قد أقره على ذلك عشرة من الصحابة منهم أبو قتادة.
وأما حديث مالك بن الحويرث: فإن راويه – وهو مالك بن الحويرث – هو راوي أصل هذا الباب، وهو حديث: (صلوا كما رأيتموني أصلي) 1 وقد ذكر فيه جلسة الاستراحة وهذا هو القول الراجح 2
أما ما ذكره أهل القول الأول: من أن هذه السنة لم تثبت إلا في هذين الحديثين.
فالجواب: أن هذا في الحقيقة كاف في إثباتها ولا يشترط أن يروي من غير هذين الحديثين بل لو ثبتت السنة في حديث واحد لكانت سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
- وقيل وهو اختيار الموفق: يستحب لمن ضعف وكبر.
وعليه حمل الحديثان المتقدمان بأن النبي صلى الله عليه وسلم فعلهما على كبر.
لكن هذا وإن كان قد يكون واقعاً – فإن مالكاً راوي هذا الحديث قد يكون رأى النبي صلى الله عليه وسلم وقد كبر، لكن هذا لا يعني أنه لا يستحب لغيره.
فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال له: (صلوا كما رأيتموني أصلي) لم يستثن من ذلك شيئاً، وكانوا قد رأوه وقد جلس جلسة الاستراحة، فلو لم تكن مستحبة لاستثناها النبي صلى الله عليه وسلم وحديث أبي حميد حديث مطلق ليس فيه ما يدل على أنه فعله حين الكبر.
كما أن إقرار هؤلاء العشرة وسكوتهم عن روايته وعدم اعتراض أحد منهم على ذلك بأنه قد فعلها حين الكبر، فسكوتهم يدل على أن ذلك سنة مستحبة مطلقاً.
إذن: الراجح سنية جلسة الاستراحة.
ويستحب أن يطمئن بها كما تقدم في حديث أبي حميد الساعدي: (ثم جلس حتى رجع كل عضو) وهي جلسة لطيفة لم يرد فيها ذكر.
مسألة: على القول باستحباب هذه الجلسة متى يكون التكبير؟ ثلاثة أقوال لأهل العلم هي ثلاثة أوجه في مذهب الشافعية: الأول: أنه يكبر إذا رفع رأسه ثم يجلس ثم ينهض بلا تكبير.
الثاني: أنه لا يكبر إذا رفع رأسه ثم يجلس ثم يكبر وينهض.
الثالث: أنه يكبر إذا رفع رأسه ويمد تكبيره حتى يجلس ثم ينهض.
وهذا أصحها عند الشافعية وهو المشهور عندهم.
والراجح عدم استحباب ذلك لأن هذه الصفة لو كانت ثابتة لنقلت إلينا لاختلاف الصفة عن غيرها من التكبيرات.
ثم إن هذه الجلسة إنما شرعت لإعطاء البدن شيئاً من الراحة وحيث كان على هذه الهيئة فإنه ينافي هذا.
وأصحها أنه يكبر إذا رفع رأسه ثم يجلس وينهض بلا تكبير، والذي يدل عليه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد رآه من رآه ممن حكى لنا هذا، ولو كان يكبر عن إرادة النهوض لما رويت لنا لعد رؤيتها، وهذا يضعف القول بأنه يكبر عند النهوض.
وقد تقدم تضعيف القول بمد التكبير بحيث يكون شاملاً للرفع والجلسة والنهوض.
فيبقى أصح الأقوال أنه يكبر إذا رفع رأسه ثم يجلس وينهض بلا تكبير ويؤيده قول أبي هريرة – في الحديث المتقدم -: (ثم يكبر حتى يرفع رأسه) وهذا إنما يصدق على فعله بعد الرفع مباشرة.
وهذا القول هو قول في مذهب الحنابلة.
وقد اختار بعضهم الرواية الأخرى عن الإمام أحمد ورتبوا عليها ذلك كما ذكر الموفق في المغني.
المسألة الثانية:
أنه يقوم على صدور قدميه معتمداً على ركبته.
أما قيامه على صدور قدميه، فلما روى الترمذي من حديث خالد بن إلياس وهو متروك الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم (كان إذا نهض ينهض على صدور قدميه) 1 وإسناده ضعيف جداً.
واستدلوا على استحباب اعتماده بيديه على ركبتيه أو فخذيه: بحديث وائل بن حجر في سنن أبي داود: قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نهض ينهض على ركبته واعتمد بيديه على فخذيه) 2
واستدلوا: بما روى أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى أن يعتمد الرجل على يديه إذا نهض في الصلاة) 1 .
- وذهب المالكية والشافعية وهو رواية عن الإمام أحمد: إلى أن المستحب له أن ينهض معتمداً على يديه.
فإذا جلس للاستراحة أو قام من التشهد الأول فإنه يعتمد على الأرض بيديه.
واستدلوا: بما ثبت في البخاري من حديث مالك بن الحويرث وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان إذا رفع من السجدة الثانية جلس واعتمد بيديه على الأرض ثم قام) 2 وأما الحديثان اللذان استدللتم بهما: فالأول: ضعيف؛ لأن فيه انقطاعاً بين عبد الجبار بن وائل وبين أبيه فإنه لم يدرك أباه.
وأما الثاني: فإن مداره على عبد الرزاق صاحب المصنف، وقد رواه الثقات كالإمام أحمد وغيره عنه بلفظ: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يعتمد الرجل على يديه في الصلاة) (3) وأخطأ بعض الرواة فرواه باللفظ المتقدم.
إذن الراجح أن المستحب له أن يعتمد بيديه على الأرض فيقوم 1
قال: (إن سهل) :
تقدم أنه يقوم على صدور قدميه معتمداً على ركبته، يفعل هذا إن سهل.
فإن كان فيه مشقة فإنه يعتمد على يديه دفعاً للمشقة.
وقد أجابوا عن حديث مالك بأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما فعل ذلك لكونه كبر وثقل فكان يعتمد على يديه، وقد تقدم الجواب عن نحو هذا.
قال: (ويصلي الثانية كذلك)
فيصلي الركعة الثانية كصلاته الركعة الأولى.
قال: (ما عدا التحريمة)
فإنها تشرع في أول الصلاة.
قال: (والاستفتاح)
لحديث أبي هريرة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قام إلى الثانية استفتح بالحمد لله رب العالمين ولم يسكت) 1 أي لم يسكت للاستفتاح.
قال: (والتعوذ)
فإنه يسقط على المشهور في المذهب.
وتقدم أن الراجح أنه يتعوذ كل ركعة للقراءة.
قال: (وتجديد النية)
فإن النية في أول الصلاة شاملة، لأولها ووسطها وآخرها فلا يحتاج إلى تجديد النية فيه.
وقد ثبت في الصحيحين في حديث المسيء صلاته وفيه أنه أمره بقراءة ما تيسر من القرآن ونحو ذلك وفيه: (ثم افعل ذلك في صلاتك كلها) 2 فيفعل ما ذكر من الواجبات والأركان في الثانية كما فعله في الأولى.
ثبت في مسلم جلسة الإقعاء وهي أن ينصب قدميه ويقعد عليهما وهي صفة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيها ابن عباس: (سنة نبيكم) 1 . مسألة: إذا كان الإمام لا يجلس جلسة الاستراحة فهل يجلسها المأموم أم لا؟ الجواب: إن جلسها فلا بأس؛ لأنها سنة مستحبة وإن لم يجلسها فهو أولى، قال شيخ الإسلام: " وهذا الأقوى؛ لأن متابعة الإمام أولى من التخلف لفعل مستحب " 2 .
هذه المسألة لها صور، كأن يتخلف المأموم عن السلام بعد سلام إمامه بدعاء أو نحوه أو يتخلف عن القيام معه لاشتغاله بذكر أو نحوه فالأولى متابعة الإمام وقد قال صلى الله عليه وسلم: (فإذا كبر فكبروا ….) 1 وظاهره الإسراع والمبادرة بفعله بمجرد ما يفعله الإمام.
إذن: إن فعل ذلك فلا بأس؛ لأن هذا شيء يسير لا يخل بالمتابعة، لكن إن تركها متابعة للإمام فهو أولى.
والحمد لله رب العالمين.
الدرس التاسع والسبعون (يوم الأربعاء: 2 / 4 / 1415هـ)
ذكر المؤلف – فيما سبق – تفاصيل الركعة الأولى، وذكر الركعة الثانية مجملة، فيبقى الكلام على التشهد الأول وسننه.
قال المؤلف رحمه الله: (ثم يجلس مفترشاً (يسراه) ويداه على فخذيه …. إلى آخره)
في هذه الجملة مسائل:
المسألة الأولى:
في صفة جلوس التشهد، وهو أنه يفترش رجله اليسرى ويجلس عليها وينصب اليمنى – كما تقدم – في حديث عائشة 2 وهو ثابت من حديث ابن عمر كما في البخاري 3 ، فالسنة في التشهد أن يجلس مفترشاً يسراه ناصباً يمناه.
المسألة الثانية: (ويداه على فخذيه)
فاليدان يوضعان على الفخذين، لحديث وائل بن حجر عند الخمسة بإسناد صحيح وفيه: (ثم جلس فافترش رجله اليسرى ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى 1 وحد مرفقه الأيمن على فخذه الأيمن وقبض اثنتين وحلق، ورأيته يقول: هكذا، وحلق بشر – وهو الراوي – الإبهام والوسطى وأشار بالسبابة) 2 .
إذن يقبض الخنصر والبنصر ويحلق الإبهام والوسطى ويشير بأصبعه السبابة.
وثبت عنه – صلى الله عليه وسلم – أنه كان يضع يديه على الركبتين وأنه يقبض أصابعه كلها ويشير بالسبابة، كما ثبت ذلك في مسلم من حديث ابن عمر: (أن النبي صلى الله عليه وسلم: كان إن قعد للتشهد وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى واليمنى على اليمنى وعقد ثلاثاً وسبعين 3 - وهي طريقة الحساب عند العرب - وأشار بالسبابة) 4 .
وهذه الطريقة هي: أن يضم أصابعه الأربع ويشير بالسبابة وفي رواية: (قبض أصابعه كلها وأشار بالتي تلي الإبهام) 5 فهاتان صفتان ثابتتان عن النبي صلى الله عليه وسلم.
المسألة الثالثة: (ويشير بسبابتها في تشهدها)
هذا هو المشهور في المذهب وهو مذهب جمهور أهل العلم وأن يشير بها بلا تحريك أي لا يحرك إصبعه السبابة.
واستدلوا: بأن الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم ليس فيها إلا ذكر الإشارة كما تقدم في غير ما حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد ورد ذلك صريحاً – كما في سنن أبي داود- عن ابن الزبير بإسناد جيد وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان يشير بإصبعه ولا يحركها) 1 .
- وذهب المالكية: إلى استحباب تحريك الأصبع.
واستدلوا: بما رواه أبو داود من حديث وائل بن حجر بإسناد جيد: أن النبي صلى الله عليه وسلم (كان يحركها يدعو بها) 2 والصحيح المذهب الأول، لأن هذا الحديث شاذ فعامة الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ليس فيها التحريك وإنما فيها الإشارة فحسب.
بل قد خالف صراحة حديث ابن الزبير وفيه عدم التحريك بل عامة الرواة عن وائل لم يذكروا هذه اللفظة وتفرد بها بعض الرواة.
ومما يدل على ذلك: ما ثبت في سنن النسائي بإسناد صحيح من حديث سعد بن أبي وقاص أن النبي صلى الله عليه وسلم: (مرَّ على رجل وهو يشير بأصبعيه يدعو بهما فقال: (أحِّد أحِّد) وأشار النبي صلى الله عليه وسلم بأصبعه السبابة) 1 فإن هذا من جنس من يرفع اليدين للدعاء، فيشير بإصبعه إشارة إلى توحيد الله وأن هو المدعو وحده، وأن الدعاء يوجه إليه دون غيره.
قوله: (في تشهدها)
المستحب عند الحنابلة في المشهور عنهم: أنه يشير بها عند التشهد - وذكر الله – فإذا ذكر الله أشار ثم يعيدها، وكلما ذكر الله أشار.
وعن الإمام أحمد: أنه يشير بها في تشهده كله، فيرفع أصبعه السبابة فيشير بها في تشهده كله.
أما ما ذكره الحنابلة وغيرهم في هذا الباب فلا دليل عليه وظاهر الحديث المتقدم أنه أشار بها في تشهده كله.
والتشهد في الحقيقة دعاء، لأنه ما بين ثناء على الله وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وهما من مقدمات الدعاء وسؤال المغفرة ونحو ذلك فكله في الحقيقة دعاء.
وفي صحيح مسلم من حديث ابن عمر: (فأشار بأصبعه فدعا بها) 2 فإذن التشهد كله دعاء.
ومعلوم أن الداعي لله عز وجل إذا دعاه فإنه يرفع يديه ويتضمن ذلك ثناء على الله وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وهما داخلان في الدعاء لأنهما من مقدماته.
فالراجح ما ذهب إليه الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه من أنه يشير بها في تشهده كله.
ويستحب له أن يديم النظر إليها وحينئذ يكون استثناءً من النظر إلى موضع سجوده، فقد ثبت في المسند وغيره بإسناد جيد: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان يديم نظره إليها) 1
المسألة الرابعة: (ويبسط اليسرى)
أي يبسطها على فخذه.
أو يلقمها ركبته، فقد صح في مسلم من حديث ابن الزبير وفيه: (وألقم ركبته كفه) 2 فيستحب أن يبسطها على فخذه أو يلقمها ركبته.
قال: (ويقول: التحيات لله ….)
(التحيات لله) بمعنى: البقاء والعظمة والملك والسلامة لله تعالى.
(والصلوات) كلها فرضها ونفلها، والصلاة الشرعية واللغوية وهي الدعاء كل ذلك لله تعالى مستحق له مصروف إليه بل (والطيبات) كلها فكل عمل أو قول طيب فهو إلى الله يوجه ويصرف إليه.
(السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته) هكذا في الرواية وهو ما كان يعلمه عمر بن الخطاب على المنبر – كما في الموطأ بإسناد صحيح 3 .
وذهب كثير من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى القول بعد وفاته: (السلام على النبي) ، كما روى البخاري عن ابن مسعود قال: (لما كان بين ظهرانينا فلما قبض قلنا: السلام) قال البخاري: (يعني على النبي - صلى الله عليه وسلم -) 1 وقد ورد تصريحاً في مصنف ابن أبي شيبة ومستخرج الإسماعيلي: (السلام على النبي) (2) . وروى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن عطاء بن أبي رباح قال: (كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهو حي يقولون: السلام عليك أيها النبي، فلما مات قالوا: السلام على النبي) 2 .
والأولى الوقوف على الرواية الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم لأنها لفظ علمه الصحابة في حضرته وغيبته، فهو وهو غائب عنهم يصلون في بيوتهم أو في بواديهم أو في مدنهم الخارجة عن مدينة النبي صلى الله عليه وسلم وفي مساجدهم الخارجة عن مسجده وهم في حكم الغائب عنه، وهو في حكم الميت، لأنه لا يسمع لفظهم، بل وهم يصلون خلفه لا يسمع – من حيث الطبيعة – لا يسمع تسليمهم فإنه في حكم الغائب الميت صلى الله عليه وسلم.
وإذا قلنا: بأنه يسمع كلامهم وهو حي فكذلك وهو ميت كما ورد في الحديث الصحيح: (أنه ما من أحد يمر على النبي صلى الله عليه وسلم فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه فرد عليه السلام) 1 وقد قال صلى الله عليه وسلم: (فإن تسليمكم ليبلغني حيث كنتم) 2 .
فحينئذ: لا فرق بين كونه حياً وميتاً، وهذا ما كان عليه عمر بن الخطاب ولم ينكر عليه أحد من الصحابة وقد كان يعلمه بمحضر الصحابة.
وأما ما رواه ابن مسعود وغيره فإن هذا اجتهاد منهم ونظر.
فالراجح أنه يقول: (السلام عليك أيها النبي) .
قوله: (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا أله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)
هكذا في الرواية المتفق عليها 1 ، وفي مصنف ابن أبي شيبة بإسناد ضعيف مرفوعاً: (وحده لا شريك له) (2) وهي ثابتة في سنن أبي داود موقوفة على ابن عمر بإسناد صحيح أنه قال: (وزدت وحده لا شريك له) 2 .
إذن: المستحب – كما هو المشهور في المذهب أنه لا يزيد عليها ذلك كما أنه لا يزيد عليها التسمية، فإنها قد وردت من حديث جابر في النسائي وابن ماجه 3 لكنها ضعيفة.
وهذا النوع من التشهد هو أشهرها، وهو تشهد ابن مسعود الثابت في الصحيحين.
فقد صح عنه أنه قال: التفت إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (إذا صلى أحدكم فليقل: التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا أله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ثم يتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو) 1 . وقد اختاره الإمام أحمد مع ورود أنواع أخرى؛ وقد اختاره الإمام أحمد لأنه ثابت في الصحيحين ولأن أكثر أهل العلم عليه، فقد ذكر الترمذي: أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم على ذلك 2 . ومع ذلك فإنه – باتفاق أهل العلم – أنه لو قال أي تشهد وارد فإن ذلك يجزئه – قال الإمام أحمد: " وتشهد عبد الله أعجب إلي وإن كان غيره جائزاً ".
فقد وردت تشهدات أخرى كتشهد ابن عباس في مسلم وغيره 1 ، لكن الإمام أحمد اختار تشهد ابن مسعود لثبوته في الصحيحين ولكونه محفوظاً حفظاً ثابتاً حتى قال الأسود: " كنا نتحفظه من عبد الله كما نتحفظ السورة من القرآن " 2 .
وإن فعل هذا تارة وهذا تارة فهو أولى لثبوت ذلك كله.
قال: (هذا التشهد الأول)
ولا يستحب – كما تقدم - أن تزيد عليه " وحده لا شريك له " ولا التسمية.
أما النقص: فهل يجزئه إذا نقص أم لا؟
قولان:
القول الأول: وهو المشهور في المذهب: أنه يجزئه ذلك.
فإذا نقص منه بحيث ذكر أصوله فإن ذلك يجزئه، وذلك بأن يقول: " التحيات لله، والسلام عليك أيها النبي والسلام على عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ".
وهذا القول هو المرجح في المذهب وعليه أكثر أصحاب الإمام أحمد.
القول الثاني في المذهب وهو قول ابن حامد: وأن ذلك لا يجزئه حتى يأتي بالتشهد الوارد بتشهد ابن مسعود أو غيره من الوارد.
وهذا أولى وأحوط.
أما كونه أولى؛ فلأن هذا ذكر والأذكار يجب أن تؤدى كما رويت لذا لا يجوز أن تروى بالمعنى وذلك لأن ألفاظها متعبد بها.
وأما كونه أحوط فهو ظاهر، فإنه احتياط في الديانة فهؤلاء يقولون يجزئ، والآخرون يقولون: لا يجزئ، والسنة فعله، فهو الثابت، فالأولى والأحوط أن يقوله كاملاً سواء كان تشهد ابن عباس أو ابن مسعود أو غيرهما.
ولا يستحب له أن يطيل الجلوس بعد التشهد، بل يقوم بعد ذكر التشهد.
ودليل ذلك ما رواه أبو داود والترمذي بإسناد من طريق أبي عبيدة عن أبيه عبد الله بن مسعود ولم يسمع أباه ففيه انقطاع،- وله شواهد سيأتي ذكرها – أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان إذا جلس في الركعتين كأنه على الرضف) 1 وهي الحجارة المحماة.
وله شاهد من السنة المرفوعة وهو ما رواه أحمد بإسناد جيد من حديث محمد بن إسحاق وقد صرح بالتحديث وفيه: (فإذا كان وسط الصلاة نهض حين يتم التشهد) 2 وله شاهد من السنة المرفوعة وهي سنة أبي بكر الصديق، فقد ثبت في مصنف عبد الرزاق: (أنه كان إذا جلس في التشهد الأول كأنه على الرضف) 3
إسناده صحيح وكذلك رواه ابن أبي شيبة عن ابن عمر.
ويسن له كما تقدم أن يعتمد على يديه إذا أراد القيام، كما هو القول الراجح.
ويستحب له إذا نهض من التشهد الأول أن يرفع يديه خلافاً للمشهور في المذهب، وهذا هو رواية عن الإمام أحمد واختاره المجد ابن تيمية وحفيده شيخ الإسلام ابن تيمية.
واستدلوا: بما روى البخاري من حديث ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان إذا قام من الركعتين رفع يديه) 1 فهذه سنة صحيحة لا يجوز العدول عنها.
ثم يصلي الركعة الثالثة من المغرب والركعتين الأخريين من صلاة الظهر والعصر والعشاء، ويقرأ فيها بفاتحة الكتاب فحسب؛ لحديث أبي قتادة المتقدم: (أنه كان يقرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب) 2
ويستحب له تارة – كما هو رواية عن الإمام أحمد: أن يقرأ بسورة بعد الفاتحة – كما ثبت في مسلم من حديث أبي سعيد الخدري قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر في الركعتين الأوليين قدر ثلاثين آية، وفي الركعتين الأخريين على النصف من ذلك، وفي الأوليين من العصر على قدر الأخريين من الظهر، وفي الأخريين على النصف من ذلك) 3 .
وحينئذ: تكون قراءته في الركعتين الأخريين من صلاة الظهر بقدر الفاتحة مرتين أي الفاتحة وسورة.
فهذا الحديث فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ربما قرأ مع فاتحة الكتاب سورة في الركعتين الأخريين من الظهر، وهو جائز ولا حرج فيه، بل يستحب أحياناً.
وقد أشار المؤلف إلى هذه المسائل التي تقدم ذكرها أشار إليها – بعد ذكر جملة من المسائل –
فقال: (وإن كان في ثلاثية أو رباعية نهض مكبراً بعد التشهد الأول)
(نهض مكبراً) للحديث المتقدم – حديث أبي هريرة – في الصحيحين: (وصلى ما بقي كالثانية بالحمد فقط) 1 هذا هو المشهور في المذهب وأنه يقرأ بالحمد فقط، فإن قرأ بها وبغيرها فإنه يباح.
بل عن الإمام أحمد استحباب ذلك أحياناً.
والحمد لله رب العالمين.
الدرس الثمانون (يوم السبت: 5 / 4 / 1415هـ)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ثم يقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد)
هذا لفظ من الألفاظ الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة عليه في الصلاة، وهو أصحها؛ لثبوته في الصحيحين ولذا اختاره الإمام أحمد.
فقد ثبت في الصحيحين من حديث كعب بن عجرة قال: (قلنا يا رسول الله: قد علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك – في رواية مسلم " إذا نحن صلينا " فقال: قولوا: اللهم صل على محمد ... ) 2 الحديث.
وبأي نوع صليت عليه أجزأك ذلك وفعلت السنة.
- وهل يجزئه أن يكتفي بقول: " اللهم صل على محمد " أم لا؟ قولان في المذهب: القول الأول: أنه لا يجزئه حتى يصلي عليه بالصلاة الواردة، واستدلوا: بورود ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم فكان المشروع أن يقال كما ورد.
القول الثاني: وهو المشهور عند الحنابلة واختاره الموفق: أنه يجزئه ذلك ولا يشترط أن يأتي به بتمامه بل يجزئه صلاة مطلقة، واستدل: بأن الصلاة الواردة عنه كانت عن سؤال، وما كان طريقه السؤال فليس بواجب، إذ لو كان واجباً لابتدأ به.
فهنا قال ذلك بعد سؤال الصحابة: فقالوا: " قولوا " وليس في هذا وجوب ذلك إذ لو كان واجباً لعلمهم النبي صلى الله عليه وسلم ابتداءً، فسكوته عن تعليمهم ذلك حتى يسألوه يدل على أن ذلك إنما هو على وجه الإرشاد والتعليم وليس على وجه الوجوب والشرطية للإجزاء، وهذا القول هو الأرجح وأنه متى قال: " اللهم صل على محمد " أجزأه ذلك.
- ولكن هل يجب أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم في تشهده أم لا؟
ذهب الشافعية والحنابلة: إلى فرضية ذلك، أما الحنابلة فيوجبونها في التشهد الثاني فقط، وأما الشافعية ففي كل تشهد، واستدلوا: بقوله: " قولوا " قالوا: وهذا أمر والأمر للوجوب.
وذهب المالكية والأحناف: إلى عدم وجوب ذلك، ولكنه سنة.
وهذا القول أظهر؛ لما تقدم من التعليل السابق فإن هذا إنما ورد على هيئة سؤال، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يعلمهم الصلاة عليه في الصلاة حتى سألوه عنها، وما كان طريقه ذلك فليس بواجب وإنما هو مستحب.
ومع ذلك ففيما قاله الحنابلة قوة، والاحتياط الالتزام بذلك وعدم تركه، بل الاحتياط أن يقول ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم تماماً لا يسقط من ألفاظه شيئاً.
قال: (ويستعيذ من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال)
لما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع يقول: " اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن [شر] فتنة المسيح الدجال ") 1
وجماهير العلماء على: أن هذه الاستعاذة أنها سنة في الصلاة.
وعند الإمام أحمد وهو مذهب طائفة من أهل العلم: أن الاستعاذة على هذه الصفة فرض في الصلاة.
حتى عن الإمام أحمد: أنه يعيد صلاته إن تركها، وهو قول طاووس بن كيسان من كبار التابعين.
واستدلوا: بالأمر الوارد: " فليستعذ "
وذهب جماهير العلماء إلى أنها مستحبة وإن الأمر الوارد فيها إنما هو على وجه الاستحباب.
واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين من حديث ابن مسعود وفيه – بعد أن ذكر التشهد – قال: (ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو) 2
فهذا يدل على أنه لا يجب عليه نوع من أنواع الأدعية أو الاستعاذات وإنما يدعو بما شاء ويتخير من الدعاء أعجبه إليه، فيكون هذا الأمر من باب الإرشاد، وهذا هو الأظهر.
قال: (ويدعو بما ورد)
كما في الصحيحين من حديث أبي بكر قال: (قلت يا رسول الله علمني شيئاً أدعو به في صلاتي فقال: قل " اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم ") 1
أو نحوه مما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم – كما في الصحيحين أيضاً من الاستعاذة من المأثم والمغرم 2 .
وظاهر قوله: " بما ورد " أي بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب لكن هذا غير مراده، إنما المراد ما ورد في الشريعة، كأن يقول: " ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار " و " ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين " ونحو ذلك مما ورد.
وظاهره أنه إذا دعا بدعاء من ملاذ الدنيا ونعيمها فإنه لا يشرع له ذلك ولا يجوز بل قد صرح فقهاء الحنابلة بأن الصلاة تبطل بذلك، لأنه كلام أجنبي والكلام الأجنبي يبطل الصلاة.
وعن الإمام أحمد: أنه لا بأس بذلك، واختاره الموفق من فقهاء الحنابلة، وقد نص عليه الإمام أحمد، وهذا القول هو الراجح، وظواهر الأدلة تدل عليه كقوله صلى الله عليه وسلم: (ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو) (1) وعند البيهقي: (ثم ليدعو بما بدا له) 1 . فظواهرها أنه يتخير من الدعاء أعجبه إليه، والدعاء عام فيما ورد وما لم يرد.
قال: (ثم يسلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله، وعن يساره كذلك) في هذه الجملة ثلاث مسائل: المسألة الأولى: أن المستحب أن يسلم عن يمينه وعن شماله فيقول عن يمينه: " السلام عليكم ورحمة الله " وعن يساره " السلام عليكم ورحمة الله.2
ويستحب له في سلامه أن يبدو بياض خده للمأمومين لما ثبت عند الخمسة بإسناد صحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان يسلم حتى يبدو بياض خده عن يمينه السلام عليكم ورحمة الله وعن يساره حتى يبدو بياض خده، السلام عليكم ورحمة الله) 1 المسألة الثانية: أن الوارد هو لفظة: " السلام عليكم ورحمة الله " عن يمينه وعن شماله في هذا الحديث المتقدم وقد وردت أنواع أخر: فمن ذلك ما ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان يسلم عن يمينه بالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله) 2 والنوع الثالث: ما رواه أحمد والنسائي بإسناد صحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان يسلم عن يمينه السلام عليكم ورحمة الله وعن يساره السلام عليكم) 3