وكني عنه بالمباشرة مع أن حقيقة المباشرة ما دون الجماع لكن قد كني بها في القرآن عن الجماع، كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾ 1 أي لا تجامعوهن والمباشرة قد دلت السنة على جوازها 2 ، إذن المراد بالمس في الآية: الجماع.
وقد روى أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث حبيب بن أبي ثابت 1 عن عروة عن عائشة قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل بعض نسائه ثم يصلي ولا يتوضأ) 2
قال الراوي ما أظنها إلا أنت فضحكت ".
وهذا الحديث قد استدل به من يرى أن مس المرأة لا ينقض الوضوء مطلقاً، لأن القبلة لا تكون في الغالب إلا بشهوة من الزوج.
والحديث صححه ابن عبد البر وابن جرير، لكن أكثر الحفاظ قد ضعفوه، وقد ضعفوه بعلتين:
1 - العلة الأولى: أنه من حديث حبيب بن أبي ثابت عن عروة قالوا: ولم يسمع من عروة، كما قال البخاري.
وأجيب عن ذلك: بأن حبيباً قد روى عن طبقة الصحابة كأنس بن مالك وغيره ممن هو أكبر من عروة وأقدم منه موتاً، وقد قال ابن عبد البر: (لا شك أنه لقي عروة) فإذا ثبت أنه لقي أنس بن مالك وهو أقدم منه موتاً فأولى أن يكون قد لقي عروة.
2 - العلة الثانية: قالوا: ليس هو عروة بن الزبير وإنما هو عروة المزني وهو مجهول، لكن الجواب واضح، فيقال: كيف يتجرأ عروة المزني وهو مجهول ليس من الثقات لذا ضعف به هذا الحديث، لا يمكن أن يتجرأ على أم المؤمنين عائشة.
بخلاف عروة بن الزبير فإنه ابن أسماء بنت أبي بكر أخت عائشة فعائشة خالته.
فعلى ذلك تضعيف هذا السند غير وارد، فالصحيح أن هذا الحديث إسناده صحيح.
ومع ذلك فقد ورد من حديثها من عشرة طرق عن عائشة وله شواهد.
فعلى ذلك: لو سلم بتضعيف هذا السند فإن له عشرة أوجه عن عائشة، وله شواهد، فالحديث صحيح.
وهو مبق على الأصل – فإن الأصل أن المس غير ناقض للوضوء – والآية الكريمة قد تقدم ترجيح أن المراد بالمس الجماع وليس مجرد مس المرأة.
والراجح أن مس المرأة لا ينقض الوضوء.
ولكن: إذا كان إذا كان بشهوة فيستحب له أن يتوضأ كما قرر هذا شيخ الإسلام قياساً على الوضوء عند الغضب بجامع أن الغضب والشهوة من الشيطان، فيستحب له أن يتوضأ من الشهوة كما يستحب له أن يتوضأ من الغضب.
وعلى القول بأن مس المرأة ناقض للوضوء إن كان بشهوة تتفرع هذه المسائل:
منها: قوله: (أو تمسه بها) :
إذا مست المرأة الرجل بشهوة فإن الوضوء ينتقض؛ لأن النساء شقائق الرجال، فما ثبت للرجال فهو ثابت للنساء إلا أن يدل دليل على تخصيص الرجال به.
فعلى ذلك: المرأة إذا مست الرجل وقلنا: بأن مس المرأة ناقض للوضوء - كما هو مذهب الحنابلة - فإنه ينتقض وضوؤها.
أما إذا قلنا: بأن مس المرأة غير ناقض فكذلك إذا مست المرأة رجلاً.
وقوله: (ومس حلقة دبر) تقدم الكلام على هذا في الدرس السابق.
وقوله: (لا مس شعر وظفر)
الشعر والظفر ومثل ذلك السن في حكم المنفصل، فإذا مس من المرأة شعرها أو ظفرها أو سنها بشهوة فإن الوضوء لا ينتقض بذلك.
وهذا في الحقيقة على إطلاقه محل نظر، فإنا لو قلنا بأن مس المرأة ناقض للوضوء إن كان بشهوة فإنه إذا مس شيئاً من أجزائها المذكورة مما يورث الشهوة وإن كان في حكم المنفصل فإن الحكم باق.
فإذا مس شعرها أو شيئاً من بدنها بشهوة فإنه ينتقض وضوؤه.
إذن الحنابلة وهم القائلون بأن مس المرأة بشهوة ناقض للوضوء استثنوا ما هو في حكم المنفصل كظفرها وشعرها.
وعلى الترجيح المتقدم نقول: إن مس المرأة كلها ليس بناقض.
ولكن على تسليم ما ذهب إليه الحنابلة فإن إطلاق ذلك فيه نظر، فإن مس الشعر قوي مؤثر فهو قريب من مس شيء من بدنها، فإذا قلنا بنقض الوضوء إذا مسها بشهوة فينبغي أن نقول بنقض مس الشعر بشهوة، لكن الراجح أن مس المرأة غير ناقض مطلقاً.
قوله: (وأمرد)
الأمرد: هو من اخضرَّ أو طرَّ - أي اخضرَّ - شاربه ولم تنبت لحيته، فإذا مس الأمرد فإنه لا ينتقض وضوؤه.
قالوا: لأنه ليس محلاً للشهوة.
وهذا التعليل ضعيف، فإن الله قد ذكر أنه من أعظم المعاصي وأن طائفة من الناس قد ابتلوا بشهوة المعصية وحب التشهي بمثل ذلك كما قال تعالى: ﴿أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم﴾ 1 فعلى ذلك متى أورث مسه شهوة، وقلنا إن مس المرأة بشهوة ناقض للوضوء – فمثله كذلك مس الأمرد – ولكن الصحيح أن مس المرأة لا ينقض مطلقاً فكذلك مس الأمرد.
ولا شك أن مسه محرم إذا كان بشهوة وهذا بإجماع العلماء.
كما أن النظر إليه بشهوة محرم أيضاً.
أما النظر بغير شهوة فإنه مباح.
فإ
ن كان النظر يخشى منه أن يورث شهوة فحينئذ قولان في مذهب الحنابلة:
القول الأول: إنه ليس بمحرم.
القول الثاني: إنه محرم، وهو أصح واختاره شيخ الإسلام؛ لأنه ذريعة إلى محرم، والشريعة قد أتت بسد الذرائع.
قوله: (ولا مع حائل)
إذا كان هناك حجاب أو حائل بينه وبين المرأة التي قد مسها فإنه لا ينتقض الوضوء، بل لا ينتقض إلا بمسها مباشرة من غير حائل.
وهذا على القول بأن مس المرأة ناقض، والراجح خلافه كما تقدم.
قوله: (ولا ملموس بدنه ولو وجد منه شهوة)
الملموس بدنه قالوا: لا ينتقض وضوؤه بذلك، لأن اللامس الشهوة فيه أشد، فعلى ذلك لا يقاس الملموس بدنه باللامس لأن الشهوة في اللامس أشد.
وهذا فيه نظر، فإنها وإن سلم أنها أشد لكن الشهوة قد ثبتت ووقعت باللمس، فالقياس الصحيح أن يقال: بأن الملموس كذلك إذا لمس وثارت شهوته باللمس فإنه بذلك ينتقض وضوؤه، فإذا مس الرجل امرأة بشهوة – وقلنا بانتقاض الوضوء بمس المرأة – فكذلك ينتقض وضوء المرأة إن أحدث بها ذلك شهوة.
ولكن كما تقدم الراجح خلاف هذا كله ولكن هذا الترجيح لبيان ضعف هذه العلة المذكورة.
وأنّا متى قلنا بأن مس المرأة ناقض للوضوء فإن علينا ألا نفرق بين لامس وملموس.
قال: (ولو وجد منه شهوة)
هنا (لو) إشارة إلى وجود خلاف، فقد ذهب الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه، والإمام الشافعي في أحد قوليه: إلى أن الملموس بدنه إذا ترتب على هذا المس شهوة فإنه ينتقض وضوؤه، وهو الراجح كما تقدم تعليله، فلا فرق بين لامس وملموس فقد ثبت المس وثبتت الشهوة والقياس يقتضي ذلك.
ولا فرق بين مس امرأة أجنبية أو ذات محرم، فإذا مس ذات المحرم بشهوة وقلنا بأن المس بشهوة ينقض الوضوء فلا فرق بين أن تكون أجنبية أو غير أجنبية، ولا فرق بين صغيرة وكبيرة ولا فرق بين حية وميتة؛ لأن الأمر معلق بالشهوة، لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.
لكن – كما تقدم – كل هذه التفريعات على القول بأن مس المرأة ناقض للوضوء إذا كان بشهوة.
والحمد لله رب العالمين.
الدرس الثلاثون (يوم الثلاثاء: 22 / 11 / 1414 هـ)
قال المؤلف رحمه الله: (وينقض غسل ميت)
هذا من مفردات المذهب وقال بهذا القول إسحاق بن راهويه: وأن من غسل ميتاً أي باشر غسله سواء كان ذلك من حائل أو لم يكن من حائل ولكنه هو الذي يقلبه بالتغسيل فإنه ينتقض وضوؤه، بخلاف من يصب الماء فإنه لا يتوفر فيه ذلك فلا ينتقض وضوؤه.
إذن المراد من باشر الغسل ولو كان ذلك عن قميص فإن الوضوء ينتقض بذلك.
واستدلوا: بما رواه البيهقي عن ابن عباس أنه سُئل هل على من غسل ميتاً غسل فقال: (أنجستم ميتكم يكفي فيه الوضوء) (1) ، ونحوه عن ابن عمر في البيهقي.
قالوا: ولا يعلم لهما مخالف فيكون قولهم حجة.
- وذهب الجمهور: إلى أن غسل الميت ليس بناقض للوضوء، واختار هذا الموفق وشيخ الإسلام.
واستدلوا: بما رواه الحاكم في مستدركه بإسناد حسن وقد حسنه الحافظ ابن حجر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليس عليكم في غَسْل ميتكم غُسْل [إذا غسلتموه] ، فإن ميتكم ليس بنجس فحسبكم أن تغسلوا أيديكم) 1 .
قالوا: والأصل ثبوت الطهارة وبقاؤها، وما ورد عن ابن عباس وابن عمر لا يتعين أن يكون ذلك للوجوب حتى نبقى على هذا الأصل، ويقوي هذا الأصل الحديث المتقدم وفيه: (فحسبكم أن تغسلوا أيديكم) (2) . وهذا القول هو الراجح.
ومع ذلك فإنه يستحب أن يتوضأ لما تقدم من الآثار قال شيخ الإسلام: " وأما الاستحباب فمتوجه ظاهر ".
ومثل ذلك الغسل من غسل الميت، فكذلك لا يجب وإنما يستحب، وقد روى الخمسة من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من غَسل ميتاً فليغتسل ومن حمله فليتوضأ) 2 والحديث صحيح، وقد أعله بعض الحفاظ بالوقف لكن الحديث له طرق كثيرة حتى ذكر ابن القيم أن له أحد عشر طريقاً عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال: " وهذه الطرق تدل على أنه محفوظ ".
قال الخطابي: " ولا أعلم أحداً من الفقهاء قال بوجوب الغُسل من غَسل الميت ولا بالوضوء من حمله ويشبه أن يكون ذلك للاستحباب ".
وما قاله هو الذي تدل عليه آثار الصحابة: فقد روى الدارقطني بإسناد صحيح عن ابن عمر قال: " كنا نغسل الميت فمنا من يغتسل ومنا من لا يغتسل " (1) . وروى مالك في موطئه بإسناد صحيح: " أن أسماء بنت عميس لما غسلت أبا بكر سألت الصحابة وفيهم المهاجرون والأنصار هل عليَّ من غسل؟ فقالوا: لا " 1 . وقد تقدم الحديث الذي فيه: (ليس عليكم في غسل ميتكم غسل [إذا غسلتموه] فإن ميتكم ليس بنجس، فحسبكم أن تغسلوا أيديكم) . إذن: لا يجب بغسل الميت الغسل ولا الوضوء، وإنما يستحب، فيستحب لمن غسل الميت أو أعان في غسله بالمباشرة أن يغتسل أو يتوضأ ولا يجب عليه ذلك، وهذا هو مذهب جمهور أهل العلم.
قوله: (وأكل اللحم خاصة من الجزور) الجزور هو: الأنثى أو الذكر من الإبل جمعه جُزُر، وهذا القول هو المشهور في المذهب وأن أكل لحم الجزور ينقض الوضوء، وهو مذهب أهل الحديث، وهو مذهب عامة الصحابة كما روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن جابر بن سمرة قال: (كنا نتوضأ من لحوم الإبل ولا نتوضأ من لحوم الغنم) (3) ولا يصح نسبة خلاف ذلك إلى الخلفاء الراشدين - كما ذكر ذلك النووي وغيره -، وإنما روي عنهم عدم الوضوء مما مست النار، وهذا عام في الإبل وغيرها، فالآثار إن صحت عنهم – فهي أنهم كانوا لا يتوضئون مما مست النار - وهذا مذهب عامة الصحابة كما تقدم، وهو مذهب أحمد وإسحاق، وذهب إليه بعض الشافعية كالنووي والبيهقي والإمام ابن خزيمة، ومن المالكية ابن العربي ويحيى بن يحيى، بل قال الشافعي: " إن صح الحديث قلت به ".
واستدلوا: بحديثين صحيحين – صححهما أحمد وإسحاق وغيرهما -:
الحديث الأول: ما رواه مسلم في صحيحه: (أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أأتوضأ من لحوم الغنم، قال: إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ، قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم فتوضأ من لحوم الإبل، قال: أصلي في مرابض الغنم قال: نعم قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: لا) 1
الحديث الثاني: ما رواه أحمد وأبو داود والترمذي – والحديث تقدم تصحيح أحمد وإسحاق وغيرهما له –عن البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم: (سُئل عن الوضوء من لحوم الإبل فقال: (توضؤوا منها) وسُئل عن الوضوء من لحوم الغنم، فقال: (لا تتوضئوا منها) 2 .
فهذان الحديثان يدلان على وجوب الوضوء من لحوم الإبل.
فإن قيل: أولا يحمل الأمر على الاستحباب؟
فالجواب: أن الأصل في الأمر الوجوب، لكن قد يكون هذا أنه أتى جواباً لسؤال، ولكن مع ذلك هناك قرينة في الحديث تدل على أن الأمر للوجوب، وهي: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم (سئل عن الوضوء من لحوم الغنم فقال: (إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ) ، والوضوء من لحوم الغنم مستحب.
فقد ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (توضؤا مما مست النار) 1 وهذا الحديث ظاهره وجوب الوضوء من لحوم الغنم ونحوه مما مست النار.
لكن ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم: (أكل من كتف شاة ولم يتوضأ) 1 وهذا يدل على أن الوضوء مما مست النار من لحوم الغنم ونحوها ليس بواجب، لذا قال جابر كما في سنن أبي داود والنسائي: (كان آخر الأمرين من النبي صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار) 2 أي عدم الإلزام به والإيجاب، بحيث أنه كان يتوضأ ويأمر أصحابه بذلك ثم لم يتوضأ أي بالفعل وإلا فقد بقي استحباب ذلك كما هو اختيار شيخ الإسلام.
إذن: الوضوء من لحوم الغنم مستحب، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ) أي هذا ليس بواجب عليك، وأما لحوم الإبل فقال: (نعم فتوضأ من لحوم الإبل) ولم يكتف النبي صلى الله عليه وسلم بأن قال: (نعم) كما قال ذلك في قوله: (أصلي في مرابض الغنم) ، أما هنا فقال: (نعم فتوضأ من لحوم الإبل) فأجابه ثم أن أنشأ أمراً بالوضوء من لحوم الإبل.
وقد تقدم قول الشافعي وأنه إن صح الحديث فهو مذهبه ولم يكن منه – رحمه الله – التوقف في دلالته، وكذلك غيره من الأئمة.
وإنما من قال بخلافه من الأئمة، فإنما قال بالنسخ وأما التوقف في دلالته فليس هناك أي أحد من الأئمة.
- وذهب جمهور أهل العلم: إلى أنه لا يجب الوضوء من لحوم الإبل.
واستدلوا: بحديث جابر قال: (كان آخر الأمرين من النبي صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار) . قالوا: ولحوم الإبل مما مست النار، فآخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار وهي منها ولكن هذا ضعيف، لأن هذا عام، فآخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار، مطلق في لحوم الغنم والبقر وغيرها.
وأما الحديث الذي نستدل به فهو حديث خاص فحينئذ: يخصص به هذا العموم المتقدم.
ثم إن جابراً إنما يحكي فعل النبي صلى الله عليه وسلم المتقدم من أكله من لحم ولم يتوضأ، وهو لحم شاة كما تقدم.
والراجح: هو القول الأول وأن لحم الجزور ناقض للوضوء، وهذا هو أصل المسألة.
وقوله: (وأكل اللحم خاصة) هذا هو المشهور في المذهب وأن اللحم خاصة وهو الأحمر أو الأبيض هو الناقض للوضوء، أما ما يكون على الرأس والطحال والكبد وغيرها فهذا ليس من اللحم فلا ينقض الوضوء.
فاللحم وهو الأحمر من الإبل والبقر والغنم ونحوها، والأبيض من الطير ونحوه، وهو ما يسمى بالهبر 1 ، فدخول اللحم في النقض هذا لا شك فهو داخل قطعاً.
أما غير اللحم كالكبد والطحال والكرش والمصران والمرق ونحوه ففيه قولان:
القول الأول: أنه ليس بناقض، لأن النص ورد في اللحم خاصة وأما غيره فلا يدخل فيه.
القول الثاني: أنه ليس خاصاً باللحم، بل عام فيه وفي غيره مما يؤكل من الإبل، فيدخل في ذلك المرق والدهن وغيره.
واستدلوا: بأن الشارع لما حرم لحم الخنزير دخل في ذلك كل أجزائه من شحم ونحوه، كما ورد في الأحاديث الصحيحة وكما قام على ذلك الإجماع، وإنما نص النبي صلى الله عليه وسلم على اللحم؛ لأن هذا أكثره وأغلبه فعلى ذلك: يكون جملة ناقض ثم إنه يتغذى بدم واحد، وهذا هو القول الراجح، وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن السعدي.
إذن: كله ناقض للوضوء، فكل ما يطعم من الإبل فهو ناقض للوضوء.
- أما ألبان الإبل: فيها قولان في المذهب: القول الأول: وهو المشهور في المذهب إنها لا تنقض الوضوء.
القول الثاني: إنها تنقض، واستدلوا بما رواه ابن ماجة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا توضؤا من ألبان الغنم وتوضؤا من ألبان الإبل) 1 لكن الحديث إسناده ضعيف لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما أهل القول الأول: فقالوا: إنما نص النبي صلى الله عليه وسلم على اللحم وأما اللبن فليس في معناه، ونحن نقول في معناه الكبد ونحوه ولكن اللبن ليس بمعناه.
كما أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر العرنيين أن يشربوا من ألبان الإبل لم يأمرهم أن يتوضؤوا، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
وهذا القول هو الراجح، وأن من شرب لبن الإبل فإنه لا يجب عليه الوضوء.
وهل يقاس على الإبل غيرها أم لا؟
هذا ينبني على العلة، فما هي العلة التي جعلت الوضوء ينتقض بأكل لحم الإبل؟
المشهور في المذهب: أنها تعبدية، بمعنى: لا يدرى معناها.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن العلة: أن أكل لحم الإبل يورث قوة شيطانية فيطفأ بالماء، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم – كما في مسند أحمد وسنن أبي داود – والحديث لا بأس به: (إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من نار وإنما تطفأ النار بالماء فإذا غضب أحدكم فليتوضأ) 1 فقد شرع النبي صلى الله عليه وسلم الوضوء من الغضب، وهنا لحم الإبل يورث قوة شيطانية لأنها خلقت من شياطين، فقد ثبت في المسند وأبي داود والترمذي والحديث صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها من الشياطين) 2 أي خلقت منها، وهو ثابت مصرح به كما في سنن ابن ماجة بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنها خلقت من شياطين) 3
فعلى ذلك أمر الشارع بالوضوء من لحمها لما يورث من قوة شيطانية فعلى ذلك يقاس عليها ما كان فيه هذا الوصف كالسباع ونحوها، كما قال شيخ الإسلام، فما كان فيه هذه القوة الشيطانية كما يكون في السباع ونحوها فإنه يقاس عليه في هذا الحكم، فمن أكله مضطراً فإنه يجب عليه الوضوء.
قوله: (وكل ما أوجب غسلاً أوجب وضوءاً إلا الموت)
هذه قاعدة، فكل ما أوجب غسلاً أوجب وضوءاً.
[فـ]ـالحيض والنفاس وخروج المني والكافر أو المرتد إذا أسلم، فهذه توجب الغسل، وهي كذلك توجب الوضوء، لأنها لما أوجبت الطهارة الكبرى فيلزم من ذلك أن توجب الطهارة الصغرى، فعلى ذلك: إذا أرادت المرأة أن تغسل عن الحيض مثلاً، فلا يكفي لها لكي تصلي بهذا الغسل، لا يكفي أن تنوي رفع الحدث الأكبر المتمثل بالحيض، بل يجب عليها أن تنوي رفع الحدث الأصغر – إذا أرادت أن تصلي بعد الغسل –.
ومثلاً: رجل دخل في الإسلام، فاغتسل ولم ينو رفع الحدث الأصغر، فإن هذا الغسل لا يجزئه فلا يستطيع أن يصلي به؛ لأنه لم ينو رفع الحدث الأصغر، لكنه يسقط عنه وجوب الغسل عند الدخول في الإسلام.
ولو أن جنباً اغتسل بنية رفع الحدث الأكبر ولم ينو رفع الحدث الأصغر فإنه لا يحل له أن يصلي بهذا الغسل.
فالقاعدة عندهم: أن كل ما أوجب غسلاً فإنه يوجب وضوءاً ومن ذلك الردة – فهي عندهم من نواقض الوضوء – واستدلوا بقوله تعالى: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ 1
- وجمهور أهل العلم: على أن من ارتد عن الإسلام ثم عاد إليه فإنه لا ينتقض وضوؤه بذلك، لأن الوضوء عمل، والعمل لا يحبط إلا بالموت على الكفر كما قال تعالى: ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم﴾ 2 فالأعمال الصالحة لا تحبط إلا بالموت على الكفر فالمرتد يبقى عمله فإذا مات على الكفر حبطت وبطلت.
فإذا حج ثم ارتد، ثم عاد فإن حجه يجزئ عنه.
وهذا القيد تقيد به الآية المتقدمة: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ ، وهذا القول هو الراجح فالردة لا تبطل الوضوء فلو أن رجلاً تلفظ بلفظ يكفر به ثم استتيب فتاب وهو متوضئ قبل ذلك فوضوؤه لا ينتقض بذلك.
فالقاعدة: عند الحنابلة أن كل ما يوجب غسلاً فإنه يوجب وضوءاً إلا الموت، فإنه يوجب الغسل أما الوضوء فلا يجب أن يتوضأ بل يكفي تغسيله.
ولعل ذلك: إما لكون النية منتفية في حق الميت فلا يمكن أن ينوي – ولم أر لهم تعليلاً –.
ولعل ذلك – وهذا أظهر – لكون الغسل للميت ليس عن رفع حدث، فليس عليه حدث، بل وجب عليه الوضوء بسبب الموت، وإنما هو غسل واجب ليس عن حدث، لعل هذه العلة لاستثناء ذلك.
إذن: الموت لا يشترطون فيه ذلك.
فإن قلنا: إن نية الغاسل تكفي، فإنه لا يشترط أن ينوي توضيئه؛ لأن ذلك ليس عن حدث.
والراجح في هذه المسألة كلها أن الوضوء لا يجب، فإن من وجب عليه الغسل فلا يجب عليه الوضوء.
ذلك: لأن الشارع قال سبحانه وتعالى: ﴿وإن كنتم جنباً فاطهروا﴾ 1 أي الطهارة الكبرى، ولم يأمرنا بالوضوء ولم يثبت دليل صحيح يوجب ذلك.
فعلى ذلك: الصحيح أن من اغتسل من الجنابة مثلاً فإن ذلك يجزئ عنه في رفع الحدث الأصغر وإن لم ينوه؛ لأن الحدث الأصغر داخل في الحدث الأكبر فإذا ارتفع الحدث الأكبر فقد ارتفع الحدث الأصغر – هذا من حيث المعنى –.
وأما من حيث الدليل: فإن الشارع لم يوجب الوضوء على من وجب عليه الغسل، وإيجاب ذلك يحتاج إلى دليل صحيح.
إذن القاعدة المتقدمة فيها نظر، والأظهر أن الغسل هو الواجب فقط، فمن نوى رفع الحدث الأكبر فذلك يجزئ عنه.
والحمد لله رب العالمين
الدرس الحادي والثلاثون (يوم الأربعاء: 23 / 11 / 1414 هـ)
قال المؤلف رحمه الله: (ومن تيقن للطهارة وشك في الحدث أو بالعكس بنى على اليقين، فإن تيقنهما وجهل السابق فهو بضد حاله قبلهما)
فإذا تيقن أنه على وضوء ثم شك هل انتقض وضوؤه أم لا؟
إذن الوضوء متيقن منه، والحدث مشكوك فيه أو العكس بأن يتيقن الحدث ثم شك هل توضأ أم لا لم يتوضأ؟ فهنا الحدث متيقن، والوضوء مشكوك فيه، ومثل ذلك في الغسل.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فلا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) (1) وهذا دليل على القاعدة المشهورة عند أهل العلم وهي: (أن اليقين لا يزول بالشك) .
إذن: يجب عليه أن يبني على اليقين فإذا كان المتيقن أنه متوضئ، والمشكوك فيه أنه محدث فهو متوضئ، وإن كان العكس فهو محدث.
وقوله: (فإن تيقنهما وجهل السابق فهو بضد حاله قبلهما) :
أي تيقن أنه توضأ وتيقن أنه أحدث، ولكن جهل السابق منهما، لأنه إذا علم السابق من المتأخر فلا إشكال، فإذا علم أن الحدث هو المتأخر فهو محدث وإن علم أن الوضوء هو المتأخر فهو متوضئ.
ولكنه قد جهل السابق أو الآخر، فلا يدري أيهما السابق، وهنا قد علم حاله قبلهما.
مثال: رجل صلى الفجر ثم جلس يذكر الله وهو على طهارة ثم بعد طلوع الشمس تيقن حدثاً وتيقن وضوءاً فما الحكم؟
قالوا: بضد حاله قبلهما بمعنى: ننظر على أي حال كنت سابقاً، هؤلاء – أي اليقين واليقين – قد تعارضا فتساقطا، فما هي حالك قبل ذلك؟
فإن كان متوضئـ[ـاً] فهو بضد ذلك، فيكون في حكم المحدث، ويجب عليك الوضوء؛ لأنه هذه الحالة قد تيقن زوالها، لأنه قد طرأ عليها حدث.
أو العكس: بأن كان قبلهما محدثـ[ـاً] فيكون متطهراً؛ لأن هذه الحالة السابقة قد تيقن زوالها.
إذن: المشهور في المذهب أنه إذا تيقن الطهارة وتيقن الحدث وجهل السابق وله حال سابقة من وضوء أو حدث فيكون حكمه بضد ذلك، أما هذه فقد تعارضت فتساقطت فحكمنا بما يكون بضد حاله قبلها.
وذهب بعض الحنابلة إلى: أنه يجب عليه الوضوء، وهذا هو الراجح، لأن اليقينَيْن قد تعارضا فتساقطا والصلاة لابد لها من وضوء متيقن أو وضوء مستصحب - المراد به ما تقدم –.
فعندما يقول: اليقين أني متوضئ فهذا هو الاستصحاب بمعنى: طرأ عليك شيء من الشك والاحتمال لكنه احتمال قد عارض الأصل فلا يؤثر فيه.
وهنا ليس عندنا لا تيقن ولا استصحاب حال أي ليست حاله السابقة على وضوء فنستصحبها ونقول: هذا شك، فيكون عندنا استصحاب الحال، وليس عندنا تيقن أنه متوضئ.
وهذا القول هو الراجح، وأنه يجب عليه أن يتطهر، فإذا تيقن الحدث والوضوء فلا نقول هو بضد حاله قبلهما بل يجب عليه الوضوء؛ لأنه في هذه الحالة لم يثبت – في الحقيقة – وضوؤه لا يقيناً ولا ظناً وقد قال صلى الله عليه وسلم: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) 1 والطهارة المتقدمة لو قلنا: أنه كان طاهراً سابقاً فقد أتاها الحدث، وإذا كان محدثاً سابقاً فإن الطهارة الأخرى لم يتيقن أنها المتأخرة.
إذن: إن تيقن الاثنين فيجب عليه أن يتطهر.
ومثل ذلك - وهو مذهب الحنابلة وهو واضح راجح- أنه إذا كان لا يعلم حاله قبلهما؟
بمعنى: تيقن الوضوء وتيقن الحدث لكنه لا يدري ما حاله قبلهما.
فحينئذ: يحكم عليه بفرضية الوضوء؛ لأن الصلاة لا تصح إلا بوضوء متيقن أو مستصحب كما تقدم.
قوله: (ويحرم على المحدث " أي حدثاً أصغر " مس المصحف والصلاة والطواف) :
قوله: " مس المصحف ": المصحف يصح بفتح الميم وكسرها وضمها فيحرم عليه أن يمس المصحف.
والمصحف يصدق على الورق التي كتبت عليها الآيات القرآنية، ويصدق على الحواشي، وهي ما يكون أعلى الصفحة وأسفلها ويمينها وشمالها، ويصدق على الغلاف الذي يتصل به، فكل ذلك مصحف فكما يقع عليه التبع، تقع عليه بقية الأحكام، ودليل ذلك ما رواه النسائي والترمذي من حديث عمرو بن حزم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وأن لا يمس القرآن إلا طاهر) 1 .
قالوا: هذا الحديث وإن كان مرسلاً من حيث السند لكن له شهرة عظيمة في الأمة من عصور التابعين فمن بعدهم، حتى قال الشافعي: " يثبت عندهم – أي أهل الحديث – أنه كتاب النبي صلى الله عليه وسلم "، وقال الإمام أحمد: " لا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم كتبه ".
والحديث قد تلقته الأمة بالقبول مما يغني عن النظر في إسناده ومع ذلك فإن هذه القطعة ثبت لها شاهدان شاهد رواه الدارقطني من حديث ابن عمر وشاهد آخر عند الطبراني في الكبير من حديث عثمان بن أبي العاص.
فهذه القطعة صحيحة ثابتة، من غير النظر إلى المعاني المتقدمة من تلقي الأمة لها بالقبول، بل هي كذلك على موازين الاصطلاح المجردة عن تلقي الأمة، هو صحيح بشاهديه.
فإذن: (وأن لا يمس القرآن إلا طاهر) قاله: النبي صلى الله عليه وسلم.
وقوله: (طاهر) لفظ مشترك أي التي تحمل معان، فيحتمل أن يكون معناها (إلا طاهر) أي: (إلا مؤمن) لذا ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم: (نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو) 1 .
ويحتمل أن يكون المعنى: أن لا يمس القرآن إلا طاهر من الحدث الأكبر لقوله تعالى: ﴿فإن كنتم جنباً فاطهروا﴾ (2) ويحتمل أن يكون المعنى: (لا يمس القرآن إلا طاهر من الحدث الأصغر ودليل تسمية المتطهر من الحدث الأصغر طاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم: (فإني أدخلتهما طاهرتين) 2 ، فمن تطهر من الحدث الأصغر فهو طاهر، ومن تطهر من الحدث الأكبر فهو طاهر، ومن تطهر من الشرك والكفر فهو طاهر.
فإذن: لفظة: (طاهر) لفظ مشترك.
والراجح عند الأصوليين أن اللفظ المشترك يحمل على كل ما يدل عليه من المعاني، إن لم توجد قرينة تدل على أن المراد به أحد المعاني بعينه، لا سيما في هذه اللفظة النبوية فإنها أي لفظة (طاهر) قد وقعت في سياق النفي فتفيد العموم.
أي: لا يمس القرآن إلا مؤمن ولا يمس القرآن إلا طاهر من الحدث الأكبر، بل لا يمس القرآن إلا متوضئ.
وهذا المذهب هو مذهب جماهير الفقهاء، وهو مذهب سعد بن أبي وقاص كما في الموطأ بإسناد صحيح 3 ، وحكاه شيخ الإسلام عن سلمان الفارسي وعن ابن عمر، وقال الموفق: " ولا نعلم لهم مخالفـ[ـاً] ".
فإذن: هو مذهب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد حكاه - أي هذا القول – ابن هبيرة في الإفصاح – إجماعاً.
- وخالفت الظاهرية: فقالوا يجوز أن يمس القرآن وإن كان محدثاً.
واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم (كتب رسالته إلى هرقل وفيها: (بسم الله من محمد عبد الله إلى هرقل عظيم الروم – الرسالة – وفيها آية ﴿يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء …﴾ ) 1 .
قالوا: وقد وقعت في أيدي كفار ووقوعها في أيديهم أعظم من وقوع المصاحف في أيدي المحدثين من المؤمنين.
ولكن هذا الاستدلال ضعيف، ذلك لأن هذه الرسالة ليست بمصحف بل هي كتاب كتب فيه آيات من القرآن.
لذا قال الفقهاء إذا كانت الكتب كتب تفسير أو كتب فقه أو نحو ذلك، أو فيها آيات قرآنية فإنه لا يجب على من أراد أن يمسها أن يتوضأ، بل للمسلم أن يمس كتب التفسير وهو محدث حدثاً أصغر، مع كونها متضمنة للقرآن كله؛ لأنها ليست بمصحف ولا يطلق عليها قرآن.
لكن إذا كانت التفاسير كهيئة المصحف تماماً، كما يوجد في مثل تفسير الجلالين بأن يكون كهيئة المصحف إلا أن الحواشي قد علقت عليها بعض التفسيرات فهذا في حكم المصحف، لأنه كالمصحف تماماً إلا أن حواشيه لم يخل من كتابات بل كتب فيها تفسير هذه الآيات، أما الكتب العلمية ككتب الفقهاء وكتب المفسرين وغيرها وإن تضمنت القرآن كله أو تضمنت آيات كثيرة منه فإنها ليست بمصاحف.
إذن الراجح مذهب الجمهور من أن مس المصحف يشترط فيه أن يتوضأ ماسه.
واعلم أن المس يصدق على أي موضع من مواضع اليدين فليس مختصاً بباطن اليد ولا بظاهرها ولا نحو ذلك؛ لأن المس يصدق على كل مباشرة من غير حائل فمتى باشر المصحف من غير أن يكون بينه وبينه حجاب سواء كان ذلك بيديه أو بأي موضع من مواضعه كأن أن يضعه على وجهه أو نحو ذلك، كل هذا محرم وهو من مس القرآن، لأن لفظة المس تصدق على ذلك.
وهل يؤذن للصبيان أن يمسوا المصاحف بلا وضوء كما يكون هذا في الكتاتيب وغيرها؟
قولان لأهل العلم:
فالمشهور في مذهب الحنابلة: أنه لا يجوز لهم مسه إلا بوضوء.
وذهب المالكية وهو وجه عند الحنابلة: إلى أنه يجوز لهم ذلك.
والقول الثاني هو الراجح؛ لأنهم غير مكلفين ثم إن في تكليفهم ذلك مشقة وحرج، فلما كان الأمر كذلك لم يشترط أن يتوضؤوا ولكن على وليهم أن يرشدهم إلى الوضوء عند إرادة المصحف من غير أن يجب ذلك عليهم.
وقوله: (والصلاة)
فالصلاة تحرم على المحدث وهذا بالإجماع، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) 1 متفق عليه.
وفي مسلم: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور) 2 فقد أجمع أهل العلم علي أن الصلاة لا تجوز بغير وضوء ولا فإن فعل فإنه قد فعل معصية من المعاصي وارتكب خطيئة لا يكفر بها خلافاً لأبي حنيفة لعدم الدليل الدال علي تكفيره لكن إن فعل ذلك مستهزءاً بالصلاة أو مستحلاً لهذا الفعل المحرم، فهو كافر لإجماع العلماء علي شرطية ذلك.
إذن: لا يكفر بذلك إلا إذا كان هذا مستهزءاً أو مستحلاً وهذا هو مذهب جماهير أهل العلم.
قوله: (والطواف)
أي يشترط للطواف بالبيت أن يتوضأ، وهذا مذهب جمهور الفقهاء.
واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم: (لما قدم مكة كان أول ما بدأ أن توضأ ثم طاف بالبيت) وقد قال صلى الله عليه وسلم: (لتأخذوا عني مناسككم) (1)
قالوا: فقد فعله وقال: (لتأخذوا عني مناسككم) واستدلوا: بما رواه الترمذي والنسائي وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الطواف في البيت صلاة إلا أن الله قد أحل به النطق فمن نطق فلينطق بخير) 1 وفي رواية: (فأقلوا فيه الكلام) 2 والحديث صحيح مرفوعاً، وموقوفاً " على ابن عباس ".
قالوا: وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الطواف بالبيت صلاة) ومن شروط الصلاة الطهارة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (مفتاح الصلاة الطهور) 1 .
- وذهب الإمام أحمد في رواية عنه وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، وهو مذهب طائفة من السلف: أن الوضوء ليس بشرط للطواف.
قالوا: لأن الله لم يوجب ذلك ولا رسوله ولا إجماع في هذه المسألة.
قال ابن القيم: " ولا نص ولا إجماع لاشتراط الطهارة – أي في الطواف – بل قد وقع فيه النزاع قديماً وحديثاً " وذكر شيخ الإسلام أنه قد وقع النزاع فيه بين السلف.
قالوا: وهذا هو الأصل فإنا لا نوجب إلا ما أوجبه الله ورسوله أو ما أجمعت عليه الأمة.
قالوا: والنبي صلى الله عليه وسلم لم تثبت عنه في حججه ولا عمره أنه أمر الناس بالوضوء.
وما ذكرتموه من الأدلة فإنها لا تدل على المطلوب وهو فرضية الوضوء، وإنما تدل على مجرد استحبابه فإن وضوء النبي صلى الله عليه وسلم قبل طوافه هذا فعل والفعل لا يدل على الوجوب.
وأما كونكم تستدلون بقوله: (لتأخذوا عني مناسككم) 2 ، فإنكم لم تستدلوا بهذا الدليل على مسائل هي أعظم من الوضوء، فإن المسائل المتصلة بالطواف نفسه كالاضطباع والرمل ونحو ذلك من مسائل الطواف، هذه مسائل متصلة بالطواف نفسه ومع ذلك لم توجبوها، بل جعلتموها من السنن والمستحبات باتفاقكم فأولى منها ما هو خارج عنه وهو الوضوء وغاية الأمر أن يدل ذلك على استحباب الوضوء.
فإذن: لا يستدل مطلقاً على إيجاب كل فعله 1 - النبي صلى الله عليه وسلم - بقوله: (لتأخذوا عني مناسككم) .
وأما الحديث: فإنه لا يصح الاستدلال به على هذا المطلوب بدليل: أن هذا الحديث قد ذكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم أن الله قد أحل النطق، وقال هو موضع استدلالهم: (الطواف بالبيت صلاة) ، فظاهر اللفظ غير الواقع، فإن ظاهره أن كل ما في الصلاة ثابت بالطواف، وهذا ليس بصحيح، فإن غالب مسائل الصلاة لا تثبت مسائل بالطواف كالأكل والشرب والحركة الكثيرة والالتفات الكثير ونحو ذلك مما حرم بالصلاة بالإجماع، وهو جائز في الطواف بالإجماع، فغالب مسائل الصلاة ليست ثابتة بالطواف.
وأعظم من ذلك أن الطواف لو كان صلاة حقيقة لافتتح بالتكبير واختتم بالتسليم، كما قال صلى الله عليه وسلم: (مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم) 2 وليس في الطواف بالاتفاق تكبير مفترض ولا تسليم مطلقاً.
فإذن: يكون قول النبي صلى الله عليه وسلم: (الطواف بالبيت صلاة) ليس مراده أنه صلاة له أحكام الصلاة، وإنما المراد أنه عبادة يتقرب بها إلى الله، وهي عبادة متصلة بالبيت كاتصال الصلاة وأنه مأجور عليها بنية ما يؤجر عليه في الصلاة.
فيكون نظير قوله صلى الله عليه وسلم: (فإن أحدكم في صلاة ما كانت الصلاة تحبسه) 1 ، فإن الرجل الذي ينتظر الصلاة قد نص الشارع أنه في صلاة مع أنه ليس في الصلاة حقيقة لكنه في عبادة هي انتظار للصلاة، ومع ذلك بالإجماع لا يشترط فيه ما يشرط في المصلي، وكذلك إذا غدا إلى المسجد أو راح فإنه في صلاة كما ثبت في أبي داود – ومع ذلك فإنه لا يجب عليه ما يجب على المصلى.
إذن: يقال: حديث: (الطواف بالبيت صلاة) لم لا تستدلون به على تحريم الأكل والشرب أو غير ذلك من المسائل، فعلى ذلك: ليس المراد أنه في حكم الصلاة، وإنما المراد نظير قوله: (فإن أحدكم في صلاة) أي عليه أن يكون في سكينة ووقار وانضباط، فكما أنه إذا ذهب إلى المسجد فيجوز له ما يحرم على المصلي من الأحكام، لكنه عليه أن يكون في سكينة ووقار فكذلك هنا، عليه أن يكون كهيئة مشيته إلى الصلاة بسكينة ووقار، فيقلّ من الكلام والحركة ونحو ذلك، لكن ذلك كله جائز لا حرج فيه إلا ما دل دليل على تحريمه والنهي عنه.
وهذا – كما تقدم – هو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وهو الراجح.
فالراجح أن الطواف بالبيت لا يشترط فيه الوضوء.
وهل يجوز له أن يطوف وهو محدث حدثاً أكبر وهل تطوف الحائض؟
محل هذا في غير هذا الباب، فسيأتي الكلام على هذا في باب الحج، والمسألة الأولى في باب الغسل إن شاء الله تعالى.
والحمد لله رب العالمين.
انتهى باب نواقض الوضوء
الدرس الثاني والثلاثون (يوم الجمعة: 25 / 11 / 1414 هـ) باب الغسل
الغُسل: لغة هو فعل الاغتسال، ويصح أيضاً بالفتح (الغَسل) والأول أشهر.
إلا أن الفتح أشهر في الماء الذي يغتسل به، فإنه يطلق عليه غَسلاً 1 بالفتح على الأشهر، ويطلق عليه غُسلاً بالضم، ويسمى مُغتسلاً وغسولاً، وأما الغِسل بالكسر: فهو ما يغسل به الرأس من خطمي أو أشنان ونحوهما.
قال المؤلف رحمه الله: (موجبه خروج المني دفقاً بلذة، لا بدونها من غير نائم)
(موجبه) : أي موجب الغسل وستأتي صفته الواجبة وصفته المستحبة.
(خروج المني دفقاً بلذة لا بدونها) : هذا موجبه الأول وهو خروج المني دفقاً لقوله تعالى: ﴿من ماء دافق﴾ 2 بلذة لقوله صلى الله عليه وسلم – كما في مسلم -: (إنما الماء من الماء) 3 وفي أبي داود: (إذا فضخت فاغتسل) 4 ، وفي المسند بإسناد حسن: (إذا حذفت فاغتسل وإن لم تكن حاذفاً فلا تغتسل) 5 فلا يجب الغسل إلا بخروجه بلذة.
فإن خرج بغير لذة كأن يخرج مرضاً أو نحوه من برد وغيره فإنه لا يثبت به نقض الطهارة الكبرى.
(لا بدونهما) : أي لا بدون الدفق بلذة.
(من غير نائم) : ونحوه كسكران ونحوه ممن زال عقله أو مغمى عليه، فإن هؤلاء متى خرج المني منهم فإنه يثبت به النقض أي نقض الطهارة الكبرى سواء كان ذلك بلذة أم لا، لأنه قد زال عقله فلا يمكن أن يحكم هل ثبتت اللذة أم لا.
يدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين أن امرأة قالت يا رسول الله: (إن الله لا يستحي من الحق فهل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟) فقال: (نعم إذا رأت الماء) 1 فعلق النبي صلى الله عليه وسلم الحكم بالاحتلام، وغيره مثله علق برؤية الماء، فبمجرد رؤية الماء يثبت نقض الطهارة الكبرى.
إذن: الناقض الأول هو خروج المني دفقاً بلذة، لا بدونها من غير نائم.
قوله: (وإن انتقل ولم يخرج اغتسل له)
رجل جامع ولكنه لم ينزل لكن المني قد جانب موضعه الأصلي ولم يخرج بعد، قالوا: فينقض بذلك الطهارة الكبرى.
وعللوا ذلك: بأن الجنابة هي مجانبة الماء " أي المني " لموضعه، فإذا جانب الماء موضعه أي باعد فهذه جنابة، وقد قال تعالى: ﴿وإن كنتم جنباً فاطهروا﴾ .
وذهب عامة أهل العلم وهو اختيار بعض كبار الحنابلة كالموفق وهو اختيار شيخ الإسلام: إلى أن النقض لا يثبت بمثل هذا، بل لا يثبت إلا بخروجه، واستدلوا: بحديث: (إنما الماء من الماء) وحديث: (نعم إذا رأت الماء) ، والماء لم يثبت خروجه بعد.
وأما من حيث الاستعمال اللغوي فإن الجنابة لا تسمى جنابة إلا إذا فارقت البدن كله وجانبته.
أما وقد فارق موضعه إلى موضع آخر من البدن نفسه فليس بجنب: ﴿وإن كنتم جنباً فاطهروا﴾ وهذا ليس بجنب حتى يفارق ويباعد الماء البدن كله.
فإذن الراجح وهو مذهب جماهير العلماء – خلافاً للمشهور من المذهب – أن الماء إذا فارق موضعه فإنه لا يثبت به النقض، بل لا يثبت النقض إلا بخروجه على الصفة المتقدمة.
كما أن تحرك الريح في المعدة لا يعتبر ناقضاً إلا بخروجها وهذا بإجماع أهل العلم – فكذلك هنا في هذه المسألة فيصح قياسها عليها.
قوله: (فإن خرج بعده لم يعده)
رجل خرج منه المني دفقاً بلذة فاغتسل ثم خرجت منه قطرات بعد اغتساله – فلا يجب عليه الغسل.
وعلة ذلك: لأنه لم يخرج بلذة، ولأنه قد اغتسل بعد خروجه وهذا تبع للمتقدم الذي قد ثبت الاغتسال له وإنما هما فعل واحد.
إذن: إذا خرج شيء من المني بعد الاغتسال فإنه لا يجب فيه الغسل مرة أخرى؛ لأنه قد اغتسل لأصله، ولأنه كذلك لا تتوفر فيه الشروط المتوفرة في الماء الناقض للطهارة الكبرى وهي كونه دفقاً بلذة.
- فإذا احتلم ولم ير ماءً أي بللاً بمعني: يذكر احتلاماً ولا يجد بللاً فلا يجب عليه إجماعاً الغسل.
والعكس بالعكس: فإذا رأى بللاً وعلم أنه مني ولم يذكر احتلاماً، فإنه يجب عليه الغسل؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (نعم إذا رأت الماء) 1 . إذن: إذا رأى بللاً وعلم أنه ماء الرجل فإنه يجب عليه الغسل وإن لم يذكر احتلاماً.
والعكس بالعكس فلو ذكر احتلاماً ولم يجد بللاً فإنه لا يجب عليه – إجماعاً – الغسل.
فإذا رأى بللاً وشك أهو مني أم مذي فما الحكم؟ فالحكم أن يقال: إذا سبق نومه دواعي خروج المذي كفكر أو نظر وغيرها – فإنه يحكم بأنه مذي.
أما إذا لم تكن هذه الدواعي موجودة:
- فالمشهور في المذهب: أنه يثبت له حكم المني فيجب الغسل.
قالوا: لأن الغالب فيما يخرج بعد المنام أن يكون منياً، فما دام هذا هو الغالب ولم يسبقه ما يغير هذا الأصل الذي أصلناه – من عدم وجود سبب المذي من فكر ونظر – نحكم عليه بأنه مني
إذن: إذا رأى ماءً فلم يدري 1 أمذي هو أم مني، فيقال له:
إن سبق نومك دواعي المذي من فكر ونظر فهو في حكم المذي فيجب عليه الوضوء.
أما إن لم تكن هذه الدواعي موجودة فهو مني.
وعن الإمام أحمد – رواية – وهو أقوى من المذهب المتقدم –: أنه يجب عليه الغسل إن ذكر احتلاماً.
بمعني: رجل رأى احتلاماً، ووجد ماءً لا يدري أهو مني أم مذي، فإنه يجب عليه الغسل – على هذا القول –.
فإن لم يذكر احتلاماً فلا.
وهناك قول ثالث – اختاره الشيخ محمد بن إبراهيم وهو رواية – عن الإمام أحمد، قالوا: لا يجب عليه الغسل مطلقاً؛ لأن الطهارة الكبرى متيقنة فلا تزول بمجرد الشك.
فهنا يشك هل هو مذي أم مني ولم يتيقن فلا نتزحزح عن اليقين المتقدم إلا بيقين.
وأقواها فيما يظهر لي القول الوسط 2 ، والذي جعلنا نتزحزح عن الأصل هو وجود قرائن قوية منها: عدم دواعي المذي، ومنها أيضاً: كونها في منام، ومنها - وهو أقواها -: أنه يذكر احتلاماً.
مع أن القول الثالث فيه قوة لقوله: (نعم إذا رأت الماء) فعلق الحكم برؤية الماء، وهنا لا يمكن أن يقال إنه قد رأى الماء - مع كونه قد احتلم - لكونه قد شك فيه، ولا يعد الشاك رائياً.
إذن هناك ثلاثة أقوال:
الأول: أنه تنتقض بذلك الطهارة الكبرى.
الثاني: أنها لا تنتقض إلا إذا كان هناك احتلاماً.
الثالث: أنها لا تنتقض مطلقاً.
قوله: (وتغيب حشفة أصلية في فرج أصلي قبلاً كان أو دبراً ولو من بهيمة أو ميت)
(حشفة) : هي ما يكون أعلى الذكر أو أعلى الفرج.
(تغيب) : أي إخفاء.
(حشفة أصلية) 1 : ليخرج حشفة الخنثى المشكل فإنها تستثنى؛ لأنها ليست بأصلية – وهذه فروع على نادر جداً.
(في فرج أصلي) : كذلك لابد أن يكون الفرج ليس فرج خنثى مشكل؛ لأنه ليس أصلياً.
(ولو من بهيمة وميت) : وكذلك (غير إنسي) كأن يكون جنياً، على القول بثبوت هذا أي إمكان جماع الإنسي للجنية أو الجني للإنسية، فإذا وقع هذا فإنه يجب الغسل.
فإذن: تغييب الحشفة الأصلية في فرج أصلي قبلاً كان أو دبراً (ولو من بهيمة وميت) يوجب الغسل وليس البحث هنا في تحريم ذلك بل البحث في فرضية الغسل.
ودليل هذا – أي أنه إذا التقى الختانان وثبت الإيلاج فيجب الغسل، ما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قعد على شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل) وفي رواية: (وإن لم ينزل) 2
، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل) 1 رواه أحمد وأبو داود والنسائي بإسناد صحيح.
فإن قيل: فما الجواب علي ما ثبت في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم (أمر من أكسل أن يغسل ما مس من امرأته ويتوضأ) 2
فالجواب: أن هذا الحديث منسوخ، فقد ثبت في أبي داود والنسائي والترمذي بإسناد صحيح عن أبي بن كعب قال: (كانت الفتيا التي يقولون (الماء من الماء) رخصةً رخص الله بها ثم أمر بالاغتسال بعد) 1
وهذا مذهب جماهير أهل العلم، أما إذا مس الختان الختان من غير إيلاج فلا يجب الغسل إجماعاً، وإنما يثبت الغسل بالإيلاج.
قوله: (وإسلام كافر)
إذا أسلم الكافر فيجب عليه أن يغتسل سواء كان 1 قد وقع في الجنابة في حال كفره أو لم يكن، وسواء كان كافراً أصلياً ثم أسلم أو كان مرتداً، فيجب عليه الغسل؛ لما ثبت عند الخمسة إلا ابن ماجه بإسناد جيد عن قيس بن عاصم أنه أسلم: (فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يغتسل بماء وسدر) 2 ، وثبت في مسند أحمد بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما أسلم ثمامة بن أثال: (اذهبوا به إلى حائط بني فلان فمروه أن يغتسل) 3
فهذان الحديثان حجة للحنابلة والمالكية خلافاً للشافعية والأحناف – في وجوب الاغتسال لمن أسلم سواء كان كافراً أصلياً أو مرتداً أو سواء ثبتت عليه الجنابة قبل إسلامه أو لم تثبت.
وحجة أهل القول الثاني: أن مثل هذه المسألة يجب أن تنتشر انتشاراً واضحاً فيثبت بأحاديث متواترة أو ظاهرة مشهورة؛ لأن الذين أسلموا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لا حصر لهم فهم كثرة كاثرة ومع ذلك لم يثبت إلا هذين الحديثين.
لكن هذا التعليل لا يرد بمثله الأحاديث الصحيحة؛ لأنه ليس من شروط الحديث الصحيح أن يكون متواتراً أو مشهوراً بل متى ثبت وصح فإنه يجب الاحتجاج والعمل به.
قال الأحناف: لا يجب عليه الغسل مطلقاً.
وقال الشافعية: يجب عليه إن أجنب في حال كفره وإن اغتسل في حال كفره، وإلا فلا يجب عليه الغسل.
لكن القول الأول هو الراجح وهو وجوبه مطلقاً.
قوله: (وموت)
كذلك الموت فيجب فيه الغسل وليس ذلك لكونه حدثاً أي لرفع الحدث، لكن هذا الحكم يتعدى، وقد قال صلى الله عليه وسلم – فيمن وقصة راحلته فمات -: (اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه) 1 ، وقال صلى الله عليه وسلم في ابنته: (اغسلنها بماء وسدر) 2 والحديثان متفق عليهما، وفيهما وجوب غسل الميت.
قوله: (وحيض ونفاس)
إجماعاً، فيجب الغسل فيها وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم: قال: (إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي) 1
فالحائض يجب عليها أن تغتسل ومثلها النفاس، والنفاس حكمه حكم الحيض، فإنما هو دم يخرج من الرحم.
وما هو إلا الدم المتجمع في الرحم عند توقف الحيض عن الحامل، فهو دم خارج من الرحم بل في الظاهر أنه نفس الدم الذي يخرج من المرأة في أيام عادتها، وقد منع خروجه الحمل، وقد خرج بعد ذلك من رحمها فيجب عليها الغسل.
لكن يستثنى من ذلك قوله:
(لا ولادة عارية من الدم)
وهذا قد يكون في غاية الندرة، فلا يجب عليها أن تغتسل لعدم وجود الدم، والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، ولم يكن بمعنى المنصوص عليه أو المجمع عليه.
فإذا ثبت مثل هذا فلا يجب عليها الغسل.
والحمد لله رب العالمين.
الدرس الثالث والثلاثون
(يوم السبت: 26 / 11 / 1414 هـ)
قال المؤلف رحمه الله: (ومن لزمه الغسل حرم عليه قراءة القرآن)
(من لزمه الغسل) : أي وجب عليه الغسل، فانتقضت طهارته الكبرى فيحرم عليه أن يقرأ القرآن.
وقد تقدم أن الجنب ينهى عن مس المصحف لحديث: (وأن لا يمس القرآن إلا طاهر) 2 ، أما هنا فهو حكم قراءة القرآن للجنب، فقال المؤلف: (ومن لزمه الغسل حرم عليه قراءة القرآن) فيدخل في ذلك الحائض والنفساء فإنه يجب عليهن الغسل.
فيحرم على من لزمه الغسل – قراءة القرآن آية فصاعداً بقصد القراءة.
أما لو دعا أو ذكر الله بآيات قرآنية فلا يثبت عليه هذا الحكم، فلو دعا بقول: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) 1 أو قال دعاء الركوب وفيه: (سبحان الذي سخر لنا هذا) 2 ، أو قال: (إنا لله وإنا إليه راجعون) 3 أو: (الحمد لله رب العالمين) أو: (بسم الله الرحمن الرحيم) فهي آيات قرآنية لكنه لم يقصد بها القرآن، فإذا لم يقصد بها القرآن فلا بأس.
وما ذكره - من أنه يحرم على من لزمه الغسل قراءة القرآن - وهو مذهب الجمهور، وأنه يحرم على الحائض والجنب قراءة القرآن، واستدلوا:
بما رواه الخمسة عن علي بن أبي طالب قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرئنا القرآن ما لم يكن جنباً) 1 .
وبما رواه الترمذي وابن ماجه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن) 1 .
قالوا: فهذه أدلة تدل على أنه لا يجوز له أن يقرأ القرآن.
قالوا: وهو مذهب علي بن أبي طالب، فقد ثبت عنه عند الدارقطني وعبد الرزاق وابن أبي شيبة (2) بإسناد صحيح أنه قال: (اقرؤوا القرآن ما لم يكن أحدكم جنباً، فأما إن كان أحدكم جنباً فلا ولا آية) .
إذن هذا هو مذهب جماهير العلماء.
وذهب بعض الفقهاء: إلى أن قراءة القرآن للجنب جائزة وأن الجنب لا يمنع من قراءة القرآن.