فإذا ثبت طبياً أن له أثراً على البدن فإنه ينهى عنه لحديث: (لا ضرر ولا ضرار) 12
ولم يثبت عندي أن ذلك فيه أثر طبي، فيبقى ذلك على الخيار.
فإذا نقل من طريق الثقات عن الأطباء، أو أثبته الأطباء في كتبهم فإنه ينهى عنه لضرره.
قوله: (أو بطاهر لم يكره) :
كذلك إذا سخن بطاهر قال (لم يكره) .
ـ قد يستغرب البعض فيقول: هذا طاهر وسخن، فكيف يذكر، فإن مثل هذا أمر معلوم لا يحتاج إلى ذكر؟؟
والجواب على ذلك:
ـ أن مراده كون الماء ساخناً حاراً، أي هل يكره للمسلم أن يستخدم الماء الحار الساخن أم لا يكره له ذلك؟؟
فليست المسألة في كونه سخن بطاهر وإنما المسألة بكونه ماءً ساخناً، فهل يكره ذلك أم لا؟؟
قال: (هو طهور ولا يكره) :
ولا شك في طهوريته لكن قد يقع في القلب شيء من اعتقاد كراهيته؛ ذلك لإخراجه عن أصل الماء وطبيعته وهو ليس بمكروه بل قد ثبت عن بعض الصحابة رضي الله عنهم، الاغتسال به.
ـ من ذلك: ما رواه الدارقطني أن عمر ـ رضي الله عنه ـ (كان يسخن له ماءً في قمقم "الجرة" فيغتسل منه) 1 .
وثبت عند ابن أبي شيبة بإسناد صحيح أن ابن عمر كان يغتسل بالحميم) (2) .
ـ وإنما ينهى عنه وضوءاً أو غسلاً إذا كان مانعاً لإكمال الطهارة، ومثله البارد برداً شديداً، فإنه إذا كان مؤثراً في إتمام الطهارة فإنه ينهى عنه.
إذا كان بسبب شدة حرارته أو شدة برودته يؤثر في كمال الطهارة فإنه ينهى عنه لذلك أما إذا كان ساخناً سخونة أو بارداً برودة لا تؤثر في تمام الطهارة، فإنه حينئذ لا يقال بكراهيته مطلقاً.
قوله: (وإن استعمل في طهارة مستحبة كتجديد وضوء، وغسل جمعة، وغسلة ثانية وثالثة كره) :
ما هو الماء المستعمل؟
الجواب: الماء المستعمل هو الماء المتساقط من الأعضاء بمعنى: عندما يجري الماء على الأعضاء ويتساقط منها قد يجتمع فهذا المجتمع هو الماء المستعمل الذي يبحث فيه الفقهاء.
ـ هذا الماء المستعمل وهو المتساقط من أعضاء المتوضئ أو المغتسل له ثلاثة أحوال:
1ـ الحال الأولى: أن يكون متساقطاً عن حدث سواء كان حدثاً أصغر أو حدثاً أكبر وسيأتي الكلام عليه.
والحنابلة يرون أن الماء يكون طاهراً، فلا يصح التطهر به.
2ـ الحال الثانية: وهي المذكورة هنا: وهي ألا يكون عن حدث لكنه عن طهارة مستحبة كتجديد وضوء أو غسل جمعة أو غسل عيد أو غسل يوم عرفة أو غسلة ثانية وثالثة، فإن المتساقط عن غسلة ثانية وثالثة ليس عن حدث، ومثل ذلك ما يكون عن غسل جمعة أو وضوء مستحب، فإن ذلك كله ليس عن حدث.
فما حكم هذا الماء؟
الجواب:
هنا قال: (كره) ، إذن هو مكروه عندهم.
قالوا: للخلاف فيه، فقد اختلف فيه هل هو طهور أم لا، فلما كان الأمر كذلك قلنا بكراهيته خروجاً من الخلاف.
وقد تقدم أن هذا تعليل ضعيف.
ـ فإن قيل: هل فيه خلاف؟؟
فالجواب: أنه قد ذهب بعض الحنابلة إلى أن الماء المتساقط من الوضوء المستحب أو الغسل المستحب هو كالمتساقط من الغسل الواجب أو الوضوء الواجب لا فرق قالوا: كلاهما طهارة.
والصواب: أن بينهما فرقاً، فإن ذاك غسل أو وضوء عن حدث.
وهذا وضوء أو غسل عن غير حدث ففرق بين الأمرين، وسيأتي أن الصحيح أن كليهما طهور لا شيء فيه.
إذن: الحنابلة في المشهور عنهم كرهوه لوجود الخلاف فيه، فإذا توضأ الرجل وضوءاً مستحباً فصار الماء يقع على الإناء فيكره أن نستعمله في طهارة.
فإذا تساقط عن حدث فإنه لا يحل له.
3ـ وهناك صورة ثالثة: اتفق العلماء على أن الماء المتساقط فيها أنه ليس بمكروه بل هو طهور لا كراهية فيه وهو: ما إذا تساقط فيه عن غير حدث وعن غير طهارة مستحبة بل عن تبريد ونحوه.
مثلاً: رجل اغتسل للتبريد ونحوه فتساقط الماء فهو ليس عن حدث ولا عن طهارة مستحبة بل للتبريد، فإن الماء يكون طهوراً لا كراهية فيه باتفاق العلماء.
إذن أصبح عندنا ثلاث صور، الراجح فيها كلها أن الماء طهور لا كراهية فيه.
أما على المذهب:
فالأولى (1) : الماء يكون طاهراً وليس بطهور.
والثانية 1 : الماء يكون فيها طهوراً مكروهاً.
والثالثة 2 : الماء فيها طهور وليس بمكروه.
والله أعلم.
والحمد لله رب العالمين.
قوله: ((وإن بلغ قلتين وهو الكثير، وهما خمسمئة رطل عراقي تقريباً، فخالطته نجاسة غير بول آدمي أو عذرته المائعة فلم تغيره، أو خالطه البول أو العذرة، ويشق نزحه كمصانع طريق مكة فطهور)) :
قلتين: تثنية قلة، وهي مقدار معروف مشهور عند العرب، ويسمى بالقلة الهجرية نسبة إلى هجر التي شبّه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نبق سدرة المنتهى بقلالها وهذه القلة ذكر المؤلف أنها تسع (500 رطل) عراقي وهذه ليست من المقاييس المشهورة عندنا.
وهي تساوي في المقاييس المشهورة ثلاثة وتسعون صاعاً نبوياً وثلاثة أرباع الصاع النبوي، (¾ 93 صاع نبوي) .
وهو ما يساوي في المقاييس الحاضرة مئتان وسبعون لتراً (270 لتراً) .
وهما ـ أي القلتان ـ تساويان خمس قرب.
ـ هذه المسألة ذات شطرين.
1ـ الشطر الأول: أن هناك تقسيم للماء من حيث الكثرة والقلة، وأن الماء ينقسم إلى قليل وكثير، وأن ضابط الكثير هو ما بلغ القلتين، فما بلغ قلتين فأكثر فهو الكثير، وما نقص عن ذلك فهو القليل هذا هو أصل المسألة.
2ـ الشطر الثاني: أن الماء الكثير البالغ قلتين إذا وقعت فيه نجاسة ولم يكن بول آدمي أو عذرته فإن الماء إذا لم يتغير فهو طهور.
أما إن خالطه البول أو العذرة من الآدمي فهو نجس وإن كان كثيراً لم يتغير.
3ـ وهناك شطر ثالث وهو تبع للشطر الثاني:
وهو: أنه إذا كان هذا الكثير الذي وقع فيه البول أو العذرة من الآدمي ولم يتغير إذا كان ما وقع فيه يشق نزحه عنه فإنه طهور.
ـ إذن أصبح ينقسم الماء إلى قليل وكثير:
أما القليل: فإنه ينجس عندهم بمجرد الملاقاة سواء تغير أو لم يتغير.
فإذا وقعت نجاسة، أياً كانت هذه النجاسة سواء في قربة أو قربتين أو ثلاث دون القلتين فإن الماء ينجس وإن لم تغير رائحته أو طعمه أو لونه.
ـ فإن كان الماء كثيراً فإنه لا ينجس إلا بالتغير سوى بول الآدمي وعذرته فإنهما ينجسان الماء كما لو كان قليلاً بمجرد الملاقاة، لكن يستثنى من ذلك إن شق نزحه بأن شق إخراج الماء من هذه البئر أو البركة لكثرته فإنه إن شق نزحه أي استخراجه حتى يتغير ويوضع مكانه ماء آخر فإنه حينئذ يكون طهوراً لمشقة ذلك والمشقة تجلب التيسير.
هذا هو تقرير المذهب.
ـ وذهب بعض فقهاء الحنابلة وهو المشهور عند المتأخرين منهم، فهذا القول قد اختاره أكثر المتأخرين: إلى أنه لا فرق بين النجاسات، فلا فرق بين بول الآدمي وعذرته، وبين سائر النجاسات.
إذن: المشهور في المذهب وهو مذهب المتقدمين أن بول الآدمي وعذرته إذا وقعت في ماء كثير فإنه يتنجس.
إلا إذا كان ذا كمية كثيرة شق نزحها، فإنه لا ينجس لا لشيء إلا لمشقة ذلك والمشقة تجلب التيسير.
ودليلهم على التفريق بين بول الآدمي وعذرته وبين غيرها من النجاسات، دليل ذلك: ما ثبت في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه) 1 . وفي رواية: (منه) .
قالوا: فهنا أطلق في الماء الذي لا يجري، فيدخل في ذلك الماء الكثير والماء القليل، فدل ذلك على أن البول إذا وقع على الماء الدائم الذي لا يجري سواء كان كثيراً أو قليلاً فإنه ينجس، ولا فرق بين أن يتغير أو لا يتغير بل قد أطلق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ذلك.
ـ أما الذين ذهبوا إلى أنه لا فرق بين وقوع البول والعذرة وبين وقوع سائر النجاسات، فقالوا: إن هذا الحديث لا يدل على ما قلتموه، فإن الحديث ليس فيه أن الماء ينجس بذلك بل قد نهى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن هذا لأمرين اثنين:
1ـ الأمر الأول: أن ذلك ذريعة لتنجيسه، فإن الماء الدائم الذي لا يجري، إذا وقعت فيه النجاسة اليسيرة التي لا تغيره ثم أهمل ذلك ولم ينه عنه فتكرر ذلك فإن ذلك سوف يؤول إلى تنجيس هذا الماء وهو ماء دائم لا يجري ليس كالأنهار أو كالبحار التي تجري وهي كثيرة بحيث أن مثل ذلك لا يؤثر فيه.
2ـ أما الأمر الآخر: قُبْح الجمع بين الأمرين، بين أن يبول فيه وبين أن يغتسل منه أو فيه، وذلك كقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في المتفق عليه: (لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد ثم بجامعها) 1 ، فالجمع بين الأمرين قبيح وليس فيه أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حكم على هذا الماء بالتنجس، فحينئذ لا فرق بين بول الآدمي وعذرته وبين غيرهما من النجاسات.
ـ ثم إن قولهم يلزم منه أن يكون بول الكلب والخنزير أو نحو ذلك أنه ليس له هذا الحكم، وبول الآدمي له هذا الحكم وهذا لا شك باطل.
فإذن الراجح أنه لا فرق بين الأمرين وهذا هو المشهور عند المتأخرين.
إذن الماء إذا وقعت فيه النجاسة فلم تغيره وهو كثير فالأصح من قولي المذهب أنه لا فرق بين بول الآدمي وعذرته وبين غيرهما من النجاسات.
ـ تقدم التفريق بين القليل والكثير وأن ضابطه أن الكثير ما بلغ قلتين فأكثر، والقليل ما دون ذلك، والدليل على هذا:
ما رواه الخمسة بإسناد صحيح أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث) 1 . وهذا الحديث صحيح، صححه جماهير العلماء منهم يحيى بن معين والدارقطني والنووي وابن حجر وابن منده وغيرهم من أهل العلم.
ـ وذهب بعض الحفاظ إلى تضعيفه كابن عبد البر وأعله المزي وابن تيمية بالوقف، وأعله ابن القيم بعدم شهرته عند أهل العلم.
ـ إذن هم استدلوا بهذا الحديث ورأوا صحته، وقد صححه ـ كما تقدم ـ جماهير أهل العلم، وهو الراجح فإنه صحيح، والطعن فيه ضعيف.
فهذا الحديث يدل على أن الماء إذا بلغ قلتين فإنه لا يحمل الخبث، قالوا: ومفهومه أنه إذا كان دون القلتين فإنه يحمل النجاسات والأخباث فيكون حينئذ نجساً خبيثاً.
هذا هو مذهب الحنابلة والشافعية.
ـ القول الثاني: هو مذهب مالك واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهما من المحققين: وهو مذهب بعض الحنابلة كابن عقيل 1 ، قالوا:
لا فرق بين قليل الماء وكثيره، بمعنى: أن الماء لا ينجس إلا بالتغيير قليلاً كان أو كثيراً، فإذا وقعت النجاسة في الماء فإننا ننظر فإن حملها وتنجس بها وظهرت رائحة النجاسة فيه أو طعمها أو لونها، فإن الماء يكون نجساً وإلا فهو طاهر لا فرق بين قليل أو كثير بلغ القلتين أو لم يبلغهما واستدلوا بالحديث الذي رواه الثلاثة (أبو داود والترمذي والنسائي) ، وصححه الإمام أحمد وهو كما قال، أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ سئل عن بئر بضاعة، وهي بئر تلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن، فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم: (إن الماء طهور لا ينجسه شيء) (1) .
فهنا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد أثبت للماء الطهورية وأنه لا ينجسه شيء أي 1 إلا ما غيره وبدله، فعلَّق النبي عليه الصلاة والسلام الحكم بالطهورية وجعل الماء متصفاً بهذه الصفة ملازماً لها لا ينجسه شيء ولم يربط ذلك بتحديد بقلتين ولا بغيرهما.
قالوا: والحديث الذي استدللتم به حديث ضعيف، فقد رواه مجاهد عن ابن عمر موقوفاً من قوله 2 ، وهذا الحديث لم يشتهر عن غير ابن عمر وهو أمر عظيم فيه تحديد في المياه، فينبغي أن يشتهر كالتحديد في الزكاة ونحوها.
ـ ولكن الراجح أن هذا الحديث صحيح، وأما تعليلهم بالوقف له فهو ضعيف؛ لأنه قد رواه عنه ليث بن أبي سليم، وليث ضعيف.
ثم إنه هنا لا يعلل رفعه بوقفه، فلو صح موقوفاً لصحّ أن يكون أيضا مرفوعاً إذ الإسنادان كلاهما صحيح لا مرجح لأحدهما على الآخر.
ومادام أنه لا مرجح لأحدهما على الآخر فإننا نقبله مرفوعاً وموقوفاً.
ـ أما التعليل بعدم الشهرة، فنقول: هذا حديث ثابت صحيح رواه كثير من الأئمة في كتبهم وصححه جماعات كثيرة من أهل العلم، فلا يشترط فيه الشهرة المقصودة المطلوبة، ثم إنه سيأتي تأويل له يدل على أنه ليس كتحديد الزكوات ولا غيرها، وهو الوجه الثاني لإثبات هذا القول.
ـ وهو أن يقال: إن هذا الحديث ليس فيه أن الماء إذا كان دون القلتين فإنه ينجس.
وإنما فيه إثبات أن الماء إذا بلغ القلتين فإنه لا يحمل الخبث لكثرته وقوته.
وأنه إذا كان دون القلتين فإنه قد يحمل الخبث لضعفه.
إذن هذا الحديث فيه إخبار من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن الماء الكثير لكثرته لا يحمل الخبث، فليس فيه أن الماء القليل يحمل الخبث بل فيه إلفات النظر والانتباه إلى هذا الماء، فإنه لقلته قد يحمل الخبث فعليك أن تنظر فيه وأن تتحرز من تغيير النجاسة له.
إذن هذا الحديث ليس فيه أن الماء إذا كان دون القلتين فإنه يحمل الخبث، ثم إنه لو كان فيه ذلك فإنه مفهومه، ودلالة المنطوق مقدمة على دلالة المفهوم؛ لأن قوله (إن الماء طهور لا ينجسه شيء) 1 ، منطوقه أنه سواء كان قليلاً أو كثيراً فإنه لا ينجس إلا بالتغير، فهذه دلالة منطوق.
وأما الحديث فإنه دلالة مفهومه على القول تدل على أنه إذا كان دون القلتين فإنه يحمل الخبث ويتنجس بذلك فهذه دلالة مفهوم، ودلالة المنطوق مقدمة عليها.
ـ ثم إن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في هذا الحديث قد علّق الأمر وأناطه بالحمل فقال: (لم يحمل الخبث) ، فدل على أن مناط الحكم هو حمل الخبث، وهذا يدل على القاعدة الشرعية التي تقول: (الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً) ، فهنا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (لم يحمل الخبث) ، فدل على أن مناط الحكم هو حمل الخبث.
فعلى ذلك إذا استُهلك الخبث في القليل فإنه حينئذ لا ينجس وإذا حمله القليل فإنه ينجس.
إذن القول الراجح عدم التفريق بين قليل الماء وكثيره.
فالماء إذا كان قليلاً أو كان كثيراً فوقعت فيه نجاسة فإننا ـ حينئذ ـ ننظر هل غيرته أم لا؟؟ فإن غيرته فهو نجس، وإن لم تغيره فهو طهور، هذا هو الراجح.
وهو مذهب مالك واختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، فلا فرق بين قليل الماء وكثيره.
وقد روى ابن ماجه من حديث رشدين بن سعد وهو ضعيف أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (إن الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه أو طعمه أو لونه) (1) ، والحديث ضعفه أبو حاتم لكن الإجماع عليه.
فالإجماع على أن الماء إذا تغير طعمه أو لونه أو ريحه بالنجاسة فهو ماء نجس.
أما إذا لم يتغير فسيأتي الخلاف الذي تقدم والراجح أنه إذا لم يتغير فإنه لا ينجس سواء كان قليلاً أو كثيراً.
-
قوله: ((ومصانع مكة)) : جمع مصنع والمراد بها أحواض المياه التي كانت موضوعة في طريق مكة من العراق، كانت هناك مصانع أي مجابي للمياه، وأحواض للمياه يردها الحجاج وهي مياه كثيرة يشق نزحها.
-
قوله: ((ولا يرفع حدث رجل طهورٌ يسيرٌ خلتْ به امرأةٌ لطهارةٍ كاملة عن حدث)) : هذه مسألة ذات قيود كثيرة: (ولا يرفع حدث رجل) : إذن يرفع نجسه وخبثه ويطهره الطهارة المستحبة لغسل جمعة وتجديد وضوء لكنه لا يرفع حدثه الأكبر أو الأصغر.
(رجل) : قالوا ويلحق به الخنثى، فحكمه حكم الرجل هنا.
ويخرج من ذلك المرأة والصبي، فإنه يرفع حدثهما.
(طهور يسير) : فلا بد أن يكون يسيراً، فإن كان كثيراً فإنه لا يدخل في هذه المسألة.
(خلت به امرأة) : خلت به امرأة عن المشاهد فلا يشاهدها أحد من الناس.
ـ وهل يشترط في المشاهد أن يكون مكلفاً مسلماً أو لا يشترط ذلك فلو كان صبياً أو امرأة أو كافراً صح؟؟ قولان في المذهب.
(لطهارة كاملة) : كذلك أن يكون هذا لطهارة كاملة فلو كان لبعض طهارة كأن تكون غسلت وجهها ويديها وبقي غسل الرجلين فإنه حينئذ لا يدخل في هذه المسألة.
(عن حدث) : فلو خلت به عن غسل نجاسة أو لغسل جمعة أو غيره من الأغسال المستحبة فإنه لا يدخل في ذلك.
ـ فهذه مسألة ذات قيود كثيرة.
وإيضاحها: أن الماء الذي تخلو به المرأة المكلفة سواء كانت مسلمة أو ذمية تخلو به هذه المرأة - وهكذا قالوا: ذمية، وهو مشكل لكن هذا على أن يكون هناك قول بإيجاب طهارة الجنابة عليهم -.
إذن: إذا خلت امرأة مكلفة بماء يسير، وهو ما دون القلتين لتزيل حدثاً أكبر وأصغر وقد خلت به عن المشاهدة فلا يشهدها مكلف مسلم على قول.
وعلى قول آخر امرأة أو صبي أو كافر.
فخلت بهذا الماء عن طهارة كاملة فإنه لا يحل للرجل أن يتطهر به.
ـ هل يحل لها هي أن تتطهر به؟
الجواب: نعم.
وهل يحل لامرأة أخرى أن تطهر به؟
الجواب: نعم.
وإنما هو محرم على الرجل بالخصوص.
ودليلهم: ماثبت في سنن أبي داود والنسائي بإسناد صحيح عن رجل من أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (نهى أن تغتسل المرأة بفضل الرجل أو الرجل بفضل المرأة وليغترفا جميعاً) 1 .
وعند الخمسة بإسناد صحيح من حديث الحكم بن عمرو أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة) 1 .
ونعود إلى القيود مرة أخرى:
هذا الحديث فيه النهي أن يغتسل الرجل، أو أن يتطهر من فضل المرأة.
إذن ليست المرأة منتهية عن هذا الحكم فالحكم مختص بالرجل، فلا يحل لرجل أن يتوضأ أو يغتسل بفضل طهور المرأة.
إذن هو مختص بالرجل لدلالة هذا الحديث أولاً، والثاني: قوله في الحديث: (بفضل المرأة) : يطلق على المرأة المكلفة.
الأمر الآخر: أنه قال بعد ذلك (وليغترفا جميعاً) فدل على أن المرأة قد خلت به.
لكن هذا الإستدلال ضعيف.
لذا الراجح من قولي المذهب ـ فهو قول في المذهب ـ أن خلوّ المرأة فيه، معناه أن تخلو عن الرجل فتتوضأ به أو بمفردها أو تغتسل بمفردها وإن كانت مشاهده من الرجل أو غيره، ولكن الخلوة المراد بها أن تكون مشتركة مع الرجل؛ لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال هنا (وليغترفا جميعاً) .
أما قولهم: أنه من طهارة كاملة، فلفظة (طهور) فالأصل أن تكون طهارة كاملة، والأصل كذلك أن تكون عن حدث.
إذن قول المذهب: أن الرجل لا يحل له أن يغتسل بفضل المرأة الذي قد خلت به لطهارة كاملة عن حدث، هذا هو قول المذهب.
ـ وذهب جمهور الفقهاء إلى أن ذلك جائز لا حرج فيه واستدلوا بحديثين صحيحين.
1ـ ما ثبت في مسلم أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يغتسل بفضل ميمونة 1 .
2ـ وما ثبت عند الأربعة بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: (اغتسلت بعض أزواج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حفنة فجاء يغتسل منها، فقالت: إني كنت جنباً فقال: إن الماء لا يَجْنُب) 2 .
فهذان الحديثان يدلان على أن الرجل يغتسل بفضل المرأة.
ثم إن الحديث الذي استدللتم به يدل كذلك على النهي عن اغتسال المرأة من فضل الرجل فلم لم تقولوا به.
قالوا: لوجود الإجماع عليه، فقد أجمع أهل العلم على أن الرجل إذا خلا بالماء فإن المرأة تغتسل به ولا حرج وهذا هو شطر الحديث، فإن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما نهى الرجل أن يغتسل بفضل المرأة فقد نهى المرأة أن تغتسل بفضل الرجل، وقال: (وليغترفا جميعاً) ، وهذا الإجماع المذكور يقوي ما ذهب إليه الجمهور من أن النهي في هذا الحديث لا يدل على التحريم، وإنما يدل على الأولوية أو الإرشاد فهو نهي إرشاد أي: الأولَى للرجل أن يغتسل بماء جديد غير فضل المرأة، والأولى للمرأة أن تغتسل بماء جديد غير فضل الرجل وإن احتاجا إلى شيء من ذلك فليغترفا جميعاً.
إذن: هذا الحديث لا يدل على التحريم بدلالة فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبدلالة شطره الآخر فإن فيه نهياً للمرأة أن تغتسل بفضل الرجل.
ـ وقول الحنابلة فيه شيء من النظر القوي؛ ذلك، لأن نهي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الرجل أن يغتسل بفضل المرأة ورد في السُّنة ما يعارضه وهو ما تقدم من حديث ابن عباس ـ رضي الله عنه.
وأما نهي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن اغتسال المرأة بفضل الرجل فلم يرد في السنة ما يدل على جوازه فهو أعظم إحكاماً من ذلك، ولولا الإجماع الوارد فيه لكان القول به قوياً، ولكن تقدم ذكر الإجماع ومع ذلك فقد قالوا بما وردت السنة بخلافه ولم يقولوا بما لم ترد السنة بخلافه.
فإذن: الصحيح الراجح وهو مذهب الجمهور واختيار غير واحد من المحققين كشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره: أن الماء إذا خلت به المرأة لطهارة كاملة أو غير ذلك فإن الرجل يجوز له أن يتطهر به ولا حرج مع أن الأولى له أن يتطهر بماء غير فضلها.
وكذلك المرأة فالمستحب لها والمشروع أن تتوضأ وتغتسل بغير فضل الرجل ولكن إن اغتسلت به فلا حرج ولا بأس والله أعلم.
والحمد لله رب العالمين.
الدرس الخامس (السبت: 14 / 11 / 1414 هـ)
- قال المصنف رحمه الله:
((فإن تغيّر لونه أو طعمه أو ريحه بطبخ أو ساقط فيه 0000 فطاهر)) :
(وإن تغيّر) : الضمير يعود إلى الماء الطهور.
(بطبخ) : كأن توضع فيه ورق شاي أو حب قهوة أو نحو ذلك.
(أو ساقط فيه) : كأن تسقط فيه ثمرة أو يسقط فيه ورق أو نحو ذلك أو يسقط فيه زعفران وغيره مما قد يسقط في الماء.
فهو إذن ماء طهور في الأصل لكنه قد تغير وتكدر بشيء ليس بنجس بل هو طاهر سقط فيه فغيّر طعمه أو لونه أو ريحه، فما حكمه؟
قال المصنف: (00 فطاهر) : أي طاهر غير مطهر، فهو طاهر في نفسه ليس بنجس لكنه ليس بمطهر، وهذا هو المذهب وهو مذهب جمهور أهل العلم.
وأن الماء إذا وقع فيه شيء من الطاهرات فغيّر رائحته أو طعمه أو لونه فإن الماء طاهر وليس بطهور، فهو طاهر في نفسه وليس بمطهر لغيره، فعلى ذلك على المذهب لا يزيل النجس ولا يرفع الحدث.
قالوا: لأن الماء ليس بماء مطلق بل هو ماء أضيف إليه شيء فهو ليس ماء مطلقاً بل ماء مضاف إليه مادة أخرى، هذا هو قول المذهب وهو مذهب الجمهور ـ كما تقدم.
ـ والقول الثاني: وهو مذهب أبي حنيفة وأحد الروايتين عن الإمام أحمد بل قال شيخ الإسلام: " إن أكثر نصوص أحمد على هذا " أي على القول: بأنه طهور.
وهذا هو اختيار شيخ الإسلام وابن القيم ومحمد بن عبد الوهاب وغيرهم من المحققين.
قالوا: الماء طهور، فكما أنه طاهر في نفسه فهو مطهر لغيره ما دام باقياً على مسماه.
ويتضح قولنا: (ما دام باقياً على مسماه) بضرب مثالين:
1ـ المثال الأول: وهو ما كان فيه الماء باقياً على مسماه، كأن يوضع في إناء شيء من أوراق الشاي أو شيء من الطعام فيتغير لونه فيأخذ من لون هذا الشيء الواقع فيه.
2ـ المثال الثاني: وهو ما تغير فيه مسمى الماء، كأن يوضع في إناء أوراق شاي ثم يطبخ على النار، فإنه يسمى شاياً فهو لم يبق على مسماه بل تغيّر.
أما هذه الحال الثانية: فالراجح أنه ليس بماء فلا يحل لأحد أن يتطهر به، ومثله لا ينبغي الخلاف فيه لأنه ليس بماء، والشارع إنما خصص الماء بالطهارة عند وجوده، فإذا ثبت ذلك وهو أنه ليس بماء فلا يحل لأحد أن يتطهر به.
ـ أما الحال الأولى: فهو المختلف فيها وهي ما إذا كان الماء قد تغير بهذا الشيء الطاهر لكنه لم يتغير مسماه بل بقي ماءً على مسماه.
فحينئذ: ذهب من تقدم إلى أنه طهور، وهذا هو الراجح، والأدلة على ذلك ما يلي:
1ـ قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءاً فَتَيَمَّمُوا﴾ [^fn53] ولفظه (ماء) نكره في سياق النفي، والقاعدة الأصولية أن النكرة في سياق النفي تفيد العموم، فهذا يعم كل ماء.
فكل ماء يتطهر به قبل اللجوء إلى التراب "أي إلى التيمم"، فإذا وقع فيه شيئ من الورق أو شيئ من الثمر أو غير ذلك فتغيرت رائحته أو طعمه أو لونه مع بقائه على مسماه فهو ماء فيدخل في عموم الآية (فلم تجدوا ماء) .
2ـ الدليل الثاني: ما ثبت في الصحيحين أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال للنساء المغسلات لابنته: (إغسليها بماء وسدر) (2) ، وقال صلى الله عليه وسلم: في المتفق عليه، فيمن وقصته راحلته فمات (اغسلوه بماء وسدر) (3) .
ومعلوم أن السدر يؤثر في الماء ويغير منه، ومع ذلك فإنه يتطهر به هنا.
فالشريعة قد دلت على التطهر به كما في هذا الحديث.
3ـ الدليل الثالث: ما روى الإمام أحمد والنسائي وابن ماجة بإسناد صحيح أن أم هانيء، قالت: (إغتسل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وميمونة من إناء واحد في قصعة فيها أثر عجين) (4) . والشاهد قوله: (في قصعة فيها أثر عجين) : ومعلوم أن العجين يغيِّر الماء ويؤثر فيه ومع ذلك اغتسل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ به وميمونة.
4ـ الدليل الرابع: الأصل، فالأصل في الماء أنه طهور، وقد أنزل الله من السماء ماءاً طهوراً لنتطهر به، فالأصل في الماء الطهورية ما لم يدل دليل على نقله إلى الطاهرية أو غيرها، وليس هناك دليل يدل على ذلك بل الشريعة تدل على أن الماء يتطهر به.
إذن الراجح مذهب أبي حنيفة وأحد الروايتين عند الإمام أحمد، وهي ليست المشهورة عن أصحابه لكن عليها أكثر نصوصه، وهو إختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم.
- قوله: ((أو رفع بقليله حدث 00000 فطاهر)) :
تقدم تعريف القليل عندهم وهو ما دون القلتين.
(أو رفع بقليله حدث) :أي استعمل في رفع حدث أكبر أو أصغر فتساقط الماء من أعضائه فاجتمع في إناء، فهذا هو الماء المستعمل في رفع حدث سواء كان الحدث أصغر أو أكبر، فهل هو طهور أم طاهر؟؟ قال المصنف: (فطاهر) : فهو لا يرفع الحدث، بل طاهر وليس بطهور.
واستدلوا: بما ثبت في مسلم أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب) (1) . قالوا: فهذا يدل على أنه لا يجوز للمسلم أن يغتسل في الماء الدائم وهو جنب ليرفع حدثه، وذلك لكون الماء المغتسل فيه عن حدث يتأثر بهذا الغسل فيه وينتقل من الطهورية إلى غيرها.
قالوا: ولا ينتقل إلى النجاسة لما ثبت في الصحيحين أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (صبّ على جابر من وضوئه) (2) ، ولو كان نجساً لما صبّ عليه منه، قالوا: فهو ماء طاهر.
فلما نهى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن الاغتسال بالماء الطهور وليس ذلك إنتقالاً إلى النجاسة بل إلى الطاهرية لحديث جابر المتقدم.
ـ إذن الماء المستعمل المتساقط من الأعضاء لا يحل للمسلم أن يتطهر به.
فلوا أن أحداً مسح رأسه بفضل يديه فهل يجزئ أم لا؟؟ فالجواب: لا يجزئ ذلك؛ لأن الماء طاهر وليس بطهور هذا هو مذهب الحنابلة.
ـ وذهب الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه، وهو أشهر إحدى الروايتين عن الإمام مالك، وأحد قولي الشافعي، وهو قول ابن المنذر واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من المحققين، أن الماء طهور وليس بطاهر.
1ـ واستدلوا: بما روى أبو داود وأحمد بإسناد جيد أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (مسح رأسه بفضل ماء في يديه) (1) ، فهنا الماء الذي في يديه ماء مستعمل، وقد مسح به رأسه.
2ـ واستدلوا: بالأصل، فالأصل أن هذا الماء طهور يتطهر به وهو ماء داخل في عموم قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء﴾ .
ـ وأما الحديث الذي استدل به أهل القول الأول، فأجابوا عليه بجواب صحيح وهو: أن الحديث إنما فيه نهي المسلم أن يغتسل في الماء الدائم وهو جنب وليس فيه أن الماء ينتقل إلى الطاهرية فهذه مسألة أخرى.
ـ بل العلة الصحيحة في ذلك ـ للأدلة المتقدمة ـ العلة الصحيحة أن يقال: إن ذلك ذريعة إلى تقذيره وإفساده فإن الماء إذا اغتسل فيه من الجنابة ومن الأحداث ونحوها فإن ذلك يودي إلى تقذيره، فهو ماء دائم ثابت فإذا تكرر الغسل فيه من الأحداث الكبرى أو الصغري فإن ذلك يؤدي إلى تقذيره.
وسواء قلنا إن ذلك يؤدي إلى تقذيره حساً أو يؤدي إلى تقذيره معنى.
وأما أن نحكم على الماء بأنه ينتقل عن الطهورية، فليس في الحديث ما يدل على ذلك، بل الأدلة تدل على خلاف ذلك.
ـ كما أن الماء عنما يوضع على المرفق وهو يجري على بقية اليد فإنه يرفع حدث الجزء الأعلى حتى يصل إلى أطراف الأصابع، فعندما ينتقل من جهة إلى جهة إلى أسفل اليد فإنه يكون في نزوله بآخر اليد فهو في الحقيقة ماء قد استعمل في أعلى اليد ثم نزل إلى أسفلها.
لذا الاستعمال عندهم أن ينتقل من عضو إلى عضو آخر ولم يرو ذلك استعمالا؛ لأنه لو كان استعمالاً لأدى ذلك إلى أن يكون هذا الفعل غير جائز، وقد دلت الأدلة الشرعية المعلومة ضرورة أن مثل هذا لا ينهى عنه أي انتقال الماء من جهة إلى أخرى في العضو نفسه.
فالراجح: هو القول الثاني وهو أحد الروايتين عن الإمام أحمد، وهو أن الماء المستعمل في الحدث أنه طهور.
ونحن باقون على الأصل حتى يأتينا الدليل الواضح اليقيني الذي ينقلنا عن ذلك.
وما ذكروه في الحديث المتقدم إنما هو مجرد نظر ومثل هذا النظر لا يترك بسببه المحكم بل يحكم الذي تقدم على غيره من الأحاديث.
- قوله: ((أو غمس فيه يد قائم من نوم ليل ناقض لوضوء000 فطاهر)) : أي إذا أدخل من هو مستيقظ من نوم ليل ناقضٍ للوضوء إذا أدخل يده في الإناء فإن هذا الماء ينتقل من الطهورية إلى الطاهرية.
ـ واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة: أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم قال: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً فإنه لا يدري أين باتت يده) (1) . قالوا: هذا يدل على أن المستيقظ من نوم الليل إذا غمس يده في الإناء فإن الماء ـ حينئذ ـ ينتقل إلى الطاهرية.
- وهذا الحديث فيه مسائل:
1ـ المسألة الأولى: أن هذه الحديث يدل على وجوب غسل اليدين لمن استيقظ من نوم الليل وهذا هو مذهب الحنابلة.
ـ والجمهور على سنيته.
ـ واستدل الحنابلة على وجوب ذلك بأمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والأمر يدل على الوجوب.
ـ وأما الجمهور فقالوا: إنه للاستحباب بقوله: (فإنه لا يدري أين باتت يده) ، وهذا شك فلهذا الشك ليس لنا أن نقول بوجوب ذلك بل نقول بمشروعيته، فليس لنا أن نقول بالوجوب بل نقول بالاستحباب.
ـ وهذا فيه نظر، فإن هذا الشك إنما هو من المكلف فإنه لا يدري أين وقعت يده، وأما الشارع فإن الحكم المنطلق منه هو إيجاب ذلك.
ـ وأما كونه لا يدري، فهذا تردد واقع على المكلف.
وأما الشارع فقد أمر بغسل يديه إذا أستيقظ من نومه.
ـ فالأرجح: مذهب الحنابلة وهو وجوب ذلك أي وجوب غسل اليدين ثلاثاً لمن استيقظ من النوم وأراد أن يغمس يده في الإناء.
2ـ المسألة الثانية: هل هذا خاص بنوم الليل، أم فيه وفي نوم النهار؟؟
ـ المذهب أنه إنما هو خاص في نوم الليل، ولم أر أحداً من المذاهب المتبوعة يخالف ذلك ودليل هذا وجهين:
1ـ الوجه الأول: ما في رواية أبي داود: (إذا استيقظ أحدكم من نوم الليل) محل قوله: (من نومه) التي تفيد العموم.
2ـ الوجه الثاني: قوله (باتت) : والأصل في البيتوتة أن تكون ليلاً.
ـ وذهب الحسن البصري إلى أنه عام في نوم الليل والنهار وأن حكمهما واحد.
ويستدل له بعموم: قوله: (من نومه) .
ولكن هذا الإستدلال فيه ضعف لما تقدم من الوجهين السابقين.
ـ فإن قيل: ألا يقاس نوم الليل على نوم النهار؟
فالجواب: أن القياس ضعيف من وجهين:
أـ الوجه الأول: أن إلحاق نوم النهار بنوم الليل إلحاق مع الفارق.
فإن الليل هو محل النوم، الأصل فيه أن يستغرق في نومه وتطول مدة النوم، بخلاف نوم النهار، فليس في الأصل محلاً للنوم والأصل فيه ألا يكون طويل المدة.
ب ـ الوجه الثاني: أن العلة تعبدية، فقوله: (أين باتت يده) فلا تدري ما العلة من ذلك.
لذا قال أهل العلم لو أن رجلا وضع يده في قفازين أو نحو ذلك فإنه مع ذلك يجب عليه أن يغسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء؛ لأن العلة تعبدية، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إذا استيقظ أحدكم من نومه، فليستنثر ثلاثاً فإن الشيطان يبيت على خيشومه) (1) .
فإذن هي أمور معنوية، وهو لا يدري أين باتت يده، فقد يكون هذا في أمر مشاهد أو أمر غائب، فالمسألة تعبدية.
وعندما يثبت ذلك، أي أن العلة تعبدية غير معقولة المعنى، فلا قياس حينئذ.
فالقياس لا بد منه أن تكون العلة معنوية فالراجح أن نوم النهار ليس كنوم الليل.
قوله: (ناقض للوضوء) : لقوله: (من نومه) والأصل في النوم أن يكون ناقضاً للوضوء.
ـ وعلى القول الراجح أنه نوم مستغرق لقوله: (لا يدري أين باتت يده) ؛ لأن من ليس بمستغرق يدري أين باتت يده، فهو لايزال في الشاهد ولم يغب.
فإذن: هو نوم الليل وهو ناقض للوضوء.
ـ إذا تبين هذا فهل في الحديث المتقدم أن الماء ينتقل إلى الطاهرية؟؟
الجواب: أن الحديث ليس فيه ذلك، بل النهي منه صلى الله عليه وسلم، ألا يغمسها في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً، وليس فيه أن الماء ينتقل من الطهورية إلى غيرها.
والأصل في الماء أن يكون طهوراً، ونقله إلى غير الطهورية يحتاج إلى دليل ولا دليل على ذلك.
ـ وهناك قول ثالث في المذهب واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، أن الماء طهور وهو الراجح؛ لأنه ماء لم يتغيّر بالنجاسة، وهو ماء كذلك باق على أصله في الطهورية، فأي دليل ينقله عن الطهور إلى الطاهر، فهو ماء قد تحلل عن محل يراد تطهيره، ولم يتغيّر بالنجاسة فحينئذ لا معنى للقول بطاهريته ولا بنجاسته بل هو طهور وهو الراجح.
ـ وننتهي ـ حينئذ ـ من مسائل القسم الثاني من أقسام المياه، وهو الطاهر وتبين لنا أنها كلها مسائل مرجوحة، وليس هناك ماء طاهر.
ـ والأصل أن الماء قسمان طهور، ونجس وليس هناك ماء طاهر، وهذا هو الأصل أن الماء طهور يحل التطهر به ما لم ينتقل عن مسماه فيكون شيئاً آخر أو يتغير بالنجاسة فيكون حينئذ ماء نجساً وقد تقدمت الأدلة الدالة على ذلك والله أعلم.
والحمد لله رب العالمين.
(الدرس السادس)
- قال المصنف رحمه الله: ((والنجس: ما تغيّر بنجاسة أو لاقاها وهو يسير أو انفصل عن محل نجاسة قبل زوالها)) : هذا هو القسم الثالث من أقسام المياه.
وهو: (ما تغير بنجاسة) : أي سقط فيه شيئ من الأشياء النجسة من بول أو عذرة أو نحوهما، فتغير بهذه النجاسة ريحه أو طعمه أو لونه، فهو في الأصل طهور رائحته وطعمه ولونه، لكن قد تدنست هذه الأوصاف كلها أو بعضها، تدنست بهذه النجاسة.
فحكمه: أنه ماء نجس، وهذا بإجماع أهل العلم، فقد أجمع أهل العلم على أن الماء المتغير بالنجاسة أنه نجس سواء كان قليلاً أو كثيراً فهو ماء نجس لا يحل التطهر به.
قوله: (أو لاقاها وهو يسير) : هذا هو النوع الثاني من أنواع الماء النجس.
"وهو يسير": اليسير وعندهم ـ هو ما دون ـ القلتين.
فمثلاً: عندنا ماء يبلغ قلة أو قربتين أو مائة لتر، فهو ماء قليل فوقعت فيه نجاسة، وهذه النجاسة لم تغيره فأوصافه كلها لم تتغير بالنجاسة فطعمه ولونه وريحه نقيات من هذه النجاسة الواقعة فيه، قالوا: فهذا ماء نجس، وهذا هو مذهب فقهاء الحنابلة وهو مذهب الجمهور.
ـ وذهب الإمام مالك كما تقدم إلى أن الماء طهور وهو قول في المذهب ـ أي أنه طهور ـ واختاره المجد ابن تيمية، وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وهو الراجح.
فالماء الذي غمس فيه يد من قائم من نوم الليل، أن هذا الفعل محرم، والماء يبقى طهوراً مطهراً، وليس بطاهر فقط كما هو في المذهب.
ـ والمشهور في المذهب أن الغمس يكون من مسلم مكلف لقوله صلى الله عليه وسلم (فإن أحدكم) وهو خطاب للمسلمين، وقوله: (فلا يغمس) وهو خطاب للمكلف.
ـ وهناك قول في المذهب أنه عام في المكلف وغيره.
ولا شك أن هذا أقوى، فإنه إذا ثبت هذا الحكم الذي ذكروه من إنتقاله إلى الطاهرية، إذا ثبت بغمس المسلم المكلف، فأولى من ذلك أن يثبت بغمس الكافر والصبي.
ولأن العلة المذكورة (فإنه لا يدري أين باتت يده) تنطبق على الكافر والصبي.
ـ وأما الخطاب فإنه موجه إلى من يجيب، فهو إلى المسلم إلى من يجب عليه وهو على المكلف وهذا قول في المذهب.
ـ لكن الراجح ـ ما تقدم ـ أنه لا ينتقل إلى الطاهرية بل هو طهور مطهر.
-
قوله: ((أو كان آخر غسلة زالت النجاسة بها فطاهر)) . هذا المشهور في المذهب وسيأتي بيانه ـ أن النجاسة يجب أن تغسل سبع مرات.
فإذا وقع على الثوب نجاسة فيجب أن تغسل هذه النجاسة سبع مرات بالماء.
وعندهم أن الغسلات الست بالماء المتحلل منها ماء نجس؛ لأنه ماء لاقى النجاسة، وما لاقى النجاسة فهو نجس.
وأما الغسلة السابقة التي زالت بها النجاسة فقالوا: هذا الماء طاهر وليس بطهور وليس نجس.
ـ أما كونه ليس بنجس فقالوا: لأنه قد انفصل عن محل طاهر.
وأما الست فقد انفصلت عن محل نجس، فكلما غسلناه في مرة فهو مازال نجساً وأما المرة السابقة فقد انفصل عن محل طاهر.
ـ وهناك قول في المذهب أنه نجس، وهو أصحّ وأقيس بالنسبة للمذهب؛ لأنه إنما طهر المحل بانفصال الماء في آخره، وأما في ابتداء ذلك فالمحل لايزال نجساً.
وهذا القول هو الراجح وهو رواية عن الإمام أحمد وهو إختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، كما تقدم.
وقد تقدم الاستدلال بحديث: (إن الماء طهور لا ينجسه شيء) (1) ، فهذا ماء طهور باق على أصله وقد وقعت فيه النجاسة فلم تغيره بل استهللت فيه سواء كان قليلاً أو كثيراً فإن الماء لا ينجس بل الماء طهور.
إذن: هذا القول فيه نظر كما تقدم، فقوله: (أو لاقاها وهو يسير) : هذا قول ضعيف.
بل النجاسة إذا لاقت الماء اليسير فلم تغيره فهو ماء طهور؛ لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.
إذن: لا يصح تقسيم الماء إلى ثلاثة أقسام (طهور وطاهر ونجس) ، ولا يصح كذلك تقسيم الماء إلى قليل وكثير؛ لأن هذا التقسيم يترتب عليه عندهم أن الماء الكثير لا ينجس إلا بالتغير، أما القليل فإنه ينجس بمجرد الملاقاة. -
قوله: ((أو انفصل عن محل نجاسة قبل زوالها)) : إذا انفصل عن محل النجاسة قبل أن تزول.
بمعنى: مازالت النجاسة باقية والماء يزال به النجاسة والمحل يتنظف ويتطهر به، فالماء المنفصل عنها ماء نجس؛ لأنه ماء قليل، وهذا هو الأصل، فهو ماء قليل قد لاقى نجاسة فيكون نجساً.
ـ وكذلك الغسلات الست، فقد تقدم أن الغسلة السابعة للماء المستعمل منها ماء طاهر.
أما الغسلات الست الأولى، فإن الماء فيها نجس.
إذن: مالاقي النجاسة أثناء الغسل والتنظيف فعندهم أنه ماء نجس.
ـ أما على القول الراجح: فنحن باقون على القاعدة المتقدمة وهي: أنه إن تغيّر بالنجاسة فهو نجس وإلا فهو طهور.
- قوله: ((فإن أضيف إلى الماء النجس طهور كثير غير تراب ونحوه أو زال تغير النجس الكثير بنفسه أو نزح منه فبقي بعده كثير غير متغير طهر)) :
هذه مسألة: في طريقة إزالة النجاسة في الماء وتحويل الماء من نجس إلى طهور.
وقد ذكر المؤلف هنا ثلاث طرق بذلك: 1ـ الطريقة الأولى: أن يضاف إلى الماء النجس طهور كثير والكثير عندهم ـ قلتان ـ فما فوق.
فمثلاً: تأتي إلى الماء النجس سواء كان قليلاً أو كثيراً، فتضيف إليه ماء كثيراً فيصبح طهوراً.
وقالوا: (كثير) : لأن الذي يريد أن يطهره بنجس، فإذا أضيف ماء قليل فإنه ينجس أي هذا الماء بمجرد الملاقاة؛ لأنه ماء قليل.
فلابد حينئذ من أن يضيف إليه قلتين فأكثر؛ لأنه إذا كان المضاف دون القلتين فإنه ينجس بملاقاة الماء الذي يراد تطهيره.
فإذن: يضاف إلى الماء المتنجس سواء كان قليلاً أو كثيراً فيضاف إليه ماء كثير فحينئذ ينتقل إلى طهور.
إن كان قليلاً فأصبح مع الكثير والنجاسة أصبحت لا تؤثر فيه.
وإن كان الماء من الأصل فتغير فإن مثل هذه الإضافة لا بد وأن تنظر فيها هل غيرت ريحه وطعمه ولونه، فإن غيرته فإن الماء تطهر، وإن لم تغيره فإننا نضيف حتى يذهب هذا التغير.
وهنا مثالان:
1ـ المثال الأول: فيه ماء قليل وقعت فيه نجاسة فهو ماء لم يتغير بالنجاسة لكنه، على المذهب ماء نجس فإذا أضيف إليه قلتان فأصبح بعد ذلك قطعاً طهوراً؛ لأن الماء أصبح كثيراً والنجاسة لم تغير فيه.
2ـ المثال الثاني: إذا كان الماء قد تغير وقد أضفنا إليه قلتين فما زال متغيراً فإنه لا يطهر بذلك.
ـ فإذا أضفنا قلة أو قلتين فزال التأثر فحينئذ يصبح الماء طهوراً.
قوله: (غير تراب أو نحوه) : التراب إنما نص عليه؛ لأنه يعتبر عند بعض المذاهب مطهراً.
والمذاهب كلها على أن الماء رافع للحدث ـ كما سيأتي بيانه في باب التيمم.
قالوا: فإذا أضيف إلى الماء تراب فزالت النجاسة بعد إضافته فهذا لا يؤثر بل يبقى نجساً أو أضيف إليه نحو التراب كأن يضاف إليه صابون أو نحو ذلك.
فإذا أضيف إليه تراب أو نحو ذلك فهذا ليست طريقة ـ عندهم ـ للتطهير ولا يتطهر الماء بذلك.
ـ وذهب بعض الحنابلة إلى أنه يطهر بذلك.
وهذا هو القول الراجح؛ لأن المقصود إزالة النجاسة وقد زالت فإن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.
فبأي طريقة زالت النجاسة فإن الماء يصبح طهوراً؛ لأن الخبث الذي نقل الماء من الطهورية إلى النجاسة قد زال فلا معنى ـ حينئذ ـ لأن يجعله من النجس وقد زال المؤثر والمفسر له، وأي طريق فصلناه، فإنه يكون صحيحاً.
ـ إذن التراب أو غيره ـ على القول الراجح ـ يعتبر مطهراً بل لو أضيف إليه شيء من المواد الكيميائية أو بعض الطرق الحديثة فزالت النجاسة فإنه يصبح ماء طهوراً.
2ـ الطريقة الثانية: قوله: (أو زال تغير النجس الكثير بنفسه) فالطريقة الأولى: طريقة لتطهير الماء القليل والماء الكثير جميعاً.
ـ لكن هذه الطريقة لتطهير الماء الكثير فقط.
فإذا مكث ماء كثير مدة فزالت عنه النجاسة من غير مؤثر، فهو قد طهر نفسه فإنه يصبح طهوراً.
ـ ولو كان قليلاً لم نقل به ـ على المذهب ـ؛ لأن الماء القليل نجس بمجرد الملاقاة أصلا فضلاً عن أن نقول أن النجاسة ذهبت منه.
فإذن: الماء الكثير إذا تغير بالنجاسة ثم ذهبت عنه بنفسه فإنه ماء طهور، قالوا: لأنه مطهر لغيره فهو كذلك مطهر لنفسه.
ـ وعلى القول الراجح كذلك الماء القليل المتغير بالنجاسة إذا زالت عنه النجاسة بنفسه فإنه يطهر ويصبح طهوراً؛ لأن الماء متى زالت عنه النجاسة فإنه طهور، بل كل عين تنجست ثم زالت عنها النجاسة فهي عين طاهرة.
3ـ الطريقة الثالثة: (أو نزح منه فبقى بعده كثير غير متغير) : ما تقدم طريقة إضافة، وهذه طريقة أخذ.
صورة ذلك: ماء كثير تغيّر بالنجاسة فأخذنا ننزح منه ونخرج حتى ذهبت النجاسة.
مثال ذلك:
رجل عنده بركة فيها ماء فوقع في طرقها نجاسه فأخذ لينزح من الماء ويخرج حتى لم يبق أثر للنجاسة في هذه البركة، فحينئذ يصبح الماء طهوراً؛ لأنه بهذا النزح أصبح الماء المتبقي طهوراً غير متغير.
ـ فإن كان الماء قليلاً فما الحكم؟؟
فالجواب: ما تقدم من أنه ينجس بمجرد الملاقاة على المذهب.
ـ وعلى القول الراجح لاحاجة إلى هذه الطرق بل القاعدة: أنه متى ما زالت النجاسة فإن الماء يطهر فيصبح طهوراً على أصله، قال تعالى: ((وأنزلنا من السماء ماءاً طهوراً)) (1) فمتى زالت النجاسة فإن الماء يعود إلى أصله من الطهورية.
ـ وعلى تقرير مذهب فقهاء الحنابلة:
هنا صاحب الزاد لم يستثن ما استثناه في مسألة سابقة وهي بول الآدمي وعذرته، فإن البول إذا أصاب الماء ثم أضيف إليه ماء كثير فإنه ـ حينئذ ـ لا يطهر، إلا أن يكون قد شق نزحه، كما تقدم.
ـ إذن لابد وأن يبقى بعد عملية التطهير؛ لابد وأن يبقى ماء تتوفر فيه الشروط السابقة ومن الشروط السابقة: أن العذرة والبول في الآدمي إذا وقعا في الماء فإنه يبقى نجساً مطلقاً سواء كان قليلاً أو كثيراً ما لم يكن قد سبق نزحه؛ فإنه حينئذ يكون طهوراً لمشقة النزح.
- قوله: ((وإن شك في نجاسة ماء أو طهارته بنى على اليقين)) : هذا داخل في القاعدة الشرعية العامة التي تقول: (اليقين لايزول بالشك) . وقد ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن زيد أنه شكى إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الرجل يجد الشيئ في الصلاة أو يُخيّل إليه الشيئ، فقال: (لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) (1) . ـ فإذا تيقنا أن الماء طهور ثم شككنا فيه هل وقعت فيها نجاسة أو لا؟؟ ـ أو وقع فيه شيء ونحن لا ندري، هل هذا الشيئ نجس أم لا؟؟ ـ أو هو ماء كثير فوقعت فيه نجاسة ثم شككنا هل غيرته أم لا؟؟ ـ وعلى الراجح إذا كان ماء قليلاً فوقعت فيه نجاسة ثم شككنا هل غيرته أم لا؟؟ فحينئذ: حكم الماء أنه يبقى على أصله وهو أنه ماء طهور، فاليقين لا يزال بالشك.
فاليقين ـ هنا، أنه ماء طهور ونحن عندما نشك في تنجسه في هذا الشيئ فهذا شك وأما ذاك فهو يقين.
والعكس كذلك: فإذا كان الماء نجساً وقد تغيّر شيئ من أوصافه بالنجاسة ثم شككنا هل زال هذا التغير أو لا؟؟
فاليقين أنه نجس، واليقين لا يزول بالشك.
ـ أما أن نرى في أحد أوصافه تغيراً.
ـ أو بأن يخبره مسلم مكلف مستور الحال كما قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأٍ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة) (2) ، فإذا أتى خبر من مسلم ذكر أو أنثى مكلف بالغ عاقل مستور الحال ـ كما هو المشهور في المذهب ـ فإنه حينئذ يقبل قوله.
ـ أو رأى هو أن الماء قد تغير فزالت عنه النجاسة فإن الماء حينئذ ينتقل من النجاسة إلى الطهورية.
فإذا: اليقين لا يزول بالشك.
فالماء طهور ما لم تثبت لنا نجاسته، والماء النجس نجس ما لم تثبت لنا طهوريته.
والحمد لله رب العالمين.
الدرس السابع
ـ تقدم الكلام على ما إذا شك في نجاسة ماء أو طهارته وأنه يبني على اليقين؛ لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان.
ـ وتقدم أنه يقبل خبر المسلم المكلف المستور في إثبات النجاسة.
ـ واعلم أن الخبر يشترط فيه في الأظهر من قولي العلماء، وهما قولان في المذهب، يشترط فيه أن يبين سبب النجاسة وذلك لاختلاف أهل العلم في النجاسة.
مثال ذلك: أن يقول له: هذا ماء نجس والسبب عنده أنه لاقى النجاسة وهو ماء قليل وهذا المخبر لا يعتقد أن اليسير ينجس بمجرد الملاقاة، كأن يخبر شافعي مالكاً أو حنفي مالكياً بذلك.
فإذا تبين السبب علم ذلك المخبر أن الماء ليس بنجس.
إذن: لابد أن يبين له سبب النجاسة لاختلاف الناس في النجاسة طهارة ونجاسة.
ـ واعلم أن السؤال عن النجاسة ـ أي الإستخبار ـ عن طهارة الماء ونجاسته، ليس بمشروع وأنه من التكلف وقد كرهه الإمام أحمد وغيره، وقد نصّ على ذلك شيخ الإسلام.
فإذن: ليس من المشروع أن يسأل المسلم هل هذا الماء وقعت فيه نجاسة أم لا؟؟.
وذلك؛ لأن الأصل أن الماء طهور ويتطهر به، ومثل هذا السؤال تكلف وتعنت.
ـ ما لم تقيم أمارة تقوى القول بنجاسته، فإذا حدثت قرينة توقع الشك بالماء فإنه ـ حينئذ ـ يجوز له أن يسأل لوجود هذه القرينة.
ـ ومثل ذلك الأطعمة من اللحوم ونحوها، فإنه إذا قام في قلبه قرينه على أن صاحب المنزل يأتي باللحوم المذبوحة على غير الطريقة الإسلامية، فإنه يسأل.
أما إذا لم يقم في قلبه شيئ فإنه لا يشرع له ذلك.
فإذن: إنما يشرع له أن يسأل إذا قامت القرينة التي تجعل السؤال له محله فإذا لم تكن هناك قرينة فإن ذلك ليس بمشروع.
- قوله ـ رحمه الله ـ: ((وإن اشتبه طهور بنجس حرم استعمالهما ولم يتحر ولا يشترط للتيمم إراقتهما ولا خلطهما)) .
إشتبه على المسلم مائين أحدهما طهور والآخر نجس، وهو يريد أن يتطهر فما الحكم؟؟ فهو لا يدري الطاهر من النجس.
الحكم: قال هنا: (حرم استعمالهما) : فيحرم عليه أن يستعمل أياً من المائين.
قالوا: لأن استعمال الماء النجس محرم، واستعماله لهما كليهما متضمن لاستعمال الماء النجس، هذا إذا استعملهما كلهما.
ـ أما إذا كان الإستعمال لأحدهما فقد يكون هو الماء النجس، والواجب عليه أن يتحرز من استعمال النجس وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
فإذن: لا يحل له أن يستعمل أحدهما ولا كليهما؛ لأن ذلك إما أن يكون يقينا يستعمل فيه الماء النجس وذلك إذا استعمل الماء من كليهما، وأما إن استعمل أحدهما فإن ذلك ذريعة إلى استعمال الماء النجس، والواجب التحرز منه وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
ـ وهل يتحرى أم لا؟؟
قال هنا (ولم يتحر) : أي ليس له أن يتحرى، بمعنى: ليس له أن ينظر إلى القرائن التي تقوي أن يكون أحدهما هو الطهور فيستعمله ويدع الآخر؟؟
فلا يجوز له إلا أن يدع الإثنين كليهما، ولو كان في قلبه قرينة تقوي أن هذا الماء هو الطهور وأن الآخر هو النجس.
إذن: لا يجوز له أن يتحرى مطلقاً سواء كان هناك مرجح ـ أي قرينة تقوي أحد الجانبين ـ أو لم يكن.
ـ أما إذا لم تكن هناك قرينة فلا إشكال في هذا، ولكن إذا كان هناك قرينة:
فقد ذهب بعض أهل العلم وهو مذهب الشافعية إلى أنه يتحرى الطهور منهما فيستعمله.
قالوا: لأن ما يعجز عن اليقين فيه فإنه يلجأ إلى الظن الغالب، ونحن قد عجزنا أن نتيقن أن هذا الماء الذي نستعمله طهور فحينئذ: يلجأ إلى الظن الغالب فنرجح أحدهما.
كما أن الرجل إذا استبهت عليه القبلة وغلب على ظنه إحدى الجهتين فإنه يرجح إحداهما.
هذا هو مذهب الشافعية.
وأما الحنابلة، فقالوا: يكون الترجيح حيث كانت الضرورة؛ لأنه إذا رجح فقد يقع في الأمر المحرم من استعمال النجس، فقد يقع فيه وإن كان يظن أنه لم يقع فيه وإعمال الظن إنما يكون عند الضرورة، وأما هنا فلا ضرورة فإنه بحكم غير الواجدين للماء فحينئذ يلجأ إلى التيمم، ولا حاجة إلى أن يتحرى وإنما يلجأ إلى التيمم.
ـ كما أنه إذا اشتبه ماء مباح وماء محرم وليس مضطراً إلى أحدهما فإنه يدع الجميع، ولا يمكن أن يتورع إلا بمثل ذلك ـ فإنه ـ حينئذ ـ يدع الجميع ويلجأ إلى شيء آخر سواهما.
أما إذا كان مضطراً كأن يكون إنسان عنده ماءان به أحدهما طهور والآخر نجس وهو مضطر؛ لأن يشرب أحدهما فإنه ـ حينئذ ـ يتحرى فما غلب على ظنه أنه ماء طهور فإنه يشرب منه للضرورة.
وقد ذكر شيخ الإسلام القولين ولم يرجح بينهما.
ـ والأقوى فيما يظهر، ما ذهب إليه الحنابلة للأمر الذي تقدم وهو أن الأمر ليس فيه ضرورة داعية إلى التحري، واستعمال أحد الماءين مع إحتمال قوي أن يكون هذا المستعمل هو الماء النجس المحرم استعماله، فلا ضرورة تدعو إلى ذلك فحينئذ يلجأ إلى التيمم.
لذا قال المؤلف:
((ولا يشترط للتيمم إراقتهما ولا خلطهما)) :
فإنهم يرون أنه ـ حينئذ ـ يتيمم.
ـ إذا كان عنده ماءان أحدهما طهور والآخر نجس ويمكنه أن يضيف أحدهما إلى الآخر فيطهران بذلك، فلا يجوز له أن يلجأ إلى التيمم؛ لأنه يمكنه أن يحول هذين الماءين إلى ماء طهور.
ـ مثال: إذا كان عندهما ماءان أحدهما قليل والآخر كثير، والقليل قد نجس بالملاقاة أو كلا الماءين كثير وقد تنجس لكنه يشق وليس عنده استطاعة على تمييز الطهور من النجس كأن يكون أعمى أو نحو ذلك.
فحينئذ: يضيف أحدهما إلى الآخر ويطهران بذلك ولا يجوز له أن يتيمم.
ـ لكن هنا إذا كان لا يستطيع ذلك بمعنى: لا يمكنه أن يحول الماءين إلى ماء طهور يتيقن عند استعماله أنه استعمل ماءاً طهوراً فحينئذ: يدع الجميع ويحرم عليه استعمالهما ويلجأ إلى التيمم.
ـ وهل يشترط للتيمم إراقتهما أو خلطهما ليكون غير واجد للماء، فقد قال تعالى: (فلم تجدوا ماءاً) (1) فهل يشترط ذلك أم لا؟؟.
قال: (ولا يشترط للتيمم إراقتهما ولا خلطهما) .
ـ وهناك قول آخر في المذهب أنه يشترط ذلك لكي يكون عادماً للماء حقيقة فإنه إذا خلطهما فأصبحا كليهما نجساً أو كان منه أن إراقهما فإنه لا يكون واجداً للماء.
ـ والقول الثاني وهو الأصح أن ذلك ليس بشرط؛ لأن العاجز عن استعمال الماء كعادمه، فهذا الرجل عاجز عن الماء أو جاهل، أيهما الطهور من النجس فهو كالعادم للماء وقد قال تعالى: (فلم تجدوا ماءاً فتيمَّمُوا صعيداً طيباً) ، وهذا غير واجد للماء حكماً لا حقيقة، ولا يشترط أن يكون عادماً للماء حقيقة.
لذا نفي المؤلف للإشتراط إنما هو دفع للقول الضعيف الذي يقول بإشتراط ذلك.
- قوله: ((وإن اشتبه بطاهر توضأ منهما وضوءاً واحداً من هذا غرفة ومن هذا غرفة، وصلى صلاةً واحدة)) :
إذا اشتبه عليه ماءان أحدهما طاهر والآخر طهور.
ولا يدري أيهما الطاهر من الطهور.
ـ هذه المسألة مبنية على القول المرجوح الذي تقدم وهو تقسيم الماء إلى طاهر وطهور ونجس، وعلى هذا القول تتفرع هذه المسألة.
ونحن عندما نرجح ذلك القول الذي تقدم ترجيحه لا نحتاج إلى هذه المسألة فهي لا تكون واقعة على ذلك المترجح، وإنما هذا مبني على المذهب ومن وافقه في أن الماء ينقسم إلى طاهر وطهور ونجس.
ـ فالمسألة: إذا اشتبه عليه ماءان أحدهما طاهر والآخر طهور ولا يدري أيهما الطاهر من الطهور؟؟ فالحكم قال: (يتوضأ منهما وضوءاً واحدة من هذه غرفة ومن هذا غرفة ومع صلاة واحدة) .
فإذن: يتوضأ منهما وضوءاً واحداً، ولكم بغسل العضو مرتين مرة بالماء الطهور ومرة بالماء الطاهر.
ـ وهو لا يدري أيهما الطاهر من الطهور ولكن الأمر يقع هكذا فيكون مرة بماء طهور ومرة بماء طاهر فحينئذ يتيقن أن العضو قد وقع عليه ماء طهور، ويكون وضوؤه وضوءاً واحداً فيغسل العضو مرتين.
مرة بهذا الماء ومرة بالماء الآخر لكي يتيقن أنه قد تطهر بالماء الطهور.
فإذن: تغسل الأعضاء مرتين وله ثلاثاً بتكرار أحدهما، ولكن الواجب أن يكون مرتين مرتين من هذا مرة ومن هذا مرة، فيكون حينئذ قد تيقن من وصول الماء الطهور إلى أعضائه.
ـ فإن توضأ من هذا وضوءاً ومن هذا وضوءاً؟ فالمصرّح به في المغني وغيره أن هذه هي الصورة.
ـ وشيخ الإسلام ابن تيمية ذكر في العمدة التي شرحها على طريقة الحنابلة ذكر أنه أن شاء توضأ وضوءين.
ـ وينبغي أن يكونا وجهين في المذهب.
فبعض الحنابلة قال: إنه يتوضأ وضوءاً واحداً كما تقدمت صورته.
ـ وبعضهم قال: يتوضأ وضوءين وضوء بهذا الماء ووضوء بالماء الآخر.
ـ ولكن القول الأول أصحّ؛ لأنه إذا فعل الطريقة الأخرى فإنه يكون في نيته غير جازم، فإنه في كلا الوضوءين غير جازم أنه يستخدم ما تصح به الطهارة.
والواجب أن تكون النية في الوضوء جازمة وهو ـ حينئذ ـ لا يكون جازماً بارتفاع حدثه في كلا الغسلين أو الوضوءين بخلاف ما إذا كان الوضوء واحداً.
إذن: هذه الطريقة هي الطريقة السالمة من هذا الإعتراض الذي تقدم ذكره، فيتوضأ وضوءاً واحداً بغسل كل عضو مرتين مرة بالماء الطهور ومرة بالماء الطاهر.
قال: (وصلى صلاة واحدة) :
فإذا توضأ بالماءين حينئذ يصلي صلاة واحدة.
ـ فإذا احتاج لأحد الماءين للشرب فما الحكم؟
قالوا: يتحرى فيبقى الماء الطاهر لشربه ويتوضأ بالماء الطهور.
وليس هذا بيقين.
لذا قالوا: فيحتاج حينئذ أن يتيمم مع ذلك.
وفي هذا نظر بل الأظهر أنه إذا احتاج إلى الماء للشرب فإنه ليس له أن يتوضأ من الآخر بل يكتفي بالتيمم.
ـ ولكن هذه المسألة كلها ـ كما تقدم ـ مبنية على القول بتقسيم الماء إلى طاهر وطهور ونجس والصحيح خلاف ذلك.
- قوله: ((وإن اشتبهت ثياب طاهرة ينجسه أو بمحرمه صلى في كل ثوب صلاة بعدد النجس وزاد صلاة)) :
ـ رجل عنده ثياب قد أصابت بعضها نجاسة وهو لا يعرف الثياب النجسة بعينها ولا يمكنه أن يأخذ ثوباً فيغسله ويتأكد من تطهره فما الحكم؟؟
قالوا: يصلي بعدد الثياب النجسة ويزيد واحدة.
مثال: رجل عنده عشرة ثياب يعرف أن ثمان (8) منها نجسه ولكن لا أدري ما هي بعينها، فيقال له: صلّ ثمان صلوات ثم زد صلاة تاسعة فيكون قد صلى تسع صلوات ويكون بذلك قد تيقن أنه صلى بثوب طاهر؛ لأنه قد أنفذ ثمان صلوات بثمان ثياب، ولنفرض أنها هي الثياب النجسة.
فتبقى هذه الصلاة الأخيرة يُتأكد من كونه قد صلى بثوب طهور.
فعلى ذلك: لو أن رجلاً عنده مائة ثوب نجس وثوب طاهر فإنه يصلي مائة صلاة ويزيد صلاة واحدة.
هذا هو مذهب الحنابلة.
قالوا: هذا إذا علم عدد ثيابه النجسة.
ـ أما إذا لم يعلم، قالوا: يصلي حتى يتيقن ولا يمكن أن يتيقن حتى يصلي فيها كلها، هذا إذا كان يقول: غالبها أو نصفها نجسه لكنه لا يدري عددها.
ـ أما إذا كانت كلها نجسه فإنه لا يحل له أن يصلي بشيء منها، هذا هو المشهور في المذهب حتى في المسألة الأخرى.
ـ وذهب بعض الحنابلة في المسألة الأخرى، أنه يتحرى لمشقة ذلك كما قال ذلك ابن عقيل وغيره.
ـ وذهب الشافعية والأحناف إلى القول بالتحري وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وهذا هو القول الراجح؛ لأن الله عز وجل قال: (فاتقوا الله ما استطعتم) (1) .
ولأن الله رفع الحرج عن هذه الأمة وفي فعل ذلك حرج، فكونه يضع هذه الصلوات الكثيرة منه حرج، كما أن الصلاة لا تصلى في أكثر من مرة إلا إذا ثبت فيها خلل فإنها تعاد، أما إذا لم يثبت فيها خلل فإنه ليس له أن يعيدها كما نهى عن ذلك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ.
إذن: الصواب: أنه إذا اختلطت عليه الثياب الطاهر والنجسة فلا يدري أين الطاهرة من النجسة.
فإنه يتحرى سواء علم عدد الثياب أو لم يعلم ذلك، فإنه يتحرى ويجتهد ثم يصلي وتجزئ صلاته، هذا هو القول الراجح.
ـ ومثل ذلك إذا كانت الثياب منها ثياب محرمة عنده وثياب مباحة ومنها ثياب محرمة لا يعلمها بعينها كأن يكون ثوباً أو مغصوباً ولم يتميز هذا الثوب المغصوب منها فإنه حينئذ يصلي بعدد الثياب المغصوبة ويزيد صلاة.
أو يصلي حتى يتيقن إن لم يعلم عدد الثياب النجسة، هذا هو المذهب.
ـ والراجح أنه يتحري (ما جعل عليكم في الدين من حرج) (1) .
والحمد لله رب العالمين.
الدرس الثامن: الثلاثاء 17/10/1414هـ (باب الآنية)
الباب: هو ما يدخل منه إلى المقصود سواء كان حسياً كأبواب الدور أو معنوياً كأبواب العلم.
والآنية: جمع إناء، ويجمع على "أواني": فهي جمع لها، فالإناء جمعه آنية، والآنية جمعها أواني.
ومثل ذلك: سقاء، وإسقية، وأساقي.
والإناء: هو الوعاء.
ـ واعلم أن المؤلف بدأ بباب المياه؛ لأن المياه هي مادة التطهر، والطهور هو مفتاح الصلاة التي هي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، وقد روى الإمام أحمد وغيره أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (مفتاح الصلاة الطهور) .
وهنا شرع المؤلف بعد باب المياه بباب الآنية؛ لأن الماء بطبيعته سيّال: يحتاج إلى طرق يحفظه، فشرع بذكر حكمها بعد باب المياه.
- قوله: ((كل إناء طاهر ولو ثميناً يباح اتخاذه واستعماله)) : كل إناء: من خشب أو صفر أو نحاس.
والإتخاذ المراد به: اتخاذه في المحل من غير استعمال وما دام الإستعمال مباحاً فأولى منه أن يباح الإتخاذ.
فكل إناء من الأواني من خشب أو صفر أو جلد ونحو ذلك يباح إستعماله كما يباح كذلك إتخاذه، وقوله: (ولو ثميناً) : لفظة: (لو) إشارة إلى خلاف.
ومثلها لفظة: (حتى) و: (إنْ) .
قال الشيخ محمد بن إبراهيم ـ رحمه الله ـ: (لو) : للخلاف القوي و (حتى) : للخلاف المتوسط و (إنْ) للخلاف الضعيف.
وقد قال: هنا: (لو) فهي للخلاف القوي، لكن ليس الأمر في الحقيقة على هذا، فإن الأمر من حيث القائل ضعيف، فإن ذلك هو قول الشافعي في أحد قوليه والشافعية اختاروا إتفاقاً قوله الثاني وهو جواز ذلك ـ أي جواز استعمالها ـ وهذا مذهب جمهور الفقهاء.
إذن: جمهور الفقهاء وهو أحد قولي الشافعي الذي اختاره أصحابه أن الأوعية الثمينة من الجواهر والزمرد أنها مباحة لا حرج فيها.
ـ وذهب الشافعي في أحد قوليه إلى أنها محرمة ـ أي إستعمالها ـ.
ـ أما حجة أهل القول الأول: فهي الأصل، فالأصل في الأشياء الإباحة كما قال تعالى: (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً) فكل ما في الأرض فهو مباح ما لم يثبت تحريمه، والأواني التي من الجواهر الثمينة مباحة ما لم يأت دليل يدل على تحريمها وليس هناك دليل على ذلك.
أما حجة الإمام الشافعي في قوله الآخر فهي: أن الأواني الثمينة فيها من الخيلاء والإسراف والكبر وكسر قلوب الفقراء.
وهذا القول قوي؛ لأن الشارع حرم الخيلاء والكبر والإسراف وكل ما هو ذريعة إلى المحرم فهو محرم.
ـ ثم إن الشارع حرم الإسراف، وفي الحديث (كلوا واشربوا والبسوا في غير اسراف ولا مخيلة) ، وهذا فيه إسراف وكسر لقلوب الفقراء.
فهذا قول قوي، والجمهور على خلافه وأن الأواني الثمينة استعمالها جائز.
والقول بتحريمها قول قوي لما في إستعمالها من الكبر والخيلاء والإسراف وكسر قلوب الفقراء.
وأجاب الجمهور ـ عن ذلك ـ بأن إستعمال الجواهر نادر.
ولكن هذا الجواب ضعيف؛ لأن الحكم تبع للوجود فمتى ما وجد هذا فإنه محرم ولو كان هذا على هيئة الندرة، نعم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم ينص على ذلك لندرته، فهذا يصح أن يكون دليلاً على عدم تنصيص النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على تحريم ذلك؛ لأن الغالب الكثير إنما هو استخدام الأواني من الذهب والفضة، وأما استخدامها من الجواهر ونحوها فإن ذلك نادر قليل.
فيصبح أن يكون ذلك سبباً لعدم ذكر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ تحريم استخدام الجواهر الثمينة في المطاعم والمشارب ونحوها.
وأما أن يكون ذلك دليلاً على الجواز فلا؛ فإن هذا الشيء وإن وقع نادراً فإن فيه علة الكبر والخيلاء ونحو ذلك من العلل فهو حرام.
فهذا القول قول قوي.
- قوله: ((إلا آنية ذهب وفضة)) :
فآنية الذهب والفضة من سائر الأواني قد نصّ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على تحريمها، يدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث حذيفة بن اليمان أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة) .
(صحافها) : جمع صحفة وهي ما يشبع الخمسة، ومثل ذلك غيرها من الأواني، وهذا إنما هو للغالب، فالغالب في الأواني أن يكون كذلك، وغيرها من الأواني لها نفس الحكم فالقصعة وهي ما تكفي العشرة، والمئكلة وهي ما يشبع الأثنين والثلاثة لها نفس الحكم.
(فإنها لهم في الدينا) : أي للكفار.
وقد ثبت في الصحيحين من حديث أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم) . ـ قوله: (الذي يشرب في آنية الفضة) : وأولى منها آنية الذهب فإنها أعظم وأشد وأقبح من الفضة في هذا الحكم: بل ثبت في مسلم في هذا الحديث نفسه: (من شرب في إناء ذهب وفضة) .
وقوله: (إنما يجرجر في بطنه نار جهنم) : أي إنما يصب في جوفه نار جهنم، والجرجرة: هي صوت الشراب الواقع في الجوف أو المتحرك في الحلق.
فهذا يدل على أن هذا الفعل من كبائر الذنوب.
فهذه عقوبة عظيمة لا يثبت مثلها، إلا لفاعل كبيرة.
فإذن: الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة من كبائر الذنوب وهذا مجمع عليه إلا ما روى عن داود الظاهري من إباحته للأكل ولعل ذلك لعدم بلوغ الحديث إليه.
- قوله: ((أو مضبباً بهما)) :
المضبب هو الإناء ينكسر فيوضع فيه صحفة من حديد أو نحاس أو ذهب أو فضة فتصل بعضه ببعض وتضم بعضه إلى بعض.
فهو إذن أن يكون في الإناء شعبة أو كسر ثم يؤتي بصحفة أو سلسلة من معدن من المعادن فيصل الطرفين بعضهما ببعض فهذه الضبة وهذا هو الإناء المضبب.
وقوله: (أو مضبباً بهما) أي كذلك ما كان مضبباً بالذهب والفضة.
وظاهره سواء كان قليلاً أو كثيراً فأي ضبه من فضة أو ذهب فإنها تحرم الأكل والشرب في الإناء وهذا هو مذهب جمهور الفقهاء من أن الضبة سواء كانت يسيرة أو كبيرة فإنها محرمة سواء كانت من ذهب أو فضة وسيأتي الكلام على الفضة إن شاء الله.
فإذن: الضبة محرمة وذلك لأن الشارع إذا نهى عن الشيء فإنه يدخل في النهي أجزاء ذلك الشيء.
فإذا حرم الشرب في آنية الذهب والفضة فكذلك الذي تتخلله فضة أو ذهب فهو محرم كذلك.
فإذن: الإناء الذي فيه ضبة من ذهب أو فضة محرم.
ـ ومثل ذلك المموه والمطلي بالذهب والفضة فهو محرم كذلك.
صورة المموه: بأن يؤتي بالإناء ثم يوضع في إناء قد صهر فيه ذهب أو فضة فتتموه ويأخذ من لون الذهب والفضة، فهذا محرم كذلك لوجود الذهب أو الفضة.
ـ وصورة المطلي: أن يجعل الذهب والفضة كهيئة الورق ثم بعد ذلك يلصقها بالإناء.