شرح زاد المستقنع للحمدصفحات 185-224
أهل الأثرالأرشيف العلمي

واستدلوا: بما رواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن فأرة وقعت في سمن فقال: (إن كان جامداً فألقوها وما حولها، وإن كان مائعاً فلا تقربوه) 1

  • وذهب أبو حنيفة وهو اختيار شيخ الإسلام: إلى أنه لا يتنجس إلا بالتغير كحكم الماء تماماً، ويمكن أن تزال النجاسة بأي طريقة من طرق الإزالة كما تقدم في الماء تماماً.
    فإذا وقع شيء يسير من النجاسة في زيت كثير ولم يغيره فهو طاهر، وإذا غيره فأضيف إليه شيء من الزيت فذهب التغير وزال أثر النجاسة فهو طاهر.
    واستدلوا: بما روى البخاري من حديث سفيان عن الزهري إلى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (في فأرة سقطت في سمن فماتت: (ألقوها وما حولها وكلوه) 1 ولم يفرّق النبي صلى الله عليه وسلم بين أن يكون مائعاً أو جامداً.
    وهذا مذهب ابن عباس وابن مسعود – كما رواه عنهما الإمام أحمد في مسائله، وهو مذهب طائفة من السلف وهو اختيار شيخ الإسلام – وأنه لا فرق بين جامد ومائع بل تلقى النجاسة وما حولها ثم ينظر في المتبقي، فإن كان هذا الزيت - مثلاً – المتبقي متغير بالنجاسة فهو نجس وإن لم يتغير بالنجاسة لا طعماً ولا لوناً ولا ريحاً فإنه طاهر.
    وأجابوا عن الحديث الأول بأنه معلول، فإن معمراً باتفاق علماء الرجال – كما قال شيخ الإسلام – كثير الغلط على الزهري، وهذا من غلطه عليه، فإن الرواة عن الزهري كما رووه بهذا اللفظ المتقدم، وغلط معمر فرواه بسند آخر إلى أبي هريرة فأخطأ في الإسناد ثم أخطأ في المتن بذكر الجامد، فهو وهم وغلط منه كما قرر ذلك البخاري والترمذي وأبو حاتم والدارقطني وكذلك ابن تيمية وابن القيم وغيرهم من أهل العلم، فعلى ذلك الحديث ضعيف لأنه معلول.

وعلى ذلك الراجح ما ذهب إليه أهل القول الثاني: وأن النجاسة إذا وقعت في المائعات من دهن أو غير ذلك أو وقعت في بعض الأطعمة ونحوها، فإننا نزيل النجاسة وما حولها مما تنجس، وإن كان الزيت أو غيره طاهراً لم يتغير بالنجاسة فهو على ظاهره طاهر، وأما إن كان متغيراً بالنجاسة وأمكن إزالة النجاسة عنه بأي طريقة فأزيلت فإنه يطهر أيضاً، كحكم الماء تماماً.
ولا شك أن هذا أولى من الماء؛ لما فيه من إفساد المال بوقوع أدنى نجاسة فيه.
قوله: (وإن خفي موضع نجاسة غسل حتى يُجزم بزواله) إذا خفي موضع نجاسة وكان الموضع ضيقاً لا مشقة في تغسيله كله كأن تقع نجاسة على ثوب أو على موضع صلاة صغير أو نحو ذلك يمكن أن ينظف كله ولا مشقة في ذلك فوقعت النجاسة ولا يدرى موضعها فإننا نغسل كل الموضع حتى نتيقن من زوال النجاسة.
أما إذا كان واسعاً كأن يكون بقعة من الأرض في فضاء أو نحو ذلك فإنه – حينئذ – لا يجب عليه ذلك بل يتحرى في أي موضع النجاسة ثم يغسله لمشقة غسل الموضع كله، بل يغسل ما يتوقع فيه النجاسة أو يتحرى فيغسل هذا الموضع الذي يظن أن النجاسة واقعة فيه.
فإذا لم يكن هناك ظن فإنه يصلي حيث شاء من المواضع ولا شيء عليه في ذلك.
أما إذا يمكن أن يغسله كله ولا مشقة في ذلك فيجب عليه أن يغسله كله.
والحمد لله رب العالمين.

الدرس الحادي والأربعون (يوم الثلاثاء: 27 / 12 / 1414 هـ)

قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويطهر بول غلام لم يأكل الطعام بنضحه) " بول " دون غائطه.
" غلام " وهو الصبي الذي لم يبلغ، ويقابله الجارية وهي الصبية التي لم تبلغ.
" لم يأكل الطعام " فطعامه لبن أمه أو غيره، ولا يكون الطعام أي ليس الطعام المأكول من خبز أو نحوه فليس هو مطعمه بخلاف ما قد يوضع فيه مما لا يكون عن اختيار منه فإن هذا لا يعتبر أكلاً يثبت تغير الحكم عليه، كأن يوضع في فيه شيء من التمر أو يلعق عسلاً أو نحو ذلك.

" بنضحه " النضح هو الرش أي الغمر والمكاثرة بالماء من غير أن يجري الماء كما يجري في الغسل، بل مجرد ما يريق الماء على موضع النجاسة مكاثرة وغمراً لها به غير أن يكون بإزالته واستخراجه، فهذا هو النصح.
ودليل ذلك: ما ثبت في مسند أحمد وسنن أبي داود والترمذي وغيرهم بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ينضح من بول الغلام ويغسل من بول الجارية) 1 .

وثبت في الصحيحين من حديث أم قيس رضي الله عنها قالت: (جئت النبي صلى الله عليه وسلم بابن لي لم يأكل الطعام فأجلسه النبي صلى الله عليه وسلم في حجره فبال عليه فدعا بماء ونضحه ولم يغسله) 1 فإذن وهذا مختص بالغلام الذي لم يأكل الطعام أما غيره والجارية فإنه يجب فيه الغسل.
وهل يقاس عليه القيء أم لا؟ قالوا: ويقاس عليه القيء إذا كان من غلام لم يأكل الطعام، وهذا مبني على ما ذهب إليه جمهور العلماء من أن القيء نجس، والقيء هو: ما يخرج من الطعام من المعدة.
وجمهور العلماء على أنه نجس، فعلى ذلك يجب غسل ما يصيب من الثياب.
وهذا من باب القياس، فقاسوه على البول والغائط، فكما أن هذا مستخرج من الطعام فكذلك هذا فهذا من باب القياس.
وهذا قد حدث به من النتن والفساد كما حدث في البول والغائط ولما روى الدارقطني والبيهقي عن عمار بن ياسر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (إنما تغسل ثوبك من البول والغائط والمني والمذي والدم والقيء) (2) . لكن الحديث ضعيف وقد ضعفه البيهقي والدارقطني.

  • وذهب بعض أهل العلم وهو مذهب الظاهرية: إلى أن القيء ليس بنجس واختاره الشوكاني؛ لأن الأصل في الأشياء الطهارة، وقياسه على البول والغائط ليس أولى من قياسه على المخاط والعرق فإنها – كذلك – يخرج من البدن وقد ظهر فيها نتن وفساد وهي متحللة من طعام، وقد دلت الأدلة الشرعية – وهو مذهب الحنابلة – على أن المخاط والعرق طاهر، ومما يدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فإذا تنخع أحدكم فليتنخع عن يساره أو تحت قدمه فإن لم يجد فليفعل هكذا فتفل في ثوبه فمسح ببعضه بعض) 1 وهذا في الصلاة، فإذا ثبت فمعلوم أن الصلاة لا يحل أن يقع في ضمنها شيء من النجاسة فهذا يدل على أن النخامة 2 ليست بنجسة.
    وقياس القيء به أولى من قياسه بالغائط والبول، وحقيقة القيء إنما هو هذا الطعام الذي دخل إلى المعدة فخرج بسبب المرض متغيراً بشيء من الفساد والنتن فمثل هذا لا يقال بنجاسته، فإن نقل هذا الطعام إلى النجاسة بسبب تغيره في المعدة لا يدل على نجاسته.
    فالراجح: أن القيء ليس بنجس.
    وإذا قلنا بنجاسته فإن ما يقع من الصبي الغلام الذي لم يأكل الطعام فإنه يكفي في قيئه النضح، ويجب الغسل فيما يكون من الجارية والغلام الذي يأكل الطعام كما يكون ذلك في البول.

قوله: (ويعفى في غير مائع ومطعوم عن يسير دم نجس من حيوان طاهر) " ويعفى ": فهذا في النجاسة المعفو عنها.
" في غير مائع ": من ماء أو زيت ونحوهما.
" ومطعوم ": كالخبز أو نحو ذلك.
" عن يسير ": عرفاً.
" دم نجس ": لا دم طاهر، فإن الدم الطاهر معفو عنه كله، فكله عفو.
ومثلوا للدم الطاهر بدم الشهداء فإنه طاهر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بغسله.
ومثل ذلك: دم مأكول البحر، فما يخرج من مأكول البحر من الدم فهو طاهر.
إذن: إذا وقع دم نجس كالدم الذي يخرج من البهيمة، أو من الآدمي على المذهب فإذا وقع شيء من هذه الدماء - الدماء خاصة ليس سائر النجاسات – إذا وقع على ثوب أو بقعة – لا على ماء أو زيت وكان ذلك على 1 حيوان طاهر ليس من حيوان نجس ككلب أو خنزير فإنه لا تعفى منه.
إذن: يعفى من النجاسات عن الدم النجس اليسير إذا كان من حيوان طاهر وكان وقوعه على ثوب أو نحوه.
وهذه التفاصيل في الحقيقة لا دليل عليها.

  • لذا ذهب شيخ الإسلام رحمه الله وهو مذهب أبي حنيفة: إلى أنه يعفى عن يسير النجاسات مطلقاً سواء كانت في مائع أو غيره ولكن بقيد: وهو أن يكون يشق التحرز منها.
    قياساً على النجاسة المعفو عنها في موضع الاستجمار، فإن الاستجمار لا يذهب أثر النجاسة كما هو معلوم، وما يبقي بعد الأثر معفو عنه، فقد عفي عنه لمشقة التحرز منه فكذلك عامة النجاسات التي يشق التحرز عنها فإنه يعفى عن يسيرها.
    والمراد باليسير: اليسير عرفاً.
    مثال ذلك: رجل يشتغل بالجزارة فإنه قد يتساقط على ثوبه قطرات من الدم يشق عليه أن يتحرز منها ليصلي – دائماً – بثوب خال من ذلك، فإنه عندما يصلي وعليه شيء من القطرات اليسيرة فلا بأس بذلك.

ومثاله أيضاً: في المجروح، فإنه إذا توقف عنه الدم فإنه يبقى في موضع الدم قطرات – وقلنا: على المذهب بأن الدم من الآدمي نجس – فإن هذه القطرات التي تكون في موضع الجرح معفو عنها.

قال: (وعن أثر استجمار بمحله) كما تقدم.
" بمحله ": أي موضع الاستجمار.
وأما إذا خرج بسبب عرق أو نحوه إلى الثوب فإنه لا يعفى عنه.
وهذا ضعيف، فإنه من المعلوم أن مثل هذا يقع غالباً كما يكون هذا في الاستجمار، فإذا وقع على الثوب المقابل لموضع الاستجمار فإنه لا حرج فيه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بغسله وهذه رواية عن الإمام أحمد اختارها ابن القيم والشيخ عبد الرحمن السعدي وغيرهما.

  • وعند لفظة الدم: اعلم أن جماهير العلماء على أن الدماء الأصل فيها النجاسة سوى ما دلت الأدلة الشرعية على استثنائه كدم الشهداء، وكدم مأكول اللحم البحري وكالدم الذي يكون في اللحم المذبوح وما يكون في العروق فإن هذا كله معفو عنه وأما سواه من الدم فإنه نجس – هذا مذهب جمهور الفقهاء -. فعلى ذلك: دم الآدمي نجس، ودم مأكول اللحم البري كالشاة ونحوها نجس، وكذلك غيرها من الدماء.
    واستدلوا: بقوله تعالى ﴿قل لا أجد فيما أوحى إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس " أي نجس " أو فسقاً أهل لغير الله به﴾ أي لا أجد فيما أوحى إلى محرماً من الأطعمة إلا هذه الأربع وهي: الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير فإنها رجس، والرابع هو الفسق الذي أهل به لغير الله وهو ما خرج به عن طاعة الله وأمره وشرعه ولو حيدة بأن ذبح لغير الله، فهذه الأربعة هي المحرمة وقد دلت الأدلة الشرعية على عدم الاكتفاء بها، فقد ورد بعد ذلك آيات وأحاديث مدنية تدل على مزيد من المحرمات وسيأتي ذلك – في باب الأطعمة إن شاء الله –.
  • وذهب الظاهرية وهو اختيار الشوكاني: إلى نقيض القول المتقدم، وهو أن الدماء كلها طاهرة إلا 1 ما استثني بالنجاسة فدم الحيض قد دلت الأدلة الشرعية على نجاسته كقوله صلى الله عليه وسلم: (تحته ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه وتصلي فيه) 2 قالوا: فهذا يدل على أن دم الحيض والنفاس نجس.
    وأما ما لم يرد الدليل بنجاسته فهو طاهر.
    واستدلوا: بالأصل، فإن الأصل في الأشياء هو الطهارة.
    والأظهر ما ذهب إليه جمهور العلماء، فإن الرجس في هذه الآية هو النجس وقرينة ذلك أن الله لما ذكر هذه الثلاثة وحكم عليها بالرجسية أضاف إليها بعد ذلك ما أهل به لغير الله من الفسق، ومعلوم أن ما أهل به لغير الله من الفسق رجس – كذلك – معنوي فإنه نجاسة معنوية كما أن الأزلام والميسر والأنصاب رجس معنوي، فإن هذا الذي أهل به لغير الله رجس معنوي، فعلم من ذلك أن المراد بالرجس في الثلاثة الأولى أنه الرجس الحسي وهو القذر الشرعي فالمراد به النجاسة التي حكم الشارع عليها بالنجاسة، فعلى ذلك: الميتة والدم ولحم الخنزير أنجاس لهذه الآية الكريمة.
    إذن: الراجح أن الدماء كلها نجسة سوى ما دلت الأدلة على استثنائه كدم الشهيد ونحوه.
    وهذا هو القول الراجح إلا أنه ينبغي أن يستثنى دم الآدمي مطلقاً خلافاً للجمهور، لأن الأدلة الشرعية دلت على ذلك:

فمنها ما تقدم في قصة عباد بن بشر وعمار بن ياسر فلما صلى في ثوبه عباد أصابه السهم فانتزعه وقد أهريق الدم على ثوبه ثم أتى السهم الثاني ثم الثالث وهو في صلاته وكان ذلك في غزوة مع النبي صلى الله عليه وسلم ولابد أن مثل هذا يبلغ النبي صلى الله عليه وسلم وقد أقره على أن هذا ليس بنجس إذ لو كان نجساً لبين له النبي صلى الله عليه وسلم أنه يجب عليه أن يقطع صلاته وما زال المسلمون يصلون بجراحاتهم، كما قال الحسن البصري 1 وقد تقدم البحث في هذه المسألة في باب سابق فالراجح أن دم الآدمي طاهر.
ويقاس كذلك على ما يكون من الحيوانات طاهراً في الممات كميتة البحر وكما لا دم له فإنها طاهرة في الممات فيقاس عليها الآدمي فإنه طاهر في الحياة.
فالراجح: أن دم الآدمي طاهر وأما سائر الدماء فإنها نجسة إلا دم الحيض والنفاس فإنه نجس للحديث.

قال: (ولا ينجس الآدمي بالموت) الآدمي من مسلم وكافر لا ينجس بالموت، ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن المؤمن لا ينجس) 2 متفق عليه.
ولما دلت عليه الأدلة الشرعية من وجوب غسل الميت فإن ذلك يدل على طهارته إذ لو كان نجساً بمماته لما شرع تغسيله إذ لا فائدة من ذلك.

ويقاس عليه الآدمي الكافر فإن حكم الطهارة والنجاسة فيهما واحد، وهي الطهارة الحسية وإنما الفارق بينهما في الطهارة أو النجاسة المعنوية، فالمؤمن طاهر حساً ومعنى، وأما الكافر فإنه طاهر حساً ونجس معنى، قال تعالى ﴿إنما المشركون نجس﴾ 1 أي في شركهم بالله تعالى بدليل جواز نكاح الكتابيات وحل ذبائحهم ولو كان الكفار أنجاساً حساً لما جاز ذلك ولأمر الناس أن يغسلوا أيديهم بمسهم فدل ذلك على أنهم طاهرون، وهذا مذهب جمهور أهل العلم.
فالآدمي مطلقاً سواء كان كافراً أو مسلماً فهو طاهر وأما الكافر فنجاسته معنوية، فعلى ذلك لا تغسل الأيدي ولا الثياب التي لبسوها ومست أبدانهم ووقع عليها شيء من عرقهم فإن كل ذلك لا يؤثر لأنهم طاهرون حساً.
وعرق الآدمي وريقه ومخاطه كل ذلك طاهر باتفاق العلماء.
ودليل ذلك: ما تقدم من حديث النخامة وغيرها مثلها أو هو أولى منها بهذا الحكم.
قال: (ومالا نفس له سائلة متولد من طاهر) " ومالا نفس ": أي ما لا دم له، فالنفس هنا هي الدم، وهذا معروف في لغة العرب؛ وذلك لأن قوام النفس بالدم فسمي نفساً.
" سائلة ": أي ليس له دم يسيل إذا حدث قتل أو جرح فإنه لا يسيل دمه كالجراد والذباب والبعوض وغير ذلك مما لا دم له سائل.
" متولد من طاهر ": هذا قيدٌ، فلا بد أن يتولد من طاهر، فإن تولد من نجس كما يكون من الحشرات في الحشوش ونحوها فهذا لا يدخل في هذا الحكم، لكن هذا مبني على عدم الطهارة بالاستحالة وهذا كما تقدم ضعيف.
فالراجح: الطهارة بالاستحالة، إذن: هذا الاستثناء ليس بوجيه.
فعلى ذلك: كل ما لا نفس له سائلة سواء تولد من شيء طاهر أو من شيء نجس فإنه طاهر ولا ينجس الماء ونحو ذلك، فإذا وقع شيء مما تقدم ذكره حياً كان أو ميتاً – في ماء ونحوه - فإنه لا ينجس هذا الماء ولو تغير به.
فإذن: كل ما لا نفس له سائلة فإنه طاهر حياً وميتاً.

إذ العلة عند جماهير العلماء من تحريم الميتة والحكم بنجاستها هو الدم وهذا ليس له دم سائل.
وقد دل على ذلك ما في البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء) 1 وهذا يدل على أن كل ما ليس له نفس سائلة فإن له هذا الحكم وأنه لا ينجس الإناء وأن ميته طاهر، وهذا هو مذهب جمهور الفقهاء.
والحمد لله رب العالمين.

الدرس الثاني والأربعون (يوم الأربعاء: 28 / 12 / 1414 هـ)

قال المؤلف رحمه الله: (وبول ما يؤكل لحمه وروثه ومنيه – إلى أن قال – طاهر) هذا في حكم بول ما يؤكل لحمه وروثه ومنيه وأنها طاهرة.
وما يؤكل لحمه: كبهيمة الأنعام وغيرها مما هو من المطعومات فإن بوله وروثه وريقه ومنيه طاهر.
فإن بوله وروثه طاهران وكذلك من باب أولى منيه وريقه ودمعه ومخاطه وغير ذلك.

ودليل هذا: ما ثبت في الصحيحين عن أنس بن مالك قال: (قدم ناس من عُكل أو عُرينة فاجتووا المدينة فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يشربوا من أبوال الصدقة وألبانها) 1 أي أبوال الإبل وألبانها ولو كانت نجسة لما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يشربوا منها، لأنها نجسة والنجس محرم أن يطعم لقوله تعالى ﴿قل لا أجد فيما أوحى إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس﴾ (2) فالأنجاس لا يجوز أن تطعم ولو كان ذلك للتداوي بها.
فإن الدواء لا يكون لأمة محمد بما حرم الله عليها كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم – في صحيح مسلم وغيره 2 – ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يغسلوا أفواههم ولا أوانيهم فدل ذلك على أنها طاهرة.

ويدل على ذلك ما ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلوا في مرابض الغنم) 1 ومعلوم أن مرابضها ومباركها لا تخلو من بول وروث فدل ذلك على أنها بقعة طاهرة مع وجود ما يكون فيها من البول والروث.
فدل ذلك على أن أبوالها وأرواثها طاهرة، ومثل ذلك – بل أولى منه – المني والدمع والريق – ونحو ذلك.
أما بول ما لا يؤكل لحمه وبول الآدمي فإنها نجسة بالاتفاق.
أما الآدمي، فإن الأدلة عليه ظاهرة كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه) 2 وقوله صلى الله عليه وسلم – في الصحيحين -: (كان لا يستنزه من البول) 3 ولفظة البول هنا: " أل" فيها عهدية بدليل ما ورد في البخاري: (من بوله) ، فلا يرد هذا على القول بطهارة أبوال الإبل، فإن البول هنا لا يدخل فيه بول الإبل ونحوها، بل المراد بذلك البول المعهود وهو بول الآدمي.

ويقاس عليه: بول ما لا يؤكل لحمه – بل أولى في هذا الحكم من بول الآدمي.
بخلاف ما يؤكل لحمه فإنه طاهر.
إذن: كل بول وروث فهو نجس سوى ما يكون مما يؤكل لحمه فإنه طاهر.

قال: (ومني الآدمي) مني الآدمي طاهر.
ودليل ذلك: ما ثبت في مسلم عن عائشة قالت: (كنت أفركه من ثوب النبي صلى الله عليه وسلم فركاً فيصلي فيه) 1 . وثبت في مسند أحمد وصحيح ابن خزيمة بإسناد صحيح عن عائشة قالت: " كان النبي صلى الله عليه وسلم يسلت المني بعرف الإذخر ثم يصلي فيه، ويحته من ثوبه يابساً فيصلي فيه " 2 . إذا كان رطباً فإنه، فإنه يسلته بعود الإذخر، وإذا كان رطباً فإنه يحته ثم يصلي فيه.
ومثل هذا يدل على أنه ليس بنجس لأن الأنجاس يجب غسلها أو نضحها، فلما كان كافياً في ذلك الفرك أو الحك أو الحت دل ذلك على أنه ليس بنجس.

  • وذهب الأحناف والمالكية: إلى أنه نجس.
    واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يغسل المني) 3 وقالت: (كنت أغسل المني من ثوب النبي صلى الله عليه وسلم) (4) قالوا: فلما ثبت الغسل دل على أنه نجس.

لكن هذا ضعيف لثبوت الفرك، فدل هذا على [أن] الفرك والغسل ثابتان، فدل على أن الفرك يجزئ في المني، وما دام يجزئ فهذا يدل على أنه ليس نجس.
فعلى ذلك يفرك ويغسل وكلاهما يثبت به السنة، ثم إنه أصل الخليقة بما فيهم أنبياء الله ورسله والصديقون والشهداء وبقية عباد الله الصالحين فلا يستقيم مع ذلك أن يكون نجساً 1 . ثم إن الأصل في الأشياء الطهارة، ولم يرد دليل صريح يدل على نجاسته بل ولا دليل ظاهر، بل الأدلة دالة على أنه طاهر وليس بنجس.

قال: (ورطوبة فرج المرأة) رطوبة فرج المرأة طاهر أيضاً قالوا: قياساً على المني – هذا هو المذهب –.

  • وذهب الشافعي: إلى أنه نجس.
    واستدل: بما ثبت في الصحيحين من حديث زيد بن خالد قال: قلت لعثمان بن عفان: أرأيت الرجل يجامع امرأته ثم لا يمني فقال: (يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ويغسل ذكره 2 سمعت ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم ". أما الشطر الأول: وهو قوله: (يتوضأ كما يتوضأ للصلاة) فقد دلت الأدلة الشرعية على نسخه كما تقدم هذا في باب الغسل وأن من جامع زوجته وإن لم ينزل يجب عليه الغسل ولا يجزئه الوضوء، وأن الوضوء رخصة في أول الإسلام.
    وأما الشطر الثاني: فهو محكم قال (ويغسل ذكره) وذلك من رطوبة فرجها فدل ذلك على نجاسته.
    وهذا القول أصح؛ فإن لفظة: (ويغسل ذكره) خبر بمعنى الإنشاء فيكون ذلك يدل على وجوب الغسل.

وأما أهل القول الأول فقالوا: هذا على الاستحباب.
والأظهر هو الوجوب وأن رطوبة فرج المرأة نجس.
وهل ينقض الوضوء أم لا؟ جمهور أهل العلم على أنه ينقض الوضوء، فإذا سال من فرجها انتقض وضوؤها من ذلك، لأنه خارج من السبيلين وكل خارج من السبيلين – كما تقدم- سواء كان معتاداً أو لم يكن – فإنه ينتقض به الوضوء – والمراد بالرطوبة الخارج، فما خرج من رطوبتها انتقض به وضوؤها.

قال: (وسؤر الهرة وما دونها في الخلقة طاهر) السؤر: هو بقية الشيء، والمراد به: بقية الطعام أو الشراب.
فسؤر الهرة وما كان دونها في الخلقة من الطير أو الدواب التي تدب على الأرض، فكل ما كان مثلها في الخلقة أو دونها فإنه طاهر، وسؤره طاهر.

فإذا شرب من الماء فإنه لا ينجس بذلك، ودليل ذلك: ما ثبت عند الخمسة بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال – في الهرة -: (إنها ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم) 1 فهذا يدل على أنها ليست بنجس ويقاس عليها كل ما ماثلها في الخلقة أو كان دونها – كذا في المذهب –. لكن هذا القياس فيه نظر، لأن الشارع لم يعلل ذلك بحجمها وإنما علله بكونها من الطوافين علينا فيشق التحرز من نجاستها لقوله: (إنها من الطوافين عليكم) فهذا يدل على أن العلة كونها من الطوافين فيشق التحرز من نجاستها.
ومع ذلك فإن ما ذكروه صحيح ولكن ليس لهذا القياس بل للأصل، فإن الأصل في الأشياء الطهارة فالهرة وما دونها في الخلقة طاهر، االهرة فقد دل الحديث على ذلك، وأما ما قابلها في الخلقة أو كان دونها فليس للقياس عليها وإنما لدليل آخر وهو الأصل.

فإن أكلتْ شيئاً نجساً فإن ريقها يطهره إذا طال الفصل كما قرر هذا شيخ الإسلام وغيره من أهل العلم وهو قول في مذهب أحمد وغيره: أنها متى أكلت شيئاً من النجاسات فإن الفصل إذا أطال بحيث يظن أو يعلم أن النجاسة قد ذهبت بريقها، فإن ريقها مطهر له.
وهذا مقتضى الدليل فإن الهر يأكل النجاسات كما هو معلوم ومع ذلك حكم الشارع بطهارة سؤره فدل ذلك على أن ريقها مطهر لما تضع من 1 فمها من النجاسات.
قال: (وسباع البهائم والطير والحمار الأهلي والبغل منه نجسة) " والبغل منه ": أي البغل من الحمار الأهلي، بخلاف البغل من الحمار الوحشي أي المتولد منه، لأن الحمار الوحشي طاهر لأنه يباح أكله فعلى ذلك بوله وروثه وغير ذلك – من الوحش – طاهر.
فقيده هنا بالأهلي ليخرج الوحشي، لذا قال: (والبغل منه) أي من الحمار الأهلي.
" سباع البهائم ": كالأسد والذئب ونحو ذلك.
" والطير ": كالنسر والصقر أو غير ذلك.
فهذه كلها نجسة هذا هو المذهب ودليل ذلك: ما ورد في مسند أحمد والثلاثة بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم: (سئل عن بئر بضاعة وما يرد إليه من السباع والدواب فقال: (الماء طهور لا ينجسه شيء) 2

والشاهد قوله: (وما يرد عليه من السباع والدواب) ولو كانت طاهرة لما سكت النبي صلى الله عليه وسلم عن قول ذلك ولقال له: إن السباع طاهرة وليست بنجسة.
وذهب الشافعية إلى أن هذه الأشياء طاهرة تمسكاً بالأصل، لأن الأصل في الأشياء هو الطهارة.
ولما روى ابن ماجه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الحياض التي تكون بين مكة والمدينة وما يرد إليها من السباع فقال: (لها ما شربت ببطونها ولنا ما غبر " أي بقى" طهور) 1 لكن الحديث ضعيف لا يحتج به.
ومع ذلك: فإن الراجح ما ذهب إليه أهل القول الثاني ذلك للأصل الذي تمسكوا به.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبين للأمة مع كونهم يركبون البغل والحمار، لم يبين لهم أنها نجسة وأن عرقها الخارج منها نجس وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.

وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله ورسوله ينهانكم عن لحوم الحمر الأهلية فإنها رجس) 1 متفق عليه فإنها نجسة ميتة، فلحمها نجس ولا شك أنها إذا ماتت فهي نجسة ولو كانت بذكاة لأن الذكاة لا تغير شيئاً فهي ميتة وأن ذكيت فلحمها نجس.
وهذا لا يدل على أنها نجسة في حال الحياة، فكم من طاهر في الحياة وهو نجس في الموت، فالهرة ونحوها هي نجسة في الممات وهي طاهرة في الحياة.
فإن قيل: فما الجواب عما استدلوا من قوله: (وما يرد إليه من السباع والدواب) ؟ فالجواب: أن هذا ليس صريحاً في أن النجاسة المسكوت عنها أن ذلك بسبب سؤرها، بل يكون ورودها مظنة بولها وروثها في هذه المياه، فلما كان ورودها مظنة ذلك سئل عنها النبي صلى الله عليه وسلم فهي غالباً ما يقع شيء من نجاستها في هذه المياه عندما ترد إليها، فيكون هذا السؤال من هذا السائل كناية عن ذكر بولها وروثها وغير ذلك من نجاستها أي هي ترد عليه فلا يسلم أن يقع فيه شيء من بولها أو غيره وهي أشياء نجسة فهل ينجس الماء بذلك أم لا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (إن الماء طهور لا ينجسه شيء) . وقد ذهب الموفق وبعض الحنابلة كصاحب الإنصاف إلى اختيار القول بطهارة البغل والحمار؛ للدليل المتقدم وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن بن سعدي.
ومثله – على الراجح – بقية هذه الحيوانات.
فإذن: كل الحيوانات طاهرة إلا الكلب والخنزير فإنها نجسة هذا على الراجح.

فعلى ذلك سباع البهائم والطير كل هذه طاهرة سواء كانت كالهرة فما دون أو كانت أعظم منها خلقة فكلها طاهرة.
وقياس الحمار الأهلي على الهرة أولى من قياس ما دونه في الخلقة لكونه من الطوافين، فكونه يقاس أولى من أن يقاس ما دون الهرة في الخلقة لأن العلة منضبطة فيه وليست منضبطة فيما دون الهرة لكونها قد لا تكون من الطوافين علينا.
إذن: الراجح: أن كل الحيوانات طاهرة إلا ما دل الدليل على نجاسته كالكلب والخنزير.
وهذا هو مذهب الشافعية والمالكية.
مسألة: حكم المذي والودي: أما المذي: فإنه نجس اتفاقاً لقوله صلى الله عليه وسلم في المتفق عليه قال: (يغسل ذكره ويتوضأ) 1 . واعلم أن الواجب عند جمهور العلماء الغسل لا النضح وأن النضح لا يجزئ بل يجب أن يغسل ما أصاب ثوبه من المذي غسلاً لا نضحاً.
وعن الإمام أحمد رواية اختارها شيخ الإسلام وهي جواز النضح وإجزاؤه.
لما ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (توضأ وانضح فرجك) 2 .

وبما ثبت في مسند أحمد وسنن الترمذي والنسائي بإسناد صحيح من حديث سهل بن حنيف: أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (فكيف بما أصاب الثوب منه) فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما يكفيك أن تأخذ كفاً من ماء فتنضح منه ما أصاب ثوبك منه) 1 . فهذا يدل على صحة ما ذهب إليه شيخ الإسلام من أنه يجزئ النضح أي الرش وغمر الماء كما تقدم في نضح بول الغلام الذي لم يأكل الطعام.
ويجب غسل الذكر والأنثين لما ثبت في أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يغسل ذكره وأنثييه) 2 وأما الودي: فقد أجمع أهل العلم على نجاسته.
فعلى ذلك: يجب غسله لأن الأصل في النجاسات هو الغسل، فعلى ذلك يجب أن يغسل وليس في حكم المذي في جواز النضح بل يجب غسله لأن هذا هو الأصل في إزالة النجاسات وأن النضح لا يجزئ إلا ما دل الدليل عليه، وليس هناك دليل، فعلى ذلك يجب الغسل ولا يجزئ فيه النضح وهو ليس بمعنى المذي.

والحمد لله رب العالمين.

الدرس الثالث والأربعون (يوم السبت: 1 / 2 / 1415 هـ) باب الحيض

الحيض: أصله في لغة العرب: السيلان، ومنه حاض الوادي إذا سال.
أما في الاصطلاح فهو: دم طبيعة وجبلة يرخيه رحم المرأة عند بلوغها في أوقات معتادة وهو دم أسود كأنه محترق كريه الرائحة.
والحيض يترتب على معرفته أبواب كثيرة من أبواب العلم، من أبواب الطهارة والصلاة والصيام والحج والطلاق وغيرها من الأحكام التي ترتبت على معرفته، فكان من أهم الأبواب الفقهية.
قال المؤلف رحمه الله: (لا حيض قبل تسع سنين، ولا بعد خمسين سنة) " قبل تسع سنين ": أي قبل تمامها والشروع في العاشرة فإذا لم يتم للمرأة تسع سنين فإن الدم الخارج منها وإن كان فيه علامات الحيض تماماً فلا يحكم بأنه حيض.
فإذا خرج منها دم فإنه يعتبر دم فساد ولا يكون له حكم الحيض، فحينئذ لا يعطى هذا الدم حكم الحيض بل يكون دم فساد فلا يثبت به البلوغ، ولا يترتب على هذا الدم أي شيء من أحكام الحيض.
وكذلك لا حيض بعد الخمسين، فإذا بلغت المرأة الخمسين أي تم لها خمسون سنة ثم أتاها دم كدم الحيض، فإن هذا الدم ليس بدم حيض.
واستدلوا: على هذه المسألة بالواقع وعدم المعرفة، وأنه لا يعرف أن امرأة حاضت قبل تسع سنين ولا حاضت بعد خمسين سنة.
لكن هذا الدليل ضعيف إذ عدم العلم ليس معناه العدم فكونك لا تعلم ولم يبلغك العلم بشيء من الأشياء لا يعني أن هذا الشيء معدوم.
فكون هؤلاء الفقهاء لم يبلغهم أن امرأة حاضت قبل تمام التسع أو بعدم تمام الخمسين، لا يعني أن هذا لم يقع أو أنه لا يقع مطلقاً.
والراجح: ما ذهب إليه شيخ الإسلام في هاتين المسألتين وهو مذهب المالكية والشافعية في المسألة الثانية، أما في المسألة الأولى فقد وافقوا الحنابلة.

فالراجح: أنه لا حد لأقل سن الحيض ولا لأكثره، بل متى ما رأت الحيض فهي حائض سواء كان ذلك قبل تمام التسع أو كان بعد تمام الخمسين؛ ذلك لأن هذا الدم دم حيض وهو أذى وقد توفرت فيه صفات الحيض الطبيعي فهو دم قد خرج من رحم المرأة وتوفرت فيه صفات دم الحيض فحينئذ يعطى حكم الحيض، لعدم الدليل الدال على أنه ليس بحيض.
والأصل أنه ما دام قد خرج من رحم المرأة بصفاته المعتبرة فإنه – حينئذ – دم حيض وكوننا لا نطلق عليه دم حيض ولا نعطيه حكمه هذا يحتاج إلى دليل يدل على ذلك إذ الأصل أنه دم حيض ولا دليل يدل على [خلاف] ذلك.
والواقع كون هذا يبلغه شيء وهذا لا يبلغه لا يعني أن يحتج من لم يبلغه هذا الشيء على من بلغه فإن القضية قضية وقوع وكونه لم يبلغ وقوعه من قال بهذه المسألة لا يعني أن الأمر ليس واقعاً حقيقة.
إذن: الراجح ما ذهب إليه شيخ الإسلام في المسألة الأولى وكذلك في المسألة الثانية، وهو مذهب المالكية والشافعية وأنه لا أقل لسن الحيض - كما أنه لا أكثر له، بل متى رأت الدم الذي توفر فيه شروط دم الحيض فإنه يجب عليها التكاليف الشرعية وحينئذ: يترتب على هذا الدم الخارج فيها أحكام الحيض تماماً.
قال: (ولا مع حمل) فالحيض مع الحمل ليس بمعتبر.
فلو أن امرأة رأت الدم وهي حامل فإن هذا الدم لا حكم له، وحينئذ يكون دم فساد، وحينئذ تكون طاهرة وتتوضأ وتصلي لأنه خارج من السبيل، فحينئذ يكون لها حكم المستحاضة، أن تحفظ هذا الدم وتتوضأ وتصلي.
إذن: المذهب أن الحامل لا تحيض فإذا خرج منها دم وإن كان كدم الحيض تماماً فليس له حكم الحيض وإنما كحكم دم المستحاضة فحينئذ تتوضأ وتصلي ولا يترتب على هذا الدم شيء من أحكام الحيض مطلقاً وهو مذهب الأحناف.

  • وذهب المالكية والشافعية: إلى أن الحامل تحيض، وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، وهو أن الحامل تحيض، فمتى ما وقع ذلك فإنه حيض تثبت له الأحكام الشرعية المترتبة على الحيض.
    قالوا: لأنه دم خرج من رحمها، وقد توفرت فيه شروط دم الحيض، فحينئذ هو حيض، وله أحكام الحيض وليس هناك دليل يدل على إخراجه عن هذا أي عن كونه حيضاً.
    والقول الأول أظهر وعليه الأدلة الشرعية، منها ما ثبت في مسند أحمد وسنن أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال سبي أوطاس: (لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تحيض) 1 فهنا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن وطء السبايا حتى تستبرأ، أي حتى يعلم براءة رحمها من الحمل.
    فلا توطأ من ثبت حملها وظهر حتى تضع حملها، ولا توطأ غير ذات حمل أي لم يظهر حملها أي يشك هل هي حامل أم لا – حتى تحيض – فحينئذ يستبرأ رحمها ويعلم بالحيض أنها ليست بحامل.
    قالوا: فهذا الدليل يدل على أن الشارع قد جعل الحيض علامة على عدم الحمل، فإذا ثبت أنه علامة على عدم الحمل فإن هذا يدل على أن الحامل لا تحيض.
    إذن: الشارع جعل استبراء غير ذوات الحمل بأن تحيض ليعلم أنها ليست بحامل.
    قالوا: ومثله ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: في حقه وقد طلق امرأته وهي حائض: (ليطلقها طاهراً أو حاملاً) 2

قالوا: فقد قال: (أو حاملاً) فدل على أن الحامل لا تحيض لأنها لو كانت تحيض لاستثنى النبي صلى الله عليه وسلم كونها غير حائض وهذا هو قول عائشة رضى الله عنها كما ثبت ذلك في سنن الدارمي بإسناد صحيح أنها قالت: (الحبلى لا تحيض فإذا رأت الدم فلتغتسل ولتصلي) 1 وهذا من باب الاحتياط.
وهذا القول هو الراجح، فقد دلت الأدلة الشرعية على أن الحامل لا تحيض.
إذن: هذا الدم الخارج وإن توفرت فيه صفات دم الحيض فإنه لا حكم له، وبه أفتت عائشة ولا يعلم لها مخالف.

  • واعلم أن محل الخلاف، كما قال الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن محل الخلاف: فيما إذا رأت الدم وهي حامل يعتاد عليها كما يعتاد عليها وهي ليست بحامل.
    بمعنى: يأتيها في الشهر الأول في وقته المعتاد ثم تطهر كما تطهر وهي غير حامل وهكذا في الشهر الثاني والثالث أما مجرد خروج الدم بها وإن كان قد توفرت فيه صفات دم الحيض وهو غير معتاد فإنه لا تعتد به ولا تلتفت إليه، وإنما تلتفت إليه إذا جاءها على هيئته المعتادة قبل حملها فهذا هو محل البحث.
    أما مجرد خروج الدم كأن يخرج منها وليس على وجهه المعتاد فهذا الدم لا يمنعها من الصلاة ونحوها ولا تلتفت إليه بل تحفظ فرجها بشيء وتتوضأ وتصلي لأن له حكم دم الفساد.
    وهكذا في كل دم قلنا أنه ليس بدم حيض فإن المرأة تحفظ فرجها بشيء وتحبسه وتتوضأ وتصلي، وتتوضأ لكل صلاة.
    إذن: الراجح ما ذكره الحنابلة من أن الحامل لا تحيض.
    (1) أخبرنا زيد بن يحيى الدمشقي عن محمد بن راشد عن سليمان بن موسى عن عطاء بن أبي رباح عن عائشة قالت إن الحبلى لا تحيض فإذا رأت الدم فلتغتسل ولتصل سنن الدارمي، الطهارة، باب في الحبلى إذا رأت الدم (930) ، انترنت / موقع الإسلام / بواسطة ردادي.

كما أن هذا هو المعتاد عند النساء في معرفة الحمل وثبوته، كما قال الإمام أحمد: " إنما تعرف النساء الحمل بانقطاع الدم "، فانقطاع الدم دليل على ثبوت الحمل.

قال: (وأقله يوم وليلة وأكثره خمسة عشر يوماً) هذه مسألة أخرى وهي: ما هي أقل أيام الحيض وأكثرها؟ هنا قال: إن أقلها يوم وليلة، فأقل الحيض أربعاً وعشرين ساعة.
وأكثره خمسة عشر يوماً.
ودليلهم على هذه المسألة هو دليلهم على المسألة السابقة وهو الوقوع – وأن أقل مدة علمت في الحيض هي يوم وليلة – وأكثر مدة علمت خمسة عشر يوماً.
لكن هذا الدليل ضعيف.

  • لذا ذهب شيخ الإسلام: إلى أنه لا حد لأقله ولا لأكثره، فلو حاضت ساعة فهو حيض، ولو حاضت أكثر من خمسة عشر يوماً فهو حيض ما لم يكن استحاضة.
    وهذا هو الراجح كما تقدم، وهذا هو الأصل وأن الدم الذي يخرج من الرحم وهو دم حيض له أحكام الحيض إلا أن يدل على (1) دليل على تحديده ولا دليل على تحديد أقله ولا أكثره، فحينئذ: نبقى على إطلاق الشارع فقد أطلقه، والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.
    فإذن: الراجح أنه لا تحديد لأقله ولا أكثره.

قال: (وغالبه ست أو سبع)

فغالب الحيض ستة أيام أو سبعة، ودليل ذلك ما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لحمنة بنت جحش: (تحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله ثم اغتسلي وصلي أبعة وعشرين ليلة بأيامها أو ثلاثة وعشرين ليلة) 1

والعدد يختلف بحسب تحيضها، فإذا تحيّضتْ 6 فإنها تصلي 24، وإن تحيضت 7 فإنها تصلي 23 " فإن ذلك يجزئك، وكذا فافعلي في كل شهر كما تحيض النساء وتطهرن في ميقات حيضهن وطهرهن) (1) . والشاهد قوله: " كما تحيض النساء …." وقد قال قبل ذلك " فتحيضي ستة أو سبعة أيام "

قال: (وأقل الطهر بين حيضتين ثلاثة عشر يوماً) فلو أن امرأة حاضت ثم طهرت عشرة أيام ثم حاضت ستة أيام، فإن الثلاثة الأيام الأولى لست بحيض، بل تتوضأ وتصلي، والثلاثة الأيام الأخيرة هي الحيض، ويكون الدم في الثلاثة الأولى دم فساد لا دم حيض.
لأنه لابد أن يكون الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوماً.
ودليل ذلك ما رواه البخاري معلقاً أن امرأة جاءت إلى علي بن أبي طالب فذكرت أنها قد خرجت من عدتها في شهر أي يعني حاضت ثلاث حيض في شهر، فقال علي لشريح: " قل فيها، فقال: إن جاءت ببطانة من أهلها يرضى دينه وأمانته فشهد لها بذلك وإلا فهي كاذبة " 1 قالوا: وأقل مدة للحيض هي يوم وليلة، فعلى ذلك هذه المرأة حاضت يوماً وليلة ثم طهرت ثلاثة عشر يوماً ثم حاضت يوماً وليلة فهذه خمسة عشر يوماً ثم طهرت ثلاثة عشر يوماً ثم حاضت ثم طهرت فهذه ثلاث حيض.
ولما قال شريح ذلك قال له علي – وهذا موضع الشاهد -: (قالون) وقالون لغة رومية بمعنى جيد.
وهذا مما يدل على أنه لا حرج بأن يتلفظ المتلفظ بالألفاظ الأعجمية أحياناً من غير أن يتخذها على سبيل الدوام أو على سبيل التقليد.
لكن هذا الدليل ليس بظاهر على ما قالوه، فما المانع أن تكون حاضت ثلاثة أيام ثم طهرت أربعة أيام ثم حاضت أربعة أيام ثم طهرت، فهذا الدليل ليس بظاهر على ما ذكروه.
لذا الراجح وهو رواية عن الإمام أحمد واختاره شيخ الإسلام: أن المرأة متى أتاها الحيض بعد حيضها الأول فإنه يحكم به وإن كانت المدة أقل من ثلاثة عشر يوماً.

إذ لا دليل على هذه المدة المذكورة، فإذا حاضت ثم طهرت ثم أتاها الحيض بعد ذلك فهو حيض قصرت المدة أم طالت فإنها يحكم لها بالحيض لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.
وهذا هو ظاهر الأدلة الشرعية من الإطلاق قال تعالى: ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض﴾ 1 وهذا محيض فترتب عليه الأحكام الشرعية فهو حيض وله صفاته المعتبرة شرعاً فوجب حينئذ أن يحكم على المرأة بالحيض وأن يحكم عليه بأنه دم حيض يمنع المرأة مما يمنعها الأحكام.
فإذن الراجح وهو رواية عن الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام: أنه ليس هناك حد للطهر بين الحيضتين لا قلة ولا كثرة.
فيحتمل أن يكون بين الحيضتين الشهر والثلاثة لا مانع من ذلك، ويحتمل أن يكون بينهما ساعة أو ساعتين أو يوم أو يومين لا مانع من ذلك.
فعلى ذلك: تكرر الحيض على المرأة في الشهر مرتين أو ثلاث فلا مانع من ذلك ما دام أنه دم أرخاه الرحم طالت مدة الطهر أم قصرت.

والحمد لله رب العالمين الدرس الرابع والأربعون (يوم الأحد: 2 / 2 / 1415 هـ)

قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وتقضي الحائض الصوم لا الصلاة ولا يصحان منها بل يحرمان) هذه المسألة مما أجمع عليه العلماء، وأن الحائض يحرم عليها الصلاة والصوم ولا يصحان منها، ولا تقضي الصلاة وإنما تقضي الصوم.

وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم) 1 ، وثبت في الصحيحين من حديث معاذة أنها سألت عائشة فقالت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقال: " كنا نحيض على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة " 2

والعلة من ذلك: أن الصلاة تكثر فيشق قضاؤها والشريعة قد أتت برفع الحرج عن المكلفين، بخلاف الصوم فإنه لا يشق قضاؤه فإنما هو شهر من السنة فتفطر فيه ستة أو سبعة أيام أو نحوها ثم تقضي ولا مشقة عليها في ذلك.
ولا يشرع لها أن تقضي الصلاة بل هو بدعة محدث، فقد تقدم حديث عائشة وقولها: (كنا نحيض على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة) وقول معاذة: (ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة) فدل على أن الذي كان عليه النساء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أنهن يقضين الصوم ولا يقضين الصلاة، وأن هذا هو أمر النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: (ويحرم وطؤها في الفرج) . لقوله تعالى: ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض﴾ 1 والمحيض كالمبيت والمقيل أي محل الحيض وهو الفرج، فهو محرم أي وطؤها في الفرج وتجب فيه الكفارة.
قال ابن عباس – كما رواه ابن جرير -: " فاعتزلوا نكاح فروجهن " (2) . فقوله تعالى ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض﴾ أي في الفرج لأن المحيض في اللغة هو محل الحيض، وقد ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح) 2 فاستثنى الفرج فدل على تحريمه.
قال: (فإن فعل فعليه دينار أو نصفه كفارةً)

هذه كفارة وطء الحائض، فكما أنه يأثم في لو 1 وطئها، فإن عليه الكفارة، والكفارة هي دينار أو نصف دينار، لما ثبت في سنن أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيمن يأتي امرأته وهي حائض: (ليصدق بدينار أو نصفه) 2

فقوله " ليتصدق " خبر بمعنى الأمر، أي تصدق بدينار أو نصفه.
وظاهر المذهب أنه على التخيير وهي أشهر الروايتين عن الإمام أحمد، وأنه سواء وطئها أول الحيض أو في آخره أو بعد انقطاع الدم ما لم تغتسل فعليه أن يتصدق بدينار أو نصفه على التخيير.
وذهب قتادة من التابعين: إلى أنه إن وطئها أثناء حيضها فإنه يتصدق بدينار، وإن وطئها بعد انقطاع الدم قبل الاغتسال فعليه نصف دينار.
وهذا هو مذهب ابن عباس راوي الحديث المتقدم فقد قال ابن عباس – كما في سنن أبي داود بإسناد صحيح: (إذا جامعها في أول الدم فدينار وإذا جامعها بعد انقطاع الدم فنصف دينار) 1 . إذن: مذهب ابن عباس هو الأظهر كما تقدم؛ فإنه هو راوي الحديث ثم إن التخيير في مثل هذا الموضع فيه نظر، فكونه يخير بينهما إنما محل هذا لو قلنا باستحباب هذه الكفارة، وإلا فالأصل في الكفارات أن تكون معينة أو منوعة أنواعاً مختلفة.
أما أن تخير بين إطعام عشرة مساكين أو خمسة فإنه لا أصل له في الشريعة.
فالأظهر أن يقال: إنه إن جامعها في أول الدم فإنه يتصدق بدينار، وإن جامعها بعد انقطاع الدم قبل الاغتسال فإنه يتصدق بنصف دينار.
وعن الإمام أحمد – وقد يقال إن هذا مذهب ابن عباس وقتادة –: أنه إذا جامعها في أول الدم وعند فورانه فإنه يتصدق بدينار.
وأما إذا جامعها عند تقطعه قبل انقطاعه فعليه نصف دينار – وهي رواية عن الإمام أحمد –.

ولفظة ابن عباس تحتمل ذلك فقد قال: (انقطاعه) أي عند تقطعه، بدليل قوله: (عند أول الدم) وهي رواية عن الإمام أحمد كما تقدم، وهذا فيما يظهر هو الأولى فيقال: إنه إذا جامعها في أول الدم فعليه دينار وأما إذا جامعها في آخر حيضها عند تقطع الدم وخفته فيتصدق بنصف دينار.
قال: (ويستمتع منها بما دونه) أي بما دون الفرج لما ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح) 1 وثبت في الصحيحين من حديث عائشة قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرني فأتزر فيباشرني وأنا حائض) 2 . وثبت في أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان إذا أراد من الحائض شيئاً ألقى على فرجها ثوباً) 3 فهذا يدل – وهو مذهب الحنابلة – على أنه له أن يباشرها فيما سوى النكاح فيباشرها مباشرة كاملة سوى الجماع.

  • وذهب الأئمة الثلاثة: إلى أنه لا يجوز أن يباشرها فيما بين السرة والركبة.
    واستدلوا: بحديث عائشة: (أن أتزر) قالوا: والظاهر أن الإزار يغطي الفخذين.
    والجواب على هذا أن يقال: إن هذا الفعل من النبي صلى الله عليه وسلم لا يدل على تحريم إتيانها دون فرجها، بدليل قوله: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح) لما ثبت في سنن أبي داود أنه كان يلقي على فرج الحائض ثوباً …، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم قد يدع الشيء كراهية له واستقذاراً مع كونه مباحا كما ترك أكل الضب.

فالراجح: مذهب الحنابلة وأنه يجوز أن يباشرها في كل موضع إلا أنه يحرم عليه الجماع أي إتيانها من فرجها، وهذا هو ظاهر الآية الكريمة، في قوله تعالى ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض﴾ (1) أي اعتزلوهن في محل الحرث وهو فرجها، لذا تقدم قول ابن عباس: (اعتزلوا نكاح فروجهن) (2) . قال: (وإذا انقطع الدم ولم تغتسل لم يبح غير الصيام والطلاق) إذا انقطع الدم عن المرأة فقد طهرت من الحيض لكنها لم تغتسل.
والغسل واجب على الحائض، لما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال – للمستحاضة -: (دعي الصلاة قدر أيام حيضك ثم اغتسلي وصلي) 1 فالغسل من الحيض واجب باتفاق العلماء كالغسل من الجنابة.
لكن قبل اغتسالها وبعد انقطاع الدم عنها ما الذي يجوز لها؟ قال هنا: لم يبح غير الصيام والطلاق.

فلا يحل سوى الصوم والطلاق، أما الصوم؛ فلأن المرأة إذا انقطع دمها فقد طهرت من حيضها وأصبحت كالجنب، والجنب يصح صومه فقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم: (كان يصبح صائماً وهو جنب) 1 فالمرأة إذا انقطع دمها قبيل آذان الفجر فيجوز لها أن تنوي وتصوم، ثم تغتسل بعد آذان الفجر، لأنه لا يشترط في الصوم الطهارة من الجنابة، فكذلك الطهارة من الحيض وقد انقطع دمها.
ومثل الصيام الطلاق، فإنه إنما حرم – أي حرم طلاق المرأة وهي حائض؛ لأن في ذلك زيادة وتطويلاً في عدتها، فإذا طلقت وهي حائض انتظرت حتى تطهر ثم استأنفت ثلاث حيض فيكون في ذلك زيادة في عدتها.
أما وقد طهرت من الدم وما بقى إلا فعلها وهو أن تغتسل فإنه لا يكون فيه هذا المعنى، فحينئذ يجوز طلاق المرأة إذا طهرت من الحيض وإن لم تغتسل كما يجوز صومها.
ولا يستثنى إلا هذين، فعلى ذلك: الصلاة لا يصح فيها ذلك؛ لأنها في معنى الجنب، فكما أن الجنب لا يصح صلاته فكذلك هي.
ولكن الصلاة متعلق بذمتها لأنها يمكنها فعل ما تتمكن به من الصلاة، فإنها قد طهرت من دم الحيض وما بقى عليها إلا أن تغتسل وتصلي وهذا بإمكانها فهو فعلها المختص بها، بخلاف الطهارة من الحيض فإن هذا ليس فعلاً لها ولا من صنعها.

وكذلك مما لم يستثن فيبقى على التحريم: الجماع، فالمرأة إذا طهرت من الحيض ولم تغتسل فيحرم جماعها.
وهذا هو مذهب الحنابلة ومذهب عامة العلماء: وأن المرأة لا يجوز وطؤها في فرجها إلا إذا تطهرت أي اغتسلت.
وذهب طائفة من العلماء من التابعين كعطاء والأوزاعي وهو مذهب الظاهرية: إلى أنه يجوز وطؤها إذا طهرت فرجها من الدم بالماء.
والخلاف في هذه المسألة يبنى على الخلاف في تفسير الآية المتقدمة – قال تعالى ﴿قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ 1 أي حتى ينقطع الدم ولم يكتف الله عز وجل بذلك بل قال ﴿فإذا تطهرن﴾ وهذا من فعلهن أي التطهر وتكلف الطهارة فعل لهن ويحصل بها، بخلاف الطهارة المتقدمة فإنها ليس من صنع المرأة.
فقوله ﴿حتى يطهرن﴾ أي ينقطع الدم وهذا باتفاق العلماء.
لكن بعد انقطاعه قبل الغسل فقد قال: ﴿فإذا تطهرن﴾ فهنا وقع الخلاف في تفسيرها.

  • قال الجمهور: أي اغتسلن، وهو قول مجاهد وهو قول عامة أهل العلم.
    واستدلوا: بقوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنباً فاطهروا﴾ (2) فكما أن الطهارة هي الاغتسال هناك، فكذلك هنا، فإن الطهارة هنا مسبوقة بالحيض، وهناك مسبوقة بالجنابة.
  • وذهب بعض العلماء: إلى تفسيرها ﴿فإذا تطهرن﴾ فسروها بغسل الفرج.

واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين: أن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسلها من المحيض فأمرها كيف تغتسل فقال: (خذي فِِرْصة " أي قطعة من صوف أي خرقة " من مسك فتطهري بها، فقالت: كيف أتطهر؟ فقال: (تطهري) فقالت: كيف؟ فقال: (سبحان الله تطهري) فقالت عائشة: فاجتذبتها إلى وقلت: تتبعي أثر الدم) (1) فهنا النبي صلى الله عليه وسلم قال " تطهري " وفسرته عائشة رضي الله عنها، وهذا بإقرار النبي صلى الله عليه وسلم بتتبع أثر الدم.
وهذا القول في الحقيقة فيه قوة، وهو أن التطهر هو مجرد غسل فرجها، وكذلك من الأدلة عليه القياس على الجنب، فإن جماع الجنب يجوز اتفاقاً، والمرأة التي قد طهرت من دم الحيض وبقي غسلها في حكم الجنب.
والحمد لله رب العلمين.

الدرس الخامس والأربعون (3 / 2 / 1415 هـ)

قال المؤلف رحمه الله: (والمبتدأة تجلس أقله ثم تغتسل وتصلي) المبتدأة هي: المرأة ترى الدم في زمان يمكن أن يكون هذا الدم حيضاً ولم تكن حاضت قبل ذلك.
وقد تقدم ذكر الخلاف في زمنه، وعلى المذهب أن تراه بعد شروعها بالسنة العاشرة، فما حكم هذه المبتدأة؟ قال: (تجلس أقله ثم تغتسل وتصلي) تجلس أقل الحيض وهو يوم وليلة ثم تغتسل وتصلي وإن رأت الدم.
فمثلاً: امرأة حاضت عشرة أيام، وهذا هو أول دم رأته.
فالحكم: أنها تدع الصلاة يوماً وليلة وكذلك تدع كل ما يدعه الحائض فتعطى في هذا اليوم والليلة حكم الحائض تماماً ثم تغتسل.
قالوا: لأن المتيقن في الحيض أن يكون يوماً وليلة، فهذا هو التيقن وهنا يحتمل أن يكون الدم ليس بدم حيض، وإنما دم استحاضة، فلما كان بذلك أمرناها أن تجلس يوم وليلة.

فصول الكتاب · 11 فصل · 298 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للحمد · 298 صفحة
المقدمة
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب المناسك
كتاب الجهاد
كتاب الوصايا
كتاب الوصايا
كتاب الفرائض
كتاب الطلاق
كتاب الحدود
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل