شرح زاد المستقنع للحمدصفحات 161-200
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وهذا أظهر فإن فعل طائفة من السلف من التابعين لا يفيد إباحته حيث لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل قد ثبتت الأدلة في أن الصلاة شغل وإقبال إلى الله تعالى وحيث انشغل في العد فإن ذلك انشغالاً عن الصلاة وعن إتمام خشوعها والخضوع لله فيها.
وهو متى قام بالواجب فإن الله عز وجل يجازيه على ما فعله بعده وإن لم يعرف حسابه، ولو فعل ذلك فإن الصلاة صحيحة لكنه مكروه.

قال: (والفتح على إمامه) أي: وله الفتح على إمامه، بأن يفتح عليه في قراءته.
فإذا لُبس على الإمام في القراءة، فيشرع له أن يفتح عليه بأن يرد عليه ما أخطأ فيه في قراءته.
ودليل ذلك: ما ثبت في سنن أبي داود بإسناد صحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (صلى صلاة فلُبس عليه فيها، فلما انصرف قال لأُبي أصليت معنا؟ قال نعم قال: " ما منعك " أي ما منعك أن تفتح عليَّ في الصلاة) 1 . إلا أن التعجل في ذلك بحيث يكون في ذلك تلبيس على الإمام هذا غير مشروع، بل يترك الإمام حتى يتبين أن الخطأ عنده صواب وأنه يظن هذا الخطأ صواباً.
أما حيث كان في مهلة من أمره وهو ما زال يمكنه أن يصلح خطأه كأن يخطئ في صدر آية وهو لم يصل إلى منتصفها أو آخرها فهو ما زال يمكن أن يصلح خطأه فلا ينبغي التعجيل في ذلك.

وقد قال علي – في البيهقي بإسناد صحيح – " إذا استطعمك الإمام فأطعمه " 1 أي إذا طلب منك أن تفتح عليه فافعل.
والفتح على الإمام بالفاتحة واجب، لأن الصلاة لا تصح إلا بها، وحيث أخطأ الإمام في الفاتحة فإن الصلاة تبطل بذلك.
وأما غير الفاتحة فإن ذلك مشروع حيث كان الإمام محتاجاً إليه للحديث المتقدم في قصة أبي بن كعب.

قال: (ولبس الثوب ولف العمامة) هذا لا بأس به في الصلاة.
فلا بأس أن يلبس ثوبه، كأن يقع ردائه فيرفعه إلى عاتقه أو أن يلبس عمامته هذا لا بأس به ولا كراهية إذا احتاج إليه لأنه عمل يسير في الصلاة والعمل اليسير في الصلاة مباح لا كراهية فيه إلا إذا لم يحتج إليه فإنه يكره لكونه عبثاً فيها.
ومما يدل عليه حديث حمل النبي صلى الله عليه وسلم أمامة بنت زينب في الصلاة 2 . ولما ثبت في أبي داود والترمذي والنسائي بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم: (فتح لعائشة الباب وهو يصلي) 3

فالحركة اليسيرة إذا احتاج إليها المصلى فلا بأس بها ولا كراهية لأنها عمل يسير فيباح في الصلاة ولا كراهية إذا احتاج إليه.أما إذا لم يحتج إليه فإنه يكره لأنه عبث، وكل عبث في الصلاة فهو مكروه كما تقدم.
والحمد لله رب العالمين الدرس الرابع والثمانون (يوم الأربعاء: 9 / 4 / 1415هـ)

قال المؤلف رحمه الله: (وقتل حية وعقرب وقمل) أما الحية والعقرب؛ فلثبوت النص بذلك، فقد ثبت عند الخمسة بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اقتلوا الأسودين في الصلاة الحية والعقرب) 1 ويقاس عليهما القمل ونحوه مما فيه ضرر ويجوز قتله، فيقاس عليه وقد ثبت عن طائفة من الصحابة والتابعين.
والحديث إنما يقيد بحيث لا تختل الصلاة، فإن اختلت الصلاة، فاحتاج قتل الحية والعقرب إلى عمل كثير ينافي الصلاة فإنه يبطل الصلاة، وهذا مذهب جماهير أهل العلم.
لقوله صلى الله عليه وسلم: (في الصلاة) ، وظاهره أن ذلك في الصلاة مع ثبوتها، وجبت كان قائماً بعمل كثير ينافي الصلاة فإنه يكون خارجاً عنها، قياساً على إنقاذ الغريق، فإنه إن احتاج إلى إنقاذه وهو يصلي ولا يمكن أن ينقذه إلا بعمل كثير يبطل الصلاة، فيبطلها وينقذه.
هذا تقرير مذهب جماهير أهل العلم، وأن قتل الحية والعقرب إنما يكون حيث كانت الصلاة ثابتة ولم يكن هذا القتل بفعل كثير عرفاً يبطلها، فإن كان بفعل كثير يبطلها، فإن الصلاة تبطل.
قال: (فإن أطال الفعل عرفاً من غير ضرورة ولا تفريق بطلت ولو سهواً)

فمرجع معرفة الطويل والقصير في الصلاة هو العرف وهي قاعدة شرعية: في كل ما لم يثبت تحديده في الشرع فإنه يرجع في تحديده إلى العرف ويرجع فيه إلى أوساط الناس وقد اتفق أهل العلم على أن العمل الكثير مبطل للصلاة وأن العمل اليسير ليس بمبطل لها.
وقد تقدمت أمثلة للعمل اليسير كأن يفتح باباً أو يلبس ثوباً أو نحو ذلك.
فالعمل الكثير يقطع الصلاة اتفاقاً؛ لأنه ينافي الصلاة ويقطع موالاتها، وهو ليس على الهيئة الشرعية ولا مما أجازه الشارع فيها، وحيث كان كذلك كانت الصلاة خارجة عن الهيئة الشرعية الصحيحة وكل عمل خارج عن هديه – صلى الله عليه وسلم – فهو مردود.
قال: (من غير ضرورة) : وعليه: فإن كان مضطراً إلى فعل كثير في الصلاة فإن الصلاة لا تبطل بذلك، كأن يكون هارباً من عدو أو سبع ونحوه فإنه يصلي على هيئته وحسب حاله، وإن كان في الصلاة عمل كثير ينافيها في الأصل لكنه مضطر إلى ذلك فتصح صلاته.
كما أجاز الشارع الصلاة حال الخوف رجالاً وركباناً كما سيأتي في باب صلاة الخوف – إن شاء الله تعالى -. قال: (ولا تفريق) : بأن كان هذا الكثير متوالياً أما إن كان بمجموعه كثير لكنه بآحاده يسير 1 ، كأن يعمل عملاً يسيراً في الركعة ثم يعود إليها ثم يعمل عملاً يسيراً في الركعة الثانية وهكذا – ويكون هذا اليسير بمجموعه كثيراً فلا تبطل الصلاة به.
لأنه حيث لم يبطلها وهو يسير بمفرده فلا يبطلها وهو كثير بمجموعه، فما دام أن الصلاة صحت مع ثبوت العمل اليسير فيها بمفرده فكذلك لا يبطلها بمجموعه، فهذا عندما يفعل فعلاً يسيراً ثم يعود إلى صلاته فهي صحيحة، وإذا فعل فعلا آخر يسيراً ثم عاد فالصلاة صحيحة، وهو لم يقطع موالاتها بمفرده فكذلك إذا كان متفرقاً لكنه بمجموعه كثيرة عرفاً.
(بطلت ولو سهواً) :

فلو عمل عملاً كثيراً في الصلاة ساهياً فإن الصلاة تبطل، وهذا هو المشهور في المذهب وعللوا ذلك بما تقدم: من انقطاع الموالاة.

  • وعن الإمام أحمد: أن العمل الكثير الساهي صاحبه لا يقطع الصلاة بل تصح الصلاة مع العمل الكثير إن كان صاحبه ساهياً.
    واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين في قصة ذي اليدين وفيه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الركعتين ساهياً ومشى وخرج من المسجد وأتى بيته ثم بعد ذلك أتم صلاته) 1 فقد قام أثناء الصلاة بعمل كثير عرفاً خارج عن الصلاة منافياً لها، ومع ذلك لم تبطل به الصلاة بل أتم صلاته لكونه ساهياً – وهذا هو الظاهر – وهو اختيار المجد بن تيمية.

وأما مسألة الموالاة فإنها ليست هي العلة التي من أجلها أبطلت الصلاة، بدليل أن العمل اليسير لا يبطلها مع كونه قاطعاً للموالاة، فإن العمل اليسير فعل يجانب الصلاة، ومع ذلك فإنه لا يبطلها، وحيث لم يبطلها، فإن العمل الكثير لا يبطلها إن كان صاحبه ساهياً؛ لأنه فعل ما هو منافي للصلاة من غير تقصير ولا تعمد، وحينئذ [حيث] كان كذلك، فإنه لا يعد فاعلاً شيئاً.
والحديث المتقدم ظاهر في ذلك فإنه عمل كثير ومع ذلك لم يعد الصلاة ولم يستأنفها وقد عمل عملاً كثيراً منافياً الصلاة لكنه ساهياً.
إذن الراجح: أنه إذا عمل عملاً كثيراً في الصلاة ساهياً فلا تبطل صلاته.
قال: (ويباح قراءة أواخر السور وأوساطها) أي يباح للمصلي أن يقرأ من أواخر السور وأوساطها سواء كانت الصلاة فرضاً أو نفلاً.
لما ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في ركعتي الفجر في الأولى ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا﴾ وفي الثانية: ﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء …﴾ 1

ولقوله صلى الله عليه وسلم: (ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن) 1 وأوساط السور وأواخرها مما تيسر.
وقد تقدم أن هذا مباح، لكن اتخاذه عادة وسنة خلاف الأولى، لأن في ذلك تركاً للسنة، فكونه يقرأ من أواخر السور وأوساطها مداوماً على ذلك، ففي ذلك ترك لما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من قراءة السور بتمامها، ومما كان ظاهراً وغالباً في صلاته – عليه الصلاة والسلام -. فإذن: هو مباح لكن إذا داوم عليه فهو خلاف الأولى مع كونه مباحاً.
وقد تقدم حديث زيد بن ثابت وإنكاره على مروان لأنه يداوم على قصار السور في المغرب.
قال: (وإذا نابه شيء سبح رجل وصفقت امرأة ببطن كفها على ظهر الأخرى) إذا عرض شيء في الصلاة كسهو إمام أو تنبيه أو نحو ذلك فيقول الرجل " سبحان الله " وتصفق المرأة.
وصفة التصفيق ببطن كفها على ظهر الأخرى هذه هي الصورة المشروعة، ونحوها كأن تضرب ببطن أصبعين من أحدهما على كف الأخرى.
أما ضرب بطن أحدهما بالأخرى فإنه تصفيق وهو من اللهو واللعب المحرم.
ومثل ذلك: ما قال: عيسى بن أيوب كما في سنن أبي داود وهو من رواة هذا الحديث قال: (تضرب بأصبعين من اليمينى على كفها اليسرى) وفي رواية أبى داود: (تصفيح) 2 . والتصفيح: بأن يضرب بطن أحدهما بظهر الأخرى أو بأصبعين من أحدهما على كف الأخرى.

أما التصفيق المتقدم فهو من اللهو واللعب في الصلاة وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (التسبيح للرجال والتصفيق للنساء) 1 وفي رواية: (في الصلاة) 2 وفي رواية: (إذا نابكم أمر فليسبح الرجال ولتصفق النساء) 3 . ولا يستحب له أن يعدل إلى غير التسبيح كالنحنحة قد روى النسائي وابن ماجه عن علي قال: (كان لي من النبي صلى الله عليه وسلم مدخلان فكنت إذا أتيتبه وهو يصلي تنحنح لي) 4 لكن الحديث إسناده ضعيف ففيه جهالة عين فلا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: (ويبصق في الصلاة عن يساره، وفي المسجد في ثوبه)

لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا كان أحدكم في الصلاة فإنه يناجي ربه فلا يبصق بين يديه ولا عن يمينه، ولكن عن شماله تحت قدمه) 1 متفق عليه.
فإن كان عن شماله مأموم فإنه يبصق تحت قدمه، لما ثبت في رواية للبخاري: (فليبصق عن يساره أو تحت قدمه) 2 . وفي البخاري: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (أخذ طرف ثوبه فبصق فيه ثم رد بعضه وقال: (أو يفعل هكذا) 3 ففي المسجد يبصق في ثوبه لأنه بقعة ظاهرة.
وقد قال صلى الله عليه وسلم: (البصاق 4 في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها) 5 فإذن في المسجد يبصق في ثوبه، وأما في غير المسجد فإنه يبصق عن يساره أو تحت قدمه.
والحمد لله رب العالمين.

الدرس الخامس والثمانون (يوم السبت: 12 / 4 / 1415 هـ)

قال المؤلف رحمه الله: (ويسن صلاته إلى سترة قائمة كمؤخرة الرحل) هذا هو المشهور في المذهب وهو مذهب جماهير العلماء وأن السترة في الصلاة سنة وليست بواجبة.
وقد اتفق أهل العلم على مشروعية السترة، والسنة ظاهرة في ذلك وأن السترة سنة في الصلاة، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يدعها حضراً ولا سفراً.
وإنما اختلف العلماء في هل تجب أم لا؟ قولان:

فذهب الجمهور: إلى أن الصلاة إلى السترة سنة.
واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال: (أقبلت راكباً على أتان وأنا يومئذٍ قد ناهزت الاحتلام والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار فمررت من بين يدي بعض الصف وأرسلت الأتان ترتع فلم ينكر ذلك علي أحد) 1 وروى أحمد في مسنده عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (صلى في فضاء وليس بين يديه شيء) 2

وروى أحمد والنسائي وأبو داود عن الفضل بن عباس قال: (أتانا النبي صلى الله عليه وسلم وعباس في بادية لنا، فصلى في صحراء وليس بين يديه سترة، وحمارة وكلبة لنا تعبث بين يديه) 1 2 - وذهب الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه وهو مذهب البخاري وطائفة من أهل العلم: إلى وجوب السترة.
واستدلوا: بما ثبت في أبي داود والنسائي ومسند أحمد بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة وليدن منها لا يقطع الشيطان عليه صلاته) 2 وظاهر الأمر الوجوب.

وروى أحمد والحاكم - والحديث حسن – من حديث سبرة بن معبد الجهني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليستتر أحدكم في الصلاة ولو بسهم) 1 قالوا: فهذه أحاديث ظاهرها الوجوب، ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح أنه تركها حضراً ولا سفراً.
وأما ما ذكره أهل القول الأول: فالحديث الأول حديث صحيح غير صريح، والحديثان بعده ضعيفان لا يثبتان عن النبي صلى الله عليه وسلم.
أما كون حديث ابن عباس حديث صحيح فلثبوته في الصحيحين.
أما كونه غير صريح؛ فلأنه نفى أن يكون قد صلى إلى جدار وإنما نفى أنه صلى إلى جدار ولم ينف أنه صلى إلى سترة وظاهر لفظة " غير " أنه قد صلى إلى شيء، فإن لفظة " غير" في الغالب أنها تأتي صفة وهي هنا صفة لمحذوف تقديره " شيء " أي إلى شيء غير جدار.
فالحديث ليس فيه نفي السترة مطلقاً وإنما نفي أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى جدار يحجز بينه وبين الدواب أن تمر بين يديه.

ومعلوم أن المصلي إذا صلى إلى سترة غير جدار فإن الدواب قد تمر بين يديه فيحتاج إلى دفع منه، بخلاف ما إذا صلى إلى جدار فإنه يحجز بينه وبينها فلا يحتاج إلى دفع وقد مر ابن عباس بالحمار بين يدي بعض الصف لعدم وجود الحاجز والجدار، فلم تكن الصلاة في مبنى ذي جدران يحجز المصلين عن مرور الدواب.
وأما الحديث الثاني فإن فيه الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف، وأما الحديث الثالث ففيه انقطاع وجهالة.
قالوا: فهذه أحاديث ضعيفة لا تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا حديث صحيح غير صريح، فلا يعارض أمر النبي صلى الله عليه وسلم بمثل ذلك فيبقى الأمر محكماً وأن ذلك للوجوب.
ومما يقوي ذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالوقوف عن أن يمر بين يدي المصلي ونهاه عن ذلك وقال: (لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خير له من أن يمر بين يديه) 1 وترك السترة بين يديه ذريعة لمرور الناس بين يديه فيقعون في محرم، ويقطعون من صلاته ما يقطعون.
وقد قال ابن مسعود – في المرور بين يدي المصلي -: " يقطع نصف الصلاة " 2 فإذا مر أحدهم بين يديه فإنه مع تفريطه في ذلك يذهب عنه نصف أجر صلاته.

قال: (كمؤخرة الرحل)

ظاهره أن هذا هو القدر المجزئ وأنه مثل مؤخرة الرحل وهي ما يتكئ عليه راكب الإبل، فإنه يتكئ على خشبة نحو الذراع، فقد ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم: (سُئل في غزوة تبوك عن سترة المصلي فقال: مثل مؤخرة الرحل) 1 وفي مسلم – أيضا – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يقطع الصلاة المرأة والحمار – والكلب ويقي ذلك مثل مؤخرة الرحل) 2 وظاهره هذه الأحاديث أن المجزئ – مع القدرة ذلك – أي طولاً.
واختلف العلماء في قدر المؤخرة: فعن الإمام أحمد: أنه ذراع، وهو مذهب الأحناف وهو قول عطاء، قال عطاء – في سنن أبي داود - في مؤخرة الرحل قال: (ذراع فما فوق) 3 . وعن الإمام أحمد وهو مذهب الشافعية والمالكية: أنه قدر عظم الذراع أي بإخراج الكف من اليد.

والأظهر – كما قرر ذلك الموفق – أن هذا إنما هو على سبيل التقريب لا على سبيل التحديد، وأن قول النبي صلى الله عليه وسلم: (كمؤخر الرحل) سواء كان ذلك ذراعاً فما فوق [أو] فما دونه بقليل لا حرج في ذلك وأنه ذكر على سبيل التقريب لا على سبيل التحديد.
بدليل الاختلاف في مؤخرة الرحل – طولاً – في الحقيقة والواقع فإنها ليست بقدر واحد بل هي مختلفة فيها الذراع وفيها ما هو فوق ومنها ما هو دون.
فعلى ذلك: القدر المجزئ في الطول أن تكون كمؤخرة الرحل ذراعاً فما فوق أو عظم الذراع فما فوق.
وأما من حيث غلظها، فإن الحديث الذي في المستدرك ومسند أحمد – يدل على أنه لا يشترط لها حجماً محدداً في الغلظ بل لو كانت كسهم أو نحوه فلا بأس – في قوله: (ليستتر أحدكم في الصلاة ولو بسهم) 1 . ولأن النبي صلى الله عليه وسلم – كما ثبت في الصحيحين -: (كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة فتوضع بين يديه فيصلي إليها والناس وراءه وكان يفعل ذلك في السفر ومن ثم اتخذها الأمراء) 2 والحربة أدق من مؤخرة الرحل.
وثبت أنه كان يصلي إلى العنزة كما ثبت في البخاري 3 وغيره.
فعلى ذلك: كل ذلك جائز ولا يشترط أن يكون محدداً في العرض – بل لو كان ذلك دقيقاً فلا حرج.
وهذا حيث كان قادراً، وإلا فلو كانت دون ذلك وهي التي قد قدر عليها فإنه لا بأس بذلك ولا حرج.
قال: (فإن لم يجد شاخصاً فإلى خط)

أي إن لم يجد شاخصاً يضعه بين يديه من خشب أو حجر أو شجر أو سارية أو نحو ذلك، ومثله لو صلى وبينه وبين القبلة آدمي، فقد ثبت في ابن أبي شيبة بإسناد صحيح: أن ابن عمر يقولون لنافع إن لم يجد سترة: (ولني ظهرك) 1 وقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم إلى عائشة 2 – كما ثبت في الصحيحين –، وكان الصحابة يتبادرون سواري المسجد فيصلون إليها 3 كما في البخاري.
وثبت في النسائي أنه صلى إلى شجرة 5 .4

فالمقصود: أنه يصلي إلى شاخص مثل مؤخرة الرحل فما فوق ولا ينظر إلى كونه دقيقاً أو غليظ فإن تحديد ذلك ليس بشرط في الإجزاء بل هو ليس شرطاً في ثبوت السنية والاستحباب؛ لثبوت ذلك كله عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقوله: (فإلى خط) : دليله: ما رواه أحمد وأبو داود: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئاً فإن لم يجد فلينصب عصا، فإن لم يجد فليخط خطاً ثم لا يضره ما مَّر بين يديه) 1 لكن الحديث إسناده ضعيف مضطرب، ففيه جهالة، مع الاضطراب الوارد في سنده وهو من حديث أبي محمد محمد بن عمرو بن حُريث 2 عن جده، على أثبت الأسانيد في ذلك وهما مجهولان.
ولذا ضعفه ابن عيينة والبخاري وغيرهم، فالحديث ضعيف.
وكرهه الشافعي في قوله الجديد، وكذلك الأحناف والمالكية، وكرهه – كذلك – الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه – وهو الراجح؛ لأن الحديث الوارد في الخط ضعيف لا يثبت.
فعلى ذلك: لا يشرع له أن يخط خطاً فأن لم يجد شيئاً شاخصاً فإنه يصلي حسب حاله، ويكون قد سقط عنه وجوب ذلك أو سنيته على القول بها.
والمشهور عن الإمام أحمد: أن الخط يقوس كالهلال.
وقيل: أنه يوضع طولاً.
وقيل: عرضاً.

ولا دليل على شيء من ذلك فالخط مطلق، وإن كان أقربها أن يكون عرضاً؛ لأنه ظاهر الإطلاق، لكن الحديث ضعيف كما تقدم.
وفي قوله: (فليجعل تلقاء وجهه) : ظاهره أن السترة تكون بين يديه وهو ظاهر الأحاديث، كما تقدم في المتفق عليه من حديث ابن عمر وفيه: " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يأمر بالحربة فتوضع بين يديه " ظاهر ذلك أنها تكون قبلته وتلقاء وجهه.

  • لكن المشهور في المذهب أنه لا يستحب أن يصمد إليها صمداً أي لا يتوجه إليها توجهاً تاماً بل يجعلها إلى حاجبه الأيمن أو الأيسر.
    لما روى أحمد وابن ماجه 1 من حديث المقداد بن الأسود: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (ما صلى إلى عود ولا عمود ولا شجرة إلا جعله تلقاء حاجبه الأيسر أو الأيمن ولا يصمد له صمداً) 23

لكن الحديث ضعيف فيه: الوليد بن كامل البجلي الشامي وهو ضعيف فلا يستدل به.
ونبقى على ظواهر الأحاديث المتقدمة، وأنه يجعل السترة إلى تلقاء وجهه دون ما تقدم.

  • واعلم أن ظاهر الأحاديث أن السترة مشروعة في مكة وغيرها من غير استثناء لمكة بل هي كغيرها في مشروعية السترة ورد لمار بين يدي المصلي وغير ذلك لعمومات النصوص الشرعية الواردة في ذلك.
    ومعلوم أن ترك البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فلو كان الاستثناء وارداً لصح في ذلك حديث، ولم يثبت عنه في ذلك شيء.
    والمشهور في المذهب خلاف ذلك وأنه لا بأس بترك السترة في مكة، وكذلك رد المار لا يكون فيها لازدحام الناس فيها.
    ومذهب الشافعية والمالكية خلاف ذلك وأن مكة كغيرها، وهو الراجح لظاهر الأحاديث.
    وأما كون مكة تكون محلاً للازدحام فإننا نخصص الأوقات التي يزدحم الناس فيها بحيث يشق رد المار كأن يكون ذلك في حج أو في مواسم، ففي هذه الحال لا بأس بالقطع لقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ وهذه مشقة عامة، بخلاف المشقة الخاصة التي يلحق الواقف نفسه فيها مشقة خاصة لا يترتب عليها إلا فوات بعض المصالح المترتبة عليه أو نحو ذلك، أما هنا فقد ترتب عليها مفاسد كبيرة وأذية لعموم الناس.
    فحينئذ لا يقال بالمنع فيها عند ازدحام الناس.
    وأما إن لم يكن هناك ازدحام شديد وكانت مكة كغيرها من المساجد في الازدحام فإنه يجب وضع السترة ورد المار بين يدي المصلي.
    قال: (وتبطل بمرور كلب أسود بهيم فقط) البهيم هو الذي لا يخالطه غير لونه الظاهر فالأسود البهيم هو الذي ليس فيه إلا السواد، وهذا في كل الألوان فالبهيم هو ما كان لوناً لا يخالط بغيره.
    فالكلب الأسود البهيم، ومثله – على الراجح – ذي النقطتين وهو ما يكون بين عينه نقطتان فهو شيطان كما ثبت في الحديث وأمر بقتله، فهذه كلها قاطعة للصلاة.

ودليل ذلك: ما ثبت في مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب ويقي ذلك مثل مؤخرة الرحل) 1 وفي مسلم من حديث أبي ذر الغفارى قال: (والكلب الأسود شيطان) 2 وفيه أنه قد قيد الكلب بالأسود.
وهذا الحديث المتقدم ظاهره أن هذه الثلاث تقطع الصلاة وهو رواية عن الإمام أحمد " الرواية الأخرى " وهو اختيار المجد وشيخ الإسلام وتلميذه، وقال ابن تيمية: " وهو مذهب أحمد " (3) أي هو المذهب الذي ينبغي أن يثبت إليه ففيه قولان في المذهب: القول الأول: أنه لا يقطع الصلاة إلا الكلب الأسود البهيم.
القول الثاني: أن الثلاث كلها قاطعة للصلاة لعموم الحديث المتقدم وهو الأرجح.
وإنما استثنى - من القول بقطع الصلاة - الحنابلة الحمار والمرأة؛ لأن الحمار قد تقدم في حديث ابن عباس أنه مر بين يدي بعض الصف فلم ينكر ذلك.
فدل على أن مروره بين يدي المصلي لا يقطع حيث لم ينكر ذلك.
وأما كون المرأة لا تقطع الصلاة: فلما ثبت في الصحيحين عن عائشة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي من الليل وهي معترضة بين يديه اعتراض الجنازة) 3 . وحيث ثبت ذلك فلا يبقى إلا الكلب الأسود البهيم فهو قاطع للصلاة دون غيره.
والراجح ما تقدم: واستدلوا بالعموم المتقدم.
وأجابوا عن الحديثين:

أما حديث ابن عباس: فإنه قد مر بين يدي بعض المأمومين من الصف والإمام كان بين يديه سترة – كما تقدم ترجيحه – وحيث كان ذلك فإن سترة الإمام سترة لمن خلفه، فمرور شيء من قاطعات الصلاة بين يدي المأمومين - وهم يأتمون بالإمام، والإمام له سترة - هذا لا يقطع صلاة المأموم.
فسترة الإمام سترة لمن خلفه، فإذا مر بين يديه شيء فكأنه قد مر من وراء السترة لأنه غير مبطل لصلاة الإمام فلم يكن مبطلاً لصلاة المأموم.
واستدلوا: بحديث ابن عمر المتقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان يأخذ الحربة فيضعها بين يديه ويصلي وراءه الناس) 1 وليس فيه أن الناس كانوا يتخذون السترة، وإنما كانوا يأتمون بالنبي صلى الله عليه وسلم فيصلون وراءه وقد اتخذ سترة ولا سترة لأحد منهم، فدل على أن سترة الإمام سترة لهم، وهو مذهب عامة أهل العلم.
وبوب البخاري باباً بهذا اللفظ: (وأن سترة الإمام سترة لمن خلفه) وفيه حديث عند الطبراني في الأوسط 2 فيه سويد بن عبد العزيز وهو ضعيف، ورواه عبد الرزاق في مصنفه عن ابن عمر 3 بهذا اللفظ وإسناده ضعيف أيضاً.
وعامة أهل العلم عليه؛ للحديث المتفق عليه المتقدم.
فعليه: هذا الحديث الذي رواه ابن عباس: إنما لم تبطل صلاة البعض من المأمومين حيث مر الأتان بين أيديهم لكونهم مؤتمين بإمام والإمام له سترة وسترة الإمام سترة لمن خلفه.4

وأما اعتراض عائشة بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم اعتراض الجنازة فإنها ماكثة والكلام في المار.
والفرق بينهما واضح: فإن المرور هو التجاوز بين المصلي وبين سترته.
وأما الماكث فهو باقي أمامه قبلة له كالشيء الذي يستتر به وقد تقدم قول ابن عمر (ولني ظهرك) 1 . ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرد المار بين يديه من بهيمة ونحو ذلك، ولو كانت ثابتة مستقرة لما فعل ذلك؛ لما ثبت أنه قد صلى إلى راحلته ولو كانت مارة غير ماكثة لدفعها النبي صلى الله عليه وسلم.
واعلم أن المستحب في السترة أن تكون عن المصلي ثلاثة أذرع فيما بين قدمه والسترة.
أو بينها وبين مواضع سجوده ممر شاة كل ذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
فقد ثبت في البخاري عن ابن عمر: (أن بلالاً أخبره أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل البيت كان بينه وبين الجدار ثلاثة أذرع) 2 وفي الصحيحين من حديث سهل بن سعد: (كان بين مصلى النبي صلى الله عليه وسلم والجدار ممر شاة) 3 أي بين موضع سجوده وبين الجدار المستتر به ممر شاة.
فعلى ذلك: السترة يدنو منها المصلي فتكون منه على قدر ثلاثة أذرع أو بين السترة وبين موضع سجوده ممر شاة.
فإن لم يكن بين يديه سترة فإنه لا يجوز المرور بين يديه ويجب عليه أن يدفع المار بين يديه كما تقدم.
وموضع ذلك حيث كان يمكنه دفعه بحيث أنه يمكنه أن يمد يده إليه أو يتقدم يسيراً فيدفعه، فمثل هذا الموضع لا يجوز المرور، وإذا مر بينه وبين ذلك شيء مما تقدم فإنه يبطل الصلاة أو ينقصها.

فالقدر حيث لم يضع سترة بحيث أنه يمكنه من غير إخلال بالصلاة أن يتقدم تقدماً يسيراً فيدفع، هذا تقريباً ثلاثة أذرع.
وذهب بعض أهل العلم: إلى أن ذلك يحدد بقدر رمي حجر، وهذا ضعيف.
والراجح ما تقدم من أنه ثلاثة أذرع ونحوها.

  • والمشهور عند جمهور أهل العلم أن الصلاة لا تنقطع بشيء مما تقدم ذكره.
    واستدلوا بما روى أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقطع الصلاة شيء وادرؤوا ما استطعتم) 1 لكن الحديث فيه مجالد بن سعيد وهو ضعيف فلا يعارض به ما تقدم من الأحاديث الصحيحة.
    فعلى ذلك: الراجح: أن الحمار والكلب الأسود والمرأة الحائض مرورهم يقطع الصلاة.
    وقد ورد في أبي داود والنسائي بإسناد صحيح: تقييد المرأة الحائض 2 ، وإنما يراد بالحائض البالغة.
    فإن لم تكن حائضاً فإنها تنهى عن المرور وتدفع لكنها لا تقطع الصلاة.
    قال: (وله التعوذ عند آية وعيد والسؤال عن آية رحمة ولو في فرض) لما روى مسلم من حديث حذيفة – في قصة قيامه الليل: (أن النبي صلى الله عليه وسلم: كان إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل وإذا مر بتعوذ تعوذ) 3

وقوله: (ولو فرض) قياساً على النفل، فإن الحديث ثابت في النفل وما ثبت نفلاً فهو ثابت فرضاً إلا بدليل يخصص ذلك.
وكره ذلك الأحناف والمالكية وقالوا: إنما هو خاص في النفل دون الفرض، فلا يستحب له في الفرض.
وهذا قوي في الغالب، فإن الغالب في فعل ذلك أن فيه إشقاقا 1 ً على المأمومين، فوقوف الإمام عند الرحمة يسألا والعذاب يستعيذ منه هذا يكون فيه إطالة على المأمومين فيكون فيه مشقة، والمشروع في الصلاة الجماعية أن يخففها الإمام بحيث لا يشق على المأمومين.
لذا لم يُنقل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ولو كان مثل ذلك ثابت في الفرض لنقل لنا ذلك نقلاً بيناً.
وأما المأموم فإن في فعل ذلك انشغالاً عن الإمام في متابعة قراءته، وقد قال تعالى: ﴿فإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ (2) فكان الأولى عدم فعله في الفرض كما تقدم، لكن لو تبين أنه ليس في فعله مشقة على المأمومين، كأن يكون المأمومون محصورين بعدد يعلم أن لا يشق عليهم فإنه لا معنى لكراهية ذلك؛ لأن الأصل أن ما ثبت في الفرض فهو ثابت في النفل.
وحينئذ: فيشرع للمأموم ذلك.
فإذن: الأصل أو الغالب أن في فعله مشقة على المأمومين، وفعله للمأموم يشغله عن متابعة قراءة الإمام أو عن تمامها، فإن فعلها الإمام حيث لا مشقة فلا ينبغي القول بكراهيتها.
وحينئذ يفعلها المأموم ما دام الإمام يسكت لها، فسكوت الإمام لها وفعل المأموم لها أثناء السكوت لا يشغله عن متابعة قراءته.
والحمد لله رب العالمين.

الدرس السادس والثمانون (يوم الأحد: 13 / 4 / 1415هـ)

فصل قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وأركانها) أي أركان الصلاة.
والأركان: جمع ركن وهو جانب الشيء الأقوى وقد تقدم الفارق بينه وبين الشرط.
أن الشرط هو الفرض المرتبط بالصلاة من غير ماهيتها وغير حقيقتها.
وأما الركن فهو المرتبط بها وهو من حقيقتها وذاتها.

فالنية من شروط الصلاة وهي قضية خارجة عن حقيقة الصلاة، وأما الركن فهو من حقيقتها وذاتها كالركوع والسجود ونحو ذلك.
والركن هو الفرض في تعبير بعض فقهاء الحنابلة وهذا على التفريق بين الفرض والواجب كما هو مذهب طائفة من أصحاب الإمام أحمد.
والركن لا يسقط سهواً ولا عمداً، بخلاف الواجب فإنه يسقط سهواً ويجبر بالسجود، فأركان الصلاة لا تسقط سهواً ولا عمداً وسيأتي بيان ذلك في سجود السهو.
قال: (القيام) هذا هو الركن الأول من أركان الصلاة وهو القيام مع القدرة، فهو فرض في الفريضة بإجماع العلماء لقوله تعالى: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ 1 وقوله صلى الله عليه وسلم في البخاري من حديث عمران بن حصين: (صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تسطع فعلى جنب) 2 . وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم به المسيء صلاته وكان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله، وقال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) 3 . وهو فرض بالإجماع مع القدرة لا مع العجز فإن العجز يسقط الواجبات.
وهو فرض في الفريضة دون النافلة، وقد تقدم جواز صلاة النافلة على الراحلة، فالقعود جائز هناك لكونها نافلة.
وقد اختلف أهل العلم في حقيقة القيام: 1- فقال الحنابلة: حقيقته: ما لم يصلِّ راكعاً، فإذا لم يثبت ركوعه فهو قائم قياماً مجزئـ[ـاً] . فعليه: لو انحنى بحيث لا تصل راحتاه إلى ركبته وإن كان قريباً إلى ذلك فإن القيام يجزئ عنه.
2- وقال الشافعية: هو الانتصاب أي انتصاب فقار الظهر فإذا كانت منتصبة وإن كان هناك انحناء يسير كأن يكون قد طأطأ رأسه وكأن [يكون] في ظهره انحناء يسير فإن هذا مجزئ.

وما ذكروه هو الأظهر: وهو أن يكون قائماً في العرف وهو أن يكون منتصب الظهر، والانحناء اليسير معفو عنه لأن حقيقة القيام ثابتة له عرفاً.
وعلى هذا: فلو انحنى انحناء يقرب من الركوع فإن هذا ليس بقيام مجزئ، فلا يجزئه.
والواجب والفرض عليه هو قيام مثله، فإن كان في ظهره شيء من الحُدبة أو كان في سجن قصير سقفه، فالواجب عليه أن يقوم بقدر استطاعته وإن كان فيه انحناء لقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ 1 فهذا هو قيام مثله.

  • وهل يجزئه أن يكون قائماً مستنداً إلى شيء أم لا؟ لها حالتان: الحالة الأولى: أن يكون على هيئة المتعلق بحيث تكون القدمان لا عمل لهما في القيام مطلقاً، بحيث لو أزيلت قدماه لم يقع، فمثل هذا ليس بقيام على الإطلاق ولا يجزئ بلا خلاف بين أهل العلم فلا خلاف فيه.
    الحالة الثانية: أن يستند إلى جدار أو عصا أو نحوه، وكان بحيث لو أزيل هذا الجدار أو العصا لاختل قيامه فسقط، ففيه قولان لأهل العلم: 1- القول الأول، وهو قول جمهور أهل العلم: أن الصلاة تبطل.
    وعليه: لو كان الرجل قادراً على القيام فانتصب مستنداً إلى عصا أو جدار، فلا يجزئ عنه في مذهب جمهور أهل العلم، وعليه فالصلاة باطلة؛ لأنه ترك القيام مع القدرة عليه.
    2- القول الثاني، وهو وجه للشافعية اختاره النووي وغيره قالوا: القيام مجزئ عنه؛ لأنه قائم قد فعل القيام، وكونه مستنداً إلى شيء لا يؤثر هذا الحكم؛ لأن القيام قد ثبت، فسواء كان قائماً بنفسه أو قائماً بغيره فقد ثبت القيام وهذا هو الواجب عليه.
    وهذا القول هو الأرجح، لأن هذا القيام صحيح، ولا ننظر بعد ذلك هل هو قام بنفسه من غير اعتماد على غيره أو كان بالاعتماد على الغير.
    فهو قيام صحيح فحقيقة القيام موجودة فيها.
    واعلم أن العاجز عن القيام إن كان يمكنه أن يقوم على هذه الصورة فيجب عليه فعل ذلك.

وهو المشهور في مذهب الحنابلة وأصح الوجهين في مذهب الشافعية.
أي لا يستطيع القيام بنفسه لكن يستطيع القيام (1) على عصا ونحوه فيجب عليه ذلك؛ لأنه قادر على القيام وقد اتقى الله ما استطاع، ولو لم يفعل بطلت صلاته فلا يصح فيه القعود، لأن هذا قيام صحيح، وحيث كان قياماً صحيحاً فيجب عليه فعله وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب فيجب أن يعتمد على عصا أو نحوه.

  • وهناك وجه للشافعية يقدم وجوب ذلك وفرضيته عليه.
    وهذا يبنى على المسألة السابقة.
    فحيث قلنا: إنه ليس بقيام مجزئ فلا يجب عليه؛ لأنه في الحقيقة ليس بقائم وهو حيث جلس فقد اتقى الله ما استطاع، ولا فائدة من اعتماده على شيء؛ لأنه لا يعد قائماً.
    والراجح ما تقدم في المسألتين كلتيهما.
    قال: (والتحريمة) هي ركن من أركان الصلاة وقد تقدم الكلام عليها في صفة الصلاة.
    قال: (والفاتحة) لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب) 2 وقد تقدم الكلام عليها في صفة الصلاة.
    قال: (والركوع) وهو ركن، لقوله تعالى: ﴿اركعوا واسجدوا﴾ 3 ولقوله صلى الله عليه وسلم – في حديث المسيء صلاته -: (ثم اركع حتى تطمئن راكعاً) 4 . وقد تقدم ذكر صفته المستحبة.
    وأما القدر المجزئ فيه فهو – عند جمهور أهل العلم – هو: أن ينحني بحيث تمس راحتاه ركبتيه فإذا مست الراحتان الركبتين فهذا هو القدر المجزئ منه.

وهذا حيث كان منتصباً في رجليه غير حان أو مقدم لركبتيه، أما إذا قدم ركبتيه فلا، لأنه إذا مس بالراحتين حيث قَدَّم الركبتين فهذا المس لم يحصل بسبب الانحناء وهو الركوع، وإنما حصل بسبب تقديم الركبتين.
فعليه: تنصب الرجلان وتكون الركبتان في موضعهما الطبيعي غير مقدمتين، فينحني حتى تمس الراحتان الركبتين – هذا هو القدر المجزئ عند جماهير أهل العلم؛ لأن هذا هو حقيقة الركوع، فإن حقيقة الركوع هو الانحناء.
وليتميَّز عن القيام فإنا نحتاج إلى أن يكون ذلك على هذه الصورة المتقدمة.
وما ذكروه من الاستدلال في الحقيقة، غير واضح وينبغي الاستدلال بما ثبت في حديث المسيء صلاته في أبي داود وغيره – وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم: (أمره أن يضع يديه على ركبتيه) وفي رواية لابن حبان وابن خزيمة: (فضع راحتيك على ركبتيك) 1 .

وحيث قلنا: إن الفعل واقفاً – ليس بواجب – كما هو مذهب الجمهور وهو أن وضع الراحتين على الركبتين ليس بواجب وإنما الواجب هو الانحناء.
فحيث قلنا بذلك فإنه لابد وأن يكون متمكناً من وضع الراحتين على الركبتين ولا يكون ذلك إلا بالانحناء المتقدم الذي ذكره الجمهور لكنهم لا يوجبون وضع الراحتين على الركبتين.
وحديث المسيء صلاته يوجب ذلك وبفرضه وإلا فحقيقة الركوع في اللغة مجرد الانحناء، فالانحناء في الحقيقة ركوع وإن لم يصل الراحتان إلى الركبتين، لكن حديث المسيء صلاته يدل على فرضية وضع الراحتين على الركبتين أو على قول الجمهور يدل على أنه لابد أن يتمكن من وضع الراحتين على الركبتين.
فعلى ذلك: حقيقة الركوع أن ينحني انحناء بحيث إذا مد يديه والمراد بذلك حيث كانت اليدان ليس فيهما طول أو قصر بل هما معتدلان في الخلقة، فمدهما فوضع الراحتين على الركبتين فهذا هو المجزئ.
قال: (والاعتدال عنه) لقوله صلى الله عليه وسلم: - في حديث المسيء صلاته -: (ثم ارفع حتى تعتدل قائماً) 1 . وما قلناه في القيام قبل الركوع يقال في القيام بعد الركوع وأن الفرض فيه أن ينتصب قائماً بحيث تكون فقار ظهره منتصبة.
قال: (والسجود على الأعضاء السبعة) تقدم الكلام عليه، وفيه حديث ابن عباس، وهو مذهب الحنابلة من فرضية السجود على الأعضاء السبعة.
قال: (والاعتدال عنه) لقوله في حديث المسيء صلاته: (ثم اجلس حتى تطمئن جالساً) 2 قال: (والجلسة بين السجدتين) لقوله صلى الله عليه وسلم: (ثم اجلس حتى تطمئن جالساً) 3 ولم أر لفقهاء الحنابلة ذكر [اً] للقدر المجزئ في الجلوس كما ذكروا القدر المجزئ في القيام ونحوه.
ورأيت عند فقهاء الشافعية: أن الواجب هو مطلق الجلوس.

فإذا تورك أو افترش أو مد رجليه أو نصب أحد رجليه أو نحوه فإنه يجزئ عنه في المواضع كلها التي فيها الجلوس كالتشهد الأول والثاني والجلسة بين السجدتين فهذه المواضع كلها القدر المجزئ فيها مطلق الجلوس.
وسكوت الحنابلة يدل على مثل ذلك وأن القدر المجزئ في الجلوس هو مطلقه.
والقدر المجزئ هو مطلق الجلوس؛ لأن الشارع أوجب الجلوس، فأي جلوس فعله قد صح منه الجلوس، والقدر المستحب تقدم الكلام عليه: من الافتراش في موضعه، والتورك في موضعه، والإقعاء بين السجدتين.
قال: (والطمأنينة في الكل) لحديث المسيء صلاته: (ثم اركع حتى تطمئن راكعاً ثم ارفع حتى تطمئن قائماً ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً ثم ارفع حتى تطمئن جالساً …) 1 الحديث.
ولقول حذيفة – لما رأى رجلاً لا يتم ركوعه ولا سجوده قال له: (ما صليت ولو مت مت على غير الفطرة التي فطر [الله] عليها محمد صلى الله عليه وسلم) 2 . *واختلف فقهاء الحنابلة في حقيقة الطمأنينة: فالصحيح من المذهب - والمراد الذي صححه الحنابلة والمرجع عندهم –: هو السكون وإن قل، فإذا سكن واستقر راكعاً أو جالساً أو قائماً فإن هذه هي الطمأنينة الواجبة.
أما إذا وصل إلى السجود فرفع من غير سكون فيه ولا استقرار فذلك لا يجزئ عنه.

والقول الثاني في المذهب: أنه بقدر الذكر الواجب، فهو في القيام بقدر تكبيرة الإحرام وقراءة الفاتحة وفي الركوع بقدر (سبحان ربي العظيم) ، وفي الرفع منه بقدر (ربنا ولك الحمد) – حيث قلنا بوجوبه بعد الرفع، وإلا فالحنابلة يقولون بوجوبه أثناء الانتقال وعليه فهذا الركن ثابت فيه مجرد السكون وإن قل.
وفي السجود بقدر قول: (سبحان ربي الأعلى) . ويترتب على ذلك: معلوم أن الطمأنينة ركن، وأن ترك الذكر ترك لواجب، وأن الأذكار في الصلاة واجبة لا فرض.
فإذا سجد وسكن في سجوده ورفع لم يذكر الله تعالى (سبحان ربي الأعلى) ساهياً، فهل يكون قد ترك فرضاً أو واجباً؟ لا شك أنه تارك لواجب.
لكن هل يضاف لذلك تركه للركن؛ لأنه لم يطمئن بقدر قوله: (سبحان ربي العظيم) أو (سبحان ربي الأعلى) فهو قد سكن لكن ليس بقدر قول: (سبحان ربي الأعلى) ولم يقل هذا الذكر، فهل يعد تاركاً للواجب فقط فيجبره سجود السهو أو يعد تاركاً للركن لأن الركن شرط فيه الطمأنينة؟ على القولين السابقين: والراجح القول الأول وأن مجرد السكون وإن قل هو الطمأنينة؛ لأن هذه هي حقيقة الطمأنينة.
وأما قضية الذكر الواجب فهو ذكر يجب في الصلاة ويجب أن يطال في الركوع أو السجود لأجله؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب لكنه ليس بركن فيها بل الركن هو مجرد الطمأنينة وهذه يحصل بمجرد السكون ولو كان ذلك بمقدار (سبحان ربي) وإن لم يقل (الأعلى) فإن هذا يعتبر سكوناً، وإن كان ليس بقدر الذكر الواجب.
فيقال: فرض عليه أن يستقر ويسكن في سجوده، وواجب عليه أن يكون هذا السكون بقدر الذكر الواجب.
فعلى المسألة السابقة لا يعد تاركاً للركن بل للواجب وهو الذكر.
قال: (والتشهد الأخير وجلسته)

هو ركن لحديث ابن مسعود: (كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد) 1 فهذا يدل على أن التشهد فرض في الصلاة والنبي صلى الله عليه وسلم قد فعله ولم يثبت عنه تركه وقد قال صلى الله عليه وسلم: (صلوا كما رأيتموني أصلى) والعلم عند الله تعالى.
فالمشهور في المذهب: فرضية التشهد الأخير والجلوس له كذلك؛ لفعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله: (صلوا كما رأيتموني أصلي) . ولأن التشهد لا يصح إلا بالجلوس وما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض.
وتقدم أن التشهد ينتهي بقوله: (وأشهد أن محمداً عبده ورسوله) . قال: (والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيه) كما هو مذهب الحنابلة والشافعية وأنه فرض، وهو عند الحنابلة فرض في التشهد الأول 2 فقط، وأما الشافعية فهو فرض في التشهد كليهما.
وقد تقدم القول حول هذه المسألة وأن الراجح أنه ليس بفرض في التشهد الأول.
وأما التشهد الثاني أي الصلاة فيه فالمشهور في المذهب فرضيتها.

  • وعن الإمام أحمد: أنها ليست بفرض بل سنة، وهو مذهب أكثر أهل العلم، وهو الراجح؛ لأنه لا دليل على فرضيتها وليس في الباب إلا الحديث المتقدم في قول الصحابي: (يا رسول الله علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك قال: قولوا) 1 فهذا أمر ورد بعد سؤال، والأمر بعد سؤال ليس ظاهراً في الوجوب بل هو للاستحباب كما قرر ذلك غير واحد من الأصوليين.
    وقد قال ابن مسعود – وهو راوي حديث التشهد – ورواه أبو داود مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم والصحيح وقفه قال: (أما إذا قلت هذا أو قضيت هذا) يعني التشهد المذكور في حديثه إلى قوله: (وأشهد أن محمداً عبده ورسوله) فقد قضيت صلاتك) 2 . فهذا يدل على أن ما بعد التشهد من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والدعاء ليس بواجب وهو قول ابن مسعود وهو مذهب أكثر الفقهاء.
    والأصل عدم الوجوب حتى يرد دليل على ذلك، وما استدل به ليس فيه الإيجاب بل فيه مشروعية ذلك واستحبابه والعلم عند الله تعالى.
    قال: (والترتيب) فرض بالإجماع بين فرائض الصلاة وأركانها لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله في بيان مجمل القرآن في قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [سورة البقرة 2/43] وما كذلك فهو فرض ولأن النبي صلى الله عليه وسلم علمه المسيء صلاته، فيعلمه لصلاة مرتبة فكان الواجب الترتيب فيها، فإذا قدم الركوع على القيام لم تصح الصلاة وإذا ترك الترتيب سهواً فلا يجبر إلا بفعله.
    قال: (والتسليم)

هو ركن كذلك، وتقدم دليله في قوله: (وتحليلها التسليم) 1 ، فهذا يدل على أن من شرع في الصلاة لا يحل له ما نهي عنه خارج الصلاة إلا بالسلام فهو فرض فيها.
وهذا باتفاق أهل العلم.
وقد اتفق أهل العلم على أن التسليمة الأولى فرض.

  • لكن اختلفوا في الثانية: فذهب جمهور أهل العلم 2

: إلى أن الثانية ليست بفرض.
وذهب الإمام أحمد في رواية عنه وذهب إليه بعض المالكية: إلى أنها فرض.
وهذا القول هو الراجح، لأن قول النبي صلى الله عليه وسلم: (وتحليلها التسليم) مجمل بينته السنة في كونه يسلم عن يمينه وعن شماله.
ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث أنه اكتفى بالتسليم عن يمينه لا في فرض ولا في نفل، وما ورد في ذلك فهو إما حديث ضعيف أو حديث ليس بصريح فعليه التسليمة الثانية فرض في الصلاة وهو رواية عن الإمام أحمد.
فهذه أركان الصلاة التي لا تصح الصلاة إلا بها وهي لا تسقط عن المصلي سهواً ولا عمداً.
والحمد لله رب العالمين.
الدرس السابع والثمانون (يوم الاثنين: 14 / 4 / 1415هـ)

قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وواجباتها) أي واجبات الصلاة وهي ما تجبر بسجدتي السهو وتركها عمداً مبطل للصلاة.

قال: (التكبير غير التحريمة والتسميع) فمن واجباتها التكبيرات التي هي تكبيرات الانتقال، والتسميع كذلك.
فالألفاظ التي يتلفظ بها الإمام والمأموم والمنفرد فيما بين الأركان من تكبيرات أو تسميع واجب في الصلاة.
واستدلوا على ذلك: بما رواه أبو داود في سننه بإسناد صحيح من حديث المسيء صلاته وفيه: (ذكر تكبيرات الانتقال والتسميع) 1 والحديث صحيح.

  • وذهب جمهور العلماء: إلى أنه ليس بواجب وهكذا ما بعده فيما ذكر في هذا الباب من الواجبات.
    وقالوا: إنه لم يذكر في حديث المسيء صلاته.
    والصحيح أنه مذكور كما في سنن أبي داود بإسناد صحيح وفيه: (لا تتم صلاة أحدكم – الحديث – وفيه ذكر التكبيرات والتسميع) 2 فالصحيح أنه واجب في الصلاة.
  • بل عند الإمام أحمد: أنه ركن، وهذا الذي يقتضيه حديث المسيء صلاته، وأن الصلاة لا تتم إلا به وهذا هو الركن.

إذن: المشهور في المذهب أن تكبيرات الانتقال والتسميع واجبات وتركها يجبر بالسجود.
وعن الإمام أحمد أنها ركن فيه، فعلى ذلك لا تجبر بالسجود بل يجب أن يأتي بها، والحديث يدل على ما ذهب إليه أهل القول الثاني، لكن المشقة واردة في الحكم بركنية التكبير، والتكبير إنما يقصد منه إظهار الانتقال من ركن إلى آخر ومثل هذا يصعب الجزم بركنيته مع ما فيه من المشقة وصعوبة التحرز عن ترك شيء منه لاسيما للمنفرد والمأموم، فينبغي أن يقال: إنه واجب لما في القول بركنيته من المشقة والمشقة تجلب التيسير.
مسألة: تقدم أن هذه التكبيرات إنما تشرع في حالة الانتقال ما بين الركن إلى الآخر.
وعليه: فإنها تفعل أثناء الانتقال، فإذا شرع برفع رأسه من الركوع – مثلاً – شرع يقول: سمع الله لمن حمده، فينتهي وقد وصل إلى القيام، فلا يشرع فيه في ركوعه ولا يتمه أثناء قيامه، بل يقوله أثناء الانتقال، هذا هو مقتضى كونه مشروعاً أثناء الانتقال.

  • واعلم أن المشهور في المذهب أن هذا فرض وشرط فيه فلا يصح التكبير إلا حيث كان ذلك.
    فلو أنه كبر أثناء ركوعه ثم رفع، أو كبر وقد رفع من الركوع فأتمه أثناء القيام فإنه لا يجزئ عنه ولا يصح ذلك منه، وعليه فإنه تارك للواجب فيجب عليه سجود السهو مع النسيان، وإلا فإن صلاته تبطل.
    قالوا: كما أن القراءة لا تصح قبل القيام ولا بعده.
    فلو أنه شرع في الفاتحة وهو يرتفع من الركعة إلى ما بعدها فشرع في القراءة أثناء نهوضه قبل أن يصل إلى القيام فلا يجزئ عنه، وإذا أتمها وهو راكع فكذلك لا يجزئ عنه.
    فكذلك تكبيرات الانتقال، وهذا القول أقيس من القول الثاني.
  • والقول الثاني في المذهب: أن ذلك يجزئ عنه، ومع ذلك فإن هذا القول هو الراجح مع كون القول الأول أقيس، واختاره المجد ابن تيمية.

وكونه هو الراجح، لما في القول الأول من المشقة وصعوبة التحرز، حتى قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي في هذا القول: " وهو الذي لا يسع الناس غيره " (1) فالتحرز عنه شاق، والمشقة تجلب التيسير، ولأن المقصود منه إنما هو إظهار الانتقال ما بين ركن إلى آخر، وهذا يحصل في الحقيقة وإن قاله أثناء الركن المنتقل منه، أو الركن المنتقل إليه.
ومع ذلك فإنه لا يتساهل بهذا، إلا ما يقع من الناس وهذه مسألة لا شك يكثر الوقوع فيها فيشق التحرز منها، والمشقة تجلب التيسير، وهذا لا شك أن السهو فيه يكثر، والجهل فيه يفشو، فمثله ينبغي أن يتساهل فيه لا سيما وأن المقصود منه إظهار الانتقال من ركن إلى آخر.
كما أن سكوت النبي صلى الله عليه وسلم عن بيان فرضية هذا - مع كونه لا شك في وقوعه وكثرته في الناس، سكوت النبي صلى الله عليه وسلم - يقتضى عدم وجوبه والتسامح فيه، لأن عدم البيان مع الحاجة لا يجوز، والناس يقع منهم هذا ولا شك، بل كان التكبير في عصور المتقدمين مشروعيته أصلاً مجهولة كما ذكر ذلك شيخ الإسلام وغيره – كما يدل عليه روايات كثيرة – بسبب إمامة الأمراء وكانوا يتساهلون بالتكبيرات أي التلفظ [بها] .

قال: (والتحميد) تقدم دليل ذلك ومشروعيته للإمام والمنفرد والمأموم لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا: " ربنا ولك الحمد ") 1 والأمر للوجوب.

قال: (وتسبيحتا الركوع والسجود وسؤال المغفرة مرة مرة ويسن ثلاثاً) أي قوله: " سبحان ربي العظيم " في ركوعه، و " سبحان ربي الأعلى " في سجوده.

لما ثبت في سنن أبي داود بإسناد حسن من حديث عقبة بن عامر قال: (لما نزلت فسبح باسم ربك العظيم قال: النبي صلى الله عليه وسلم: " اجعلوها في ركوعكم " ولما نزلت " سبح اسم ربك الأعلى " قال النبي صلى الله عليه وسلم: " اجعلوها في سجودكم ") 1 والأمر يقتضي الوجوب.
وسؤال المغفرة كذلك، بالقياس وإلحاق الشيء بنظيره والشبيه بشبيهه.
فإن هذا الجلوس ركن من أركان الصلاة، فيشرع فيه ما يشرع في غيره ويجب فيه ما يجب في غيره، فكما أن الركوع فيه ذكر واجب، والرفع منه فيه ذكر واجب والسجود والجلوس الأخير والجلوس وسط الصلاة كل ذلك فيه ذكر واجب، فكذلك الجلسة بين السجدتين.
فعلى ذلك يجب عليه أن يقول: (رب اغفر لي) في جلوسه بين السجدتين، وهو المشهور في المذهب وكل هذه المسائل عند جمهور العلماء ليست بواجبة والراجح ما تقدم.
أما ما ورد فيها في حديث المسيء صلاته فهذا الحديث حجة في وجوبها.
وأما ما لم يرد فإنها قد وردت بالأمر، وكونها لم ترد في حديث المسيء صلاته لا يدل ذلك على عدم وجوبها إذ الحديث لا يحيط بأركان الصلاة وواجباتها، وفيه ما هو ثابت بالسنة الصحيحة فرضيته ووجوبه ولم يرد في حديث المسيء صلاته، لقول ابن مسعود: (كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد) 2 والتشهد وجلوسه ليسا مذكورين فيه.
فالحديث لا يحصر ذلك كله، فإن من الواجبات ما يحتمل أن يكون قد فرض بعد حديث المسيء صلاته.
وفيها ما لم يحتج النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيانه للمسيء صلاته لكون ذلك واضحاً ومعروفاً له، وقد قام به على وجهه فلا يحتاج إلى بيانه.
(مرة مرة) : في كل مما تقدم في قوله: (سبحان ربي العظيم، وسبحان ربي الأعلى) و (رب اغفر لي) فكلها تجب مرة.
(ويسن ثلاثاً) : وقد تقدم.
قال: (والتشهد الأول وجلسته)

فالتشهد الأول من واجبات الصلاة، لما ثبت في حديث ابن مسعود وفيه: (كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد) . والجلوس له واجب أيضاً؛ لأن التشهد لا يتم إلا بجلوس وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
وقد فعلها النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) . وليسا بركنين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قام عن التشهد الأول وانتصب قائماً لم يعد إليه وجبره بسجدتين، وهذا لا يفعل بالركن.
وهذا – أي وجوب التشهد الأول وجلسته – مشكل على المذهب حيث أن الدليل واحد في التشهد وقد أوجبوا التشهد الأول، وفرضوا التشهد الثاني وجعلوه من أركان صلاة، مع أن الحديث الوارد في التشهد حديث واحد وهو حديث ابن مسعود.
وذهب الإمام أحمد في رواية عنه: إلى أن التشهد الثاني والجلوس له واجبان وليسا بركنين – كما أن التشهد الأول واجب – لأن الحديث الوارد فيها واحد، وحكمهما في الحقيقة واحد.
وهذا قول قوي، لكن يشكل عليه قضية الجلوس له، لأن الجلوس له لا يتم السلام – وهو ركن من أركان الصلاة – إلا بهذا الجلوس فينبغي أن يكون الجلوس ركن من أركان الصلاة.
وهذا قول في مذهب أحمد: وهو أن الجلوس للتشهد الثاني ركن والتشهد واجب.
وهذا – فيما يظهر لي – أرجح الأقوال.
قال: (وما عدا الشرائط والأركان والواجبات المذكورة سنة) فكل ما لم يكن واجبـ[ـاً] ولا شرطـ[ـاً] ولا ركنـ[ـا] فهو سنة، وهذا ضابط واضح.
قال: (فمن ترك شرطاً بغير عذر غير النية فإنها لا تسقط بحال بطلت صلاته) فمن ترك شرطاً لغير عذر – كالوضوء مثلاً – فإن الصلاة تبطل ولو كان ساهياً ناسياً.
إلا أنه استثني المعذور، كالعاجز عن الطهارة أو غيرها من شروط الصلاة، فإن صلاته تصح، لأنه معذور في ترك الواجب لكونه عاجزاً عنه.

(غير النية) : فالنية لا تسقط بحال، لأنه لا يتصور سقوطها، فالنية محلها القلب، ولا يتصور أبداً أن يعجز عنها المكلف فهو قادر عليه على الإطلاق، لذا وجب استثناؤها لأنه لا يمكن أن يكون العبد معذوراً في تركها، إذ محلها القلب وحيث كان محلها القلب فلا عذر في تركها.
قال: (أو تعمد ترك ركن أو واجب بطلت صلاته) فمن ترك واجباً أو ركناً عمداً في الصلاة، فإن الصلاة تبطل.
أما إذا تركه على سبيل السهو فلا تبطل الصلاة وتجبر بسجود السهو في الواجبات.
وأما الأركان فإنها لا تصح الصلاة إلا أن يؤتى بها.
فهما في التعمد باب واحد، فكلاهما أمر الشارع به، فإذا ترك واجباً أو ركناً فقد أدى الصلاة على غير أمر الله وشرعه، وكل عمل ليس عليه أمر النبي صلى الله عليه وسلم فهو رد.
قال: (بخلاف الباقي) أي بخلاف الباقي من السنن فإنه إذا تركها عمداً لا تبطل صلاته.
كمن ترك رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام أو إرادة الركوع أو نحو ذلك.
قال: (وما عدا ذلك سنن أقوال وأفعال) سنن أقوال: كزيادة (سبحان ربي العظيم) مرتين على المرة الواجبة فيكون المجموع ثلاثاً.
وسنن الأفعال: كجلسة الاستراحة – على القول بها – وكرفع اليدين عند تكبيرة الإحرام وإرادة الركوع والرفع منه 1 . قال: (ولا يشرع السجود لتركه، وإن سجد فلا بأس) هذا قول في المذهب: وهو أنه لا يشرع له السجود لتركه لكن إن سجد فذلك جائز.

فصول الكتاب · 11 فصل · 298 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للحمد · 298 صفحة
المقدمة
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب المناسك
كتاب الجهاد
كتاب الوصايا
كتاب الوصايا
كتاب الفرائض
كتاب الطلاق
كتاب الحدود
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل