شرح زاد المستقنع للحمدصفحات 160-24
أهل الأثرالأرشيف العلمي

ورواه غيرهم من أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وأصحها إسناداً ما رواه الطبراني عن ابن عباس بإسناد جيد وهذه الطرق الكثيرة ترتقي بالحديث إلى درجة الصحة، لذا ذهب إليه الإمام أحمد فقال: (إن الأذنين من الرأس) ، فيجب مسحهما كما يجب مسح الرأس.
أما الجمهور: فقالوا: لم يصح هذا الحديث، فعلى ذلك الأذنان ليسا من الرأس فلا يجب مسحهما وإنما يستحب.
ـ وإذا ثبت لنا الحديث فإننا نقول بإيجاب ذلك، وهذا القول هو الراجح وهو مذهب الحنابلة من وجوب مسح الأذنين وإنهما من الرأس.

قوله: ((وغسل الرجلين)) : وهذا هو الفرض الرابع، وهو فرض بالإجماع، وقد قال تعالى: (فاغسلوا وجوهكم 000 وأرجلكم) .

قوله: ((والترتيب)) : الترتيب فرض عند الحنابلة والشافعية.
ودليلهم: أن الله عز وجل في كتابه الكريم قد أدخل الممسوح بين المغسولات، فقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) فأدخل الله الممسوح بين المغسولات، فحينئذ: فصل النظير عن نظيره، وهذا لا فائدة منه إلا الترتيب وفرضيته لأن الآية في ذكر فرائض الوضوء.
ولو أن رجلا قال: (أكرمت زيداً، وأهنت عمراً، وأكرمت بكراً) فهذا الكلام من العِيِّ لا من البيان.
وأنه فصل النظير عن نظيره والواجب ألا يفعل، وأما أن يفصل فهذا من العي.
والله عز وجل ينزه عن ذلك فلا بد من فائده.
لذا استدل به أهل العلم على إيجاب الترتيب، لأن الله أدخل الممسوح من المغسولات.
ولا يقال: إن الترتيب مستحب؛ لأن الآية قررته في سياق الفرض وليس في سياق الاستحباب.
ـ كما أن الله ـ عز وجل ـ لم يرتب الأعضاء الأعلى فالأعلى أو الأقرب فالأقرب بل رتبه هكذا مختلفة، وذلك لا فائدة منه إلا إيجاب الترتيب.
ـ ثم إن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يصح عنه أنه توضأ غير مرتب أبداً، كما قرر هذا ابن تيمية وابن القيم والنووي وغيرهم.

فالراجح: هو إيجاب الترتيب.
فلو أن رجلاً توضأ غير مرتب كأن يمسح الرأس قبل غسل اليدين فإن وضوءه باطل فيجب عليه أن يعيد الوضوء إن كان هناك فاضل.
أما إن لم يكن هناك فاصل فإنه يصح منه غسل اليدين، فيجب عليه أن يمسح الرأس مرة أخرى.
فإن توضأ منكساً أربع مرات فهل يصح وضوءه أم لا؟ بمعنى: غسل رجليه ثم مسح رأسه ثم غسل يديه ثم غسل وجهه وفعل ذلك أربع مرات.
قالوا: يصح وضوؤه؛ لأن كل وضوء من هذه الوضوءات المنكسة يصح منها عضو واحد.
فعلى الوضوء الأول يصح غسل الوجه، وفي الوضوء الثاني يصح غسل اليدين وفي الوضوء الثالث يصح مسح الرأس وفي الوضوء الرابع يصح غسل الرجلين.
وهي صفة غريبة ولكن ذكرناها للفائدة.
ـ وذهب المالكية والأحناف إلى عدم وجوب الترتيب.

قوله: ((والموالاة وهي أَلاَّ يؤخر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله)) : هذا الفرض السادس من فروض الوضوء.
وهنا: ذكر فرضية الموالاة وذكر ضابطها، فيه مبحثان: ـ المبحث الأول: في فرضيتها.
(1) ـ مذهب الحنابلة هو فرضية الموالاة، وأن الموالاة بين الأعضاء فرض وهذا مذهب المالكية.
واستدلوا: بما ثبت في المسند بإسناد جيد كما قال الإمام أحمد وصححه ابن كثير، وغيره أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: رأى رجلاً يصلي وعلى قدمه لمعة قدر درهم لم يصبها الماء فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة) (1) . ووجه ذلك: أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يأمره أن يكتفي بغسل هذه البقعة التي لم يصبها الماء بل أمره أن يعيد الوضوء كله، فلو لم تكن الموالاة واجبة لاكتفى أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأن يغسل هذا المأمور البقعة التي لم يصبها الماء.
ـ وقد ثبت في مسلم: أن رجلاً توضأ فترك موضع ظفر على قدمه فأبصره النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: (إرجع فأحسن وضوءك فرجع ثم صلى (2)) .

فهنا قوله: (فأحسن وضوءك) يفسره بالرواية المتقدمة وفي رواية لأحمد بإسناد فيه ابن لهيعة وهو ضعيف لكن ذلك التفسير يقوي هذه اللفظة: (ثم رجع فتوضأ ثم صلى) . قالوا: إن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو المفسر للقرآن بفعله، لم يثبت عنه أنه توضأ غير موال بل كل وضوئه على الموالاة.
(2) ـ وذهب الشافعية والأحناف إلى أن الموالاة غير واجبة بل هي مستحبة.
ودليلهم: أنه لم يثبت في الآية المتقدمة، وقد قال تعالى: (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق 00) الآية.
والواو لا تفيد التعقيب، بل لو تَرَاخَى فإنه لا حرج.
ـ لكن تقدم الدليل الدال على ذلك من السنة، ثم إن القرآن قد فسره النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بفعله، وقد تقرر عند الأصوليين أن فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لمجمل القرآن يعطي حكم ذلك المجمل.
مثاله: النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ صلى المغرب ثلاثاً والعشاء أربعاً والفجر ركعتين والظهر والعصر أربعاً، فهذا فعل وهو بيان لمجمل في القرآن، فيكون فرضاً كما أن قوله تعالى: (وأقيموا الصلاة) (1) فرض.
ـ المبحث الثاني: في ضابط الموالاة: قال المؤلف: ((وهي ألا يؤخر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله)) : لو أن رجلا غسل وجهه ثم جلس زمناً فغسل يديه هذا الزمن قد جف فيه الماء الذي على وجهه، فحينئذ لا يكون وضوؤه صحيحاً بل يبطل لانتفاء الموالاة.
ـ فإن قيل لهم: لكن الزمان يختلف، ففي الشتاء يتأخر الجفاف وفي الصيف يكون سريعاً.
قالوا: نقيد ذلك بالزمان المعتدل.
فمثلاً: الزمان المعتدل خمس دقائق لأن يجف الماء عن الوجه فلو لم يجف الماء فجلس خمس دقائق فإنه يكون قد قطع الموالاة، وفي الصيف ذهب الماء بدقيقة بسبب حرارة الشمس.
فنقول: ينتظر خمس دقائق؛ لأنه هو الزمان المعتدل.
هذا هو ضابط الحنابلة، وهو ضابط الشافعية أيضا القائلين باستحباب الموالاة فإنهم يستحبونها وهو ضابطها عندهم.

ـ وهذا الضابط أولاً: لا دليل عليه، ثانياً: يشق ضبطه فإن عامة الناس لا يمكنهم أن يضبطوا فعل ذلك.
فإيقاع هذا الضابط في الواقع فيه مشقة وعسر.
ـ وذكر بعض أهل العلم ضابطاً آخر وهو أصح منه وهو رواية عن الإمام أحمد، وقال الخلال فيها: (وهو الأشبه بقوله والعمل عليه) ، والضباط هو: إرجاع ذلك إلى العرف.
فإذا كان هناك فاصل عرفي ثبت عرفاً أنه طويل فإنه تنتفي الموالاة، وإن كان قصيراً فإن الموالاة لا تنتفي.
مثال: رجل توضأ فلم يغسل عقبيه، ثم ذهب إلى المسجد فلما دخله أخبره بعض المصلين، بهذا الموضع الذي لم يصله الماء، فهذا فاصل طويل عرفاً.
لكن لو أن رجلاً توضأ وبمجرد ما انتهى من الوضوء أخبر أن موضعاً من يديه لم يصبه الماء فإنه فاصل قصير عرفاً فلا يعيد.
فهذا القول هو الأرجح وهو أن ذلك راجع إلى العرف وهو رواية عن الإمام أحمد واختارها بعض أصحابه.
ـ ومثل ذلك: كل ما لم يثبت في الشرع ولا في اللغة تحديد له فإنه يقيد بالعرف.

فإذن: الموالاة فرض من فروض الوضوء وضابطها: ألا يفصل بنهما بفاصل طويل عرفاً.
ـ فإن قيل: لو أن رجلاً توضأ فغسل وجهه ويديه ثم انقطع عنه الماء بأي سبب من الأسباب ثم بعد ذلك حضر الماء، بعد فاصل طويل عرفاً ـ فهل يمسح رأسه ويغسل رجليه أم أنه يستأنف؟ قولان لأهل العلم: 1ـ فالمشهور في مذهب الحنابلة أنه يعيد الوضوء؛ لأن الموالاة شرط فوجب أن يأتي بها ولا يسقط بالعذر.
2ـ وذهب المالكية وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن العذر مسقط للموالاة، لقوله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم) (1) ولقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) (2) . ـ وأوضح منه في الاستدلال،ما في الصحيح ـ وسيأتي ذكره إن شاء الله ـ من العمل الكثير في الصلاة، فإنه يقتل الحية والعقرب، ونحو ذلك ثم يعود إلى الصلاة.

فهذا قاطع عن الصلاة وهو معذور فيه ومع ذلك فإنه لا يعيد الصلاة بل يبني عليها.
ـ وهذا القول فيه قوة.
ـ والقول الأول: فيه أيضا: فإنه يمكن أن يجاب عما استدلوا به: بأن قوله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم) وقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) ، أن يقولوا: أنه لا مشقة في إعادة الوضوء، فإنه لا مشقة في أن يوافق أمر الله عز وجل بالإتيان بالوضوء موالياً، فليس في ذلك شيء به المشقة.
ـ وأما الإستدلال بقتل الحية ونحوها أثناء الصلاة فيمكن أن يقال: أنه مازال في الصلاة، فهو يصلي لله وهو مازال في نيته لم يقطع صلاته، ومازال يتعبد لله بالصلاة وأجيز له أن يتحرك بهذه الحركة التي هي في الظاهر منافية للصلاة لكنها أجيزت من قبل الشارع للضرورة.
ـ ولا شك أن كلا القولين فيه قوة إلا أن الأحوط ما ذهب إليه الحنابلة من أنه لا يسقط بالعذر.
ـ وقيل ذلك النسيان والجهل والإكراه، فإنه لا يسقط بها.
بل الذي يسقط إنما هو الإثم.
ـ فلو أن رجلاً ترك الموالاة جاهلاً أو ناسياً فإنه لا إثم عليه ولكن يجب عليه أن يعيد الوضوء.
ودليل ذلك ما تقدم من الحديث، فإن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما رأى الرجل الذي في قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء أمره أن يعيد الوضوء ولم يستفصل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ منه أهو ناسي أم لا، أهو جاهلٌ أم لا؟ ونحو ذلك: وترك الإستفصال في مقام الإحتمال ينزل منزلة العموم في المقال كما هو مقعد عند الأصوليين فهذه من العمومات.
إذن: الراجح أن المولاة لا تسقط بالإكراه ولا بالنسيان ولا بالجهل.
ـ وهل تسقط بالعذر أم لا؟ تقدم البحث في هذا وتقوية كلا القولين وأن الإحتياط ما ذهب إليه أهل القول الأول.
مسألة:

إذا ثبت وجوب الترتيب بين الأعضاء الأربعة، فهل يجب عليه أن يرتب بين المضمضة والاستنشاق، وبين المضمضة والاستنشاق والوجه، وبين المضمضة والاستنشاق وبقية الأعضاء؟ هل يجب ألا يرتب بين المضمضة والاستنشاق أم لا؟ فلو أنه استنشق قبل أن يتمضمض فهل يكون فعله جائزاً أم لا؟.
1ـ قال الحنابلة: فعله جائز؛ لأنهما من الوجه.
فلو أن رجلاً غسل أعلى الوجه قبل أسفله أو أسفله قبل أعلاه فإنه لا حرج عليه في ذلك.
2ـ ووجه صاحب الفروع وهو مذهب لبعض أهل العلم وجوب ذلك، وهو أظهر، فإن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد أمر بهما، لم يثبت عنه تقديم الاستنشاق على المضمضة بل كان يتمضمض ثم يستنشق.
فالأظهر: هو إيجاب ذلك كما هو فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد أمر بهما وكان على هذه الطريقة في تقديم المضمضة على الاستنشاق.
ـ فإن قدم الوجه على المضمضة والاستنشاق.
قال الحنابلة: لا حرج لأنهما من الوجه.
ـ فإن قدم غيرهما عليهما، فكان منه أن غسل وجهه ثم غسل يديه ثم مسح رأسه ثم تمضمض واستنشق فهل يكون صحيحاً أم لا؟ روايتان عن الإمام أحمد وهما قولان في المذهب: 1ـ الأول: أن المضمضة والاستنشاق يجب أن يكونا مع غسل الوجه فحينئذ يجب أن يقدما على غسل اليدين؛ لأنهما من أجزاء الوجه.
قالوا: وهذا المحفوظ من فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما في الصحيح من حديث عثمان، وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن زيد، وفي السنن من حديث علي بن أبي طالب.
بأن المحفوظ هو تقديم المضمضة والاستنشاق مع الوجه على بقية الأعضاء.
الثاني: وهو رواية عن الإمام أحمد أن ذلك جائز وهو مذهب بعض أصحابه.

ودليل ذلك: ما صح في سنن أبي داود من حديث المقدام بن معد يكرب الكندي أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (غسل كفيه ثلاثاً وغسل وجهه ثلاثاً ثم غسل ذراعيه ثلاثاً ثم تمضمض واستنشق ثم مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما) رواه الإمام أحمد وزاد: (ثم غسل رجليه) (1) . ورواه الضياء في (المختارة) ، وقد اشترط فيها أن تكون كل الأحاديث التي فيها صحيحة ثابتة، وقد أورد فيها هذا الحديث.
فهذا الحديث يدل على صحة الرواية الثانية فالحديث إسناده صحيح وهو ثابت.
وهذا يقوي القول المتقدم وأن المضمضة والاستنشاق ليسا من الوجه بل هي عضوان منفردان عنه.
فعلى ذلك إذا قدم غسل اليدين على المضمضة والاستنشاق فإنه يجوز ذلك مادام أنه قد فعلهما لأن الترتيب بين المضمضة والاستنشاق وبقية الأعضاء ليس بمفترض.
وهذا مذهب أحمد في رواية واختاره طائفة من أصحاب أحمد.
إذن: المضمضة والاستنشاق لها باب آخر في باب الترتيب.
أما تقديم الاستنشاق على المضمضة فالمشهور في المذهب جوازه، وقد تقدم أن الراجح هو وجوب تقديم المضمضة على الاستنشاق.

وتقديمهما على الوجه وعلى بقية الأعضاء تقدم أن الراجح جواز تقديم بقية الأعضاء على المضمضة والاستنشاق وكذلك يجوز تقديم الوجه على المضمضة والاستنشاق.

والحمد لله رب العالمين.

الدرس العشرون ... …الأحد: 6 /11/1414هـ

قال المؤلف ـ رحمه الله ـ: ((النية شرط لطهارة الأحداث كلها)) : النية: هي القصد والعزم على الفعل، ومحلها القلب ولا يشرع التلفظ بها إلا في الحج لثبوت ذلك عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإلا فالنية محلها القلب وليس للسان فيها مدخل أصلاً.
ـ وأعلم أن الجهر بالنية قد اتفق بالعلماء على بدعيته حتى ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن صاحبه يستحق التعزيز لأنه من البدع المحدثة في الدين.
ـ فإن أسرَّ به ولم يجهر، ويزيد بالاسرار به أن يتلفظ بلسانه من غير أن يجهر به مثل قراءة القرآن في الصلاة فهل يشرع؟

ـ المشهور في المذهب مشرعية ذلك، قالوا: ليواطىء اللسان القلب.
ـ أما الإمام أحمد فإن نصَّه الذي بقي عليه وهو مذهب مالك أن ذلك ليس بمشروع وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه وهو الصواب؛ لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يثبت عنه ذلك ولم يثبت عن أصحابه، وما كان كذلك فإنه بدعه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) . فالجهر أو الإسرار بالنية بدعة، فالنية محلها القلب.
ـ والأصل في النية قوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) (1) متفق عليه من حديث عمر بن الخطاب وهو حديث عظيم وهو ثلث الإسلام كما قال غير واحد من أهل العلم، فإن العبادات كلها مبناها على هذا الحديث العظيم.
لذا قال المؤلف: (النية شرط لطهارة الأحداث كلها) . والشرط: هو ما تنعدم العبادة بانعدامه وتبطل بفقدانه ولكن الشرط إذا وجد فلا يلزم وجودها.
فمثلاً: الوضوء شرط من شروط الصلاة، فإذا فقد أو اختل شرط من شروطه فإن العبادة تكون باطلة، ولكن إذا وجد الوضوء فليس شرطاً أن توجد الصلاة، هذا توضيحه.
أما تعريفه فهو: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم.
فالنية شرط في العبادات كلها وهي شرط من شروط الطهارة للأحداث كلها.
فإذا توضأ بلا نية كأن يتوضأ للتبريد ونحوه فإن هذا الوضوء باطل؛ لأنه فقد شرطاً وهو النية، فهو لم ينو بوضوئه التعبد لله، وإنما نوى التبريد ونحوه.

قوله: ((فينوي رفع الحدث أو الطهارة لما لا يباح إلا بها)) : بمعنى: رجل يريد أن يتوضأ فماذا ينوي؟ قال: (ينوي رفع الحدث 0000) . وقد تقدم تعريف الحديث وأنه: الوصف القائم في البدن الذي يمنع من الصلاة ونحوها.
ـ فإذا فعل ناقضا من تواقض الوضوء فإنه يكون متصفاً بهذا الوصف، فإذا توضأ وهو ينوي رفع الحديث فإن حدثه يرتفع ويكون مجزئاً عنه، وهذا مذهب جماهير العلماء.

قوله: ((أو الطهارة لما لا يباح إلا بها)) : هناك أشياء لا تباح إلا بالطهارة، مثل الصلاة ومس المصحف، والطواف على قول، ونحو ذلك فهذه العبادات لا تصح إلا بالطهارة، فإذا فعل الطهارة كأن يتوضأ ليصلي أو ليطوف بالبيت أو ليمس المصحف فإن ذلك يجزئ عنه عند جمهور العلماء لأن هذا الفعل منه متضمن لرفع الحدث؛ لأن هذه الأفعال لا تصح إلا بالطهارة ورفع الحدث.
ـ فلو أن رجلاً تطهر ليمس المصحف، فيجوز له أن يصلي وغير ذلك من العبادات التي لا تصح إلا بالطهارة؛ لأنه قد تطهر لما لا يباح إلا بالطهارة.
فإذن: إذا توضأ لما لا تباح العبادات إلا به، فإن وضوءه صحيح وله أن يصلي فيه وأن يتعبد لله فيه بسائر العبادات.

قوله: ((فإن نَوَى ما تسن له الطهارة كقراءة أو تجديداً مسنوناً ناسياً حَدَثه ارتفع)) : فإذا نوى ما تسن له الطهارة كقراءة القرآن من غير مسٍ للمصحف أو نية ذكر الله عز وجل أو لغيرها من النيات التي تكون لأعمال لا تشترط فيها الطهارة فهل له أن يصلي فيه الصلاة المفروضة وغير ذلك؟ قال المؤلف: ((نعم يصح أن يصلي فيه الصلاة المفروضة)) ـ وفي قول في المذهب أنه لا يجزئ عنه.
ـ والأصح هو المشهور في المذهب؛ لأن هذا الفعل متضمن لرفع الحدث.
فإن هذا الوضوء فيه متضمن لرفع الحدث؛ لأن هذا الوصف القائم بالبدن وهو الحدث يكره له أن يقرأ القرآن وهو عليه فتوضأ بنية قراءة القرآن فيكون متضمناً لرفع الحدث القائم به.
فعلى ذلك: إذا توضأ لما يسن له الطهارة، فالراجح وهو المشهور في المذهب أنه يجزئ ذلك.

قوله: ((أو تجديداً مسنوناً ناسياً حدثه ارتفع)) : فهنا قيَّد التجديد بقيدين: 1ـ القيد الأول: أن يكون مستوناً 2ـ القيد الثاني: أن يكون ناسياً لحدثه.
والمراد بالتجديد: الرجل يكون عليه الوضوء الشرعي الذي يمكنه أن يصلي فيه ونحو ذلك لكنه مع ذلك يستحب له أن يتوضأ وضوءاً آخر وهو التجديد.

وفي البخاري أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (كان يتوضأ لكل صلاة) (1) . فتجديد الوضوء سنة.
وأما ما روى الأربعة إلا النسائي أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات) (2) فهو ضعيف.
فالتجديد في الأصل سنة فلماذا قيده هنا بقوله: (مسنوناً) . قالوا: المسنون هو الوضوء الذي فعل بعد وضوء قد صلي فيه.
فعلى ذلك: لو أن رجلاً توضأ لصلاة الظهر ثم توضأ مرة أخرى لها قبل أن يصليها فهذا ليس بمشروع، فالمسنون إذن هو: التجديد الطارئ على وضوءٍ قد صُلِّيَ فيه.
ـ وقيْده بفيد آخر وهو قوله: (ناسياً حدثه) . فلو أن رجلاً نوى التجديد وهو ذاكر للحدث فإنه لا يجزئ عنه لأنه متلاعب بالشرع، فكيف ينوي هذه النية وهو ليس على طهارة شرعية؛ لأنه ذاكر لحدثه فحينئذ لا يكون فعل التجديد الشرعي، لأن التجديد الشرعي إنما يكون مع ثبوت الوضوء السابق وهذا لا وضوء عليه فحينئذ لا يجزئ عنه.
ـ إذن: إذا ثبت التجديد بهذين الشرطين وهما: أن يكون مسنوناً، وأن يكون ناسياً لحدثه، فإنه يرتفع الحدث بمعنى: رجل عليه حدث، فلما أراد أن يصلي الظهر ظن أنه مازال على وضوئه فتوضأ وهو ناسٍ لحدثه، فهذا الوضوء منه سنة؛ لأنه طارئ على وضوئه لصلاة الفجر مثلاً فتَذَكَّر بعد أن انتهى من الوضوء أو بعد الصلاة، تذكر أنه لا وضوء له سابق فيكون وضوؤه صحيحاً.
هذا هو المشهور في المذهب.
ـ وذهب بعض الحنابلة وهو اختيار أبي الخطاب والقاضي، ولعله مذهب جمهور الفقهاء إلى أن ذلك لا يجزئ عنه.
ـ أما أهل القول الأول: فقالوا: هي طهارة شرعية؛ لأنه إنما جدد وضوءه وهو ناسٍ لحدثه فحينئذ تكون طهارته طهارة شرعية فمادام كذلك فإنها تجزئ عنه برفع حدثه.
ـ أما أهل القول الثاني: فقالوا: وإن نوى الطهارة الشرعية لكنه لم ينو طهارة ترتفع بها الأحداث، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات) . وهذا القول أصح.

فالأصح أنه لا يجزئ عنه ـ كما لو تصدق بصدقة بنية أنها صدقة فإنها لا تجزئ عن الزكاة.
فإن النية: تمييز العبادة عن العبادة، فالنية تمييز غسل العبادة عن غسل التبريد، وكذلك تميز الطهارة المستحبة عن الطهارة الواجبة.
فهذا قد نوى طهارة شرعية لكنها ليست متضمنه لرفع الحدث (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) .

قوله: ((وإن نوى غسلاً مسنوناً أجزأ عن واجب وكذا عكسه)) : فإذا نوى غسلاً مسنوناً كغسل الجمعة على مذهب جمهور الفقهاء (أجزأ عن واجب) كغسل الجنابة.
مثال: رجل أصبح يوم الجمعة وعليه جنابة فاغتسل ناوياً غسل الجمعة، فهل يجزئ عن غسل الجنابة؟.
قالوا: نعم، وقيده بعضهم: مع نسيان الحدث الأكبر.
إذن: هذا هو المشهور في المذهب وأنه إذا اغتسل بنية الغسل المسنونة كغسل الجمعة أو غسل العيد ولم ينو رفع الجنابة فإن ذلك يجزئ عنه.
والعلة هي: ما تقدم لأنها طهارة شرعية.
ـ وفي هذا ضعف كما تقدم.
ـ فالأرجح: وهو قول للحنابلة أنها لا تجزئ لحديث (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) وهذا قد تطهر طهارة لا ترفع بمثلها الأحداث وإنما تطهر طهارة مستحبه لا تطرأ على الأحداث فترفعها فهي طهارة مسنونة.
فالراجح: أنها لا تجزئ عنه.
وقد روى ابن حبان بإسناد حسن: (أن أبا قتادة رأى إبنه وهو يغتسل يوم الجمعة، فقال: (إن كنت على جنابة فأعد غسلاً آخر) (1) . قوله: ((وكذا عكسه)) : رجل عليه جنابة وهو في يوم جمعة فاغتسل عن الجنابة فهل يجزئ عنه في غسل الجمعة أم لا؟ قالوا: نعم يجزئ عنه.
واعلم أن العلماء قد اتفقوا على أنه إذا نواهما معاً فإنه يجزئ عنه.
أما هذه المسألة فتبحث فيما إذا انفرد بأحد النيتين، ففي المسألة السابقة إذا انفرد بنية غسل الجمعة.
وفي هذه المسألة إذا انفرد بنية رفع الجنابة فهل يجزئ عنه؟ قالوا: نعم يجزئ عنه.

وفي هذا نظر؛ لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) وهذا لم ينو غسل الجمعة فلا يجزئ عنه، وهو قول في المذهب.
فلا تصح العبادة إلا بالنية وغسل الجمعة عبادة ولم ينوه فلا يجزئ عنه.

قوله: ((وإن اجتمعت أحداث توجب وضوءاً أو غسلاً فنوى بطهارته أحدهما ارتفع سائرها)) : مثاله: رجل عليه ناقضان، ناقض بخارج من السبيلين، وناقض بالنوم.
فتوضأ بنية رفع الحدث الناتج عن الخارج من السبيلين، فهل يرتفع حدثه مطلقاً أم يبقى الحدث المترتب على النوم؟ قال المؤلف: ((إرتفعت سائرها)) قالوا: لأنها ذات حكم واحد، وهي متداخلة في هذا الباب فإذا ارتفع أحدها ارتفع سائرها فأصبح طاهراً مطلقاً.
ـ ولكن قيده بعض الحنابلة بقيد غريب وهو: (بشرط إلا ينوي عدم ارتفاع غيره) . بمعنى: رجل توضأ وقال: هذا عن حدث النوم وليس عن حدث الخارج عن السبيلين.
ـ وهذا في الحقيقة الذي ينوي هذه النية ليس محلاً للبحث؛ لأنه ليس أهلاً للتكليف، فمثل هذا الفعل لا يصدر في الحقيقة عن مكلف فضلاً أن تكون مسألة ولكنها في الحقيقة من غرائب العلم.
ولو قيل بمثلها وتوقع وقوعها في المكلف فالأصح أنه يرتفع حدثه وإن نوى عدم ارتفاع غيره.
لأن الحكم ليس إليه في رفع الأحداث، وإنما إلى الله ـ عز وجل ـ فمادام أنه توضأ الوضوء الشرعي عن الحدث وإن نوى عدم ارتفاع بعضها فترتفع سائرها.

قوله: ((ويجب الإتيان بها عند أول واجبات الطهارة وهو التسمية)) : تقدم أن النية واجبة وشرط، فإذا ثبت هذا فيجب أن يشمل النية سائر فرائض الوضوء.
وأول فرائضه التسمية، فيجب أن تكون النية سابقة للتسمية.
ـ فإذا قلنا بفرضية التسمية، ثم سمَّى ولم ينو بعد ثم نوى فإنه لا تجزئ عنه؛ لأن هذا الفرض وهو التسمية الذي يختل الوضوء باختلاله لم تثبت فيه النية فيكون حينئذ باطلاً.
وهذه المسألة يدل عليها حديث: (إنما الأعمال بالنيات) .

فإذن: يجب أن تشمل النية سائر فرائض الوضوء.
كما لو أنه كبَّر تكبيرة الإحرام ثم نوى الصلاة بعد، فإنها لا تجزئ عنه، فكذلك هنا.
إذن: يجب عليه أن ينوي قبل البداءة بفرائض الوضوء.
ـ وإذا قلنا إنهما ـ أي المضمضة والاستنشاق ـ ليسا بواجبين فيجب عليه أن ينوي قبل غسل الوجه.
ـ فأول الفرائض عند الجمهور خلافاً للحنابلة هو غسل الوجه.
فيجب عليه ـ حينئذ ـ أن ينوي قبل غسل الوجه.
إذن: يجب أن تشمل النية فرائض الوضوء كلها.
ـ فإن قدمها بزمن يسير عرفاً فلا يضر ما لم يقطعها بمعنى: لا تشترط في النية أن تكون ذلك بمجرد بدئه بل لو قدمها بزمن يسير فلا حرج ما لم يقطع النية.
ـ وذهب بعض فقهاء الحنابلة كالقاضي ـ إلى أنه لو قدمها بزمن كثير فإن ذلك لا يضر ما لم يقطعها، وهذا قول قوي.

قوله: ((وتسن عند أول مسنوناتها إن وجد قبل واجب)) : تقدم أنه يجب عليه ذلك قبل فرائضها.
ويسن له عند أول مسنوناتها إن وجد قبله واجب كغسل الكفين قبل المضمضة والاستنشاق، فإن قلنا إن التسمية ليست بواجبه فإنه يسن له أن ينوي قبل التسمية لتدخل التسمية وهي مسنونة في النية.
ـ وإن قلنا إنها واجبة فإن غسل الكفين قبل التسمية فيستحب له أن ينوي.
إذن: إذا كانت السنة في أول الوضوء قبل الواجبات فيسن له أن ينوي قبلها لتدخل السنن والمستحبات في السنة، لأنها عبادات ولا تصح العبادة إلا بالنية.
فمثلاً: لو أن رجلاً غسل كفيه ثم سمَّى ثم تمضمض أو استنشق، وهكذا لكنه قبل غسل الكفين لم ينو فإنه لا يثاب على ذلك، فالمشروع له أن ينوي.
ـ هذا على تقدير وجود السنة قبل الواجب.
وإلا فالواجب أن يبدأ أولاً بالتسمية حتى يثبت له غسل الكفين.
لأن غسل الكفين قبل التسمية لا حكم له في الأظهر (بناء على ترجيح وجوب التسمية وقد سبق خلافه) . ـ فإذن: إذا قدر وجود سنة قبل فرائض الوضوء فإنه يسن أن ينوي قبلها لتدخل هذه السنة في النية، فيثاب عليها.

قوله: ((واستصحاب ذكرها في جميعها، ويجب استصحاب حكمها)) : قوله: ((واستصحاب ذكرها في جميعها)) : المراد بالذكر التذكر.
فهنا: يسن له أن يستصحب التذكر بمعنى: يكون قلبه متذكراً أنه إنما يتوضأ لله ولإقامة الصلاة.
هذا هو السنة لتكون أفعاله كلها متعلقة بالنية لله عز وجل.
ـ هذا مستحب وليس بواجب، فلو غفل عن تذكر النية فإنه لا يضره.
ـ بمعنى: رجل نوى الوضوء ثم غفل عن النية واستمر في الوضوء فإنه لا يضره ذلك باتفاق العلماء، إذ لا يشترط تذكر النية بل هو مستحب لتكون أفعاله متعلقة بنيته.
ولكن قال: ((ويجب استصحاب حكمها)) : هذا هو الواجب أن يستصحب حكمها، والمراد بحكمها نية إبقائها وعدم قطعها، فينوي الوضوء ويستمر فيه حتى ينتهي منه من غير أن ينوي أن يقطعه.
ـ رجل لمَّا غَسَّل وجهه وغسل يديه نوى أن يقطع الوضوء فقطع النية، فإنه ـ حينئذ ـ يبطل وضوؤه؛ لأنه قطع النية بقطع حكمها.
وأما إذا لم ينو قطع ذلك فإن وضوءه صحيح.
إذن: لا يشترط تذكر النية وإنما يشترط استصحاب حكمها.
إذن: يشترط في النية أن يبقى مستصحباً لحكمها وهو نية عدم قطعها والبقاء عليها.
فإن خالف فإن وضوءه يَبطُل بذلك.
وأما تذكر النية فإنه مشروع لتبقى أفعاله متعلقة بنيته.
ـ فإن نوى قطع العبادة بعد فعلها فإنه لا يضره باتفاق العلماء، فإن قطع النية بعد إنتهاء العبادة لا أثر له إجماعاً.
ومثل ذلك الشك فإن الشك بعد العبادة لا يؤثر.
فإذا توضأ ثم شك هل سَمَّى أم لا؟ فإن هذا الشك بعد العبادة لا يؤثر.
ـ فالشك بعد العبادة وقطع النية ليس لهما أثر باتفاق العلماء.
إذ العبادة أولا صحت فقطع النية لا أثر له بعد رفعها إلى الله وثبوتها.
وأما الشك فإنه طرأ على يقين فإن العبادة إذا انتهت فقد تيقن قبولها فليس له بعد ذلك أن يشك فيها والشك يكون طارئاً على يقين فلا أثر له.

والحمد لله رب العالمين.

الفهرس: كتاب الطهارة

إلى من الموضوع

21 1 المقدمة

73 22

أنواع المياه

98 74 الآنية

134 99 الاستنجاء

167 135 السواك وسنن الوضوء

188 168 فروض الوضوء

إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإذا رأى في نعليه قذراً أو أذى................. 21 إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث............................................. 34 إذا وطئ أحدكم الأذى في نعله فإن التراب لها طهور............................. 21 اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً............................................... 10 اللهم صل على آل أبي أوفى................................................. 10 اللهم طهرني بالماء والثلج والبرد............................................... 22 أما علمت أن آل محمد لا تحل لهم الصدقة...................................... 10 أمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يهراق على بول الأعرابي ذنوباً............. 21 أن ابن عمر كان يغتسل بالحميم.............................................. 31 إن الماء طهور لا ينجسه شيء.............................................. 35 إن الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه أو طعمه أو لونه................. 36 أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ دعا بسجل من ماء زمزم فشرب منه وتوضأ ... 23 بسم الله الرحمن الرحيم: من مُحمَّد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم.......... 6 تحته ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه ثم تصلي فيه...................................... 21 خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم........................................... 23 دعا بسجل من ماء زمزم فشرب منه وتوضأ.................................... 23 دع ما يريبك إلى ما لا يريبك............................................... 26 فأمرهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يهريقوا ما استقوا ويعلفوا الإبل......... 23

كان إذا رأى ما يحب قال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وإذا رأى ما يكره.. 8 كان يسخن له ماءً في قمقم "الجرة" فيغتسل منه................................. 31 كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع..................... 6 كل أمر ذي بال لا يبدأ بالحمد لله فهو أقطع.................................... 7 لا أحله لمغتسل وهو لمتوضئ وشارب حل وبِلّ................................. 24 لا ضرر ولا ضرار....................................................... 30 لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه................. 33 لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد ثم بجامعها................................ 34 ماء زمزم لما شرب له...................................................... 24 نزل الناس مع النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ على الحجر أرض ثمود فاستقوا من آبارها............. 23 هو طعام طعم............................................................ 24 هو الطهور ماؤه الحِلّ ميتته................................................. 22، 27 وشر ماء على وجه الأرض ماء بوادي برهوت................................ 23 وشفاء سقم........................................................... 24 ياحميراء ـ وهو تصغير حمراء ـ لا تفعلي فإنه يورث البرص............... 30

الدرس الثالث والعشرون (يوم السبت: 12 / 11 / 1414 هـ) باب مسح الخفين

المسح هو إمرار اليد على المحل.
والمراد به هنا مسحهما: أي الخفان بإمرار اليد بالماء، فعلى ذلك يكون المعنى: إمرار اليد بالماء مبتلة على الخفين من غير إسالة للماء، فلا يكون فيه إسالة وإنما مجرد بلُّ العضو بالماء.
الخفان: هنا: ما يلبس علي الرجل من الجلد الرقيق وهو ما يسمى عندنا بـ" الكنادر " بخلاف الجوارب وهي ما تكون من صوف ونحوه فسيأتي الكلام عليها.
إذن: هذا الملبوس الذي يغطي القدمين ويباشر الأرض لأنه يمشى عليه ويصنع من الجلد ونحوه يسمى الخف.
والمسح على الخفين دل عليه الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب: فهي آية المائدة: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ... ﴾ (1) في قراءة سبعية، فقد قرأ بعض السبعة ﴿وأرجلِكم﴾ بالكسر، فتكون الرجل ممسوحة، وذلك لأنه سبحان وتعالى قال ﴿فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلي المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلِكم﴾ (2) هذا على توجيه من توجيهات اللغة في هذه الآية، وهو ما اختاره بعض أهل العلم.
وقد بينه النبي صلى الله عليه وسلم بفعله بإثبات المسح على الخفين.
وأما السنة: فقد تواترت في الدلالة علي جواز المسح على الخفين، حتى ذكره الإمام أحمد عن سبعة وثلاثين صحابياً (37) فقال رحمه الله: " سبعة وثلاثون نفساً يروون المسح على الخفين " وذكره ابن مندة عن أكثر من ثمانين صحابيـ[ـاً] ، منهم العشرة المبشرون بالجنة.
ولعل ذكر الإمام أحمد لذلك العدد إنما هو في الأحاديث الصحيحة، وما ذكره ابن مندة في الأحاديث الصحيحة وغيرها.وقد ذكر صاحب " نصب الراية " عن ثمانية وأربعين حديث (3) (48) في المسح على الخفين.

وقد جزم كثير من أهل العلم بأن الأحاديث في هذا الباب متواترة، وممن جزم بذلك شيخ الإسلام والحافظ ابن حجر وغيرهما من أهل العلم.
وقد أنكر المسح على الخفين طوائف من المبتدعة كالرافضة والخوارج، ومن هنا أدخل أهل العلم هذا الباب في باب العقائد فيشيرون إلي هذه المسألة لخلاف المبتدعة في هذا الباب.
ومن أنكر المسح علي الخفين فهو مبتدع؛ لأن الأحاديث فيه متواترة، ومن أنكر شيئاً مما ثبت بالتواتر فهو مبتدع كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية فمن أنكر شيئاً مما ثبت بالتواتر كأحاديث الحوض ونحوها فهو مبتدع.
أما الإجماع: فقد أجمع العلماء علي جواز المسح علي الخفين وممن ذكره: ابن المبارك وابن المنذر.
فإذن: المسح علي الخفين ثابت بالكتاب والسنة والإجماع.
لذا قال المؤلف: (يجوز ….) . فالمسح على الخفين جائز ولا ينكر جوازه عالم بالسنة إذ السنة قد تواترت بجوازه.
لكن إذا ثبت لنا جوازه فهل الأفضل غسل القدمين أم الأفضل المسح على الخفين؟ قولان لأهل العلم: 1- فذهب جمهور الفقهاء إلى: أن غسل القدمين أفضل من المسح وهو راوية عن الإمام أحمد.
قالوا: لأن هذا هو الأصل، فالأصل هو الغسل.
2- وذهب الحنابلة في المشهور عندهم إلى: أن الأفضل هو المسح.
واستدلوا:

بما رواه الخمسة إلا أبا داود من حديث صفوان بن عسَّال قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا سَفْراً ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة ولكن من غائط وبول ونوم) 1 والحديث إسناده صحيح لكن في رواية للنسائي: (رخص لنا النبي صلى الله عليه وسلم) . فعلي ذلك يكون الأمر الوارد في حديث صفوان إنما هو أمر لبيان الإباحة والرخصة كما في قوله تعالى ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ 2 . واستدلوا: بما روى أبو داود إن النبي صلى الله عليه وسلم (مسح على خفه وقال: بهذا أمرني ربي) 3 لكن الحديث إسناده ضعيف.

وأصح ما استدلوا به " ثبوتاً واستدلالاً " ما رواه الإمام أحمد وهو حديث صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه) 1 .

  • واختار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم: أن الأفضل هو الموافق لحال الماسح أو الغاسل فإذا كان لابساً لخفيه والأفضل له أن يمسح عليها.
    وإذا كان خالعاً لهما كاشفاً قدميه فالأفضل له الغسل ولا يشرع له تكلف لبس الخفين بل يفعل ما يوافق حاله.
    وهذا هو الظاهر من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأنه إذا كان لابساً خفيه فإنه يمسح عليه، وإن كان خالعاً لهما فإنه يغسل قدميه، وقد ثبت في الصحيحين إن النبي صلى الله عليه وسلم (ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما) 2 . فعلي ذلك: يفعل الموافق لحاله، فلا يتكلف حالاً بل يفعل ما يوافقه، وبذلك يكون قد فعل ما كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه لم يثبت عنه أنه كان يتكلف شيئاً من الحالين بل كان يفعل الموافق لحاله.
    قوله: (يجوز للمقيم يوماً وليلة وللمسافر ثلاثة أيام بلياليها) يجوز للمقيم أن يمسح يوماً وليله أي أربعاً وعشرون ساعة، وأما للمسافر فثلاثة أيام بلياليها أي اثنتان وسبعون ساعة، ولا يحسب ذلك بالصلوات، بل يحسب باليوم والليلة وهما أربع وعشرون ساعة.

ودليل ذلك: ما ثبت في صحيح مسلم عن علي بن أبي طالب قال: (جعل النبي صلى الله عليه وسلم للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يوماً وليلة) 1 .

  • وهذا مذهب جمهور أهل العلم: وأن مدة المسح للمسافر ثلاثة أيام بلياليها، وللمقيم يوم وليلة.
  • وذهب المالكية في المشهور عندهم: أنها لا وقت لها بل تفعل مطلقاً من غير مدة محددة واستدلوا بأحاديث: الحديث الأول: ما رواه أبو داود من حديث أبي بن عمارة أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن مسح الخفين فقال: (أمسح على الخفين؟ قال: نعم، قال: يوماً؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم (يوماً) فقال: ويومين؟ فقال: (ويومين) فقال: وثلاثة؟ قال: نعم وما شئت) 2 لكن الحديث إسناده ضعيف فلا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

الحديث الثاني: ما رواه خزيمة بن ثابت – كما في أبي داود وغيره – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام وللمقيم يوم وليلة، قال (ولو استزدناه لزادنا) 1 . والحديث فيه انقطاع، وقد ضعفه البخاري ثم إن قول الصحابي لو صح فليس فيه دليل على أن المدة مطلقة، كيف وقد قيدها النبي صلى الله عليه وسلم بما تقدم بل فيه أن الصحابي قد ظن وتوقع أنهم لو طلبوا منه الزيادة لزاد ولم يطلبوا منه فلا يحكم بالظن ولا يحكم بأمر لا يعلم.
فهذا الحديث لو صح فلا يدل علي أن المدة مطلقة.

الحديث الثالث: ما رواه البيهقي وصححه شيخ الإسلام ورواه الحاكم وصححه: أن عقبة بن عامر خرج من الشام إلي المدينة من الجمعة إلي الجمعة فقال له عمر: (متي أولجت الخفين في رجليك) فقال (يوم الجمعة) فقال: (فهل نزعتها) فقال: لا، فقال (أصبت السنة) 1

والحديث صحيح.
لا شك أن هذا الحديث يشكل على مذهب الجمهور، ولكن ليس فيه ما يدل علي تمام قولهم بل فيه دليل على ما اختاره شيخ الإسلام من أن المسافر إذا كان يشق عليه خلع الخفين ولبسهما، كأن يكون بريداً في مصلحة المسلمين وشق عليه لئلا يؤخر الخير على المسلمين ويشق عليه أن ينزل فيخلع الخفين، فإنه يجوز له أن يمسح ما شاء – هذا هو الذي يدل عليه الحديث المتقدم، وهو حديث لأنه قال (أصبت السنة) ففيه رفع إلي النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا القول هو الراجح – أي أنه لا يجوز أن يزيد علي الوقت المحدود إلا إذا كان في حال السفر وكان يشق عليه أن يخلع ويلبس فإنه يجوز له ذلك.
ويصح أن تكون هذه المسألة من باب القياس علي الجبيرة فإنها لا تؤقت وهي ما توضع علي الكسر، فإنه يمسح عليها مطلقاً من غير تحديد بوقت.
إذن الراجح: ما اختاره شيخ الإسلام من استثناء من يشق عليه أن يخلع ويلبس كأن يكون بريداً في مصلحة المسلمين.
قوله: (من حدث بعد لبس) : صورة ذلك: رجل لبس خفه ثم أحدث، كأن يكون توضأ الفجر ولبس خفيه ثم نام بعد الفجر في حوالي الساعة العاشرة، فإنه حينئذ: يكون قد انتقض وضوؤه بمجرد نومه، ففي أول النوم يكون قد انتقض وضوؤه، وهو نام في الساعة العاشرة فيستمر وقت المسح إلي الساعة العاشرة من الغد فيتم له أربعاً وعشرين ساعة.
إذن: الحساب يكون – من الحدث بعد اللبس – وهذا هو مذهب جمهور أهل العلم.

وحجتهم: قالوا: إنه إذا أحدث فإنه – حينئذ – يكون قد جاز له أن يمسح علي الخفين وينقلهما بها الطهارة وسواء فعل الطهارة أم لم يفعلها، فالمقصود أنه جاز له أن يمسح.
لكن هذا فيه نظر فإننا في المثال السابق: إن قلنا إنه نام في الساعة العاشرة واستيقظ في الثانية عشر فهل يمكنه أن يتوضأ في الساعة الحادية عشرة أو الحادية عشرة ونصف وهو غير مكلف وهو نائم، فهذا القول فيه نظر ظاهر.

  • لذا ذهب الإمام أحمد في رواية عنه وهو اختيار ابن المنذر، ومن الشافعية النووي وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن السعدي: وأنه يكون التوقيت من المسح، ودليل ذلك ظواهر الأدلة الشرعية، فإن الأدلة الشرعية إنما صرحت بالمسح.
    وهو قبل أن يمسح لم يشرع به بعد فكيف يكون محسوباً من وقته، فعلى ذلك يكون الحساب من المسح إلى أن تتم المدة.
    ففي المثال السابق إذا نام في الساعة العاشرة ثم استيقظ في الساعة الثانية عشر فتوضأ ومسح علي خفيه فإنه يبدأ التوقيت من الساعة الثانية عشر ويستمر إلي الثانية عشرة من الغد.
    فعلي ذلك يكون من المسح لا من الحدث، هذا هو الراجح.
    قوله: (على طاهر مباح ساتر للمفروض يثبت بنفسه) . قوله " طاهر " قيده الشرَّاح بأن يكون طاهر العين، وقد تقدم أن جلد الميتة نجس، فلو كان الخف من جلد ميتة فإن ذلك لا يجوز أن يمسح عليه ما لم يبت فيه الدباغ.
    وأظهر منه في التمثيل أن يضرب ذلك بجلد الكلب فهو نجس ولو دبغ، فإذا كان الخف من جلد كلب قالوا فلا يصح المسح عليه؛ لأن ذلك منهي عنه، والمسح رخصة فكيف يستباح بها المحرم، فإن هذا محرم، وهذه رخصة فكيف تجيز الرخصة فعل أمر محرم.
    وظاهر قولهم (طاهر العين) : أنه لو كان نجس الحكم وليس بنجس العين أنه لا شيء فيه فيجوز المسح عليه.
    إذن: نجس العين فهذا لا يجوز المسح عليه كجلد الكلب ونحوه.
    أما ما كان نجس الحكم وهو طاهر العين، كأن يكون من جلد حيوان طاهر في الحياة فهو طاهر لكن في أسفله نجاسة فهل يجوز المسح عليه؟ الجواب: يجوز ذلك وإن كانت الصلاة لا تجوز فيه في أصح الوجهين في مذهب الحنابلة، لأن إزالة النجاسة من شروط الصلاة، وأما الوضوء فإنه يصح وإن كان على بعض أعضاء الجسم نجاسة.
    فإذن عندنا حالتان: الحالة الأولي: ما كان نجس العين، فلا يمكن أن يطهر مطلقاً كجلد الكلب ونحوه – فهذا لا يصح أن يمسح عليه.

وعللوا ذلك: بأن الشارع قد نهى عنه فكيف يستباح من أجل رخصة.
الحالة الثانية: ما كان نجساً حكماً فهو في الأصل طاهر لكن وقعت عليه النجاسة، فيصح أن يمسح على الخف.
لأن إزالة النجاسة شرط في الصلاة وليس شرطاً في الوضوء وقد تقدم البحث في هذا في مسألة هل يجوز الوضوء قبل الاستنجاء.
إذن: إن كان نجس العين فلا يصح، وأما إذا كان نجس الحكم فإنه يصح المسح عليه.
وهناك تعليل آخر – في مسألة ما كان نجس العين – وهي أنه عندما يمس الماء فإن الماء ينجس بذلك فتكون الطهارة بماء نجس.
فإن كان جلداً رقيقاً عليه مادة أخرى بحيث إن الماء لا يتغير بالنجاسة ففي عدم إجزاء المسح عليه نظر، نعم هو محرم لكن في عدم الإجزاء نظر.
إذن: إذا مسح علي خف من جلد نجس العين فقد حرمه الحنابلة وقالوا: هو لا يجزئ.
ونحن نوافقهم علي التحريم.
وأما الإجزاء فإننا نقول: إن كان الماء ينجس بالملاقاة فما قالوه قوي؛ لأن التطهر حينئذ يكون بماء نجس.
وأما إذا كان لا يتغير كأن يكون مطلياً بمادة أخرى فإن في عدم الإجزاء نظر، بل الأظهر أن ذلك يجزئ مع التحريم.
ومثل ذلك: فيما إذا كان محرماً، فإنه قيده بقوله (مباح) أي على أن يكون الخف مباحاً أي حلالاً، فإذا كان الخف مما يحرم أن يستخدمه كأن يكون مغصوباً فلا يجوز المسح عليه.
لكن هل يجزئ المسح عليه؟ قالوا: لا يجزئ لأن هذا الخف منهي عن لبسه فلا تستباح بمثله رخصة.
والأظهر ما تقدم: وأنه يجزئ، وهو قول في المذهب مع أنه يكون آثماً للبسه هذا الخف المحرم.
فإذا كانت هناك ضرورة فلبس خفاً محرماً فحينئذ يزول التحريم؛ لأن المحرمات تباح عند الضرورة.
إذن: إذا لبس خفاً محرماً فالمشهور في المذهب أنه لا يجزئ لأنه منهي عنه فلا تباح الرخصة.
وذهب بعض الحنابلة إلي أنه يجزئ عنه وهو أرجح فإن الرخصة في المسح، أما ما فعله فإنه يكون آثماً عليه، والعلم عند الله تعالى.

قوله: (ساتراً للمفروض) . أن يكون ساتراً للمفروض فلا يظهر منه شيء من القدمين من أطراف الأصابع إلي الكعبين.
فعلي ذلك: لو ظهرت الكعبان أو أطراف الأصابع فلا يجزئ ولو كان ساتراً من أطراف الأصابع إلي الكعبين ولكن اللون يظهر منه أي لون البشرة فكذلك لا يجزئ.
وظاهر ذلك: ولو كان فيه خرق يسير جداً فإنه لا يجزئ المسح عليه.
إذن: يشترط أن يكون ساتراً للمفروض ستراً كاملاً فلا يظهر منه 1 البشرة شيء.
فإذا كان واسعاً أو مخروقاً أو كان صافياً أو لا يغطي الكعبين فإن ذلك كله لا يجزئ، واستدلوا بتعليل: وهو قولهم: إن الأمر إذا كان على خلاف ما تقدم فإنه يجب غسل الظاهر ومسح المغطى فحينئذ: يجمع بين الغسل والمسح وهذا أمر لا يشرع، فلا يشرع الجمع بين الغسل والمسح.
لكن هذا التعليل ضعيف، ذلك لأن المسح إنما يكون لظاهر القدم ولا يعمم العضو كله بالمسح، فليس المسح للمغطى كله بل إنما يكون لظاهر القدم.
والصواب: أن هذه المسائل المتقدمة كلها يجوز المسح.
ونقف عليها واحدة واحدة: أما إذا كان الخف صافياً:

  • فمذهب الشافعية: جواز المسح عليه؛ لأنه يسمى في الحقيقة خفاً، وهو كذلك – على قاعدتهم - مغط للكعبين وساتر للمفروض وكونه صافياً لا يمنع من المسح عليه.
    ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أجاز المسح علي التساخين؛ لأنها تسخن القدم، والخف الساتر الذي يكون صافياً يثبت فيه التسخين، فمذهب الشافعية جواز المسح عليه وهو الراجح.
    أما الخف المخرقة: فلا يخلو هذا الخرق أن يكون يسيراً أو كبير.
    أما إذا كان يسيراً: فذهب المالكية والأحناف خلافاً للشافعية والحنابلة: إلى جواز المسح عليه.
    وعلل المالكية والأحناف جواز ذلك: بأن خفاف الصحابة مع فقرهم لا تخلو من أمثال هذه الخروق ولم يثبت النهي عن ذلك وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.

أما إن كانت خروقاً كثيرة: فالأحناف والمالكية فيها كمذهب الحنابلة والشافعية.

  • وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية: إلى أن الخرق وإن كان واسعاً فيجوز أن يمسح على الخف ما دام يسمى خفاً.
    فما دام هذا الجلد الملبوس للقدمين يسمى خفاً فإنه يجوز المسح عليه، لأن الشارع أجاز المسح على الخفين مطلقاً ولم يقيده بقيد ولا حدده بحد، فما دام يسمى خفاً فإنه يجوز المسح عليه – وهذا هو الراجح -. فالراجح: أنه وإن كانت خروقاً كثيرة فيجوز المسح عليه ما دام يسمى خفاً، فما دام يسمى خفاً فما هو الدليل الذي يمنع من المسح عليه وهو ما زال خفاً يدخل في إطلاقات النصوص المتقدمة.
    أما إذا كان الخف غير ساتر للكعبين:
  • فالجماهير على أنه لا يجوز المسح عليه.
  • وذهب الأوزاعي وهو اختيار ابن حزم وشيخ الإسلام ابن تيمية: إلى أنه يجوز المسح عليه، والعلة هي العلة المتقدمة قالوا: لأنه يسمى خفاً فيدخل حينئذ في إطلاقات النصوص الشرعية، فما هو الدليل على المنع منه.
    فعلى ذلك: ما يلبس على الأقدام – في هذا الزمان – من الأحذية التي الغالب فيها أن تكون دون الكعبين فإنها على هذا المذهب وهو الراجح يجوز المسح عليها، فهي وإن كانت غير ساترة للكعبين، فما هو الدليل الذي يدل على المنع من ذلك! فإن إطلاقات النصوص تدل علي دخول ذلك.
    وهذا القول مع قوته فإن في النفس منه شيء؛ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر الخفين في الحج أمر بتقطيعهما حتى يكونا كهيئة النعلين أي دون الكعبين، فظاهر هذا أن خفافهم – المعتادة – كانت فوق الكعبين، ولكن لقائل أن يقول: إن خفافهم التي حكم عليها النبي صلى الله عليه وسلم بذلك هي المعتادة عندهم.

وأما إطلاقات النصوص فهي شاملة للمعتادة عندهم وغيرها، والنبي صلى الله عليه وسلم عندما ذكر قطعها وأن يكون أسفل من الكعبين – ذكر ذلك؛ لأن المعتاد عندهم أن يكون ذلك دون الكعبين، وأما خفاف غيرهم فلا يمنع أن تكون دون الكعبين وهي داخلة في عمومات النصوص الشرعية – والعلم عند الله تعالى -.

قوله: (يثبت بنفسه) أي لابد وأن يثبت الخف بنفسه من غير أن يكون مشدوداً أو مربوطاً أو غير ذلك.
فلو كان الخف لا يثبت على القدم إلا بربطه بحبل ونحو ذلك فإنه لا يجزئ المسح عليه، فلابد أن يكون ثابتاً بنفسه بصنعته، وأن تكون الصنعة بمجرد ما يلبس الخف يكون ثابتاً بنفسه.
أما إذا كان يحتاج إلى ربط أو نحو ذلك فإنه لا يجوز المسح عليه – وهذا القول ضعيف.
– لذا ذهب بعض الحنابلة وهو وجه عندهم وهو اختيار شيخ الإسلام: إلى أنه تجزئ عنه إذا كان ثابتاً بنفسه أو كان ثابتاً بغيره؛ وذلك أنه إذا كان ثابتاً بغيره فهو في معنى ما كان ثابتاً بنفسه، فلا فرق بين أن يكون ثابتاً في الصفة 1 أو يكون ثابتاً بغيره بربط أو شد ونحوه.
وعلل الحنابلة عدم جواز ذلك بأن المعتاد من الخفاف على عهد النبي صلى الله عليه وسلم الخفاف الثابتة بنفسها.
والجواب على ذلك: أن يقال: هي وإن كانت العادة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم لكن القياس يدخل ما كان ثابتاً بغيره فيها.
فما كان ثابتاً بغيره فإنه يقاس على ما كان ثابتاً بنفسه.
إذاً: المشهور عند الحنابلة أنه لابد أن يكون الخف ثابتاً بنفسه، وإن كان ثابتاً بغيره بربط أو شد أو نحوه فإنه لا يجزئ وهذا قول ضعيف.
وهناك وجه عند الحنابلة وهو اختيار شيخ الإسلام أن ذلك لا يشترط والله أعلم.
والحمد لله رب العالمين.

الدرس الرابع والعشرون (يوم الأحد: 13 / 11 / 1414 هـ) قال المؤلف رحمه الله: (من خف وجورب صفيق ونحوهما) : شرع المؤلف في بيان ما يجوز مسحه فقال:

(من خف) : وقد تقدم تعريف الخفاف وأنها ما يصنع من الجلود، ويتمكن بسبب صنعتها من الجلود من المشي عليها.
ولا شك أن ما يصنع من بعض المواد التي هي شبيهة بالجلود كأن يصنع من البلاستيك ونحو ذلك، فحكمه حكمها أي حكم الجلود وقد تقدم اتفاق أهل العلم على جواز مسح الخفاف.
قوله: (وجورب صفيق) : الجورب: هو ما يصنع على القدمين من الصوف ونحوه من الخرق ونحوها وهو ما يسمى عندنا (بالشرابات) . وهي لا يمكن أن تباشر الأرض بها علي سبيل الدوام وإنما يمكنه أن يمشي بها، ولكن إذا أكثر فيها من المشي فإنها تفسد وتتقطع.
فهذه الجوارب يجوز المسح عليها وهو مذهب الحنابلة خلافاً لمذهب جمهور الفقهاء، وذهب إلى جواز المسح إسحاق وأبو يوسف.
وما ذهب إليه الحنابلة هو مذهب جمهور السلف بل هو مذهب الصحابة فقد ذكر ابن المنذر عن تسعة من الصحابة، وزاد عليه أبو داود أربعة من الصحابة فثبت عن ثلاثة عشر صحابياً، ولم يثبت لهم مخالف.
والقاعدة: أن الصحابي إذا قال قولاً ولم يعرف له مخالف فإن قوله حجة.
فهذه الآثار عن الصحابة دلت على جواز المسح علي الجوارب.
وهناك أدلة على جواز المسح علي الجوربين.
منها ما رواه أبو داود في سننه والحديث صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم: (بعث سرية فأصابهم البرد فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يمسحوا علي العصائب " العمائم" والتساخين) 1 وهي ما يسخن القدم من الخفاف، ومثلها الجوارب فإنها كذلك تسخن القدم.

واستدلوا: بما رواه الترمذي من حديث هُزيل بن شرحبيل عن المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم: (مسح على الجوربين والنعلين) 1 . والحديث حسنه الترمذي، ولكن هذا التحسين منه مخالف بعامة أهل الحديث، فإن عامة أهل الحديث خالفوا الترمذي في ذلك، ومن هؤلاء عبد الرحمن بن مهدي وابن معين وسفيان الثوري والإمام أحمد وكذلك ضعفه النسائي وغيرهم، وتضعيفهم ليس لسنده فإن سنده صحيح وإنما التعليل لأن عامة الرواة عن المغيرة سوى هزيل بن شرحبيل قد رووه بلفظ المسح على الخفين لا المسح على الجوربين، فخالف عامتهم فرواه بلفظ المسح علي الجوربين، فكان الحديث بذلك شاذاً، فالحديث إذن: معلل عند عامه أهل العلم.
واستدلوا: بالقياس الصحيح، فإن الجوربين كالخفين ولا فارق مؤثر بينهما فالخفان وإن كان يمكن المشي بهما على الأرض فإن هذا السبب ليس مما يغير من الحكم شيئاً، فإن الجوارب تلبس معها النعال فتكون كهيئة الخفاف تماماً.

ثم إن المشي بالخفاف ليس هو العلة الحقيقية في جواز المسح عليها، وإنما العلة الحقيقية لها هي مشقة نزعها، فلما ثبتت المشقة في نزعها والحرج، والشريعة قد أتت برفع الحرج كان هذا الحكم، فحينئذ لا فرق في ذلك بين الجوارب والخفاف.
إذن: ما ذهب إليه الحنابلة وهو مذهب جمهور السلف وهو مذهب الصحابة وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه وغيرهما من المحققين أن الجوارب يجوز المسح عليها هو الراجح.
وقوله: (صفيقين) : الصفيق هو الكثيف أي الذي لا يظهر منه الجلد، فلون الجلد لا يظهر منه.
فعلى ذلك الشرابات التي لا تستر الجلد بل تظهره لا يجوز المسح عليها في المشهور من المذهب، وقد تقدم البحث في مسألة شبيهة لها في الكلام على الخفاف، ومثلها هذه كذلك، فقد ذهب بعض أهل العلم وهو مذهب إسحاق وأبي يوسف إلى: أنه لا حرج في المسح علي الصافية التي لا تستر الجلد بل تظهره، فلا يشترط أن يكون الجورب صفيقاً كما لا يشترط أن يكون الخف صفيقاً بل لو كان غير ساتر فلا بأس؛ لأن العلة ثابتة فيه أي في الجورب غير الصفيق – كما هي ثابتة في الصفيق، فإن مشقة النزع والحاجة إليه ثابتة له كما هي ثابتة في الصفيق، والشريعة لا تفرق بين المتماثلات.
كذلك إذا كان فيه خروق وهو باق علي مسماه فيجوز المسح عليه خلافاً للمشهور كما تقدم.
قوله: (ونحوهما) : كأن يكون من مادة أخرى غير الصوف أو غير الجلد فإنه يجوز المسح عليها.
أما اللفائف، فسيأتي الكلام عليها، وأن المشهور في المذهب عدم جواز المسح عليها، وأن الراجح خلاف ذلك.
قوله: (وعلى عمامة رجل محنكة أو ذات ذؤابة) العمامة: معروفة وقوله (محنكة) : أي مدارة تحت حنكه.
(ذات ذؤابة) : الذؤابة هي الطرف المرخى من العمامة خلف الرأس.
إذن هنا مسألتان: المسألة الأولي: جواز المسح على العمامة.
المسألة الثانية: أن هذا مخصوص بالمحنكة وذات الذؤابة.

أما المسألة الأولي: فهذا هو المشهور في المذهب، وأن المسح على العمامة جائز.
واستدلوا: بما روى البخاري عن عمرو بن أمية قال (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم مسح على عمامته وخفيه) 1 . قال الإمام أحمد: " هذا من خمسة أوجه عن النبي صلى الله عليه وسلم " أي ورد عن خمسة من الصحابة لكل واحد منهم طريق منفرد وأن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على عمامته.
قال ابن المنذر: (ومسح على العمامة أبو بكر، وبه قال عمر وأبو أمامة وأنس) وهولاء الصحابة الذين جزم ابن المنذر بمسحهم على العمامة لا يعلم لهم مخالف.

  • وذهب الجمهور: إلى أن المسح على العمامة لا يجوز؛ قالوا: وإنما مسح النبي صلى الله عليه وسلم عمامته مع ناصيته، فلم يكتف بالعمامة، بل مسح معها الناصية، كما ثبت ذلك في مسلم من حديث المغيرة بن شعبة.
    واستدلوا: بقوله تعالى ﴿امسحوا برؤوسكم﴾ 2 والمسح على العمامة ليس مسحاً علي الرأس.
    والراجح هو القول الأول.
    أما الجواب على أهل القول الثاني: أما قولهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على ناصيته، فهذا إنما هو في حديث المغيرة.
    وأما الأحاديث الأخرى فمخرجها يختلف.
    نعم يستحب له أن يمسح على ما يخرج من رأسه عادة مع العمامة كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في حديث المغيرة، وأما الأحاديث الأخرى كحديث عمرو بن أمية فإنما فيها مجرد المسح علي العمامة فقط، والفعل لا عموم له، ففعله في حديث المغيرة لا يقيد به غيره من الأحاديث.

قالوا: وقد أمر الله بغسل الرجلين، ومع ذلك مسح النبي صلى الله عليه وسلم على الخفين، كما أننا أجزنا المسح على الخفين فكذلك نجيز المسح على العمامة.
قالوا: والقياس الصحيح يدل على ذلك، فإن الرأس يسقط مسحه في التيمم كما أن الرجلين يسقط مسحهما في التيمم، فيقاس هذا على هذا.
إذن: الصواب مذهب الحنابلة وهو اختيار شيخ الإسلام من جواز المسح على العمامة – وسيأتي البحث في المسائل المتفرعة على القول بمسح العمامة وشروط ذلك.
ولكن من باب ربط المسائل بعضها ببعض: فإن حكم العمامة كحكم الخف تماماً، فعلى ذلك – على المذهب – لابد أن يكون طاهر العين مباحاً ونحو ذلك مما تقدم من أحكام الخف وما سيأتي كذلك.
أما المسألة الثانية: وهي قوله: (محنكة أو ذات ذؤابة) . إذن لابد أن تكون محنكة أو ذات ذؤابة.
قالوا: لأنها هي عمائم العرب وهي المعتادة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فعلى ذلك لا يمسح إلا عليها.
فعلى ذلك: العمامة الصماء - وهي ما ليست بمحنكة ولا ذات ذؤابة - لا يجوز المسح عليها عندهم.
واختار شيخ الإسلام جواز المسح عليها من باب القياس الصحيح من إلحاق النظير بنظيره، فإنه لا فرق مؤثر بين العمامة الصماء وبين ذات الذؤابة والمحنكة.
هل يجوز المسح على القلنسوة؟ القلنسوة: هي شبيهة بالطاقية التي نلبسها لكنها كبيرة تشبه العمامة ويشق نزعها.
صح المسح علي القلنسوة عن صحابيين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
الأول: أنس بن مالك كما في مصنف عبد الرزاق 1 . والثاني: أبو موسى الأشعري كما عند ابن المنذر.

وهذا القول رواية عن الإمام أحمد واختاره بعض أصحابه.
والمشهور عند فقهاء الحنابلة وغيرهم: عدم جواز المسح عليها.
والصحيح جواز ذلك؛ لثبوت ذلك عن هذين الصحابيين ولا يعلم لهما مخالف.
ولأن النظير يلحق بنظيره والقلنسوة كالعمامة تماماً.
أما الطاقية فليست العلة الثابتة في العمامة ثابتة فيها فعلى ذلك لا يجوز المسح عليها، قال الموفق: " لا نعلم في ذلك خلافاً " إذن: كل ما يوضع على الرأس من العمائم وما يشابهها فإنه يجوز المسح عليه.

قوله: (وخمر نساء مدارة تحت حلوقهن) هذه المسألة ذات شقين: الشق الأول: جواز المسح علي خمر النساء، وواحده خمار وهو ما تضعه المرأة على رأسها.
والشق الثاني: وفيه أنه يكون مداراً تحت حلوقهن.
ودليل هذه المسألة ما رواه ابن المنذر وهو ثابت عن أم سلمة أنها كانت تمسح على خمارها.
أما دليل إدارته تحت الحلق: فلأنه إن لم يكن مداراً على الحلق فإنه لا مشقة في نزعه مطلقاً فحينئذ لا يجوز أن يمسح عليه بخلاف ما إذا كان مداراً على الحلق.
فإن المشقة تكون ثابتة في نزعه.

  • وهذا خلاف ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من عدم جواز المسح على الخمار.
    والصحيح هو القول بجواز المسح كما تقدم عن أم سلمة.
    ولقياس النظير على النظير، فهذا شبيه بالعمامة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (النساء شقائق الرجال) 1 أما إن لم يكن مداراً على الحلق بل كان مرخى مطلق فهل يجوز المسح عليه؟ الجواب: لا يجوز المسح عليه لأنه لا مشقة في نزعه فلم يكن في حكم العمامة.
    فإن قيل: فهل يجوز للرجل أن يمسح على شماغه 2 ونحو ذلك؟ فنقول: إذا أداره على حلقه جاز له المسح عليه وإن لم يدره فإنه لا يجوز أن يمسح عليه.

فإن قيل: فهل له أن يديره مطلقاً أم ليس له ذلك إلا لحاجة؟ فالجواب: ليس له ذلك إلا لحاجة كأن يكون في برد شديد فأداره على حلقه وخشي إذا كشفه أن يحدث له شيء من المشقة من البرد ونحوه فإنه – حينئذ – لا فرق بينه وبين ما تقدم من المسائل.
وهذه من المسائل التي هي مسائل بحث.
إذن: لا بأس أن يقال كذلك بما نلبسه من شماغ ونحوه إذا فعله في برد ونحوه فإنه يجوز له أن يمسحه فإنه شبيه بالخمر وبالعمائم ونحوها لمشقة نزعه.

قوله: (في حدث أصغر) هذا في الخفاف والجوارب والعمامة والخمر، فحل ذلك إنما يكون من حدث أصغر.
لحديث صفوان بن عسال وفيه: (إلا من جنابة لكن من غائط وبول ونوم) 1 فعلي ذلك: إذا أراد أن يغتسل فلا يجوز له أن يمسح على خفيه ولا عمامته ولا جوربه، ولا المرأة على خمارها، وإنما يجب أن يباشر العضو بالغسل.
إذن: الخفاف وما يلحق بها من العمائم ونحوها إنما يجوز المسح عليها إذا كان ذلك في حدث أصغر، وأما الحدث الأكبر فلا يجوز المسح عليها.
قوله: (وجبيرة لم تتجاوز قدر الحاجة) الجبيرة هي ما يشد به الكسر أو الجرح من خشب أو خرق أو نحوها.
ما حكم المسح عليها؟ قال هنا: (وجبيرة) أي يمسح عليها.

ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث في المسح على الجبيرة، لكن صح ذلك عن ابن عمر كما في سنن البيهقي بإسناد صحيح وذكره ابن المنذر عن ابن عباس ولا يعرف لهما مخالف، وبه قال جماهير أهل العلم من جواز المسح علي الجبائر وهو موضع ضرورة وقد قال تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ 1 وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) 2

أما ما روى أبو داود وغيره من قوله صلى الله عليه وسلم (قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب علي جرحه خرقة ثم يمسح عليها ثم يغسل سائر جسده) 1 فالحديث إسناده ضعيف.
فلا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الجبيرة حديث وإنما ثبت ذلك عن بعض الصحابة كما تقدم.
لكن قيده بقوله: (لم يتجاوز قدر الحاجة) وذلك بأن تكون في موضع الجرح وما يكون حوله مما يحتاج إليه في وضع الجبيرة.
فإن الجبيرة: إذا كانت في كسر عظم ونحوه فإنها تكون على طرفي الصحيح من أجل أن يستقيم الكسر.
فوضعها على طرفي الصحيح إذا كان بقدر الحاجة لها فذلك جائز.
فإن وضعها زائدة فإنه لا يجوز أن يمسح على هذا القدر الزائد لأنه لا حاجة إليه.
إذن: لابد أن تكون على قدر الحاجة، فتوضع على الكسر وما قارب الكسر مما لا يتم الجبر إلا به، أما إذا زاد على ذلك فإنه لا يجوز.

ولا يجوز كذلك المسح عليه بل يجب عليه أن يزيله ويغسل موضعه – هذا إذا كان هذا الزائد في موضع الغسل – لكن مثلا كان الكسر في المرفق فكان منه أن جبر المرفق ورفقه إلى العضد مع أنه يكفي أن يكون إلى منتصف العضد وكانت الطهارة طهارة صغرى فهذا لا يغيره لأن الموضع ليس موضع غسل.
أما في الطهارة الكبرى فلا يجوز له أن يترك هذا الموضع من غير غسل فهو مغطى من غير حاجة إلى تغطيته.

قال: (إلى حَلِّها) : فهي ليست مؤقتة بوقت لأنها ضرورة، فليست مقيدة بيوم وليلة ولا ثلاثة أيام بلياليها لأنها ضرورة.

وقوله: (ولو في أكبر) : لأنها ضرورة فليست كالخف أو نحوه يمكنه أن ينزعه ويغسل جسده فليس الأمر في الجبيرة كذلك فإنه يتضرر بنزعها ويتأخر برؤه بل ربما زاد ذلك في مرضه، فحينئذ المسألة مسألة ضرورة فيجوز له أن يمسح عليها سواء كان ذلك في حدث أصغر أو أكبر.
والحمد لله رب العالمين.

الدرس الخامس والعشرون (يوم الثلاثاء: 15 / 11 / 1414 هـ)

تقدم اختيار شيخ الإسلام في أن الخفين لا يشترط في جواز المسح عليهما أن يبلغا الكعبين.
ورأيت اختياراً له ذكره تلميذه ابن مفلح: " وهو أنه يجوز له أن يمسح على النعلين والقدمين إن كانا " أي النعلان " يشق نزعهما بيد أو رجل كما جاءت به الآثار " فالحجة في ما وردت به السنة، وذلك نحو النعال السبتية التي يشق نزعها فيحتاج في نزعها إلى اليد أو الرجل ونحو ذلك فإنها في حكم الخفين.

وهذا كما يدل عليه القياس على الخفين، تدل عليه كذلك الآثار فقد روى أبو داود – والحديث صحيح – من حديث أوس بن أوس 1 الثقفي أن النبي صلى الله عليه وسلم: (مسح على نعليه وقدميه) 2 وصح أيضاً المسح على النعلين في ابن خزيمة والبزار من حديث ابن عمر بإسناد صحيح.
ونحوه من حديث ابن عمر من طريق آخر في سنن البيهقي، فعلى ذلك، يجوز أن يمسح على النعلين إن ثبت فيهما ما ثبت في الخف من مشقة النزع، ويمسح معهما القدمين أي ظاهر القدمين.
قال المؤلف رحمه الله: (إذا لبس ذلك بعد كمال الطهارة) قوله " ذلك ": إشارة إلى ما تقدم ذكره من الخفاف والعمائم والجبائر، أنها لا يجوز المسح عليها إلا إذا لبست بعد كمال الطهارة.
أما الخف والجورب فإن دليلهما، ما ثبت في الصحيحين من حديث المغيرة بن شعبة قال: (كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فأهويت لأنزع خفيه فقال: دعهما فإني أدخلتهما طاهرين) 3 أي أدخلتهما القدمين وهما أي القدمان طاهرتان.

فصول الكتاب · 11 فصل · 298 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للحمد · 298 صفحة
المقدمة
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب المناسك
كتاب الجهاد
كتاب الوصايا
كتاب الوصايا
كتاب الفرائض
كتاب الطلاق
كتاب الحدود
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل