إذن: القاعدة في هذه المسائل كلها: أنه متى ثبت العذر من مرض أو خوف، أو ثبت الحرج من غلبة نعاس أو من مطر أو من ليلة باردة أو من ريح شديدة مما يثبت الحرج بمثله فإنه يجوز الجمع، وقد قال ابن عباس – كما تقدم –: (إني كرهت أن أحرجكم) أي أن أوقعكم في الحرج، فدل ذلك على أن المعتبر في مثل هذه المسائل هو الحرج، لوجوب الجمعة والجماعة وقد قال - صلى الله عليه وسلم - للأعمى – الذي له قائد لا يلائمه: (لا أجد لك رخصة) ، فدل على وجوب حضورها، وأنه ليس بأي حرج بل بالحرج الذي يلحق المكلف منه شيء من المشقة.
لذا إذا كان للأعمى قائد لا يلائمه الملائمة التامة فيجب عليه الحضور وتحمل ذلك، بخلاف الأعمى الذي ليس له قائد أصلاً فإنه معذور عن حضور الجمعة والجماعة؛ لأن الواجبات تسقط عند العذر، وتسقط عند الحرج؛ لأن الله عز وجل قال: ﴿ما يريد الله ليجعل عليكم في الدين من حرج﴾ ومن الدين الجماعة والجمعة.
مسألة:
الخوف المعتبر هو ما يكون مظنة لذلك كمظنة السرقة ونحوها، أما مجرد الخوف فلا يجيز ترك الجمعة والجماعة.
مسألة:
إذا كان العمل تفوت فيه الجماعة فما حكمه؟
فيه تفصيل: فإن كان طارئاً فلا بأس.
لكن إن كان أصلياً فيه فإنه يتقدم إلى وظيفة يعلم أنه يصلي فيها الجماعة، والأولى له ألا يعمل فيها إذا كانت تفوته فيها الجماعة؛ لأنها أدت إلى محرم وهو ترك صلاة الجماعة.
لكن يستثني من ذلك: ما كان فيه مصلحه عامة كالشرط ومن في الثغور ونحوهم؛ لأن المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة.
ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث: (لقد هممت أن آمر بالصلاة فيؤذن لها ثم آمر رجلاً فيؤم الناس ثم أخالف إلى رجال) فقد همَّ بترك الصلاة والذهاب لإنكار المنكر.
مسألة: حكم دخول المسجد لمن أكل ثوماً أو بصلاً؟
الأظهر أن النهي للتحريم كما هو رواية عن الإمام أحمد.
وهل يعذر بترك الجماعة أم لا؟
الظاهر أنه يمنع من ذلك عند قرب وقت الصلاة؛ لأن أكلها سبب لمنعه من حضور الجماعة، وما كان سبباً إلى ترك واجب فإنه يمنع منه.
- وهل يخرج من المسجد أم لا؟ 1 قولان لأهل العلم: الظاهر منهما أنه يخرج إلا أن يترتب على ذلك مفسدة كما ذكر ذلك بعض الحنابلة.
- وهل يقاس عليهما الدخان؟
يقاس عليهما الدخان وغيره مما له رائحة كريهة يتأذى منها الملائكة.
والظاهر كذلك: أن النهي عن حضور الجماعة ليس خاصاً بما إذا كانت في المسجد، بل هو عام فيما إذا كانت في المسجد أو لم تكن، لأن الجماعات لها حكم المساجد في حضور الملائكة.
والحمد لله رب العالمين.
باب: صلاة أهل الأعذار
أهل الأعذار من مريض ومسافر وخائف وغيرهم من أهل الأعذار.
وقد شرع في ذكر صلاة أحد المعذورين وهو المريض.
فقال المؤلف رحمه الله: (تلزم المريض قائماً)
لما ثبت في البخاري من حديث عمران بن حصين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (صل قائماً فإن لم تسطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب) فإن أمكنه القيام استناداً إلى حائط أو عمود أو إلى أحد جنبه، وجب عليه ذلك لثبوت القيام، وقد تقدم البحث في هذا في الكلام على أركان الصلاة ومنها القيام.
فإذاً: يجب عليه القيام سواء كان قائماً بنفسه أو معتمداً على غيره من حائط أو جدار أو عمود أو نحو ذلك.
قال: (فإن لم يستطع فقاعداً)
فالمريض الذي لا يستطيع الصلاة قائماً فإنه يصلي قاعداً وكذلك إذا كان يخشى المرض أو زيادته بصلاته قائماً فإنه يصلي قاعداً مع قدرته على الصلاة قائماً؛ لأنه وإن قدر على أن يصلي قائماً لكن ذلك يترتب عليه خشية الضرر، إما تباطؤ البرء وإما بزيادة المرض وقد قال تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ .
فإذن: إن لم يستطع القيام فإنه يصلي قاعداً.
قالوا: ويندب له أن يكون متربعاً لما ثبت في النسائي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (كان يصلي متربعاً) وهذا في حال القيام، وفي الأصح أيضاً في حال الركوع.
وأما في حال الجلوس والسجود فإنه يثني رجليه كما يثنيهما في جلوسه في الصلاة؛ لأن هذا هو الأصل في السجود والجلسة بين السجدتين، والجلوس للتشهد.
أما التربع فإنه في القيام خاصة.
- وأما الركوع ففيه قولان للحنابلة:
الأول: أنه يثني رجليه كما يثنيهما في حال الجلوس والسجود أي يفترش.
والثاني: أنه يتربع للركوع، وهذا أصح؛ لأن هيئة الراكع في قدميه كهيئة القائم فكان أولى بأن يلحق به بخلاف الساجد والجالس فإن هيئة رجليه ليست كهيئة رجلي الراكع.
فالأرجح وهو اختيار الموفق من الحنابلة أنه في الركوع يكون متربعاً.
وإنما قلنا بندبه؛ لأنه ليس فيه إلا فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفعله لا يدل على الوجوب، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً) وأطلق فيدخل في ذلك التربيع وغيره.
وعن الإمام أحمد: أن ذلك واجب.
والأصح أنه مستحب كما تقدم.
قال: (فإن عجز فعلى جنبه) لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (فإن لم تستطع فعلى جنب) وأطلق النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يقيد الاضطجاع على جنبه الأيمن أو جنبه الأيسر، فسواء اضطجع على جنبه الأيمن أو الأيسر فلا بأس؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعين أحدهما ولا دليل على التعيين.
ويكون مستقبلاً القبلة، فيضع وجهه وسائر بدنه تجاه القبلة، هذا هو مذهب جمهور العلماء لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (فإن لم تسطع فعلى جنب) وقد أوجب الشارع استقبال القبلة، فكان واجباً عليه أن يضطجع على جنبه متجهاً ببدنه إلى القبلة.
قال: (فإن صلى مستلقياً ورجلاه إلى القبلة صح)
فيصح ذلك وإن قدر على أن يضطجع على جنبه، وذكر الموفق والمجد ابن تيميه أن في رواية للنسائي: (وإلا فمستلقياً) ولم أر هذه اللفظة لا في السنن الكبرى ولا الصغرى، وكذلك قال محققا المغنى: إنهما لم يجداها.
وقال صاحب الفروع لما حكى ذلك عن المجد قال: " كذا قال "، ففي ثبوت هذه اللفظة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نظر.
ثم إن الحديث لو صح فإنما هو بعد قوله: (على جنب) أي فعلى جنب فإن لم يستطع فإنه يصلي مستلقياً.
قالوا: ولأنه إذا فعل ذلك فقد أثبت نوع استقبال للقبلة، فإن فيه نوع استقبال للقبلة بوجهه فيصح بذلك.
والقول الثاني في المذهب – وهو اختيار الموفق ابن قدامة: أن ذلك لا يصح، قال الموفق: (والدليل يقتضي ألا يصح، لأن ذلك خلاف أمر النبي - صلى الله عليه وسلم -) وهو وجه عند الحنابلة ورواية عن الإمام أحمد وهو القول الصحيح، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (فإن لم تستطع فعلى جنب) .
وكونه يثبت فيه نوع استقبال هذا لا يدل على صحته بدليل أن القاعد لا تصح صلاته قاعداً وإن كان مستقبلاً القبلة مع قدرته على القيام.
ولأن كونه يصلي على جنب أتم في استقباله، فإن سائر بدنه الذي يستقبل به القبلة يكون في حال الاضطجاع على جنب قد استقبل به القبلة.
فالصحيح أن ذلك لا يجزئه وهو وجه عند الحنابلة ورواية عن أحمد وهو اختيار الموفق ابن قدامة.
لكن إن عجز أن يصلي على جنب فإنه يصلي مستلقياً ولا نزاع في صحة ذلك لقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ وقوله: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ وهذا فيه نوع استقبال.
قال: (ويومئ راكعاً وساجداً ويخفضه عن الركوع)
مع العجز أن يصلي راكعاً وساجداً، فإنه يومئ بالركوع والسجود، لما روى البزار والبيهقي والحديث صحيح عن جابر: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عاد مريضاً فرآه يصلي على وسادة فرمى بها وقال: (صل على الأرض إن استطعت وإلا فأومئ بالركوع والسجود واجعل سجودك أخفض من ركوعك) وكل هذا - لا شك - مع الاستطاعة، فإنه إذا سقط أصل السجود فأولى من ذلك أن يسقط كون السجود أخفض من الركوع.
قال: (فأن عجز أومأ بعينه)
وهذا مذهب جمهور العلماء، فيومئ بعينه في حال الركوع والسجود والقيام وغير ذلك من أفعال الصلاة قياساً على الإيماء بالرأس.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية وهو مذهب الأحناف، وهو رواية عن الإمام أحمد ضعفها الخلال من أصحابه: أن ذلك يسقط الصلاة عنه؛ لأنه قد عجز عن أفعالها حيث أمر، فهو عاجز عن فعل ما يجب عليه، فحينئذ تسقط عنه الصلاة.
وقال شيخ الإسلام – في الإيماء –: " هو عبث " وذلك لعدم ثبوته عن النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه ليس فيه شيء من أفعال الصلاة، فإن الإيماء بالركوع والسجود جزء من الركوع والسجود، فإنه يشرع بالسجود والركوع بالإيماء بالرأس فإنه فعل الصلاة بخلاف الإيماء بالعينين.
وذهب بعض الحنابلة – كما قال صاحب الفروع -: " وظاهر كلام جماعة – أي من الحنابلة – أنه لا يلزمه الإيماء بطرفه وهو متجه لعدم ثبوته ".
فهذا قول ثابت هو ظاهر كلام طائفة من الحنابلة أنه لا يومئ لعدم ثبوته عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولأنه ليس فيه فعل شيء من
أفعال الصلاة.
لكن الصلاة تثبت عليه فلا يلزمه الإيماء لكنه يكتفي بالنية في قلبه – وهذا أظهر؛ لفرضية الصلاة ولأن النية من أفعلها، ولأن من عجز عن أفعالها فإن منهم من يمكنه القراءة، والقراءة هي الصلاة كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولأن الاستلقاء – وهو فعل لا يعجز عنه أحد – ينوب عن القيام فكان نائباً عن ركن من أركانها، وحيث عجز عن الإيماء فإن الصلاة تبقى وتثبت عليه لكنه لا يومئ بعينه لعدم ثبوت ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولأنه لا فائدة فيه لكنه يفعل ما يستطيع من النية والقراءة والاستلقاء على ظهره أو صلاته على جنب واستقبال القبلة بقدر استطاعته لأن الله - عز وجل - قال: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ وقال: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ . وهذا القول أظهر وأحوط.
قال: (فإن قدر أو عجز في أثنائها انتقل إلى الآخر)
إن قدر على القيام بعد أن كان عاجزاً عنه أثناء الصلاة فإنه ينتقل إليه لزوال عذره، لكن إن شرع في الفاتحة فإنه لا يتمها في ارتفاعه 1 ؛ لأنه يجب أن يقرأ حال القيام.
وإذا عجز عن القيام بعد أن كان قادراً عليه في أثناء الصلاة فإنه ينتقل إلى القعود، و – حينئذ – إن استمر في قراءة الفاتحة في انحطاطه فإنها تجزئ عنه؛ لأن قراءته في حال الانحطاط أولى من قراءته في حال الجلوس، بخلاف المسألة الأولى فإنه يجب أن يقرأها في حال القيام.
وهذا ما اتفق عليه أهل العلم، وذلك لثبوت العذر فيها وفي مسألة العذر الذي تقدم في ترك الجماعة نحو هذا.
فإذا حصل له العذر الذي يثبت به ترك الجماعة لتطويل إمام فحصل له أثناء الصلاة، فإن له أن يتمها خفيفة، وله أن يقطعها.
وإن كان التمثيل في مسألة التطويل يوجب عليه أن يتمها خفيفة.
بخلاف ما إذا كان يخشى فوات مال أو نحو ذلك فإن له أن يتمها خفيفة، وله إن خشي وقوع الضرر أن يقطعها.
فإذا وقع عليه عذر في أثناء الصلاة، فله أن يتمها خفيفة إن أمكنه ذلك ولم يشق عليه، وإلا قطعها.
قال: (وإن قدر على قيام وقعود دون ركوع وسجود أومأ بركوع قائماً وبسجود قاعداً)
فإذا كان يمكنه أن يصلي قائماً أو قاعداً، لكنه يعجز عن الركوع وعن السجود، ففرض عليه أن يصلي قائماً لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (صل قائماً) ، لكنه يومئ في حال القيام عن الركوع؛ لأن الركوع يكون عن قيام، ولأن القيام جزء من الركوع فإن حالة القدمين في حال الركوع تكون في حالة القيام.
والسجود كذلك، فإذا أراد أن يسجد فيسجد عن قعود مع قدرته على ذلك؛ لأن القعود جزء من السجود ولأن السجود إنما ينشأ عن قعود.
قال: (ولمريض الصلاة مستلقياً مع القدرة على القيام لمداواة بقول طبيب مسلم)
إذا قال طبيب مسلم ثقة لمريض أصيب في عينيه إذا سجدت فإن ذلك يؤثر في عينيك ويبطئ في المرض فيك فوضع له حمية أن يصلي مستلقياً على ظهره، فهل يفعل ذلك؟
الجواب: نعم يفعل ذلك فيصلي مستلقياً وإن كان قادراً على أن يصلي قائماً أو قاعداً إذا ذكر له أن في الصلاة مستلقياً سبب لإسراع برئه أو ثبوت البرء.
وذلك لأن في ترك ذلك حرج، وقد جاءت الشريعة بنفي الحرج في قوله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ .
والأظهر أنه لا يقيد الطبيب بكونه مسلماً، وإنما يقيد بالثقة الذي يرجى صوابه، لأن العلة في ذلك هي الحرج الواقع في القلب من منع ذلك، وكذلك رجاء الانتفاع بالشفاء، وهذا لا يثبت بكونه مسلماً فقط بل إذا كان ثقة، فالأظهر أنه لا يقيد بكونه مسلماً بل من كان ثقة في قوله ورجي صوابه، والنفع بقوله مثبت.
قال: (ولا تصح صلاته في السفينة قاعداً وهو قادر على القيام)
إذا كان قادراً على أن يصلي قائماً وهو في السفينة أو في سيارة أو نحو ذلك – ففرض عليه القيام لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (صل قائماً) .
وثبت في البزار والحاكم وصححه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (سئل عن الصلاة في السفينة فقال: (صل قائماً إلا أن تخشى الغرق) لكن إن كان يشق عليه القيام مشقة شديدة كأن يكون فيها حركة واضطراب فلا يمكنه أن يصلي قائماً إلا مع مشقة شديدة فحينئذ لا حرج في أن يصلي قاعداً لقوله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ .
ومثل ذلك: إذا كان في السفينة ولا يمكنه الخروج منها إلا بعد فوات الوقت، فلا يمكنه أن ينزل فيصلي قائماً إلا بعد خروج الوقت – ومثل ذلك السيارة – فحينئذ يصلي قاعداً للعذر لأنه عاجز عن ركن القيام في الوقت.
وهل يجب عليه أن يستقبل القبلة في صلاته كلها فيدور مع القبلة كما دارت؟
هذا هو المشهور في المذهب، وأن السفينة إذا اتجهت عن القبلة فإنه يتحرك إلى جهة القبلة.
وهذا قول ظاهر إلا أن يشق عليه.
لذا ذهب بعض الحنابلة إلى أن ذلك لا يلزمه كالنفل.
والأظهر هو التوسط بين القولين: وأن ذلك واجب عليه مع الاستطاعة بلا مشقة، أما إن كان في استدارته مشقة فإنه يسقط ذلك عنه للحرج والمشقة.
قال: (ويصح الفرض على الراحلة خشية التأذي بالوحَل)
وقد تقدم الوحَل: وهو الطين سواء كان زلقاً أو لم يكن كذلك مما يتأذى منه.
فإذا كان على راحلته وخشي فوات الوقت والأرض فيها طين وحرج عليه أن يصلي في الطين حيث أن الوحل فيها، فإنه يصلي على راحلته ويومئ بالركوع والسجود.
لما روى أحمد والترمذي عن يعلى بن أمية قال: (انتهى النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى مضيق والسماء من فوقهم والبلة أسفل منهم فأمر المؤذن أن يؤذن، فصلى وهو على راحلته يومئ بالركوع والسجود) والحديث في إسناده جهالة وضعفه الترمذي لكن قال: (العمل عليه عند أهل العلم) .
وذكره الإمام أحمد عن أنس بن مالك ولا يعلم له مخالف وقواعد الشريعة تقتضي ذلك لرفع الحرج – كما تقدم – في قوله: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ والمشقة تجلب التيسير – ولم أر في هذه المسألة خلافاً بين أهل العلم – لكن مع القدرة على النزول لا يجزئه ذلك.
قال: (لا للمرض)
فالمريض لا يجزئه أن يصلي على راحلته.
وقال بعض الحنابلة وصوبه صاحب الإنصاف وهو رواية عن الإمام أحمد: أنه يجزئه ذلك.
وهذا القول ظاهر، لكن بشرط ألا يكون في نزوله فعل أركان لا يمكن فعلها في حال صلاته على الراحلة.
فإذا كان المريض مثلاً: يومئ بالركوع والسجود على النافلة ويمكنه أن يسجد على الأرض ويركع ويقوم فيجب عليه أن ينزل للقيام والركوع والسجود وفعل غيرهما من الأركان، لكن هذا الشرط ألا يشق عليه مشقة ظاهرة، فإنه يصلي على راحلته وإن ترك شيئاً من الأركان المتقدمة.
إذن: الظاهر: أنه إن كانت أفعاله كأفعاله على الأرض فإنه لا فرق بين أن يصلي على الراحلة أو على الأرض، لكن إن كان قادراً على فعل شيء من الأركان في حال النزول فيجب أن ينزل إلا أن يُلحقه ذلك مشقة ظاهرة فإن المشقة تجلب التيسير.
والحمد لله رب العالمين.
فصل في صلاة المسافر
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (من سافر سفراً مباحاً أربعة برد سن له قصر رباعية ركعتين، إذا فارق عامر قريته أو خيام قومه)
هذه الجملة فيها مسائل:
المسألة الأولى: مشروعية صلاة السفر وأنها مشروعة قد دل على ذلك الكتاب في قوله: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾ ، وبسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - في فعله وقوله، وبإجماع أهل العلم على مشروعية قصر الصلاة للمسافر.
وقد اختلف أهل العلم هل هذه المشروعية للاستحباب أم للفرضية؟
أ – مذهب جمهور العلماء: إلى أن ذلك للاستحباب، وهو المشهور في مذهب الحنابلة، فهي مستحبة وفعلها قصراً أفضل من فعلها تماماً، وإن أتم جاز ذلك وصح من غير كراهية.
ب – وعن الإمام أحمد وهو اختيار شيخ الإسلام واستظهره صاحب الفروع: أن الإتمام مكروه.
فهذا هو مذهب الحنابلة في هذه المسألة.
استدل جمهور أهل العلم على استحبابها بما يلي:
قوله تعالى: ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ فنفى الله الجناح، ونفي الجناح يدل على الإباحة.
وهذا الاستدلال ضعيف، بل نفي الجناح لا يدل على نفي الإيجاب بل يدل على نفي الإثم والتحريم أي لا أثم ولا تحريم.
أما مسألة نفي الإيجاب فلا تدل عليها هذه الآية بدليل أن الله تعالى قال: ﴿فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ والطواف بين الصفا والمروة - وهو باتفاقهم - فرض وركن أو واجب.
ولو قالوا بظاهرها هو الإباحة المطلقة فضلاً عن أن يكون ذلك للاستحباب فهذه الآية ليس فيها نفي الإيجاب ولا إثبات الاستحباب بل فيها الإخبار أنه لا تحريم في ذلك ولا حرج ولا جناح.
وبما ثبت في النسائي ورواه أبو داود والطيالسي وقال الدارقطني إسناده حسن: أن عائشة قالت: (اعتمرت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في رمضان فصام وأفطرت وقصر وأتممت فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم - (أحسنت) لما ذكرت ذلك له ".
قال الدارقطني: إسناده حسن (لكن قال في كتاب العلل وهو أقوى في التضعيف والحكم على الأحاديث: (الراجح أنه مرسل) أو نحو ذلك وهو كما قال، وأنكر هذا الحديث شيخ الإسلام فإنه لا يعقل أن عائشة تخالف النبي - صلى الله عليه وسلم -، فتخالف هديه بكونها تصوم وهو مفطر وتتم وهو يقصر فالحديث لا يثبت، وإن كان قد صح عنها أنها كانت تتم في السفر وتقول: (إنه لا يشق علي) رواه البيهقي لكن كما قال عروة: (تأولت كما تأول عثمان) .
فتأولت أن القصر إنما شرع للمشقة، فرأت أنه لا مشقة فيه عليها فكانت لا تقصر، فلا يعدو ذلك إلا أن يكون تأولاً منها.
أما الرواية عنها بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (أحسنت) فلا يثبت ذلك، فالحديث مرسل وقد أنكره شيخ الإسلام.
وأما ما رواه الدارقطني من حديثها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (كان يتم ويقصر، ويصوم ويفطر) فالحديث إسناده ضعيف.
فهذه أدلة جمهور العلماء.
وذهب طائفة من أهل العلم من الصحابة والتابعين وهو مذهب الأحناف: إلى أنه فرض في السفر، وهو مذهب ابن عباس وعمر بن عبد العزيز والثوري وحماد بن أبي سليمان.
فقد قال ابن عباس – كما في سنن سعيد بن منصور -: (من صلى في السفر أربعاً فكمن صلى في الحضر ركعتين) وهذا منه إبطال للصلاة، فإن من أتم في السفر تبطل صلاته كما لو قصر في الإقامة، ولما سئل – - رضي الله عنه - – عن قصر الصلاة فقال: (ليس تقصيرها ولكن إتمامها وسنة النبي - صلى الله عليه وسلم -) رواه عبد الرزاق.
ودليل هؤلاء:
ما ثبت في الصحيحين عن عائشة قالت: (أول ما فرضت الصلاة ركعتين فأقرت صلاة السفر وأتمت صلاة الحضر) فقولها " وأقرت " يدل على أنها أقرت على الفريضة لكن يشكل عليه ما تقدم من مذهب عائشة، وهذا هو لفظها.
لكن يقال: إن هذا من باب الرواية، وأما ما تقدم فهو من باب الرأي ولا يعارض رأي الراوي بروايته، بل تبقى الرواية على وجهها.
واستدلوا – وهو أصرح في الاستدلال – بما رواه مسلم في صحيحه عن ابن عباس قال: (فرضت الصلاة على لسان النبي - صلى الله عليه وسلم - على المسافر ركعتين، وعلى المقيم أربعاً، وفي الخوف ركعة)
فقال: " فرضت " والفرضية لفظ صريح في الإيجاب.
وبما ثبت في النسائي بإسناد صحيح عن عمر أنه قال: (صلاة السفر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان، وصلاة العيد ركعتان تمام غير قصر على لسان النبي - صلى الله عليه وسلم -) .
وما ذكروه أصح، فإن الأدلة ظاهرة في إيجاب ذلك ولم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث صحيح القصر [لعلها: الإتمام] ، بل كان يتم [لعلها: يقصر] حتى ثبت في الصحيحين أن ابن مسعود لما قيل له: (أن عثمان قد أتم قال: (إنا لله وإنا إليه راجعون، صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بمنى ركعتين، ومع أبي بكر بمنى ركعتين، ومع عمر بمنى ركعتين فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان) لكن مع ذلك فقد صلى أربعاً وقد قال: (الخلاف شر) . فالراجح فرضية القصر.
2 - والمسألة الثانية: عند قوله: (من سافر سفراً مباحاً) :
- هذا هو المشهور في المذهب، وهو مذهب جمهور العلماء، وأن ذلك إنما يشرع للمسافر سفراً مباحاً.
ويدخل في ذلك السفر لنزهة أو نحوها، فإنه سفر مباح ويخرج من ذلك السفر المحرم، فمن سافر لتجارة محرمة أو فعل محرم، وكذلك المكروه من تكاثر ونحو ذلك فإنه لا يقصر بل يتم.
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه﴾ قالوا: والباغي هنا هو الخارج على السلطان، والعادي هو العادي على المسلمين، فمن كان كذلك فلا يباح له الميتة بل تحظر عليه، قالوا: وكذلك غيرها من الرخص.
وقالوا: إن في مشروعية القصر له إعانة له على السفر المحرم أو المكروه، وهذا يناقض مقصود الشارع من التحريم أو الكراهية. - وذهب الأحناف وهو مذهب الظاهرية واختيار ابن تيمية: إلى أن هذه الرخصة تشمل المسافر العاصي في سفره كما تشمل المطيع، فضلاً عمن بينهما ممن سفره سفر مكروه أو مباح.
واستدلوا: بعمومات النصوص: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ وغيرها، فهذه ثابتة للمسافر مطلقاً سواء كان في سفره عاصياً أو مطيعاً.
قالوا: وأما الآية فإن التفسير الصحيح هو ما ذهب إليه جمهور المفسرين، وهو أن المراد بقوله: ﴿غير باغ﴾ في كونه يأكل الميتة مع إمكان الاستغناء عنها، و ﴿لا عاد﴾ في كونه يتجاوز ضرورته.
وهذا التفسير أصح فيها لتعلقه بفعل المحرم نفسه، ولأن قوله: ﴿فمن اضطر﴾ عام في كل مسلم عاصياً كان أو مطيعاً وللعمومات المتقدم ذكرها.
- ثم أن كان خارجاً عادياً على المسلمين خارجاً عن إمامهم مؤذياً لهم، فإنه له حكم خاص لإهدار دمه، فكونه - على التسليم بالتفسير الأول، كونه - لا يرخص له بأكل الميتة ونحوها من الرخص التي فيها بقاء حياته؛ هذا لأنه حياته مهدرة بخلاف من سافر سفر معصية أو نحو ذلك فإن حياته ليست بمهدرة.
والراجح التفسير الثاني كما تقدم.
وهذا القول – أي الثاني – هو الراجح؛ لعمومات النصوص.
وأما كونه فيه إعانة: فإن هذا أمر مشروع ولا دخل له في كونه له إعانة على المعصية، فهي حسرة له هكذا في السفر، أما كونه عاصياً أو مطيعاً فإنه لا يعان على معصية أو ما يكره له، وأما هذا فهو حكم شرعي لا تعلق له بما تقدم بل قد يكون في ذلك إعانة له على فعل ما فرض عليه من إقامة الصلاة.
إذن الراجح مذهب الأحناف والظاهرية واختيار شيخ الإسلام.
المسألة الثالثة عند قوله: (أربعة برد) : هذه مسألة اختلف فيها العلماء وهي المسافة التي تقصر فيها الصلاة.
1- فذهب جمهور العلماء إلى هذا القول وأنه أربعة برد والبريد أربعة فراسخ، فالأربعة برد ستة عشر فرسخاً، والفرسخ: ثلاثة أميال، فيكون المجموع ثمانية وأربعين ميلاً وهي تزيد على 80 كيلو متراً وهذا – كما ذكروا – تقريب لا تحديد.
واستدلوا: بما رواه الدارقطني عن ابن عباس مرفوعاً: (يا أهل مكة لا تقصروا الصلاة إلا في أربعة برد من مكة إلى عسفان) والحديث لا يثبت بل هو ضعيف، والصحيح أنه موقوف على ابن عباس.
لكن ثبت هذا من فعل ابن عباس وابن عمر – كما ثبت في البخاري معلقاً – ووصله البيهقي: (أن ابن عمر وابن عباس كانا يقصران ويفطران في أربعة برد ستة عشر فرسخاً) والأثر صحيح.
فإذا سافر أربعة برد سواء كان ذلك يومان قاصدان كما كان في القديم أو أقل بساعة أو ساعتين فلا عبرة بالزمن في السفر بل العبرة بالمسافة.
وما ذكروه من أثر ابن عباس وابن عمر: قد ثبتت آثار تخالف هذا الأثر فلا يقال: إنهما لا يعلم لهما مخالف من الصحابة، فقد صح عن ابن عمر نفسه آثار تخالف ذلك، فمن ذلك:
في مصنف ابن أبي شيبة – أنه قال: (لو خرجت ميلاً لقصرت) وفيه: (إنه كان يقصر في ثلاثة أميال) ، وفي مصنف عبد الرزاق: (أنه كان يقصر في ثلاثين ميلاً) ، وفي مصنف ابن أبي شيبة: (أنه كان أدنى ما يقصر فيه خيبر يخرج لأرض له) وكان بين خيبر والمدينة نحو تسعين ميلاً، فالرواية مختلفة عن ابن عمر.
وثبت في مصنف عبد الرزاق بإسناد صحيح عن إبراهيم التيمي عن أبيه: (أنه استأذن حذيفة – وكان في المدائن – أن يذهب إلى أهله فأذن له وشرط عليه ألا يقصر ولا يفطر، وكان بين المدائن والكوفة نيف وستون ميلاً) والأربعة برد 48 ميلاً، فهذا أثر يخالف.
كما أن السنة خالفت ذلك صراحة فقد ثبت في البخاري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا تسافر امرأة يوماً وليلة) الحديث، قال البخاري: (سمى النبي - صلى الله عليه وسلم - يوماً وليلة سفراً) واليوم والليلة إنما يكون فيهما بردان أي 8 فراسخ، فإن الأربعة برد يومان تامان، واليوم والليل يكونان بردين.
وثبت في أبي داود ما هو أقل [من] ذلك فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا تسافر امرأة بريداً) فدل على أن السفر بريد.
وقد ثبت أن أهل مكة كانوا يقصرون مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بمنى، وكان بين منى ومكة نحو بريد.
لذا أنكر الموفق رحمه الله تعالى: هذا القول من جمهور العلماء وأنه يخالف السنة وظاهر القرآن، وأنه لا دليل عليه من نص ولا إجماع ولا قياس، وهو كما قال.
وذهب شيخ الإسلام وهو اختيار ابن القيم: إلى أن مرجع ذلك إلى العرف، فما تعارف الناس أنه سفر فهو سفر، لكن هذا القول لم يتبين لي أنه قول منضبط ينضبط لسائر الناس في معرفة أن هذا سفر وهذا ليس بسفر والناس مضطريون في أعرافهم كما هو ظاهر.
وذهب الظاهرية إلى أن مرجع ذلك إلى اللغة، فإن الله عز وجل قد خاطب العرب في كتابه بالسفر، والسفر عندهم هو البروز عن دار الإقامة، فالسفر في اللغة هو الكشف والبروز، فالسفر من دار الإقامة هو البروز عنها فليس هناك إلا داران دار حضر ودار سفر.
فدار الحضر هي دار الإقامة، وأما خارجها فهو سفر، فمن برز عن دار الإقامة قصر.
قال ابن حزم: ميلاً؛ لأثر ابن عمر المتقدم.
وقال داود من الظاهرية: ثلاثة أميال؛ لأثر ابن عمر المتقدم الذي رواه ابن أبي شيبة، وهذا القول تدل عليه السنة.
فقد ثبت في مسلم أن أنس: سئل عن قصر الصلاة؟ فقال: (كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا خرج ثلاثة أميال أو فراسخ قصر الصلاة) وهنا شك من الراوي في قوله: (ثلاثة أميال أو فراسخ) وهو من شعبة.
واليقين أنه ثلاثة فراسخ وهو نحو تسعة أميال أي 16 كيلو متراً، ومع ذلك فليس هذا تحديداً وإنما فيه أخبار أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا خرج ثلاثة أميال أو فراسخ صلى ركعتين.
ويحتمل أن يكون ذلك ثلاثة أميال وهو أوفق للغة العرب لأن الثلاثة أميال غالباً ما تخرج عن حيِّز المدينة.
واستثنى الظاهرية من ذلك ما يتصل بالمدينة من بساتينها ونحو ذلك؛ لأن الصحابة كانوا يخرجون إلى البقيع وإلى أحد وقباء وكذا النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يثبت عنهم القصر وكل هذا متصل بدار الحاضرة، والسفر ليس من هذا القبيل وإنما هو البروز عن دار الإقامة وما اتصل بها، وهذا القول هو أظهر هذه الأقوال الثلاثة.
المسألة الرابعة: (قصر رباعية ركعتين)
خص ذلك بالرباعية، فيخرج من ذلك الثنائية وهي الفجر والثلاثية وهي المغرب، وهذا بإجماع العلماء كما حكاه ابن المنذر.
ويدل على ذلك ما ثبت في مسند أحمد بإسناد جيد من حديث عائشة المتقدم في فرضية صلاة السفر وفيه: (إلا المغرب فإنها وتر النهار وإلا الصبح فإنها تطول فيها القراءة) .
المسألة الخامسة: قوله: (إذا فارق عامر قريته أو خيام قومه)
فإذا خرج من الحاضرة وما اتصل بها من عمران ونحو ذلك فإنه حينئذ يقصر، فبمجرد ما يخرج من الحاضرة كمطار الطائرات عندنا ونحو ذلك فإنه يقصر الصلاة في ذهابه وإيابه، وهذا هو مذهب جمهور العلماء.
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ فقيده الله بالضرب بالأرض، وهو يثبت بمجرد الخروج من الحاضرة أو خيام القوم.
وكذلك لا ينتهي من الضرب في الأرض حتى يدخلها.
وثبت هذا عن علي بن أبي طالب ولا يعلم له مخالف فقد ثبت عنه كما في البخاري معلقاً: أنه خرج فقصر الصلاة وهو يرى البيوت حتى رجع فقيل له: هذه الكوفة فقال: (لا حتى ندخلها) .
ومن هنا تبين لنا: أن حديث أنس بن مالك المتقدم: لا يحمل على أن المراد من ذلك أثناء خروجه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يمكن أن يخالف قوله ما ثبتت الشريعة بمثله من قول الصحابي الذي لا يعلم له مخالف، وهو مذهب الجمهور، وهم يشرعون القصر بمجرد الخروج ولا يقيدونه بثلاثة أميال ولا بثلاثة فراسخ، والحديث المتقدم عن أنس قد قيده بثلاثة أميال أو فراسخ.
ثم إنه قد سئل عن قصر الصلاة فدل على أن المراد من ذلك المسافة التي يقصر فيها.
إذن: متى ما فارق قريته أو مدينته أو خيام قومه فإنه يقصر الصلاة حتى يرجع، ويستمر في القصر حتى يدخلها – وهو مذهب جمهور العلماء وهو ثابت عن علي ولا يعلم له مخالف.
فإن قيل: قد قال تعالى: ﴿إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾ فقيده الله بالخوف وقد أمن الناس؟
فالجواب: أنه ثبت في مسلم عن يعلى بن أمية قال: (سألت عمر عن قوله تعالى: ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾ فقد أمن الناس فقال: " أني عجبت مما عجبت منه فسألت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: (صدقة الله تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته) ".
ويمكن أن يستدل بهذا على الإيجاب لقوله: " فاقبلوا " وظاهر الأمر الوجوب.
والحمد لله رب العالمين.
هنا ثلاث مسائل تتفرع عن المسألة السابقة وهي أن مسافة القصر أربعة بُرد:
المسألة الأولى: أن من شك في المسافة هل هي أربعة برد أم لا؟
فلا يقصر حتى يتيقن ذلك لأن الأصل – في المشهور من المذهب – عدم السفر، فإذا ثبت هذا فإنه لا يقصر حتى يتيقن أن البلدة التي يسافر إليها بعدها مسافة قصر.
وقد تقدم أن الراجح أنه متى ثبت كونه مسافراً فإنه يثبت بذلك القصر.
وما ذكره الحنابلة ينبني على القول الراجح، فإذا أراد أن يذهب إلى محل ولم يثبت له كونه سفراً فإنه لا يقصر، إن شك في هذا الموضع هل هو موضع سفر أم لا.
المسألة الثانية: أن من سافر ليترخيص في فطر أو قصر أو نحو ذلك:
فالمشهور في المذهب: أنه لا يقصر.
ولم أر دليلاً على هذه المسألة أي دليلاً صحيحاً.
لذا ذهب بعض الحنابلة وهو مذهب الأحناف: إلى أنه يثبت له رخص السفر، لأنه مسافر فيدخل في عموم الأدلة الشرعية وإن كان ينهى عن ذلك لكنه يثبت كونه مسافراً متعلق به أحكام السفر من قصر أو فطر أو نحو ذلك.
فالراجح أن من سافر ليترخص أنه يثبت له أحكام السفر وإن كان ينهى عن ذلك.
والترخص أقوى ما يقال فيه: أنه معصية وقد تقدم أن من سافر سفر معصية فإن أحكام السفر تثبت له لعمومات الأدلة الشرعية.
المسألة الثالثة: فهي فيمن كان تائهاً في طريقه لم يثبت قصداً له:
فإنه لا يقصر في المشهور من المذهب، لأنه منتهى قصده لم يثبت كونه سفراً ولا يقصر حتى يثبت له أن منتهى قصده سفر.
يعني: أن من خرج ولم يقصد موضعاً يكون خروجه إليه سفراً ثم تاه فإنه لا يترخص بأحكام المسافرين، لأنه لا يعد مسافراً، وهذا إذا كان الموضع الذي قصده في الأصل ليس بسفر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإن أحرم حضراً ثم سافر أو سفراً ثم أقام ... أتم)
كأن يكون رجل في سفر فكبر تكبيرة الإحرام في حال كونه مسافراً فوصلت السفينة إلى بلدته – أي بلدة الإقامة – فإنه يتم صلاته.
والعكس كذلك: فلو أن رجلاً أحرم في حال الإقامة، كأن تكون السفينة في بلدته فخرجت ثم سافر أثناء الصلاة فإنه يتم صلاته كذلك.
وحكي في هاتين المسألتين الإجماع على أنه يتم.
أما المسألة الثانية: فظاهر أنه يتم لأنه قد عقد الصلاة في حال الإقامة فوجب إتمامها كذلك.
وأما المسألة الأولى: وهي فيما إذا أحرم مسافراً ثم أقام، قالوا فكذلك وقد حكي الإجماع على ذلك.
والدليل على ذلك – وهو دليل للمسألة الثانية كذلك قالوا: أنها صلاة اجتمع فيها الحضر والسفر فوجب أن يصلي على هيئة الحضر.
وهذا الدليل ظاهر في المسألة الثانية؛ لأنها قد انعقدت على أنها صلاة حضر، وأما في المسألة الأولى: فالترجيح بتقديم صلاة الحضر على صلاة السفر غير ظاهر، لأنه قد عقدها وهو مسافر فانعقدت على وجه السفر، فلم يلزمه إتمامها، ويثبت تبعاً مالا يثبت استقلالاً.
فإن كان الإجماع المتقدم صحيح ثابت فلا خلاف فيه، وإن لم يثبت الإجماع فهذا القول قوي أي أنه يصليها صلاة سفر لأنه قد عقدها مسافراً فانعقدت على وجه السفر وكونه يصل إلى دار الإقامة فإنه يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً.
قال: (أو ذكر صلاة حضر في سفر أو عكسها)
أو ذكر صلاة سفر في حضر: كأن يتذكر مسافر أنه لم يصلي صلاة الظهر في الحضر.
فإنه يصليها تماماً وهذا بالإجماع، لأن القضاء يحكى الأداء والواجب في القضاء أن يكون على هيئة الأداء، فقد لزمت في ذمته تماماً غير قصر وبقيت متعلقة بذمته وخرج ومنها على هذه الصورة فكان الواجب عليه أن يصليها تماماً.
أما إن سافر بعد دخول الوقت وقبل خروجه فإنه يصليها صلاة سفر، عند جمهور العلماء وحكاه ابن المنذر إجماعاً.
ولكن عن الإمام أحمد رواية أخرى: أنه يصليها صلاة حضر، لأنه قد وجبت عليه الصلاة حيث أذن، وقد أذن في الحضر فوجبت كذلك، لكن هذا القول ضعيف، لأن الصلاة واجب موسع فكل وقتها تجب فيه، والنظر هنا إلى حال الأداء فقد أداها في حال السفر فكانت صلاة سفر هذا هو المشهور في المذهب وهو مذهب الجمهور وحكاه ابن المنذر إجماعاً كما تقدم.
(أو عكسها) : إذا ذكر في الحضر صلاة سفر:
كأن تكون عليه فائتة في السفر لم يذكرها إلا في الحضر فهنا قال: يجب عليه أن يصليها تماماً - هذا هو المشهور في المذهب -.
قالوا: لأن القصر رخصة فزال بزوال سببه، وليس هو السفر.
- وذهب الأحناف وهو قول لبعض الحنابلة: إلى أنه يصليها قصراً، وهو القول الراجح؛ لأن الصلاة قد وجبت عليه بخروج وقتها فتعلقت في ذمته على وجه القضاء، والقضاء يحكي الأداء، فلو أنه صلاها في السفر أداء لكانت قصراً لا تماماً، والقضاء يحكي الأداء.
فالراجح أنه يقصر؛ لأن هذه الصلاة تعلقت في ذمته على أنها قصر والقضاء يحكي الأداء، فالذي فاته إنما هو ركعتان لا أربع فلم يفته من الصلاة أربع ركعات وإنما فاته ركعتان والقضاء إنما يكون للشيء الفائت.
قال: (أو ائتم بمقيم) يعني مسافر ائتم بمقيم سواء كان هذا الائتمام من أول الصلاة أو في أثنائها.
أما كونه من أول الصلاة: فصورته: رجل مسافر فكبر خلف مقيم وأدرك معه تكبيرة الإحرام.
وأما في أثنائها: كأن يكبر خلف إمام مسافر ثم يطرأ على المسافر عذر يقتضي الاستخلاف فيستخلف مقيماً.
فهاتان الصورتان كلاهما لمسألة واحدة وهي صلاة المسافر خلف المقيم فيجب أن يصلي تماماً لصلاة الإمام، وهذا باتفاق أهل العلم (والمراد: هنا المذاهب الأربعة) . ودليل ذلك: ما ثبت في مسند أحمد بإسناد صحيح: أن ابن عباس - رضي الله عنه - قيل له: (إنا إذا صلينا في رحالنا – أي في حال السفر – صلينا ركعتين، وإذا صلينا معكم صلينا أربعاً؟ وكان ابن عباس من المكيين وكان يصلي تماماً " فقال: (سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -) . وهو ثابت من فعل ابن عمر - رضي الله عنه - كما في البيهقي بإسناد صحيح ولا يعلم لابن عمر مخالف، وهو كذلك السنة كما تقدم.
إلا أن الإمام مالك – وهو الراجح في هذه المسألة – يستثنى ما إذا فاته الركوع من الركعة الأخيرة فإنه يصلي قصراً وقد تقدم الكلام على ذلك.
وخالف إسحاق رحمه الله تعالى – المشهور عند أهل العلم – فقال: إذا صلى المسافر خلف المقيم فإنه له أن يصلي قصراً؛ لأن الإقتداء لا يزيل هذا الحكم، كما لو اقتدى المقيم بالمسافر فإنه يتم صلاته بالإجماع، فكذلك هنا.
وهذا قياس يخالف النص ولعله لم تبلغه السنة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
قال: (أو بمن يشك فيه)
هذه المسألة تنبني على هل تشترط النية في القصر أم لا؟
يعني: هل يشترط لمن أراد أن يصلي في السفر أن ينوي القصر أم لا؟
المشهور من المذهب – كما سيأتي –: أن ذلك فرض.
وقال بعض الحنابلة: لا يشترط ذلك، وهو مذهب الجمهور.
ولم يثبت عن الإمام أحمد نص يخالف هذا، وهو اختيار شيخ الإسلام؛ لأن الاشتراط لا دليل عليه من كتاب الله ولا سنة نبيه ولا أقوال الصحابة - رضي الله عنهم -، فلا يشترط له أن ينوي القصر كما لا يشترط له – في الحضر – أن ينوي الإتمام، لأن التمام هو صلاة الحاضرين، فكذلك في القصر لا يشترط له أن ينوي القصر؛ لأن القصر هو صلاة المسافرين، فلا دليل على اشتراط نية القصر.
فالأصل في السفر هو القصر كما أن الأصل في الحضر هو الإتمام، وكما أنه لا يشترط نية الإتمام في حال الحضر فكذلك لا يشترط نية القصر في حال السفر، فإن صلاة السفر ركعتان كما تقدم في الأدلة الصحيحة، وهذا مذهب الجمهور.
أما الحنابلة فقالوا: أنه إذا أطلق فكبر ولم ينو فإنها تصرف إلى الأصل وهو التمام.
وهذا ليس بصحيح، فإن التمام أصل في صلاة الحاضرين وليس بأصل في صلاة المسافرين، لما تقدم من الأدلة كما في حديث عمر: (صلاة السفر ركعتان)
فالأصل في صلاة السفر القصر فلم تشترط النية، بل لو نوى الإتمام ثم رأى القصر فإنه يقصر ولا يؤثر فيه هذه النية، فالنية ليست بمؤثرة؛ لأن هذه هي السنة فصلاة السفر ركعتان.
وهذا لا يشكل على فرضيتها فيما تقدم ترجيحه.
وكذلك لا يشكل – في الحقيقة – على القول بمشروعيتها؛ لأنها قد شرعت ركعتان فلم تشترط فيها النية.
فهذه المسألة مبنية على ذلك.
فإذا ائتم بمن يشك فيه فلا يدري هل هو مسافر أم مقيم؟
فإنه يجب عليه الإتمام في المشهور من المذهب.
لكن استثنوا من ذلك: إذا كانت هناك غلبة ظن كأن يكون المسجد في طريق المسافرين أو أن يظهر على الإمام هيئة السفر أو نحو ذلك.
أو أن ينوي أنه أتم، أتم، وإن قصر، قصر، فيعلِّق صلاته بصلاة الإمام فيجوز.
لكن الصحيح في هذه المسائل كلها، أنه إذا صلى وراء إمام ولا يدري أهو مسافر أم مقيم، فإنه يصلي خلفه فإن أتم، أتم خلف.
وأن قصر، قصر؛ لأن النية ليست بشرط.
قال: (أو أحرم بصلاة يلزمه إتمامها ففسدت وأعادها)
هذه مسألة غريبة.
صورتها: رجل أحرم بصلاة - يلزمه - في السفر يلزمه إتمامها، كأن يصلي خلف مقيم، فبطلت صلاته كأن يتذكر أنه محدث أو نحو ذلك ثم أراد أن يصلي وحده فهل يصلي قصراً أو تماماً؟
قال هنا: (أتم) فيجب عليه الإتمام، لكن هذا قول غريب؛ لأن وجوب إتمامها في الصلاة الأولى وهي الفاسدة الباطلة كان ذلك لتعلقها بصلاة الإمام فوجب إتمامها لكونه قد اقتدى بمقيم.
وأما في الصلاة الأخرى فلا تعلق لها بشيء يوجب الإتمام.
وهذا قول ضعيف.
- وقد ذهب الأحناف إلى خلاف هذا القول، والراجح ما ذهبوا إليه.
قال: (أو لم ينو القصر عند إحرامها) تقدم هذا: وأن المشهور في المذهب وجوب نية القصر.
فلو أن رجلاً كبر في السفر وغاب عن ذهنه أنه مسافر فلم ينو القصر فيجب عليه الإتمام.
وهذا ضعيف وهو مبني على اشتراط نية القصر، وهو قول ضعيف.
قال: (أو شك في نيته) أي في الركعة الثانية شك هل نوى القصر أم لا؟
فيجب عليه أن يتم قالوا: ولو تذكر بعد ذلك، فمثلاً يبقى حائراً لحظات ثم تذكر أنه نوى القصر، فلو بقى لحظة حائراً فإنه يلزمه أن يصلي تماماً؛ لأنه قد بقى زمناً شاكاً في نيته، فوجب الإتمام؛ لأن من شك في نية فيجب عليه الإتمام، فتذكره بعد ذلك لا يغير من الحكم شيئاً بل يلزمه الإتمام.
وكل هذه الأقوال تنبني على شرطية نية القصر، وهو قول ضعيف، والقول الراجح هو عدم اشتراط ذلك كما تقدم وهو مذهب جمهور العلماء.
مسألة:
رجل مسافر فدخل مسجداً في الطريق ووجد رجلاً يصلي فدخل معه وأدرك معه ركعة واحدة ولا يدري هل هو قد أتم صلاته فيتمها أم قصرها، فما الحكم؟
إن غلب على ظنه أحدهما فإنه يبني عليه وإلا فإنه يصلي قصراً، لأننا إنما فرضنا وشرعنا الإتمام له حيث ثبت له أن هذا مقيم، والأصل له أن يصلي مسافراً حتى يثبت له أن هذا الإمام مقيم؛ ولأنه إنما شرع ذلك في الأصل.
وإن كانت المسألة قد ثبت فيها بعض الأحكام تبعاً، إنما شرع ذلك لئلا يخالف الإمام، والمخالفة إنما تكون إذا سلم قبل سلام إمامه، وإن كان قد ثبت له في هذه المسألة تبعاً أنه وإن أدرك من الصلاة شيئاً وهو يعلم أنه مقيم أنه يتم، فهذا قد ثبت تبعاً للمسألة السابقة؛ ولاتباع صورة صلاة الإمام تماماً، لكن هنا لم يثبت له ذلك فيبقى على الأصل من كونه يشرع له أو يفرض أن يصلي قصراً.
والحمد لله رب العالمين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (أو نوى إقامته أكثر من أربعة أيام)
هذا في سياق من يجب عليه الإتمام، فإن هذه المسألة عطف على ما قبلها من المسائل.
فإذا نوى المسافر إقامة أكثر من أربعة أي صلاة إحدى وعشرين صلاة فإنه يتم، وإذا نوى أكثر من ذلك أتم الصلاة.
واستدلوا: بما ثبت في الصحيحين عن أنس بن مالك قال: (خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى مكة – في رواية لمسلم " إلى الحج " – فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة) .
قالوا: والثابت عنه في سياق حجته أنه دخل مكة في صبيحة اليوم الرابع وأنه خرج منها إلى منى في ضحى اليوم الثامن فهذه أربعة أيام.
قالوا: فعلى ذلك يقصر إن أقام أربعة أيام فإن زاد أتم.
قال المالكية والشافعية: إذا قام ثلاثة أيام فأقل قصر فإن أقام أكثر من ثلاثة أيام فإنه يتم.
واستدلوا: بهذا الحديث أيضاً ولم يحسبوا يومي الدخول والخروج لما في حسبهما من المشقة، فإن الاعتبار إنما يكون باليوم التام في حق المسافر، وأما بعض اليوم فإن فيه مشقة.
واستدلوا بما ثبت في الصحيحين من حديث: العلاء الحضرمي - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (يقيم المهاجر بعد نسكه ثلاثاً: أي ثلاثة أيام) .
قالوا: فهذا الحديث فيه أن الثلاثة أيام هي الإقامة.
- وذهب إسحاق بن راهويه: إلى أنها تسعة عشر يوماً.
واستدل: بما ثبت في البخاري عن ابن عباس قال: (أقام النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة تسعة عشر يوماً يقصر الصلاة) قال ابن عباس: (فنحن إذا أقمنا تسعة عشر يوماً قصرنا وإذا زدنا أتممنا) . والمقصود من كونه يتم من أول مكثه وإقامته.
ورد جمهور الفقهاء على هذا الحديث بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعزم الإقامة بل كان عليه الصلاة والسلام ينوي الخروج غداً أو بعد حتى خرجت هذه المدة فكانت اتفاقاً، ونحن وأنتم نقول: إن من مكث في بلدة ما ولم يعزم إقامة فإنه يقصر أبداً – كما سيأتي -. ورُدَّ هذا: بأنه خلاف الظاهر، فإن الظاهر أنه أقام تسعة عشر يوماً بنية، ويؤيده القرائن:
() إن ذلك كان في فتح مكة كما في رواية لأبي داود: (وذلك في عام الفتح) فأقام فيها تلك المدة، ويبعد أن يكتفي بمدة أقل منها إذ مكة كانت محل أهل الشرك، وكان العرب يقتدون بهم في سلمهم وكفرهم حتى لما آمنوا وأسلموا، دخل الناس في دين الله أفواجاً، فهي مكة التي كان فيها صناديد الكفار فيبعد أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - نوى إقامة يوم أو يومين أو ثلاثة.
() والقرينة الأخرى: أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: يبعد أن يضعف في التقدير هذا الضعف من تسعة عشر يوماً إلى أربعة أو ثلاثة أيام فيقدر ثلاثة أيام أو أربعة، فتصل المدة إلى تسعة عشر يوماً.
- وذهب أهل الظاهر: إلى أنها عشرين يوماً.
واستدلوا: بما رواه أبو داود في سننه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (أقام بتبوك عشرين يوماً يقصر الصلاة) لكن الحديث قد اختلف فيه علي: (يحيى بن أبي كثير) فرواه معمر عن يحيى موصولاً، ورواه الثقات عنه مرسلاً وهو الراجح كما رجح ذلك الدارقطني وغيره فهو مرسل، والمرسل ضعيف.
واعلم أن جمهور الفقهاء إنما حددوا مدة للإقامة والسفر – كما نبه على ذلك غير واحد – بناءً على أن الأصل في الإقامة هي ترك النقلة، فمتى ترك التنقل فأقام فهو مقيم وليس بمسافر، وإنما السفر هو التنقل.
قالوا: ولو لم يثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قصر في حال مكثه لقلنا إنه في حال المكث لا يقصر كما هو مذهب الحسن البصري وهو مروي عن عائشة أو نحوه.
لكنه قصر عليه الصلاة والسلام فرأينا أن أكثر مدة لقصره هي كذا.
فالقائلون أنها أربعة أيام قالوا: هي أكثر مدة قصر فيها وتأولوا الأحاديث الأخر – وكذلك الباقين.
لكن هذا المنطلق فيه ضعف فيما يظهر.
ومحل ضعفه أن يقال: إن ما ذكرتموه من أن السفر ينقطع بالإقامة والمكث وترك النقلة قد عارضه الأحاديث الثابتة وكون النبي - صلى الله عليه وسلم - يقصر يوماً أو يومين أو ثلاثة باتفاقنا.
يقصر في حال كونه ماكثاً تاركاً للنقلة، يدل على أن ترك النقلة ليست منافياً للسفر، فإنه وإن ترك النقلة فيبقى مسافراً بدليل أنه - صلى الله عليه وسلم - قد قصر وهو تارك للنقلة.
فدل على أن مجرد المكث وترك النقلة أثناء السفر لا ينافي السفر، ولا يخرج المسافر عن السفر إلى الإقامة بل يبقى مسافراً، وإن ترك التنقل ومكث ما لم ينو إقامة يثبت بها حكم الإقامة.
- ولذا ذهب شيخ الإسلام وهو مذهب طائفة من أهل العلم إلى أن مرجع ذلك إلى العرف، وذلك لأن الشرع لم يثبت فيه تحديد لهذه المسألة واللغة أيضاً.
بخلاف المسألة السابقة فإنا نرى أن اللغة قد حددت السفر بأنه من حيث الانتقال من بلدة إلى أخرى.
أما كونه من حيث المدة يكون مسافراً أو مقيماً فليس للغة بحث في هذا، فيبقى العرف - كما هو اختيار شيخ الإسلام - ولو بقى شهوراً.
هذا اختيار شيخ الإسلام وتلميذه، وهو مروي عن مسروق من التابعين، وهو قول قوى، وهو أظهر الأقوال السابقة لأن اللغة العربية والشرع لم يثبت فيهما تحديد للمدة التي يثبت بها كون الإنسان مسافراً أو مقيماً فوجب الرجوع إلى العرف كما هو مقرر في أصول الفقه.
وقد ثبت في سنن البيهقي يإسناد صحيح وأن ابن عمر: (أقام بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة) . ولا يصح أن يقال: أنه لم يعزم تلك المدة، فإن مثل هذه المدة قد حبسه بها الثلج، فيستبعد أن يكون قد ظن أن يذهب بيومين أو ثلاثة أو أربعة فذلك في الغالب في أول الشتاء، لكونه قد استمر هذه المدة وهي ستة أشهر.
فيبعد أن يظن ذهابه في مدة يسيره.
ثم إنه – - رضي الله عنه - – لما سئل عن القصر في ذي المجاز – كما في المسند بإسناد حسن – وهو سوق يجتمع فيه ويباع فيه ويمكث فيه عشرين يوماً أو خمسة عشر يوماً؟ فقال: " يقصر الصلاة به " وقال: " إني كنت بأذربيجان فرأيتهم يصلون ركعتين ركعتين ورأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - بمنى يصلي ركعتين ركعتين ولقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) فهنا استدل بفعل أصحابه بأذربيجان وأنهم قد مكثوا شهرين أو أربعة أشهر – كما في مسند أحمد، وفي الرواية المتقدمة (ستة أشهر) ، فاستدل بهذا على القصر عشرين أو خمسة عشر يوماً، فدل على أنه لم يكن ينو المكث المدة التي تقدم ذكرها عند جمهور الفقهاء.
ويدل على أنه استنبط ذلك من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - لقوله: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) وفيه أنه رأى ذلك سفراً، وأن إقامته بأذربيجان شهرين أو أربعة كما في رواية أحمد، وفي رواية البيهقي " ستة أشهر ": أن ذلك سفر، وإن مكثهم بذي المجاز عشرين أو خمسة عشر يوماً سفر وأن في القصر اقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم -. فقوله يخالف قول ابن عباس،
ومأخذ ابن عباس تقدم لكم وما فيه من النظر، فهو مخالف بقول ابن عمر، وهذا القول أظهر وأن مرجع ذلك إلى العرف والله أعلم.
قال: (أو ملاحاً معه أهله لا ينوي الإقامة ببلد لزمه أن يتم)
ملاح في السفينة أو سائق أجرة – كما في هذه الأزمنة - أو في الأزمنة القديمة: الساعي أو البريد ونحو ذلك.
فمن كان معه أهله وهو ملاح ولا ينوى الإقامة ببلد فيلزمه أن يتم – وقد تقدم التنبيه على هذه المسألة –.
قالوا: هو وإن كان مسافراً لكن سفره دائم لا ينقطع فلم يترخص برخص السفر؛ لأن سفره دائم لا ينقطع.
وذهب جمهور الفقهاء وهو رواية عن أحمد واختارها الموفق: إلى أنه يثبت له القصر وغيره من رخص السفر.
وكونه ذا سفر لا ينقطع لا يعني ذلك ألا يكون له حكم المسافرين؛ لدخوله في عمومات النصوص، بل هو أشق – كما قال ذلك الموفق -. فالراجح: أن من كان سفره دائم لا ينقطع كسائق سفينة ونحوه أنه يقصر لكونه مسافر، ولأن ما كان منه لا يعتبر إقامة بل سفراً، وكون سفره الغالب فيه أنه لا ينقطع هذا لا يؤثر في الحكم، فإنه مسافر داخل في عموم المسافرين بل هو أشق منهم فكان أحق بالرخصة المتقدمة.
- ومن كان له أهل أو مال في بلد من البلاد وإن لم يتخذها دار إقامة:
- فالمشهور عند الحنابلة: أنه يتم فيها سواء كان له أهل فقط أو مال فقط، فمن كان له بستان في بلدة أو ماشية فإنه يتم.
واستدلوا: بما رواه أحمد من حديث عثمان: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من تأهل ببلد فليصل صلاة المقيم) . وبما ثبت في مصنف ابن أبي شيبة عن ابن عباس أنه قال: (فإذا قدمت إلى بلد لك فيها أهل أو ماشية فأتم) رواه الشافعي وابن أبي شيبة بإسناد صحيح. - ذهب الشافعية وهو مذهب ابن المنذر: إلى أن من كان كذلك فإنه يقصر؛ لأنه في حكم المسافرين ما لم ينو الإقامة، فما دام لم ينو الإقامة ولم يتأهل فيها تأهلاً تاماً فإنه مسافر وإن كان له فيها أهل أو مال.
قالوا: وأما الحديث الذي ذكرتموه، فإسناده ضعيف منقطع.
وأما أثر ابن عباس: فإنه مخالف، فإن الصحابة كان لهم أموال في مكة وكانوا يقصرون فيها وأنكروا على عثمان القصر [لعلها: الإتمام] ، وتقدم أثر ابن عمر في قصره في خيبر وكان له أرض فيها.
فهي آثار تخالف ما روى عن ابن عباس، فهو رأي له قد خولف فيه فلم يحتج به.
فالراجح مذهب أهل القول الثاني: أن من كان له أهل أو مال في بلدة فذهب إليها ولم ينو إقامة فإنه يقصر لأنه مسافر.
أما إذا تأهل فيها تأهلاً تاماً فأقام فيها الإقامة التي ينتفي بها حكم السفر فإنه يكون في حكم المقيمين ولا مانع أن يكون له بلدتان فأكثر متى ما ثبتت الإقامة.
فإذا كان له في هذه البلدة أشهر يمكث فيها وفي البلدة الأخرى بقية السنة فإنه يعتبر مقيماً في البلدتين؛ لأنه قد تأهل تأهلاً تاماً واتخذ كلاً منهما سكنى له فكان له حكم المقيمين لا المسافرين.
قال: (وإن كان له طريقان فسلك أبعد هما)
وكان أقصرهما لا يثبت به حكم السفر، فسلك أبعد هما فإنه يثبت له حكم المسافرين، وإن كان لو سلك أقصرهما لم يثبت له ذلك.
قالوا: لأن سلوكه الأبعد فيه ترك لما كان سلوكه أولى، ولا يكون ذلك إلا لأن سلوك ذلك مظنة خوف أو مشقة، فهذا طريق شاق أو فيه مخاوف فتركه وسلك الطريق الآخر غيره، فكان الطريق الأبعد هو الطريق الأصلي لهذه البلدة لأنه آمن وسالم من المتاعب.
- وقال بعض الحنابلة: يستثنى من ذلك ما ذكرتموه فيما إذا كان ذلك مظنة الخوف أو المشقة.
أما إذا لم يكن ذلك فلا.
وهذا أظهر؛ لأنا إذا قلنا بخلاف ذلك فإنه يقتضي أن يكون اثنان قد أتيا من بلد واحدة وأحدهما له حكم السفر والآخر لا، مع أن [من] له حكم السفر قد اتخذ طريقاً خلاف الأولى، فمثل هذا ضعيف في النظر.
أما إذا كان الطريق الآخر فيه مخاوف ومشاق فإنه يكون الطريق الأصلي للبلدة هو هذا الطريق الآمن السالم من المتاعب.
فحينئذ يثبت في سلوكه السفر وإن كان غيره أقرب منه لمشقة سلوكه وللمخاوف فيه.
فالراجح: أنه إذا كان هناك معنى لسلوك الأبعد لكون الأقرب فيه مخاوف أو مشاق فسلك الأبعد فإنه يقصر الصلاة.
قال: (أو ذكر صلاة سفر في آخر قصر) رجل مسافر فذكر أنه ترك صلاة في سفر آخر فإنه يصليها قصراً؛ لأنه قد فعلها في السفر وقد وجبت في السفر فلا معنى لقضائها تماماً.
ثم إن القاعدة السابقة " القضاء يحكي الأداء " تفيد هذا.
لكن المذهب لا يقول بهذه القاعدة في المسألة السابقة فلم يستدل به على هذه المسألة لعدم التناقض.
أما على الراجح فإنه يستدل بها.
أما دليلهم هم فإنهم قالوا: إنها وجبت عليه فعلها في حال السفر فكانت صلاة سفر.
قال: (وإن حبس ولم ينو إقامة أو أقام لقضاء حاجة بلا نية إقامة، قصر أبداً)
رجل حبس ظلماً أو حبسه مطر أو ثلج ولم ينو إقامة أو أقام لقضاء حاجة من الحوائج بلا نية إقامة، وظن أن إقامته أنها يكفيها أربعة أيام احتمالاً، فيحتمل أنها تنتهي في أربعة أيام وقد تزيد فإنه يقصر.
إذن: إذا أقام لقضاء حاجة فله حالان:
1- الأولى: أن يعلم أنه لا يقضي حاجته إلا بعد أربعة أيام فيحتاج للمكث في هذه البلدة أكثر من أربعة أيام، أو يظن أنه يحتاج أربعة أيام وإن كان ربما قضاها قبل ذلك، فإنه حينئذ يجب عليه الإتمام.
2- الثاني: أن يظن أنها تحتاج أربعة أيام، أو يعلم ذلك فإنه يقصر، ولو أقام أبداً.
وهذا مذهب جماهير العلماء وحكاه الترمذي وابن المنذر إجماعاً.
إلا أن الأصح عند الشافعية خلاف ذلك، وحدوده في الأصح عندهم بثمانية عشر يوماً، وهو خلاف مذهب عامة أهل العلم.
والراجح مذهب جماهير العلماء؛ لأنه لم ينو إقامة فلا يكون في حكم المقيمين.
واستدلوا: بأثر ابن عمر، لكن تقدم أنه لا يستدل به عليها.
لكن دليلها ما تقدم وأنه مسافر وليس مقيم؛ لأنه لم ينو إقامة فلم يكن مقيماً، فلو بقى ما بقى فإنه في حكم المسافر، وحكاه ابن المنذر والترمذي إجماعاً.
فإن ثبت أن الشافعي خالف في هذه المسألة، فإن الإجماع منقوض.
ومع أن المسألة تحتاج إلى بحث عن كلام الشافعي لكني استبعد ذلك على الشافعي مع أن ابن المنذر من أعلم الناس بمذهبه ومع ذلك حكى الإجماع في هذه المسألة.
فالظن أن هذا مذهبٌ لأصحابه، وذلك لا ينقض الإجماع.
والحمد لله رب العالمين.
فصل
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (يجوز الجمع بين الظهرين وبين العشاءين في وقت إحداهما في سفر قصر) .
هذا فصل في الكلام في الجمع بين صلاتي الظهر والعصر وهما الظهران، والمغرب والعشاء وهما العشاءان من باب التغليب.
وقد أجمع العلماء على أن الجمع لا يشرع بين غيرهما من الصلوات، فلا جمع بين عصر ومغرب، ولا عشاء وصبح، ولا صبح وظهر، فهذا بالإجماع لا يصح فيه الجمع.
فيجوز الجمع في وقت إحداهما تقديماً أو تأخيراً، فتقديماً بأن يصلي الظهر والعصر في وقت الظهر، وكذلك المغرب والعشاء في وقت المغرب، وتأخيراً بأن يصلي الظهر والعصر في وقت العصر، أو المغرب والعشاء في وقت العشاء.
(في سفر قصر) : فيجوز الجمع بين الصلوات في السفر الذي يصح فيه القصر وقد تقدم الكلام عليه.
دليل ذلك: ما ثبت في الصحيحين عن أنس بن مالك قال: (كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا كان في سفر فارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر ثم نزل فجمع بينهما، فإذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب) قال في البلوغ: " وفي رواية الحاكم في الأربعين بالإسناد الصحيح: (صلى الظهر والعصر ثم ركب) ".
وروى الإسماعيلي نحوه – كما في الفتح – أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (كان إذا كان في سفر فارتحل بعد أن زالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعاً ثم ارتحل) فهذا الحديث يدل على ثبوت الجمع في السفر.
وثبت في مسلم عن معاذ بن جبل قال: (خرجنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك فكان يصلي الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً) .
وثبت في مسند أحمد وسنن أبي داود والترمذي وصححه من حديثه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (كان إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعاً في وقت العصر، وإذا ارتحل بعد أن زاغت الشمس صلى الظهر والعصر جميعاً في وقت الظهر، وهكذا المغرب والعشاء) .
فهذه أحاديث تدل على ثبوت الجمع في السفر، وهي حجة على من أنكر ذلك من الأحناف في تخصيصهم الجمع بعرفة ومزدلفة.
قالوا: لأن الأحاديث في المواقيت متواترة فلا تخصص بذلك.
لكن صحتها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وثبوتها يخصص به المتواتر كما هو مقرر في علم أصول الفقه.
بل الأحاديث متواترة في أصل الجمع في السفر أو مستفيضة في ذلك، وحينئذ قوله: (يجوز) ، ظاهره أن ذلك مباح وليس بمستحب.
وهو المشهور في المذهب قالوا: وتركه أفضل.
وعن الإمام أحمد: أن الجمع في السفر أفضل، وهذا القول أرجح في موضع، والأول أرجح في موضع آخر.
أما كون الثاني أرجح، فهو في موضع الارتحال حيث جد به السير.
فالمستحب له الجمع لثبوت السنة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك ومداومته على هذا الفعل تدل على أنه هو المستحب.
وأما إذا كان نازلاً فإن المشهور من فعله – - صلى الله عليه وسلم - – أنه كان يصلي الصلاة في وقتها كما صح ذلك في حجته في صلاته في منى، فإنه كان نازلاً في منى وكان يصلي الصلوات في وقتها ولا يجمع ولم يصح عنه أنه جمع في نزوله إلا ما ثبت في موطأ مالك بإسناد صحيح – وهو دليل الجواز – عن معاذ أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (أخر الصلاة في غزوة تبوك يوماً ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعاً ثم دخل، ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعاً) .
لكن الذي كان يداوم عليه – - صلى الله عليه وسلم - – هو الجمع حيث جد به السير، فإن نزل فإنه كان يصلي الصلوات في وقتها ولا يجمع إلا في أحوال نادرة كما تقدم في حديث معاذ الدال على جواز الجمع في حال النزول.
قال: (والمريض يلحقه بتركه مشقة)
فالمريض يجوز له الجمع إن كان في صلاته الصلوات في وقتها مشقة عليه، لأن الشريعة قد أتت بنفي الحرج، وقد قال ابن عباس – كما في الصحيحين – (جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء من غير خوف ولا سفر) وفي مسلم (بالمدينة من غير خوف ولا مطر فسئل عن ذلك فقال: أراد ألا يحرج أمته) .
فدل أنه حيث وقع الحرج فإنه يجوز له أن يجمع.
وقد وردت السنة بالجمع للمستاحضة كما ثبت هذا في مسند أحمد وسنن أبي داود والترمذي، قال الإمام أحمد: " ومثل ذلك المرضع التي يشق عليها أن تغسل ثوبها لكل صلاة " أي من نجاسة الطفل فيجوز لها الجمع للحرج، وهذا واضح في مثل الشتاء حيث يشق ذلك عليها.
ومثل ذلك: حيث خاف على نفسه أو أهله أو ماله – كما تقدم – في العذر في ترك صلاة الجماعة.
وهذا هو المشهور في المذهب – أي الجمع للمريض – ونص الإمام أحمد واختيار شيخ الإسلام.
قال: (وبين العشاءين لمطر يبل الثياب أو وحل)
فإذا كان المطر يبل الثياب وحينئذ تحصل المشقة، فلا تحصل المشقة في المطر القليل أو الطل الذي لا يثبت بمثله أذى.
أما الذي يبل الثياب وهو الذي يثبت بمثله الأذى فإنه يجوز الجمع فيه بين العشاءين.
واستدلوا: بما في الموطأ بإسناد صحيح أن ابن عمر: (كان إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء في المطر جمع معهم) ، وثبت في البيهقي بإسناد صحيح: أن عمر بن عبد العزيز: (أنه كان يجمع بين المغرب والعشاء في المطر) ، وأن سعيد بن المسيب وعروة وأبا بكر بن عبد الرحمن ومشيخة ذلك الزمان كانوا يصلون معه ولا ينكرون ذلك قالوا: فكان ذلك إجماعاً.
وظاهر قوله: (بين العشاءين) أنه لا يجمع بين الظهر والعصر في المطر – وهذا هو المشهور في مذهب الحنابلة.
قالوا: لعددم وروده كما ورد هذا في المغرب والعشاء؛ ولأنه لا يقاس مطر النهار على مطر الليل، لأن المطر في الليل يكون في الظلمة فتكون المشقة أعظم، كما أنه مظنة للبرد ونحوها فكانت المشقة فيه أظهر فلا يقاس هذا على هذا لوجود الفارق.
- وذهب أبو الخطاب من الحنابلة وهو مذهب الشافعية: إلى جواز الجمع – في المطر – بين الظهر والعصر.
قالوا: لقول ابن عباس: (من غير خوف ولا مطر) فدل على أن المطر عذر يجمع له، وقال: (أراد ألا يحرج أمته) فالعلة والمناط إنما هو الحرج، والحرج ثابت بالمطر في النهار كما هو ثابت بالمطر في الليل.
وكون المطر في الليل أشق من المطر في النهار لا يعني ذلك عدم ثبوت المشقة في المطر في النهار، والحكم إنما علق بالمشقة فمتى ثبتت المشقة فإنه يثبت الحكم، وإن كان هناك ما هو أشق، فكون مطر الليل أشق للظلمة ونحوها لا يعني ذلك عدم ثبوت المشقة في النهار فالحكم إنما يعلق لوجود الحرج والمشقة فمتى ثبت ذلك جاز.
وقد تقدم أثر ابن عباس في حديث (ألا صلوا في رحالكم) في البرد الشديد فلا فرق فيه بين الليل والنهار.
فالراجح مذهب الشافعية وهو اختيار أبي الخطاب.
ومثل ذلك: الوحل لذا قال هنا: (ووَحل) والوحل أشق من المطر الذي يبل الثياب فكانت الرخصة فيه أولى، وقد تقدم في أثر ابن عباس في قوله: (وكرهت أن أخرجكم في الطين والدحض) . فهذا يدل على أن متى ثبت ذلك فهذا عذر في الجمعة في حضورها جماعة ومثلها سائر الصلوات، وكذلك في الجمع لوجود الحرج، وقد قال ابن عباس: (لئلا يحرج أمته) والخروج في حال الوحل والطين الزلق فيه حرج ومشقة.
قال: (وريح شديدة باردة) كذلك إذا كانت الريح شديدة باردة يقع الحرج في أن يصلي الناس الصلوات في وقتها فيجوز الجمع – هذا هو المشهور في المذهب –.
والأدلة ظاهرة فيه لوجود الحرج، وقد قال ابن عباس – كما تقدم -: (لئلا يحرج أمته) وهذا من جنس العذر في المطر والدحض ونحو ذلك.
والظاهر كما تقدم – أن يقيَّد هذا بألا يكون مما ألفته تلك البلاد، لأن الجمع فيما يكون مألوفاً يؤدي ذلك إلى التفريط في حضور الجماعات – في صلاة الصلوات في وقتها –.
فالمراد ما يقع به الحرج وذلك إنما يكون متى لم يؤلف، وأما من وقع عليه الحرج فلا بأس أن يصلي في بيته لوقوع الحرج عليه.
إذن: الريح الباردة الشديدة التي لم تجر العادة لأهل تلك البلدة بمثلها وخروجهم مع وجودها يُلحقهم حرجاً ومشقة، يجوز لهم أن يجمعوا بين الصلوات فيها.
قال: (ولو صلى في بيته أو في مسجدٍ طريقُهُ تحت ساباط)
الساباط: هو ما كان يوضع في الدور في السابق – على السقف، فيوضع على الدور بحيث تكون الطرق مظللة ويكون مظللاً عن المطر نحوه.
فلو صلى في بيته أو في مسجد طريقه تحت ساباط فيجوز له الجمع.
قالوا: لأن الرخص العامة كالسفر وبيع السلم تثبت وإن انتفت المشقة أو الحرج عن شخص ما، فإن الحكم يثبت له حيث ثبت له غيره.
وهذا ظاهر في الشريعة فقد أباحت القصر في السفر، والأصل في ذلك المشقة ولو انتفت المشقة عن بعض المسافرين فإن الحكم يبقى حقاً لهم، ومثله بيع السلم فإنه إنما استثنى من البيع المحرم – لحاجة الناس إليه – ودخل في ذلك الأغنياء وغيرهم ممن ليس لهم حاجة إلى تعاطي هذه الصورة من البيع.
فمتى كانت الرخصة عامة فإن حكمها يثبت مطلقاً حتى للشخص الذي لا تقع فيه العلة التي هي باعث الحكم الشرعي، وهذا ظاهر.
قال بعض الحنابلة: لا يثبت له هذا الحكم؛ لأن الحكم علق بالمشقة والمشقة منتفية عنه فليس له أن يترخص بذلك.
والأظهر القول الأول؛ لما تقدم من أن الرخص العامة إذا ثبتت في حق عموم المكلفين فإنها تشمل كل مكلف وإن كان في شخصه قد انتفت منه العلة التي من أجلها شرع الحكم، كما في السلم والسفر ونحوه، وهو مذهب الحنابلة في المشهور عندهم.
قال: (والأفضل فعل الأرفق به من تقديم أو تأخير)
فالأفضل فعل الأرفق به من تقديم أو تأخير، وهو اختيار شيخ الإسلام.
وهو ظاهر فإن الجمع إنما شرع لنفي الحرج، وفي كونه يفعل الأرفق به تمام لرفع الحرج.
وكوننا نحدد له شيئاً من الاثنين فإن في ذلك ما ينافي تمام توسع الأمر ورفع الحرج فيه، فكان الأولى أن يقال: افعل الأرفق بك؛ لأن الحكم شرع لرفع الحرج عنه، فمتى كان الحرج رفعه أتم وأظهر فإن هذا الأفضل في حقه.
وهذا ما دلت عليه السنة في الحديث المتفق عليه المتقدم بأن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (كان إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس استمر حتى يأتي وقت الصلاة الثانية ثم ينزل فيصلي الظهر والعصر تأخيراً) ؛ لأن للمكلف أن ينزل في الصلاة الأخرى، كما إنه إذا أراد أن يسافر وقد زاغت الشمس فإن الأرفق فيه أن يصلي الصلاتين ثم يرتحل وهكذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعل.
مسألة:
اختار شيخ الإسلام وهو مذهب ابن سيرين وابن المنذر: أن الجمع جائز مطلقاً عند الحاجة إليه من غير أن يتخذ ذلك سنة وعادة.
فمتى احتاج إليه ولو كان ذلك لمصلحة دينية كاجتماع ناس لخطبة أو لأمر ما جاز ذلك من غير أن يتخذ ذلك سنة وعادة.
ودليله حديث ابن عباس: فإن فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (صلى الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً بالمدينة من غير خوف ولا سفر ولا مطر) وقال ابن عباس: (أراد ألا يحرج أمته) وهكذا كان فعله - رضي الله عنه - – فقد ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن شقيق قال: (خطبنا ابن عباس بالبصرة بعد العصر حتى غربت الشمس وبدت النجوم فقيل: الصلاة الصلاة فقال: جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء) قال عبد الله بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيء فسألت أبا هريرة فصدَّق مقالته.
وقد فعل هذا ابن عباس لمصلحة اجتماع الناس وتفرقهم وكان يخشى أن يتفرقوا عن سماع الحق الذي يريد أن يبينه، وهي مصلحة شرعية، ولعلها فيما كان يدور في الأمة من الخلاف بين أمير المؤمنين علي ومعاوية رضي الله عنهما.
فإن قيل: فلعله جمع صوري؟
فالجواب: هذا ضعيف من أوجه:
منها: أن عبد الله بن شقيق لا يمكن أن يخفى عليه جواز الجمع الصور والمراد به: أن يؤخر الصلاة إلى آخر وقتها ثم يجلس حتى إذا دخل وقت الأخرى قام فصلاها، هذا جاز بإجماع المسلمين وهو واضح لعامة الناس فضلاً عن علمائهم فيبعد أن يحيك هذا في صدر مثل عبد الله بن شقيق وهو من علماء المسلمين فدل على أنه ليس المراد من ذلك الجمع الصوري.
وكذلك ابن عباس: ما كان يحتاج تبيين ذلك والناس يعلمون أنه يجوز لهم أن يؤخروا الصلاة – أي المغرب – وإن بدت النجوم ما لم يغب الشفق.
ويدل عليه ما ثبت في النسائي بإسناد صحيح: " أنه ذكر أنه صلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة الأولى " أي الظهر " والعصر ثمان سجدات " أي ركعات " ليس بينهما شيء " أي ليس بينهما انتظار، فليس جمعاً صوري.
فإن قيل: لعل النبي - صلى الله عليه وسلم - كان مريضاً كما قال ذلك بعض أهل العلم والمرض عذر، فإنه نفى الخوف والمطر والسفر فبقى المرض؟
فالجواب: أن هذا ضعيف؛ لأن المرض عذر للشخص نفسه، وقد جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - بأصحابه، والعذر حيث كان كذلك إنما يكون مختصاً بالشخص نفسه.
إذن: ما ذهب إليه أهل هذا القول راجح لكن لا يتساهل بهذه المسألة، فقد ثبت عند سفيان الثوري في جامعه وقد ذكره شيخ الإسلام – والأثر صحيح – عن عمر قال: (الجمع بين الصلاتين لغير عذر من الكبائر) ورواه الترمذي مرفوعاً إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يصح مرفوعاً بل هو موقوف على عمر.
قال: (فإن جمع في وقت الأولى اشتراط نية الجمع عند إحرامها ولا يفرِّق بينهما إلا بمقدار إقامة ووضوء خفيف ويبطل براتبة بينهما، وأن يكون العذر موجوداً عند افتتاحهما وسلام الأولى)
هذه شروط ثلاثة لمن أراد أن يجمع جمع تقديم:
نية الجمع عند إحرامها – أي الأولى –.
الموالاة.
أن يكون العذر موجوداً عند افتتاح الأولى والثانية وسلام الأولى.
فالشرط الأول: (اشتراط نية الجمع عند إحرامها) :
فيجب إذا كبر للأولى أن ينوي الجمع، فلو لم يفعل، كأن ينزل المطر مثلاً وهو يصلي المغرب فلا يصح الجمع؛ لأنه يشترط أن يكون قد نوى الجمع عند افتتاح الأولى وهو لم ينوه.
وذهب الحنابلة في الوجه الثاني عندهم وهو اختيار شيخ الإسلام: إلى أن نية الجمع ليست بشرط، وأن هذا القول لا دليل عليه – كما قال شيخ الإسلام – ومثل هذا ينبغي أن يشتهر عنه حيث كان شرطاً، وترك البيان عند الحاجة إليه لا يجوز وهو ممتنع في الشريعة، فيمتنع أن تكون النية للجمع شرطاً ولم يبين النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك لأمته فلا ينقل ذلك عنه لا بإسناد صحيح ولا حسن، ولم يثبت ذلك عن أحد من أصحابه.
وهذا القول هو الراجح – وأن نية الجمع ليست بشرط لأنه لا دليل على ذلك – فهذا الشرط غير صحيح.
الثاني: (ولا يفرق بينهما)
فالموالاة واجبة قالوا: لأن لفظ الجمع يقتضي الموالاة وعدم المفارقة، والاتصال، فوجب أن تكون الصلاتان متصلتين ببعضهما وهذا هو فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلواته التي جمع فيها.
وعن الإمام أحمد: أن ذلك ليس بشرط، وهو اختيار شيخ الإسلام،وهو القول الراجح.
لأن فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - على وجه الموالاة لا يقتضي الإيجاب.
وأما كونهما يثبت فيهما الجمع، فإن الجمع لا يقتضي إلا الجمع بينهما في الوقت نفسه، فالمراد من قولنا: جمع أن كليهما صليا في وقت إحداهما، وهذا هو الجمع المقصود من صلاة الصلاتين في وقت إحداهما.
وأما كونهما يتصلان أو يفترقان فإن هذا لا يقتضيه لفظ الجمع.
وفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يدل على الاستحباب ولا معنى يقتضي إيجاب ذلك.
وهذا القول الراجح وأنه ليس بشرط.
وعلى المذهب: إذا حدث بينهما فارق: فإما أن يكون يسيراً عرفاً أو كثيراً عرفاً.
فإن كان يسيراً عرفاً لم يضر، ومثّل له بإقامة ووضوء خفيف.
وإن كان كثيراً ضر، ومثّل له بصلاة راتبة بينهما.
فإذن: الفارق مرجعه إلى العرف فإن كان كثيراً فإنه يضر ولا يصح الجمع، بل ينتظر ويصلي الصلاة في وقتها.
أما الشرط الثالث فقال: (وأن يكون العذر موجوداً) العذر كالمطر ونحوه (عند افتتاحهما) أي الأولى والثانية (وسلام الأولى) :
ونازع في قوله: (وسلام الأولى) ابن عقيل من الحنابلة وقال: " هذا لا أثر له "، وهذا هو الظاهر.
فإنه لا أثر له فكون المطر يستمر نازلاً عند افتتاح الأولى فهذا لنية الجمع كما تقدم، وعند افتتاح الثانية فهذا لإثبات العذر في إجازة الجمع.
أما قضية سلام الأولى فإن هذا غير مؤثر وهو كما قال.
ويقول: كذلك افتتاح الأولى، فإنه إنما اشترط وجود العذر عند افتتاح الأولى لاشتراط نية الجمع، وتقدم أن نية الجمع ليست بشرط وعليه فلا يشترط ذلك، فلو لم ينزل المطر إلا بعد سلامهم من المغرب – مثلاً – فإنه يجوز لهم الجمع خلافاً للمشهور من المذهب، لأن اشتراط العذر في الصلاة الأولى هذا لا أثر له، فالصلاة الأولى إنما صليت في وقتها والعذر إنما هو للصلاة الثانية لتضم إلى الصلاة الأولى لوجود العذر، ولا أثر للصلاة الأولى مطلقاً لا في افتتاحها ولا سلامها.
قال: (وإن جمع في وقت الثانية اشترط نية الجمع في وقت الأولى)
هذه شروط جمع التأخير.
قال: (اشتراط نية الجمع في وقت الأولى) هذا شرط صحيح ظاهر؛ لأنه إن لم ينو الجمع في وقت الأولى، فإن ذلك يكون من باب القضاء.
رجل في سفر فدخل عليه وقت صلاة الظهر حتى خرج وقتها ولم ينو الجمع فدخل وقت الثانية فإن هذا لا يكون من باب الجمع لأن هذا التأخير منه لغير نية الجمع وحينئذ يكون ذلك من باب القضاء لا الأداء، فإنه مفرط في إخراج الصلاة عن وقتها من غير أن ينوي الجمع تأخيراً شرعياً؛ لأن الواجب عليه أن يصلي الصلاة في وقتها، وحيث صلاها خارج وقتها فهذا من باب القضاء وليس له عذر في أن يؤخرها عن وقتها إلا إذا كان ناوياً الجمع، فإن نوى جاز له ذلك.
قال: (إن لم يضق عن فعلها)
لأنه إذا أخرها ولم ينو الجمع حتى ضاق وقتها عنها فإنه قد فعل أمراً محرماً، وقد تقدم البحث في هذه المسألة.
قال: (واستمرار العذر إلى دخول وقت الثانية)
هذا هو الشرط الثاني: وهو استمرار العذر إلى دخول وقت الثانية.