شرح زاد المستقنع للحمدصفحات 145-184
أهل الأثرالأرشيف العلمي

إذن: من ترك الوضوء وهو قادر على أن يتوضأ فالماء قريب إليه لكنه نسي ذلك وتيمم فإنه يجب عليه أن يعيد كما لو نسي الوضوء فيجب عليه أن يعيد.

قوله: (وإن نوى بتيممه أحداثاً) أي نوى بتيممه أحداثاً كأن ينوي إباحة الصلاة – على القول بأنه مبيح – وحدث النوم وحدث أكل لحم الجزور وغيرها فينوي عدة من الأحداث فإنه يجزئ عنه.
أو نوى حدثاً واحداً منها كأن يتيمم عن أكل لحم الجزور أو النوم ولم ينو دخول شيء من الأحداث، فكذلك يجزئ عنه؛ لأن حكمها واحد وهو إيجاب الوضوء أو الغسل.
فلو أن رجلاً تيمم عن أكل لحم الجزور فكما لو توضأ عنه، وقد تقدم أنه إذا توضأ عن حدث من الأحداث ولم ينو غيره ولم ينفيه 1 فإنه يثبت له ما يثبت للمتوضئ عن الأحداث كلها، ولأن التيمم بدل عن الوضوء والبدل له حكم المبدل.

قوله: (أو نجاسة على بدنه تضره إزالتها أو عدم ما يزيلها) بمعنى: عليه نجاسة لا يمكنه أن يزيلها أو عجز أن يزيلها فما الحكم؟ كأن يكون عليه دم على بدنه – وقلنا إن الدم نجس – ولا يمكنه أن يزيله، أو أن عليه نجاسة يمكنه أن يزيلها ولا ضرر عليه في إزالتها لكنه عادم للماء الذي تزول به النجاسة، فما الحكم حينئذ؟ قال: تيمم، وقيَّد ذلك بالبدن، أما التيمم عن النجاسات الواقعة على الثياب أو البقاع فإنه لا يجزئ التيمم فيها وهذا من مفردات مذهب أحمد.
فمذهب الحنابلة: إذا كان على بدنه نجاسة لا يمكنه أن يزيلها إما لعدم الماء أو للضرر بإزالتها فإنه يتيمم ما دامت النجاسة على البدن.
أما إذا كانت على الثوب أو البقعة فإنه لا يتيمم عنها.
قياساً على التيمم عن الحدث الأصغر والحدث الأكبر الواقعين على البدن.
لكن هذا القياس ضعيف؛ للفارق بين الأصل والفرع؛ ذلك: لأن الحدث الأكبر والحدث الأصغر معنويان، وأما الخبث أو النجاسة فهي حسية.

فكون الشارع أجاز لنا أن نتيمم عن الجنابة وهي حدث أكبر أو عن أكل لحم الجزور – مثلاً – وهو حدث أصغر، فإن هذا الحدث معنوي، وأما النجاسة فهي خبث حسي.
الأمر الآخر: أن إزالة النجاسة لا تشترط فيها النية، وأما رفع الحدث فيشترط فيه النية.
فعلى ذلك ثبت لنا فوارق بينهما، وإذا ثبتـ[ـت] الفوارق، فلا قياس صحيح.
وهذا هو المذهب الصحيح وهو اختيار شيخ الإسلام وغيره من المحققين.
فالراجح: أن التيمم عن النجاسة لا يجزئ، بل إذا كان على بدنه نجاسة ولم يمكنه أن يزيلها فإنه يصلي على حسب حاله ولا بدل عن إزالتها، فالتيمم ليس بدلاً عن إزالة النجاسة، وإنما هو بدل عن رفع الحدث الأصغر أو الأكبر.
إذا ثبت لنا هذا: فإذا وقع على رجل نجاسة وهو محدث حدثاً أصغر وعنده ماء يكفي لإحدى الطهارتين، إما أن يغسل هذه النجاسة وإما أن يتوضأ، ولا يكفي الطهارتين كلتيهما فما الحكم؟ الجواب: أنه يزيل النجاسة بالماء، ويتيمم عن الحدث؛ ذلك: لأن إزالة النجاسة لا بدل لها، وأما رفع الحدث بالوضوء أو الغسل فإن بدله التيمم.

قوله: (أو خاف برداً) خاف برداً فتيمم سواء كان في حضر أو سفر، فخشي على نفسه فإنه حينئذٍ يتيمم.

قوله: (أو حبس في مصر) أي: في 1 حصر في مدينة من المدن الحاضرة فحبس فيها فيتيمم لعدم الماء، فهو حاضر وليس بمسافر ويتيمم لعدم وجود الماء بسبب هذا الحبس فقد حبس عنه الماء.

قوله: (أو عدم الماء والتراب) بمعنى: كان في موضع من المواضع لا يمكنه أن يتوضأ ولا أن يتيمم، لا يمكنه أن يغتسل ولا أن يتيمم، وهو عادم للماء والتراب كليهما فإنه يصلي.

قال: (ولم يعد) في هذه المسائل كلها.
يعني: رجل نوى بتيممه أحداثاً أو نجاسة على بدنه يضره إزالتها أو عدم ما يزيلها فإنه يصلي ولا يعيد.

أو خاف برداً فإنه يتيمم ويصلي ولا يعيد أو حبس في مصر فتيمم أو عدم الماء والتراب فإنه يصلي ولا يعيد ودليل هذه المسائل كلها: قوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ (1) وحديث: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) (2) . وما دام أنه فعل ما أمر به فإنه يخرج من عهدته ويحتاج إيجاب القضاء إلى دليل آخر ولا دليل على ذلك.
وما دام أنه فعله فالأصل أنه يجزئ عنه إلا أن يأتي دليل يدل على خلاف ذلك ولا دليل.
إذن: القاعدة: أن من تيمم أو ترك الوضوء والتيمم جميعاً سواء كانت الحال التي تيمم بها أو الحال التي ترك فيها الوضوء والتيمم جميعاً، سواء كانت هذه الحال حالاً نادرة أو حالاً كثيرة، فإنه يجزئ عنه تيممه أو تجزئ عنه صلاته التي ترك فيها الوضوء والتيمم ولا يجب عليه الإعادة.
فإن قيل: إن الله عز وجل قال: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر ... ….﴾ الآية.
فهنا قوله تعالى: ﴿على سفر﴾ أليس يخرج الحضر.
فالجواب على ذلك: أن هذا التقييد إنما هو تقييد للحال الغالبة.
لأن الحال الغالبة لإعواز الماء وفقده إنما يكون في السفر دون الحضر فإنه يندر أن يفقد فيه الماء.
لقوله تعالى: ﴿وربائبكم اللاتي في حجوركم﴾ 1 الآية.
وهذا مذهب جمهور أهل العلم.
والحمد لله رب العالمين الدرس السابع والثلاثون (يوم الاثنين: 19 / 12 / 1414 هـ)

قال المؤلف - رحمه الله تعالى: (ويجب التيمم بتراب طهور غير محترق له غبار)

" ويجب التيمم بتراب ": لقوله صلى الله عليه وسلم – فيما رواه مسلم -: (وجعلت تربتها لنا طهوراً) وقد قال صلى الله عليه وسلم: (وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) 1 وهنا في رواية لمسلم:: (وجعلت تربتها لنا طهوراً) (2) . قالوا: فدل هذا على أن التيمم إنما يشرع بالتراب من الأرض دون غير التراب الرمل، والسبخة – وهي الأرض المالحة التي لا تنبت – أو الأرض الطينية ونحو ذلك فإنه لا يصح التيمم بها.
وأما التراب فإنه هو الذي يتيمم به أما غيره كالرمل والسبخة وغيرها مما هو على وجه الأرض – فإنه لا يصح التيمم به – لقوله صلى الله عليه وسلم: (وجعلت تربتها لنا طهوراً) . قوله: (له غبار) : بمعنى: يكون تراباً ليس تراباً ندياً وهو التراب الذي ليس فيه غبار بل لابد أن يكون التراب ذا غبار، فإن لم يكن فيه غبار فلا يجوز التيمم به.
واستدلوا - على ذلك -: بقوله تعالى: ﴿فامسحوا بوجهكم وأيديكم منه﴾ 2 وقالوا: " من " تبعيضة أي لابد وأن يعلق بعض التراب وهو غباره، لابد وأن يصيب وجوهكم وأيديكم، وإذا كان التراب لا غبار له فإنه لا يعلق منه شيء في الوجه ولا اليدين.
هذا تقرير مذهب الحنابلة.

  • وذهب بعض أهل العلم إلى: أنه يجزئ بكل ما صعد على وجه الأرض من تراب ورمل وسبخة ونحو ذلك مما يصعد على الأرض مما هو من جنس الأرض أما ما لم يكن من جنسها كعشب أو جبل أو نحو ذلك فلا.

أما ما كان من جنس الأرض فإنه يجزئ التيمم به، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وغيرهما من المحققين.
واستدلوا: بقوله تعالى: ﴿فتيمموا صعيداً طيباً﴾ (1) . قالوا: والصعيد هو ما صعد على وجه الأرض وقال صلى الله عليه وسلم: (وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) وفي رواية لأحمد: (وجعلت لي الأرض كلها مسجداً وطهوراً) 1 . قالوا: والنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا في سفراتهم وغزواتهم لم ينقل عنهم أنهم كانوا يحملون التراب وكانوا يمرون بالأراضي الطويلة من الرمال والسبخة ونحو ذلك ولم يكونوا يحملون من الماء ما يكفيهم ولم ينقل عنهم أنهم كانوا يحملون التراب، فهذا ظاهر في أنهم كانوا يتيممون بما يمرون عليه من الأراضي.
وقد قال صلى الله عليه وسلم: (أيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فعنده مسجده وطهوره) 2 وهذا – كذلك – ظاهر أن من بالأراضي السبخة أو الطينية أو الرملية أو غيرها فإنه يدخل في عموم هذا الحديث وهذه الأرض طهور له.

وأجابوا - على الحنابلة في استدلالهم بقوله: (وجعلت تربتها لنا طهوراً) –: بأن ذكر فرد من أفراد العموم بحكمه لا يفيد تخصيصاً، وهذه قاعدة ذكرها جمهور الأصوليين من أن ذكر فرد من أفراد العام لا يعد تخصيصاً، وهنا قد ذكر التراب، والتراب فرد من أفراد ما يكون على وجه الأرض من الصعيد، فذكره لا يفيد التخصيص، وإنما ذكر لكونه هو الغالب كما أن قوله: (وجعلت تربتها لنا طهوراً) : هنا قد سيق في مساق الامتنان، وما كان كذلك فإنه لا يفهم منه مفهوم مخالفة فلا يفهم منه أن ما سوى التراب لا يتيمم به.
إذاً: الصحيح أن كل ما كان على وجه الأرض مما هو من جنس الأرض، فإنه يتيمم به.
وأما الجواب: على الاستدلال بالآية: ﴿فامسحوا بوجهكم وأيديكم منه﴾ (1) فالجواب: أن (مِنْ) هنا لابتداء الغاية وليست تبعيضية، أي: ابتدؤا فعل التيمم من الصعيد بأن تضرب بيديك على الأرض، كما يقال: سافر من البلدة الفلانية إلى الأخرى، فإن (من) هنا ابتدائية، ومنه قوله تعالى: ﴿وروح منه﴾ (2) أي روح مبتدأة من الله عز وجل.
والظاهر أن (من) هنا ابتدائية لا تبعيضية؛ لأن الله عز وجل قال بعد ذلك: ﴿ما يريد ليجعل عليكم في الدين من حرج﴾ 1 . فهنا نفى الحرج، وقدمه بـ"من" التي تفيد التنصيص على العموم، فلفظة (حرج) وقعت نكرة في سياق النفي فتفيد العموم، وقدم عليها لفظة (من) التي تفيد التنصيص على العموم.
أي: أن الله إنما شرع التيمم على الصعيد الطيب لئلا يجعل عليكم أي حرج كان، ولا شك أن إيجاء التراب دون غيره فيه حرج؛ لأن كثيراً من الأراضي تكون سبخة أو رملية أو طينية، فإيجاب التراب يكون فيه حرج ومشقة لذا الراجح أن (من) هنا ابتدائية.

  • وذكر الحنابلة: أنه إذا كان على الثوب والفراش ونحوهما إذا ضربتهما فخرج منهما غبار فإنه يجزئ التيمم فيهما.

وكما قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: " في النفس من هذا شيء "؛ ذلك لأن هذا ليس من الصعيد الطيب، فإن هذا ثوب أو فراش أو حصر أو نحو ذلك وليس من الصعيد الطيب الذي أمرنا الله بالتيمم به.
قوله: (طهور) : لا نجس، لقوله تعالى: ﴿صعيداً طيباً﴾ ، أما الصعيد النجس فلا يجوز التيمم به، فيشترط أن يكون الصعيد طيباً أي طهوراً ليس بنجس.
قوله: (غير محترق) فإن كان محترقاً كما يكون في الخزف ونحوه من إحراق التراب، فإنه لا يجزئ التيمم به، ذلك لأن هذا التراب قد تغير بسبب إحراقه بالنار، فلم يبق كهيئته السابق.
وقيل بجوازه – كما ذكر ذلك صاحب الإنصاف –. والأظهر ما ذكره الحنابلة من أنه لا يجزئ أن يتيمم به لتغير مسماه، فقد تغير مسماه من تراب إلى خزف أو نحو ذلك، إلا إذا كان قد احترق احتراقاً لا يغير مسماه فإنه يجزئ أن يتيمم به.
قوله: (وفروضه: مسح وجهه ويديه إلى كوعيه وكذا الترتيب والموالاة بينهما في حدث أصغر) قوله: " كوعيه " هو العظم الناتئ المقابل للإبهام أي إلى الرسغ.
فعليه أن يمسح كفيه، ولا يشرع له أن يمسح العضد أو الذراع، وإنما يكتفي بمسح اليدين إلى الرسغ (الكوع) . قوله: (مسح وجهه) : أي كل وجهه، ويستثنى من ذلك الفم والأنف.
وقد تقدم أن الراجح أن الفم والأنف ليسا من الوجه.
وأما الحنابلة فذكروا دليل استثنائهم: تقذر الفم والأنف بذلك.
والدليل الواضح أن الفم والأنف - أي داخل الفم والأنف - ليس من الوجه، أما الظاهر فيجب أن يمسحه.

إذن: يمسح وجهه ويديه إلى كوعيه لقوله تعالى: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ (1) واليد إذا أطلقت في كتاب الله فإنها تقيد إلى الرسغ، كما قال تعالى في السارق والسارقة: ﴿فاقطعوا أيديهما﴾ (2) وكان ذلك إلى الرسغ وهذه هي القاعدة الشرعية وأن اليد إذا أطلقت في الأدلة الشرعية فإنها تقيد إلى الرسغ كما قرر هذا أهل العلم.
وهنا كذلك، وقد ورد في السنة ما يدل عليه وهو ما ثبت في الصحيحين من حديث عمار بن ياسر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما يكفيك أن تفعل هكذا وضرب بيديه الأرض ضربة واحدة ومسح الشمال باليمين وظاهر كفيه ووجهه) (3) فعلى ذلك إنما يمسح في التيمم اليدين إلى الرسغ دون بقية اليد.
ومن فروضه – أيضاً – التسمية عند فقهاء الحنابلة – كما تقدم عند الكلام على فرضية التسمية عند الوضوء.
قوله: (وكذا الترتيب والموالاة في حدث أصغر) أما الحدث الأكبر فلا يجب فيه هذا.
إذن: يجب الترتيب والموالاة في الحدث الأصغر، أما التيمم عن الحدث الأكبر فلا يشترط فيه الترتيب ولا الموالاة.
أما عدم وجوب الترتيب: فقالوا: لأن التيمم فرع عن الغسل ولا يجب في الغسل الترتيب.

فإذا: ثبت أنه لا يجب في الغسل الترتيب فكذلك لا يجب في التيمم الذي هو فرعه.
وأما الموالاة: فالظاهر وجوبها لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما وُصف لنا غسله فإنه كان فيه الموالاة، وهذا بيان مجمل في القرآن.
فيجب الموالاة في الغسل وهو الحكم الأصلي، وكذلك يجب في التيمم عن الحدث الأكبر القائم مقام الغسل.
أما وجوب الترتيب والموالاة في الحدث الأصغر؛ فقالوا: لأن الترتيب والموالاة واجبان في الوضوء وهو أصل التيمم هنا فوجب كذلك في فرعه وهو التيمم.
والتفريق بين التيممين محل نظر، فالظاهر أن التيمم عن الغسل وعن الوضوء أن حكمهما واحد لأن صفته واحدة وهي طهارة كاملة تنوب عن الاثنين ولها صفتها المنفردة عنهما.
فالأظهر أن ما يجب من الأحكام في التيمم من الحدث الأصغر 1 واجب كذلك في الحدث الأصغر، فالأظهر أن حكمهما واحد.
ومع ذلك: فالراجح أن التيمم لا يجب فيه الترتيب كما هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية سواء كان التيمم عن الحدث الأكبر أو الحدث الأصغر فإنه لا يجب فيه الترتيب.
وأما الموالاة فإنها واجبة لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما تيمم وفسر بفعله مجمل القرآن تيمم موالياً فكان الواجب أن يكون التيمم على هيئة الموالاة، والموالاة تقدم الخلاف في ضابطها وهنا: لو تأخر عن مسح العضو الآخر فإن الغبار ليس فيه جفاف فإنه يقيد بالماء أي لو أن ذلك كان بماء فجف الماء بزمن معتدل، أما إذا لم يجف فلا تبطل الموالاة.
وتقدم أن الراجح في ضابط الموالاة وهو ألا يكون بين غسل الأعضاء فاصل طويل عرفاً، فالأمر في التيمم كذلك، فإذا مسح وجهه بالتراب ثم مكث زمناً طويلاً عرفاً ثم مسح يديه فإن التيمم يبطل وأما إن كان يسيراً فإن التيمم لا يبطل.

وأما الترتيب فالراجح عدم وجوبه وهو اختيار شيخ الإسلام ذلك، لأن الله قال: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ وقد قال صلى الله عليه وسلم: (ابدؤا بما بدأ الله به) 1 معنى ذلك أن التيمم يمسح الوجه أولاً ثم يمسح اليدين.
وثبت في السنة الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح يديه أولاً ثم مسح وجهه مما يدل على أن هذا الترتيب ليس بواجب، وذلك فيما رواه البخاري وأبو داود وغيرهما، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم: (ضرب بكفيه الأرض ومسح شماله بيمينه ويمينه بشماله ثم مسح وجهه) 2 و (ثم) تفيد الترتيب.
فعلى ذلك الترتيب ليس بواجب وهذا مذهب شيخ الإسلام وهو الحق وهو مذهب المالكية والأحناف.
فعلى ذلك: التيمم تجب فيه الموالاة سواء كان من حدث أكبر أو أصغر، وأما الترتيب فلا يجب على الراجح.

قوله: (وتشترط النية) لقوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) 3 وهذا مما اتفق عليه أهل العلم.
(وتشترط النية لما تيمم له من حدث أو غيره) المراد بقوله: (أو غيره) النجاسة.
وقد تقدم تقيده بالنجاسة البدنية.
فعلى ذلك ينوي استباحة الصلاة أو نحو ذلك من العبادات فينوي استباحتها بالتيمم عن الحدث الفلاني أو عن الأحداث الفلانية أو عن النجاسة البدنية على القول بها.
وما يذكره المؤلف هنا: بناءً على ما ذهب إليه الحنابلة من أن التيمم مبيح لا رافع.
وإذا قلنا بأن التيمم رافع وهو الراجح، فإن المسائل التي تقدم في النية في باب الوضوء تثبت للتيمم؛ لأنه بدل عنه، فكل ما تقدم من المسائل في النية في الوضوء هي ثابتة للتيمم لأنه فرع عنه.

أما إذا قلنا إنه مبيح فهنا: هذه المسائل عليه أولاً: ألا ينوي رفع الحدث؛ لأنه متى نوى رفع الحدث فإنه لا يجزئ عنه لأنه ليس رافع بل هو مبيح.
وعلى الراجح إذا نوى رفع الحدث فإنه يجزئ عنه.
قوله: (فإن نوى أحدهما لم يجزئه عن الآخر) . إذا تيمم عن الحدث الأصغر فهل يجزئ عنه عن الحدث الأكبر؟ الجواب: لا يجزئ عنه؛ لأن الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى، فمتى نوى أن يرتفع حدثه الأصغر وكانت عليه جنابة نسيها فإن هذه الجنابة لا ترتفع بهذه النية، كما تقدم فيمن توضأ وعليه جنابة فإنه لا يجزئ عنه عن الغسل.
والعكس كذلك – عند الحنابلة – فلو نوى أن هذا التيمم للحدث الأكبر ولم ينوه عن الحدث الأصغر فإنه لا يجزئ عنه، وقد تقدم ترجيح أن من اغتسل ولم ينو رفع الحدث الأصغر فإنه يرتفع عنه على القول الراجح.
فإذن: لو أن رجلاً عليه جنابة فتيمم عنها فإنه يجزئ عن الحدث الأصغر من غير أن ينويه لقوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنباً فاطهروا﴾ وقد تقدم أن الغسل طهارة وقد أمر الله المجنبين بالغسل للصلاة فمتى اغتسلوا حلت لهم الصلاة وإن لم يتوضؤوا وأن لم ينووا الوضوء فكذلك هنا.
أما إذا تيمم بنية رفع الحدثين الأصغر والأكبر فإنه يجزئ قولاً واحداً.
إذن: إذا نوى رفع الحدث الأصغر دون الحدث الأكبر فإنه لا يجزئ عنه، وأما إذا نوى رفع الحدث الأكبر " وهذه الألفاظ على القول الراجح " فإنه يجزئ عنه عن الحدث الأصغر على القول الراجح.
وعلى قولي العلماء: يجزئ عنه إذا نوى الحدثين بلا استباحة.
قوله: (وإن نوى نفلاً أو أطلق لم يصل به فرضاً) بمعنى: رجل تيمم للسنة القبلية للظهر أو لسنة الضحى أو نحو ذلك، فتيممه لنفل لا لفرض.
أو أطلق: بأن قال: أتيمم لاستباحة الصلاة هكذا أطلق من غير أن يعين بقلبه أن تكون الصلاة فريضة، والواجب عندهم التعين لأن التيمم مبيح فوجب التعين.

(لم يصل فرضاً) : رجل تيمم لسنة الضحى فتذكر صلاة فائتة من الفرائض فهل يجوز له أن يصلي هذه الصلاة بهذا التيمم؟ الجواب: لا يجوز له ذلك.
ذلك لأن ما نواه نفل أو صلاة لم تعين، فإذا كان كذلك فلا يجزئ عنه أن يصلي ما هو أعلى منها لأنها لا تتضمن ما هو أعلى منها.
والقاعدة عند المذهب في هذه المسألة وما يأتي بعدها: " أنه إذا نوى استباحة شيء مما تشترط الطهارة له سواء كان نفلاً أو فرضاً إذا نواه فإنه يفعله ويفعل ما يساويه وما هو دونه ولا يفعل ما هو أعلى منه " … فإذا نوى استباحة صلاة تطوع فإنه لا يصلي به صلاة فرض وله أن يفعل ما هو تطوع كأن يمس المصحف أو ما هو دون ذلك كدخول المسجد ونحوه.
وعليه: إذا تيمم لصلاة فرض فإنه يصلي بها الفائتة ويصلي ما دونها كالنفل وله أن يمس المصحف ونحو ذلك وهذا كله على أن التيمم مبيح، والراجح أنه رافع – كما تقدم –. فعلى الراجح: متى نوى ما لا تصح العبادة إلا به فإنه يجزئ كما تقدم هذا في الوضوء.
فمثلاً: رجل نوى بتيممه مس المصحف، فالرجل لا يجوز له مس المصحف إلا بوضوء، فله أن يتطوع ما شاء ويصلي ما شاء من الفرائض؛ ذلك لأن هذا وضوء شرعي مفترض لمن أراد أن يفعل هذه العبادة.
بخلاف الوضوء المستحب، فلو أنه تيمم استحباباً كأن يكون أراد أن ينام فلم يجد ماء فتيمم فهذا التيمم مستحب للنوم وليس مفترضاً فعلى ذلك لا يجوز أن يصلي في هذا التيمم.
إذن على الراجح: جميع ما تقدم من المسائل في نية الوضوء هي ثابتة في نية التيمم لا فرق في ذلك؛ لأن التيمم بدل عنه والبدل له حكم المبدل إلا أن يدل دليل على خروج شيء من مسائله ولا دليل على خروج شيء من ذلك.
قوله: (وإن نواه صلى كل وقته فروضاً ونفلاً 1) (إن نواه) : أي نوى الفرض، فيفعل الفرض وما يساويه من الفرائض وما هو دونه.

وهنا على المذهب: لو أن رجلاً تيمم لتطوع فهل يجزئه أن يطوف به في البيت؟ الجواب: يجزئ عنه على المذهب.
قالوا: لأن الطواف بالبيت شرط الطهارة فيه مختلف فيه، فلما اختلف فيها أصبح كقوة ذلك في التطوع.
مسألة: الإمام أحمد استحب حمل التراب في الأراضي التي لا يكون فيها تراب.
واختار شيخ الإسلام خلاف ذلك وأن هذا مكروه، وهذا هو الراجح، واستظهره صاحب الفروع وصوبه في الإنصاف؛ إذ لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه ولا عن أحد من السلف فعل ذلك وهذا هو الراجح.
فإذا كانت أرض ليس فيها تراب، كأن يكون في أرض فيها فرش أو غير ذلك مما تتبلط به الأرض فأدركته الصلاة وليس معه ماء ولا يمكنه أن يخرج من هذا الموضع ليتيمم في غيره، كأن يكون مريضاً لا يمكنه الخروج ولا يمكنه إحضار التراب وليس هناك من يحضره له فإنه يصلي على حسب حاله لقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ . وعند الحنابلة لو كان في أرض رملية أو سبخة فإنه يصلي بلا وضوء ولا تيمم؛ لأن هذه هي قدرته ولا يجزئ إلا التراب وتقدم ذكر الراجح.
والحمد لله رب العالمين.

الدرس الثامن والثلاثون (يوم الثلاثاء: 2 / 12 / 1414 هـ)

قال المؤلف رحمه الله: (ويبطل التيمم بخروج الوقت) هذا شروع من المؤلف بمبطلات التيمم أي نواقضه.
(ويبطل التيمم بخروج الوقت) : للتعليل المتقدم وهو أن التيمم مبيح لا رافع، وما دام مبيحاً فإن الطهارة طهارة ضرورة، وطهارة الضرورة تنتهي بخروج الوقت كطهارة من به حدث متجدد كاستحاضة ونحوها، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (توضئي لكل صلاة) 1 . لكن الراجح أن التيمم لا يبطل بخروج الوقت؛ لأن التيمم رافع لا مبيح كما هو الصحيح من قولي العلماء، فهو رافع وما دام رافعاً فإن له حكم الوضوء أو حكم الغسل فلا يبطل بمبطلات الوضوء أو الغسل أو بوجود الماء.

إذن: لا يبطل التيمم على الراجح بخروج الوقت وهذا مذهب أبي حنيفة واختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وهو رواية عن الإمام أحمد.
قال: (وبوجود الماء) لقوله صلى الله عليه وسلم: (فإذا وجد الماء فليمسه بشرته) 1 وهذا بإجماع العلماء، وأن التيمم في الجملة ينتقض بوجود الماء.
ومثل ذلك: ذهاب العذر المبيح للتيمم، فإذا تيمم لمرض فبرأ فيجب عليه أن يمس الماء بشرته كما لو كان عادماً للماء.
إذن: يبطل التيمم بوجود الماء أو بزوال العذر المبيح للتيمم، كأن يتيمم عن الجنابة في ليلة باردة فيجب عليه أن يغتسل إذا ذهب العذر.
… قال: (وبمبطلات الوضوء) وكذا الغسل، فمبطلات الوضوء أو الغسل تبطل التيمم؛ ذلك لأن التيمم بدل عنهما والبدل له حكم المبدل، فهذه نواقض تبطل المبدل فكذلك تبطل بدله.
قال: (أو بوجود الماء ولو في الصلاة) لذا تقدم في التقرير السابق أن هذا – أي بطلان التيمم بوجود الماء – أن هذا في الجملة.
وهذا له صور: الصورة الأولى: أن يوجد الماء قبل الصلاة.
مثال: رجل أذن الظهر وهو عادم للماء فتيمم ولم يصل بعد ثم وجد الماء قبل الصلاة، فتيممه ينتقض وعليه أن يتوضأ لهذه الصلاة.
الصورة الثانية: أن يوجد الماء بعد الصلاة، فلا يخلو من حالتين:

  • الحالة الأولى: أن يكون هذا بعد خروج الوقت.
    مثال: رجل تيمم لصلاة الظهر وصلاها ثم وجد الماء بعد خروج الوقت.
  • الحالة الثانية: أن يوجد قبل خروج الوقت.
    ففي هاتين الصورتين الصلاة صحيحة باتفاق العلماء، وأما التيمم فهو باطل، ويجب عليه أن يمس الماء بشرته بغسل أو وضوء ولكن الصلاة صحيحة باتفاق العلماء.
    الصورة الثالثة: أن يوجد الماء أثناء الصلاة.
    قال المؤلف: (ولو في الصلاة) ولفظة (ولو) إشارة إلى خلاف:

1- فمذهب الحنابلة: أن الصلاة تبطل ويجب عليه أن يتوضأ؛ قالوا: لأنه بمجرد حضور الماء يبطل التيمم وهو في الصلاة فحينئذ إذا بطل التيمم تبطل الصلاة أيضاً – فحينئذ – يجب عليه أن يتوضأ ويستأنف الصلاة.
إذن: دليلهم ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: (فإذا وجد الماء فليمسه بشرته) وهذا في الصلاة وفي غيرها.
وقالوا: من التناقض أن يجعله مبطلاً في خارج الصلاة وليس مبطلاً فيها.
2- وذهب المالكية والشافعية: إلى أن التيمم لا ينتقض إذا وجد الماء في الصلاة.
واستدلوا: بدليل وتعليل: أما الدليل: فهو قوله تعالى: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ 1 قالوا: وفي ذلك إبطال للعمل.
ولكن هذا الاستدلال بها ضعيف؛ ذلك لأن المبطل هو الله أي الشارع، فالتيمم عند وجود الماء يبطل، والذي أبطله ليس المكلف بل هو الله عز وجل.
وأما الآية: ﴿ولا تبطلوا أعمالكم﴾ أي بسوء تصرف منكم إما برياء أو بمنٍّ في الصدقات أو نحو ذلك مما يبطل العمل ويحبطه، وهذا من فعل المكلف فإن النهي هنا موجه للمكلف.
أما كون الصلاة تبطل بوجدان الماء فإن هذا ليس من حكم المكلف ولا من تصرفه بل هو حكم الله.
وبهذا يتبين ضعف الاستدلال بهذه الآية.
وأما التعليل: فإنهم قالوا: إن من لم يجد رقبة في كفارة القتل فإنه يفعل بدلها وهو صيام شهرين متتابعين، فإذا شرع في هذا الصيام ثم أمكنه أن يعتق الرقبة فإنه لا يجب عليه أن يعتقها بل يستمر في صيامه، قالوا: فكذلك هنا.
وهذا التعليل ضعيف؛ ذلك لأن التيمم هو بدل الوضوء أو الغسل وليست الصلاة، ونحن وإياكم متفقون على أنه لو وجد الماء وهو يتيمم أو بعد أن تيمم وقبل أن يصلي فإن تيممه بطل وهنا قد شرع بالبدل بل قد انتهى منه.

ثم إن الشارع لم يأمر من شرع بالصيام بعتق الرقبة مع تجدد الغنى وإمكان العتق لما في ذلك من المشقة وقد شرع في الصيام وفي ذلك مشقة فلم يوجب عليه الشارع أن يعود إلى الرقبة فيعتقها وقد شرع في صوم شاق عليه.
إذن: الراجح: مذهب الحنابلة من إنه إذا وجدا الماء في الصلاة فإن التيمم يبطل بذلك وعليه أن يتوضأ ويستأنف الصلاة.
إذن: تبقي عندنا قاعدة واضحة وهي: " أنه متى ما وجد الماء بطل التيمم ". فإذا كان لم يصل بعد فيجب أن يعد تيممه فيصلي.
وأما إذا كان قد صلى فإن صلاته صحيحة فإنه أداها على ما أمره الله عز وجل به، وسواء كان ذلك في الوقت أو بعده، وكذلك إذا وجده في الصلاة.
فعلى ذلك تكون القاعدة منضبطة وأنه متى وجد الماء فإن التيمم يبطل.
ومعلوم أن بطلان التيمم بعد العبادة كبطلان الوضوء بعد فعلها، فتبقى العبادة صحيحة ويكون الوضوء منتقضاً.
قال: (والتيمم آخر الوقت لراجي الماء أولى) التيمم آخر الوقت أولى إذا كان يرجو وجود الماء.
بمعنى: رجل أدركته صلاة الظهر ولم يجد ماءً يتوضأ به، ويقول: أنا أرجو أن أجد الماء بعد حين من الزمن قبل خروج الوقت، فنقول له: الأولى لك أن تؤخر صلاتك إلى أن يحضر الماء فتوضأ به أو تغتسل.
وأولى من ذلك إذا كان يتيقن وجود الماء مثال ذلك: رجل أذن الظهر وهو دون المدينة بمسافة قصيرة يعلم أنه يصل إلى المدينة ويتوضأ بها قبل خروج الوقت فحينئذ الأولى له أن ينتظر فيدخل المدينة ويتوضأ.
وكذلك – صورة ثالثة –: وهو ما إذا كان قد استوى عنده الأمران، يقول: يحتمل أن يوجد الماء ويحتمل ألا يوجد، وهذه أضعف من رجاء وجود الماء.
إذن: عندنا ثلاث صور: الصورة الأولى - وهي أضعفها –: أن يقول أنا لا أدري هل أجد الماء أم لا أجده، ولكن يحتمل أن يوجد الماء قبل خروج الوقت كما أنه يحتمل ألا يوجد ففي ذلك شيء من الرجاء.
أعلى من ذلك: أن يكون كفة وجود الماء هي الراجحة.

وأعلى من ذلك أن تكون هي المتيقنة.
فهذه الصور، قالوا: المستحب له أن يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت.
قالوا: لأن الصلاة بالطهارة الأصلية فريضة، والصلاة في أول الوقت فضيلة، فيترجح الشق الأول وهو كونه يصلي في آخر الوقت بفريضة الطهارة الأصلية.
وحقيقة هذا التعليل مقتضاه وجوب ذلك؛ لأن ترجيح الفريضة على الفضيلة واجب ومفترض.
لذا ذهب الإمام أحمد في رواية عنه: أنه متى كان يرجو الماء فيجب عليه أن يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت.
وذهب الشافعية وهو اختيار شيخ الإسلام: إلى أنه يصلي عند دخول الوقت استحباباً مطلقاً إلا إذا تيقن وجود الماء، فإذا تيقن وجود الماء، فإنه ينتظر آخر الوقت.
فإذا كان يرجو وجود الماء فحسب أو استوى عنده الأمران أو يغلب على ظنه عدم وجود الماء أو يئس من وجود الماء فإنه في هذه الصورة الخمس كلها يصلي في أول الوقت.
إلا الصورة السادسة وهي ما إذا تيقن وجود الماء كمن أدركته الفريضة وهو قريب من المدينة وتيقن أنه سيصل قبل أن يخرج الوقت.
وهذه صورة التيقن؛ لأن اليقين في الحقيقة ممتنع؛ لأنه قد يحدث له ما قد يقدره الله عز وجل من الأمور التي تعوقه ولكن المقصود من ذلك مع بقاء الأمور على السلامة، وأما احتمال أن يحدث شيء فهذا أمر موجود.
لا شك أن مذهب الشافعية واختيار شيخ الإسلام أصح من مذهب الحنابلة.
ولكن الأظهر أنه يصلي مطلقاً في أول الوقت، وهذا مذهب ابن عمر فقد ثبت عنه عند ابن المنذر: " أنه تيمم قبل المدينة بميل أو ميلين ثم دخل والشمس مرتفعة فلم يعد " 1 . " والشمس مرتفعة ": أي في وقت العصر والشمس مازالت مرتفعة، وهذا في أوائل وقت صلاة العصر، ومعلوم أن من بعد ميل أو ميلين عن المدينة فإنه يتيقن أنه سيصل إلى المدينة قبل خروج الوقت، ومع ذلك فإن ابن عمر قد صلى الصلاة في أول وقتها.

وهو الذي يفيده قوله صلى الله عليه وسلم: (فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل) وفي رواية: (فعنده مسجده وطهوره) (1) ، وهذا حديث عام فيمن أدركته الصلاة وهو عادم للماء غير واجد له، سواء كان يرجو الماء أو يتيقن وجوده قبل خروج الوقت مادام أن الماء ليس حاضراً عنده.
ومع ذلك فإن الاحتياط له أن يؤخر الصلاة إلى آخر وقتها إذا كان قد تيقن وجود الماء.
إذن: الراجح إذا حضرت الصلاة وليس ثمت ماء موجود وليس الماء قريباً – فإنه – وقد حكمنا له بأنه غير واجد للماء وأذنا له بالتيمم فإن التيمم بدل الوضوء، فإنه – حينئذ – يكون قد صلى بالفريضة، فإن الطهارة بالتراب تنوب تماماً عن الطهارة بالماء، فما دام قد أذن له بالتيمم فلا مانع حينئذ أنه يقال باستحباب تعجيل الصلاة والحديث المتقدم ظاهر في العموم.
قال: (أن ينوي ثم يسمي ويضرب التراب بيديه مفرجتي الأصابع ويمسح وجهه بباطنهما وكفيه براحتيه ويخلل أصابعه) قوله: (أن ينوي) تقدم الكلام في النية.
قوله: (ثم يسمي) وقد ذكرنا أن الحنابلة يوجبون ذلك، فإن التيمم يقاس على الوضوء فمتى قلنا بوجوب التسمية في الوضوء فكذلك في التيمم.
(ويضرب بيديه) أي ضربة واحدة – هذا هو المستحب – وقد تقدم حديث عمار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (إنما يكفيك أن تفعل بيديك هكذا) وضرب بيديه الأرض ضربة واحدة ومسح الشمال باليمين وظاهر كفيه ووجهه " 2 . وفي قوله: (مفرجتي الأصابع) نظر؛ فإن الأحاديث لم تدل على ذلك، وإنما فيها مجرد ضرب التراب بيديه، وليس في شيء من الروايات أن اليدين مفرجتا الأصابع، فإن هذا فعل يحتاج إلى دليل عن النبي صلى الله عليه وسلم ومثله بل أضعف قوله: (يمسح وجهه بباطنهما وكفيه براحتيه) . قوله: (بباطنهما) أي باطن الأصابع.
و (راحتيه) أي راحتي كفيه.

وهذا عندهم بناءً على أن الماء المستعمل لا يرفع الحدث، فكذلك التيمم قياساً.
وقد تقدم تضعيف هذا في الماء فأولى أن يضعف في التراب فإنه فرع عنه.
فهم إذن قالوا: يمسح وجهه بباطن الأصابع، والكفين بالراحة؛ ليكون لكل عضو تراب طهور لم يستعمل.
ولكن هذا ضعيف بل هو بدعة – كما قال شيخ الإسلام – ولا أصل له في الشريعة.
وقال شيخ الإسلام أيضاً: " ولا أصل له في كلام أحمد رحمه الله وظواهر الأحاديث تدل على خلافه ". فإن ظواهر الأحاديث تدل على أنه يمس بيديه هكذا عامة بباطن الأصابع وراحتيه، ويمسح كفيه كذلك.
وقد تقدم حديث عمار وفيه: (أنه يمسح شماله بيمينه وظاهر كفيه ووجهه) 1 وظاهر هذه الأحاديث أنه مسح ذلك بباطن اليدين من غير تجزئة، فإنها بدعة لا أصل لها في الدين، ولا أصل لها في كلام الأئمة كأحمد رحمه الله تعالى.
قال: (ويخلل أصابعه) وهذه كذلك قياساً على الوضوء، ولكن هذا القياس يصادم ظواهر الأدلة الشرعية فإن ظواهر الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم ليس فيها أنه كان يخلل أصابعه.
فإذن: ليس هذا بمشروع لعدم دلالة الأدلة الشرعية عليه.
ونختم هذا الباب بمسألتين: المسألة الأولى: فيما إذا كانت الصلاة مما يخاف فوتها كصلاة الجمعة فإنها إذا فاتت فإنها تصلى ظهراً ومثل ذلك صلاة العيد وصلاة الجنازة وسجود التلاوة، فإن هذه الصلوات وهذا السجود متى لم يفعلها في الوقت فإنها تفوت بأن يخرج عن هيئتها وصفتها وتكون لها هيئة مختلفة عن الهيئة السابقة.
فذهب شيخ الإسلام ابن تيمية وهو مذهب أبي حنيفة: إلى أن [من] لم يجد الماء بحيث يمكنه أن يصليها على صفتها الأولى فإن له أن يتيمم، وإن كان الماء حاضراً، لكنه يعلم أنه متى توضأ فإن هذه الصلاة تفوت عليه.

كأن يذكر حدثاً في صلاة الجمعة ويعلم أنه متى توضأ أو اغتسل فإن صلاة الجمعة تفوت عليه أو صلاة الجنازة مع الإمام أو نحو ذلك فإن له أن يصليها بالتيمم.
والمشهور في مذهب الحنابلة: أنه لا يجوز ذلك؛ لأن هذه الصلوات تشترط فيها الطهارة المائية.
والراجح ما ذهب إليه شيخ الإسلام، لأن حضور هذه الصلوات بالتيمم أولى من فوتها ولا يمكنه حضورها على وجهها إلا بالتيمم، فلما كان ذلك جاز له [هذا] الحكم.
فإن الشارع لما شرع لنا التيمم كان من الممكن لنا أصلاً أن نؤمر بقضاء هذه الصلاة التي لم نجد فيها الماء، فنقضيها إذا حضر الماء، ومع ذلك فإن الشارع أمرنا بالتيمم لمصلحة حضور الصلاة في وقتها وخشية فواتها.
المسألة الثانية: فيما إذا خاف فوات الفريضة، كأن يقول: متى اغتسلت أو توضأت فإن الفريضة تفوتني.
وهذه له صورتان: الصورة الأولى: أن يكون مستيقظاً من أول وقت الصلاة، ويقول: الماء قريب وأنا متى طلبت الماء وأحضرته فتوضأت أو اغتسلت فإن الوقت يخرج أو يكون الماء في بئر ويعلم أنه متى عالج الماء بإحضاره من البئر ونحو ذلك مما يحتاج إليه في إخراجه، فإن الصلاة تفوت عليه.
وهنا ذكر شيخ الإسلام على أن جمهور أهل العلم: على أن التيمم يجوز له في هذه الحالة، وأن المشروع في حقه هو التيمم، فله أن يصلي بالتيمم.
وذكر الموفق رحمه الله: أنه لا يصلي بالتيمم، وإنما ينتظر الماء حتى يأتي به من البئر أو حتى يأتي به من المكان الذي بقربه ولو خرج الوقت فيصلي به.
لأن الله إنما أجاز التيمم مع عدم الماء، فإن الله قال: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ وهذا واجد للماء.

والراجح: ما ذكره شيخ الإسلام عن الجمهور واختاره رحمه الله؛ ذلك – لما تقدم – وأن التيمم إنما شرع لإدراك الصلاة في وقتها، وهذا متى ذهب إلى الماء ليتوضأ به أو يغتسل أو متى عالجه بتسخين أو إحضار من بئر فإن الوقت يخرج، ومصلحة الصلاة في وقتها بالتيمم أولى من فوات وقتها بالوضوء.
فالراجح: مذهب الجمهور وهو اختيار شيخ الإسلام من أنه إذا كان مستيقظاً في الوقت وعلم أنه متى يطلب الماء أو اشتغل بتسخينه أو إحضاره أو نحو ذلك فإن الصلاة تفوته، فإنه يجوز له أن يتيمم ويصلي بل المشروع له أن يتيمم ويصلي في الوقت.
الصورة الثانية: أن يكون نائماً فيستيقظ في آخر الوقت: كأن يستيقظ قبل أن يخرج وقت صلاة الفجر مثلاً بدقائق يسيرة، ويعلم أنه متى استعمل الماء في الوضوء أو الاغتسال من الجنابة فإن الوقت يخرج.
ففي هذه المسألة: ذهب الجمهور: إلى أنه لا يتيمم بل يصلي بعد الوقت.
فإن هذه الصورة مفارقة للأولى فإنه لم يستيقظ إلا قبل خروج الوقت بوقت يسير وعلم أنه متى توضأ أو اغتسل فإن الوقت يخرج.
وعلة هذا – أي إنه يجب الوضوء ولا يجوز التيمم – وهذا مذهب الجمهور –: أن من استيقظ من النوم فإن وقت الصلاة له عند استيقاظه، فإنه إنما يخاطب بالصلاة عند استيقاظه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك) 1 فالنائم إنما يكون وقت الصلاة له من استيقاظه.

  • وذهب المالكية في المشهور عندهم: إلى أنه كالمسألة السابقة وأنه يتيمم ويصلي في الوقت ولا ينتظر حتى يجد الماء.

وعللوا قولهم هذا: بأنه إذا صلى في الوقت فإنه يكون في ذلك مصلحة الصلاة في وقتها قبل خروج الوقت، وهذا مرجح على أن يصلي بعد خروج الوقت بالطهارة المائية.
إذن قالوا: كونه يصلي بالتيمم في الوقت، أولى من كونه يصلي بعد خروج الوقت بالوضوء أو بالغسل.
وهذا القول - فيما يظهر لي – راجح قوي.
ذلك: لأن الشارع – كما تقدم – إنما أباح التيمم لمصلحة الصلاة في وقتها وإلا لكانت الصلاة إنما تشرع قضاءً، فلو كان المرجح أن تصلى الصلاة بالوضوء أو الغسل لكان ذلك سبباً في عدم شرعية التيمم.

فلو كان المحبوب عند الشارع أن يصلي الصلاة خارج وقتها بالوضوء لأَمَر من لم يجد الماء أن ينتظر حتى يجد الماء فيصلي الصلاة المكتوبة خارج وقتها بالطهارة المائية.
فلما لم يكن ذلك علمنا أن مراد الشارع ومطلوبه هو أن يصلي الصلاة بالوقت بالتيمم.
فعلى ذلك: الراجح أنه يصلي بالتيمم في الوقت.
وكون الصلاة – إنما يكون وقتها في حقه - من استيقاظه، هذا لكونه معذوراً، وهكذا من كان الماء قريباً إليه كأن يكون في البئر أو بارداً ويعلم أنه إذا سخنه فإنه يخرج الوقت، فإنه لا فارق في الحقيقة بينه وبين النائم لأن كليهما معذور.
فهذا معذور لعدم استيقاظه، وهذا معذور لأن الماء يحتاج إلى معالجة، فلا فرق بين الاثنين.
فلو كان من حكم في المسألة الثانية فيما ذكره الجمهور لكان في المسألة الأولى ولقلنا: أنت معذور في معالجتك الماء وتسخينه وتصلي بالوضوء ولو كان ذلك خارج الوقت، وهذا هو أول وقتك لكونك معذور.
فالراجح: في هاتين المسألتين كليهما: أنه متى خشي فوات الوقت سواء كان مستيقظاً في أول الوقت أو في آخره أنه متى علم أنه إذا استعمل الوضوء في 1 الغسل وكان الماء يحتاج إلى معالجة أو تسخين، وعلم أنه لا يمكنه فعل ذلك إلا وقد خرج الوقت فإنه يتيمم ويصلي الصلاة في وقتها.
والحمد لله رب العالمين

الدرس التاسع والثلاثون (يوم الأحد: 25 / 12 / 1414 هـ) بابُ: إزالةُ النجاسةِ

" إزالة ": الإزالة هي التنحية، أزال الشيء أي نحَّاه وأقصاه.
" النجاسة ": هي الشيء المستقذر شرعاً.
فهذا الباب بوبه المؤلف لبيان الطريقة الشرعية في إزالة النجاسات.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: (يجزئ في غسل النجاسات كلها ... ..) هذه المسألة في القدر المجزئ في غسل النجاسات كلها سواء كانت هذه النجاسة نجاسة آدمي أو كلب أو خنزيراً ونحو ذلك فما حكمها؟ قال: (غسلة واحدة تذهب بعين النجاسة) أي وأثرها فيذهب رائحتها ولونها.
فهذه المسألة في حكم النجاسات الواقعة على الأرض.
حكمها: أنها تغسل غسلة واحدة أياً كانت هذه النجاسة فما دامت النجاسة على الأرض فطريقة إزالتها أن تغسل غسلة واحدة، بأن يغسل الموضع الذي وقعت فيه النجاسة تغسل غسلة واحدة تذهب بالنجاسة.
وعليه إن لم تذهب النجاسة فيجب عليه تكرار الغسل مرة أخرى حتى تزول النجاسة؛ لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.
فإن قيل: ما الدليل على أن الكلاب – التي سيأتي حكمها في غسل الإناء عند ولوغها سبعاً إحداهما بالتراب – ما الدليل على إدخالها في هذا الحكم؟

فالجواب: الدليل ما ثبت في أحمد والبخاري وأبي داود وهذا لفظه عن ابن عمر قال: (كنت أنام في المسجد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم وكنت فتى شاباً، وكانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر فلم يكونوا يرشون من ذلك شيئاً) 1 فهنا اكتفى بزوال النجاسة بالشمس أو نحوها – ولم يكونوا يرشون على هذه النجاسة شيئاً؛ لأن مثلها يزيله الشمس.
وسيأتي أن الراجح أن النجاسة متى زالت فإن حكمها يزول.
فما دامت النجاسة واقعة على الأرض فإنه يزول حكمها بزوالها – يدل عليه ما ثبت في الصحيحين عن أنس قال: (أتى أعرابي فبال في طائفة المسجد فزجره الناس فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم فلما قضى بوله أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذنوب من ماء فأهريق عليه) 2 .

وليس في ذلك ذكر للعدد، بل ظاهره أن الماء وضع على موضع النجاسة مكاثرة ومغامرة، فمتى ذهبت فقد ذهب حكمها.
فنصب الماء على الأرض التي وقعت عليها النجاسة حتى يغمر الماء النجاسة، فإذا ذهبت فقد ذهب حكمها.
أما إذا كان لا يمكن زوالها بمثل ذلك ولو كثر الماء بحيث أنه لا يمكن أن تزول إلا بأن يزال التراب فإنه يفعل به ذلك؛ لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.
إذن: يصب الماء على موضع النجاسة ولا يشترط تكرار غسل ولا إزالة موضع إلا إذا كان لا يمكن إزالة النجاسة إلا بمثل ذلك.

قال: (وعلى غيرها سبع) قوله: " وعلى غيرها " غير الأرض كثوب أو حائط أو نحو ذلك.
اعلم أن جمهور أهل العلم أن الكلب والخنزير نجسان، أما الكلب فدليله قوله صلى الله عليه وسلم – فيما رواه مسلم وأصله في الصحيحين قال: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبعاً أولاهن بالتراب) 1 والشاهد قوله: (طهور) وهذا دليل على ثبوت النجاسة في المحل، فدل هذا الحديث على أن ولوغه نجاسة في المحل وهذا هو طهورها.
قالوا: ويقاس على ذلك الخنزير؛ لأنه أخبث منه وأشد تحريماً وأشد استقذاراً فيقاس عليه.
وقد حكى ابن المنذر إجماع أهل العلم على نجاسة الكلب والخنزير.
إلا أن هذا الإجماع منتقض بمخالفة الإمام مالك فإنه خالف في ذلك ورأى أن الخنزير ليس بنجس والكلب ليس بنجس.

واستدلوا على ذلك: بقوله تعالى: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ 1 قال: فلو كان ذلك نجساً لأمر الشارع بغسله.

  • واعلم أن أهل العلم في غسل أثر الكلب المعلم في الصيد على قولين: أظهرهما كما ذكر ذلك شيخ الإسلام وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد وهو مذهب مالك أنه لا يجب ذلك؛ لأن الشارع لم يأمر به وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز فإذا ثبت هذا فإن هذا يدل على أن ريقه ليس بنجس، فدل على أن الكلب ليس بنجس.
    ولكن هذا الاستدلال فيه نظر، فإن الشارع من قواعده رفع الحرج فيما تلحق الأمة به المشقة، ومن المشقة أن يؤمر صاحب الصيد بغسل ما أصابه الكلب، فلما كان الأمر كذلك لم يأمر الشارع بغسله وكان من النجاسات المعفو عنها، كما أن الدم الذي يكون بين اللحم معفو عنه، بخلاف الدم المسفوح فإن الشارع قد نهى أن يطعم – كل ذلك – لرفع الحرج عن الأمة.
    وما دام أن الإمام مالك استدل بهذا الدليل على الكلب فكذلك عنده الخنزير.
    والأظهر ما ذهب إليه الجمهور من نجاسة الكلب وقياس الخنزير عليه، والعلم عند الله تعالى … قال: (سبع أحدها بالتراب في نجاسة كلب وخنزير) الحديث إنما فيه ذكر الولوغ وهو أن يدخل الكلب لسانه بالإناء ويحركه، فيدخل من ريقه في هذا الإناء، فأمر الشارع بغسله تطهيراً له، وهذا فيه إثبات نجاسة ريقه – ومثله غيره من بول وروث وغير ذلك فإنها في الحكم سواء – فما دام ريقه نجس فبوله وروثه من باب أولى.
    لذا ذهب جمهور الفقهاء إلى أن نجاسة الكلب وهي ما تخرج منه وما يتولد منه كل ذلك نجس من ريق أو بول أو نحو ذلك.
    وذهب شيخ الإسلام: إلى أن الرطوبة (العرق) التي تكون على شعر الكلب أنها معفو عنها، وأن شعر الكلب طاهر.
    وقد تقدم ترجيح هذا المذهب في الحكم على شعر الميتة وحكم الكلب كذلك هنا.

ثم إن القول بالتنجيس بالرطوبة التي تكون على الكلب محل حرج ومشقة، فإن الشارع قد أباح من الكلاب ما أباح فعندما تتنجس الأيدي أو الثياب بالرطوبة فهذا فيه مشقة.
بخلاف ما يكون من الريق - والرطوبة المراد بها العرق - ونحوه الذي يكون في الأواني فإن هذا لا يلحق به المشقة، ويمكن أن يكون له إناء خاص به.
وأما ما يكون رطباً على شعره فقد يصيب اليد وقد يصيب الثوب ففيه مشقة فكان الأولى ألا يقال بالتنجيس به، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام رحمه الله.
وهذا كما أن الشارع قد أباح لنا الصيد الذي يقع في فمه رفعاً للحرج لاحتياج الناس إلى ذلك فكانت الرطوبة الواقعة على شعره كذلك.
إذن: الراجح أن شعره طاهر كما تقدم في باب الآنية وكذلك الرطوبة التي تكون على شعره لا يثبت التنجيس بها؛ لكون ذلك فيه حرج ومشقة فيكون – حينئذ – من النجاسة المعفو عنها قوله: (إحداها بالتراب) : ولا يشترط أن تكون الأولى ولا الثانية ولا السابعة، فالمشروط أن تكون إحدى هذه الغسلات بالتراب، يدل على ذلك حديث مسلم المتقدم وفيه: (أولاهن بالتراب) ولكن في الترمذي: (أولاهن أو أخراهن) 1 فدل ذلك على أن الموضع من الغسل ليس مشترط إنما المشترط أن يغسل الموضع بالتراب ولا يشترط أن يكون ذلك في الأولى ولا في السابعة، وأن كان الأولى أن تكون الأولى؛ ليزيل الماء الوارد بعد ذلك على التراب - ليزيل - التراب وما يحمله من النجاسة.

قوله: (في نجاسة كلب وخنزير) …أما الكلب فقد تقدم الحديث الدال عليه، وأما الخنزير فقالوا: هذا من باب القياس، لكن هذا القياس ضعيف؛ ذلك لأن العلة من أمر الشارع بهذا الحكم في نجاسة الكلاب تعبدي لا تظهر لنا علته، والقياس واقع إذا كانت علة الأصل معقولة كما هو مقرر في علم الأصول، فلابد أن يكون الأصل معقول المعنى، وهذا الأصل ليس بمعقول المعنى – هذا إذا قررنا ما يقرره الفقهاء المتقدمون وأن العلة تعبدية.
وأما إذا قررنا ما يقرره المتأخرين وأن العلة في ذلك وجود دودة شريطية في الكلب لا يزيلها إلا التراب فإن هذا الحكم لا يمكن أن يثبت في الخنزير إلا إذا ثبت وجود هذه الدودة الشريطية، فما دام أنه لم يذكر ثبوته فحينئذ لا يمكن القياس.
فالراجح: ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من أن الخنزير لا يلحق بالكلب في هذا الحكم وإنما نجاسته كنجاسة غيره من النجاسات.
… قوله: (ويجزئ عن التراب أشنان ونحوه) كصابون ونحوه.
قالوا: لأن هذه في معنى التراب، فعلى ذلك تقاس على التراب فتعطى حكمه، فيقاس النظير على نظيره.
لكن في هذا القياس نظر أيضاً؛ ذلك لأن الشارع قد خصص التراب والعلة تعبدية، فما دامت العلة تعبدية فالقياس غير صحيح.
وإذا قلنا ما ذكره المتأخرون مما نقلوه من الاكتشافات العلمية من وجود مادة في التراب تزيل هذه الدودة الشريطية لا يزيلها سواه، فإن إلحاق غير التراب به واضح البطلان وأن الحكم مخصوص به.
إذن: الراجح أنه لا يجزئ سوى التراب وهذا أصح الوجهين في مذهب الإمام أحمد.
…إذن: في هذه المسألة في المذهب وجهان: الوجه الأول: – وهو المشهور – أنه يجزئ ما سوى التراب من المنظفات.
الوجه الثاني: أنه لا يجزئ إلا التراب، وهذا هو الراجح؛ لأن القياس يشترط أن يكون فيه معقول المعنى، فإن لم يكن معقول المعنى فإن القياس يكون باطلاً.
قال: (وفي نجاسة غيرهما سبع بلا تراب)

أي نجاسة غيرهما: أي غير الكلب والخنزير.
والراجح: - في غير الكلب – فالخنزير له هذا الحكم.
(سبع بلا تراب) : قالوا: لما روى ابن عمر قال: (أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نغسل الأنجاس سبعاً) 1 وقد ذكر الموفق في المغني ولم يعزه.
وقد ذكر الشيخ الألباني أنه لم يجده بهذا اللفظ، وهو كما قال، فإن هذا الحديث في الحقيقة لا أصل له.

لكن روى أبو داود بإسناد ضعيف – وسبب ضعفه أيوب بن جابر وهو ضعيف – أن ابن عمر قال: (كانت الصلاة خمسين وكان الغسل من الجنابة سبع مرار، وكان غسل الثوب من البول سبع مرار فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يسأل حتى جعلت الصلاة خمساً وغسل الجنابة مرة وغسل الثوب من البول مرة واحدة) 1 . هذا هو الحديث الوارد عن ابن عمر ولو صح فإن فيه النسخ وأن الأمر بغسل النجاسة سبعاً قد نسخ.
وأما أن يكون محكماً فلا، على أن الحديث الدال على الناسخ والمنسوخ حديث لا يصح.

  • لذا ذهب الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه وهو اختيار الموفق من الحنابلة، واختيار شيخ الإسلام: أن النجاسات كلها سوى نجاسة الكلب – والخنزير على الخلاف المتقدم – أنها يجزئها غسلة واحدة تذهب النجاسة، فمتى غسلت غسلة واحدة تذهب النجاسة فإن ذلك يجزئ.

واستدلوا: بما تقدم من حديث الأعرابي 1 فإنه فيه أنه قد غسل مرة واحدة ولا فرق بين النجاسة في الأرض ولا في غيرها.
وأصرح منه – وهو ما يكون في غير الأرض – ما ثبت في الصحيحين من حديث أسماء بنت أبي بكر – وقد سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن دم الحيض يصيب الثوب فقال صلى الله عليه وسلم: (تحته ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه وتصلي فيه) 2 ولم يشترط النبي صلى الله عليه وسلم عدداً.
والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فقد حكمنا على هذا الثوب بأنه نجس لوجود هذه النجاسة، فإذا زالت بغسلة واحدة وذهب أثرها فإن المحل يكون طاهراً؛ لأن هذا الثوب إنما حكم عليه بالتنجيس وهو ما تسمى بالنجاسة الحكمية –إنما حكم عليه بذلك لوجود هذه النجاسة – فما دام أنها ذهبت بغسلة واحدة فإن المحل يطهر.
فإن لم تذهب بواحدة – فحينئذ – يكرر حتى تزول النجاسة.

فإن بقي ما لا يمكن إزالته كرائحة أو لون ونحو ذلك فلا حرج في ذلك لما ثبت في الترمذي – والحديث حسن – فإنه من حديث ابن لهيعة وقد رواه عنه بعض العبادلة، وروايتهم عنه حسنه وله شواهد من الشرع تدل عليه أن خولة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: فإن لم يذهب الدم؟ أي دم الحيض، فقال صلى الله عليه وسلم: (يكفيك الماء ولا يضرك أثره) 1 . فإذا عجز المكلف عن إزالة أثر النجاسة فإن الحرج مرفوع، فيكفيه ما فعل من الغسل ولا يضره هذا الأثر.
إذن: مذهب الحنابلة أن الموضع إذا وقعت عليه نجاسة سوى النجاسة المتقدمة فإنه يغسل سبع مرات.
والمراد بسبع مرات: هكذا على الحقيقة وليس المراد بعد التطهير، فلو كانت السادسة وقعت على النجاسة، والنجاسة ما زالت ثم أزالته السابعة فإن هذه سبع غسلات.
إذن: يغسله الغسلة الأولى وإن كانت النجاسة لم تذهب بها ثم الثانية كذلك ثم الثالثة كذلك، المقصود أن تذهب بالسابعة، فإن لم تذهب بالسابعة فيغسله ثامنة أو تاسعة حتى تزول النجاسة.
والحمد لله رب العالمين الدرس الأربعون (يوم الاثنين: 26 / 12 / 1414هـ)

قال المؤلف رحمه الله: (ولا يطهر متنجس بشمس ولا ريح ولا دلك) إذا وقع على ثوب نجاسة فأصابتها الشمس فزالت ولم يبق لها أثر لا طعم ولا ريح، أو ذهبت تلك النجاسة بالريح، كأن تذهب بسبب ريح شديدة، والمقصود من ذلك: ذهاب تام بحيث لم يبق لها أثر في المحل.
أو كان المحل نحو مرآة أو سيف أو سكين فوقعت عليه نجاسة كالدم – على قول من قال بنجاسته – فدُلك فزالت نجاسته، فهل يحكم بنجاسة المحل أم لا – في كل هذه المسائل؟ قال هنا: (ولا يطهر متنجس بشمس ولا ريح ولا دلك)

وقد تقدم الكلام في هذا في باب المياه، وأن الماء الطهور هو ما لا يزيل النجس الطارئ غيره، وقد تقدم دليل المذهب.
وتقدم رجحان ما ذهب إليه أبو حنيفة وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية: من أن هذا المحل طاهر.
ودليل ذلك: ما روى البخاري وأبو داود من حديث ابن عمر من أن الكلاب كانت تبول وتقبل وتدبر في المسجد ولم تكن تغسل محالها 1 . ولو كانت باقية، لوجب تغسليها، فتبين أنها كانت تذهب بنحو شمس أو ريح إذ لو كانت باقية لوجب تغسيلها.
وبما ثبت في أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر ماذا رأى في نعليه قذراً أو أذى فليمسحه وليصل فيهما) 2 فأمر بالمسح وهو الدلك – الذي تثبت فيه إزالة النجاسة.
فالراجح: أن النجاسة متى زالت بأي مزيل من المزيلات بحيث إنه لم يبق للنجاسة أثر سواء كان ذلك بدلك أو ريح أو شمس فإن المحل يطهر، ومحل هذا حيث تذهب النجاسة فلا تبقى لها أثر.
قال: (ولا استحالة) يقال: استحال الشيء عما كان عليه: أي زال، وذلك بأن يتحول من صورة إلى أخرى أو من مادة إلى مادة أخرى.

كتحول الدم والصديد واللحم في الميتة إلى تراب وكتحول الروث النجس إلى رماد ونحو ذلك فهل هذه المتحول إليها طاهرة أم نجسة؟ هنا: المذهب يقول: إنها نجسة وإنها لا تطهر.

فعلى ذلك: التراب الذي دفن فيه الإنسان فتطاول الزمن عليه فتحول بما فيه من صديد ودم – وهذا على القول بأن الصديد نجس – أو كانت ميتة أخرى من التي يحكم بنجاستها، فتحولت إلى تراب أو إلى ملح أو تحول هذا الروث إلى رماد أو الدخان المتحلل من الشيء النجس كأن يحرق شيء نجس فيخرج منه غبار:

  • فذهب الحنابلة إلى إنها نجسة واستدلوا: بما رواه أبو داود والترمذي وغيرهما أن النبي صلي الله عليه وسلم: (نهى عن الجلالة) 1

وسيأتي الكلام على هذا الحديث في بابه – إن شاء الله -. قالوا: إنما هذا النهي لنجاستها، لكون هذه النجاسات ثابتة فيها باقية، ومعلوم أن هذه النجاسات قد تحولت إلى دم ونحوه فإنها ليست كهيئتها السابقة بل تحولت في هذا الحيوان إلى مادة أخرى، ومع ذلك فإن الشارع نهى عنها.
لكن هذا الاستدلال ضعيف، إذ ليس في الحديث أن ذلك لنجاستها ولكن لقاعدة الشريعة في تحريم ما خبث طعمه كما حرم ما يأكل الجيف، وسيأتي الكلام عليه في باب الأطعمة.
والحنابلة – وهم القائلون هنا بأن الاستحالة لا تحول الشيء إلى شيء ظاهر، مستدلين كذلك بالجلالة – هم أنفسهم يقولون إنها متى حبست – أي الجلالة – ثلاثة أيام كما هو مذهب ابن عمر فمتى حبست فإنها تطهر.
ومعلوم أن هذا الدم قد نبت منه بعض اللحم، ومجرد الحبس لا يغير الحكم، فإنه متى نبت لحمها وحبست بعد ذلك أياماً يسيرة فإن هذا لا يغير من الحكم شيـ[ـئاً] . إذن: يدل على حرمتها بجريان هذا الدم الذي ما زال قريباً بالنجاسة فمتى منعت من الطعام زمناً وتؤكد بعد هذا الزمن من أن هذا الخبث قد ذهب وإن كان قد تحول إلى مادة أخرى فإنها تحل.

  • وذهب أبو حنيفة وهو اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم: إلى أن الاستحالة تطهر بها الأعيان.
    ولكن مع ذلك ينبغي ألا يقال إنها تطهر بالاستحالة؛ ذلك: لأن ليس مجرد الاستحالة هو سبب الطهارة، بل سببها إنها انتقلت إلى عين أخرى هذه العين عين طاهر.
    واستدلوا: بأن الشارع وقد حكم بتنجيس هذه العين التي قد استحالت إلى مادة أخرى قد حكم بنجاستها لما فيها من الخبث، وأما وقد تحولت إلى مادة أخرى وهي مادة حكم الشارع بطهارتها كتراب أو ملح أو رماد أو نحو ذلك، فهذه مادة طيبة قد حكم الشارع بطهارتها ولم يبق اسم ولا معنى مما حكم الشارع بنجاستها.

فما حكم الشارع بنجاسته كالروث مثلاً: قد تحول إلى رماد فلم يبق فيه ما في الروث من المعنى، وكذلك لم يبق فيه التسمية فهي مادة طاهرة، وكذلك الملح والتراب.
والنبي صلى الله عليه وسلم لما بنى مسجده أمر بنبش ما فيه من قبور المشركين ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بحمل التراب الذي حوله ومن المعلوم أن من الدم والصديد ما تحول إلى تراب – وهذا على القول بأن الدم والصديد نجس فيكون رد على المذهب ومن قال بقوله -. فالراجح: مذهب أهل القول الثاني وأنه متى استحال إلى مادة أخرى فإن هذه العين تكون طاهرة فلا معنى للحكم بنجاستها وهي مادة أخرى، مادة لها نظير آخر قد حكم الشارع بطيبه ولم يبق للنجاسة اسم ولا معنى وهذا حيث زالت النجاسة تماماً فلم يبق لا لون ولا طعم ولا ريح.
قوله: (غير الخمرة) أي الخمر فالخمر إذا تحول إلى مادة طيبة من الطيبات فإنه – حينئذ – يكون طاهراً.
واعلم أن الخمر فيه خلاف بين أهل العلم هل هو نجس أم طاهر؟ فذهب جمهور أهل العلم: إلى أن الخمر نجس واستدلوا بقوله تعالى: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان﴾ 1 . قالوا: والرجس هو النجس، كما قال تعالى: ﴿قل لا أجد فيما أوحى إليّ محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتا أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس﴾ (2) قالوا: أي نجس فالآية الأولى نظير الآية الثانية.
قالوا: فيدل هذا على نجاسة الخمر.
فإن قيل: فلم لم تحكموا على الأزلام والميسر والأنصاب – بالنجاسة فهي ليست نجسة حساً عندكم؟ قالوا: هذه أخرجها الإجماع، فقد أجمع العلماء على أن نجاستها ليست حسية بل معنوية.
وهذا هو اختيار شيخ الإسلام وغيره من أهل العلم وقد حكى هذا القول إجماعاً، لكن هذا الإجماع ليس بصحيح لوجود المخالف.

  • وقد ذهب بعض أهل العلم وهو قول داود والمزني والليث بن سعد وربيعة وذهب إليه بعض المتأخرين وممن اختاره الصنعاني وغيره: أن الخمرة طاهرة وليست بنجسة.
    واستدلوا: بالأصل وأن الأصل في الأشياء الطهارة وكون الشيء يحرم لا يعني تنجسه،فإن الشارع قد حرم الأنصاب والأزلام وهي ليست نجسة بالأصل فليس كل محرم نجس، فالأصل في الأشياء الطهارة وهذه منها.
    قالوا: وقد ثبت في البخاري عن أنس بن مالك قال: (لما حرم الخمر خرج الناس وأراقوها في الطرقات) (1) . قالوا: والاستدلال بهذا الحديث من وجهين: الوجه الأول: إيقاع النجاسات في طرق الناس محرم فلو كانت الخمر نجسة لما جاز أن تراق في طرقات الناس كما تقدم من تحريم التبرز ونحوه في الطريق فهذا محرم وكذلك غيره من النجاسات، فلو كانت الخمر نجسة لما جاز أن تراق في الطرقات.
    والوجه الثاني: أنه لابد وأن يصيب الماشي وهو ذاهب إلى الصلاة شيء منها، ومع ذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمرهم أن يغسلوا ما تقع عليه الخمرة في أبدانهم، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
    لكن في الاستدلال بهذا الدليل من هذين الوجهين نظر: أما الوجه الأول: وهو قولهم: أن في إراقتها في الطرقات تنجيس لها وهو محرم.

فلأهل القول الأول أن يقولوا: إن فعل ذلك لمصلحة شرعية راجحة وهي إظهار ترك هذا المحرم الذي قد اعتاد عليه العرب وألِفوه، وفي ذلك تشجيع للناس على تركه فلهذه المصلحة العظيمة جاز أن يراق وإن كان نجساً ولا شك أنه سيذهب بعد زمن يسير بالشمس أو الريح أو نحو ذلك، وبقاؤه على هذه الصورة فيه مصلحة عظيمة للتعاون على ترك هذا المنكر وإظهار حرمته.
وأما الوجه الثانية: وهو قولهم: أنه لو كان نجساً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم من يأتي إلى المسجد أن يغسل ما يصيبه منه، وهو كثيراً ما يصيب المشاة إلى المسجد.
فهذا فيه نظر – على قول الجمهور – وهو أن يقولوا: إن الله قال ﴿رجس من عمل الشيطان﴾ فما دام أن الله قال ذلك فلا يحتاج إلى أن يبين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك.
ومع ذلك: فإن الراجح القول الثاني وذلك لصحة الدليل الأول وهو الأصل فإن الأصل في الأشياء الإباحة.
وأما الاستدلال بالآية: ﴿إنما الخمر والميسر ….﴾ فإن الرجس في لغة العرب هو القذر ولا يلزم في ذلك أن يكون نجساً حسياً فلا يلزم من القذارة النجاسة الحسية فكم من شيء قذر ومع ذلك ليس بنجس فليس كل شيء مستقذر يستقذره الناس ويحكمون عليه بالقذارة ليس كل ذلك نجساً، فإذا ثبت هذا فإن الآية لا تدل إلا على أنه قذر.
والأظهر فيها أن المراد بالنجاسة هنا: المعنوية وليس الحسية وذلك لقرينتين اثنتين: القرينة الأولى: قوله تعالى عاطفاً الثلاث على أن نجاستها نجاسة معنوية وهي قوله: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام﴾ فهذه الثلاثة بالإجماع طاهرة العين نجسة المعنى، فكذلك الخمر فهذه القرينة تقوي أن الخمر نجاستها نجاسة معنوية.
القرينة الثانية: قوله: ﴿رجس من عمل الشيطان﴾ فحكم عليها بالنجاسة مرتبطاً ذلك بكونه من عمل الشيطان.

وأما النجاسة التي يخلقها الله طبيعة فإنها نجاسة لا يقال فيها إنها من عمل الشيطان فإنها نجاسة طبيعية أصلية حقيقة في هذا الشيء.
فدل على أن قوله: ﴿من عمل الشيطان﴾ أي نجاسة عملية معنوية، أي هذا من عمل الشيطان في الناس من النجاسة التي يزرعها الشيطان في الناس لما في الخمر من إلقاء العداوة والبغضاء وترك ذكر الله والصلاة ونحو ذلك مما هو من عمل الشيطان.
فعلى ذلك: الراجح أن الرجس هنا: هو الرجس المعنوي.
إذن: الخمر طاهرة وليست بنجسة، فإذا أصاب البدن منها شيء – ومن ذلك هذه الأطياب التي يتطيب بها فإنها من الخمر – فإنها ليست بنجسة على الراجح من قول أهل العلم.
والمسألة المرتبطة بالمسائل السابقة: هي أن الخمر إذا تحولت بنفسها فتحولت إلى خل بعد أن كانت خمراً فحينئذ يحكم بطاهرتها.
وقد قالوا بطهارتها: لأن الخل عين أخرى فليست خمراً وإنما خل، والخل طاهر.
لكنهم: قالوا: هي في الأصل أشياء طاهرة فحولت إلى خمر ثم رجعت إلى أصلها.
والجواب على ذلك: أن يقال: كذلك النجاسات فقد كانت في الأصل أطعمة ثم تحولت إلى قذر ثم تحولت بالاستحالة إلى مواد أخرى، فالدم مثلاً – إذا حكمنا بنجاسته – أصله طعام وشراب طاهر فتحول إلى شيء نجس وهو الدم ثم عاد بعد ذلك إلى عين أخرى طاهرة.

  • واعلم أن الخمر إذا تخللت بنفسها من غير عمل فإن ذلك جائز بإجماع العلماء، فلا حرمة في ذلك، فبالإجماع هي طاهرة، فهذا هو فعل الله عز وجل فيها وهذا قول عمر كما في البيهقي 1 ولا يعلم في هذه المسألة خلافاً.

أما إذا خللت الخمر ووضعت إليها مواد فرجعت إلى خل، فهذا الفعل اتفاقاً محرم لا يجوز؛ لما ثبت في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم: سئل عن الخمر تتخذ خلاً قال: (لا) (1) أي لا يجوز ذلك، فلا يجوز تحويل الخمر إلى خل بل يراق.

  • لكنها إن خللت فهل تكون طاهرة أم نجسة؟ قولان لأهل العلم هما قولان في مذهب أحمد وغيره.
    والراجح: أنها طاهرة كما تقدم، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة،وقول في مذهب الإمام أحمد، وأنها إذا خللت فهذا الفعل محرم ولا يجوز أن تطعم لكنها مع ذلك طاهرة فهي طاهرة، لكن هذا التخليل منه هو آثم لمخالفة النبي صلى الله عليه وسلم.
    لذا قال: (فإن خللت – إلى أن قال - لم تطهر) هذا هو المذهب، فالمشهور في المذهب أنها إذا خللت فإنها لا تطهر.
    والراجح وهو قول في المذهب أنها تطهر كما تقدم.
    قوله: (أو تنجس دهن مائع لم يطهر) إذا كان عندنا دهن مائع يبلغ الشيء الكثير جداً، فوقعت فيه نجاسة، ولو كانت هذه النجاسة يسيرة – وهو مائع – فإنه نجس ولا يحل أن يطعم، ولا يطهر.
    وقيَّد ذلك بمائع، لأنه لابد أن يكون مائعاً لترتب هذا الحكم.
    أما إذا كان جامداً فإنه تزال النجاسة وما حولها ويطعم الباقي.
    وأما المائع فإنه يراق مطلقاً قليلاً كان أو كثيراً – إذا وقعت فيه نجاسة – ولا يطهر.
    وهذا هو المشهور في مذهب الحنابلة.
فصول الكتاب · 11 فصل · 298 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح زاد المستقنع للحمد · 298 صفحة
المقدمة
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب المناسك
كتاب الجهاد
كتاب الوصايا
كتاب الوصايا
كتاب الفرائض
كتاب الطلاق
كتاب الحدود
كتاب الشهادات
جارٍ التحميل