شرح زاد المستقنع للحمد
- عَلَم: حمد بن عبد الله الحمد
- الكتاب: شرح زاد المستقنع
- المؤلف: حمد بن عبد الله بن عبد العزيز الحمد [الكتاب مرقم آليا]
بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين
[شرح زاد المستقنع]
لفضيلة الشيخ/ حمد بن عبد الله الحمد
كتاب الطهارة
كانت البداية في هذا الدرس المبارك يوم الأحد بعد صلاة المغرب الموافق 8/10/1414هـ وكانت الدروس كل ليلة ما عدا ليلتيّ الجمعة والسبت*.
نسأل الله الإعانة على ما بدأنا به، كما نسأله التوفيق والسداد إنه ولي ذلك والقادر عليه ولا حول ولا قوة إلا بالله، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
والحمد لله.
كتبه: أبو حافظ عبد العزيز الغسلان غفر الله له.
* هذا في البداية لكن تغيّر هذا ـ كما ستلاحظه في تاريخ الدروس ووقتها ـ وهذا التغيير هو أنّ الدروس أصبحت كل ليلة سوى ليلتي الخميس والجمعة.
وهذا الدفتر الأول، ويشتمل على شيء من كتاب الطهارة من أول الكتاب إلى:
(باب: المسح على الخفين)
الدرس الأول (الأحد: 8 / 10 / 1414 هـ) المقدمة:
إن الحمدَ للهِ نحمَدُهُ وَنستَعينُهُ ونَتُوبُ إَلَيهِ، ونعوذُ باللهِ من شُرورِ أنفُسِنَا ومن سيئاتِ أعمالِنَا من يهدِهِ اللهُ، فلا مُضِلَّ لَه، وَمَن يُضلِلْ، فَلا هَادِيَ لَه.
وأشهدُ أَن لا إِلهَ إِلاَّ الله وحدهُ لا شريكَ له وأشهدُ أنَّ مُحمَّداً عبدهُ ورسولُه.
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إَلا وَأَنتُم مُّسْلِمُون)) آل عمران آية (102) .
((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَّاحِدَةٍ وَّخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مَنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَّنِسَاءاً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَام إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُم رقِيبَا)) النساء آية 1 .
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَولاً سَدِيداً، يُصْلِح لَكُم أَعْمَالَكُم وَيَغْفِر لَكُمْ ذُنُوبَكُم وَمَن يُّطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً)) الأحزاب آية (70، 71) .
أما بعد:
فإن أصدقَ الحديثِ كتابُ الله، وخير الهدي، هدي محمدٍ صَلَّى اللهُ عليهِ وَسلَّمَ، وشرَّ الأمورِ مُحدَثاتُهَا، وَكُلَّ مُحدثةٍ بِدْعَة، وكُلَّ بدعةٍ ضلالة، وَكُلَّ ضَلالَةٍ في النَّار.
هذه المجالس نتدارس فيها الفقه وهو من أعظم العلوم ومن أفضلها، فإن هذا العلم يتعرف به المسلم على كيفية عبادته لربه سبحانه، ويعبد الله على بصيرة من أمره.
إذ العمل لا يتقبل مع الإخلاص إلاّ بأن يكون على السنة صواباً فوجب على المسلم أن يعبد الله على بصيرة من أمره بالتفقه في دين الله تعالى، وبه يعرف المسلم ما أحله الله وما حرمه من البيوع والأنكحة وغير ذلك، وبه يتعلم الحدود والجنايات، ونحو ذلك من الأحكام الشرعية التكليفية التي كلف الله بها عباده وقننها لهم سبحانه وتعالى.
فعلم الفقه من أهم العلوم الشرعية فليس يفضل عنه إلا علم التوحيد الذي هو متعلق بالله سبحانه وتعالى في أسمائه وصفاته عز وجل.
وإن من الطرق التي يتدارس بها الفقه أن يتعلم من خلال أحد الكتب الفقهية المذهبية فإن ذلك من الطرق الصحيحة السليمة في تعلم الفقه، وليس المقصود من ذلك أن يتلقى ما فيها من صواب وخطأ.
بل أن يتدارس وأن يتحاكم إلى كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام فيما وقع بين أهل العلم من الخلاف.
فإن ما يذكره صاحب المؤلَّف الذي نتدارسه أو غيره من المؤلفين بالفقه ليس كله صواباً، وليس كله مجمعاً عليه.
بل قد وقع كثير من الخلاف بين أهل العلم.
إلا أن هذه الطريقة في التدارس وهي التلقي عن بعض الكتب الفقهية المذهبية أن هذا في الحقيقة فيه فوائد كثيرة: من ذلك:
ـ أنه أسهل ترتيباً من التلقي عن طريق الكتب التي جمع فيها مؤلفها الأحاديث النبوية المشتملة على المسائل الشرعية، فإن هذا بلا شك أسهل ترتيباً وأوضح.
بل إن أصحاب الكتب المؤلفة الحديثية، كصاحب بلوغ المرام، والمنتقى من أخبار المصطفى وغير ذلك من الكتب إنما استفادوا ذلك الترتيب من هذه الكتب الفقهية.
ـ الأمر الثاني: أنه أبعد عن تشتت ذهن الطالب، فإنه من المعلوم أن الكتب التي جمعت الأحاديث النبوية في الأحكام ليست جامعة للأحكام كلها، إذ الأحكام الشرعية مستفادة من الأحاديث النبوية ومن غيرها؛ فإنها تستفاد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والإجماعات، والقياسات الصحيحة وأقوال الصحابة.
وكتب الحديث الفقهية إنما تجمع الأحاديث التي قالها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مسائل الأحكام التكليفية فلا شك أنه ـ حينئذ ـ يكون أبعد للتشتيت فإن الطالب عندما يقرأ الكتاب الفقهي يجد فيه جميع المسائل العلمية التي استفادها العلماء من القرآن والسنة والإجماع والقياس وغيرها من الأحكام الشرعية.
فيكون أبعد لأَنْ يتشتت ذهنه بأن تجمع له المسائل من مصادر أخرى، بل يجد هذه المسائل موجودة في الكتاب الذي يتدارسه.
فإن التدارس من الكتب الفقهية ليس منكراً ـ كما ينكره بعض طلبة العلم ـ هذا أمر ليس بصحيح، بل تدارس ذلك من الطرق السليمة التي مازال يبينها أهل العلم، فإن شيخ الإسلام ابن تيمية وكذلك ابن القيم وغيرهم من أهل العلم قد تلقوا الفقه من مثل هذه الطريقة.
لكنهم لم يكتفوا ـ كما اكتفى كثير من الناس المقلدين، اكتفوا بها فتلقوا العلم من هذه الكتب ثم اكتفوا بذلك ولم يحرروا ولم يبحثوا عن الحق، بل اكتفوا بما فيها، فهذا أمر ليس بصحيح، وليس مشروعاً وهذا هو التقليد المذموم.
لكن كون المسلم يتعلم منها ويتفقه ويتفهم ثم يبحث عن الحق بدليله؛ فإن هذا أمر سائغ جائز، مازال عليه أهل العلم، والذّم إنما يقع في الصورة المتقدمة بأن يتلقى منها تلقي العلم مجرداً عن دليله، فيأخذ المسائل مقلداً هؤلاء من غير أن يبحث عن الحق بدليله، بل لو عرض له الحق بدليله أباه ورفضه.
أو هو قادر على أن يجد الحق بدليله لكنه يعرض عن ذلك، ويكتفي بما تقدم.
بخلاف العاجز عن البحث والنظر فإنه يجوز له التقليد، فإن العاجز الذي لا نظر له في المسائل العلمية يسوغ له أن يقلد أحداً من أهل العلم من غير أن يحدد ذلك بصاحب مذهب ولا غيره، بل كل أهل العلم يقلدون كما قال تعالى:
﴿فاسْأَلُوا أهلَ الذّكرِ إنْ كنتُم لا تعلَمُون﴾ (1) .
- قوله: ((بسم الله الرحمن الرحيم)) :
ومؤلف الكتاب هو شرف الدين أبو النجا موسى بن أحمد المقدسي، المتوفى سنة 960هـ، وهو حنبلي المذهب، وله مؤلفات نافعة في المذهب الحنبلي منها هذا الكتاب (زاد المستقنع) ، ومنها كذلك كتاب: (الإقناع) .
وقام بشرحهما البهوتي، المتوفى سنة 1046هـ شرح (زاد المستقنع) بكتاب أسماه: (الروضُ المُرْبِع) ، وشرح الإقناع بكتاب أسماه: (كشاف القناع عن متن الإقناع) .
وهما كتابان نافعان.
والمؤلف مشهور من مشايخ المذهب الحنبلي، وقد شرع المؤلف بالبسملة اقتداءً بالكتاب العزيز.
واقتداء بالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في رسائله وكتبه فإنه كان يفتتحها بالبسملة، كما ثبت ذلك في الصحيحين من كتاب رسول الله عليه الصلاة والسلام إلى هرقل عظيم الروم، فإنه كتب فيه: (بسم الله الرحمن الرحيم: من مُحمَّد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم) 1 ، فشرع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالبسملة فيه.
وقد قال تعالى عن ملكة سبأ: ﴿قالت يا أيها الملأُ إني أُلقي إلى كتاب كريم، إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم﴾ 2 . فهي من سنن أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام.
وأما ما رواه الخطيب، والحافظ الرهاوي في أربعينه: أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع) 3 فهذا الحديث فيه ابن الجندي، وهو متهم، فالحديث، ضعيف جداً، لا يثبت عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم.
(بسم الله) هنا الباء للاستعانة، و (اسم) مجرور بحرف الجر و (الله) مضاف إليه، مضاف إلى اسم، وهما متعلقان بمحذوف فعلي متأخر مناسب، تقديره هنا: (بسم الله أُؤَلِّف) ، وعندما نتوضأ تقديره: (بسم الله أَتَوَضَّأ) ، وعندما نقرأ تقديره: (بسم الله أقرأ) ؛ فهو فعل متأخر عن الجار والمجرور يناسب المقام.
(بسم الله) : أي أستعين بالله في قراءتي وأستعين به في وضوئي، وأتبرك بالبداءة باسمه سبحانه وتعالى في تأليفي وفي وضوئي أو في قراءتي ونحو ذلك.
و (الله) : هو العَلَم الأعظم لله عز وجل؛ فهو اسم الله سبحانه وتعالى الذي هو عَلَم من أعلامِهِ.
وأصله من الإله: وهو المعبود، وهو يطلق على المعبود سواء كانت عبادته حقاً أو كانت باطلاً، كما قال تعالى: ﴿أنه لا إله إلا أنا﴾ 1 ، وقوله ﴿واتخذوا من دونه آلهة﴾ 2 : فهي آلهة لكنها باطلة.
لذا يقال: لا إله إلا الله أي لا معبود بحق إلا الله سبحانه وتعالى.
فإذاً (الله) : مشتق من الإله: وهو المعبود، والله هو الاسم الأعظم لله، وهو علمٌ له.
(الرحمن) : أيضا اسم من أسمائه وتعالى متضمن لصفته الرحمة التي هي صفة من صفاته تعالى.
و (الرحيم) كذلك اسم من أسمائه متضمن لصفة الرحمة أيضا إلا أن الرحمة في الرحمن صفة متعلقة بذاته سبحانه، أي ذو الرحمة الواسعة الشاملة.
وأما الرحيم فهي صفة متعلقة بفعله سبحانه: أي ذو الرحمة الواصلة أي إلى من يشاء من خلقه سبحانه.
والرحمن: نظراً إلى صفتة الذاتية.
والرحيم: نظراً إلى صفته سبحانه وتعالى الفعلية.
- قوله: ((الحمد لله حمداً لا ينفد)) .
هنا شرع المؤلف بالحمد لما ورد في سنن أبي داود وابن ماجه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (كل أمر ذي بال لا يبدأ بالحمد لله فهو أقطع) 3 أي ذاهب البركة، فلا بركة فيه.
وهذا الحديث رواه الحفاظ عن الزهري مرسلاً.
ورواه قرة بن عبد الرحمن وهو ضعيف، رواه عنه موصولاً بذكر أبي هريرة، والصواب ترجيح رواية من أرسله، فهم الحفاظ ولذلك قال الدارقطني: " فالحديث الصواب أنه مرسل " وعليه فالحديث ضعيف.
وقد كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يفتتح كلامه بالحمد والثناء على الله.
وكذلك اقتداء بالكتاب العزيز، فإن فيه ﴿بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين﴾ . فالحمد يشرع للمسلم أن يفتتح كلامه به.
أما هذا الحديث الوارد فهو حديث ضعيف مرسل لا يثبت عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم، وقد حسنه بعض العلماء كالنووي، وابن الصلاح وغيرهما.
والصواب أنه ضعيف مرسل من مراسيل الزهري وهي من ضعاف المراسيل.
والحمد: هو ذكر محاسن المحمود محبة له وإجلالاً.
" ذكر محاسن المحمود " أي فضائله، خيراته، ما عنده من الصفات الحميدة والأفعال الطيبة، هذا كله يسمى حمداً.
" محبة وإجلالاً ": فليس مقابل النعمة فحسب، بخلاف الشكر، فإن الشكر أخص منه من هذه الحيثية، فإنه إنما يكون ـ أي الشكر ـ مقابل النعمة، أما الحمد فإنه سواء كان من هذا المحمود نعمة قد أسديت إليك أو لم يكن منه ذلك، فإنك تحمد فلاناً على شجاعته وقوله الحق وصلاحه ونحو ذلك، وإن كان هذا كله لا يصل إليك منه شيء.
وكذلك إن أسدى إليك معروفاً فكذلك يسمَّى حمداً.
أما الشكر فهو أخص منه، فالشكر: لا يكون إلا مقابل النعمة، والله عز وجل يحمد على كل حال، ولا يحمد على كل حال سواه سبحانه وتعالى.
وقد ثبت في سنن ابن ماجه بإسناد صحيح أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (كان إذا رأى ما يحب قال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وإذا رأى ما يكره قال: الحمد لله على كل حال) 1 .
إذاً الحمد: هو ذكر محاسن المحمود سواء كان مقابل النعمة أو لم يكن مقابلها.
فالله يحمد على كل صفاته سواء التي يصل إلينا منها شيء من النعم، أو كانت الصفات اللازمة منه سبحانه كحياته سبحانه.
فالله يحمد على حياته، ويحمد على غيرها من صفاته سواء كانت الصفات اللازمة أو الصفات المتعدية.
إذن: الحمد هو ذكر محاسن المحمود تحية له وإجلالاً.
(حمداً لا ينفد) : أي نفس الحمد لا ينفد.
أما قول الحامد فإنه سينفد بنفاده وموته، فإنه ينقطع حمده لكن هذه المحاسن وهذه الفضائل، هذه الصفات التي يتصف الله بها لا تنفد، فهي صفات لا تنفد، فالله عز وجل لا يزال متصفاً بصفات الكمال ولن يزال على ذلك.
كما أنه سبحانه لا يزال محموداً من خلقه: ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده﴾ 2 أما من حيث الأفراد فإن من مات منهم أو شغل بأمر من الأمور فإن حمده يقف وينقطع.
لكن الله عز وجل لا يزال محموداً من خلقه من حيث العموم.
كما أنه سبحانه لا يزال متصفاً بصفات الحمد.
(لا ينفد) : أي لا ينقطع.
- قوله: ((أفضل ما ينبغي أن يحمد)) . فهو أهل الثناء والمجد ـ سبحانه ـ ولا يحصى الثناء عليه، فيثنى عليه سبحانه بما ينبغي له سبحانه.
-
قوله: ((وصلى الله وسلم على أفضل المصطفين محمد)) . (صلى الله) : أي أثنى.
فالصلاة من الله عز وجل هي الثناء؛ كما قال ذلك أبو العالية.
وقيل: هي الرحمة، وهو ضعيف.
والصواب أن الصلاة من الله هي الثناء؛ لأن الله عز وجل قد عطف أحدهُما على الآخر.
﴿عليهم صلوات من ربهم ورحمة﴾ 1 فدل على أنهما متغايران إذ الأصل في التعاطف هو التغاير؛ كما أن الرحمة عامة، وأما الصلاة فهي خاصة فناسب ألا تفسر الصلاة بها.
إذن الصلاة من الله عز وجل هي الثناء فعندما تقول: " اللهم صل على محمد " أي بمعنى: اللهم اثن على محمد واثن عليه عند ملئك المقربين.
وعندما يدعو الإنسان بالصلاة؛ فالمراد من ذلك أنه يدعو له بأن يثني الله عز وجل عليه.
إذن الصلاة من الله هي: الثناء.
(وسلم) : السلام من السلامة؛ وهي البراءة من النقائص والعيوب والآفات: أي يدعو الله بأن يسلمه من كل نقص وعيب لا يليق به ـ أي الآدمي، ومن كل آفة.
فإذن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مجمع له بين الصلاة والسلام.
الصلاة: بأن يثني الله عليه وهذا جلب خير.
والسلام: أن يدعي الله بأن يسلم عليه: أي يلقي عليه السلامة من الآفات والعيوب فهذا دفع ضر، فيجتمع له بين جلب الخير ودفع الضر. -
(على أفضل المصطفين) : المصطفين: جمع مصطفى وهو المختار من الصفوة: وهي خلاصة الشيء.
فالمصطفون هم المختارون من الله سبحانه، الذين اختارهم الله على خلقه؛ لأنهم خلاصة خلقه.
وهم الأنبياء والرسل، وهو عليه الصلاة والسلام أفضل هؤلاء، فهو أفضل رسل الله عليهم صلاة الله وسلامه جميعاً.
ويدخل في ذلك أولو العزم، كإبراهيم عليه السلام وموسى وعيسى عليهم السلام، وغيرهم من أنبياء الله فكلهم مفضولون بالنسبة إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فهو سيدهم وأفضلهم، فهو سيد البشر ولا فخر؛ كما صح ذلك عنه في الحديث المتفق عليه 1 .
- قوله: ((وعلى آله وصحبه ومن تبعهم)) .
(آله) : من آل يؤول إذا رجع.
وقيل بمعنى أهل وهو ضعيف، ضعّفه ابن القيم في كتابه في الصلاة [على] النبي - صلى الله عليه وسلم - من عدة أوجه، ليس هذا موضع ذكرها.
فـ: (آله) : أصلها من آل يؤول، إذا رجع.
فآل الرجل: هم الراجعون إليه المضافون إليه المنتسبون إليه.
هم آل الرجل.
وآل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لهم إطلاقان: 1ـ إطلاق خاص، 2ـ إطلاق عام. - أما الإطلاق الخاص: فهم قرابته وزوجاته.
فزوجاته وذريته وسائر قرابته هم آله، وقد قال صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: (أما علمت أن آل محمد لا تحل لهم الصدقة) 2 : فالمراد من (آل محمد) : هم أقاربه من بني هاشم، وذريته عليه الصلاة والسلام من فاطمة رضي الله عنها وزوجاته على قول قاله بعض أهل العلم تقدم البحث فيه.
وقوله عليه الصلاة والسلام أيضاً: (اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً) 1 : فهنا زوجاته وأهل بيته خاصة فهم آله هنا.
وهذا أخص من الإطلاق السابق أيضا.
- أما الإطلاق العام: فهم أتباعه عامة من قرابته المؤمنين، ومن ذريته ومن زوجاته ومن سائر أتباعه من الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وقد قال تعالى: ﴿أدْخلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدّ العَذَاب﴾ 2 ، فهنا لا شك أن آل فرعون ليس أهله خاصة، وإنما أهله ومن اتبعه على باطِلِهِ فَهُم آلُ فِرعَوْن.
كما أنه يدخل فيه - وهذا أخص إطلاقات آل، يدخل فيه - الشخص نفسه.
فالشخص نفسه عندما يقال آل فلان، يدخل فيه الشخص نفسه، ما لم تكن هناك قرينة تمنع من دخوله، ومنه قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (اللهم صل على آل أبي أوفى) ، فإن هذا المتصدق المزكي، وهو أبو أوفى أحق الناس بالدخول في هذه الجملة (اللهم صل على آل أبي أوفى) 3 : أي عليه وعلى آله ـ كما أن قوله تعالى ﴿أدخلوا آل فرعون أشدّ العَذاب﴾ 4 ، يدخل فيهم فرعون ولا شك.
إذن تبين من هذا أن (آل) يدخل فيها الشخص نفسه وتدخل فيها زوجاته وذريته، ويدخل فيها سائر قرابته، ويدخل فيها على وجه العموم أتباعه والسياق يحكم، فالسياق هو [الـ]ـحاكم.
فمثلاً: قوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً) 1 ، هنا: النبي صلى الله عليه وسلم، إنما يدعو بهذا الدعاء لأهله خاصة بأن لا يكون عندهم غنى زائد، وإنما يكون عندهم ما يتقوتون به كفاية، ومثل هذا الدعاء اللائق أن يكون للشخص نفسه وأهله خاصة دون أن يتعدى هذا إلى سائر قرابته ممن قد لا يكون متحملاً لمثل هذه المعيشة بأن يكون قوتاً، وممن قد يكون محباً للغنى، ونحو ذلك.
لذا كان أزواج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عليهن رضوان الله، كُنَّ قد أجيبت لهنّ هذه الدعوة، فكُنَّ حتى بعد وفاة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ معيشتهنّ قوتاً وما فَضَلَ فإنهنّ يتصدقن به.
وأما آله من قرابته من بني هاشم فإنه كان فيهم الأغنياء وكان فيهم الفقراء.
إذن لفظة (آل) : من آل يؤول، إذا رجع، ومعناها الحاكم فيه السياق، فإنه قد يراد بها العموم وقد يراد بها القرابة والذرية والزوجات، وقد يدخل فيها الشخص نفسه، وحكم ذلك كما تقدم إلى السياق.
(مُحمد) : هو اسمه الذي هو أعظم أسمائه ـ عليه الصلاة والسلام ـ وهو اسم مفعول على وزن: مُفَعَّل، نحو مُعَظَّم، ومُقَدّس، ومُبجَّل، ونحو ذلك.
وهذا الوزن يراد منه تكرار حدوث الفعل الذي اشتق منه هذا الاسم، فيكون المعنى: من لا يزال يحمد، فهو لا يزال يُحمَد حَمْداً بعد حمد من الله عز وجل وملائكته: أي لا يزال يثنى عليه ويذكر بمحاسن أفعاله وفضائله عليه الصلاة والسلام من الله والملائكة ومن المؤمنين.
بل يحمد من الناس عامة؛ كما يكون هذا يوم يكون له المقام المحمود.
حتى مَن كَذَّبَ بِهِ، وأنكر نُبُوَّته؛ فإنه يحمد على ما فيه عليه السلام من الصفات الحميدة، فهو محمود، قد تكرر فيه الحمد فلا يزال يحمد.
وهذا الاسم " محمد ": هذا اسمه في التوراة.
ومن أسمائه (أحمد) : وهو اسمه في الإنجيل، كما قال تعالى: ﴿ومبشراً برسُولٍ يأتي من بعدي اسمُهُ أحمد﴾ 1 .
واسم " أحمد": فيه مزيد معنى على المعنى المتقدم؛ وهو أنه أحمد لله عز وجل من غيره: أي أكثر حمداً لله سبحانه وتعالى.
ومنه 2 معنى آخر؛ أنه أفضل حمداً من غيره يعني: كما أن له الكمية في كونه محمداً: أي حمده كثير لا يزال متكرراً من الله: أي ليس لله إنما من الله فهو كذلك أحمد أي أحمد من غيره عند الله وعند ملائكته.
فهو محمود حمداً أفضل وأكثر، أكثر كمية، وأفضل كيفية من غيره، فهو محمد أي لا يزال يحمد وحمده عليه الصلاة والسلام فاضل عن حمد غيره، فحمده أي ثناء الله عليه، وثناء غيره عليه، أعظم وأبجل من ثنائهم على غيره صلوات الله وسلامه عليه.
كما أنه أحمد لله سبحانه من غيره، محمد عليه الصلاة والسلام، أفضل كيفية وأكثر كمية من حمد غيره؛ فهو أكثر الناس حمداً وأعظم الحامدين لله عز وجل.
(وآله) : وآله هنا: هم قرابته وزوجاته وذريته، للعطف، فإنه عطف الصحابة عليهم.
فيكون حينئذ: نقول بالمعنى الخاص لدخول أتباعه بالمعنى العام.
(وأصحابه) : جمع صحب، وصحب جمع صاحب وهو من لقي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مؤمنا به، ومات على ذلك، فعلى ذلك لو أن رجلاً لقي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مؤمناً ونظر إليه، لكنه ارتد ثم رجع إلى الإسلام فهو صحابي؛ لأن هذا الوصف ثابت فيه، فقد لقي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو مؤمن به، وإن طرأ على ذلك ردة.
وعليه أيضا، من لقي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وجالسه لكنه لم يكن مؤمناً به ثم آمن بعد ذلك لكنه لم يسعد برؤيته؛ فإنه لا يكون صحابياً وإنما يكون تابعياً.
فإذن الصحابي هو من رأى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكان في تلك الحال مؤمناً بالله عز وجل.
ومثل ذلك من منعت رؤيته مانع كأن يكون أعمى لا يبصر فهو صحابي لأن الذي منع من الرؤية إنما هو كونه أعمى وليس المقصود هو مجرد الرؤية فحسب بل اللُّقيا ثابتة له فيكون صحابياً أيضاً.
(ومن تعبد) : أي تعبد لله وتذلل له وأطاعه، والعبادة ـ كما قال شيخ الإسلام: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة.
-
قوله: ((أما بعد)) . (أمّا) : أي مهما يكن من شيء، فأما هنا تنوب عن أداة الشرط وعن فعله، و (أما) بمعنى (مهما يكن من شيء) . (بعدُ) : هنا ظرف زمان، مبني على الضمة في محل نصب، لكون المضاف إليه محذوف، والأصل "بعد ذلك"، والمعنى: (مهما يكن من شيء بعد ذلك) .
-
قوله: ((فهذا مختصر في الفقه)) . المختصر: اسم مفعول من الاختصار.
والاختصار في الكلام: هو أن تقل الألفاظ وتكثر المعاني.
وهذا ممدوح ـ حقيقة ـ؛ لأنه أسهل للحفظ وأجمع للأحكام ولكن بشرط ألاّ يكون ذلك فيه غموض بحيث يحتاج إلى مشقة وتعب لتفهمه وتفهيمه، يعني تعلمه وتعليمه يحتاج إلى مشقة؛ لأن ألفاظه غامضة فهذا مذموم.
(الفقه) : الفقه لغة: الفهم ومنه قوله تعالى: ﴿واحْلُل عقدة من لساني يفقَهُوا قولي﴾ 1 : أي يفهموه.
اصطلاحاً: معرفة الأحكام الشرعية التكليفية العملية من أدلتها التفصيلية.
(معرفة) : سواء كان هذا علماً يقينياً جازماً أو كان ظناً غالباً يغلب على الظن، لأن العلم لا يدرك باليقين كله، بل منه ما يكون ظناً غالباً ليس من الظن المذموم الظن المرجوح أو الظن السيئ، وإنما المراد به أن يغلب على ظنه، فيكون احتمال الصواب أكثر من احتمال الخطأ، فإنه ليست المسائل الشرعية كلها - بل ولا أكثرها - يدرك باليقين، بل الكثير أو الأكثر إنما يدرك بالظن الغالب، لذا يقال: " الراجح " أي من القولين المحتملين للصواب أي هذا هو القول الراجح الذي احتمال الصواب فيه أكثر من احتمال الخطأ.
(الأحكام الشرعية) : ليست أحكاماً عقلية ولا عادية، وإنما هي أحكام شرعية أي منسوبة إلى الشرع.
(التكليفية) : التي يكلف بها العباد.
(العملية) : تخرج بذلك الاعتقادية، فهي ليست داخله فيها، فليس البحث هنا في باب التوحيد ولا الأسماء والصفات ولا اليوم الآخر.
هذا محل بحثه كتب العقائد وكتب التوحيد، إنما هنا في الأحكام العملية من صلاة وصوم وطلاق وبيوع ونحو ذلك.
(بأدلتها التفصيلية) : لابد أن يكون ذلك مع الدليل وإلا لم يكن فقها، فإن الرجل إذا عرف مسألة من المسائلِ الشرعيةِ لكنه لا يعرف دليلها فليس بفقيهٍ فيها.
وكذلك لو كان عالماً بكتاب من كتب الفقهاء مطلعاً عليهِ عارفاً بمعانيه، لكن ليس عنده أدلة شرعية تدل على هذه المسائل فهو ليس بفقيه.
فالفقيه من جمع بين فهم المسألة ومعرفة دليلها، لابد من فهم المسألة مع معرفة دليلها.
فليس بعالم من فهم المسائل وأحاط بمعانيها لكنه جاهل بأدلتها الشرعية بإجماع العلماء، لذا أجمع العلماء - كما حكى ذلك ابن عبد البر - على أن المقلد ليس بعالم.
و (التفصيلية) : ضد الإجمالية، فالإجمالية: هي الأصول العامة كالقياس والإجماع والسنة والكتاب هذه تسمى أدلة إجمالية لكنَّ الأدلة التفصيلية هي: ما تضمنه باب القياس من القياس في مسألة معينة، والأحاديث النبوية بأفرادها، يسمى أدلة تفصيلية، لكن السنة من حيث العموم تسمى أدلة إجمالية وقد تقدم البحث في هذا في شرح الأصول.
- قوله: ((من مقنع الإمام الموفق أبي محمد)) .
المقنع: هو كتاب ألَّفَهُ الشيخ: موفق الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي ـ رحمه الله تعالى ـ المتوفى سنة 620هـ.
وهو شيخ المذهب وإمام الحنابلة ـ رحمهم الله تعالى ـ مع علمه بالسنة والعقيدة فهو من أهل العلم المشهورين.
وله هذا المُؤلف وهو المقنع، هذا المؤلف: جمع فيه المسائل الفقهية في المذهب الحنبلي لكنه لم يكتف بقول واحد في المسألة بل يذكر في المسألة روايتين أو وجهين أو احتمالين.
ـ والفرق بين الرواية والوجه والاحتمال: (وهذه كلها داخله في المذهب يعني: المذهب الحنبلي فيه مسائل خلافية، وكذلك المذهب الشافعي في 1 مسائل خلافية في المذهب نفسه) . فالرواية هي: ما قاله الإمام نفسه.
فإذا قيل: " وفي هذه المسألة عن الإمام أحمد روايتان " أي قولان منسوبان إليه نفسه.
بمعنى: أفتى بقول ثم أفتى بقول آخر لكنهم لا يعرفونه التاريخ حتى يرجحوا أو أنهم عرفوا التاريخ فرجحوا وبقيت تلك الرواية.
ومعلوم أن الإمام مهما علا قدره وكثر علمه فإنه يتغير قوله فيبدو له من الترجيحات ما لم يبدُ له سابقاً فيقول قولاً وبعد فترة من الزمن يقول قولاً آخراً؛ لأنه تبين له أن ذاك الدليل الذي استدل به مثلاً ضعيف أو لا وجه أو نحو ذلك أو أنه منسوخ أو غير ذلك فينتقل إلى قول آخر أو يبلغه دليل لم يكن قد بلغه، فحينئذ ينتقل إلى قول آخر.
أما ما أضيف إلى أصحابه ـ أي أصحاب الإمام أحمد ـ أي العلماء الذين تقعدوا بقواعده وتأصلوا بأصوله فخرّجوا على مذهبه وفرعوا المسائل؛ لأن ما نقل عن الإمام أحمد لا يحيط بالمسائل الفقهية كلها.
لكن العلماء الذي اقتدوا به أو أخذوا هذه الأصول والقواعد فجعلوها أصولاً وفرعوا منها مسائل، فجمع لنا هذا الفقه.
فليست كل مسألة من المسائل في الفقه الحنبلي أو المالكي أو الشافعي أو الحنبلي مضافة إلى الإمام نفسه الذي ينتسب إليه، ليس كذلك.
وإنما هي مضافة إما إليه نفسه وإما إلى أصحابه الذين تقعدوا بقواعده، وهذا تخريج على نفس القواعد، فليست خارجة عن قواعد الإمام لكنهم اختلفوا فبعضهم رأى هذا القول وبعضهم رأى القول الآخر فيقال في المسألة وجهان.
ـ أما الاحتمال: فهو ما يصح أن يكون وجهاً في المذهب.
إذن ليس بوجه لكن يأتي عالم بعد ذلك فيقول: " هذا احتمال" ينفي أن يكون وجهاً فينفى أن تخرج على قواعد الإمام رحمه الله.
وحينئذٍ تبين لنا: أن العارف بقواعد أحمد وأصوله يمكنه أن يختار القول الراجح من هذين القولين.
لذا المذهب فيه راجح ومرجوح، فمثلاً: ألّف صاحب الإنصاف كتابه في الراجح من مسائل الخلاف أي في مذهب أحمد.
وكذلك صاحب الفروع يرجح، وكذلك الموفق وغيره.
وعندما يقال (ظاهر المذهب) : أي الراجح منه.
(والمشهور في المذهب) : أي الراجح في المذهب.
فالمتفقه في مذهب الحنابلة يمكنه أن يرجح الحق من مسائل الخلاف فيه.
كما أن العارف بالأدلة الشرعية والمتمرس فيها يمكنه أن يرجح فيما يختلف فيه أهل العلم عامة من الحنابلة وغيرهم.
إذن المقنع: ليس فيه قول واحد عن الإمام أحمد أو أصحابه، وإنما يذكر احتمالات.
فأتى هذا المؤلف واختار من الروايتين رواية واختار من كل وجهين وجها هو الظاهر والمذهب والمشهور فيه عنده، وإلا فقد يقع خطأ منه فيختار ما ليس بمشهور في المذهب ويكون المشهور في المذهب بخلاف ما اختاره.
ـ والمقنع: لم يذكر فيه الأدلة أو التعليلات للاختصار، والموفق له أربع مؤلفات في الفقه جعلها مرتبة.
1ـ كتاب العمدة وهذا المؤلف لا يذكر فيه الخلافات في المذهب وإنما يكتفي بقول واحد وربما ذكر الدليل أحياناً ليتمرس الطالب على معرفة الأدلة الشرعية.
2ـ ثم يترقى معه إلى كتاب المقنع وقد تقدمت صفته.
3ـ ثم يترقى إلى كتاب الكافي: وهو على طريقة المقنع، لكن فيه زيادة أدلة وتعليلات فيضيف الأدلة والتعليلات التي تركها في كتاب المقنع.
4ـ ثم يأتي بعد ذلك كتاب (المغني) في الفقه المقارن يذكر أقوال الحنابلة ويذكر أقوال الشافعية وغير ذلك من أقوال أهل العلم فهو في الفقه المقارن، ويذكر أدلة هؤلاء وهؤلاء ويستدل للحنابلة فهو كتاب واسع.
قال بعضهم جامعاً كتبه:
كفى الخلق بالكافي وأقنع طالباً ... بمقنع فقه عن كتاب مطول
وأغني بمغني الفقه من كان باحثاً ... وعمدته من يعتمدها يحصل.
ولا شك أن كتبه واختياراته ومؤلفاته ـ رحمه الله ـ من أنفع المؤلفات في الفقه الحنبلي وأكثرها بركة ونفعاً فرحمه الله تعالى.
-
قوله: ((وربما حذفت فيه مسائل نادرة الوقوع وزدت على ما مثله يعتمد، إذ الهمم قد قصرت 000)) : ففيه مسائل قد حذفها من المقنع لا لشيء إلا لندرة وقوعها، فهي مسائل يقل وقوعها فلم يحتج إلى ذكرها؛ لأن الحاجة إليها ضعيفة.
(وزدت على ما مثله يعتمد) : فهو قد زاد على المقنع زيادات رأى أنها مهمة فزادها.
قال: (إذ الهمم قد قصرت والأسباب المثبطة عن نيل المراد قد كثرت) : هذا تعليل للاختصار ولحذف المسائل النادرة الوقوع.
(والأسباب المثبطة عن نيل المراد) : ومن أعظمها المعاصي. -
قوله: ((ومع صغر حجمه حوى - جمع - ما يغني عن التطويل)) : فهو كتاب مع صغر حجمه كما قال، قد حوى مسائل كثيرة تغني عن التطويل الموجود في غيره من الكتب.
-
قوله: ((ولا حول ولا قوة إلا بالله)) :
لا حول: أي لا تحول لنا من حال إلى حال لا يمكننا أن نتحول من شدة إلى خفة من فقر إلى غنى من جهل إلى علم من شرك إلى توحيد من معصية إلى طاعة لا حول لنا إلا بالله سبحانه وتعالى.
أي لا تحول لأحد من حال إلى حال من حال سيئة إلى حسنة إلا بالله سبحانه وتعالى.
(ولا قوة) : كذلك لا قوة يستعان بها إلا قوة الله عز وجل.
-
قوله: ((وهو حسبنا)) : حسبنا: أي كافينا، فالحسب هو الكافي ﴿يا أيها النبي حَسْبُكَ الله﴾ 1 أي كافيك الله.
-
قوله: ((ونعم الوكيل)) : أي نعم الوكيل الله سبحانه وتعالى.
أي نعم المتوكل عليه الذي تفوض الأمور إليه فيدفع الضر ويجلب النفع الله سبحانه، فهو المتوكل عليه سبحانه وتعالى.
والحمد لله رب العالمين.
الدرس الثاني (يوم الاثنين 9/10/1414هـ)
- قوله: ((كتاب الطهارة))
الكتاب: مصدر كتب يكتب كتبا وكتاباً وكتابة، وهو بمعنى مكتوب.
والكتب في اللغة: الجمع، يقال: (تكتب بنو فلان) إذا اجتمعوا.
ومنه سميت الكتيبة " وهي جماعة الخيل " سميت كتيبة لاجتماعها.
فيكون المعنى هنا: الجامع لأحكام الطهارة.
فهذا المكتوب هنا قد جمع فيه المؤلف ما يحتاج إليه في مسائل الطهارة.
ـ أما الطهارة في اللغة: فهي النظافة والنزاهة عن الأقذار سواء كانت هذه الأقذار حسية أو معنوية.
فإذا أزال القذر الثابت على بدنه أو على ثوبه أو على بقعته فإن هذا طهارة.
وإذا أزال القذر المعنوي كالشرك بالله والمعاصي فهذه طهارة أيضاً.
ومنه سمي المشركون نجس؛ لكونهم قد وقع فيهم القذر المعنوي، وإن كانوا طاهرين طهارة حسية وأن الكافر إذا صوفح أو جلس على بقعة فلا تتنجس اليد ولا البقعة؛ لأن نجاسته نجاسة معنوية.
فالنجاسة الحسية والمعنوية: التنزه عنهما يسمى طهارة، هذا هو تعريف الطهارة لغة.
والذي يهمنا تعريفها اصطلاحاً، وقد عرفها المؤلف بقوله:
- قوله: ((وهي ارتفاع الحدث وما في معناه وزوال الخبث)) :
(ارتفاع الحدث)
الحدث هو: وصف " أي معنى من المعاني فهو ليس حسياً " يقوم بالبدن يمنع من الصلاة ونحوها مما يشترط فيه الطهارة كمس المصحف والطواف عند جمهور أهل العلم ونحوه مما تشترط فيه الطهارة.
فهو إذن ـ أي الحدث ـ ليس شيئاً محسوساً يرى بالأبصار أو يمس بالأيدي وإنما هو شيء معنوي.
إذن الطهارة: هي ارتفاع الحدث: فلا يبقى قائماً في الجسد بل يزول عنه ويرتفع.
فإذا توضأ المسلم الوضوء الشرعي وكان قد أحدث قبل ذلك، فإن هذا الوضوء يرفع الحدث الذي قام به، فهو طهارة.
والغسل كذلك، فالجنب مثلاً قد قام به وصف - فليس شيئاً محسوساً قام به - يمنعه من الصلاة، وإنما هو شيء معنوي، فإذا اغتسل ذهب منه هذا الشيء المعنوي فبقي ليس بمحدث بل طاهر.
(وما في معناه) : كذلك ما في معنى ارتفاع الحدث يسمى طهارة كما أن ارتفاع الحدث بالغسل أو الوضوء يسمى طهارة فكذلك ما يكون في معنى ارتفاع الحدث يسمى طهارة.
وفي هذه الصورة إما أن يكون الحدث موجوداً أو لا يكون موجودا، وهو إن كان موجوداً فإن هذا الفعل الذي يسمى طهارة لم يزله بل هو باق، لذا قلنا (ما في معناه) ؛ لأنه لو كان ارتفاعاً لما قلنا (في معنى ارتفاع الحدث) . إذاً: يدخل في لفظة (وما في معناه) صورتان: 1ـ الصورة الأولى: أن يكون الحدث ليس بمرتفع بل هو باق، ومع ذلك يسمى طهارة.
2ـ ألا يكون محدثاً لكنه فَعَلَ فِعْل الطهارة.
أما الصورة الأولى: فمثالها من لديه سلس بول والمرأة المستحاضة ونحو ذلك، فإنهم عندما يتوضؤون الوضوء الشرعي حدثهم باقٍ غير ذاهب؛ لأن الحدث عندهم متجدد ولكنهم قد تطهروا طهارة شرعية صحيحة، فهي على صورة الوضوء الشرعي الصحيح، ولكن مع ذلك الحدث باقٍ، فهذه تسمى طهارة شرعية لكنها ليست ارتفاعاً للحدث.
فالحدث باق وإنما هي في معنى ارتفاع الحدث.
ـ وأما إذا كان الحدث غير موجود، فمثال ذلك: الوضوء المستحب أو الغسل المستحب كغسل الجمعة؛ فإنه يسمى طهارة، والشخص عندما يغتسل غسل الجمعة ليس عليه حدث، فهو في معنى ارتفاع الحدث؛ لأنه شابهه في الصورة فغسل الجمعة كغسل الجنابة تماماً.
وكذلك: الوضوء المستحب: وهو ما يسمى بتجديد الوضوء، فعندما يجدد وضوءه فإنه عليه طهارة وليس بمحدث ومع هذا فإن الفعل يسمى تطهراً وما فعله فهو طهارة.
كذلك الغسلات التي بعد الغسلة الأولى؛ فإن الشخص عندما يتوضأ، الواجب عليه أن يغسل كل عضو مرة مرة، فالتكرار لا يرد على الحدث؛ لأن الوارد على الحدث إنما هو غسل واحد، فعندما يغسل يديه ثلاثاً فالغسلة الأولى تزيل الحدث المتعلق بيديه، وأما الغسلتان الأخريان فإنهما لا تردان على حدث فهما في معنى ارتفاع الحدث.
إذن: ما يكون في معنى ارتفاع الحدث يسمى طهارة، فمن به سلس بول أو نحوه من الأحداث المتجددة، فوضوءه أو غسله يسمى طهارة.
والغسل المستحب كغسل الجمعة - أو على القول بوجوبه أيضاً - فهو لا يرد على حدث حتى على القول بوجوبه ويسمى طهارة.
وكذلك غسل الميت يسمى طهارة، وكذلك الوضوء المستحب يسمى طهارة، وسائر الأغسال المستحبة تسمى كذلك طهارة ونحو ذلك.
(وزوال الخبث) :
الخبث: المراد به هنا: النجاسة الحسية؛ لأن الفقهاء ليس مبحثهم في الخبث المعنوي كالشرك، وإنما مبحثهم في الخبث الحسي: وهي النجاسة التي حكم الشارع بنجاستها.
وسيأتي البحث في هذا؛ فإن المؤلف قد بوَّب باباً كاملاً في النجاسة وإزالتها، والذي يهمنا هنا هو تعريف الطهارة.
فالنجاسة الحسية كالبول والعذرة ونحو ذلك زوالها عن البدن أو البقعة أو الثوب يسمى طهارة، فعندما يزول الخبث الواقع الطارئ على الثوب فينظَّف بالماء أو يزول بغير ذلك؛ فإن هذا يسمى طهارة.
وقال هنا (زوال الخبث) ، ولم يقل: (إزالة الخبث) ؛ لأن النية لا تشترط في إزالة النجاسة.
فلو أن رجلاً علق ثوباً فنزل عليه مطر وفيه نجاسة؛ فإنه لم يفعل المكلف هنا التطهير، والثوب قد طهر بزوال نجاسته بسبب نزول المطر عليه.
ولو غسل ثيابه وفيها نجاسة وهو لا يعلم بوجود هذه النجاسة وغسل ثيابه لإزالة ما فيها من الأوساخ الأخرى ولا يعلم أن فيها نجاسة، فهو لم ينو إزالة النجاسة ومع ذلك تزول؛ لأن النجاسة من باب التروك وليس من باب الأفعال، فالمقصود هو إزالتها سواء زالت بفعل المكلف ونيته أو بفعله بدون نية أو زالت بفعل غير واقع عليه التكليف كماء السماء أو نحو ذلك، فإن النجاسة تزول وعلى هذا فلو أن المؤلف قال: (رفع الحدث) : لكان الأولى؛ لأن الحدث لابد في رفعه من نية.
فلو أن رجلاً اغتسل بغير نية وتبيّن أن عليه جنابة، فإن هذا الغسل لا يجزئه؛ لأنه لم ينو إزالة الجنابة الواقعة عليه، وسيأتي الكلام على هذا في بابه إن شاء الله.
- قوله: ((المياة ثلاثة)) :
المياه: جمع كثرة لماء، وأصله موه، لذا جمع القلة منه (أمواه) ، وجمع الكثرة منه (مياه) .
(ثلاثة) : أي شرعاً، وإلا فإنها في الواقع قد تنقسم إلى أكثر من هذه الأقسام، لكن المقصود هنا أقسامها من حيث حكم الشارع فيها.
فذكر هنا أن المياه تنقسم إلى ثلاثة وهي: 1ـ الطهور أي المطهر 2ـ والطاهر وهو الطاهر بنفسه غير المطهر لغيره.
3ـ والنجس.
هكذا قسمه فقهاء الحنابلة وغيرهم فهو مذهب الجمهور، وأن المياه تنقسم إلى ثلاثة.
والمؤلف هنا سيذكر القسم الأول وما يتعلق به من مسائل ثم يذكر القسم الثاني وما يتعلق به من مسائل ثم يذكر القسم الثالث وما يتعلق به من مسائل، هذا هو المشهور في مذهب الحنابلة وغيرهم من أن المياه تنقسم إلى ثلاثة.
والراجح ما ذهب إليه المالكية وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية من أن المياه تنقسم إلى قسمين اثنين: ماء طاهر، وماء نجس، فالطاهر هو الطهور المطهر، والقسم الثاني هو الماء النجس.
قال شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ: " وإثبات ماء طاهر غير مطهر لا أصل له في الكتاب والسنة " 1 .
وسيأتي البحث في هذا عند الكلام في القسم الثاني من أقسام المياه.
ـ إذن: قوله: (ثلاثة) : فيه نظر، فالصواب والصحيح ـ وسيأتي الاستدلال له ـ أن المياه إنما تنقسم إلى قسمين: مياه طاهرة يصح للمسلم أن يتطهر بها، ومياه نجسة.
وأما أن يكون هناك ماء يسمى ماءً وهو مع ذلك لا يطهر فهذا ليس بصحيح وسيأتي مزيد بحث فيه في موضعه – إن شاء الله -.
قوله: ((طهور لا يرفع الحدث ولا يزيل النجس الطارئ غيره)) :
هذا القسم الأول: هو الطهور: فهو طاهر بنفسه مطهر لغيره، بل لا يرفع الحدث ولا يزيل النجس الطارئ غيره.
(النجس الطارئ) : لأن هناك نجس ليس بطارئ، بل هو نجس نجاسة عينيّة.
النجس الطارئ: هو الموضع أو المحل الذي وردت عليه النجاسة، فهو في أصله طاهر لكن وردت عليه نجاسة، فهذا يسمى النجس حكماً، والنجاسة هنا طارئة عليه، ليست بأصلية، فهذا هو الذي قابل لإزالة النجاسة فيعود طاهراً كما كان.
وأما النجس عيناً: فهو الذي قد خلقه الله نجساً فهذا لا يُزال بأي شيء كان.
مثال ذلك: البول أو العذرة أو الكلب أو الخنزير ونحو ذلك، فهذه نجاستها نجاسة عينية، بمعنى: أنها لا يمكن أبداً أن تزول عنها هذه النجاسة التي خلقها الله عز وجل عليها مهما فعل فيها من أدوات التطهير.
إذن الكلام إنما هو على المحل الذي ترد عليه النجاسة، فهذا هو النجس حكماً؛ لأنه طاهر في الأصل فالنجاسة طرأت عليه فأصبح في حكم الشيء النجس.
فإذا أزيلت هذه النجاسة فإنه حينئذ يعود طاهراً.
(ولا يزيل النجس الطارئ غيره) :
إذن يقرر المؤلف أن هذا النوع من المياه أولاً يرفع الحدث، وهو كذلك يزيل النجس، بل لا يرفع الحدث ولا يزيل النجس الطارئ غيره.
أما كونه لا يرفع الحدث غيره فسيأتي البحث في باب التيمم، عن التيمم أهو رافع أو مبيح؟
وفقهاء الحنابلة يرون أنه مبيح، لذا هذا التعريف يجري على قاعدتهم، وسيأتي البحث في هذا.
- وقوله هنا كذلك: ((لا يزيل النجس الطارئ غيره)) :
يدل على أنه لو كانت هناك نجاسة فصب عليها شيء آخر من المواد كالكيميائية مثلا، أو أزيل بتراب أو نحو ذلك فإن النجاسة تبقى ولا تزول.
بمعنى: ثوب أزيلت نجاسته بغير الماء أو زالت نجاسته بغير الماء، هل يزول ذلك أم لا؟ قالوا: لا يزول إلا بالماء، هذا هو مذهب الحنابلة.
فعلى ذلك إذا أزيل بحكة مثلاً وكان مما يقبل الحك، أو أزيل بأي طريق آخر، بمواد كيميائية أو نحو ذلك أو بتراب فإنه عندهم لا يزول واستدلوا بقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: في دم الحيض يصيب الثوب: (تحته ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه ثم تصلي فيه) (1) متفق عليه.
قالوا: فقد خصص النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الماء بالذكر، واستدلوا كذلك بالحديث المتفق عليه في أمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يهراق على بول الأعرابي ذنوباً من ماء) 1 متفق عليه.
قالوا: فخصص النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كذلك الماء بالذكر.
ـ وذهب فقهاء الأحناف: إلى أن الماء ليس فقط هو المزيل للنجاسة، بل أي شيء تزول به النجاسة؛ فإن المحل يطهر، كأن يزول بالتراب أو بمرور الزمن ونحو ذلك مما تزول به النجاسة بالشمس وغير ذلك، فمتى زالت النجاسة ولم يبق لها أثر يمكن إزالته فإنها حينئذ تطهر، وهذا هو القول الراجح.
ودليله قول النبي - صلى الله عليه وسلم - الثابت في سنن أبي داود: (إذا وطئ أحدكم الأذى في نعله فإن التراب لها طهور) 1 . فجعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ التراب طهوراً للنعل إذا أصابها الأذى.
ومثل ذلك ما ثبت في سنن أبي داود، أنه عليه الصلاة والسلام، قال: (إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإذا رأى في نعليه قذراً أو أذى فليمسحه ثم يصل فيهما) 1
فهذا الحديث يدل على أن المسح كاف في إزالة الأذى الواقع في النعلين.
ـ ثم إن النجاسة هي علة التنجس، فإذا زالت هذه النجاسة بأي طريق فإنه لا مبرر لانتفاء الحكم عليه.
وقد قعّد الفقهاء القاعدة المشهورة: الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.
فإذا ثبتت العلة ثبت الحكم، وإذا انتفت العلة انتفى الحكم.
إذن الراجح: أنه ليس الماء الطهور فقط هو المزيل للنجاسة.
بل كل طريق تزول به النجاسة فإنه يكون الشيء طاهراً.
فمثلاً: رجل وضع ثوبه في محل تشرق فيه الشمس فزالت النجاسة عنه، ولم يبق لها أثر مطلقاً فإنه حينئذ يكون الشيء طاهراً وهكذا.
- قوله: ((وهو الباقي على خلقته)) :
هذا هو الماء الطاهر، وهو الباقي على خلقته التي خلقه الله عليها من مياه الأنهار ومياه البحار ومياه الآبار ومياه الأمطار ونحو ذلك.
فالباقي على خلقته هو الطهور، ويدخل في ذلك البرد، والثلج ونحو ذلك كل هذا داخل في ذلك الباب.
وقد ثبت في الصحيحين أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (اللهم طهرني بالماء والثلج والبرد) 1 . لكن يجب أن يعلم أن الثلج والبرد لا يثبت به - مع كونه طهوراً لا يثبت به - الغسل حتى يجري على الأعضاء؛ لأن حقيقة الغسل جريان الماء على أعضاء المغسل أو المتوضئ.
فغسل الأعضاء حقيقته جريان الماء عليها.
فإذا كان البرد أو الثلج خفيفاً يجري الماء عند إدراته 2 على الأعضاء - يجري عليها - فإنه يثبت غسلاً ويصح الوضوء به أو الغسل.
وأما إذا كان لا يجري كأن يكون ثخيناً ثقيلاً فإنه حينئذ لا يجزئ، فإذا ماع فتوضأ أو اغتسل فإنه حينئذ يجزئه ذلك.
ـ وهل يستثنى من الماء شيء؟
(أ) ذهب بعض الفقهاء المتقدمون 3 كما يروى ذلك عن ابن عمرو، من أن مياه البحار ليست بطهورة، وخالف في ذلك جماهير الفقهاء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم وقالوا بطهوريتها وأنها مياه طهورة.
وهذا هو الحق وقد دل عليه الحديث الذي رواه الأربعة وغيرهم وصححه البخاري أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قيل له: يا رسول الله: إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر، قال: (هو الطهور ماؤه الحِلّ ميتته) 1 .
فالبحر هو الطهور ماؤه، فمياه البحار يجوز للمسلم أن يتوضأ منها وأن يغتسل ولا حرج في شيء من ذلك.
(ب) واستثني بالنصوص الصحيحة عن النبي ـ عليه الصلاة والسلام، آبار ثمود سوى بئر الناقة.
فقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر قال: (نزل الناس مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على الحجر أرض ثمود فاستقوا من آبارها وعجنوا به العجين فأمرهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يهريقوا ما استقوا ويعلفوا الإبل العجين وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة) 1 .
فهذا يدل على أنه لا يجوز للمسلم أن يتطهر بمياه آبار ثمود سوى بئر الناقة فإنه يجوز له أن يتطهر به.
(ج) الثانية: بئر برهوت:
فقد كره الفقهاء أن يتوضأ منها أو يغتسل وهي بئر بحضرموت.
وقد روى الطبراني في "الكبير"، وقد رواه الضياء في "المختارة" من طريق الطبراني في "الكبير" أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: (خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم) إلى أن قال: (وشر ماء على وجه الأرض ماء بوادي برهوت) (2) وهو حديث حسن.
وهي بئر معروفة في حضرموت.
فهذا الحديث يدل على كراهية الغسل أو الوضوء فيها كما قال ذلك الفقهاء.
- مسألة: (ماء زمزم) : هل يكره أن يتوضأ وأن يغتسل وأن يزيل الخبث منه أم لا يكره؟؟
ـ أما الوضوء منه، فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أن ذلك جائز، واستدلوا بما رواه الإمام عبد الله بن الإمام أحمد في زوائده على مسند أبيه، من حديث علي بن أبي طالب: أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ دعا بسجل من ماء زمزم فشرب منه وتوضأ 1 .
هذا الحديث يدل على جواز الوضوء من ماء زمزم وأنه لا حرج في ذلك ولا بأس.
ـ وعند الإمام أحمد خلاف المشهور في المذهب عنه كراهية ذلك.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: بكراهية الاغتسال دون الوضوء وأن الغسل مكروه دون الوضوء.
ـ أما القول بأن الوضوء مكروه فإنه لا دليل عليه والحديث النبوي الذي تقدم ذكره يرده.
وأما الغسل منه فليس في الحديث أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ اغتسل.
وهل هناك ما يمنع من الاغتسال أم يقال إن الاغتسال مثل الوضوء؟؟
روى الفاكهي في "أخبار مكة" وهو من علماء القرن الثالث، بإسناد صحيح عن العباس بن عبد المطلب وابنه "والعباس هو ساقي الناس من ماء زمزم فكان على سقاية زمزم ـ رضي الله عنه" قالا: (لا أحله لمغتسل وهو لمتوضئ وشارب حل وبِلّ) (2) أي برؤ من الأمراض.
فهنا قال هذان الصحابيان من أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ورضي الله عنهما.
قالا: (لا أحله لمغتسل) فكل واحد منهما قال هذه المقالة.
ولم يصب النووي عندما قال فيه: أنه لم يصح ما ذكروه عن العباس، بل قد صح ذلك بإسنادين أحدهما إسناد حسن والآخر إسناد صحيح، وقد احتج بهذا الأثر الإمام أحمد ـ رحمه الله تعالى.
وهذا الأثر عن العباس وابنه يدل على النهي عن الاغتسال من ماء زمزم وأن ذلك منهي عنه.
وقد كرهه ـ كما تقدم شيخ الإسلام ابن تيمية وحكى ذلك عن طائفة من العلماء.
ولم أر أحداً من أهل العلم صرّح بتحريمه.
ـ ثم إن هناك شيء من الفارق بين الغسل والوضوء فإن إزالة الجنابة أشد من إزالة الحدث الأصغر.
فإن إزالة الحدث الأكبر أشد من إزالة الحدث الأصغر.
لذا لا تزال إلا بتعميم الماء في البدن كله، بخلاف الحدث الأصغر فإنه يزول بغسل بعض الأعضاء التي أمر الله عز وجل بغسلها.
فما ذهب إليه شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ قوي في النظر، وهو كراهية الاغتسال من ماء زمزم.
وأما الوضوء فلا حرج فيه.
ـ وأعظم من الاغتسال أن يزيل به النجس فإن كراهيته أشد؛ لأن هذا الماء ماء مبارك وقد قال فيه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما في مسلم: (هو طعام طعم) ، وزاد الطيالسي بإسناد صحيح: (وشفاء سقم) (1) .
وقال عليه الصلاة والسلام: (ماء زمزم لما شرب له) (2) .
فهو ماء مبارك فلا ينبغي أن يزيل الخبث به، فإزالة الخبث مكروهة وقد نص على ذلك فقهاء الحنابلة وغيرهم.
والحمد لله رب العالمين.
قال المصنف رحمه الله:
((فإن تغيّر بغير ممازج كقطع كافور أو دهن أو بملح مائي أو سُخِّن بِنَجِس كره، وإن تغيّر بمكثه أو بما يشق صون الماء عنه من نابت فيه وورق شجر أو بمجاورة ميتة أو سخن بالشمس أو بطاهر لم يكره، وإن استعمل في طهارة مستحبة كتجديد وضوء وغسل جمعة وغسلة ثانية وثالثة كره)) :
قوله: (فإن تغير بغير ممازج كقطع كافور أو دهن أو بملح مائي) :
(فإن تغير) : أي هذا الماء الطهور الذي تقدم أنه هو الباقي على خلقته التي خلقه الله عليها.
وهو الذي يرفع به الأحداث وتزال به الأنجاس كما تقدم تقريره في المذهب.
(بغير ممازج) : بأن يحدث في هذا الماء تغير في لونه أو رائحته أو طعمه، ويكون سبب هذا التغير وقوع شيء غير ممازج، يعني: لا يمازجه ولا يخالطه بل يحدث التغير بغير ممازجة.
يعني: يقع في الماء هذا الشيء ولا يخالطه مخالطة الممازج، وإنما خالطه مخالطة غير الممازج، فهذا المخالط ما يزال باقياً على حالته ومع ذلك أحدث ذلك التأثير.
مثال ذلك: (كقطع كافور) : والكافور طيب معروف، وإنما ذكر القطع؛ لأنه إذا دُقَّ فإنه يمازج ويخالط، لكنه وهو على هيئة القطع إذا وقع في الماء فإنها تبقى قطع غير متحللة تحللاً واضحا في الماء لكنها تقع فيه وتؤثر فيه من غير ممازجة.
(أو دهن) : دهن من الأدهان سواء كان من الأدهان الحيوانية أو النباتية، فإذا وقع هذا الدهن في الماء أو قطع الكافور أو عود الغماري ومثله الشمع أو القطران والزفت، فكل هذه الأشياء إذا وقع شيء منها في الماء فإنه يؤثر فيه لكنه ليس عن ممازجة وإنما بمجرد المجاورة.
فهنا ما حكمه؟؟
هل يكون ليس بطهور أو نقول: هو طهور لكنه يكره التطهر به، أو يقال: إنه ليس بمسلوب الطهورية بل هو طهور وليس بمكروه شرعاً؟؟
ـ ثلاثة أقوال في مذهب الحنابلة:
(1) القول الأول: ما ذكره المؤلف هنا، حيث قال بعد ذلك: " كره ".
إذن هو طهور تصح الطهارة به، فيصح أن يتوضأ به أو يغتسل به وتزال به النجاسة لكنه مكروه.
قالوا: هو طهور؛ لأن هذا التغير لم يكن عن ممازجة وإنما كان عن مجاورة.
ـ وهو مكروه قالوا: للخلاف فيه، فقد وقع الخلاف فيه، هل هو طهور أو طاهر (وقد تقدم الكلام أن تقسيم الماء إلى طهور وطاهر ونجس ليس بصحيح على هذه القسمة الثلاثية، وإنما الراجح أنه ينقسم إلى قسمين طهور ونجس) ، هم يعتقدون أن الماء ينقسم إلى طهور وطاهر ونجس.
قالوا: فبعض العلماء قد نازعنا فقال: هو ليس بطهور، بل هو طاهر فلأجل هذه المنازعة قلنا بكراهيته خروجاً من الخلاف، هذا هو المشهور في المذهب.
(2) القول الثاني: قالوا: هو طاهر مسلوب الطهورية فهو طاهر بنفسه لكنه لا يطهر.
قالوا: لأن التأثر قد وقع فيه والتغيّر قد وقع فيه، وما ذكرتموه من التفريق بين المجاورة والممازجة فارق ليس بمؤثر، فما دام قد حدث التغيير والتأثير فهذا فارق ليس بمؤثر.
وهذا القول أصح من القول السابق؛ لأن ذلك ليس بمؤثر يعني: هذا التفريق ليس بمؤثر إذ الماء قد تغير سواء كان هذا التغير بممازجة أو بغير ممازجة.
(3) القول الثالث - وهو القول الراجح، وهو قول الجمهور -، قالوا: الماء طهور وليس بمكروه.
أما كونه طهور فنحن نستدل عليه بما سنستدل عليه على صحة القول بأن الماء ينقسم إلى طاهر ونجس.
فنقول: هذا يسمى ماء وكونه قد تغيّر أو تأثر فإن هذا لا يخرجه عن مسمى الماء، وقد قال تعالى: ﴿فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيداً طيباً﴾ (1) هذه هو دليلنا.
ـ أما الجمهور فاستدلوا بالدليل الذي تقدم تضعيفه وهو التفريق بين المجاورة وبين الممازجة.
ونحن نقول بهذا القول لكن بغير هذا الدليل.
ولكن بدليل آخر، وهو أن هذا طهور وقع فيه شيء، هذا الشيء طاهر ولم ينقله عن مسمى الماء، بل مازال يسمى ماءً، فلم ينتقل عن مسماه.
ـ فلو أن رجلاً غسل كأساً - قد وقع فيها شيء من الشاي أو القهوة - في إناء فإن هذا الإناء الذي فيه ماء سيتأثر ويتغير شيئاً قليلاً لكنه مع ذلك يبقى يسمى ماء.
بخلاف ما إذا وضع فيه ما يغيره فأصبح شاياً أو قهوة أو غير ذلك، فإنه حينئذ لا يسمى ماءً.
وقد قال تعالى ﴿فلم تجدوا ماءً فتيمموا﴾ ، وهذا ماء، وسيأتي مزيد بحث عن هذا وذكر من قال به من أهل العلم.
ـ والذي يهمنا هنا: هو ترجيح هذا القول وأن الماء إذا وقع فيه شيء لا يمازجه فإنه يبقى طهوراً.
ـ وهو كذلك ليس بمكروه؛ لأن التعليل الذي عللوه ليس بقوي من أجل أن نحكم على هذا الماء بأنه ماء مكروه الاستعمال؛ ذلك لأن التعليل بالخلاف ضعيف، فكثير من المسائل العلمية وقع فيها الخلاف بين أهل العلم، فهل نقول بكراهية هذه المسائل التي وجدنا الأدلة الشرعية أو القواعد العامة الشرعية – أيضا، التي 1 - تدل على جوازها وإباحتها لوجود هذا الخلاف، هذا ليس بصحيح.
نعم: إذا كان الخلاف معتبراً قوياً فإننا نجتنب ما وقع فيه الخلاف بين أهل العلم إن أمكننا اجتناب ذلك من باب قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) 2
رواه أحمد النسائي وغيرهما، من غير أن نكره ذلك، فإن الكراهية حكم شرعي، فإن الأحكام الشرعية أحدها الكراهية، فلا يحل لمسلم أن يحكم على شيء بكراهية ولا تحريم ولا تحليل ولا إيجاب ولا استحباب إلا بدليل شرعي.
إذن الصحيح: أن الماء ـ كما ذهب [إليه] الجمهور - الذي خالطه شيء قد أثّر به من غير ممازجة، فإن هذا الماء طهور، وهذا الماء ليس بمكروه الاستعمال.
قوله: ((أو بملح مائي)) :
هنا أعاد حرف الجر؛ لأن الملح المائي ليس من المخالِط غير الممازج بل هو مخالط ممازج.
الملح المائي هو الملح المنعقد عن الماء، وهو الملح الذي يوضع في الأطعمة وهو المستخرج من المياه.
ـ وقيده بالمائي: احترازاً من الملح المعدني، وهو ما يستخرج من باطن الأرض فهذا يسمى ملحاً معدنياً، والملح المعدني في المذهب إذا خالط الماء فإنه ينتقل الماء إلى الطاهرية، فيكون مسلوب الطهورية، وسيأتي الكلام عليه.
أما الملح المائي، فإنه منعقد عن الماء وأصله من الماء وهو مستخرج من الماء وهو شبيه بماء البحر، فإذا خالط الماء فغيّره وأوجد فيه ملوحة يغير عذوبه، فإن الماء يبقى طهوراً، لكنه قال: يكره؛ لأن بعض أهل العلم من الحنابلة ذهب إلى أن الماء يكون طاهراً.
وهذا تعليل بالخلاف وهو ضعيف كما تقدم بل هو ماء طهور ولا كراهية في استعماله.
إذن: إذا وضع في الماء ملح فغيّره وأوجد فيه طعم الملوحة فإنه حينئذ يكون شبيها بماء البحر الذي قال فيه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) (1) .
ثم إن هذا المغيِّر أصله من الماء فليس بمؤثر.
إذن: الماء الذي خالطه الملح المائي أو البحري هو طهور لا كراهية في استعماله، وهو قول في مذهب أحمد ـ رحمه الله.
قوله: (أو سخن بنجس) :
إذا سخن الماء بنجس، قال: (كره) .
ـ رجل أتى بإناء فيه ماء فسخنه بنجاسة، فقال هنا: يكره.
هكذا على الإطلاق.
ـ والواجب أن يفصل، فيقال: لا يخلو هذا من ثلاثة أحوال:
1ـ الحال الأول: أن تسري النجاسة إلى الماء، فحينئذ: إما أن تغيّره وإما أن لا تغيّره.، فإن غيّرته فهو حينئذ نجس.
وإن لم تغيّره فلا يخلو، إما أن يكون يسيراً أو كثيراً.
ـ فإن كان يسيراً فهو على المذهب نجس، والصحيح أنه ليس بنجس، كما سيأتي تقريره إن شاء الله.
ـ إذن على القول الراجح: إذا سرت النجاسة على الماء فإن غيرته فهو نجس، وإن لم تغيره فليس بنجس سواء كان كثيراً أو قليلاً.
2ـ الحالة الثانية: أن يكون الإناء محكماً، وتحقق أن النجاسة لم تصل إليه فحينئذ: لا معنى للقول بكراهيته، وهما قولان في المذهب.
القول الأول: أنه مكروه، والقول الثاني: أنه ليس بمكروه، وأصحهما أنه ليس بمكروه إذ لا معنى لكراهيته.
ذلك فإننا قد تحققنا وتيقنا من عدم وصول النجاسة؛ لأن هذا الإناء محكم قد أحكم تمام الإحكام فليس للنجاسة إليه نفوذ، فحينئذ لا معنى لكراهيته.
3ـ الحالة الثالثة: ألا نتحقق أن النجاسة لم تصل ولا نتحقق وصولها، فوصولها محتمل فهنا:
المشهور في المذهب أنه مكروه حينئذ: وعليه قول المؤلف هنا: (كره) .
وذهب الجمهور إلى أنه لا يكره، وهذا هو الراجح.
ـ أما حجة المذهب في كراهية ذلك فقالوا: لأنه لا يؤمن أن تصل إليه هذه النجاسة فحينئذ قلنا بكراهيته.
ـ والراجح: أنه ليس بمكروه؛ لأن هذا مجرد احتمال والأصل في الماء أنه طهور ووصول هذه النجاسة إليه مجرد احتمال فلا يكون ذلك مؤثراً.
إذن: الراجح أنه إذا سخن بنجس فاحتمل أن تصل النجاسة إلى الماء؛ فإنه لا يقال بكراهيته كما أنه لا يقال بأنه طاهر أو بأنه نجس، بل هو طهور وليس بمكروه الاستعمال.
إذن: إذا سُخّن الماء بنجاسة فلا يخلو من أحوال ثلاثة على الراجح.
1ـ الحال الأولى: أن تصل إليه شيء من النجاسة، فإذا وصل إليه شيء من النجاسة نظرنا:
فإذا تغيّر الماء فهو نجس.
وإذا لم يتغيّر فهو طهور.
2ـ الحال الثانية: أن نتحقق عدم وصول النجاسة إليه تحققا تاماً لإحكام الإناء، فحينئذ: لا مجال للقول بكراهيته.
3ـ الحال الثالثة: أن يكون الأمر محتملاً فكذلك لا يقال بكراهيته على القول الراجح.
قوله: ((وإن تغيّر بمكثه 0000 لم يكره)) :
إن تغيّر بمكثه: بمعنى: ماء نزل من السماء ثم أقام في أرض زمناً فحدث له شيء من التغير بسبب طول الإقامة فإن الأرض تؤثر في الماء بسبب طول الإقامة لكنه مازال يسمى ماءً ولم يغير هذا المكث مسماه، بل ما زال يسمى ماءً.
فحينئذ: هو طهور وليس بمكروه أيضا، وهذا مما اتفق عليه أهل العلم.
إذن الماء إذا تغير بسبب طول مكثه فهو ماء طهور وليس بمكروه وهو ما يسمى بالماء الآجن أي المتغيّر بسبب طول المكث.
قوله: (أو بما يشق صون الماء عنه من نابت فيه وورق شجر) :
كذلك قد يتغير الماء في بِرْكَةٍ أو موضع يجتمع فيه الماء فحدث فيه تغير وكان هذا التغير يشق الاحتراز من سببه، كأن يتغير بسبب تساقط أوراق الأشجار التي تحفه أو بسبب هبوب الرياح فتأتي بشيء من الأوراق أو نحو ذلك فتقع فيه أو بسبب ما ينبت فيه أو الطحالب أو نحو ذلك، فإن الماء قد تغير لكن هذا التغير ليس بأمر يسهل الاحتراز منه بل هو بأمر يشق علينا الاحتراز منه.
فهو باتفاق العلماء طهور وليس بمكروه لمشقة الاحتراز منه.
قوله: (أو بمجاورة ميتة) :
الميتة عندهم نجسة.
فإذا سقطت شاة ميتة حول بركة ماء وبسبب تحرك الرياح أحدثت في هذا الماء رائحة كريهة بسبب مجاورة هذه الميتة لهذه المياه فتغيرت المياه أي تغيرت رائحتها بسبب مجاورة الميتة.
قال هنا (هو طهور ليس بمكروه) :
قال في المبدع: (بغير خلاف تعلمه) (1) ، وكذلك قال غيره، فهي إذن مسألة اتفاقية بل هي مسألة تقرب أن تكون إجماعية ولم أر في هذه المسألة خلافاً وقد قال صاحب المبدع وغيره بما تقدم.
وهذا مشكل، وهو على قاعدتهم المتقدمة من أن المجاورة تفرق عن الممازجة، فما يتغير بالمجاورة لا يؤثر وما يتغير بالممازجة فإنه يؤثر.
وهذا تفريق في الحقيقة ليس بمؤثر فإن الماء الذي جاورته أشياء نجسة فتغيرت رائحته فتُشم النجاسة منه، هو ماء متغير بالنجاسة، فإن لم يكن هناك إجماع في هذه المسألة فالأقوى أن يقال بنجاسته؛ لأنه قد تغير بالنجاسة ونحن لا يهمنا إلا التغير سواء كان هذا التغير بمخالطة أو كان ذلك بمجاورة؛ لأن الماء قد تغيّر وهو مادة التطهر، وهو ماء متغير بالنجاسة.
فإذن: الجمهور بل لم يذكر فيه نزاع أن الماء الذي جاورته ميتة ونحوها فتغيرت بها رائحته، فهو ماء طهور بل لا يكره التطهر به.
قوله: (أو سخن بالشمس) :
إذا سخن الماء بالشمس قال: (لم يكره) ، وهذا كذلك مذهب الجمهور.
وأما ما رواه الدارقطني من أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال لعائشة وقد سخنت الماء بالشمس فقال لها: (ياحميراء ـ وهو تصغير حمراء ـ لا تفعلي فإنه يورث البرص) (1) ، فهذا حديث ضعيف جداً لا يصح نسبته إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ.
ورُوي عن عمر ـ رضي الله عنه ـ كما عند الدارقطني 1 ، وفي إسناده جهالة.
وهذا مذهب جمهور الفقهاء وأن الماء إذا سخن بالشمس فإنه لا حرج فيه ـ إلا أن يثبت طبياً أن فيه ضرراً.
فإذا ثبت طبياً أنه فيه ضرر فإنه ينهى عنه كما قال الإمام الشافعي: (لا أكره الماء المشمس إلا أن يكره من جهة الطب) 2 .