الوجه الثالث
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- درء تعارض العقل والنقل
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)تحقيق: الدكتور محمد رشاد سالم
- الناشر
- جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، المملكة العربية السعودية
- الطبعة
- الثانية، 1411 هـ - 1991 م
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر العبد أن يقول آمنت بالله وفي رواية ورسوله فهذا من باب دفع الضد الضار بالضد النافع، فإن قوله: آمنت بالله، يدفع عن قلبه الوسواس الفاسد.
ولهذا كان الشيطان يخنس عند ذكر الله، ويوسوس عند الغفلة عن ذكر الله، ولهذا سمي الوسواس الخناس، فإنه جاثم على فؤاد ابن آدم فإن ذكر الله خنس والخنوس الاختفاء بنخفاض ن ولهذا سميت الكواكب الخنس.
وقال أبو هريرة: لقيت النبي صلى الله عليه وسلم في بعض طرق المدينة، وانا جنب فانخنست منه.
ويقال: انخنست من فلان وهو اختفاء بنوع من الانخفاض والذل له فالمختفى من عدو يقالته لا يقال: انخنس منه وإنما ينخنس الإنسان ممن يهابه ويعظمه فيذل له وينخفض منه في اختفائه فهكذاالشيطان في حال ذكر يذل ويخضع ويختفي وإذا غفل العبد عن ذكر الله وسوس.
فأمر النبي صلى الله عليه وسلم العبد أن يقول: آمنت بالله أو آمنت بالله ورسوله فإن هذا القول إيمان وذكر الله يدفع به ما يضاده من الوسوسة القادحة في العلوم الضرورية الفطرية ويشبه هذا الوسواس الذي يعرض لكثير من الناس في العبادات حتى يشككه هل كبر أو لم يكبر؟ وهل قرا الفاتحة أم لا؟ وهو نوى العبادة أم لم ينوها؟ وهل غسل عضوه في الطهارة او لم يغسله فيشككه في علومه الحسية الضرورية.
وكونه غسل عضواً أمر يشهده ببصره، وكونه تكلم بالتكبير أو الفاتحة أمر يعلمه بقلبه ويسمعه بأذنه، وكذلك كونه يقصد الصلاة مثل كونه يقصد الأكل والشرب والركوب والمشي، وعلمه بذلك كله علم ضروري يقيني اولى لا يتوقف على النظر والاستدلال ولا يتوقف على البرهان، بل هو مقدمات البرهان وأصوله التي يبنى عليها البرهان أعني البرهان النظري المؤلف من المقدمات.
وهذا الوسواس يزل بالاستعاذة وانتهاء العبد، وأن يقول إذا قال: لم تغسل وجهك؟ بلى، قد غسلت وجهي، وإذا خطر له أنه لم ينو ولم يكبر، يقول بقلبه: بلى قد نويت وكبرت فيثبت على الحق ويدفع ما يعارضه من الوسواس، فيرى الشيطان قوته وثباته على الحق، فيندفع عنه وإلا فمتى رآه قابلاً للشكوك والشبهات، مستجيباً إلى الوسواس والخطرات، أورد عليه من ذلك ما يعجز عن دفعه وصار قلبه مورداً لما توحيه شياطين الإنس والجن من زخرف القول ونتقل من ذلك إلى غيره إلى أن يسوقه الشيطان إلى الهلكة.
﴿الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات﴾ البقرة 257 ﴿إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون * وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون﴾ الأعراف 201-202.