الحديث الرابع
: حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -،أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إن الله ليضيء للذين يتخلّلون إلى المساجد في الظلم بنور ساطع يوم القيامة))1، وذكر الطيبي، والمناوي، ثم المباركفوري: أن هذا النور يحيط بالمشَّائين إلى المساجد في الظُّلَم من جميع جوانبهم على الصراط، لمَّا قاسوا مشقة المشي في ظلمة الليل جوزوا بنور يضيء لهم ويحيط بهم على الصراط ووصف النور بالتامّ، وتقييده بيوم القيامة تلميح إلى وجه المؤمنين يوم القيامة، وقولهم فيه: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾، وإلى قصة المنافقين وقولهم للمؤمنين: ﴿انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ﴾، وفيه أن من انتهز هذه الفرص، وهي المشي إلى المساجد في الظلم في الدنيا كان مع النبيين، والذين آمنوا: من الصديقين، والشهداء، والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.2
ولا شك أن سرعة المرور على الصراط بحسب النور، فمن كان نوره أعظم كان مروره على الجسر أسرع، وهو أحدُّ من السيف، وأدقُّ من الشعر، فمن الناس من يمرّ عليه ويتجاوزه كلمح البصر، ومنهم من يمرّ كالبرق، ومنهم من يمرّ كالريح، ومنهم من يتجاوزه كالطير، ومنهم من
يمرّ كالفرس الجواد، ومنهم من يمرّ كركاب الإبل1، ومنهم من يزحف زحفاً2حتى يجيء آخرهم يسحب سحباً.3
وقد ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله أن الأنوار تقسم دون الجسر على حسب الأعمال، فيُعطَى العبد من النور هناك بحسب قوة نوره، وإيمانه، ويقينه، وإخلاصه، ومتابعته للرسول - صلى الله عليه وسلم - في دار الدنيا، فقال رحمه الله: ((فمنهم من يكون نوره كالشمس4، ودون ذلك كالقمر، ودونه كأشدِّ كوكبٍ في السماء إضاءة، ومنهم من يكون نوره كالسراج في قوّته وضعفه، وما بين ذلك، ومنهم من يُعطَى نوراً على إبهام قدمه يضيء مرة ويطفأ أخرى، بحسب ما كان معه من نور الإيمان في دار الدنيا، فهو هذا النور الذي بعينه أبرزه الله لعبده في الآخرة ظاهراً يُرى عِياناً بالأبصار، ولا يستضيء به غيره، ولا يمشي أحدٌ إلا في نور نفسه، إن كان له نور مشى في نوره، وإن لم يكن له نورٌ أصلاً لم ينفعه نور غيره، ولما كان المنافق في الدنيا قد حصل له نور ظاهر غير مستمر ولا متصل بباطنه، ولا له مادة من الإيمان أُعطي في الآخرة نوراً ظاهراً لا مادة له، ثم يُطفأ عنه
أحوج ما كان إليه)).1
وبيّن رحمه الله أن مشي الناس على الصراط بحسب سرعتهم في الخير في الدنيا، فقال: ((مشيهم على الصراط في السرعة والبطء بحسب سرعة سيرهم وبطئه على صراط الله المستقيم في الدنيا، فأسرعهم سيراً هنا أسرعهم هناك، وأبطأهم هنا أبطأهم هناك، وأشدهم ثباتاً على الصراط المستقيم هنا أثبتهم هناك، ومن خطفته كلاليب الشهوات، والشبهات، والبدع المضلّة هنا خطفته الكلاليب التي كأنها شوك السعدان هناك، ويكون تأثير الكلاليب فيه هناك على حسب تأثير كلاليب الشهوات والشبهات والبدع فيه هاهنا، فناج مُسَلَّم، ومخدوش مُسَلَّم، ومخزول - أي مقطع بالكلاليب - مُكردس في النار كما أثَّرت فيه تلك الكلاليب في الدنيا ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾.2
20 - وقال الله - عز وجل
##: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ
يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَالله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.3
ضَمِن الله - عز وجل - للمؤمنين بالتقوى ثلاثة أمور: الأمر الأول: أعطاهم نصيبين من رحمته: نصيباً في الدنيا ونصيباً في الآخرة، وقد يضاعف لهم نصيب الآخرة فيصير نصيبين.
الأمر الثاني: أعطاهم نوراً يمشون به في الظلمات.
الأمر الثالث: مغفرة ذنوبهم، وهذا غاية التيسير، فقد جعل سبحانه التقوى سبباً لكل يسر، وتَرْكَ التقوى سبباً لكل عسر.1
وهذا الخطاب في هذه الآية فيه قولان لأهل التفسير: 1 - قيل تُحمل على مؤمني أهل الكتاب، وأنهم يُؤتَوْن أجرهم مرتين؛ لإيمانهم بأنبيائهم، ثم إيمانهم بمحمد - صلى الله عليه وسلم -، فيُعطَون بذلك: نصيبين من الأجر، كما قال - سبحانه وتعالى -: ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾.2
فلا شك أن من آمن من أهل الكتاب بنبيه، ثم آمن بمحمد - صلى الله عليه وسلم - فإنه يُعطَى أجرين، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وأدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - فآمن به، واتّبعه، وصدّقه، فله أجران، وعبد مملوك أدَّى حقّ الله تعالى، وحقَّ سيّده فله أجران، ورجل كانت له أمةٌ فغذَّاها فأحسن غذاءها، ثم أدبها فأحسن أدبها، ثم أعتقها وتزوّجها، فله أجران)).3
2 - وقيل: هي في حق هذه الأُمَّة؛ لِمَا ذكره سعيد بن جبير أن أهل الكتاب افتخروا بأنهم يؤتون أجرهم مرتين، فأنزل الله - عز وجل - هذه الآية في
حق هذه الأمة.1
ومما يؤيّد هذا القول ما رواه أبو موسى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجُلٍ استأجر قوماً يعملون له يوماً إلى الليل على أجر معلوم، فعملوا له نصف النهار، فقالوا: لا حاجة لنا إلى أجرك الذي شرطت لنا، وما عملنا باطل، فقال لهم: لا تفعلوا، أكملوا بقية عملكم، وخذوا أجركم كاملاً، فأبوا وتركوا، واستأجر آخرين بعدهم فقال: أكملوا بقية يومكم هذا، ولكم الذي شرطتُ لهم من الأجر، فعملوا، حتى إذا كان حين صلاة العصر قالوا: لك ما عملنا باطل، ولك الأجر الذي جعلت لنا فيه، فقال لهم: أكملوا بقية عملكم فإنما بقي من النهار شيء يسير، فأبوا، فاستأجر قوماً أن يعملوا له بقية يومهم، فعملوا بقية يومهم حتى غابت الشمس، واستكملوا أجر الفريقين كليهما، فذلك مثلهم ومَثَل ما قبلوا من هذا النور)).2
قال العلامة السعدي رحمه الله: ((ويُحتمل أن يكون الأمر عاماً يدخل فيه أهل الكتاب وغيرهم، وهذا هو الظاهر، وأن الله أمرهم بالإيمان والتقوى الذي يدخل فيه جميع الدين: ظاهره وباطنه، أصوله وفروعه، وأنهم إن امتثلوا هذا الأمر العظيم أعطاهم ﴿كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ﴾: لا يعلم قدرهما ولا وصفهما إلا الله تعالى: أجر على الإيمان، وأجر على التقوى، وأجر على امتثال الأوامر، وأجر على اجتناب النواهي، أو أن التثنية المراد
بها تكرار الإيتاء مرة بعد أخرى)).1
وقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾: وفي هذا أقوال: 1 - قيل: النور هنا: القرآن الكريم. 2 - وقيل: الهدى. قال الإمام الطبري رحمه الله: ((وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذِكْرُهُ: وعد هؤلاء القوم أن يجعل لهم نوراً يمشون به، والقرآن مع اتِّباع النبي - صلى الله عليه وسلم - نور لمن آمن بهما، وصدّقهما، وهدىً؛ لأن من آمن بذلك فقد اهتدى)).2
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله: ((يعني هدى يتبصّرون به من العمى والجهالة، ويغفر لكم، ففضلهم بالنور والمغفرة... وهذه الآية3كقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إن تَتَّقُواْ الله يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَالله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.4
وقال العلامة السعدي رحمه الله: ﴿وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾: أي يُعطيكم علماً، وهدىً، ونوراً تمشون به في ظلمات الجهل، ويغفر لكم السيئات ﴿وَالله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾، فلا يستغرب كثرة هذا الثواب على فضل ذي الفضل العظيم، الذي عمّ فضله أهل السموات والأرض، فلا
يخلو مخلوق من فضله طرفة عين، ولا أقلّ من ذلك)).1
وقوله تعالى: ﴿تَمْشُونَ بِهِ﴾، قيل: تمشون به في الناس تدعونهم إلى الإسلام.2
وقيل: تمشون به على الصراط.3
وقد جمع بين هذين القولين الإمام ابن القيم رحمه الله، فقال: ((وفي قوله: ﴿تَمْشُونَ بِهِ﴾ إعلام بأن تصرفهم وتقلّبهم الذي ينفعهم إنما هو بالنور، وأنّ مشيهم بغير نور غير مجدٍ عليهم، ولا نافع لهم، بل ضرره أكثر من نفعه، وفيه أن أهل النور هم أهل المشي، ومن سواهم أهل الزمانة والانقطاع، فلا مشي لقلوبهم، ولا لأحوالهم، ولا لأقوالهم، ولا لأقدامهم إلى الطاعات، وكذلك لا تمشي على الصراط، إذا مشت بأهل الأنوار أقدامهم، وفي قوله تعالى: ﴿تَمْشُونَ بِهِ﴾ نكتة بديعة، وهي أنهم يمشون على الصراط بأنوارهم، كما يمشون بها بين الناس في الدنيا، ومن لا نور له فإنه لا يستطيع أن ينقل قدماً عن قدم على الصراط، فلا يستطيع المشي أحوج ما يكون إليه)).4
## المبحث الثاني: النور والظلمات في السنة النبوية جاء في أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر النور والحث على اكتسابه والترغيب
فيه، وسؤال الله - عز وجل - ذلك، وجاء ذكر الظلمات والتحذير من أسباب ذلك، ومن الأحاديث والآثار في ذلك ما يأتي: 1 - كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في دعائه في آخر الليل إذا ذهب إلى الصلاة في المسجد
##: ((اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي لساني نوراً،
وفي سمعي نوراً، وفي بصري نوراً، ومن فوقي نوراً، ومن تحتي نوراً، وعن يميني نوراً، وعن شمالي نوراً، ومن أمامي نوراً، ومن خلفي نوراً، واجعل في نفسي نوراً، وأعظم لي نوراً، وعظِّم لي نوراً، واجعل لي نوراً، واجعلني نوراً، اللهم أعطني نوراً، واجعل في عصبي نوراً، وفي لحمي نوراً، وفي دمي نوراً، وفي شعري نوراً، وفي بشري نوراً)).1
قال ابن الأثير رحمه الله: ((أراد ضياء الحق، وبيانه، كأنه قال: اللهم استعمل هذه الأعضاء منِّي في الحق، واجعل تصرفي وتقلّبي فيها على سبيل الصواب والخير)).2
وقال الإمام النووي رحمه الله: ((قال العلماء سأل النور في أعضائه، وجسمه، وتصرفاته، وتقلباته، وحالاته، وجملته في جهاته الست، حتى لا يزيغ شيء منها عنه)).3
ويزيد لك وضوحاً ما بيّنه الإمام القرطبي رحمه الله حيث قال:
((يمكن أن تحمل على ظاهرها، فيكون معنى سؤاله: أن يجعل الله له في كل عضو من أعضائه نوراً يوم القيامة يستضيء به في تلك الظلم، هو ومن تبعه، أو من شاء الله ممن تبعه، والأولى أن يقال: هذه الأنوار هي مستعارة للعلم والهداية، كما قال تعالى: ﴿أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ﴾1، وكما قال تعالى: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾2أي علماً وهداية))، ثم قال: ((والتحقيق في معنى النور مظهرٌ ما ينسب إليه، وهو يختلف بحسبه، فنور الشمس: مظهرٌ للمبصرات، ونور القلب: كاشفٌ عن المعلومات، ونور الجوارح: ما يبدو عليها من أعمال الطاعات، فكأنه دعا بإظهار الطاعات عليها دائماً، والله أعلم)).3
وذكر الطيبي رحمه الله: أن معنى طلب النور للأعضاء: عضواً عضواً، أن يتحلَّى بأنوار المعرفة والطاعة، ويتعرّى عن ظلمة الجهالة والمعاصي؛ فإن الشياطين تحيط بالجهات الست بالوساوس، فكان التخلص منها بالأنوار السادَّة لتلك الجهات، وكل هذه الأنوار راجعة إلى الهداية، والبيان، وضياء الحق، وإلى مطالع هذه الأنوار يرشد قوله تعالى4: ﴿الله نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي
الله لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ﴾.1
2 - عن أبي مالك الأشعري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم
##: ((الطّهور شطر الإيمان،
والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السموات والأرض، والصلاة نور... )) الحديث.2
قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((والصلاة نور))، قال الإمام القرطبي رحمه الله في شرح ذلك: ((معناه: أن الصلاة إذا فُعِلَت بشروطها: المصححة، والمكملة نوَّرت القلب؛ بحيث تُشرق فيه أنوار المكاشفات والمعارف، حتى ينتهي أمر من يراعيها حق رعايتها أن يقول ((وجعلت قُرّة عيني في الصلاة))3، أيضاً: فإنها تنوِّر بين يدي مراعيها يوم القيامة في تلك الظلم، وأيضاً: تنوِّر وجه المصلي يوم القيامة، فيكون ذا غُرّةٍ وتحجيل)).4
وقال الإمام النووي: ((وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((والصلاة نور)) فمعناه: أنها تمنع صاحبها من المعاصي، وتنهى عن الفحشاء والمنكر، وتهدي إلى الصواب، كما أن النور يُستضاء به، وقيل: معناه: أن يكون أجرها نوراً لصاحبها يوم القيامة، وقيل: لإشراق أنوار المعارف، وانشراح القلب، ومكاشفات الحقائق لفراغ القلب فيها، وإقباله إلى الله تعالى، بظاهره
وباطنه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ﴾.1
وقيل: معناه: أنها تكون نوراً ظاهراً على وجهه يوم القيامة، ويكون في الدنيا أيضاً على وجهه البهاء، بخلاف من لم يصلِّ، والله أعلم))2، قلت: النور يشمل ذلك كله في كل ما ذُكِرَ والله أعلم.
3 - وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بينما جبريل قاعد عند النبي - صلى الله عليه وسلم - سمع نقيضاً3من فوقه، فرفع رأسه فقال: ((هذا باب من السماء فُتح اليوم لم يُفتَح قطّ إلاّ اليوم، فنزل منه ملك فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم، فسلم وقال
##: أبشر بنورين أو تيتهما لم يؤتهما نبي قبلك:
فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منهما إلاّ أُعطيته)).4
وقد بيّن الإمام القرطبي رحمه الله معنى ذلك: وأن قول الملك: ((أبشر بنورين)) أي أبشر بأمرين عظيمين، نيِّرين، تنير لقارئهما، وتنوِّره، وخُصّت الفاتحة بهذا؛ لأنها تضمّنت جملة معانٍ: الإيمان، والإسلام، والإحسان، وعلى الجملة فهي آخذة بأصول القواعد الدينية، والمعاقد المعارفية، وخُصّت خواتيم سورة البقرة بذلك، لِمَا تضمّنته من الثناء على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعلى أصحابه - رضي الله عنهم -، بجميل انقيادهم لمقتضاها، وتسليمهم لمعناها، وابتهالهم إلى الله، ورجوعهم إليه في جميع أمورهم، ولِمَا حصل
فيها من إجابة دعواتهم، بعد أن علموها، فخفَّف عنهم، وغفر لهم، ونُصِروا، وفيها غير ذلك مما يطول تتبُّعه)).1
4 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال
##: ((إن هذه القبور مملوءةٌ ظلمةً على أهلها،
وإن الله - عز وجل - ينوِّرها لهم بصلاتي عليهم)).2
قال الطيبي رحمه الله: ((أما قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((إن هذه القبور مملوءةٌ ظلمةً)) إلى آخره، فكالأسلوب الحكيم، يعني ليس النظر في الصلاة على الميت إلى حقارته ورفعة شأنه، بل هي بمنزلة الشفاعة له، لينوَّر قبره... )).3
5 - وعن أمِّ سلمة رضي الله عنها في دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي سلمة عند إغماضه: ((اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديّين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا ربّ العالمين
##، وافسح له في قبره، ونوّر له فيه))4، وهذا دعاء عظيم لأبي سلمة، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا له برفع الدرجة: أي: ارفع درجته واجعله في زمرة الذين هديتهم للإسلام، وكن الخليفة على من يتركه من عقبه: كأهله وأولاده، فاحفظ أمورهم ومصالحهم، ولا تكِلْهم إلى غيرك؛ فإنهم عقبة: أي الذين تأخروا عنه، ويعني بالغابرين: الباقين، كما قال الله - عز وجل -: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ
كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾1: أي من الباقين في العذاب، وغبر من الأضداد، يأتي بمعنى بقي، وبمعنى ذهب.2
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((وافسح له في قبره، ونوِّر له فيه)) أي وسّع في قبره، وادفع عنه ظلمة القبر)).3
6 - وعن زيد بن أرقم - رضي الله عنه - قال: قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوماً فينا خطيباً بماءٍ يُدعى خُمّاً بين مكة والمدينة، فَحِمَد الله، وأثنى عليه، ووعظ وذكّر، ثم قال: ((أمّا بعد، ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب
##، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله:
فيه الهدى والنور [وهو حبل الله المتين، من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على الضلالة] فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به)) فحث على كتاب الله ورغّب فيه.. )) الحديث.4
قال الإمام النووي رحمه الله في قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((هو حبل الله)) قيل: ((المراد بحبل الله: عهده، وقيل: السبب الموصل إلى رضاه، ورحمته، وقيل: هو نوره الذي يهدي به)).5
ولا شك أن العمل بكتاب الله يوصل إلى رحمته، ورضاه، وهدايته
وتوفيقه، والله المستعان.
7 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في فتنة القبر، وإجابة المسلم على الأسئلة
##: ((ثم يُفسح له في قبره سبعون ذراعاً في سبعين،
ثم يُنوّر له فيه))1، والمعنى أنه يُوسَّع له في قبره سبعون ذراعاً في الطول وسبعون ذراعاً في العرض، ثم يجعل له النور في هذا القبر الذي وُسِّع له.2
8 - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه أن