عقيدة المسلم في ضوء الكتاب والسنةأولاً: قصور أهل الجنة وخيامهم وغرفهم:

أولاً: قصور أهل الجنة وخيامهم وغرفهم:

قال الله تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَعْدَ الله لا يُخْلِفُ الله الْمِيعَادَ﴾.1
قال ابن كثير رحمه الله: أخبر - عز وجل - عن عباده السعداء أن لهم غرفاً في الجنة، وهي القصور الشاهقة، من فوقها غرف مبنيَّة، طباق فوق طباق، مبنيَّات محكمات، مزخرفات عاليات.2
وعن أبي مالك الأشعري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إنَّ في الجنة غُرفاً يُرى ظاهرُها من باطنها، وباطنُها من ظاهرها، أعدّها الله تعالى لمن أطعم الطعام، وألانَ الكلام، وتابع الصيام، وأفشى السلام، وصلّى بالليل والناس نيام)).3
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((بينما أنا نائم رأيتني في الجنة، فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر، فقلت: لمن هذا القصر؟ فقالوا: لعمر بن الخطاب، فذكرت غيرتك فوليتُ مدبراً))، فبكى عمر وقال:

((أعليك أغار يا رسول الله؟)).1
وعن جابر - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((دخلت الجنة فإذا أنا بقصرٍ من ذهب، فقلت: لمن هذا؟ فقالوا: لرجل من قريش، فما منعني أن أدخله يا ابن الخطاب إلا ما أعلمه من غيرتك)). قال: ((وعليك أغار يا رسول الله؟)).2
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: أتى جبريل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((يا رسول الله! هذه خديجة قد أتتك معها إناءٌ فيه إدامٌ، أو طعام، أو شراب، فإذا هي أتتك3فاقرأ عليها السلام من ربها ومني، وبشَّرها ببيتٍ في الجنة من قَصَبٍ لا صَخَبَ فيه ولا نَصَب)).4
قوله: من قصب: أي من لؤلؤة مجوفة، واسعة، كالقصر المنيف، وقيل بيت من القصب المنظوم بالدر، واللؤلؤ، والياقوت.5
وقال الله تعالى للنبي - صلى الله عليه وسلم -: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن

ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا﴾.1
وعن عبد الله بن قيس عن أبيه رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((في الجنة خيمة من لؤلؤةٍ مُجوَّفةٍ عرضها ستون ميلاً، في كل زاوية منها أهل ما يرون الآخرين، يطوف عليهم المؤمن)). وفي رواية لمسلم: ((إن للمؤمن في الجنة لخيمةً من لؤلؤةٍ واحدةٍ مُجوَّفةٍ، طولُها في السماء ستون ميلاً)).2
ولا منافاة بين طولها وعرضها في الروايتين، فعرضها في مساحة أرضها ستون ميلاً، وطولها في السماء ستون ميلاً في العلو، فطولها وعرضها متساويان.3
وعن عثمان بن عفان - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((من بنى مسجداً لله بنى الله له بيتاً في الجنة)).4
ويقول الله - عز وجل - لمن حَمِدَ واسترجع عند موت ولده: ((ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسمُّوه بيتَ الحمد)).5

وعن أمِّ حبيبة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((ما من مسلم يصلي لله كلَّ يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعاً غير فريضة إلاَّ بنى الله له بيتاً في الجنة، أو إلاّ بُني له بيتٌ في الجنة)).1
وقد فسرها الترمذي أنها السنن الرواتب. وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِالله وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.2
وفي حديث أبي هريرة الطويل عندما اشتكوا قلوبهم إذا فارقوا النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفيه أنهم سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بناء الجنة، فقال عليه الصلاة والسلام: ((لبنةٌ من فضة، ولبنة من ذهب، ومِلاطها المسك الأذفر3، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران، من يدخلها ينعم ولا يبأس، ويخلد ولا يموت، لا تبلى ثيابهم، ولا يفنى شبابهم)).
ثم قال: ((ثلاثة لا تُردّ دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم يرفعها فوق الغمام، ويفتح لها أبوب السماء، ويقول الرب تبارك

وتعالى: وعزتي لأنصرنّك ولو بعد حين)).1
## ثانياً: مساكن أهل النار وسلاسلهم وأنكالهم ومقامعهم: قال الله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾.2
﴿مُقَرَّنِينَ﴾: أي مكتفين قد قُرنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال.3
﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾: أي دعوا بالويل، والحسرة، والهلاك، والخيبة، والخسارة، والدمار.4
وقال - عز وجل -: ﴿إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾.5
﴿الأَغْلالُ﴾: جمع غِلٍّ، وهو الحديدة التي تجمع يد الأسير إلى عنقه، والمعنى أن الأغلال في أعناقهم، والسلاسل متصلة بالأغلال بأيدي الزبانية، يسحبونهم على وجوههم، تارةً إلى الجحيم، وتارةً إلى الحميم.6

وقال تبارك وتعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِالله الْعَظِيمِ وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ لا يَأْكُلُهُ إِلا الْخَاطِؤُونَ﴾.1
وقال - سبحانه وتعالى -: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاَسِلا وَأَغْلالاً وَسَعِيرًا﴾.2
وقال تعالى: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالاً وَجَحِيمًا﴾.3
والأنكال: هي القيود العظام لا تنفك أبداً، وقيل: أغلالاً من حديد.4
وقال تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾.5
والمقامع: جمع مِقْمَع، وهو ما يُضرب به ويُذلّل، يقال: قمعته فانقمع6، وهي سياط من حديد، واحدتها مقمعة، من قولهم: قمعتُ

رأسه: إذا ضربته ضرباً عنيفاً.1
## المبحث التاسع عشر: عِظم أجسام أهل الجنة، وعِظم أجسام أهل النار

جارٍ التحميل