الرابع: الإيمان بأسماء الله الحسنى وصفاته العلا
: أهل السنّةِ والجماعة يُثبتون ما أثبتَهُ الله - عز وجل - لنفسه، وما أثبتَه له رسولُهُ - صلى الله عليه وسلم -، من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، ويُمِرّونها كما جاءت مع الإيمان بما دلّت عليه من المعاني العظيمة، فكل ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسولُهُ من جميع الأسماء والصفات أثبتوه على الوجه اللاَّئق به تعالى، إثباتًا مفصلاً على حدِّ قوله سبحانه: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ وينفون عنه ما نفاه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله - صلى الله عليه وسلم - نفيًا إجماليًّا غالبًا على حد قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء﴾ والنفي يقتضي إثباتَ ما يُضادُّه من الكمال، فكل ما نفى الله عن نفسه من النقائص فإن ذلك يدل على ضِدِّهِ من أنواع الكمال، وقد جمع الله النفي والإثبات في آية واحدة ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ فهذه الآية تضمنّتْ تنزيه الله من مُشابَهةِ خلقه: لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وفي أولها ردٌّ على المشبِّهَةِ وهو قوله
تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وفي آخرها ردّ على المعطلة وهو قوله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ وفي أولها نفي مُجمل، وفي آخرها إثبات مفصل.
وقال الله - عز وجل -: ﴿فَلاَ تَضْرِبُواْ لله الأَمْثَالَ إِنَّ الله يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾1،وهذه عقيدة أهل السنة والجماعة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأتباعهم بإحسان.
نَقَلَها عنهم أئمةُ أهل السُّنّةِ2،قال الوليد بن مسلم رحمه الله: سألت الأوزاعي، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، والليث بن سعد، عن هذه الأحاديث التي فيها ذكر الرؤية فقالوا: ((أمِرُّوها كما جاءت بلا كيف))3،وقد ذكر أهل السنة كلام الأئمة على قوله - عز وجل -: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وأن ذلك يدل على علوِّ الله على خلقه كما قال - سبحانه وتعالى -: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾4،وقال - عز وجل -: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً﴾5،قال أبو القاسم اللالكائي رحمه الله: ((فدلت هذه الآية أنَّهُ تعالى في السماء وعلمه مُحيطٌ بكلِّ مكان من أرضه وسمائه، وقال: وروى ذلك من الصحابة: عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وأمُّ سلمة - رضي الله عنهم -، ومن التابعين ربيعةُ بن أبي عبدالرحمن، وسليمان التيمي، ومقاتل بن حيان، وبه قال من الفقهاء مالك بن أنس، وسفيان
الثوري، وأحمد بن حنبل.1
وسئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟ قال: ((الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول ومِنَ الله الرِّسالة، وعلى الرَّسول البلاغ، وعلينا التَّصديق))2، وقال رجل للإمام مالك رحمه الله: يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟ فقال: ((الكيف غير معقول، والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، فإني أخاف أن تكون ضالاًّ وأَمَر به فَأُخرِج)).3
وقيل لأبي عبد الله أحمد بن حنبل رحمه الله: الله - عز وجل - فوق السماء السابعة على عرشه بائنٌ من خلقه، وقدرتُه وعلمه في كل مكان؟ قال: ((نعم على العرش وعلمه لا يخلو منه مكان))4، وفي رواية: ((أنه سئل عن قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ فقال الكلام السابق.
وهذه النقولات تدل على أن أهل السنة يثبتون الأسماء والصفات وما دلَّت عليه من المعاني العظيمة مع إمرارها كما جاءت بلا كيف.
والمعيَّة معيتان: معيَّة عامة لجميع الناس، ومعيَّة خاصة تقتضي التوفيق.5