عقيدة المسلم في ضوء الكتاب والسنةالمبحث الثاني: المعتزلة ورأيهم

وأما القدرية المعتزلة عن الحق، فقد افترقت عشرين فرقة كل فرقة منها تُكَفَّر سائرها، يجمعها كلها في بدعتها أمور: منها اتفاقهم على دعواهم في أن الفاسق من أمة الإسلام يكون في منزلة بين المنزلتين.1
وسبب تسمية المعتزلة أنه دخل واحد على الحسن البصري2فقال: يا إمام الدين، لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفّرون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم كفر يُخرج به عن الملة - وهم وعيدية الخوارج - وجماعة يرجئون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم لا تضر مع الإيمان، بل العمل على مذهبهم ليس ركناً من الإيمان.
ولا يضرّ مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة - وهم مرجئة الأمة - فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقاداً؟ فتفكّر الحسن في ذلك، وقبل أن يجيب قال واصل بن عطاء: أنا لا أقول: إن صاحب الكبيرة مؤمن مطلقاً، ولا كافر مطلقاً، بل هو في منزلة بين المنزلتين: لا مؤمن ولا كافر، ثم قام واعتزل إلى أسطوانة من أسطوانات المسجد يقرر ما أجاب به على جماعة من أصحاب الحسن،

فقال الحسن: اعتزلنا واصل، فسُمّي هو وأصحابه معتزلة.1
والمعتزلة هم: نُفاة الصفات، قالوا: هو عالم بذاته، قادر بذاته، حي بذاته... إلخ، ويتفق مذهبهم مع مذهب الخوارج في حكم العصاة في الآخرة، وهو القول بخلود العصاة في النار، أما في الدنيا فلا يستحلّون شيئاً من دماء وأموال الفسقة - كما تفعل الخوارج - لكنهم اتفقوا مع الخوارج في إخراجهم من الإيمان واختلفوا معهم في دخولهم في الكفر، فقالت المعتزلة: خرجوا من الإيمان، ولم يدخلوا في الكفر، فهم في منزلة بين المنزلتين.
أما الخوارج فيُخرجون الفساق من الإيمان، ويُدخلونهم في الكفر بمجرد الكبيرة2، أما المعتزلة فيقولون: العصاة ليسوا مؤمنين ولا كافرين، ولكن نُسمّيهم فاسقين، فجعلوا الفسق منزلة بين المنزلتين، ولكنهم لم يحكموا للفاسق بمنزلة في الآخرة بين المنزلتين، بل قضوا بتخليده في النار أبداً كالخوارج، فوافقوا الخوارج مآلاً، وخالفوهم مقالاً، وكان الكلّ مخطئين ضلالاً.3
فالمعتزلة قرّروا أن مرتكب الكبيرة في منزلة بين المنزلتين في الدنيا، ومخلّد في النار يوم القيامة ما لم يتب.4
ومن أدلّة المعتزلة على أنّ مرتكب الكبيرة ليس مؤمناً قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ

بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾.1
فلا يجوز - على ملحظ القاضي عبد الجبار - أن يكون الرسول - صلى الله عليه وسلم - رؤوفاً رحيما ً بمن يقيم عليه الحدّ من أهل الكبائر، وبمن يلعنه، وكذلك يحتجّ المعتزلة... بجملة من الأحاديث منها قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن)).2
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له)).3
أمّا أدلّة المعتزلة فيما ذهبوا إليه من تأبيد العقاب في النار لأصحاب المعاصي فمنها قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم، خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن شرب سمّاً فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم، خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تردَّى من جبل فقتل نفسه فهو يتردّى في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً)).4
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((يدخل أهل الجنة الجنة، ويدخل أهل النار النار، ثم يقوم مؤذّن بينهم فيقول: يا أهل الجنة لا موت، ويا أهل النار لا موت، كل

خالد فيما هو فيه))1، ويأتي الرّدّ على المعتزلة فيما ذهبوا إليه إن شاء الله في فصل المناقشة لمذهبهم ومذهب غيرهم.2
## المبحث الثالث: الشيعة ورأيهم وهم خمس فرق: كيسانية، وزيدية، وإمامية، وغلاة، وإسماعيلية، وبعضهم يميل في الأصول إلى الاعتزال، وبعضهم إلى السنة، وبعضهم إلى التشبيه.3
وهم الذين شايعوا عليّاً - رضي الله عنه - على الخصوص وقالوا: إنّ عليّاً أفضل الناس بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأحقّهم بالإمامة وولده من بعده.4
وقالوا بإمامته وخلافته، نصّاً ووصاية، واعتقدوا أنّ الإمامة لا تخرج من أولاده، وإن خرجت فبظلم يكون من غيره، أو بتقية من عنده، وقالوا: وليست الإمامة قضية مصلحية، تناط باختيار العامّة، وينتصب

الإمام بنصبهم، بل هي قضية أصولية، هو ركن الدين لا يجوز للرسول - عليه السلام - إغفاله وإهماله، ولا تفويضه إلى العامة... ويجمعهم القول بوجوب التعيين والتنصيص، وثبوت عصمة الأئمة وجوباً عن الكبائر، والصغائر، والقول بالتولّي، والتبرّؤ قولاً، وفعلاً، وعقداً، إلا في حالة التقية، ويخالفهم بعض الزيدية.1
وكان مبدأ مذهب الشيعة على يد زعيمهم - الخبيث - عبد الله بن سبأ اليهودي المتظاهر بالإسلام، وهو منافق حاقد، حيث كان أول من أظهر الطعن في أبي بكر، وعمر، وعثمان صهر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومن ذلك اليوم إلى يومنا هذا والشيعة بهذه العقيدة وتمسكوا بها، والتفّوا حولها، فالذي لا يبغض خلفاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الثلاثة ليس عندهم بشيعي، أي لا يحب عليّاً عندهم. وخلاصة القول في مذهب الشيعة: هو الطعن في أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، بل في كبار الصحابة - رضي الله عنهم -، وإليك أمثلة لذلك من كتبهم: 1 - الطّعن في أبي بكر - رضي الله عنه -: روى الكشي عن زرارة بن أعين عن أبي جعفر أن محمد بن أبي بكر بايع عليّاً - عليه السلام - على البراءة من أبيه.2
ومن الشيعة الذين رفضوا زيد بن علي بن الحسين لما سألوه عن أبي بكر وعمر فأثنى عليهما خيراً، فرفضوه عند ذلك، فسمّوا رافضة، وهم يسبون

الصحابة ويلعنونهم، وقد يغلو البعض في علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -.1 2 - الطعن في عمر: ومن طعن الشيعة في عمر الفاروق - رضي الله عنه - يكذب ابن بابويه القمي الشيعي على الفاروق ويقول: ((قال عمر حين حضره الموت: أتوب إلى الله من ثلاث: اغتصابي هذا الأمر، أنا وأبو بكر من دون الناس، واستخلافه عليهم، وتفضيل المسلمين بعضهم على بعض، ويذكر علي بن إبراهيم القمي الذي هو عندهم ثقة في الحديث، معتمد صحيح المذهب في تفسيره تحت قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً﴾2، قال أبو جعفر: الأول (يعني أبا بكر) يقول: يا ليتني اتخذت مع الرسول عليّاً وليّاً، ((يا ليتني لم أتخذ فلاناً خليلاً)) يعني الثاني (عمر).3
روى الكليني عن أبي عبد الله في قوله - عز وجل -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً﴾4، قال: نزلت في فلان وفلان.. آمنوا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في أول الأمر، وكفروا حيث عرضت عليهم الولاية حين قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((من كنت مولاه فعليٌّ مولاه))، ثم آمنوا بالبيعة لأمير المؤمنين - عليه السلام -، ثم كفروا حيث قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يقرّوا بالبيعة، ثم ازدادوا كفراً بأخذهم من بايعه بالبيعة لهم، فهؤلاء لم يبق فيهم من الإيمان شيء! وبيّن شارح الكافي أن

المراد من فلان وفلان... أبو بكر، وعمر، وعثمان، وكذبوا قاتلهم الله! 3 - طعنهم في بقية أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وأزواجه أمهات المؤمنين، فلم يكتفِ الشيعة بالطعن والتعريض في رحماء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بل تطرقوا إلى أعراض آل النبي ورفقته الكبار، وخاصة الذين هاجروا في سبيل الله وجاهدوا في الله حقّ جهاده، ونشروا دينه الذي ارتضى لهم، ناقمين، وحاسدين جهودهم المشكورة، فهاهم يسبّون حتى عمّ النبي - صلى الله عليه وسلم - العباس... وابنه عبد الله بن العباس، حبر الأمة، وترجمان القرآن... وطعنوا في سيف الله خالد بن الوليد، وطعنوا في عبد الله بن عمر، ومحمد بن مسلمة - رضي الله عنهم - (أجمعين) وطعنوا كذلك في طلحة والزبير، اللذين هما من العشرة المبشرين بالجنة، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((أوجب طلحة))1، يعني الجنة.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الزبير: ((إن لكل نبي حوارياً وحواريِّ الزبير))2، وطعنوا في أنس بن مالك والبراء بن عازب - رضي الله عنهم -. وطعنوا في أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -، وخاصة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وهي المبرأة من فوق سبع سموات، وأخيراً كفَّروا جميع الصحابة عامّة.
هذه هي عقيدة القوم من أولهم إلى آخرهم كما رسمها اليهود لهم، حتى صار دينهم الذي يدينون به دين الشتائم والسّباب، ولكنهم لم يكتفوا بالسّباب والشتائم على عدد

كبير من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بل هوت بهم الهاوية حتى كفَّروا جميع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا النادر منهم، فهذا هو الكشي أحد صناديدهم يروي عن أبي جعفر أنه قال: كان الناس أهل ردّة بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا ثلاثة، فقلت ومن الثلاثة؟ فقال: المقداد بن الأسود، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي.
وذلك قول الله - عز وجل -: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ الله شَيْئاً وَسَيَجْزِي الله الشَّاكِرِينَ)1، ويروى عن أبي جعفر أيضاً أنه قال: ((المهاجرون والأنصار ذهبوا إلا وأشار بيده إلا ثلاثة)).2
فتعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً، ومما افتراه عليه الظالمون من تحريف لآياته، والاستدلال بها على تكفير أوليائه الذين قال فيهم سبحانه: ﴿رَضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾.3
وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.4
وأصل قول الرافضة: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - نصّ على علي نصّاً قاطعاً للعذر، وإنه إمام معصوم ومن خالفه كفر، وإن المهاجرين والأنصار كتموا النصّ، وكفروا بالإمام المعصوم، واتبعوا أهواءهم وبدّلوا الدين،

وغيّروا الشريعة، وظلموا واعتدوا، بل كفروا إلا نفراً قليلاً، إما بضعة عشر أو أكثر، ثم يقولون: إن أبا بكر وعمر، ونحوهما ما زالا منافقين، وقد يقولون: بل آمنوا ثم كفروا، وأكثرهم يكفرون من خالف قولهم، ويسمّون أنفسهم المؤمنين، ومن خالفهم كفاراً، ويجعلون مدائن الإسلام التي لا تظهر فيها أقوالهم دار ردّة أسوأ حالاً من مدائن المشركين والنصارى؛ ولهذا يوالون اليهود والنصارى والمشركين على بعض جمهور المسلمين... ومنهم ظهرت أمهات الزندقة والنفاق، كزندقة القرامطة الباطنية وأمثالهم، ولا ريب أنهم أبعد طوائف المبتدعة عن الكتاب والسنة؛ ولهذا كانوا هم المشهورين عند العامة بالمخالفة للسنة، فجمهور العامة لا تعرف ضدّ السني إلا الرافضي، فإذا قال أحدهم: أنا سني، فإنما معناهُ لست رافضياً1، وسيأتي الرّدّ عليهم إن شاء الله في فصل المناقشة.2
## المبحث الرابع: المرجئة ورأيهم الإرجاء على معنيين: أحدهما بمعنى التأخير كما في قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاه﴾3أي أمهله وأخّره.
والثاني إعطاء الرجاء: أما إطلاق اسم المرجئة على الجماعة بالمعنى الأوّل فصحيح؛ لأنهم كانوا يؤخّرون العمل عن النّيّة والعقد، أي يؤخرون العمل عن مُسمّى الإيمان، وأما المعنى الثاني فظاهر؛ فإنهم كانوا

يقولون: لا تضرّ مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة.1
والمرجئة أربعة أصناف: مرجئة الخوارج، ومرجئة القدرية، ومرجئة الجبرية، والمرجئة الخالصة وهم فرق.2
وهم قوم يقولون: لا يضرّ مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وقالوا: لا يدخل النار أحد دون الكفر بالكلية.
ولا تفاضل عندهم بين إيمان الفاسق الموحد، وبين إيمان أبي بكر وعمر، ولا فرق عندهم بين المؤمنين والمنافقين إذ الكلّ ينطق بالشّهادتين نسأل الله العافية

فهؤلاء في طرف والخوارج في طرف آخر.1
فالمرجئة قالوا: لا نُكفّر من أهل القبلة أحداً، فنفوا التكفير نفياً عامّاً، مع العلم بأن في أهل القبلة المنافقين الذين فيهم من هو أكفر من اليهود والنصارى، بالكتاب، والسنة، والإجماع، وفيهم من قد يظهر بعض ذلك حيث يمكنهم، وهم يتظاهرون بالشهادتين، فلا خلاف بين المسلمين أن الرجل لو أظهر إنكار الواجبات الظاهرة المتواترة، والمحرمات الظاهرة المتواترة، ونحو ذلك فإنه يُستتاب، فإن تاب وإلا قتل كافراً مرتدّاً2، ومذهب المرجئة موافق لمذهب الجهمية بأن الدين واحد لا يزيد ولا ينقص، فإيمان أفسق الناس كإيمان أطوعهم لله، والإيمان في مذهب المرجئة هو مجرد التصديق3، وسيأتي الرّدّ عليهم إن شاء الله في فصل المناقشة.4
## الفصل الثاني: مناقشة الآراء السابقة وتقرير الحق بالدليل

جارٍ التحميل